Полный текст (1 589 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وأخاطبهم عَنهُ فِي أَمر ضيَاعه وأسبابه.
فَكتبت نُسْخَة، قلت فِيهَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعزه الله، لما وقف على تمويه من موه عَلَيْهِ فِي أمرنَا؛ فعل وصنع.
فَلَمَّا وقف على هَذَا الْفَصْل؛ خطّ على هَذَا الْحَرْف، وأبدله بِغَيْرِهِ، وَلم يُغير فِي النُّسْخَة سواهُ.
وَقَالَ لي: إِذا فرغت من تَحْرِير الْكتب، فأذكرني بالتمويه، أحَدثك بِمَا كرهته لَهُ.
قَالَ: فحررت الْكتب، فَلَمَّا خلا؛ سَأَلته: لم ضرب على التمويه؟ فَقَالَ: نعم لما غضب عَليّ الواثق، وعَلى أَحْمد بن الخصيب؛ بِسَبَب إيتاخ، وأشناس، كَانَت موجدته علينا بِسَبَب وَاحِد، وحبسه لنا فِي معنى وَاحِد، فَمَكثْنَا فِي الْحَبْس والقيد، إِلَى أَن كلم فِينَا، فَأمر بإحضارنا.
فَقلت لِأَحْمَد بن الخصيب: قد دَعَانَا، وأظن أَنه سيوبخنا، ويعدد علينا مَا قرفنا بِهِ عِنْده؛ ليخرج مَا فِي نَفسه، فيعظم منته علينا، بِمَا يَأْتِيهِ من إطلاقنا، وَأعرف عجلتك، وتسرعك إِلَى مَا يَضرك، وَكَأَنِّي بك حِين يَبْتَدِئ
стр. 842
بتقريعنا، قد قطعت كَلَامه، وأنحيت عَلَيْهِ بلسانك ويديك، فأنشأت لنا اسْتِئْنَاف غضب وموجدة، وأكسبتنا شرا مِمَّا قد أملنا الْخَلَاص مِنْهُ.
فَقَالَ لي: فَمَا أعمل؟ قلت: لست أحسبك تتهمني على نَفسِي وَلَا عَلَيْك، وَلَا تشك أننا حبسنا لقضية وَاحِدَة، فولني جَوَابه، وأعرني سكوتك، وَدعنِي أرْفق بِهِ، وأخدعه بِمَا تخدع بِهِ الْمُلُوك، فَلَعَلَّنَا نتخلص من الْمَكْرُوه الَّذِي نَحن فِيهِ.
قَالَ: افْعَل.
فاستحلفته على ذَلِك، فَحلف لي.
فَلَمَّا دَخَلنَا الصحن؛ وجدنَا الْخَلِيفَة يستاك، وَبَين يَدَيْهِ طست ذهب، وإبريق ذهب، بيد فرَاش قَائِم، وبيد الْخَلِيفَة مسواك طوله ذراعان.
فَلَمَّا رآنا، قَالَ: أَحْسَنت إلَيْكُمَا واصطنعتكما، فخنتماني، وكفرتما نعمتي، وفعلتما، وصنعتما.
فَكَأَنِّي، وَالله، إِنَّمَا أوصيت أَحْمد بن الخصيب، أَلا يَدعه ينْطق.
فَقَالَ لَهُ، وَقد رفع يَدَيْهِ فِي وَجهه: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا بلغك عَنَّا الْحق، وَلَا فعلنَا شَيْئا مِمَّا سعي بِنَا، وَلَقَد موه عَلَيْك فِي أمرنَا.
فَقَالَ: إِنَّمَا يموه على غبي مثلك، فأومأت إِلَيْهِ بعيني، فَأمْسك بعض الْإِمْسَاك.
وَعَاد الواثق يتمم كَلَامه، ويعد علينا نعمه ومننه، فَمَا ملك أَحْمد نَفسه، أَن رفع يَده، وَقَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا كفرنا نِعْمَتك، وَلَا فعلنَا، وَلَا صنعنَا، إِنَّمَا موه على أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمرنَا.
стр. 843
فَقَالَ: يَا جَاهِل، قد عدت لَهَا، إِنَّمَا يجوز التمويه على أَحمَق مثلك، وأومأت إِلَيْهِ بعيني، فَأمْسك.
وَعَاد الواثق فِي كَلَامه، فَمَا انضبط أَحْمد أَن رد قَوْله، وَجَاء بالتمويه.
فحين سَمعهَا الواثق، انقلبت عَيناهُ فِي أم رَأسه، واستشاط غَضبا، وَأَغْلظ لَهُ فِي الشتم، وحذفه بالمسواك، فلولا أَنه زاغ عَنهُ؛ لهشم وَجهه، وأعمى عينه.
ثمَّ قَالَ: يَا غلْمَان، أَخْرجُوهُ إِلَى لعنة الله، فَأخْرج أخزى خلق الله.
ونالني من الْجزع وَالْغَم والحيرة فِي أمره أَمر عَظِيم، وَلم أدر أَقف، أم أمضي، وَخفت إِن وقفت أَن يَقُول: مَا وقوفك بَين يَدي، وقضيتكما وَاحِدَة؟ وَإِن مضيت أَن نرد جَمِيعًا إِلَى الْحَبْس، فَرَجَعت أتقهقر عَن موضعي قَلِيلا، كَأَنِّي أُرِيد الْخُرُوج.
فَقَالَ لي: مَكَانك أَنْت يَا سُلَيْمَان، هَب هَذَا على مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَنْت أَيْضا، تنكر أَنَّك فعلت كَذَا، وصنعت كَذَا! فَوجدت السَّيْل إِلَى مَا أردْت، فَلم أزل أعترف، وألزم نَفسِي الْجِنَايَة، وأديم الخضوع والاستعطاف، وأسأل الصفح وَالْإِقَالَة، إِلَى أَن قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك، فَقبلت الأَرْض، وبكيت.
فَقَالَ: اخلعوا عَلَيْهِ، واصرفوه إِلَى منزله، وليلزم الدَّار على عَادَته ورسمه.
فَلَمَّا وليت؛ قَالَ: وَذَلِكَ الْكَلْب، قد كنت أردْت الْعَفو عَنهُ، فَأَخْرجنِي عَن حلمي سوء أدبه، فاخلعوا عَلَيْهِ أَيْضا.
فَخرجت، وَإِذا بِأَحْمَد فِي بعض الممرات، فعرفته الْخَبَر، ثمَّ قلت لَهُ: يَا هَذَا، كدت أَن تَأتي علينا، أَرَأَيْت أحدا يُكَرر على الْخَلِيفَة لَفْظَة قد كرها، وأنكرها، ثَلَاث مَرَّات؟ أوما علمت أَن التمويه فِي الْحَقِيقَة ضرب من السخرية؟ قَالَ: فَلم يخرج من قلبِي فزع التمويه، من ذَلِك الْوَقْت، إِلَى الْآن.
стр. 844
غضب الرشيد على مَرْوَان بن أبي حَفْصَة لمدحه معن بن زَائِدَة وضربه مائَة سَوط
حَدثنِي عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج المكفوف، الْمَعْرُوف بـ: أبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي، عَن عَمه، قَالَ: بعث إِلَيّ الرشيد فِي وَقت لم تكن عَادَته أَن يستدعيني فِي مثله، وَجَاءَنِي الرَّسُول بِوَجْه مُنكر، فأحضرني إحضارا عنيفا مُنْكرا مستعجلا، فوجلت وجلا شَدِيدا، وَخفت، وَجَزِعت.
فَدخلت، فَإِذا الرشيد على بِسَاط عَظِيم، وَإِلَى جَانِبه كرْسِي خيزران، عَلَيْهِ جوَيْرِية خماسية، فَسلمت، فَلم يرد عَليّ، وَلَا رفع رَأسه إِلَيّ، وَجعل ينكت الأَرْض بإصبعه.
فَقلت: سعي بِي عِنْده بباطل، يهلكني قبل كشفه، وأيست من الْحَيَاة.
فَرفع رَأسه، وَقَالَ: يَا أصمعي، أَلا ترى الدعي ابْن الدعي، الْيَهُودِيّ، عبد بني حنيفَة، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، يَقُول لِمَعْنٍ بن زَائِدَة، وَإِنَّمَا هُوَ عبد من عبيدنا:
стр. 845
أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بعد معن ... مقَاما لَا نُرِيد بِهِ زيالا
وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معن ... وَقد ذهب النوال فَلَا نوالا؟
وَكَانَ النَّاس كلهم لِمَعْنٍ ... إِلَى أَن زار حفرته عيالا
فَقَالَ: إِن النوال قد ذهب، مَعَ بقائنا، فَمَا يصنع بِنَا إِذن؟ وَلم يرض حَتَّى جعلني وخاصتي عيالا لِمَعْنٍ، وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بِهِ ولأصنعن.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عبد من عبيدك، أَنْت أولى بأدبه، أَو الْعَفو عَنهُ.
فَقَالَ: عَليّ بِمَرْوَان، فَدخل عَلَيْهِ.
فَقَالَ: السِّيَاط، فَأخذ الخدم يضربونه بهَا، وَهُوَ يَصِيح: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا ذَنبي؟ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، استبقني، إِلَى أَن ضرب أَكثر من مائَة سَوط.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اعْفُ عني، وَاذْكُر قولي فِيك، وَفِي آبَائِك.
فَقَالَ: يَا غُلَام، كف عَنهُ، ثمَّ قَالَ: مَا قلت، يَا كلب؟ فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
هَل تطمسون من السَّمَاء نجومها ... بأكفكم أم تسترون هلالها؟
стр. 846
أم تدفعون مقَالَة عَن ربه؟ ... جِبْرِيل بلغَهَا النَّبِي فَقَالَهَا
شهِدت من الْأَنْفَال آخر آيَة ... بتراثهم فأردتمُ إِبْطَالهَا
فدعوا الْأسود خوادرا فِي غيلها ... لَا تولغن دماءكم أشبالها
قَالَ: فَأمر بِإِطْلَاقِهِ، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم.
فَلَمَّا خرج؛ قَالَ: يَا أصمعي، تَدْرِي من هَذِه الصبية؟ قلت: لَا أَدْرِي.
قَالَ: هَذِه مؤنسة بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فدعوت لَهُ وَلها، وتأملته، فَإِذا هُوَ شَارِب ثمل.
قَالَ: قُم فَقبل رَأسهَا.
فَقلت: أفلتّ من وَاحِدَة، وَدفعت إِلَى أُخْرَى أَشد مِنْهَا، إِن أطعته أَدْرَكته الْغيرَة فقتلني، وَإِن عصيته قتلني بمعصيتي لَهُ، فَلَمَّا أحب الله، ، من تَأْخِير أَجلي، ألهمني أَن وضعت كمي على رَأسهَا، وَقبلت كمي.
فَقَالَ: وَالله يَا أصمعي، لَو أخطأتها لقتلتك، أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَالْحق بدارك.
فَخرجت وَأَنا مَا أصدق بالسلامة، فَكيف بالحباء والكرامة.
стр. 847
أمدح بَيت قالته الْعَرَب
قَالَ الْمفضل بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ: أَصبَحت يَوْمًا بِبَغْدَاد، فِي خلَافَة الْمهْدي، وَأَنا من أَشد النَّاس إضاقة وضرا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، حيرة وفكرا.
فَخرجت فَجَلَست على بَاب منزلي بالصراة، أفكر فِيمَا أصنع، فَإِذا أَنا برَسُول الْمهْدي، قد وقف عَليّ.
فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فراعني، وساء ظَنِّي.
فَقلت: أَدخل، فألبس ثِيَابِي.
فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَاشْتَدَّ جزعي، وخشيت أَن يأخذني بِمَا كَانَ بيني وَبَين إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، ﵃.
فاستدعيت ثِيَابِي، وجددت وضُوءًا على الْبَاب، وَلم أخبر أَهلِي بقصتي،
стр. 848
وَلَا بِمَا هجم من الْغم عَليّ.
وَقلت: إِن كَانَ خيرا، أَو شرا، فسيبلغهم، فَمَا معنى تَعْجِيل الْهم لَهُم؟ ومضيت مَعَ الرَّسُول، حَتَّى دخلت على الْمهْدي، وَأَنا فِي نِهَايَة الْجزع، فَسلمت، فَرد عَليّ السَّلَام.
فَقلت فِي نَفسِي: لَيْسَ إِلَّا خيرا.
فَقَالَ: لَهُ اجْلِسْ يَا مفضل، فَجَلَست.
فَقَالَ: أَخْبرنِي عَن أمدح بَيت قالته الْعَرَب.
فتبلدت سَاعَة، لَا أذكر شَيْئا، ثمَّ أجْرى الله على لساني، أَن قلت: قَول الخنساء.
فأشرق وَجهه، وَقَالَ: حَيْثُ تَقول مَاذَا؟ فَقلت: حَيْثُ تَقول:
وَإِن صخرا لوالينا وَسَيِّدنَا ... وَإِن صخرا إِذا نشتو لنحّار
وَإِن صخرا لتأتم الهداة بِهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار
فَاسْتَبْشَرَ بِهِ، وَقَالَ: قد أخْبرت هَؤُلَاءِ بِهَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى جمَاعَة بَين يَدَيْهِ، فَلم يقبلُوا مني.
قلت: كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَحَق بِالصَّوَابِ مِنْهُم.
قَالَ: يَا مفضل، حَدثنِي الْآن.
قلت: أَي الْأَحَادِيث؟
стр. 849
قَالَ: أَحَادِيث الْأَعْرَاب.
فَلم أزل أحدثه، بِأَحْسَن مَا أحفظ مِنْهَا، إِلَى أَن كَاد الْمُنَادِي بِالظّهْرِ أَن يُنَادي.
ثمَّ قَالَ لي: كَيفَ حالك، يَا مفضل؟ قلت: مَا يكون حَال رجل عَلَيْهِ عشرُون ألف دِرْهَم دينا حَالا، وَلَيْسَ فِي رزقه فضل لقضائها، وقصصت عَلَيْهِ قصَّة حَالي ويومي فِي الْإِضَافَة.
فَقَالَ: يَا عمر بن بزيع، ادْفَعْ إِلَيْهِ السَّاعَة عشْرين ألف دِرْهَم يقْضِي بهَا دينه، وَعشْرين ألف دِرْهَم يصلح بهَا حَاله، وَعشْرين ألف دِرْهَم يُجهز بهَا بَنَاته، ويوسع بهَا على عِيَاله.
ثمَّ قَالَ: يَا مفضل، مَا أحس مَا قَالَ ابْن مطير، فِي مثل حالك:
وَقد تغدر الدُّنْيَا فيضحى غنيها ... فَقِيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها
وَكم قد رَأينَا من تكدر عيشة ... وَأُخْرَى صفا بعد اكدرار غديرها
فَأخذت المَال، وانصرفت إِلَى بَيْتِي بستين ألف دِرْهَم، بعد الْإِيَاس، وتوطين النَّفس على ضرب الرَّقَبَة.
стр. 850
بَين الْأَصْمَعِي والبقال الَّذِي على بَاب الزقاق
وجدت فِي بعض الْكتب عَن الْأَصْمَعِي، قَالَ: كنت بِالْبَصْرَةِ أطلب الْعلم، وَأَنا مقل، وَكَانَ على بَاب زقاقنا بقال، إِذا خرجت باكرا؛ يَقُول لي: إِلَى أَيْن؟ فَأَقُول: إِلَى فلَان الْمُحدث، وَإِذا عدت مسَاء؛ يَقُول لي: من أَيْن؟ فَأَقُول: من عِنْد فلَان الأخباري، أَو اللّغَوِيّ.
فَيَقُول: يَا هَذَا، اقبل وصيتي، أَنْت شَاب، فَلَا تضيع نَفسك، واطلب معاشا يعود عَلَيْك نَفعه، وَأَعْطِنِي جَمِيع مَا عنْدك من الْكتب، حَتَّى أطرحها فِي الدن، وأصب عَلَيْهَا من المَاء للعشرة أَرْبَعَة، وأنبذه، وَأنْظر مَا يكون مِنْهُ، وَالله، لَو طلبت مني، بِجَمِيعِ كتبك، جرزة بقل، مَا أَعطيتك.
فيضيق صَدْرِي بمداومته هَذَا الْكَلَام، حَتَّى كنت أخرج من بَيْتِي لَيْلًا، وَأدْخلهُ لَيْلًا، وحالي، فِي خلال ذَلِك، تزداد ضيقا، حَتَّى أفضيت إِلَى بيع آجر أساسات دَاري، وَبقيت لَا أهتدي إِلَى نَفَقَة يومي، وَطَالَ شعري، وأخلق ثوبي، واتسخ بدني.
فَأَنا كَذَلِك متحيرا فِي أَمْرِي، إِذْ جَاءَنِي خَادِم للأمير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، فَقَالَ: أجب الْأَمِير.
стр. 851
فَقلت: مَا يصنع الْأَمِير بِرَجُل بلغ بِهِ الْفقر إِلَى مَا ترى؟ فَلَمَّا رأى سوء حَالي، وقبح منظري؛ رَجَعَ فَأخْبر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بخبري، وَعَاد إِلَيّ، وَمَعَهُ تخوت ثِيَاب، ودرج فِيهِ بخور، وكيس فِيهِ ألف دِينَار.
وَقَالَ: قد أَمرنِي الْأَمِير أَن أدْخلك الْحمام، وألبسك من هَذِه الثِّيَاب، وأدع بَاقِيهَا عنْدك، وأطعمك من هَذَا الطَّعَام، وَإِذا بخوان كَبِير فِيهِ صنوف الْأَطْعِمَة، وأبخرك؛ لترجع إِلَيْك نَفسك، ثمَّ أحملك إِلَيْهِ.
فسررت سُرُورًا شَدِيدا، ودعوت لَهُ، وعملت مَا قَالَ، ومضيت مَعَه، حَتَّى دخلت على مُحَمَّد بن سُلَيْمَان، فَسلمت عَلَيْهِ، فقربني، ورفعني.
ثمَّ قَالَ: يَا عبد الْملك، قد اخْتَرْتُك لتأديب ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ، فاعمل على الْخُرُوج إِلَى بَابه، وَانْظُر كَيفَ تكون؟ فشكرته ودعوت لَهُ، وَقلت: سمعا وَطَاعَة، سأخرج شَيْئا من كتبي وأتوجه.
فَقَالَ: وَدعنِي، وَكن على الطَّرِيق غَدا.
فَقبلت يَده، وَقمت، فَأخذت مَا احتجت إِلَيْهِ من كتبي، وَجعلت بَاقِيهَا
стр. 852
فِي بَيت وسددت بَابه، وأقعدت فِي الدَّار عجوزا من أهلنا، تحفظها.
وباكرني رَسُول الْأَمِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان، وأخذني، وَجَاء بِي إِلَى زلال قد اتخذ لي، وَفِيه جَمِيع مَا أحتاج إِلَيْهِ، وَجلسَ معي ينْفق عَليّ، حَتَّى وصلت إِلَى بَغْدَاد.
وَدخلت على أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ السَّلَام.
وَقَالَ: أَنْت عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي.
قلت: نعم، أَنا عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ بن قريب الْأَصْمَعِي.
قَالَ: اعْلَم أَن ولد الرجل مهجة قلبه، وَثَمَرَة فُؤَاده، وهوذا أسلم إِلَيْك ابْني مُحَمَّدًا بأمانة الله، فَلَا تعلمه مَا يفْسد عَلَيْهِ دينه، فَلَعَلَّهُ أَن يكون للْمُسلمين إِمَامًا.
قلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَأخْرجهُ إِلَيّ، وحولت مَعَه إِلَى دَار، قد أخليت لتأديبه، وَأَخْدَم فِيهَا من أَصْنَاف الخدم والفرش، وَأجْرِي عَليّ فِي كل شهر عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَأمر أَن تخرج إِلَيّ فِي كل يَوْم مائدة، فَلَزِمته.
وَكنت مَعَ ذَلِك، أَقْْضِي حوائج النَّاس، وآخذ عَلَيْهَا الرغائب، وأنفذ جَمِيع مَا يجْتَمع لي، أَولا فأولا، إِلَى الْبَصْرَة، فأبني دَاري، وأشتري عقارا وضياعا.
فأقمت مَعَه، حَتَّى قَرَأَ الْقُرْآن، وتفقه فِي الدَّين، وروى الشّعْر واللغة، وَعلم أَيَّام النَّاس وأخبارهم.
стр. 853
واستعرضه الرشيد، فأعجب بِهِ، وَقَالَ: يَا عبد الْملك، أُرِيد أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فِي يَوْم الْجُمُعَة، فاختر لَهُ خطْبَة، فحفظه إِيَّاهَا.
فحفظته عشرا، وَخرج، فصلى بِالنَّاسِ، وَأَنا مَعَه، فأعجب الرشيد بِهِ، وَأَخذه نثار الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم من الْخَاصَّة والعامة، وأتتني الجوائز والصلات من كل نَاحيَة، فَجمعت مَالا عَظِيما.
ثمَّ استدعاني الرشيد، فَقَالَ: يَا عبد الْملك، قد أَحْسَنت الْخدمَة، فتمن.
قلت: مَا عَسى أَن أَتَمَنَّى، وَقد حزت أماني.
فَأمر لي بِمَال عَظِيم، وَكِسْوَة كَثِيرَة، وَطيب فاخر، وَعبيد، وإماء، وَظهر، وفرش، وَآلَة.
فَقلت: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْذَن لي فِي الْإِلْمَام بِالْبَصْرَةِ، وَالْكتاب إِلَى عَامله بهَا، أَن يُطَالب الْخَاصَّة والعامة، بِالسَّلَامِ عَليّ ثَلَاثَة أَيَّام، وإكرامي بعد ذَلِك.
فَكتب إِلَيْهِ بِمَا أردْت، وانحدرت إِلَى الْبَصْرَة، وداري قد عمرت، وضياعي قد كثرت، ونعمتي قد فَشَتْ، فَمَا تَأَخّر عني أحد.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث؛ تَأَمَّلت أصاغر من جَاءَنِي، فَإِذا الْبَقَّال، وَعَلِيهِ عِمَامَة وسخة، ورداء لطيف، وجبة قَصِيرَة، وقميص طَوِيل، وَفِي رجله جرموقان، وَهُوَ بِلَا سَرَاوِيل.
فَقَالَ: كَيفَ أَنْت يَا عبد الْملك؟ فاستضحكت من حماقته، وخطابه لي بِمَا كَانَ يخاطبني بِهِ الرشيد.
وَقلت: بِخَير، وَقد قبلت وصيتك، وجمعت مَا عِنْدِي من الْكتب،
стр. 854
وطرحتها فِي الدن، كَمَا أمرت، وصببت عَلَيْهَا من المَاء للعشرة أَرْبَعَة، فَخرج مَا ترى.
ثمَّ أَحْسَنت إِلَيْهِ بعد ذَلِك، وَجَعَلته وَكيلِي.
стр. 855
الْمُنْذر بن الْمُغيرَة الدِّمَشْقِي أحد صنائع البرامكة
قَالَ مسرور الْكَبِير: استدعاني الْمَأْمُون، فَقَالَ لي: قد أَكثر عَليّ أَصْحَاب أَخْبَار السِّرّ، أَن شَيخا يَأْتِي خرائب البرامكة، فيبكي وينتحب طَويلا، ثمَّ ينشد شعرًا يرثيهم بِهِ، وينصرف، فاركب أَنْت ودينار بن عبد الله، واستترا بالجدران، فَإِذا جَاءَ الشَّيْخ فأمهلاه، حَتَّى تشاهدا مَا يفعل، وتسمعا مَا يَقُول، فَإِذا أَرَادَ الِانْصِرَاف؛ فاقبضا عَلَيْهِ، وأتياني بِهِ.
قَالَ مسرور: فركبت أَنا ودينار مغلسين، فأتينا الْموضع، فاختفينا فِيهِ، وأبعدنا الدَّوَابّ.
فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل، إِذا بخادم أسود قد أقبل، وَمَعَهُ كرْسِي حَدِيد، فطرحه، وَجَاء على أَثَره كهل، فَجَلَسَ على الْكُرْسِيّ، وَتَلفت يَمِينا وَشمَالًا، فَلم ير أحدا، فَبكى وانتحب، حَتَّى قلت: قد فَارق الدُّنْيَا، وَأَنْشَأَ يَقُول:
أما وَالله لَوْلَا خوف واشٍ ... وَعين للخليفة لَا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كَمَا للنَّاس بِالْحجرِ استلام
ثمَّ بَكَى طَويلا، وَأَنْشَأَ يَقُول:
стр. 856
وَلما رَأَيْت السَّيْف جلل جعفرا ... ونادى منادٍ للخليفة فِي يحيى
بَكَيْت على الدُّنْيَا وَزَاد تأسفي ... عَلَيْهَا وَقلت الْآن لَا تَنْفَع الدُّنْيَا
وَذكر أبياتا طَوِيلَة، لَا تدخل فِي كتابي هَذَا، فأرويها.
قَالَ: فَلَمَّا فرغ من إنشاده وَقَامَ؛ قبضنا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُونَ؟ قلت: هَذَا دِينَار بن عبد الله، وَأَنا مسرور خَادِم أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهُوَ يستدعيك.
فَأبْلسَ، ثمَّ قَالَ: إِنِّي لَا آمنهُ على نَفسِي فأمهلاني حَتَّى أوصِي.
فَقلت: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ، فَقَامَ، وَسَار، وَنحن مَعَه، حَتَّى أَتَى بعض دكاكين العلافين، بفرضة الْفِيل.
стр. 857
فاستدعي دَوَاة وبياضا، وَكتب فِيهَا وَصيته، وَدفعهَا إِلَى الْخَادِم الَّذِي كَانَ مَعَه، وأنفذه إِلَى منزله، وسرنا بِهِ، حَتَّى أدخلْنَاهُ على الْمَأْمُون، فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ؛ زبره، وانتهره.
ثمَّ قَالَ لَهُ: من أَنْت؟ وَبِمَ اسْتحق مِنْك البرامكة مَا تصنع فِي دُورهمْ وخراباتهم؟ فَقَالَ غير هائب، وَلَا محتشم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن للبرامكة عِنْدِي أياد، فَإِن أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ حدثته بإحداها.
فَقَالَ: هَات.
قَالَ: أَنا الْمُنْذر بن الْمُغيرَة الدِّمَشْقِي، من ذَوي الْحسب، نشأت فِي ظلّ نعم قديمَة، فَزَالَتْ عني، كَمَا تَزُول النعم عَن النَّاس، حَتَّى أفضيت إِلَى بيع مسْقط رَأْسِي ورءوس آبَائِي، وأملقت حَتَّى لَا غَايَة، فأشير عَليّ بِقصد البرامكة.
فَخرجت من الشَّام إِلَى بَغْدَاد، وَمَعِي نَيف وَعِشْرُونَ امْرَأَة وصبيا وصبية، فَدخلت بهم مَدِينَة السَّلَام، فأنزلتهم فِي مَسْجِد.
ثمَّ عَمَدت إِلَى ثويبات كنت قد أعددتها للقاء النَّاس، والتذرع بهَا للبرامكة، فلبستها، وسلكت الطَّرِيق، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، وَكنت كَمَا قيل:
وَأصْبح لَا يدْرِي وَإِن كَانَ حازما ... أقدامه خير لَهُ أم وَرَاءه؟
فَلَمَّا قَالَ ذَلِك؛ بَكَى الْمَأْمُون، فَقَالَ لَهُ مسرور: أقصر يَا رجل، فقد أَتعبت أَمِير الْمُؤمنِينَ بوصفك.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: دَعه يتحدث بِمَا يُرِيد.
стр. 858
قَالَ: نعم، وَتركت عيالي جياعا لَا نَفَقَة لَهُم، وَلَا مَعَهم مَا يُبَاع، فأفضيت إِلَى مَسْجِد مزخرف، فِيهِ جمع شُيُوخ، بِأَحْسَن زِيّ، وأجمل هَيْئَة، فطمعت فِي مخاطبتهم، فَصَعدت إِلَى الْمَسْجِد، فَجَلَست مَعَهم، لم أَزْد على السَّلَام، وَجعلت أردد فِي صَدْرِي كلَاما أخاطبهم بِهِ، فيحصرني التشور، ويخجلني ذل الْمَسْأَلَة، ويحبسني عَن الْكَلَام، وأتصبب عرقا؛ حَيَاء وخوفا من أَن يُقَال لي: من أَنْت، وَمَا تُرِيدُ؟ وَمَا يمكنني الْجَواب، وَلَا أَدْرِي مَا أخاطبهم بِهِ، إِذْ لم تكن لي عَادَة بالخوض فِي مثله.
فَأَنا كَذَلِك، إِذْ جَاءَ خَادِم فاستدعى الْقَوْم، فَقَامُوا، وَقمت مَعَهم، ومضينا، فأدخلوا دَارا ذَات دهليز طَوِيل، فَدخلت مَعَهم، وأفضينا إِلَى صحن وَاسع، وَإِذا شيخ بهي، فَإِذا هُوَ يحيى بن خَالِد، على دكة أبنوس فِي صحن الدَّار، فِي وسط الْبُسْتَان، وَله ميدان عِنْد بركَة، وَقد نصب عَلَيْهَا كراسي أبنوس.
وَأَقْبل الْقَوْم، فجلسوا، وَجَلَست مَعَهم، وَتَأمل الخدم الْقَوْم وعددهم، فَإِذا نَحن مائَة رجل وَرجل، فَدخل الخدم وغابوا، ثمَّ خرج مائَة خَادِم وخادم، فِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم مجمرة من ذهب، فِيهَا قِطْعَة كالفهر من عنبر، والخدم بأفخر الثِّيَاب، عَلَيْهِم مناطق الذَّهَب المرصعة بالجوهر، وهم يطيفون بِغُلَام، حِين اخضر شَاربه، حسن الْوَجْه، فسجروا العنبر.
وَأَقْبل يحيى على الزريقي القَاضِي، وَقَالَ: زوج ابْن أخي هَذَا، بِابْنَتي عَائِشَة على صدَاق قدره مائَة ألف دِرْهَم.
فَخَطب، وَعقد النِّكَاح، وأخذنا النثار من فتات الْمسك، وبنادق العنبر،
стр. 859
وتماثيل الند الصغار، والتقط النَّاس، والتقطت.
ثمَّ جَاءَ مائَة خَادِم وخادم، فِي يَد كل وحد مِنْهُم صينية فضَّة فِيهَا ألف دِينَار، مخلوطة بالمسك، فَوضع بَين يَدي كل رجل منا صينية.
فَأَقْبَلت الْجَمَاعَة تكور الدَّنَانِير فِي أكمامها، وَتَأْخُذ الصواني تَحت آباطها، وتنصرف، الأول فَالْأول، حَتَّى بقيت وحدي، لَا أجسر على أَخذ الصينية وَمَا فِيهَا، والأسف وَالْحَاجة يمنعاني أَن أقوم وأدعها، وَأَنا مطرق مفكر.
حَتَّى ضَاقَ صَدْرِي، فَرفعت رَأْسِي، فغمزني بعض الخدم على أَخذهَا وَالْقِيَام، فأخذتها وَقمت، وَأَنا لَا أصدق، وَجعلت أَمْشِي وأتلفت، خوفًا من أَن يَتبعني من يَأْخُذهَا، وَيحيى يلاحظني من حَيْثُ لَا أعلم.
فَلَمَّا قاربت السّتْر؛ رددت، فأيست من الصينية، فَجئْت، وَهِي معي، حَتَّى قربت مِنْهُ، فَأمرنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَست.
فَسَأَلَنِي عَن حَالي، وقصتي، وَمن أَنا، فصدقته، حَتَّى إِذا بلغت إِلَى تركي عيالي فِي الْمَسْجِد؛ بَكَى.
ثمَّ قَالَ: عَليّ بمُوسَى، فجَاء.
فَقَالَ: يَا بني، هَذَا رجل من أَبنَاء النعم، قد رمته الْأَيَّام بصروفها، والنوائب بحتوفها، فَخذه، واخلطه بِنَفْسِك، واصطنعه.
فأخذني مُوسَى إِلَى دَاره، فَخلع عَليّ من أَفْخَر ثِيَابه، وَأمر بِحِفْظ الصينية لي، وقضيت على ذَلِك يومي وليلتي.
ثمَّ استدعى أَخَاهُ الْعَبَّاس من الْغَد، وَقَالَ لَهُ: إِن الْوَزير سلم إِلَيّ هَذَا الْفَتى، وَأَمرَنِي فِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَأُرِيد أَن أركب الْيَوْم إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلْيَكُن عنْدك الْيَوْم حَتَّى أرتجعه غَدا، فَكَانَ يومي عِنْده مثل أمسي.
وَأَقْبلُوا يتداولوني كل يَوْم، وَاحِدًا بعد وَاحِد، وَأَنا قلق بِأَمْر عيالي، إِلَّا أنني لَا أذكرهم إجلالا لَهُم.
стр. 860
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْعَاشِر؛ أدخلت إِلَى الْفضل بن يحيى، فأقمت فِي دَاره يومي وليلتي.
فَلَمَّا أَصبَحت؛ جَاءَنِي خَادِم من خدمه، فَقَالَ: يَا هَذَا، قُم إِلَى عِيَالك وصبيانك.
فَقلت: إِنَّا لله، لم أحصل لهَؤُلَاء الصّبيان على الْأكل وَالشرب، والصينية وَمَا فِيهَا، وَمَا حصلته من النثار ذهب، فليت هَذَا كَانَ من أول يَوْم، وَكَيف أتوصل الْآن إِلَى يحيى، وَأي طَرِيق لي إِلَيْهِ؟ وتلاعبت بِي الأفكار مَخَافَة الْيَأْس، وأظلمت الدُّنْيَا فِي عَيْني، وَقمت أجر رجْلي، وَالْخَادِم يمشي بَين يَدي، حَتَّى أخرجني من الدَّار، فازداد إياسي، وَمَا زَالَ يمشي بَين يَدي حَتَّى أدخلني إِلَى دَار كَأَن الشَّمْس تطلع من جوانبها، وفيهَا من صنوف الْفرش والأثاث والآلات، مَا يكون فِي مثلهَا.
فَلَمَّا توسطتها؛ رَأَيْت عيالي أَجْمَعِينَ فِيهَا، يرتعون فِي الديباج والشفوف، وَقد حمل إِلَيْهِم مائَة ألف دِرْهَم، وَعشرَة آلَاف دِينَار، والصينية والنثار، وَسلم إِلَيّ الْخَادِم صك ضيعتين جليلتين.
وَقَالَ: هَذِه الدَّار وَمَا فِيهَا والضياع بغلاتها، لَك.
فأقمت مَعَ البرامكة فِي أَخفض عَيْش، وَأجل حَال، حَتَّى نزلت بهم النَّازِلَة.
ثمَّ قصدني عَمْرو بن مسْعدَة فِي الضيعتين، فألزمني فِي خراجهما، مَا لَا يَفِي بِهِ دخلهما.
стр. 861
فلحقتني شدَّة عَظِيمَة، فَكلما لحقتني نائبة، واشتدت بِي بلية؛ قصدت دُورهمْ ومنازلهم، فبكيتهم، ورثيتهم، وشكرتهم، ودعوت لَهُم على مَا كَانَ مِنْهُم إِلَيّ، وشكوت مَا حل بِي بعدهمْ، فأجد لذَلِك رَاحَة.
قَالَ: فاستدعى الْمَأْمُون عَمْرو بن مسْعدَة، فَلَمَّا أُتِي بِهِ؛ قَالَ لَهُ: أتعرف هَذَا الرجل؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هُوَ بعض صنائع البرامكة.
فَأمره أَن يرد على الرجل، كلما استخرج مِنْهُ، وَأَن يُقرر خراجه على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيَّام البرامكة، وَأَن يَجْعَل لَهُ ضَيْعَة أُخْرَى من جملَة الإيغارات، يكون دَخلهَا لَهُ، ويتخذ بِهِ سجلا، وَأَن يقْضِي حَقه ويكرمه، فَبكى الشَّيْخ بكاء شَدِيدا.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: ألم اسْتَأْنف إِلَيْك جميلا، فَمَا بكاؤك؟ فَقَالَ: بلَى وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وزدت على كل فضل وإحسان، وَلَكِن هَذَا من بركَة الله، وبركة البرامكة عَليّ، وَبَقِيَّة إحسانهم إِلَيّ، فَلَو لم آتٍ خراباتهم، فأبكيهم وأندبهم، حَتَّى اتَّصل خبري بأمير الْمُؤمنِينَ، فَفعل بِي مَا فعل، من أَيْن كنت أصل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: امْضِ مصاحبا، فَإِن الْوَفَاء مبارك، وَحسن الْعَهْد من الْإِيمَان.
стр. 862
هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان
بَلغنِي أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ رجل من أهل الْأَدَب والظرف، يعاشر النَّاس، وتأتيه ألطافهم، فيعيش بهَا.
ثمَّ انْقَلب الدَّهْر عَلَيْهِ، فَأمْسك النَّاس عَنهُ، وجفوه حَتَّى قعد فِي بَيته، والتجأ إِلَى عِيَاله، فشاركهن فِي فضل مغازلهن، وَاسْتمرّ ذَلِك عَلَيْهِ، حَتَّى نَسيَه النَّاس، وَلَزِمَه الْفقر.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنا ذَات لَيْلَة فِي منزلي، على أسوإ حَال، إِذا وَقع حافر دَابَّة، وَرجل يدق بَابي، فكلمته من وَرَاء الْبَاب.
فَقلت: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِن أَخا لَك لَا أُسَمِّيهِ، يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: إِنِّي رجل مستتر، وَلست آنس بِكُل أحد، فَإِن رَأَيْت أَن تصير إِلَيّ، لنتحدث ليلتنا.
فَقلت فِي نَفسِي: لَعَلَّ جدي أَن يكون قد تحرّك؟ ثمَّ لم أجد لي مَا ألبسهُ، فاشتملت بإزار امْرَأَتي، وَخرجت، فَقدم إِلَيّ فرسا مجنوبا كَانَ مَعَه، فركبته إِلَى أَن أدخلني إِلَى فَتى من أجل النَّاس وأجملهم وَجها، فَقَامَ إِلَيّ، وعانقني، ودعا بِطَعَام فأكبنا، وبشراب فشربنا، وأخذنا فِي الحَدِيث، فَمَا خضت فِي شَيْء إِلَّا سبقني إِلَيْهِ.
حَتَّى إِذا صَار وَقت السحر؛ قَالَ: إِن رَأَيْت أَن لَا تَسْأَلنِي عَن شَيْء من أَمْرِي، وَتجْعَل هَذِه الزِّيَارَة بيني وَبَيْنك، إِذا أرْسلت إِلَيْك فعلت، وَهَهُنَا
стр. 863
دَرَاهِم تقبلهَا، وَلَا تردها، وَلَا يضيق بعْدهَا عَنْك شَيْء، فَأخْرج إِلَيّ جرابا مملوءا دَرَاهِم.
فدخلتني أريحية الشَّرَاب، فَقلت: اخترتني على النَّاس للمنادمة، ولسرك، وآخذ على ذَلِك أجرا؟ لَا حَاجَة لي فِي المَال.
فجهد بِي، فَلم آخذه، وَقدم إِلَيّ الْفرس، فركبته، وعدت إِلَى منزلي، وعيالي متطلعون لما أجيء بِهِ، فَأَخْبَرتهمْ بخبري.
وأصبحت نَادِما على فعلي، وَقد ورد عَليّ وعَلى عيالي مَا لم يكن فِي حسابنا، فَمَكثت حينا، لَا يَأْتِي إِلَيّ رَسُول الرجل، إِلَى أَن جَاءَنِي بعد مُدَّة، فصرت إِلَيْهِ، فعاودني بِمثل ذَلِك الْفِعْل، فعاودته بالامتناع، وانصرفت مخفقا، فَأَقْبَلت امْرَأَتي عَليّ باللوم والتوبيخ.
فَقلت لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِن عاودني وَلم آخذ مَا يعطيني.
فَمَكثت مُدَّة أطول من الأوّلة، ثمَّ جَاءَنِي رَسُوله، فَلَمَّا أردْت الرّكُوب؛ قَالَت لي امْرَأَتي: يَا ميشوم، اذكر يَمِينك، وبكاء بناتك، وَسُوء حالك.
فصرت إِلَى الرجل، فَلَمَّا أفضينا إِلَى الشَّرَاب؛ قلت لَهُ: إِنِّي أجد عِلّة تمنعني مِنْهُ، وَإِنَّمَا أردْت أَن يكون رَأْيِي معي.
فَأقبل الرجل يشرب، وَأَنا أحادثه، إِلَى أَن انبلج الْفجْر، فَأخْرج الجراب، وعاودني، فَأَخَذته، فَقبل رَأْسِي، وشكرني على قبُول بره، وَقدم إِلَيّ الْفرس، فَانْصَرَفت عَلَيْهِ، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى منزلي، فألقيت الجراب.
فَلَمَّا رَآهُ عيالي؛ سجدن لله شكرا، وفتحناه، فَإِذا هُوَ مَمْلُوء دَنَانِير.
فأصلحت مِنْهُ حَالي، واشتريت مركوبا، وثيابا حَسَنَة، وأثاثا، وضيعة، قدرت أَن غَلَّتهَا تفي بِي وبعيالي بعدِي، واستظهرت على زماني بِبَقِيَّة الدَّنَانِير.
وانثال النَّاس عَليّ، يظهرون السرُور بِمَا تجدّد لي، وظنوا أَنِّي كنت غَائِبا
стр. 864
فِي انتجاع ملك، فَقدمت مثريا، وَانْقطع رسل الرجل عني.
فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير يَوْمًا بِالْقربِ من منزلي، فَإِذا ضوضاء عَظِيمَة، وَجَمَاعَة مجتمعة.
فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالُوا: رجل من بني فلَان، كَانَ يقطع الطَّرِيق، فَطَلَبه السُّلْطَان، إِلَى أَن عرف خَبره هَهُنَا، فهجم عَلَيْهِ، وَقد خرج على النَّاس بِالسَّيْفِ، يمْنَع نَفسه.
فقربت من الْجمع، وتأملت الرجل، فَإِذا هُوَ صَاحِبي بِعَيْنِه، وَهُوَ يُقَاتل الْعَامَّة، وَالشّرط، ويكشف النَّاس، فيبعدون عَنهُ، ثمَّ يتكاثرون عَلَيْهِ ويضايقونه.
فَنزلت عَن فرسي، وَأَقْبَلت أقوده، حَتَّى دَنَوْت مِنْهُ، وَقد انْكَشَفَ النَّاس عَنهُ.
فَقلت: بِأبي أَنْت وَأمي، شَأْنك وَالْفرس والنجاة، فَاسْتَوَى على ظَهره، فَلم يلْحق.
فَقبض عَليّ الشَّرْط، وَأَقْبلُوا عَليّ يلهزوني، ويشتموني، حَتَّى جَاءُوا بِي إِلَى عِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ وَالِي الْكُوفَة، وَكَانَ بِي عَارِفًا.
فَقَالُوا: أَيهَا الْأَمِير، كدنا أَن نَأْخُذ الرجل، فجَاء هَذَا، فَأعْطَاهُ فرسا نجا عَلَيْهِ.
فَاشْتَدَّ غضب عِيسَى بن مُوسَى، وَكَاد أَن يُوقع بِي، وَأَنا مُنكر لذَلِك.
стр. 865
فَلَمَّا رَأَيْت المصدوقة؛ قلت: أَيهَا الْأَمِير، ادنني إِلَيْك أصدقك.
فاستدناني، فشرحت لَهُ مَا كَانَ أفضت بِي الْحَال إِلَيْهِ، وَمَا عاملني بِهِ الرجل، وَأَنِّي كافأته بجميل فعله.
فَقَالَ لي سرا: أَحْسَنت، لَا بَأْس عَلَيْك.
ثمَّ الْتفت إِلَى النَّاس فَقَالَ: يَا حمقى، هَذَا يتهم؟ إِنَّمَا لفظ حافر فرسه حَصَاة، فقاده ليريحه، فغشيه رجل مستقتل بِسيف مَاض، قد نكلتم عَنهُ بأجمعكم، فَكيف كَانَ هُوَ يَدْفَعهُ عَن فرسه؟ انصرفوا، ثمَّ خلى سبيلي.
فَانْصَرَفت إِلَى منزلي، وَقد قضيت ذمام الْفَتى، وحصلت النِّعْمَة بعد الشدَّة، وَأمنت عواقب الْحَال، وَكَانَ آخر عهدي بِهِ.
стр. 866
جَعْفَر بن سُلَيْمَان أَمِير الْبَصْرَة يصفح عَمَّن سرق مِنْهُ جوهرا
سرق لجَعْفَر بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي جَوْهَر فاخر بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ أميرها، فجهد أَن يعرف لَهُ خَبرا، فخفي عَلَيْهِ، فأقلقه ذَلِك، وغاطه، وجد بِالشّرطِ وضربهم، وألزمهم إِظْهَاره، فجدوا فِي الطّلب.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، أَتَاهُ بَعضهم بِرَجُل وجده فِي ساباط اللُّؤْلُؤ، يَبِيع درة فاخرة من ذَلِك الْجَوْهَر، قد قبض عَلَيْهِ، وضربه ضربا عَظِيما إِلَى أَن أقرّ، فَأخْبر جَعْفَر بِخَبَرِهِ، فَأذن بِدُخُولِهِ.
فَلَمَّا رأى الرجل جعفرا؛ اسْتَغَاثَ بِهِ، وَبكى، ورققه، فرحمه جَعْفَر، وَقَالَ: ألم تكن طلبت مني هَذِه الدرة فِي وَقت كَذَا، فوهبتها لَك؟ فَقَالَ: بلَى.
فَقَالَ للشّرط: خلوا عَنهُ، واطلبوا اللص.
стр. 867
أَخذ الصينية من لَا يردهَا وَرَآهُ من لَا ينم عَلَيْهِ
وروت الْفرس قَرِيبا من هَذَا، فَذكرُوا أَن بعض مُلُوكهمْ، سخط على حَاجِب لَهُ سخطا شَدِيدا، وألزمه بَيته، وَكَانَ فِيهِ كالمحبوس، وَقطع عَنهُ أرزاقه وجراياته، فَأَقَامَ على ذَلِك سِنِين، حَتَّى تهتك، وَلم تبْق لَهُ حَال.
ثمَّ بلغه أَن الْملك قد اتخذ سماطا عَظِيما، يحضرهُ النَّاس فِي غَد يَوْمه ذَلِك، فراسل أصدقاءه، وأعلمهم أَن لَهُ حَقًا يحضرهُ لبَعض وَلَده، واستعار مِنْهُم دَابَّة بسرجه ولجامه، وَغُلَامًا يسْعَى بَين يَدَيْهِ، وخلعه يلبسهَا، وسيفا، ومنطقة، فأعير ذَلِك، فلبسه، وَركب الدَّابَّة، وَخرج من منزله إِلَى أَن جَاءَ إِلَى دَار الْملك.
فَلَمَّا رَآهُ البوابون لم يشكوا فِي أَنه مَا أقدم على ذَلِك إِلَّا بِأَمْر الْملك، وتذمموا لقديم رئاسته عَلَيْهِم، فأشفقوا من عودهَا أَن يحجبوه إِلَى أَن يستثبتوا.
وَدخل هُوَ مظْهرا الْقُوَّة بِأَمْر نَفسه، وَلم تزل تِلْكَ حَاله مَعَ طَائِفَة، حَتَّى وصل إِلَى الْملك، وَقد أكل، وَهُوَ جَالس يشرف.
فَلَمَّا رَآهُ الْملك قطب، وَأنكر حُضُوره، وهم بِأَن يَأْمر بِهِ، وبالحجاب، والبوابين، فكره أَن ينغص يَوْمًا قد أفرده بالسرور على نَفسه.
وَأَقْبل الرجل يخْدم، فِيمَا كَانَ يخْدم فِيهِ قَدِيما، فازدادت الْحَال تمويها على الْحجاب والحاشية، إِلَى أَن كَاد الْمجْلس ينصرم، وغفل أَكثر من كَانَ حَاضرا عَنهُ.
فَتقدم إِلَى صينية ذهب زنتها ألف مِثْقَال، مَمْلُوءَة مسكا، فَأَخذهَا بخفة،
стр. 868
وَجعل الْمسك فِي كمه، والصينية فِي خفه، وَالْملك يرَاهُ.
وَخرج وَعَاد إِلَى منزله، ورد العواري إِلَى أَهلهَا، وَبَاعَ الْمسك، وَكسر الصينية، وَجعلهَا دَنَانِير، واتسع بهَا حَاله.
وأفاق الْملك، من غَد، من سكره، وَسمع من يخْدم فِي الشَّرَاب يطْلب الصينية، وقهرمان الدَّار يضْرب قوما فِي طلبَهَا، فَذكر حَدِيث الْحَاجِب، وَعلم أَنه مَا حمل نَفسه على الْغرَر الشَّديد فِي ذَلِك، إِلَّا من وَرَاء شدَّة وضر.
فَقَالَ لقهرمانة: لَا تطلب الصينية، فَمَا لأحد فِي ضياعها ذَنْب، فقد أَخذهَا من لَا يردهَا، وَرَآهُ من لَا ينم عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَ بعد سنة؛ عَاد ذَلِك الْحَاجِب إِلَى شدَّة الإضاقة، بنفاد الدَّنَانِير، وبلغه خبر سماط يكون عِنْد الْملك، فِي غَد يَوْمه، فاحتال بحيلة أُخْرَى، حَتَّى دخل إِلَى حَضْرَة الْملك، وَهُوَ يشرب.
فَلَمَّا رَآهُ الْملك؛ قَالَ: يَا فلَان، نفذت تِلْكَ الدَّنَانِير؟ فَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَبكى، ومرغ خديه، وَقَالَ: أَيهَا الْملك، قد احتلت مرَّتَيْنِ، على أَن تقتلني فَأَسْتَرِيح مِمَّا أَنا فِيهِ، من عظم الضّر الَّذِي أعانيه، أَو تَعْفُو عني كَمَا يَلِيق بك، وتذكر خدمتي، فأعيش فِي ظلك، وَلَيْسَت لي بعد هَذَا الْيَوْم حِيلَة.
فرق لَهُ الْملك، وَعَفا عَنهُ، وَأمر برد أرزاقه عَلَيْهِ وَنعمته، ورده إِلَى حَالَته الأولى فِي خدمته.
стр. 869
سفتجة بِثَلَاث صفعات يفتديها الْمحَال عَلَيْهِ بِخمْس مائَة وَخمسين دِينَارا
بَلغنِي عَن رجل من أهل ديار ربيعَة، كَانَت لَهُ حَال صَالِحَة، فَزَالَتْ، قَالَ: فلزمتني المحنة والإضاقة مُدَّة طَوِيلَة، فتحيرت وَلم أدر مَا أعمل.
وَكَانَ أَمِير النَّاحِيَة، إِذْ ذَاك، الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، وَكَانَت بيني وَبَين كَاتبه معرفَة قديمَة، فأشير عَليّ بِأَن أَلْقَاهُ، وآخذ كتابا عَن الْعَبَّاس إِلَى بعض أصدقائه من أُمَرَاء النواحي وَأخرج إِلَيْهِ، فلعلي أتصرف مَعَه، وأعود من جِهَته بفائدة أجعلها أصل معيشة.
فَلَقِيت الْكَاتِب، فَقَالَ لي: صر فِي غَد إِلَى دَار الْأَمِير، حَتَّى أكتب لَك.
فمضيت إِلَيْهِ، فَكتب لي عَنهُ كتابا مؤكدا إِلَى بعض أُمَرَاء الْأَطْرَاف من أصدقاء الْعَبَّاس، فَخرجت أُرِيد منزلي.
стр. 870
فَلَمَّا صرت فِي بعض الممرات وَأَنا رجل طَوِيل مبدن، وَكنت قد حلقت رَأْسِي، وَعَلِيهِ منديل خَفِيف، قد أطارته الرّيح، فانكشف، وَلعلَّة انشغال قلبِي بأَمْري لم أرد المنديل.
وَإِذا بصفعة قد جَاءَت، كَادَت تكبني على وَجْهي، وتوالت بعْدهَا اثْنَتَانِ.
فالتفتّ، فَإِذا الْعَبَّاس بن عَمْرو، وَقد خرج إِلَى مَوضِع من مَوَاضِع الدَّار، وَكَانَ مشتهرا بالمصافعة، مكاشفا بهَا، هُوَ، وَجَمَاعَة من قواد المعتضد، أصدقاء أخلاء، يستعملون ذَلِك، ويكاشفون بِهِ.
فقبضت على يَده، وَقلت: مَا هَذَا، أَيهَا الْأَمِير؟ مَا أُفَارِقك، أَو تُعْطِينِي شَيْئا أنتفع بِهِ عوضا عَن هَذَا الْفِعْل.
فدافعني، وَأَنا متشبث بِهِ، وَسقط الْكتاب من كمي، فَقَالَ: مَا هَذَا الْكتاب؟ قلت: كتاب كتب لي عَنْك إِلَى فلَان؛ لأخرج إِلَيْهِ، فلعلي أتصرف مَعَه، أَو يبرني بِشَيْء.
فَقَالَ: هوذا، أكتب لَك عَلَيْهِ سفتجة بالصفع، فَإِنَّهُ يفتديها مِنْك بِمَا تنْتَفع بِهِ.
واستدعى دَوَاة، وَكتب لي إِلَى الرجل سفتجة، كَمَا يكْتب التُّجَّار، بِثَلَاث مكتوبات، كِنَايَة عَن ثَلَاث صفعات.
فَأخذ الْكتاب، وانصرفت مُتَعَجِّبا مِمَّا جرى عَليّ، وَمن حرفتي فِي
стр. 871
أَن الْعَبَّاس لم يسمح لي بِشَيْء، مَعَ جوده، وتحملت، وَخرجت إِلَى ذَلِك الْبَلَد، فأوصلت الْكتاب الَّذِي كتبه لي الْكَاتِب عَنهُ.
فردني ذَلِك الْأَمِير أقبح رد، وآيسني، وَقَالَ: قد بلينا بهؤلاء الشحاذين، يجيئونا فِي كل يَوْم بكتب لَا تَسَاوِي مدادها، ويقطعونا عَن أشغالنا، انْصَرف، فمالك عِنْدِي تصرف، وَلَا بر.
فورد عَليّ مَا لم أر مثله، وَمَا هالني وَقطع بِي، وَكنت قد سَافَرت إِلَيْهِ، وَقطعت شقة بعيدَة، فَانْصَرَفت أسوء النَّاس حَالا.
وفكرت لَيْلَتي، فَقلت: لَيْسَ إِلَّا الْعود إِلَيْهِ ومداراته، فَلَعَلَّ أَن يعطيني قدر نَفَقَة الطَّرِيق، فأتحمل بهَا.
فعدت إِلَيْهِ، وخاطبته بِكُل رفق وخضوع وسؤال وَهُوَ يخْش عَليّ، ويؤيسني، إِلَى أَن قَالَ لحاجبه: أخرجه عني، وَلَا تَدعه بعْدهَا يدْخل إِلَيّ.
فورد عَليّ أعظم من الأول، وَخرجت أخزى خُرُوج، وأقمت أَيَّامًا لَا أَعُود إِلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي مَا أصنع، إِلَّا أَن بقالا فِي الْمحلة الَّتِي نزلتها يعطيني خبْزًا وإداما بنسيئة.
فَجَلَست إِلَيْهِ يَوْمًا وَأَنا متحير، وَالْغَم بَين عَليّ، فَسمِعت قَائِلا يَقُول: إِن الْأَمِير قد جلس للمظالم، جُلُوسًا ارْتَفع عَنهُ الْحجاب فِيهِ، ففكرت كَيفَ أعمل؟ وَذكرت الْكتاب بالسفتجة، فَقلت: أَمْشِي وأجعلها نادرة كالظلامة، فَإِن أَعْطَانِي شَيْئا، وَإِلَّا فضحته بَين رَعيته، وانصرفت.
فَأخذت السفتجة، وَجئْت، فَلم أصادف بِالْبَابِ من يَمْنعنِي، فَدخلت إِلَيْهِ.
فحين رَآنِي اغتاظ عَليّ، وَقَالَ لحاجبه: ألم آمُرك أَن لَا تدخل هَذَا إِلَيّ؟ فَقَالَ: كَانَ الْإِذْن عَاما، وَلم يُمَيّز.
فَأقبل الْأَمِير عَليّ، فَقَالَ: ألم أقل لَك، وأؤيسك مني؟ فَمَا هَذِه الْمُلَازمَة،
стр. 872
كَأَن لَك عَليّ دينا، أَو سفتجة؟ فَقلت: نعم، لي على الْأَمِير، أعزه الله، سفتجة.
فازداد غيظه، وَقَالَ كالمتعجب: سفتجة، سفتجة؟ فأخرجتها، فدفعتها إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا؛ عرف الْخط وَالْخطاب، فَنَكس رَأسه سَاعَة، خجلا، ثمَّ قَالَ لكاتب كَانَ بَين يَدَيْهِ، شَيْئا لَا أعلمهُ.
فجذبني الْكَاتِب، وَقَالَ: إِن الْأَمِير قد تذمم مِمَّا عاملك بِهِ، وَأَمرَنِي بِدفع مائَة دِينَار إِلَيْك، فَقُمْ معي لتأخذها.
فَقلت: مَا قصدت الْأَمِير ليبرني، أَنا رجل أوصلت إِلَيْهِ سفتجة بِمَال، فإمَّا قبلهَا فأعطانيه فَمَا أُرِيد غَيره، وَلَا أستزيد عَلَيْهِ، وَلَا أنقص مِنْهُ شَيْئا، وَإِمَّا كتب لي على السفتجة: رَاجِعَة، فأخذتها، وانصرفت.
فساره الْكَاتِب بِمَا قلت، وَقَوي طمعي فِي الصنع، فَالْتَفت إِلَيّ الْكَاتِب، وَقَالَ: قد جعلهَا لَك الْأَمِير مِائَتي دِينَار، فانهض لتأخذها.
فَقلت، لمن يَقُول هَذَا: مَا عِنْدِي غير مَا سَمِعت، ولان الْأَمِير، وتشددت، وَلم يزل الْكَاتِب يتوسط بَيْننَا، إِلَى أَن بذل خمس مائَة دِينَار.
فَقلت: على شَرط أَنِّي لَا أَبْرَح من هَذَا الْمجْلس حَتَّى أقبضها وأسلمها إِلَى يَد تَاجر، وآخذ مِنْهُ سفتجة بهَا، وَيدْفَع إِلَيّ نَفَقَة تكفيني إِلَى أَن أعرف صِحَة السفتجة، ثمَّ أتحمل بباقي ذَلِك.
فأجبت إِلَى ذَلِك، وأحضر التَّاجِر وَالْمَال، وَأخذت مِنْهُ سفتجة، ودفعوا لي خمسين دِينَارا للنَّفَقَة، وأقمت مُدَّة، إِلَى أَن عرفت خبر صِحَة السفتجة، وتحملت بِبَقِيَّة النَّفَقَة إِلَى بلدي.
وَحصل لي المَال، فَجَعَلته بضَاعَة فِي متجر، صلحت بِهِ حَالي، إِلَى الْآن.
стр. 873
السَّبَب فِي خلع المقتدر الْخلْع الثَّانِي وعودته إِلَى الحكم
ذكر أَصْحَاب التواريخ، ومصنفو الْكتب، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَتْح الْكَاتِب، الْمَعْرُوف بـ: المطوق، على مَا أَخْبرنِي بِهِ أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب التنوخي عَنهُ، فِي كِتَابه (مَنَاقِب الوزراء ومحاسن أخبارهم) ، وَمَا شَاهده أَحْمد بن يُوسُف من ذَلِك، وَجَمَاعَة حَدثُونِي بِهِ، مِمَّن شَاهد الْحَال؛ مِنْهُم: أَيُّوب بن الْعَبَّاس بن الْحسن، وَعلي، وَالقَاسِم، ابْنا هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، وَأَبُو الْحُسَيْن بن عَيَّاش الخرزي، خَليفَة أبي، ﵀، على الحكم بسوق الأهواز، وَمن لَا أحصي من شُيُوخنَا كَثْرَة، بِالسَّبَبِ فِي خلع المقتدر عَن الْخلَافَة الْخلْع الثَّانِي، بعبارات مُخْتَلفَة؛ معنى جَمِيعهَا: أَن الْجَيْش كُله الفرسان والرجالة شغبوا يطْلبُونَ الزِّيَادَات، ويتبسطون فِي التمَاس المحالات، وملوا أَيَّام المقتدر، وبغوا عَلَيْهِ بأَشْيَاء.
стр. 874
وَاتفقَ أَن سائسا لهارون بن غَرِيب الْخَال، علق بِغُلَام فِي الطَّرِيق، للْفَسَاد، فَرفع إِلَى أبي الْجُود، خَليفَة عَجِيب، غُلَام نازوك، على مجْلِس الجسر بالجانب الغربي، فجَاء غلْمَان هَارُون يخلصونه ومانعوهم، إِلَى أَن لحقه بعض أَصْحَاب نازوك، فَصَارَت بَينهم حَرْب، وانتهت
стр. 875
الْحَال إِلَى قصَص يطول شرحها.
إِلَى أَن أطبق الْجَيْش بأسرهم على خلع المقتدر، فزحفوا إِلَى دَاره، بمواطأة من مؤنس المظفر، فقبضوا عَلَيْهِ، وَحَمَلُوهُ إِلَى دَار مؤنس، فِي يَوْم الْخَمِيس لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من الْمحرم سنة سبع عشرَة وَثَلَاث مائَة، فحبس فِيهَا، وخلع نَفسه، وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ.
وَكَانَ رَأس الْفِتْنَة، والقائم بهَا عبد الله بن حمدَان أَبُو الهيجاء، ونازوك المعتضدي، على مساعدة لَهما من مؤنس، وإطباق من الْجَيْش كلهم، وَجَاءُوا بِأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه، فَأَجْلَسُوهُ فِي دَار الْخلَافَة، وسلموا عَلَيْهِ بهَا، ولقبوه القاهر بِاللَّه، فقلد نازوك الحجبة، مُضَافا إِلَى مَا كَانَ إِلَيْهِ من الشرطة، وَجعله صَاحب دَاره.
فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لسبع عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ؛ بكر النَّاس إِلَى دَار الْخَلِيفَة لِلْبيعَةِ، وَجَاءَت إِلَى فنَاء الدَّار، مِمَّا يَلِي دجلة، جمَاعَة من الرجالة، يطالبون بِمَال الْبيعَة وَالزِّيَادَة.
فجَاء نازوك وأشرف عَلَيْهِم من الرواق، وَمَعَهُ خَادِم من رُءُوس غلمانه، يُقَال لَهُ: عَجِيب، فَقَالَ لَهُم: مَا تُرِيدُونَ؟ نعطيكم ثَلَاث نَوَائِب.
فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أرزاق سنة، وَزِيَادَة دِينَار، وَزَادُوا فِي القَوْل.
فَقَالَ لَهُم: يصعد إِلَيّ مِنْكُم جمَاعَة، أفهم عَنْهُم، وأكلمهم، فَصَعدَ، إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم، من بَاب الْخَاصَّة، وتسلق إِلَى الرواق جمَاعَة مِنْهُم كَبِيرَة، وثاروا على غير مواطأة، وَلَا رَأْي متقرر.
стр. 876
فَقَالَ لَهُم نازوك: اخْرُجُوا إِلَى مجْلِس الْإِعْطَاء، حَتَّى نخرج المَال إِلَى الْكتاب، فيقبضونكم.
فَقَالُوا: لَا نقبض إِلَّا هَهُنَا، وهجموا على التسعيني، يبوّقون، ويشتمون نازوك.
فَمضى نازوك من بَين أَيْديهم، يُرِيد الْمَمَر فِي الطَّرِيق الَّذِي ينفذ إِلَى دجلة، وَكَانَ قد سد آخِره بالْأَمْس؛ احْتِيَاطًا لحفظ من فِي الدَّار، وتحرزا من هَرَبهمْ، فَلَمَّا رَآهُ مسدودا رَجَعَ، فَاسْتَقْبلهُ جمَاعَة من الرجالة يطلبونه.
فَوَثَبَ عَلَيْهِ رجل أصفر مِنْهُم، فَضَربهُ بكلاب، وثناه آخر يكون فِي مطبخ أم المقتدر، وَله رزق فِي الرجالة، يُقَال لَهُ: سعيد، ويلقب: ضفدعا، فَقَتَلُوهُ، وَقتلُوا عجيبا، وَقَالُوا: لَا نُرِيد إِلَّا خليفتنا جَعْفَر المقتدر، وَقتل الخدم فِي الدَّار أَبَا الهيجاء، واختبأ القاهر فِي بعض الْحجر، عِنْد بعض الخدم.
وَأَقْبلُوا بِرَأْس نازوك على رمح قد خرج طرفه من وسط الرَّأْس إِلَى دَار مؤنس، وهم يَقُولُونَ: مقتدر، يَا مَنْصُور.
فطالبوا مؤنسا بالمقتدر، فخافهم على نَفسه، فَأخْرجهُ إِلَيْهِم، والمقتدر يستعفي من الْخُرُوج، وَيظْهر الزّهْد فِي الْخلَافَة، ويظن أَن مَا سَمعه حِيلَة على قَتله.
إِلَى أَن سمع صياح النَّاس: مقتدر، يَا مَنْصُور، وَأعلم بقتل نازوك وَأبي الهيجاء، فسكن.
وَقعد فِي طياره، وَانْحَدَرَ إِلَى دَاره، والرجالة يعدون على الشط بإزائه، إِلَى أَن خرج من الطيار، فالتحقوا بِهِ يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، حَتَّى دخل دَاره.
وأحضر جمَاعَة من الهاشميين وَغَيرهم، فَبَايعُوهُ بيعَة ثَانِيَة، وَظهر ابْن
стр. 877
مقلة وزيره، وَكَانَ مستترا تِلْكَ الْأَيَّام، فأقره على الوزارة، ودبر أمره، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ من المحنة والنكبة، وَلم ير خَليفَة أزيل عَن سَرِيره، وَأخرج من دَار ملكه، وأجلس آخر فِي مَوْضِعه، ولقب لقبا من ألقاب الْخُلَفَاء، وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ، وَأجْمع على بيعَته أهل المملكة والجيش كُله، وعَلى خلع الأول وحبسه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى أمره وَنَهْيه، وَملكه وداره، فِي مُدَّة خَمْسَة أَيَّام، بِلَا سَبَب ممهد، وَلَا مواطأة لأحد، وَلَا مُشَاورَة، وَلَا مراسلة، إِلَّا مَا اتّفق فِي أَمر المقتدر، وأخيه القاهر.
стр. 878
خلع الْأمين وعودته إِلَى الحكم
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب، وعَلى أَنه قد كَانَ جرى على مُحَمَّد الْأمين قريب من هَذَا، لما قبض عَلَيْهِ الْحُسَيْن بن عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، وخلعه وحبسه، وعزم على أَن ينفذهُ إِلَى الْمَأْمُون، ثمَّ إِن الْجَيْش طالبوه بأرزاقهم، فَلم يكن مَعَه، مَا يَجعله لَهُم، فَوَعَدَهُمْ، فشغبوا وَلم يرْضوا بالوعد، وَاسْتَخْرَجُوا الْأمين من حَبسه، فَبَايعُوهُ ثَانِيًا، وردوه، وهرب الْحُسَيْن بن عَليّ، وزالت عَن الْأمين تِلْكَ الشدَّة، والقصة فِي ذَلِك مَشْهُورَة، رَوَاهَا أَصْحَاب التواريخ، بِمَا يطول اقتصاصه هُنَا، إِلَّا أَنه لم يجلس على سَرِيره خَليفَة آخر.
стр. 879
كَيفَ خلع المقتدر الْخلْع الأول
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ المحسن ابْن القَاضِي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي، رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد جرت على المقتدر بِاللَّه شدَّة أُخْرَى، وَفرج الله عَنهُ، فِي قصَّة تشبه قصَّة الْأمين، سَوَاء بِسَوَاء، لما أجمع جَمِيع القواد والحاشية، على أَن قتلوا الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير، وخلعوا المقتدر من الْخلَافَة الْخلْع الأول، وَبَايَعُوا ابْن المعتز، وأحضروه من دَاره إِلَى دَار سُلَيْمَان بن وهب المرسومة، إِذْ ذَاك، بالوزراء، وَجلسَ يَأْخُذ الْبيعَة على الْقُضَاة والأشراف والكافة، وَيُدبر الْأُمُور، ووزيره مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، يُكَاتب أهل الْأَطْرَاف والعمال والأكناف بِخَبَر تقلدهما، وَقد تلقب بـ: الْمُنْتَصر بِاللَّه، وخوطب بالخلافة، وَأمره فِي نِهَايَة الْقَوْم، وَهُوَ على أَن يسير إِلَى دَار الْخلَافَة، فيجلس بهَا، وَيقبض على المقتدر، إِلَّا أَنه أخر ذَلِك؛ لتتكامل الْبيعَة، وتنفذ الْكتب، ويسير من غَد.
وَكَانَ سوسن حَاجِب المقتدر، وَالْمُتوَلِّيّ لأمور دَاره، والغلمان المرسومين بحمايتها، مِمَّن وَافق ابْن المعتز، وَدخل مَعَ القواد فِيمَا دخلُوا فِيهِ، وَشرط
стр. 880
عَلَيْهِ أَن يُقَرّ على مَا إِلَيْهِ، وَيُزَاد شرطة بَغْدَاد.
فَلَمَّا جلس ابْن المعتز فِي الْيَوْم الأول؛ كَانَ الْمُتَوَلِي لإيصال النَّاس إِلَيْهِ، وَالْخَادِم بِحَضْرَتِهِ فِيمَا يخْدم فِيهِ الْحَاجِب، أحد الخدم غَيره.
فَبلغ ذَلِك سوسنا، فشق عَلَيْهِ، وتوهم أَن ذَلِك غدر بِهِ، وَرُجُوع عَمَّا شَرط، وووقف عَلَيْهِ، فَدَعَا الخدم، وغلمان الدَّار إِلَى نصْرَة المقتدر، فَأَجَابُوهُ فأغلق الْأَبْوَاب، وَأخذ أهبة الْحَرْب.
وَأصْبح ابْن المعتز، فِي الْيَوْم الثَّانِي من بيعَته، وَهُوَ يَوْم الْأَحَد لسبع بَقينَ من شهر ربيع الأول، سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، عَامِدًا على الْمسير إِلَى الدَّار، فثبطه مُحَمَّد بن دَاوُد، وعرفه رُجُوع رَأْي سوسن، عَمَّا كَانَ وَافق عَلَيْهِ.
وصغّر القواد ذَلِك فِي نَفسه، فَلم يتشاغل بتلافيه، وأشاروا عَلَيْهِ بالركوب إِلَى دَار الْخلَافَة، وهم لَا يَشكونَ فِي تَمام الْأَمر، فَركب وهم مَعَه.
وانقلبت الْعَامَّة مَعَ المقتدر، ورموا ابْن المغتر بالستر، وحاربوه مَعَ شرذمة أنفذهم سوسن لحربه مِمَّن أطاعه على نصْرَة المقتدر.
وَلما شَاهد ابْن المعتز الصُّورَة؛ انهزم وهرب، وانحل ذَلِك الْأَمر الْعَظِيم كُله، وتفرق القواد، وَسَار بَعضهم خَارِجا عَن بَغْدَاد، وروسل باقيهم عَن المقتدر بالتلافي، فسكنوا، وعادوا إِلَى طَاعَته.
وَطلب ابْن المعتز فَوجدَ، وَجِيء بِهِ إِلَى دَار الْخلَافَة، فحبس فِيهَا، ثمَّ قتل، وَكَانَت مدَّته، مُنْذُ ظهر يَوْم السبت، إِلَى قريب من الظّهْر من يَوْم الْأَحَد.
следующие страницы →