Полный текст (1 589 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فَقَالَ لَهُم نازوك: اخْرُجُوا إِلَى مجْلِس الْإِعْطَاء، حَتَّى نخرج المَال إِلَى الْكتاب، فيقبضونكم.
فَقَالُوا: لَا نقبض إِلَّا هَهُنَا، وهجموا على التسعيني، يبوّقون، ويشتمون نازوك.
فَمضى نازوك من بَين أَيْديهم، يُرِيد الْمَمَر فِي الطَّرِيق الَّذِي ينفذ إِلَى دجلة، وَكَانَ قد سد آخِره بالْأَمْس؛ احْتِيَاطًا لحفظ من فِي الدَّار، وتحرزا من هَرَبهمْ، فَلَمَّا رَآهُ مسدودا رَجَعَ، فَاسْتَقْبلهُ جمَاعَة من الرجالة يطلبونه.
فَوَثَبَ عَلَيْهِ رجل أصفر مِنْهُم، فَضَربهُ بكلاب، وثناه آخر يكون فِي مطبخ أم المقتدر، وَله رزق فِي الرجالة، يُقَال لَهُ: سعيد، ويلقب: ضفدعا، فَقَتَلُوهُ، وَقتلُوا عجيبا، وَقَالُوا: لَا نُرِيد إِلَّا خليفتنا جَعْفَر المقتدر، وَقتل الخدم فِي الدَّار أَبَا الهيجاء، واختبأ القاهر فِي بعض الْحجر، عِنْد بعض الخدم.
وَأَقْبلُوا بِرَأْس نازوك على رمح قد خرج طرفه من وسط الرَّأْس إِلَى دَار مؤنس، وهم يَقُولُونَ: مقتدر، يَا مَنْصُور.
فطالبوا مؤنسا بالمقتدر، فخافهم على نَفسه، فَأخْرجهُ إِلَيْهِم، والمقتدر يستعفي من الْخُرُوج، وَيظْهر الزّهْد فِي الْخلَافَة، ويظن أَن مَا سَمعه حِيلَة على قَتله.
إِلَى أَن سمع صياح النَّاس: مقتدر، يَا مَنْصُور، وَأعلم بقتل نازوك وَأبي الهيجاء، فسكن.
وَقعد فِي طياره، وَانْحَدَرَ إِلَى دَاره، والرجالة يعدون على الشط بإزائه، إِلَى أَن خرج من الطيار، فالتحقوا بِهِ يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، حَتَّى دخل دَاره.
وأحضر جمَاعَة من الهاشميين وَغَيرهم، فَبَايعُوهُ بيعَة ثَانِيَة، وَظهر ابْن
стр. 877
مقلة وزيره، وَكَانَ مستترا تِلْكَ الْأَيَّام، فأقره على الوزارة، ودبر أمره، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ من المحنة والنكبة، وَلم ير خَليفَة أزيل عَن سَرِيره، وَأخرج من دَار ملكه، وأجلس آخر فِي مَوْضِعه، ولقب لقبا من ألقاب الْخُلَفَاء، وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ، وَأجْمع على بيعَته أهل المملكة والجيش كُله، وعَلى خلع الأول وحبسه، ثمَّ رَجَعَ إِلَى أمره وَنَهْيه، وَملكه وداره، فِي مُدَّة خَمْسَة أَيَّام، بِلَا سَبَب ممهد، وَلَا مواطأة لأحد، وَلَا مُشَاورَة، وَلَا مراسلة، إِلَّا مَا اتّفق فِي أَمر المقتدر، وأخيه القاهر.
стр. 878
خلع الْأمين وعودته إِلَى الحكم
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب، وعَلى أَنه قد كَانَ جرى على مُحَمَّد الْأمين قريب من هَذَا، لما قبض عَلَيْهِ الْحُسَيْن بن عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، وخلعه وحبسه، وعزم على أَن ينفذهُ إِلَى الْمَأْمُون، ثمَّ إِن الْجَيْش طالبوه بأرزاقهم، فَلم يكن مَعَه، مَا يَجعله لَهُم، فَوَعَدَهُمْ، فشغبوا وَلم يرْضوا بالوعد، وَاسْتَخْرَجُوا الْأمين من حَبسه، فَبَايعُوهُ ثَانِيًا، وردوه، وهرب الْحُسَيْن بن عَليّ، وزالت عَن الْأمين تِلْكَ الشدَّة، والقصة فِي ذَلِك مَشْهُورَة، رَوَاهَا أَصْحَاب التواريخ، بِمَا يطول اقتصاصه هُنَا، إِلَّا أَنه لم يجلس على سَرِيره خَليفَة آخر.
стр. 879
كَيفَ خلع المقتدر الْخلْع الأول
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ المحسن ابْن القَاضِي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي، رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد جرت على المقتدر بِاللَّه شدَّة أُخْرَى، وَفرج الله عَنهُ، فِي قصَّة تشبه قصَّة الْأمين، سَوَاء بِسَوَاء، لما أجمع جَمِيع القواد والحاشية، على أَن قتلوا الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير، وخلعوا المقتدر من الْخلَافَة الْخلْع الأول، وَبَايَعُوا ابْن المعتز، وأحضروه من دَاره إِلَى دَار سُلَيْمَان بن وهب المرسومة، إِذْ ذَاك، بالوزراء، وَجلسَ يَأْخُذ الْبيعَة على الْقُضَاة والأشراف والكافة، وَيُدبر الْأُمُور، ووزيره مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، يُكَاتب أهل الْأَطْرَاف والعمال والأكناف بِخَبَر تقلدهما، وَقد تلقب بـ: الْمُنْتَصر بِاللَّه، وخوطب بالخلافة، وَأمره فِي نِهَايَة الْقَوْم، وَهُوَ على أَن يسير إِلَى دَار الْخلَافَة، فيجلس بهَا، وَيقبض على المقتدر، إِلَّا أَنه أخر ذَلِك؛ لتتكامل الْبيعَة، وتنفذ الْكتب، ويسير من غَد.
وَكَانَ سوسن حَاجِب المقتدر، وَالْمُتوَلِّيّ لأمور دَاره، والغلمان المرسومين بحمايتها، مِمَّن وَافق ابْن المعتز، وَدخل مَعَ القواد فِيمَا دخلُوا فِيهِ، وَشرط
стр. 880
عَلَيْهِ أَن يُقَرّ على مَا إِلَيْهِ، وَيُزَاد شرطة بَغْدَاد.
فَلَمَّا جلس ابْن المعتز فِي الْيَوْم الأول؛ كَانَ الْمُتَوَلِي لإيصال النَّاس إِلَيْهِ، وَالْخَادِم بِحَضْرَتِهِ فِيمَا يخْدم فِيهِ الْحَاجِب، أحد الخدم غَيره.
فَبلغ ذَلِك سوسنا، فشق عَلَيْهِ، وتوهم أَن ذَلِك غدر بِهِ، وَرُجُوع عَمَّا شَرط، وووقف عَلَيْهِ، فَدَعَا الخدم، وغلمان الدَّار إِلَى نصْرَة المقتدر، فَأَجَابُوهُ فأغلق الْأَبْوَاب، وَأخذ أهبة الْحَرْب.
وَأصْبح ابْن المعتز، فِي الْيَوْم الثَّانِي من بيعَته، وَهُوَ يَوْم الْأَحَد لسبع بَقينَ من شهر ربيع الأول، سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، عَامِدًا على الْمسير إِلَى الدَّار، فثبطه مُحَمَّد بن دَاوُد، وعرفه رُجُوع رَأْي سوسن، عَمَّا كَانَ وَافق عَلَيْهِ.
وصغّر القواد ذَلِك فِي نَفسه، فَلم يتشاغل بتلافيه، وأشاروا عَلَيْهِ بالركوب إِلَى دَار الْخلَافَة، وهم لَا يَشكونَ فِي تَمام الْأَمر، فَركب وهم مَعَه.
وانقلبت الْعَامَّة مَعَ المقتدر، ورموا ابْن المغتر بالستر، وحاربوه مَعَ شرذمة أنفذهم سوسن لحربه مِمَّن أطاعه على نصْرَة المقتدر.
وَلما شَاهد ابْن المعتز الصُّورَة؛ انهزم وهرب، وانحل ذَلِك الْأَمر الْعَظِيم كُله، وتفرق القواد، وَسَار بَعضهم خَارِجا عَن بَغْدَاد، وروسل باقيهم عَن المقتدر بالتلافي، فسكنوا، وعادوا إِلَى طَاعَته.
وَطلب ابْن المعتز فَوجدَ، وَجِيء بِهِ إِلَى دَار الْخلَافَة، فحبس فِيهَا، ثمَّ قتل، وَكَانَت مدَّته، مُنْذُ ظهر يَوْم السبت، إِلَى قريب من الظّهْر من يَوْم الْأَحَد.
стр. 881
وَعَاد الْأَمر مُسْتَقِيمًا للمقتدر بِاللَّه، وانفرجت لَهُ تِلْكَ الشدَّة، عَن ثبات الْملك لَهُ.
وَقد شرح هَذَا أَصْحَاب التواريخ، بِمَا لَا وَجه لإعادته هَهُنَا.
стр. 882
بعث الْفضل بن سهل خدابود لقِتَال خارجي فجَاء بِرَأْسِهِ
وَذكر عبد الله بن بشر، قرَابَة الْفضل بن سهل، قَالَ: كَانَ الْفضل إِذا دخل مَدِينَة السَّلَام، من السيب، مَوضِع قَرْيَة، لحوائجه، وَهُوَ، إِذْ ذَاك، صَغِير الْحَال، نزل على فامي بهَا، يُقَال لَهُ: خدابود، فيخدمه هُوَ وَأهل بَيته، وَيَقْضِي حَوَائِجه إِلَى أَن يعود.
وتقضت الْأَيَّام، وَبلغ الْفضل مَعَ الْمَأْمُون مَا بلغ، بخراسان، وَقضي أَن الفامي ألح عَلَيْهِ الزَّمَان بنكبات مُتَّصِلَة، حَتَّى افْتقر، فَنَهَضَ إِلَى الْفضل بن سهل.
وَقدم مرو، فَبَدَأَ بِي، فسررت بِهِ وأكرمته، وأصلحت من شَأْنه مَا يجب أَن يصلح لدُخُوله على الْفضل، وَقمت فَدخلت إِلَى الْفضل، وَقد جلس على مائدته.
فَقلت لَهُ: أَتَذكر الشَّيْخ الفامي، الَّذِي كُنَّا ننزل عَلَيْهِ بِبَغْدَاد؟ فَقَالَ لي: سُبْحَانَ الله! تَقول لي تذكره، وَله علينا من الْحُقُوق مَا قد
стр. 883
علمت؟ فَكيف ذكرته؟ أَظن إنْسَانا أخْبرك بِمَوْتِهِ.
فَقلت: هوذا فِي منزلي.
فاستطير فَرحا، وَقَالَ: هاته السَّاعَة، ثمَّ رفع يَده، وَقَالَ: لَا آكل، أَو يَجِيء.
فَقُمْت وَجئْت بِهِ، فحين قرب مِنْهُ؛ تطاول لَهُ، وَأَجْلسهُ بَين يَدَيْهِ، فِيمَا بيني وَبَينه، وَأَقْبل عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا هَذَا، مَا حَبسك عَنَّا طول هَذِه الْمدَّة؟ فَقَالَ: محن عاقبتي، ونكبات أصابتني.
فَأقبل يسائله عَن وَاحِدَة وَاحِدَة من بَنَاته وَأَهله.
فَقَالَ لَهُ: لم يبْق لي بعْدك ولد، وَلَا أهل، وَلَا مَال إِلَّا تلف، وَمَا تحملت إِلَيْك، إِلَّا من قرض وَمَسْأَلَة، فكاد الْفضل يبكي.
فَلَمَّا استتم غداءه؛ أَمر لَهُ بِثِيَاب فاخرة، ومركوب، وَمَال لنفقته، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ منزل وأثاث، وَاعْتذر إِلَيْهِ، ووعده النّظر فِي أمره.
فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ حضر عِنْده وكلاء تجار بَغْدَاد، وَكَانُوا قد قدمُوا عَلَيْهِ، يَبْتَغُونَ بيع غلات السوَاد مِنْهُ، وَأَعْطوهُ عطايا لم يجب إِلَيْهَا.
فأحضرني، وَقَالَ: قد علمت مَا دَار بيني وَبَين هَؤُلَاءِ، فَاخْرُج إِلَيْهِم، وأعلمهم أَنِّي قد أنفذت البيع لَهُم بِمَا التمسوا، على أَن يجْعَلُوا لخدابود مَعَهم الرّبع.
فَفعلت ذَلِك، وَأجَاب التُّجَّار، وفرحوا بِمَا تسهل لَهُم.
ثمَّ قَالَ لخدابود: إِنَّهُم سيهولون عَلَيْك بِكَثْرَة الْمُؤَن، ويبذلون لَك مائَة ألف دِرْهَم على أَن تخرج من الشّركَة، فاحذر أَن تفعل، وَلَا تخرج بِأَقَلّ من خمسين ألف دِينَار.
ثمَّ قَالَ: اخْرُج مَعَه، وتوسط فِيمَا بَينهم وَبَينه، فَفعلت ذَلِك،
стр. 884
وَلم أقنع حَتَّى قدم التُّجَّار لخدابود خمسين ألف دِينَار، وَدخل، فَعرف الْفضل مَا جرى، وشكره، وَأقَام مَعنا مُدَّة.
ثمَّ دخل إِلَيْهِ يَوْمًا، وَالْفضل مغموم مفكر، فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، مَا الَّذِي قد بلغ بك إِلَى مَا أرى من الْفِكر وَالْغَم؟ قَالَ: أَمر لَا أَحسب لَك فِيهِ عملا، يَا خدابود.
قَالَ: فَأَخْبرنِي بِهِ، فَإِن كَانَ عِنْدِي فِيهِ مَا يفرجه عَنْك، وَإِلَّا فَفِي الشكوى رَاحَة.
قَالَ لَهُ الْفضل: إِن خارجيا قد خرج علينا بِبَعْض كور خُرَاسَان، وَنحن على إضاقة من المَال، وَأكْثر عساكرنا قد جردوا إِلَى بَغْدَاد، والخارجي يقوى فِي كل يَوْم، وَأَنا مرتبك فِي هَذَا الْأَمر.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، مَا ظَنَنْت الْأَمر إِلَّا أصعب من هَذَا، وَمَا هَذَا حَتَّى تفكر فِيهِ؟ أَنْت قد فتحت الْعرَاق، وَقتلت المخلوع، وأزلت مثل تِلْكَ الدولة، وتهتم بِهَذَا اللص الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ؟ أنفذني إِلَيْهِ أَيهَا الْأَمِير، فَإِن أَتَيْتُك بِهِ، أَو بِرَأْسِهِ، بإقبالك، فَهُوَ الَّذِي تُرِيدُ، وَإِن قتلت؛ لم تنثلم الدولة بفقدي، على أَنِّي أعلم أَن بختك لَا يُخطئ فِي هَذَا الْمِقْدَار الْيَسِير.
قَالَ: ففكر الْفضل سَاعَة، ثمَّ الْتفت إِلَيّ، فَقَالَ: لَعَلَّ الله يُرِيد أَن يعرفنا قدرته بخدابود.
ثمَّ لفق رجَالًا، واحتال مَالا، ففرقه عَلَيْهِم، وخلع على خدابود، وقلده حَرْب الْخَارِجِي، والبلد الَّذِي هُوَ فِيهِ.
فَسَار خدابود بالعسكر، فَلَمَّا شَارف عَسْكَر الْخَارِجِي؛ جمع وجوده عسكره، وَقَالَ لَهُم: إِنِّي لست من أهل الْحَرْب، وأعول على نصْرَة الله، تَعَالَى، لخليفته على الْعباد، وعَلى إقبال الْأَمِير، وَلَيْسَ هَذَا الْخَارِجِي من أهل
стр. 885
المدد، وَإِنَّمَا هُوَ لص لَا شَوْكَة لَهُ، فاعملوا عمل واثق بالظفر، وَلَا تقنعوا بِدُونِ الْوُصُول إِلَيْهِ، وَلكم إِن جئْتُمْ بِهِ، أَو بِرَأْسِهِ، كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فحملوا وحققوا، فانجلت الْحَرْب عَن الْخَارِجِي قَتِيلا، فاحتز رَأسه.
وَكتب خدابود إِلَى الْفضل: لست مِمَّن يحسن كتب الْفتُوح، وَلَا غَيرهَا، وَلَكِن الله جلت عَظمته قد أظفرنا بالخارجي، وَحصل رَأسه معي، وتفرق أَصْحَابه، وَأَنا أستخلف على النَّاحِيَة، وأسير بِرَأْسِهِ.
قَالَ: وتلا الْكتاب مَجِيء خدابود بِالرَّأْسِ، فعجبنا مِمَّا تمّ لَهُ، وعلت حَاله مَعَ الْفضل.
стр. 886
موت زِيَاد يفرج عَن ابْن أبي ليلى
وَذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، فِي كِتَابه: كتاب (الْفرج بعد الشدَّة والضيقة) ، عَن مُحَمَّد بن الْحجَّاج، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: كتب مُعَاوِيَة، إِلَى زِيَاد: إِنَّه قد تلجلج فِي صَدْرِي شَيْء من أَمر حُجْر بن عدي، فَابْعَثْ لي رجلا من أهل الْمصر، لَهُ فضل وَدين وَعلم، فَدَعَا عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، فَقَالَ لَهُ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ كتب إِلَيّ يَأْمُرنِي أَن أوجه إِلَيْهِ رجلا من أهل الْمصر، لَهُ دين وَفضل وَعلم؛ ليسأله عَن حجر بن عدي، فكنتَ عِنْدِي ذَلِك الرجل، فإياك أَن تقبح لَهُ رَأْيه فِي حجر، فأقتلك،
стр. 887
وَأمر لَهُ بألفي دِرْهَم، وكساه حلتين، وَحمله على راحلتين.
قَالَ عبد الرَّحْمَن: فسرت، وَمَا فِي الأَرْض خطْوَة، أَشد عَليّ، من خطْوَة تدنيني إِلَى مُعَاوِيَة.
فَقدمت بَابه، فاستأذنت، فَأذن لي، فَدخلت، فَسَأَلَنِي عَن سَفَرِي، وَمن خلفت من أهل الْمصر، وَعَن خبر الْعَامَّة والخاصة.
ثمَّ قَالَ لي: انْطلق فضع ثِيَاب سفرك , والبس الثِّيَاب الَّتِي لحضرك، وعد.
فَانْصَرَفت إِلَى منزلي، ثمَّ رجعت إِلَيْهِ، فَذكر حجرا، ثمَّ قَالَ: أما وَالله، لقد تلجلج فِي صَدْرِي مِنْهُ شَيْء، ووددت أَنِّي لم أكن قتلته.
قلت: وَأَنا، وَالله، يَا مُعَاوِيَة، وددت أَنَّك لم تقتله، فَبكى.
فَقلت: وَالله، لَوَدِدْت أَنَّك حَبسته.
فَقَالَ لي: وددت أَنِّي كنت فرقتهم فِي كور الشَّام، فتكفينيهم الطواعين.
قلت: وددت ذَلِك.
فَقَالَ لي: كم أَعْطَاك زِيَاد؟ قلت: أَلفَيْنِ، وكساني حلتين، وحملني على راحلتين.
قَالَ: فلك مثل مَا أَعْطَاك، اخْرُج إِلَى بلدك.
فَخرجت وَمَا فِي الأَرْض شَيْء عَليّ من أَمر يدنيني من زِيَاد؛ مَخَافَة مِنْهُ.
فَقلت: آتِي الْيمن، ثمَّ فَكرت، فَقلت: لَا أخْفى بهَا.
فأجمعت على أَن أُتِي لعض عَجَائِز الْحَيّ، فأتوارى عِنْدهَا، إِلَى أَن يَأْتِي الله بالفرج من عِنْده.
قَالَ: وقدمت الْكُوفَة، فَأمر بجهينة الظَّاهِرَة، حِين طلع الْفجْر، ومؤذنهم يُؤذن.
стр. 888
فَقلت: لَو صليت، فَنزلت، فصرت فِي الْمَسْجِد، حَتَّى أَقَامَ الْمُؤَذّن.
فَلَمَّا قضينا الصَّلَاة؛ إِذا رجل فِي مُؤخر الصَّفّ، يَقُول: هَل علمْتُم مَا حدث البارحة؟ قَالُوا: وَمَا حدث؟ قَالَ: مَاتَ الْأَمِير زِيَاد.
قَالَ: فَمَا سررت بِشَيْء، كسروري بذلك.
стр. 889
خرج يُرِيد خَالِدا الْقَسرِي فَأعْطَاهُ الحكم فأغناه
وَقد أَخْبرنِي عَليّ بن دبيس، عَن الْخُزَاعِيّ الْمَدَائِنِي، عَن أبي عمر الزَّاهِد، وَقد لقِيت أَبَا عمر، وحملت مِنْهُ شَيْئا من علومه ورواياته، وَأَجَازَ لي كل مَا صَحَّ مِنْهَا، فَدخل هَذَا فِي إِجَازَته.
وَحدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، فِي كتاب (نسب قُرَيْش) ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: أَخْبرنِي عمي مُصعب، عَن نَوْفَل بن عمَارَة: أَن رجلا من قُرَيْش، من بني أُمِّي، لَهُ قدر وخطر، لحقه دين، وَكَانَ لَهُ مَال من نخل وَزرع، فخاف أَن يُبَاع عَلَيْهِ، فشخص من الْمَدِينَة يُرِيد الْكُوفَة، يقْصد خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، وَكَانَ واليا لهشام عبد الْملك على الْعرَاق، وَكَانَ يبر من قدم عَلَيْهِ من قُرَيْش.
فَخرج الرجل يُريدهُ، وَأعد لَهُ من طرف الْمَدِينَة، حَتَّى قدم فيد، فَأصْبح بهَا.
فَرَأى فسطاطا، عِنْده جمَاعَة، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: للْحكم بن عبد الْمطلب؛
стр. 890
يَعْنِي: أَبَا عبد الله بن عبد الْمطلب بن حَنْظَلَة بن الْحَارِث بن عبيد بن عَمْرو بن مَخْزُوم، وَكَانَ يَلِي المشاعر، فَلبس نَعْلَيْه، وَخرج حَتَّى دخل عَلَيْهِ.
فَلَمَّا رَآهُ؛ قَامَ إِلَيْهِ فَتَلقاهُ، وَسلم عَلَيْهِ وَأَجْلسهُ فِي صدر فرَاشه، ثمَّ سَأَلَهُ عَن مخرجه، فَأخْبرهُ بِدِينِهِ، وَمَا أَرَادَ من إتْيَان خَالِد بن عبد الله.
فَقَالَ الحكم: انْطلق بِنَا إِلَى مَنْزِلك، فَلَو علمت بمقدمك لسبقتك إِلَى إتيانك، فَمضى مَعَه، حَتَّى أَتَى منزله، فَرَأى الْهَدَايَا الَّتِي أعدهَا لخَالِد، فَتحدث سَاعَة مَعَه.
ثمَّ قَالَ: إِن منزلنا أحضر عدَّة، وَأَنْتُم مسافرون، وَنحن مقيمون، فأقسمت عَلَيْك إِلَّا قُمْت معي إِلَى الْمنزل، وَجعلت لنا من هَذِه الْهَدَايَا نَصِيبا.
فَقَامَ الرجل مَعَه، وَقَالَ: خُذ مِنْهَا مَا أَحْبَبْت، فَأمر بهَا، فَحملت كلهَا إِلَى منزله، وَجعل الرجل يستحي أَن يمنعهُ شَيْئا، حَتَّى صَار إِلَى الْمنزل.
فَدَعَا بالغداء، وَأمر بالهدايا، ففتحت، فَأكل مِنْهَا، وَمن حَضَره، ثمَّ أَمر ببقيتها فَرفعت إِلَى خزانته، وَقَامَ النَّاس.
ثمَّ أقبل على الرجل، وَقَالَ لَهُ: أَنا أولى بك من خَالِد، وَأقرب مِنْهُ رحما ومنزلا، وَهَهُنَا مَال للغارمين، أَنْت أولى النَّاس بِهِ، وَأقرب، وَلَيْسَ لأحد عَلَيْك فِيهِ منَّة، إِلَّا الله، تَعَالَى، تقضي بِهِ دينك، ثمَّ دَعَا لَهُ بكيس فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، فَدفعت إِلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ: قد قرب الله، جلت عَظمته، عَلَيْك الخطوة، فَانْصَرف إِلَى أهلك مصاحبا، مَحْفُوظًا.
فَقَامَ الرجل من عِنْده، يَدْعُو لَهُ ويشكره، وَلم يكن لَهُ همة إِلَّا الرُّجُوع إِلَى أَهله، وَانْطَلق الحكم يشيعه.
стр. 891
ثمَّ قَالَ: كَأَنِّي بزوجتك، قد قَالَت: أَيْن طرائف الْعرَاق، خزها، وبزها، وعروضها؟ أما كَانَ لنا مِنْهَا نصيب؟ ثمَّ أخرج صرة قد كَانَ حملهَا مَعَه، فِيهَا خمس مائَة دِينَار، فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك، إِلَّا جعلت هَذِه عوضا عَن هَدَايَا الْعرَاق، وَانْصَرف.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة) ، بِغَيْر إِسْنَاد، على قريب من هَذِه الْعبارَة.
стр. 892
لَا بَارك الله فِي مَال بعد عُثْمَان
وَذكر أَيْضا فِي كِتَابه، بِغَيْر إِسْنَاد: أَن عُثْمَان بن طَلْحَة، رَكبه دين فادح، مبلغه ألفا دِينَار، فَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق؛ لمسألة السُّلْطَان قَضَاءَهُ عَنهُ.
فَلَمَّا عزم على السّفر؛ اتَّصل خَبره بأَخيه بن طَلْحَة، فَقَالَ: لَا بَارك الله فِي مَال بعد عُثْمَان.
فَدخل على نِسَائِهِ، فَجعل يخلع حليهن، حَتَّى جمع لَهُ أَكثر من ألفي دِينَار فَدَفعهَا إِلَيْهِ.
فَقضى دينه، وَأقَام.
стр. 893
رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ فَحملت إِلَيْهِ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار
وَحدثنَا أَحْمد بن عبد الله، فِي هَذَا الْكتاب: كتاب (نسب قُرَيْش) ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنَا الزبير، قَالَ: حَدثنِي مفضل بن غَسَّان، عَن أَبِيه، عَن رجل من قُرَيْش، قَالَ: حج مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، من بني تيم بن مرّة، قَالَ: وَكَانَ معطاء، فَأعْطى حَتَّى بَقِي فِي إِزَار وَاحِد، وَحج مَعَه أَصْحَابه.
فَلَمَّا نزل الروحاء؛ أَتَاهُ وَكيله، فَقَالَ: مَا مَعنا نَفَقَة، وَمَا بَقِي مَعنا دِرْهَم.
فَرفع مُحَمَّد صَوته بِالتَّلْبِيَةِ، فلبى، ولبى أَصْحَابه، ولبى النَّاس، وبالماء مُحَمَّد بن هِشَام.
فَقَالَ: وَالله، إِنِّي لأَظُن أَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بِالْمَاءِ، فانظروا.
فنظروا، وأتوه فَقَالُوا: هُوَ بِالْمَاءِ.
فَقَالَ: مَا أَظن مَعَه درهما، احملوا إِلَيْهِ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم.
стр. 894
يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان يصف عمر بن هُبَيْرَة بالرجلة ويوليه الْعرَاق
قَالَ: وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: نَالَتْ عمر بن هُبَيْرَة إضاقة شَدِيدَة، فَأصْبح ذَات يَوْم فِي نِهَايَة الكسل، وضيق الصَّدْر والضجر مِمَّا هُوَ فِيهِ.
فَقَالَ لَهُ أَهله ومواليه: لَو ركبت فَلَقِيت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَعَلَّهُ، إِذا رآك، أَن يجْرِي لَك شَيْئا فِيهِ محبَّة، أَو يَسْأَلك عَن حالك، فتخبره.
فَركب، فَدخل على يزِيد بن عبد الْملك، فَوقف بَين يَدَيْهِ سَاعَة، وخاطبه.
ثمَّ نطر يزِيد بن عبد الْملك إِلَى وَجه عمر، وَقد تغير تغيرا شَدِيدا، أنكرهُ، فَقَالَ: أَتُرِيدُ الْخَلَاء؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: إِن لَك لشأنا.
قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أجد بَين كتفيّ أَذَى، لَا أَدْرِي مَا هُوَ.
قَالَ يزِيد بن عبد الْملك: انْظُرُوا مَا هُوَ.
فنظروا، فَإِذا بَين كَتفيهِ عقرب، قد ضَربته عدَّة ضربات.
قلم يبرح حَتَّى كتب عَهده على الْعرَاق، وَجعل يزِيد بن عبد الْملك يصفه بالرجلة، وَشدَّة الْقلب.
стр. 895
كَانَ خَالِد الْقَسرِي لَا يملك إِلَّا ثَوْبه فَجَاءَهُ الْفرج بِولَايَة الْعرَاق
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: أَن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، أَصَابَته إضاقة شَدِيدَة، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم من منزله، إِذْ أَتَاهُ رَسُول هِشَام بن عبد الْملك يَدعُوهُ لولاية الْعرَاق، فَتلوم، فاستحثه الرَّسُول.
فَقَالَ لَهُ خَالِد: رويدا حَتَّى يجِف قَمِيصِي، وَقد كَانَ غسله قبل موافاة الرَّسُول، وَلم يكن بَقِي لَهُ غَيره.
فَقَالَ لَهُ الرَّسُول: يَا هَذَا، أسْرع فِي الْإِجَابَة، فَإنَّك تدعى إِلَى قمصان كَثِيرَة.
فجَاء إِلَى هِشَام، فولاه الْعرَاق.
стр. 896
يهْلك ملوكا ويستخلف آخَرين
قَالَ: وَمن العجوبات، مَا ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، عَن عَليّ بن الْهَيْثَم، قَالَ: رَأَيْت شَيْئا قَلما رئي مثله؛ رَأَيْت ثقل الْفضل بن الرّبيع على ألف بعير، ثمَّ رَأَيْت ثقله فِي زنبيل، وَنحن مستترون، وَفِيه أدوية لعلته، وَهُوَ يَنْقُلهُ من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
وَرَأَيْت الْحسن بن سهل، وَكَانَ مَعَ طريف خادمي فِي بَيت الدهليز، وَثقله فِي زنبيل، فِيهِ نَعْلَانِ، وقميصان، وَإِزَار، وإسطرلاب، وَمَا أشبه ذَلِك، ثمَّ رَأَيْت ثقله على ألف بعير.
стр. 897
بَاعَ من إضاقته لجام دَابَّته فِي الصَّباح وحصلت لَهُ عشرُون ألف دِينَار وَقت الظّهْر
قَالَ: وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم مَيْمُون بن مُوسَى، قَالَ: خرج رجل من الكتّاب فِي عَسْكَر المعتصم إِلَى مصر، يُرِيد التَّصَرُّف، فَلم يحظ بِشَيْء مِمَّا أمّل، وَدخل المعتصم بِاللَّه مصر.
قَالَ: فَحَدثني بعض المتصرفين عَنهُ، قَالَ: نزلت فِي دَار بِالْقربِ مِنْهُ، فَحَدثني الرجل بِمَا كنت وقفت على بعضه.
قَالَ: أَصبَحت ذَات يَوْم، وَقد نفدت نفقتي، وتقطعت ثِيَابِي، وَأَنا من الْهم وَالْغَم، على مَا لَا يُوصف عظما.
فَقَالَ لي غلامي: يَا مولَايَ، أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ فَقلت لَهُ: خُذ لجام الدَّابَّة، فبعه، فَإِنَّهُ محلي، وابتع مَكَانَهُ لجاما حديدا، واشتر لنا خبْزًا سميذا، وجديا سمينا، فقد قرمت إِلَى أكلهما، وَعجل، وَلَا تدع أَن تبْتَاع فِيمَا تبتاعه كوز نَبِيذ شيروي.
فَمضى الْغُلَام، وَجَلَست أفكر فِي أَمْرِي، وَمن أُلَاقِي، وَكَيف أعمل، وَإِذا بِبَاب الدَّار قد دق دقا عنيفا، حَتَّى كَاد أَن يكسر، وَإِذا رهج شَدِيد.
стр. 898
فَقلت لغلام كَانَ وَاقِفًا بَين يَدي: بَادر، فَانْظُر مَا هَذَا.
فَإلَى أَن يفتح الْبَاب، كسر، وامتلأت الدَّار بالغلمان الأتراك وَغَيرهم، وَإِذا بأشناس، وَهُوَ حَاجِب المعتصم، وَمُحَمّد بن عبد الْملك الزيات، وَهُوَ الْوَزير، قد دخلا.
فطرحت لَهُم زلية، فَجَلَسَا عَلَيْهَا، وَإِذا مَعَهُمَا حفارون.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك؛ بادرت فَقبلت أَيْدِيهِمَا، فسألاني عَن خبري، فخبرتهما إِيَّاه، وأنني قد خرجت فِي جملَة أهل الْعَسْكَر؛ طلبا للتَّصَرُّف، وَذكرت حَالي وَمَا قد آلت إِلَيْهِ، فوعداني جميلا، والحفارون يحفرون فِي وسط الدَّار، حَتَّى ترتجل النَّهَار، وَأَنا وَاقِف بَين أَيْدِيهِمَا، وَرُبمَا حدثتهما.
فَالْتَفت أشناس إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَقَالَ: أَنا، وَالله، جَائِع.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: وَأَنا، وَالله، كَذَلِك.
فَقلت عِنْد ذَلِك: يَا سَيِّدي، عِنْد خادمكما شَيْء قد اتخذ لَهُ، فَإِن أذنتما فِي إِحْضَاره أحضرهُ.
فَقَالَا: هَات.
فَقدمت الجدي، وَمَا كَانَ ابتيع لنا، فأكلا، واستوفيا، وغسلا أَيْدِيهِمَا.
ثمَّ قَالَ لي أشناس: عنْدك من ذَلِك الْفَنّ؟ قلت: نعم، فسقيتهما ثَلَاثَة أقداح.
стр. 899
وَجعل أَحدهمَا يَقُول للْآخر: ظريف، وَمَا يَنْبَغِي لنا أَن نضيعه البائس.
فَبَيْنَمَا الْحَال على ذَلِك، إِذْ ارْتَفع تَكْبِير الحفارين، وَإِذا هم قد كشفوا عَن عشْرين مرجلا دَنَانِير، فوجهوا بالبشارة إِلَى المعتصم، وأخرجت المراجل.
فَلَمَّا نهضا؛ قَالَ أَحدهمَا للْآخر: فَهَذَا الشقي الَّذِي أكلنَا طَعَامه، وشربنا شرابه، ندعه هَكَذَا؟ فَقَالَ لَهُ الآخر: فنعمل مَاذَا؟ قَالَ: نحفن لَهُ من كل مرجل حفْنَة، لَا تُؤثر فِيهِ، فنكون قد أغنيناه، ونصدق أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الحَدِيث.
ثمَّ قَالَا: افْتَحْ حجرك، وَجعل كل وَاحِد، يحفن لي حفْنَة، من كل مرجل، وأخذا المَال، وانصرفا.
فَنَظَرت، فَإِذا قد حصل لي عشرُون ألف دِينَار، فَانْصَرَفت بهَا إِلَى الْعرَاق، وابتعت بهَا ضيَاعًا ولزمت منزلي، وَتركت التَّصَرُّف.
стр. 900
سُبْحَانَ خالقك يَا أَبَا قلَابَة فقد تنوق فِي قبح وَجهك
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أبي قلَابَة الْمُحدث، قَالَ: ضقت ضيقَة شَدِيدَة، فَأَصْبَحت ذَات يَوْم، والمطر يَجِيء كأفواه الْقرب، وَالصبيان يتضورون جوعا، وَمَا معي حَبَّة وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا، فَبَقيت متحيرا فِي أَمْرِي.
فَخرجت وَجَلَست فِي دهليزي، وَفتحت بَابي، وَجعلت أفكر فِي أَمْرِي، وَنَفْسِي تكَاد تخرج غما لما ألاقيه، وَلَيْسَ يسْلك الطَّرِيق أحد من شدَّة الْمَطَر.
فَإِذا بِامْرَأَة نبيلة، على حمَار فاره، وخادم أسود آخذ بلجام الْحمار، يَخُوض فِي الوحل، فَلَمَّا صَار بِإِزَاءِ دَاري؛ سلم، وَقَالَ: أَيْن منزل أبي قلَابَة؟ فَقلت لَهُ: هَذَا منزله، وَأَنا هُوَ.
فسألتني عَن مَسْأَلَة، فأفتيتها فِيهَا، فصادف ذَلِك مَا أحبت، فأخرجت
стр. 901
من خفها خريطة، فَدفعت إِلَيّ مِنْهَا ثَلَاثِينَ دِينَارا.
ثمَّ قَالَت: يَا أَبَا قلَابَة، سُبْحَانَ خالقك! فقد تنوق فِي قبح وَجهك، وانصرفت.
стр. 902
الْمَنْصُور العباسي يتَذَكَّر مَا ارْتكب من العظائم فيبكي وينتحب
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: دخل عَمْرو بن عبيد على أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، قبل دولة بني الْعَبَّاس، وَكَانَ صديقه، وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ رغيف، وغضارة فِيهَا فضلَة سكباج، وَهُوَ يتغدى، وَقد كَاد يفرغ، فَلَمَّا بصر عَمْرو؛ قَالَ: يَا جَارِيَة، زيدينا من هَذَا السكباج، وهاتي خبْزًا.
قَالَت: لَيْسَ عندنَا خبز، وَمَا بقى من السكباج شَيْء.
قَالَ: فارفعي الطَّبَق، ثمَّ قَالَ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٢٩] فَلَمَّا أفْضى الْأَمر إِلَى أبي جَعْفَر، وارتكب العظائم؛ دخل عَلَيْهِ عَمْرو بن عبيد، فوعظه، ثمَّ قَالَ: أَتَذكر يَوْمًا دخلت عَلَيْك. . . وَأعَاد الحَدِيث، وَقد استخلفك، فَمَاذَا عملت؟ فَجعل الْمَنْصُور يبكي وينتحب، وَفِيه حَدِيث طَوِيل.
стр. 903
إِن قرح الْفُؤَاد يجرح جرحا
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، قَالَ: رُوِيَ لنا عَن خَالِد بن أَحْمد البطحاوي، مولى آل جَعْفَر بن أبي طَالب، قَالَ: تزوجت امْرَأَة، فَبينا أَنا ذَات لَيْلَة من ليَالِي الْعرس، وَلَيْسَ عندنَا قَلِيل وَلَا كثير، وَأَنا أهم النَّاس بذلك، إِذْ جَاءَتْنِي امْرَأَتَانِ، فطرقتا بَاب منزلي، فَخرجت إِلَيْهِمَا، فَإِذا بِجَارِيَة شَابة، وَأُخْرَى نَصَف.
فَقَالَت: أَنْت خَالِد البطحاوي؟ قلت: نعم.
قَالَت: أحب أَن تنشدنا قَوْلك: خلفوني بِبَطن حام، فأنشدتهما:
خلفوني بِبَطن حام صَرِيعًا ... ثمَّ ولوا وغادروني صبحا
جمع الله بَين كل محب ... ذبحوه بشفرة الْحبّ ذبحا
غادر الْحبّ فِي فُؤَادِي قرحا ... إِن قرح الْفُؤَاد يجرح جرحا
قَالَ: فرمت إِلَيّ الشَّابَّة بدملج ذهب، وانصرفتا، فَبِعْته بجملة دَرَاهِم، واتسعت بهَا.
стр. 904
أَبُو عمر القَاضِي يصبح وَلَيْسَ عِنْده دِرْهَم وَاحِد فيجيئه الْفرج فِي وَقت قريب
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: أضقت إضاقة شَدِيدَة فِي نكبتي، وأصبحت يَوْمًا، وَمَا عِنْدِي دِرْهَم وَاحِد فَمَا فَوْقه، وَكَانَ الْوَقْت شتاء، والمطر يَجِيء.
فَجَلَست ضيق الصَّدْر، مفكرا فِي أَمْرِي، إِذْ جَاءَنِي صديق لي، فَقَالَ: قد جِئْت لأقيم عنْدك الْيَوْم، فازداد ضيق صَدْرِي، وَقلت لَهُ: بالرحب وَالسعَة، وأظهرت لَهُ السرُور بمجيئه.
وَدخلت إِلَى النِّسَاء، فَقلت لَهُنَّ: احتلن فِيمَا ننفق فِي هَذَا الْيَوْم، على رهن، أَو بيع شَيْء من الْبَيْت، فقد طرقنا ضيف.
وَخرجت فَجَلَست مَعَ الرجل، وَأَنا على نِهَايَة من شغل الْقلب؛ خوفًا أَن لَا يتَّفق قرض، وَلَا بيع؛ لأجل الْمَطَر.
فَأَنا كَذَلِك، إِذْ دخل الْغُلَام، فَقَالَ: خَليفَة أبي الْأَغَر السّلمِيّ بِالْبَابِ.
فَقلت: أَي وَقت هَذَا لخليفة أبي الْأَغَر؟ وأمرته أَن يخرج فيصرفه، ثمَّ تذممت من صرفه، وَقد قصدني فِي مثل هَذَا الْيَوْم.
فَقلت: قل لَهُ يدْخل.
فَدخل، وحادثني قَلِيلا، ثمَّ قرب مني، وَأخرج صرة فِيهَا مائَة دِينَار.
стр. 905
وَقَالَ: يَقُول لَك أَخُوك: وجهت إِلَيْك بِهَذِهِ الصرة، فتأمر بصرفها فِي مثل هَذَا الْيَوْم، فِي بعض مَا يصلح حالك.
فامتنعت من قبُولهَا، فَلم يزل خَلِيفَته يلطف بِي، حَتَّى قبلتها.
стр. 906
بَين أَحْمد بن أبي خَالِد وَصَالح الأضجم
حَدثنِي أبي أَبُو الْقَاسِم التنوخي فِي المذاكرة، بِإِسْنَاد ذهب عَن حفظي، قَالَ: كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد بغيضا، قَبِيح اللهجة، وَكَانَ مَعَ ذَلِك حرا، وَكَانَ يلْزمه رجل متعطل من طلاب التَّصَرُّف، يُقَال لَهُ: صَالح بن عَليّ الأضجم، من وُجُوه الكتّاب، فَحدث، قَالَ: طَالَتْ بِي العطلة فِي أَيَّام الْمَأْمُون، والوزير، إِذْ ذَاك، أَحْمد بن أبي خَالِد، وَضَاقَتْ حَالي، حَتَّى خشيت التكشف.
стр. 907
فبكرت يَوْمًا إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد مغلسا؛ لأكلمه فِي أَمْرِي، فَرَأَيْت بَابه قد فتح، وَخرج وَبَين يَدَيْهِ شمعة، يُرِيد دَار الْمَأْمُون.
فَلَمَّا نظر إِلَيّ؛ أنكر عَليّ بكوري، وَعَبس فِي وَجْهي، وَقَالَ: فِي الدُّنْيَا أحد بكر هَذَا البكور ليشغلنا عَن أمرنَا.
فَلم تصبر نَفسِي أَن قلت: لَيْسَ الْعجب مِنْك، أصلحك الله، فِيمَا استقبلتني بِهِ، وَإِنَّمَا الْعجب مني، وَقد سهرت لَيْلَتي، وأسهرت من فِي دَاري تأميلا لَك، وتوقعا للصبح؛ لأصير إِلَيْك، فأبثك أَمْرِي، وأستعين بك على صَلَاح حَالي، وَإِلَّا فَعَلَيَّ، وعليَّ، وَحلفت يَمِينا غَلِيظَة، لَا وقفت ببابك، وَلَا سَأَلتك حَاجَة، حَتَّى تصير إِلَيّ معتذرا مِمَّا كَلَّمتنِي بِهِ.
وانصرفت مغموما مكروبا بِمَا لَقِيَنِي بِهِ، متندما على مَا فرط مني، غير شَاك فِي العطب، إِذْ كنت لَا أقدر على الْحِنْث، وَكَانَ ابْن أبي خَالِد لَا يلْتَفت إِلَى إبرار قسمي.
فَإِنِّي لكذلك، وَقد طلعت الشَّمْس، إِذْ طلع بعض غلماني، فَقَالَ: أَحْمد بن أبي خَالِد، مقبل فِي الشَّارِع، ثمَّ دخل آخر، فَقَالَ: قد دخل دربنا، ثمَّ دخل آخر، فَقَالَ: قد وقف على الْبَاب، ثمَّ تبادر الغلمان بِدُخُولِهِ الدهليز، فَخرجت مُسْتَقْبلا لَهُ.
فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ مَجْلِسه فِي دَاري؛ ابتدأت أشكره على إبراره قسمي، فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ، كَانَ أَمْرِي بالبكور إِلَيْهِ فِي بعض مهماته، فَدخلت إِلَيْهِ، وَقد غلبني الْفِكر؛ لما فرط مني إِلَيْك، حَتَّى أنكر ذَلِك، فقصصت عَلَيْهِ قصتي مَعَك.
فَقَالَ: قد أَسَأْت بِالرجلِ، قُم، فَامْضِ إِلَيْهِ، فَاعْتَذر مِمَّا قلت لَهُ.
قلت: فأمضي إِلَيْهِ فارغ الْيَد؟
стр. 908
قَالَ: فتريد مَاذَا؟ قلت: يقْضِي دينه.
قَالَ: كم هُوَ؟ قلت: ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم.
قَالَ: وقّع لَهُ بذلك.
قلت: فَيرجع بعد إِلَى الدَّين؟ قَالَ: وَقع لَهُ بِثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم أُخْرَى.
قلت: فولاية يشرف بهَا.
قَالَ: ولّه مصر، أَو غَيرهَا، مِمَّا يشبهها.
قلت: ومعونة على سَفَره؟ قَالَ: وَقع لَهُ بِثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم ثَالِثَة.
قَالَ: وَأخرج التوقيع من خفه بِالْولَايَةِ، وبتسع مائَة ألف دِرْهَم، فَدفع ذَلِك إِلَيّ، وَانْصَرف.
وَقد ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء) ، الْخَبَر على قريب من هَذَا.
стр. 909
جندي تركي تشتد إضاقته ثمَّ يَأْتِيهِ الْفرج
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم، قَالَ: كَانَ فِي جيراني، بالجانب الشَّرْقِي من مَدِينَة السَّلَام، رجل من الأتراك، لَهُ رزق فِي الْجند، فَتَأَخر رزقه فِي أَيَّام المكتفي، ووزارة الْعَبَّاس بن الْحسن، فَسَاءَتْ حَاله، ورثت هَيئته، حَتَّى أدمن الْجُلُوس عِنْد خباز كَانَ بِالْقربِ منا، وَكَانَ يستسعفه، فيعطيه فِي كل يَوْم خَمْسَة أَرْطَال خبْزًا، يتقوت بهَا هُوَ وَعِيَاله.
فَاجْتمع عَلَيْهِ للخباز شَيْء، ضَاقَ بِهِ صدر الخباز مَعَه أَن يُعْطِيهِ سواهُ، فَمَنعه، فَخرج ذَات يَوْم، فَجَلَسَ، وَهُوَ عَظِيم الْهم، ثمَّ كشف لي حَدِيثه.
وَقَالَ: قد عملت على مَسْأَلَة كل من يَشْتَرِي من الخباز شَيْئا، أَن يتَصَدَّق عَليّ، فقد حَملَنِي الْجُوع على هَذَا، وَكلما أردْت فعله؛ منعتني نَفسِي مِنْهُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ معي فِي هَذَا؛ إِذْ جَاءَ رجل بزِي نقيب، يسْأَل عَنهُ، فَدلَّ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ جَالِسا عِنْد الخباز.
فَقَالَ لَهُ: قُم.
فَقَالَ: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى الدِّيوَان، حَتَّى تقبض رزقك، فقد خرج لَك ولأصحابك رزق شَهْرَيْن، فَمضى مَعَه.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة؛ جَاءَنِي، وَقد قبض مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين دِينَارا.
فرم منزله، وَأصْلح حَاله وَحَال عِيَاله، وابتاع دَابَّة وسرجا وسلاحا، وَقضى دينه، وَخرج مَعَ قَائِد كَانَ برسمه، وَحسنت حَالَته.
стр. 910
أَحْمد بن مَسْرُوق عَامل الأهواز يتحدث عَن الْفرج الَّذِي وجده فِي قانصة البطة
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، عَن الْحُسَيْن بن مُوسَى، أخي إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، قَالَ: خرجت إِلَى فَارس، فِي أَيَّام الْمُعْتَمد على الله، فمررت بالأهواز، والمتقلد لخراجها أَحْمد بن مَسْرُوق، فَاجْتَمَعْنَا وتذاكرنا حَدِيث الْغم والفرج، وَمَا ينَال النَّاس مِنْهُمَا، وَمن الْمَرَض وَالصِّحَّة.
فَحَدثني: أَنه كَانَ فِي نَاحيَة إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَلَمَّا توفّي، وَقدم مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر؛ تعطل، وافتقر، حَتَّى لم يبْق لَهُ شَيْء، وحالفته أمراض كَثِيرَة، فَكَانَ لَا يَصح لَهُ بدن يَوْمًا وَاحِدًا.
قَالَ: وَكَانَ لَهُ رَفِيق، فَخرج إِلَى سر من رأى، فَتعلق بِالْفَتْح بن خاقَان، فحسنت حَاله.
قَالَ: فَكَانَ يكْتب إِلَيّ فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ، فيمنعني من ذَلِك عوز النَّفَقَة.
فَإِنِّي لمغموم، مفكر فِي الْحَال الَّتِي أَنا عَلَيْهَا، إِذْ دخل بعض نسائنا، فلامتني على طول الْهم وَالْغَم، وَقَالَت: كن الْيَوْم عِنْدِي، حَتَّى أذبح لَك
стр. 911
مخلفة بطة سمنت لنا، وتجتمع مَعَ جواريك، فيغنين لَك وتتفرج.
فَقلت: نعم، وَجئْت إِلَى منزلهَا، وذبحت البطة، فَإِذا قد خرجت إِلَيّ، وَمَعَهَا حجر أَحْمَر، لم تدر مَا هُوَ.
فَقَالَت: خرج هَذَا من قانصة البطة، فَمَا هُوَ؟ قلت: لَا أَدْرِي، وَلَكِن هبيه لي حَتَّى أريه لمن يعرفهُ؟ فَقَالَت: خُذْهُ، فَرَأَيْت شَيْئا لم أعرفهُ، إِلَّا أَنِّي بعثت بِهِ إِلَى صديق لي بِبَاب الطاق، وَسَأَلته أَن يَبِيعهُ لي.
فَقَالَ: نعم، ثمَّ إِنَّه غسله بِمَاء حَار، وَبَاعه بِمِائَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا.
فَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مركوبا، وتجهزت إِلَى سر من رأى، فلزمت أَبَا نوح، وَبَاب الْفَتْح بن خاقَان، فنفدت نفقتي، وَجعل رفيقي ينْفق عَليّ، ويقرضني.
فدعاني الْفَتْح بن خاقَان، وَقد يئست مِنْهُ، وَإِذا بَين يَدَيْهِ أَبُو نوح، فَقَالَ: هَذَا أَحْمد بن مَسْرُوق؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: كَيفَ أَنْت إِن أنفذتك فِي أَمر، واصطنعتك؟ قلت: إِنِّي كنت مَعَ الخراسانية كَاتبا أعرف جَمِيع الْأَعْمَال.
стр. 912
فَأَدْخلنِي إِلَى المتَوَكل، فَلَمَّا وقفت بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ: إِنَّا ننفذك فِي أَمر هُوَ محنتك، وَبِه ارتفاعك، أَو سقوطك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ قَالَ: فَقبلت الأَرْض، ووعدت الْكِفَايَة بِهِ من نَفسِي.
وَخرج الْفَتْح، وَمَعَهُ عبيد الله بن يحيى، فَوَقع لي عبيد الله بِأَجْر ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، مَعَ الشاكرية الَّذين يقبضون عشرَة أشهر من السّنة، والاستقبال فِي أول شهر يوضع لَهُم، وَوَقع إِلَى خَازِن بَيت المَال بِأَن يدْفع إِلَيّ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم مَعُونَة.
وَكتب كتبي بِالنّظرِ فِي مصَالح الأهواز، وَأَشْيَاء هُنَاكَ بالستر وَالْأَمَانَة، احْتِيجَ إِلَى كشفها، فسرت إِلَيْهَا، وَبَلغت فِي الْأُمُور مَا أَحْمد.
فَصَارَ رسمي أَن أقلد أَعمالهَا، فَمرَّة المعونة، وَمرَّة الْخراج، وَمرَّة يجمعان لي جَمِيعًا.
فَزَالَتْ تِلْكَ الْعِلَل والأمراض الَّتِي كَانَت قد حالفتني، وَلَا أعرف لذَلِك سَببا غير الْفرج.
فَقَالَ الْحُسَيْن بن مُوسَى، لِأَحْمَد بن مَسْرُوق: على ذكر وجود الْحجر فِي قانصة البطة: أخْبرك أَنِّي لما سرت فِي سفرتي هَذِه، إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف باصطربند، رَأَيْت بستانا حسنا، فِيهِ باقلى وخضرة، بعقب مطرة، فاستحسنته، فعدلت إِلَيْهِ.
فَقَالَ: عساه الْبُسْتَان الَّذِي فِيهِ الصَّخْرَة الَّتِي كَأَنَّهَا نابتة.
قلت: هُوَ.
قَالَ: هيه.
стр. 913
قلت: فتغدينا فِيهِ، وشربنا أقداحا، وَكنت مُسْتَندا إِلَى الصَّخْرَة، فَلَمَّا نهضنا؛ رَأَيْت فِي وسط الصَّخْرَة نقرة، قد اجْتمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، فَهُوَ فِي غَايَة الصفاء.
فَوضعت فمي لأشرب مِنْهُ، فَتحَرك فِيهِ شَيْء، فنحيت فمي عَنهُ، وتأملته، فبدت لي خرقَة، فجذبتها، فَإِذا صرة.
فَقَالَ: أَحْمد بن مَسْرُوق: صرتي، وَالله، كَأَن فِيهَا ثَلَاث مائَة دِينَار.
قلت: نعم، فَمن أَيْن صَارَت لَك؟ قَالَ: مَرَرْت بِهَذَا الْموضع، آخر خرجَة خرجتها إِلَى الأهواز، فملتُ إِلَى الْموضع، كَمَا ملتَ، وَكَانَت هَذِه الصرة فِي يَدي، فَوَضَعتهَا فِي الْحجر، وأنسيتها وَركبت، ثمَّ طلبتها، فَلم أَجدهَا، وَلَا علمت أَيْن وَضَعتهَا، إِلَّا السَّاعَة، فَذَكرتهَا بحديثك.
قلت: فالدنانير مَعَ غلامي.
قَالَ: خُذْهَا، بَارك الله لَك فِيهَا، وأبرأت ذِمَّتك مِنْهَا.
стр. 914
أصلح بَين متخاصمين بدرهم فوهب الله لَهُ درة بِمِائَة وَعشْرين ألفا
قَالَ:
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، بِإِسْنَاد، قَالَ: حدث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عمر البرقي، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد البرقي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو زيد، عَن الفضيل بن عِيَاض، قَالَ: حَدثنِي رجل: أَن رجلا خرج بغزل، فَبَاعَهُ بدرهم؛ ليَشْتَرِي بِهِ دَقِيقًا، فَمر على رجلَيْنِ، كل وَاحِد مِنْهُمَا آخذ بِرَأْس صَاحبه.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقيل: يقتتلان فِي دِرْهَم، فَأَعْطَاهُمَا ذَلِك الدِّرْهَم، وَلَيْسَ لَهُ شَيْء غَيره.
فَأتى إِلَى امْرَأَته، فَأَخْبرهُمَا بِمَا جرى لَهُ، فَجمعت لَهُ أَشْيَاء من الْبَيْت، فَذهب ليبيعها، فكسدت عَلَيْهِ، فَمر على رجل وَمَعَهُ سَمَكَة قد أروحت.
فَقَالَ لَهُ: إِن مَعَك شَيْئا قد كسد، وَمَعِي شَيْء قد كسد، فَهَل لَك أَن تبيعني هَذَا بِهَذَا؟ فَبَاعَهُ.
وَجَاء الرجل بالسمكة إِلَى الْبَيْت، وَقَالَ لزوجته: قومِي فأصلحي أَمر هَذِه السَّمَكَة، فقد هلكنا من الْجُوع.
فَقَامَتْ الْمَرْأَة تصلحها، فشقت جَوف السَّمَكَة، فَإِذا هِيَ بلؤلؤة، قد خرجت من جوفها.
стр. 915
فَقَالَت الْمَرْأَة: يَا سَيِّدي، قد خرج من جَوف السَّمَكَة شَيْء أَصْغَر من بيض الدَّجَاج، وَهُوَ يُقَارب بيض الْحمام.
فَقَالَ: أريني، فَنظر إِلَى شَيْء مَا رأى فِي عمره مثله، فطار عقله، وحار لبه.
فَقَالَ لزوجته: هَذِه أظنها لؤلؤة.
فَقَالَت: أتعرف قدر اللؤلؤة؟ قَالَت: لَا، وَلَكِنِّي أعرف من يعرف ذَلِك، ثمَّ أَخذهَا، وَانْطَلق بهَا إِلَى أَصْحَاب اللُّؤْلُؤ؛ إِلَى صديق لَهُ جوهري، فَسلم عَلَيْهِ، فَرد ﵇، وَجلسَ إِلَى جَانِبه يتحدث، وَأخرج تِلْكَ الْبَيْضَة.
وَقَالَ: انْظُر كم قيمَة هَذِه؟ قَالَ: فَنظر زَمَانا طَويلا، ثمَّ قَالَ: لَك بهَا عَليّ أَرْبَعُونَ ألفا، فَإِن شِئْت أقبضتك المَال السَّاعَة، وَإِن طلبت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنَّهُ أثمن بهَا لَك مني.
فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَنظر إِلَيْهَا واستحسنها، وَقَالَ: لَك بهَا عَليّ ثَمَانُون ألفا، وَإِن شِئْت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنِّي أرَاهُ أثمن بهَا لَك مني.
فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَك بهَا عَليّ مائَة وَعِشْرُونَ ألفا، وَلَا أرى أحدا يزيدك فَوق ذَلِك شَيْئا.
فَقَالَ: نعم، فوزن لَهُ المَال، فَحمل الرجل فِي ذَلِك الْيَوْم اثْنَتَيْ عشرَة بدرة، فِي كل بدرة عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَذهب بهَا إِلَى منزله؛ ليضعها فِيهِ، فَإِذا فَقير وَاقِف بِالْبَابِ، يسْأَل.
فَقَالَ: هَذِه قصتي الَّتِي كنت عَلَيْهَا، ادخل، فَدخل الرجل.
فَقَالَ: خُذ نصف هَذَا المَال، فَأخذ الرجل الْفَقِير، سِتّ بدر، فحملها، ثمَّ تبَاعد غير بعيد، وَرجع إِلَيْهِ.
وَقَالَ: مَا أَنا بمسكين، وَلَا فَقير، وَإِنَّمَا أَرْسلنِي إِلَيْك رَبك، ،
следующие страницы →