← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

مخلفة بطة سمنت لنا، وتجتمع مَعَ جواريك، فيغنين لَك وتتفرج. فَقلت: نعم، وَجئْت إِلَى منزلهَا، وذبحت البطة، فَإِذا قد خرجت إِلَيّ، وَمَعَهَا حجر أَحْمَر، لم تدر مَا هُوَ. فَقَالَت: خرج هَذَا من قانصة البطة، فَمَا هُوَ؟ قلت: لَا أَدْرِي، وَلَكِن هبيه لي حَتَّى أريه لمن يعرفهُ؟ فَقَالَت: خُذْهُ، فَرَأَيْت شَيْئا لم أعرفهُ، إِلَّا أَنِّي بعثت بِهِ إِلَى صديق لي بِبَاب الطاق، وَسَأَلته أَن يَبِيعهُ لي. فَقَالَ: نعم، ثمَّ إِنَّه غسله بِمَاء حَار، وَبَاعه بِمِائَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا. فَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مركوبا، وتجهزت إِلَى سر من رأى، فلزمت أَبَا نوح، وَبَاب الْفَتْح بن خاقَان، فنفدت نفقتي، وَجعل رفيقي ينْفق عَليّ، ويقرضني. فدعاني الْفَتْح بن خاقَان، وَقد يئست مِنْهُ، وَإِذا بَين يَدَيْهِ أَبُو نوح، فَقَالَ: هَذَا أَحْمد بن مَسْرُوق؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ أَنْت إِن أنفذتك فِي أَمر، واصطنعتك؟ قلت: إِنِّي كنت مَعَ الخراسانية كَاتبا أعرف جَمِيع الْأَعْمَال.

стр. 912

فَأَدْخلنِي إِلَى المتَوَكل، فَلَمَّا وقفت بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ: إِنَّا ننفذك فِي أَمر هُوَ محنتك، وَبِه ارتفاعك، أَو سقوطك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ قَالَ: فَقبلت الأَرْض، ووعدت الْكِفَايَة بِهِ من نَفسِي. وَخرج الْفَتْح، وَمَعَهُ عبيد الله بن يحيى، فَوَقع لي عبيد الله بِأَجْر ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، مَعَ الشاكرية الَّذين يقبضون عشرَة أشهر من السّنة، والاستقبال فِي أول شهر يوضع لَهُم، وَوَقع إِلَى خَازِن بَيت المَال بِأَن يدْفع إِلَيّ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم مَعُونَة. وَكتب كتبي بِالنّظرِ فِي مصَالح الأهواز، وَأَشْيَاء هُنَاكَ بالستر وَالْأَمَانَة، احْتِيجَ إِلَى كشفها، فسرت إِلَيْهَا، وَبَلغت فِي الْأُمُور مَا أَحْمد. فَصَارَ رسمي أَن أقلد أَعمالهَا، فَمرَّة المعونة، وَمرَّة الْخراج، وَمرَّة يجمعان لي جَمِيعًا. فَزَالَتْ تِلْكَ الْعِلَل والأمراض الَّتِي كَانَت قد حالفتني، وَلَا أعرف لذَلِك سَببا غير الْفرج. فَقَالَ الْحُسَيْن بن مُوسَى، لِأَحْمَد بن مَسْرُوق: على ذكر وجود الْحجر فِي قانصة البطة: أخْبرك أَنِّي لما سرت فِي سفرتي هَذِه، إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف باصطربند، رَأَيْت بستانا حسنا، فِيهِ باقلى وخضرة، بعقب مطرة، فاستحسنته، فعدلت إِلَيْهِ. فَقَالَ: عساه الْبُسْتَان الَّذِي فِيهِ الصَّخْرَة الَّتِي كَأَنَّهَا نابتة. قلت: هُوَ. قَالَ: هيه.

стр. 913

قلت: فتغدينا فِيهِ، وشربنا أقداحا، وَكنت مُسْتَندا إِلَى الصَّخْرَة، فَلَمَّا نهضنا؛ رَأَيْت فِي وسط الصَّخْرَة نقرة، قد اجْتمع فِيهَا مَاء الْمَطَر، فَهُوَ فِي غَايَة الصفاء. فَوضعت فمي لأشرب مِنْهُ، فَتحَرك فِيهِ شَيْء، فنحيت فمي عَنهُ، وتأملته، فبدت لي خرقَة، فجذبتها، فَإِذا صرة. فَقَالَ: أَحْمد بن مَسْرُوق: صرتي، وَالله، كَأَن فِيهَا ثَلَاث مائَة دِينَار. قلت: نعم، فَمن أَيْن صَارَت لَك؟ قَالَ: مَرَرْت بِهَذَا الْموضع، آخر خرجَة خرجتها إِلَى الأهواز، فملتُ إِلَى الْموضع، كَمَا ملتَ، وَكَانَت هَذِه الصرة فِي يَدي، فَوَضَعتهَا فِي الْحجر، وأنسيتها وَركبت، ثمَّ طلبتها، فَلم أَجدهَا، وَلَا علمت أَيْن وَضَعتهَا، إِلَّا السَّاعَة، فَذَكرتهَا بحديثك. قلت: فالدنانير مَعَ غلامي. قَالَ: خُذْهَا، بَارك الله لَك فِيهَا، وأبرأت ذِمَّتك مِنْهَا.

стр. 914

أصلح بَين متخاصمين بدرهم فوهب الله لَهُ درة بِمِائَة وَعشْرين ألفا قَالَ: وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، بِإِسْنَاد، قَالَ: حدث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عمر البرقي، قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد البرقي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو زيد، عَن الفضيل بن عِيَاض، قَالَ: حَدثنِي رجل: أَن رجلا خرج بغزل، فَبَاعَهُ بدرهم؛ ليَشْتَرِي بِهِ دَقِيقًا، فَمر على رجلَيْنِ، كل وَاحِد مِنْهُمَا آخذ بِرَأْس صَاحبه. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقيل: يقتتلان فِي دِرْهَم، فَأَعْطَاهُمَا ذَلِك الدِّرْهَم، وَلَيْسَ لَهُ شَيْء غَيره. فَأتى إِلَى امْرَأَته، فَأَخْبرهُمَا بِمَا جرى لَهُ، فَجمعت لَهُ أَشْيَاء من الْبَيْت، فَذهب ليبيعها، فكسدت عَلَيْهِ، فَمر على رجل وَمَعَهُ سَمَكَة قد أروحت. فَقَالَ لَهُ: إِن مَعَك شَيْئا قد كسد، وَمَعِي شَيْء قد كسد، فَهَل لَك أَن تبيعني هَذَا بِهَذَا؟ فَبَاعَهُ. وَجَاء الرجل بالسمكة إِلَى الْبَيْت، وَقَالَ لزوجته: قومِي فأصلحي أَمر هَذِه السَّمَكَة، فقد هلكنا من الْجُوع. فَقَامَتْ الْمَرْأَة تصلحها، فشقت جَوف السَّمَكَة، فَإِذا هِيَ بلؤلؤة، قد خرجت من جوفها.

стр. 915

فَقَالَت الْمَرْأَة: يَا سَيِّدي، قد خرج من جَوف السَّمَكَة شَيْء أَصْغَر من بيض الدَّجَاج، وَهُوَ يُقَارب بيض الْحمام. فَقَالَ: أريني، فَنظر إِلَى شَيْء مَا رأى فِي عمره مثله، فطار عقله، وحار لبه. فَقَالَ لزوجته: هَذِه أظنها لؤلؤة. فَقَالَت: أتعرف قدر اللؤلؤة؟ قَالَت: لَا، وَلَكِنِّي أعرف من يعرف ذَلِك، ثمَّ أَخذهَا، وَانْطَلق بهَا إِلَى أَصْحَاب اللُّؤْلُؤ؛ إِلَى صديق لَهُ جوهري، فَسلم عَلَيْهِ، فَرد ﵇، وَجلسَ إِلَى جَانِبه يتحدث، وَأخرج تِلْكَ الْبَيْضَة. وَقَالَ: انْظُر كم قيمَة هَذِه؟ قَالَ: فَنظر زَمَانا طَويلا، ثمَّ قَالَ: لَك بهَا عَليّ أَرْبَعُونَ ألفا، فَإِن شِئْت أقبضتك المَال السَّاعَة، وَإِن طلبت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنَّهُ أثمن بهَا لَك مني. فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَنظر إِلَيْهَا واستحسنها، وَقَالَ: لَك بهَا عَليّ ثَمَانُون ألفا، وَإِن شِئْت الزِّيَادَة؛ فَاذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان، فَإِنِّي أرَاهُ أثمن بهَا لَك مني. فَذهب بهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَك بهَا عَليّ مائَة وَعِشْرُونَ ألفا، وَلَا أرى أحدا يزيدك فَوق ذَلِك شَيْئا. فَقَالَ: نعم، فوزن لَهُ المَال، فَحمل الرجل فِي ذَلِك الْيَوْم اثْنَتَيْ عشرَة بدرة، فِي كل بدرة عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَذهب بهَا إِلَى منزله؛ ليضعها فِيهِ، فَإِذا فَقير وَاقِف بِالْبَابِ، يسْأَل. فَقَالَ: هَذِه قصتي الَّتِي كنت عَلَيْهَا، ادخل، فَدخل الرجل. فَقَالَ: خُذ نصف هَذَا المَال، فَأخذ الرجل الْفَقِير، سِتّ بدر، فحملها، ثمَّ تبَاعد غير بعيد، وَرجع إِلَيْهِ. وَقَالَ: مَا أَنا بمسكين، وَلَا فَقير، وَإِنَّمَا أَرْسلنِي إِلَيْك رَبك، ،

стр. 916

الَّذِي أَعْطَاك بالدرهم عشْرين قيراطا، فَهَذَا الَّذِي أَعْطَاك، قِيرَاط مِنْهُ، وَذخر لَك تِسْعَة عشر قيراطا.

стр. 917

يحيى الْبَرْمَكِي يتحدث عَن عارفة فِي عُنُقه ليعقوب بن دَاوُد وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: رُوِيَ أَن خَالِد بن برمك، قَالَ لِابْنِهِ يحيى، فِي إضاقة نالته: قد ترى مَا نَحن فِيهِ، فَلَو لقِيت يَعْقُوب بن دَاوُد، وشكوت إِلَيْهِ مَا نَحن فِيهِ. فَأتى يَعْقُوب بن دَاوُد، فَذكر لَهُ ذَلِك، فَسكت عَنهُ، فَانْصَرف يحيى، وَهُوَ مكروب، آيس من خَيره، فَأخْبر أَبَاهُ. فَقَالَ: افتضحنا، فيا لَيْت أَنا لم نَكُنْ كشفنا لَهُ خبرنَا. قَالَ: فَركب يحيى بن خَالِد من غَد، فَلَقِيَهُ بعض إخوانه، فَقَالَ: مَا زَالَ يَعْقُوب بن دَاوُد يطلبك طلبا شَدِيدا، فَمضى إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: أَيْن كنت؟ وَالله، إِنَّك أوردت على فلبي مَا شغله بالفكر فِي إِصْلَاحه، وَقد عنّ لي أَمر رَجَوْت بِهِ صَلَاح حالك، امْضِ بِنَا إِلَى الدِّيوَان، فَسَار مَعَه إِلَيْهِ. فَقَالَ يَعْقُوب: عَليّ بتجار السوَاد، فأحضروا. فَقَالَ: أشركوا أَبَا عَليّ مَعكُمْ بِالثُّلثِ فِيمَا تبتاعونه من غلَّة السُّلْطَان، فَفَعَلُوا.

стр. 918

فَقَالَ: لَعَلَّ ذَلِك يشق عَلَيْكُم؟ فَقَالُوا: أجل. فَقَالَ: أَخْرجُوهُ، بِرِبْح تجعلونه لَهُ. فأخرجوه بِرِبْح سِتِّينَ ألف دِينَار، فصلحت حَاله، وَحَال أَبِيه، وَمضى إِلَيْهِ بِالْمَالِ.

стр. 919

من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيه وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء) ، هَذَا الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا، فَقَالَ: حكى يحيى بن خاقَان، قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد يحيى بن خَالِد، وبحضرته ابْنه الْفضل، إِذْ دخل عَلَيْهِ أَحْمد بن يزِيد، الْمَعْرُوف بـ: ابْن أبي خَالِد، فَسلم وَخرج. فَقَالَ يحيى للفضل: فِي أَمر هَذَا الرجل خبر، فَإِذا فَرغْنَا من شغلنا فأذكرني بِهِ حَتَّى أعرفك، فَلَمَّا فرغ من عمله؛ أذكرهُ. فَقَالَ: نعم، كَانَت العطلة، قد بلغت مني وَمن أبي، وتوالت المحن علينا، حَتَّى لم نهتد إِلَى مَا ننفقه. فَلبِست ثِيَابِي يَوْمًا؛ لأركب، فَقَالَ لي أَهلِي: إِن هَؤُلَاءِ الصّبيان باتوا البارحة بأسوإ حَال، وَأَنا مَا زلت أعللهم بِمَا لَا علالة فِيهِ، وأصبحت وَمَا لَهُم شَيْء، وَمَا لدابتك علف. فقرعت قلبِي، وقطعتني عَن الْحَرَكَة، ورميت بفكري، فَلم يَقع إِلَّا على منديل طبري، كَانَ بعض البزازين أهداه إِلَيّ. فَقلت: مَا فعل المنديل الطَّبَرِيّ؟ فَقَالَت: ههو. فَأَخْرَجته إِلَى الْغُلَام، وَقلت لَهُ: اخْرُج إِلَى الشَّارِع، فبع هَذَا المنديل،

стр. 920

فَمضى، وَعَاد من سَاعَته، فَقَالَ: خرجت إِلَى الْبَقَّال الَّذِي يعاملنا، وَعِنْده رجل، فَأَعْطَانِي بالمنديل اثْنَي عشر درهما صحاحا، وَقد بِعته بِشَرْط، فَإِن أمضيت البيع، وَإِلَّا أخرجت المنديل إِلَى سوق قنطرة البردان، واستقصيت فِيهِ، كَمَا تحب. فَأَمَرته بإمضاء البيع للْحَال الَّتِي خبرتني بهَا الْمَرْأَة، وَأَن يَشْتَرِي مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الصّبيان، وعلفا للدابة، وَركبت، لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أقصد. فَأَنا فِي الشَّارِع، وَإِذا أَنا بِأبي خَالِد، وَالِد هَذَا، وَمَعَهُ موكب عَظِيم ضخم، وَهُوَ يَوْمئِذٍ يكْتب لأبي عبيد الله، كَاتب الْمهْدي، فملت إِلَيْهِ، ورميت نَفسِي عَلَيْهِ. وَقلت لَهُ: قد تناهت العطلة بأخيك وَبِي، إِلَى مَا لَا نِهَايَة وَرَاءه، وَعلي، وَعلي، إِن لم تكن قصتي فِي يومي هَذَا، كَيْت وَكَيْت، وقصصت عَلَيْهِ الْخَبَر، وَهُوَ مستمع لذَلِك، مَاض فِي سيره، فَلَمَّا بلغ مقْصده؛ انصرفت عَنهُ، وَلم يقل لي حرفا. فَانْصَرَفت منكسف البال، مُنْكرا على نَفسِي إسرافي فِي الشكوى، وإطلاعي إِيَّاه على مَا أطلعته عَلَيْهِ. وَقلت: مَا زِدْت على أَن فضحت نَفسِي، وقللتها فِي عينه من غير نفع. ووافيت منزلي على حَال أنكرتها أَهلِي، فسألتني. فَقلت: جنيت الْيَوْم على نَفسِي جِنَايَة كنت عَنْهَا غَنِيا، وقصصت عَلَيْهَا قصتي مَعَ يزِيد. فَأَقْبَلت توبخني، وَقَالَت: مَا حملك على أَن أظهرت للرجل حالك؟ فَإِن أقل مَا فِي ذَلِك، أَن لَا يأتمنك على أَمر، فَإِن من تناهت بِهِ الْحَال إِلَى مَا ذكرت، كَانَ غير مؤتمن، فنالني من توبيخها أَضْعَاف مَا نالني أَولا. وأصبحنا فِي الْيَوْم الثَّانِي، فوجهت بِأحد ثوبيّ فَبيع، وتبلغنا بِثمنِهِ يَوْمنَا.

стр. 921

وأصبحنا فِي الْيَوْم الثَّالِث، وَنحن فِي غَايَة الضيقة، فطوينا يَوْمنَا وليلتنا. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع؛ ضَاقَتْ نَفسِي، وَقل صبري، وضعفت قوتي، واخترت الْمَوْت على الْحَالة الَّتِي أَنا فِيهَا. فَقَالَت لي أَهلِي: أَنا خائفة عَلَيْك من الوسواس، فَيكون مَا نحتاج لعلاجك أَضْعَاف مَا نحتاج لمئونتنا، فسهّل الْأَمر عَلَيْك، وَلَا تضجر، وَلَا تقنط من رَحْمَة الله، فَإِن الله، ، الصَّانِع، الْمُدبر، الْحَكِيم. قَالَ: فركبت، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد، فَلَمَّا صرت إِلَى قنطرة البردان؛ لَقِيَنِي رَسُول أبي خَالِد يطلبني دَاره. فَقَالَ لي حَاجِبه: اجْلِسْ، فأقمت، وَخرج مَعَ الزَّوَال، فدنوت مِنْهُ. فَقَالَ: يَابْنَ أخي، شَكَوْت إِلَيّ بالْأَمْس شكوى، لم يكن فِي جوابها إِلَّا الْفِعْل، وَأمر بإحضار حميد وداهر؛ تاجرين كَانَا يبيعان الطَّعَام. فَقَالَ لَهما: قد علمتما أَنِّي إِنَّمَا بعتكما البارحة ثَلَاثِينَ ألف كرّ، على أَن ابْن أخي هَذَا شريككما فِيهَا بالسعر. ثمَّ قَالَ: لَك فِي هَذِه عشرَة آلَاف كرّ بالسعر، فَإِن دفعا إِلَيْك ثَلَاثِينَ ألف دِينَار ربحك، وآثرت أَن تخرج إِلَيْهِمَا من حصتك؛ فعلت، وَإِن آثرت أَن تقيم على ابتياعك؛ فعلت. قَالَ: فتنحينا نَاحيَة، وَقَالا: إِنَّك رجل شرِيف، وَابْن شرِيف، وَلَيْسَت التِّجَارَة من شَأْنك، وَمَتى أَقمت على الابتياع؛ احتجت إِلَى كفاة وَأَعْوَان، وَلَكِن خُذ منا ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وخلنا وَالطَّعَام. فَقلت: قد فعلت، وَقمت إِلَى أبي خَالِد، فَقلت: قد أجبتهما إِلَى أَخذ المَال، وتركهما وَالطَّعَام.

стр. 922

فَقَالَ: هَذَا أروح لَك، فَخذ المَال، وتبلغ بِهِ، وألزمنا، فَإنَّا لَا نقصر فِي أَمرك بِكُل مَا يمكننا. فَأخذت من الرجلَيْن ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَمَا كَانَ بَين ذَلِك، وَبَين بيع المنديل وَالثَّوْب، إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام. فسرت إِلَى أبي، وخبرته الْخَبَر، وَقلت لَهُ: جعلت فدَاك تَأمر فِي المَال بِأَمْرك؟ فَقَالَ: نعم، أحكم عَلَيْك فِيهِ، بِمثل مَا حكم أَبُو خَالِد بِهِ على التاجرين؛ أَي: أَن الثُّلُث لي. فَحملت إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِينَار، واشتريت بِعشْرَة آلَاف دِينَار ضَيْعَة، وَلم أزل أنْفق الْبَاقِي، إِلَى أَن أداني ذَلِك إِلَى هَذِه الْحَال، وَإِنَّمَا حدثتك بِهَذَا؛ لتعرف، يَا بني، للرجل حَقه. فَقلت ليحيى بن خاقَان: فَمَا الَّذِي كَانَ من يحيى بن خَالِد إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد؟ قَالَ: مَا زَالَ هُوَ وَولده على نِهَايَة الْبر بِهِ، حَتَّى نَالَ مَا نَالَ من الوزارة، بذلك الأساس الَّذِي أسساه. وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، بِالْبَصْرَةِ، سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة بِإِسْنَاد، وَأَنا حَاضر، فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء) ، حَدثكُمْ عون بن مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن سهل، قَالَ: سَمِعت أَهلِي يتحدثون: أَن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، قَالَ: نالتني خلة فِي أَيَّام الْمهْدي، فَجئْت إِلَى يزِيد الْأَحول أبي خَالِد، وَكَانَ يكْتب لأبي عبيد الله، فأبثثته حَالي، فَمَا أجابني، وَلَا أقبل عَليّ، فتأخرت نَادِما، ثمَّ جَاءَنِي رَسُوله من

стр. 923

الْغَد، فصرت إِلَيْهِ. فَقَالَ لي: إِنَّك شَكَوْت إِلَيّ شكوى لم يكن جوابها الْكَلَام والتوجع، وَقد بِعْت جمَاعَة من التُّجَّار ثَلَاثِينَ ألف كرّ، من غلات السوَاد، واشترطت لَك ربع الرِّبْح، فَخذ كتابي هَذَا إِلَيْهِم، فَإِن أَحْبَبْت أَن تصبر إِلَى أَن تبَاع الْغلَّة؛ توفر ربحك، وَإِن ناظرت التُّجَّار، وَخرجت من حصتك بِرِبْح عَاجل؛ فَأَقل مَا يبذلونه لَك ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، فدعوت لَهُ. وَلَقِيت الْقَوْم، فَقَالُوا: أَنْت رجل سُلْطَان، وَلَا يتهيأ لَك مَا نَفْعل نَحن من الصَّبْر على الْغلَّة، وانتظار الأسعار، فَهَل لَك أَن تخرج مِنْهَا برح ثَلَاثِينَ ألف دِينَار مُعجلَة؟ فَقلت: نعم، فقبضتها فِي يَوْم وَاحِد، وانصرفت. وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حدث مُحَمَّد بن أَحْمد بن الخصيب، قَالَ: حَدثنِي من سمع أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يحدث، قَالَ: كَانَ السُّلْطَان قد جَفا خَالِد بن برمك، واطرحه، حَتَّى نالته إضاقة شَدِيدَة، وَكَاد أَن ينْكَشف. فَحدثت أَن يحيى بن خَالِد أصبح يَوْمًا، فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَته؛ أم الْفضل، ابْنه، فَقَالَت لَهُ: مَا أصبح الْيَوْم فِي مَنْزِلك دَقِيق، وَلَا علف للدابة، وَلَا نَفَقَة لشَيْء. فَقَالَ لَهَا: بيعوا شَيْئا من الْبَيْت. قَالَت مَا بَقِي فِي الْبَيْت مَا لَهُ قدر، وَلَا مَا يُمكن بَيْعه. فَقَالَ: قد كَانَ فلَان أهْدى إِلَيْنَا منديلا فِيهِ ثِيَاب، فبعنا الثِّيَاب، فَمَا فعل المنديل؟ قَالَت: باقٍ.

стр. 924

قَالَ: فبيعوه. فَبعثت بِهِ إِلَى سوق قنطرة البردان، فَبيع بنيف وَعشْرين درهما، فأنفقوها أَيَّامًا. ثمَّ خرجت إِلَيْهِ، فَقَالَت: مَا قعودك؟ مَا عندنَا نَفَقَة، وَلَا دَقِيق، وَلَا علف للدابة. فَركب يحيى، فَكَانَ أول من لقِيه أَبُو خَالِد الْأَحول، فَشَكا إِلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، فَأمْسك، ثمَّ أَجَابَهُ بِجَوَاب ضَعِيف. وَانْصَرف يحيى إِلَى منزله، وَقد كَاد يتْلف غما وندما، وَلَام زَوجته، وَأقَام أَيَّامًا لَا يركب، وَزَوجته تحتال فِيمَا تنْفق. ثمَّ حركته على الرّكُوب، وَشَكتْ إِلَيْهِ انْقِطَاع الْحِيلَة، وَتعذر الْقُوت، فَركب، فَلَمَّا صَار فِي بعض الطَّرِيق؛ لقِيه أَبُو خَالِد. فَقَالَ لَهُ: صرت إِلَيّ، وَسَأَلتنِي أمرا، حَتَّى إِذا أحكمته لَك؛ تركت تنجزه. فَقَالَ: كرهت التثقيل عَلَيْك. فَقَالَ: إِنَّك شَكَوْت إِلَيّ أَمرك، فغمني، وذكرته لأبي عبيد الله، فَتقدم إِلَيّ فِيهِ بِأَمْر، ثمَّ لم تصر إِلَيّ، فتعال معي الْآن إِلَى الدِّيوَان. قَالَ يحيى: فمضيت مَعَه إِلَى الدِّيوَان، فأحضر التُّجَّار المبتاعين لغلات الأهواز، فَقَالَ لَهُم: هَذَا الرجل الَّذِي جعل لَهُ الْوَزير سَهْما مَعكُمْ فِيمَا ابتعتموه فحاسبوه على مَا بَيْنكُم وَبَينه. قَالَ يحيى: فَأخذ التُّجَّار بيَدي إِلَى نَاحيَة، فواقفوني على ربح خمسين ألف دِينَار، وَأَن أدعهم وَالْغلَّة، فَمَا بَرحت، حَتَّى راج لي المَال، وَحَمَلته إِلَى منزلي. وعرّفت أبي الْحَال، فَأخذ من المَال عشْرين ألفا، وَقَالَ: هَذِه تكفيني

стр. 925

لنفقتي، إِلَى أَن يفرج الله، تَعَالَى، عني، وَالْبَاقِي لَك، فَإِن عِيَالك كثير. قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فرعى لي الْقَوْم ذَلِك؛ يَعْنِي: البرامكة، فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيْهِم؛ أشركوني فِي نعمتهم، وَكَانَ آخر مَا وليت لَهُم جند الْأُرْدُن. وانصرفت إِلَى مَدِينَة السَّلَام، وَقد سخط الرشيد على يحيى، وَمَعِي من المَال سِتَّة آلَاف دِينَار، فتوصلت إِلَى أَن دخلت إِلَيْهِ فِي الْحَبْس، فتوجعت لَهُ، وَعرضت عَلَيْهِ المَال. فَقَالَ: لست أجحف بك، احْمِلْ إِلَيْنَا مِنْهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وَكتب رقْعَة، بِخَط لَا أعرفهُ، ثمَّ أتربها، ثمَّ قطعهَا نِصْفَيْنِ، فَجعل أَحدهمَا تَحت مُصَلَّاهُ، وَدفع إِلَيّ الآخر. وَقَالَ: أمرنَا قد ولّى، ودولتنا قد انْقَضتْ، وَهَذَا الْخَلِيفَة سيموت، وستقع فتْنَة يطول فِيهَا الْأَمر بَين خليفتين، يكون الظَّاهِر مِنْهُمَا صَاحب الْمشرق، وسيكون لغلام، يُقَال لَهُ: الْفضل بن سهل، مَعَه حَال، فَإِذا بلغك ذَلِك؛ فادفع إِلَيْهِ هَذَا النّصْف من الرقعة، فَإنَّك ستبلغ بهَا مَا تحب عِنْده. قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فَخرجت من عِنْده، وَأَنا أندم النَّاس على إخراجي من يَدي ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، إِلَى رجل قد نعى نَفسه إِلَيّ، فاحتفظت بِنصْف الرقعة. وَمَضَت الْأَيَّام، وَولي مُحَمَّد المخلوع، وَوَقعت الْفِتَن، ولزمتني عطلة، ودامت، حَتَّى رقت حَالي، وَاشْتَدَّ اختلالي. وَدخل طَاهِر مَدِينَة السَّلَام، فَإِنِّي ذَات يَوْم متفكر فِي أَمْرِي، متحير فِيمَا أعمله، سَمِعت قرع الْبَاب عَليّ. فَقلت لزوجتي: اخْرُجِي إِلَى الدهليز، وأعرفي الْخَبَر، وَلَا تتكلمي، وَلَا تفتحي، فمضت، وَجَاءَت مَذْعُورَة.

стр. 926

وَقَالَت: مَا أَدْرِي، على الْبَاب جمَاعَة من الشَّرْط والمسودة ونفاطات. فَخرجت، ووقفت خلف الْبَاب، وَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا منزل أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول؟ فَقلت: نعم. فَقَالُوا: نَحن رسل الْأَمِير طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَيْهِ. فَقلت: لَعَلَّكُمْ غلطتم، مَا يُرِيد الْأَمِير من مثله؟ فَقَالَ بَعضهم: يَا هَذَا، إِنَّا جِئْنَا فِي أَمر يسره، فَأعلمهُ إِيَّاه، وَأَنه لَا بَأْس عَلَيْهِ. قَالَ: وظنني غُلَاما فِي الدَّار، فسكنت إِلَى هَذَا القَوْل، وَرجعت إِلَى مجلسي من الدَّار، وأنفذت جَارِيَة سَوْدَاء كَانَت لي، حَتَّى تفتح الْبَاب. فَدخل قَائِد جليل، وبرك بَين يَدي، وَقَالَ: أَنْت، أعزّك الله، تَعَالَى، أَحْمد بن أبي خَالِد؟ قلت: نعم. قَالَ: الْأَمِير يَسْأَلك أَن تصير إِلَيْهِ السَّاعَة. قَالَ: فَأَرَدْت أَن أسبر الْأَمر الَّذِي دعيت إِلَيْهِ، أخير هُوَ، أم شَرّ؟ فَقلت: أَدخل، وألبس ثِيَابِي؟ قَالَ: افْعَل. قَالَ: فَدخلت، وأوصيت زَوْجَتي فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ، وَعلمت أَنه لَا بَأْس عَليّ، ولبست مبطنتي وطيلساني وشاشيتي وخفي، ثمَّ خرجت.

стр. 927

فَقلت: لَيْسَ لي مركوب. قَالَ: فاركب من جنائبي، فركبت دَابَّة قدمهَا إِلَيّ، وصرت إِلَى طَاهِر، فَسلمت عَلَيْهِ، فساعة رَآنِي، قَالَ: أَنْت أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول؟ قلت: نعم. فَألْقى إِلَيّ كتابا فِي نصف قرطاس، بِخَط الْفضل بن سهل، وَكَانَ أول كتاب رَأَيْته؛ لأبي فلَان، من فلَان، فَإِذا عنوانه: لأبي الطّيب أعزه الله، تَعَالَى، من ذِي الرياستين؛ الْفضل بن سهل، وصدره: أعزّك الله، وَأطَال بَقَاءَك، أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، بِأَن تتقدم سَاعَة وُصُول كتابي هَذَا، بِطَلَب أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول الْكَاتِب، حَيْثُمَا كَانَ من أقطار الأَرْض، فتحضره مجلسك، وتصله بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وتحمله على عشْرين دَابَّة من دَوَاب الْبَرِيد، إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، مصونا، وَلَا ترخص لَهُ فِي التَّأَخُّر، فرأيك، أعزّك الله، فِي الْعَمَل بذلك، موفقا، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى، وكتبت فِي يَوْم كَذَا من شهر كَذَا. قَالَ: فَلَمَّا قَرَأت الْكتاب؛ اشْتَدَّ سروري، وَقلت: آخذ فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ، وأنهض. فَقَالَ: مَا إِلَى تأخرك سَبِيل، هَذَا المَال، وَهَذِه الدَّوَابّ، وَتخرج السَّاعَة. فَقلت: أكتب إِلَى منزلي بِمَا أحتاج إِلَيْهِ، وَأخذت المَال، وحملت أَكْثَره إِلَيْهِم، وكاتبتهم بِمَا أحتاج إِلَيْهِ. وَذكرت الرقعة الَّتِي من يحيى بن خَالِد، فَأَمَرتهمْ بإنفاذها إِلَيّ، وَطلبت قماشا قَلِيلا مِمَّا لَا بُد مِنْهُ.

стр. 928

فَعَاد الْجَواب بوصول المَال، وأنفذوا النّصْف من الرقعة، وَمَا طلبت من القماش، وشخصت من دَار طَاهِر، سَحَرَ تِلْكَ اللَّيْلَة. فَمَا مَرَرْت بِمَدِينَة إِلَّا خدمت فِيهَا أتم خدمَة، إِلَى أَن وافيت الرّيّ، فلقيني رجل ذكر لي أَن ذَا الرياستين أنفذه لتلقي، وَالْقِيَام بمصالحي إِلَى أَن أوافي حَضرته، فَلم يزل قَائِما بِمَا أحتاج إِلَيْهِ، ويحض كل من أجتاز بِهِ على تفقدي وخدمتي إِلَى أَن وافيت بَاب الْفضل بمرو، وَمَعِي صَاحبه، وَصَاحب طَاهِر. فوقفت بِبَاب الْفضل طَويلا إِلَى أَن تفرغ وَدَعَانِي، فَدخلت، وَهُوَ فِي قبَّة أَدَم، وَعَلِيهِ سَواد، وَحَوله السِّلَاح كُله، وَبَين يَدَيْهِ جحفة فِيهَا كتب. فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ لي: أَنْت أَحْمد بن أبي خَالِد الْكَاتِب؟ فَقلت: نعم. قَالَ: انْصَرف إِلَى مَنْزِلك، وارجع إِلَيْنَا بعد ثَلَاثَة أَيَّام فِي سَواد؛ لأدخلك على أَمِير الْمُؤمنِينَ. فوليت من بَين يَدَيْهِ، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أمضي، وَإِذا خَادِم قد لَحِقَنِي، وَأخذ بيَدي، وَخرج معي، حَتَّى سَار إِلَى دَار قد أعدت لي، وفيهَا كل مَا أحتاج إِلَيْهِ من فرش، وَآلَة، وَكِسْوَة، وغلمان، ودواب، وقماش، وَغير ذَلِك من الْأَطْعِمَة والأشربة، فَجعل يعرفنِي مَا تَحت يَد كل غُلَام، ثمَّ قَالَ: هَذَا كُله لَك، وَانْصَرف، فأقمت فِي كل نعْمَة وسرور، ثَلَاثَة أَيَّام. ثمَّ غَدَوْت فِي الْيَوْم الرَّابِع فِي سَواد، فألفيت ذَا الرياستين خَارِجا من دَاره، فترجلت ودنوت، فَأَعْطَانِي طرف كمه فقبلته، ثمَّ أَمرنِي بالركوب، فركبت، وسرت فِي موكبه، حَتَّى وافى دَار الْمَأْمُون، فَثنى رجله، وَنزل فِي محفة معدة لَهُ، فَجَلَسَ فِيهَا، وَحمله القواد على أَعْنَاقهم، حَتَّى أجلسوه مَعَ

стр. 929

الْمَأْمُون على السرير، فَمَكثت غير بعيد. فجَاء خَادِم فدعاني، فَدخلت، وَالْفضل والمأمون على السرير، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مقبل على صَاحبه. فَقَالَ الْفضل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أَحْمد بن أبي خَالِد، كَانَت كتبه ترد علينا من مَدِينَة السَّلَام بأخبار المخلوع، فِي وَقت كَذَا، وَفِي وَقت كَذَا، وَقد وَفد على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ من الْيَسَار، وَحسن الْحَال، على أَمر يقصر عَنهُ الْوَصْف، وَهُوَ يعرض نَفسه وَمَاله على أَمِير الْمُؤمنِينَ، يُرِيد أَنه مَتى خلا بِي، فَسَأَلَنِي عَن شَيْء؛ كنت قد عَرفته. قَالَ أَحْمد: فشيعت كَلَامه بِمَا حضرني. فَقَالَ الْمَأْمُون: بل؛ قد وفر الله، تَعَالَى، عَلَيْهِ مَاله، ونضيف إِلَيْهِ أَمْثَاله. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ويشرك بَينه وَبَين خدم أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي تقلد الْأَعْمَال. قَالَ: نعم. قَالَ: ويولى ديوَان التوقيع، وديوان الفض والخاتم. قَالَ: افْعَل. قَالَ: ويخلع عَلَيْهِ خلعة هَذِه الْأَعْمَال. قَالَ: نعم. قَالَ: وصلَة يعرف بهَا موقعه من أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: نعم. قَالَ أَحْمد: فَمَا بَرحت، حَتَّى أنْجز لي كل ذَلِك، وانصرفت. فَلَمَّا كَانَ بعد عشْرين يَوْمًا بعث إِلَيّ فِي اللَّيْل، فَعلمت أَنه لم يحضرني فِي هَذَا الْوَقْت، إِلَّا ليسألني عَن الرقعة، فجعلتها فِي خَفِي، وصرت إِلَيْهِ، وَإِذا هُوَ جَالس، وَالْحسن أَخُوهُ إِلَى جَانِبه.

стр. 930

فَقَالَ لي: يَا أَبَا الْعَبَّاس، كَانَت بَيْنك وَبَين شَيخنَا أبي عَليّ، ﵁، حُرْمَة؟ قلت: نعم، وَأي حُرْمَة. فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فقصصت عَلَيْهِ كَيفَ كَانَت قصَّة أبي مَعَه، ثمَّ وصلت ذَلِك بخبري، إِلَى أَن أنتهيت إِلَى حَدِيث الدَّنَانِير وَنصف الرقعة. فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فأخرجتها من خَفِي، فدفعتها إِلَيْهِ، فَرفع مُصَلَّاهُ، فَإِذا النّصْف الَّذِي كَانَ يحيى بن خَالِد، ﵀، جعله تَحت مُصَلَّاهُ، فقرن بَينهمَا، والتفت إِلَى أَخِيه، وَقد دَمَعَتْ عَيناهُ. فَقَالَ: هَذَا خطّ أبي عَليّ، ﵁: ثمَّ قَالَ: أَقرَأت مَا فِيهَا؟ قلت: لَا. قَالَ: فِيهَا: أمتعني الله بك، يَا بني، طَويلا، وَأحسن الْخلَافَة عَلَيْك، قد وَجب عَليّ من حق أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول الْكَاتِب، فِي الْحَال الَّتِي أَنا عَلَيْهَا، مَا قد أثقلني، وأعجزني عَن مكافأته، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أَعْتَد بِهِ لسلفه، ونجمنا قد أفل، وأمرنا قد انْقَضى، ودولتك قد حضرت، وَجدك قد علا، فَأحب أَن تقضي عني حق هَذَا الْفَتى، إِن شَاءَ الله، تَعَالَى. قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: فَلم أزل مَعَ الْفضل، تترقى حَالي، وأختص بِخِدْمَة الْمَأْمُون، إِلَى أَن دارت الْأَيَّام، واستكتبني الْمَأْمُون، وزادت النِّعْمَة ونمت، وَالْحَمْد لله على ذَلِك.

стр. 931

وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء) فِي أَخْبَار أَحْمد بن أبي خَالِد، قَالَ: كَانَ سَبَب اتِّصَاله بالمأمون: أَن الرشيد لما سخط على البرامكة، واتصل خبرهم، وَمَا هم فِيهِ من الضّيق، بِأَحْمَد بن أبي خَالِد؛ شخص نَحْو الرقة، فوافاها وَقد أَمر الرشيد بِمَنْع حاشيتهم من الدُّخُول إِلَيْهِم. فَلم يزل يحتال حَتَّى وصل إِلَى يحيى، فانتسب لَهُ، وعرفه أَنه قَصده لخدمته. فَرَحَّبَ بِهِ يحيى، وأعلمه أَنه كَانَ يحب أَن يَقْصِدهُ فِي وَقت إِمْكَان الْأُمُور، ليبلغ من مكافأته وَتَحْقِيق ظَنّه حسب رغبته. فشكره أَحْمد، وَسَأَلَهُ قبُول شَيْء حمله مَعَه، وَإِن كَانَ يَسِيرا، وضرع إِلَيْهِ. فَدفعهُ يحيى عَنهُ، وَقَالَ: نَحن فِي كِفَايَة. فألح أَحْمد عَلَيْهِ، وأعلمه أَنه لَا يَثِق بِقبُول انْقِطَاعه إِلَيْهِ إِلَّا بإجابته إِلَى مَا سَأَلَ. فَسَأَلَهُ يحيى عَن مِقْدَار ذَلِك، فَقَالَ: عشرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ: ادفعها إِلَى السجان. وَقَالَ لِأَحْمَد: إِن حَالنَا حَال لَا نرجو مَعهَا بُلُوغ مكافأتك، وَلَكِنِّي سأكتب لَك كتابا إِلَى رجل سيقوم بِأَمْر الْخَلِيفَة الَّذِي يملك خُرَاسَان، فأوصل إِلَيْهِ كتابي، فسيقوم بِقَضَاء حَقك. ثمَّ كتب لَهُ فِي قريطيس كتابا، وطواه، وَوضع عَلَيْهِ خَاتمه، فَانْصَرف أَحْمد إِلَى منزله. فَلَمَّا قلد الْفضل بن سهل أَمر الْمَأْمُون؛ قَصده أَحْمد بن أبي خَالِد، فوصل إِلَيْهِ فِي دَار الْمَأْمُون. فَلَمَّا فرغ من أَعماله؛ أوصل إِلَيْهِ الْكتاب، فَأنْكر وَجهه، وَسَأَلَهُ عَن صَاحب الْكتاب، فَقَالَ: يقرأه الْأَمِير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، فَإِنَّهُ سيعرفه. فَلَمَّا فضه، وَنظر إِلَى الْخط؛ استبشر، ثمَّ استدنى أَحْمد بن أبي خَالِد،

стр. 932

وأعلمه أَنه من أعظم خلق الله منَّة عَلَيْهِ، وأوجبهم حَقًا، وَأمره بالمصير إِلَى منزله. فَصَارَ أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى دَار الْفضل، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ فِيهَا؛ عانقه وَقَبله، وَقَالَ: أوجبت، وَالله، عَليّ حَقًا. وَسَأَلَهُ عَن خبر الْكتاب، فَذكره لَهُ، فوعده ببلوغ الْمحبَّة، وَأمر بإنزاله منزلا يتَّخذ لَهُ، ويفرش بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَوجه بحاجبه، وَبَعض خدمه , وَمَعَهُمْ تخوت ثِيَاب، وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم، وَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأمره بالاستعداد للوصول إِلَى الْمَأْمُون، ثمَّ أوصله إِلَيْهِ، وَوَصفه لَهُ، وقرظه. وَلم يزل يقوم بِحَالهِ عِنْده، حَتَّى أَمر الْمَأْمُون بتصريف أَحْمد بن أبي خَالِد، وأجرى لَهُ الأرزاق والأنزال، وأجراه فِي الْوُصُول إِلَيْهِ مجْرى الْخَاصَّة، وقلده من أَعمال الخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر، أعمالا جليلة، وتمكنت حَاله عِنْده. قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس: وحَدثني عَليّ بن أبي عون، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس بن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ الْكَاتِب: وَذكر من خبر أَحْمد بن أبي خَالِد وَيحيى بن خَالِد مثل الَّذِي ذكره يحيى بن خاقَان، وَزَاد فِيهِ: إِن أَحْمد بن أبي خَالِد لم يحظ من أَيَّام يحيى بن خَالِد بِشَيْء، وَإنَّهُ لزمَه عِنْد حَبسه، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة زوده كتابا إِلَى الْفضل بن سهل يعْتَذر إِلَيْهِ فِيهِ من ولَايَة مَا أولاه، ويسأله مكافأته عَنهُ، وَأَنه احتفظ بِالْكتاب مُدَّة أَيَّام الرشيد، وصدرا من أَيَّام مُحَمَّد، وَسَاءَتْ حَال أَحْمد بن أبي خَالِد، وَعظم فقره جدا، واشتدت عَلَيْهِ العطلة والخلة، فَلَمَّا أنفذ مُحَمَّد الْأمين عَليّ بن عِيسَى بن ماهان لمحاربة طَاهِر؛ عمل أَحْمد على اتِّبَاع عسكره.

стр. 933

قَالَ مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ: فَجَاءَنِي يذكر مَا عزم عَلَيْهِ، ويصف إفراط خلته، وقصور حيلته، وسألني أَن أسأَل سَلاما الأبرش، لمودة كَانَت بَينه وَبَين أَبِيه، أَن يُعينهُ بمركوب، وبألفي دِرْهَم. فقصدت سَلاما، وَسَأَلته فِي ذَلِك، فَقَالَ: وَالله، لَو كَانَ لي بِعَدَد الذُّبَاب دَوَاب؛ مَا أَعْطيته شَعْرَة من ذَنْب وَاحِد مِنْهَا، وَلَو كَانَ عِنْدِي بِقدر رمل عالج عين وورِق؛ مَا أَعْطيته مِنْهَا حَبَّة. فَانْصَرَفت إِلَيْهِ، وَقد كَانَ أَقَامَ فِي منزلي، ينْتَظر مَا يجْرِي، فَأَخْبَرته بِمَا قَالَ، وَحلفت لَهُ أَنِّي مَا أملك إِلَّا دَابَّة وَبغلة وَأَرْبع مائَة دِرْهَم، فليأخذ مِنْهَا مَا شَاءَ. فَقَالَ: أَنْت إِلَى الدَّابَّة فِي الْحَضَر أحْوج، وَأَنا إِلَى البغلة فِي السّفر أحْوج، فأعطنيها، وَأَنت مُقيم، وَأَنا مُسَافر، وتقدر، أَنْت، أَن تحتال لنَفسك نَفَقَة، وَأَنا لَا أقدر، فَأعْطِنِي أَربع مائَة الدِّرْهَم كلهَا. فدفعتها إِلَيْهِ مَعَ البغلة، وَصَحب عَسْكَر عَليّ بن عِيسَى. فَلَمَّا حدث على عَليّ مَا حدث؛ صَار إِلَى الْفضل، فأوصل إِلَيْهِ الْكتاب، فقرأه، وسر نِهَايَة السرُور، وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام، وَأنكر عَلَيْهِ تَأَخره إِلَى ذَلِك الْوَقْت. وَقَالَ: مَا أعرف شَيْئا أَقْْضِي بِهِ حَقك، إِلَّا أَن أشركك فِي أَمْرِي، وأقلدك الْعرض على أَمِير الْمُؤمنِينَ خلَافَة لي. فقلده ذَلِك، وَكبر أمره. وَلم يزل أَحْمد بن أبي خَالِد، يضْرب على سَلام الأبرش، ويغري بِهِ الْمَأْمُون، إِلَى أَن قَالَ لَهُ: قد وهبت لَك دَمه، وَجَمِيع مَا يملكهُ. فَقبض عَلَيْهِ، وَقبض مِنْهُ مَا قِيمَته أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم، ودعا بِالسَّيْفِ والنطع، وَأمر بِضَرْب عُنُقه، بعد أَن قرعه بِمَا كَانَ مِنْهُ عِنْد مَسْأَلَة مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ فِي أمره.

стр. 934

ثمَّ أعرض عَن قَتله، وَأمر بحبسه، وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنِّي كرهت أَن أتجاوز مَذْهَب أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْعَفو، فاستصوب رَأْيه. وترقت أَحْوَال أَحْمد بن أبي خَالِد، إِلَى أَن تقلد وزارة الْمَأْمُون. قَالَ: مُحَمَّد بن عمر الْجِرْجَانِيّ: وَحدثت الْفِتَن بعد ذَلِك بِبَغْدَاد، وتشرد أَهلهَا عَنْهَا، فهربت إِلَى إخْوَان كَانُوا لي بِالْكُوفَةِ، فأقمت عِنْدهم، واستطبت الْبَلَد، فسكنته، وابتعت بِجَمِيعِ مَا أملكهُ ضَيْعَة هُنَاكَ، وولينا عَامل أحسن إِلَيْنَا، فشكرناه، وانعقدت بَيْننَا وَبَينه مَوَدَّة وكيدة. ثمَّ صرف بعامل آخر، فحقد علينا الْمَوَدَّة الَّتِي كَانَت بَيْننَا وَبَين المصروف، فأساء معاشرتنا، واضطرنا إِلَى قصد أَحْمد بن أبي خَالِد للتظلم، فَدخلت بَغْدَاد، فَلَمَّا رَآنِي أكرمني، واستبطأني، وَذكر تطلعه إِلَى لقائي، وَطَلَبه إيَّايَ، وغموض خبري عَلَيْهِ، وسألني عَن أموري، فشرحتها لَهُ، فَكتب بِخَطِّهِ بِصَرْف الْعَامِل، وتقليد المصروف الَّذِي كَانَ صديقي. وأعلمني بِمَا جرى عَلَيْهِ أَمر سَلام الأبرش، وَقَالَ: قد كنت جعلت لَك فِيمَا قبضت مِنْهُ الرّبع، وَهُوَ مَعْزُول لَك، فتسلمه، وَكَانَ قِيمَته ألف ألف دِرْهَم.

стр. 935

قصَّة أبي عبيد الله وَزِير الْمهْدي وَكَيف ارتقت بِهِ الْحَال حَتَّى نَالَ الوزارة وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْخَطِيب، قَالَ: حَدثنِي من سمع أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول، يَقُول: كَانَ أبي صديقا لأبي عبيد الله وَزِير الْمهْدي، وَهُوَ إِذْ ذَاك معلم، وَأبي متخلي، فَكَانَا يتعاشران، ويألفهما أَحْمد بن أَيُّوب. قَالَ أَبُو خَالِد: وَكُنَّا نتبين فِي أبي عبيد الله شمائل الرِّئَاسَة، ونصدره إِذا اجْتَمَعنَا، وَنَرْجِع إِلَى رَأْيه فِيمَا يعرض لنا. فَقلت لَهُ لَيْلَة، وَنحن نشرب: نحسبك سترأس، وتبلغ مبلغا عَظِيما، فَإِن كَانَ ذَلِك؛ فَمَا أَنْت صانع بِنَا؟ فَقَالَ: أما أَنْت يَا أَبَا خَالِد؛ فأصيرك خليفتي على أَمْرِي، وَأما أَنْت يَابْنَ أَيُّوب؛ فَقل مَا أردْت. فَقَالَ: أُرِيد أَن توليني أَعمال مصر سبع سِنِين مُتَوَالِيَة، وَلَا تَسْأَلنِي بعد الصّرْف عَن حِسَاب. قَالَ: ذَلِك لَك. قَالَ أَبُو خَالِد: فَلم يمض لهَذَا الْأَمر إِلَّا مديدة، حَتَّى أَمْسَكت السَّمَاء، وَخرج النَّاس يستسقون، وَكَانَ عَلَيْهِم، إِذْ ذَاك، ثَعْلَبَة بن قيس، عَاملا من قبل صَالح بن عَليّ، فَمَا انْصَرف النَّاس، حَتَّى أَتَت السَّمَاء بمطر غزير. فَقَالَ ثَعْلَبَة لكَاتبه: اكْتُبْ إِلَى الْأَمِير بِمَا كَانَ من الْقَحْط، وَمَا حدث بعده

стр. 936

من الاسْتِسْقَاء، وَمَا تفضل الله بِهِ من الْغَيْث. فَكتب كتابا، لم يرضه ثَعْلَبَة، فَقَالَ لمن حوله: أَلا يصاب لي رجل، يُخَاطب السُّلْطَان عني، بخطاب حسن. فَقَالَ لَهُ بَعضهم: هَهُنَا رجل مؤدب، مَعَه بلاغة، وأدب كثير، وَفِيه، مَعَ ذَلِك، عقل. فَقَالَ: أحضرهُ. فأحضر أَبَا عبيد الله، وَأمره بِأَن يكْتب عَنهُ إِلَى صَالح بن عَليّ، فِي ذَلِك الْمَعْنى، فَكتب كتابا استحسنه ثَعْلَبَة، وأنفذه إِلَى صَالح بن عَليّ. فَلَمَّا قَرَأَهُ أعجبه، وَكتب إِلَى ثَعْلَبَة: أَن أحمل إِلَيّ كاتبك على الْبَرِيد، فَحَمله إِلَيْهِ، فَلَمَّا وافاه؛ امتحنه، فَوَجَدَهُ كَافِيا فِي كل مَا أَرَادَهُ، فاستكتبه. فَلَمَّا تَتَابَعَت كتبه عَن صَالح بن عَليّ إِلَى الْمَنْصُور؛ قَالَ الْمَنْصُور: كنت أرى كتب صَالح بن عَليّ ترد ملحونة، وأراها الْآن ترد بِغَيْر ذَلِك الْخط، وَهِي محكمَة سديدة حَسَنَة. فخبر بِخَبَر أبي عبيد الله، فَأحْضرهُ، فَلَمَّا فاتشه؛ وجده كَمَا أَرَادَ، فاستكتبه لِابْنِهِ الْمهْدي. قَالَ أَبُو خَالِد: وَطعن الرّبيع على أبي عبيد الله، عِنْد الْمَنْصُور، مرَارًا. فَقَالَ: وَيلك، أتلومني فِي اصطناع مُعَاوِيَة، وَقد كنت أجتهد بِأبي عبد الله؛ يَعْنِي: الْمهْدي، أَن ينْزع عَنهُ لِبَاس الْعَجم، فَلَا يفعل، فَلَمَّا صَحبه مُعَاوِيَة؛

стр. 937

لبس لِبَاس الْفُقَهَاء. قَالَ أَبُو خَالِد: ثمَّ أشخصني أَبُو عبيد الله إِلَيْهِ، لما كتب للمهدي، فقلدني خِلَافَته على الدِّيوَان، فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُور، وَولي الْمهْدي الْخلَافَة؛ أنفذت الْكتب إِلَى أَحْمد بن أَيُّوب بِولَايَة مصر، فَلم يزل بِمصْر، واليا عَلَيْهَا، إِلَى أَن توفّي بهَا.

стр. 938

القَاضِي التنوخي يتحدث عَن قصَّته مَعَ أبي عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد الصولي قَالَ مؤلف الْكتاب: كنت بِالْبَصْرَةِ فِي الْمكتب سنة خمس وَثَلَاثِينَ، وَأَنا مترعرع، أفهم، وأحفظ مَا أسمع، وأضبط مَا يجْرِي. وَكَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، قد مَاتَ بهَا فِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة، وَأوصى إِلَى أبي فِي تركته، وَذكر فِي وَصيته أَنه لَا وَارِث لَهُ. فَحَضَرَ إِلَى أبي ثَلَاثَة إخْوَة شباب فُقَرَاء، بأسوإ حَال، يُقَال لأكبرهم: أَبُو عَليّ أَحْمد، والأوسط: أَبُو الْحسن مُحَمَّد، والأصغر أَبُو الْقَاسِم، بَنو مُحَمَّد التمار. وَذكروا لأبي، أَن أمّهم تقرب إِلَى أبي بكر الصولي، وَأَنَّهُمْ يرثونه برحمها مِنْهُ، وَذكروا الرَّحِم واتصالها. فسامهم أبي، أَن يبينوا ذَلِك عِنْده بِشَهَادَة شَاهِدين من الْعُدُول؛ ليعطيهم مَا يفضل، بعد الدَّين من التَّرِكَة، عَن الثُّلُث، فاضطربوا فِي ذَلِك، وَكَانُوا يتعكسون فِي إِقَامَة الشَّهَادَة شهورا، ويلازمون بَاب أبي. وَكَانَ مكتبي فِي بَيت قد أخرجه من دَاره إِلَى سكَّة الِاثْنَيْنِ الَّتِي ينزلها، وَجعل بَينه وَبَين بَاب دَاره، دكانا ممتدا.

стр. 939

فَكنت ومعلمي وَالصبيان نجلس طرفِي النَّهَار على الدّكان، وَفِي انتصافه فِي الْبَيْت. فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَة يَجْلِسُونَ عِنْدِي فِي الْمكتب كثيرا، ويؤانسون معلمي، ويلاعبوني، ويتقربون إِلَيّ، ويسألوني أَن أعرض لَهُم على أبي، الرقعة بعد الرقعة، يعطوني إِيَّاهَا. فَقَالَ لي يَوْمًا، الْأَكْبَر مِنْهُم، وَهُوَ أَبُو عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد: إِن أَعْطَاك الله، تَعَالَى، الْحَيَاة، حَتَّى تتقلد الْقَضَاء، وَتصير مثل القَاضِي أَبِيك فِي الْجَلالَة وَالنعْمَة، وجئتك، أَي شَيْء تُعْطِينِي؟ فَقلت لَهُ، بالصبا، وكما جرى عَلَيْهِ لساني: خمس مائَة دِينَار. قَالَ: فَأعْطِنِي خطك بهَا، فَاسْتَحْيَيْت، وَسكت. فَقَالَ لمعلمي: قل لَهُ يكْتب لي. فَقَالَ لي: اكْتُبْ لَهُ، وأملى عَليّ الْمعلم، وَأَبُو عَليّ، رقْعَة فِي هَذَا الْمَعْنى، وَأَخذهَا أَبُو عَليّ. فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى استدت لَهُم بِالشَّهَادَةِ عِنْد أبي، على صِحَة مَا ادعوهُ من الرَّحِم، وَاسْتِحْقَاق الْمِيرَاث بهَا. وَكَانَ أبي قد بَاعَ التَّرِكَة، وَقضى الدَّين، وَفرق قدر الثُّلُث، وَترك الْبَاقِي مَالا عِنْده، فَأمر بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِم، وَأشْهد بِقَبْضِهِ عَلَيْهِم، وَانْصَرفُوا. فَمَا وَقعت لي عين على أحد مِنْهُم، إِلَّا فِي سنة وَخمسين وَثَلَاث مائَة، فَإِنِّي كنت أتقلد الْقَضَاء وَالْوُقُوف بسوق الأهواز، ونهر تيرى، والأنهار، والأسافل، وسوق رامهرمز، سهلها وجبلها، وأعمال ذَلِك، وَأَنا فِي دَاري بالأهواز، وأمري فِي ضيعتي مُسْتَقِيم.

стр. 940

فَدخل إِلَيّ بوابي، فَقَالَ: بِالْبَابِ رجل يَقُول: أَنا من قرَابَة الصولي، قدمت من بَغْدَاد بكتب إِلَيْك، وَذكره لي، فَلم أذكرهُ. وَقلت: أدخلهُ. فَدخل رجل شيخ لم أعرفهُ، فَسلم وَجلسَ، وَقَالَ: أَنا خَادِم القَاضِي مُنْذُ كَانَ من الْمكتب، أَنا قرَابَة الْوَلِيّ، فعرفته، وَلم أذكر الْخط، وَلَا الْقَضِيَّة. فَأخْرج إِلَيّ كتبا من جمَاعَة رُؤَسَاء بِبَغْدَاد، يذكرُونَ أَنه قد كَانَ مُقيما مُنْذُ سِنِين بِبَغْدَاد، وراقا بقصر وضاح بالشرقية، بِحَالَة حَسَنَة، فلحقته محن أفقرته، ويسألوني تصرفه ومنفعته، فوعدته جميلا. فَقَالَ: إِنَّمَا جعلت هَذِه الْكتب طَرِيقا، يعرفونني القَاضِي بهَا، وَمَا أعول الْآن عَلَيْهَا، إِذْ قد أحياني الله، ، إِلَى أَن رَأَيْته قَاضِيا فِي بعض عمل أَبِيه، ﵁، وجاهه وَنعمته، كجاهه وَنعمته، أَو قريب من ذَلِك، وَقد حل لي بذلك دين عَلَيْهِ، وَاجِب فِي ذمَّته، وَمَا أقنع إِلَّا بِهِ. فَقلت: مَا معنى هَذَا الْكَلَام؟ فَقَالَ: أينسى القَاضِي ديني؟ ثمَّ أخرج رقعتي الَّتِي كَانَ أَخذهَا مني فِي الْمكتب. فحين رَأَيْتهَا؛ ذكرت الحَدِيث، وحمدت الله كثيرا، وَقلت: دين وَاجِب حَال، وَحقّ مرعي وَكيد، وبكن تعرف صعوبة الزَّمَان، وَالله، مَا يحضرني الْيَوْم مائَة دِينَار مِنْهَا، وَلَو حضرت؛ مَا صلح أَن أشتهر بصلتك بهَا،

стр. 941

فَيصير لي حَدِيث يعود بِضَرَر عَليّ، وَلَكِن ارْض مني بِأخذ دينك مُتَفَرقًا. فَقَالَ: قد رضيت، وَمَا جِئْت إِلَّا لأقيم فِي فنائك، إِلَى أَن أَمُوت. وَجَاء لينهض، فَقلت: إِلَى أَيْن؟ اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فَوَقَعت لَهُ فِي الْحَال إِلَى بزاز كَانَ يعاملني، أَن يُعْطِيهِ ثيابًا بِثَلَاث مائَة دِرْهَم، وَإِلَى جهبذ الْوُقُوف، أَن يُعْطِيهِ من أَبْوَاب الْبر عشرَة دَنَانِير، واستدعيت كيس نفقتي، وأعطيته مِنْهُ مِائَتي دِرْهَم. وَقلت لَهُ: قُم، فاستأجر دَارا، وتأثث بِمَا قد حضر الْآن، واكتس، وعد إِلَيّ؛ لأصرفك فِيمَا أَرْجُو أَن أوصله إِلَيْك مِنْهُ وَمن مَالِي، الْجُمْلَة الَّتِي فِي الرقعة. فَقبل يَدي ورجلي، وَبكى، وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أَرَانِي هَذَا الْفضل مِنْك، وحقق فراستي فِيك، وَقَامَ. وَجَاءَنِي بعد يَوْمَيْنِ فِي ثِيَاب جدد، فَأمرت بوابي أَلا يَحْجُبهُ عَليّ، وخلطته بنفسي، وأجريت عَليّ من أَبْوَاب الْبر بِالْوُقُوفِ، بالضعف والمسكنة، دينارين فِي الشَّهْر، وقلدته الإشراف على المنفقين فِي ديوَان الْوُقُوف، وأجريت عَلَيْهِ لهَذَا ثَلَاثَة دَنَانِير أُخْرَى فِي الشَّهْر، ووليته جباية عقار الْأَيْتَام، ووليته عَلَيْهِم، وأذنت لَهُ فِي أَخذ أعشار الِارْتفَاع، وَجَعَلته مشرفا على أوصياء فِي وَصَايَا فِي أَيْديهم، إِلَى أَن يخرجوها فِي وجوهها، وَجعلت لَهُ على ذَلِك أجرا. وَركبت إِلَى عَامل الْبَلَد، فَسَأَلته لَهُ، فَأجرى عَلَيْهِ فِي كل سنة، من مَال

стр. 942

أَثمَان فَرَائض الصَّدقَات، سِتِّينَ دِينَارا، وَكَانَ رسم أهل ديوَان الصَّدقَات بكور الأهواز، فِي ذَلِك الْحِين، أَن يسبب لَهُم بِنصْف أَرْزَاقهم، ويرتفق الْعمَّال من ذَلِك النّصْف بِقِطْعَة مِنْهُ، ويصل إِلَيْهِم الْبَاقِي تحققا، أَو يسبب أَخذه مستأنفا؛ لضيق المَال وقلته عَن أصُول أرزاق المرتزقة، فَكنت أتقدم إِلَى من يقوم لَهُ فِي الْمُطَالبَة، أَن يلازم الْعمَّال، حَتَّى يصل إِلَيْهِ كَامِلا. وَكنت أعْطِيه، فِي كل شهر، أَو شَهْرَيْن، شَيْئا من مَالِي، وشيئا من كسوتي، وثيابا صَحِيحَة من بزازي، فوَاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، مَا صرفت عَن عَمَلي، وَكَانَت صحبته لي نَحْو ثَلَاثِينَ شهرا، إِلَّا وَقد وصل إِلَيْهِ من هَذَا الْوَجْه وَمن غَيره، أَكثر من خمس مائَة دِينَار، حَتَّى أَنه تزوج فِيهَا بوساطتي، وبجاه خدمتي، إِلَى امْرَأَة موسرة، من أهل الأهواز، وَصَارَ الرجل من المتوسطين بالأهواز، وَصَارَ ينْسب إِلَى الصولي، وَشهر نَفسه بـ: أبي عَليّ الصولي. ثمَّ صرفت عَن تِلْكَ الْولَايَة فِي سنة تسع وَخمسين وَثَلَاث مائَة، لما ولي الوزارة مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، فقصدني وصرفني، وَقبض ضيعتي، وأشخصني إِلَى بَغْدَاد، بعد حُقُوق كَانَت لي عَلَيْهِ، وآمال لي فِيهِ. فتجرد أَبُو عَليّ هَذَا، الْمَعْرُوف بـ: الصولي، لسبي فِي الْمجَالِس، وشتمي فِي المحافل، والطعن عَليّ بالعظائم، والسعاية عَليّ فِي مكارهي. فكشف الله، تَعَالَى، تِلْكَ المحن عني، وأجراني على تفضله، بِغَيْر كثير سعي مني، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وعدت بعد ثَلَاث سِنِين وشهور إِلَى الأهواز، واليا بهَا، وللأعمال الَّتِي كنت عَلَيْهَا مَعهَا، وأضيف إِلَيّ وَاسِط وأعمالها، وَقد اسْتخْلفت عَلَيْهَا وَرجعت إِلَى دَاري، فَجَاءَنِي هَذَا الرجل معتذرا. فَقلت لَهُ: أَتُحِبُّ أَن أقبل عذرك؟

стр. 943

قَالَ: نعم. قلت: أَخْبرنِي مَا السَّبَب الَّذِي أحوجك إِلَى مَا عملت بِي من الْقَبِيح، بعد مَا عملته مَعَك من الْجَمِيل؟ فجمجم فِي القَوْل. فَقلت لَهُ: مَا إِلَى الرِّضَا سَبِيل. فَقَالَ: أَنا أصدقك، دخلت عَلَيْك يَوْمًا، وعَلى رَأسك قلنسوة باذان جَدِيدَة من خرقَة حَسَنَة، فاستحملتها، فسألتك هبتها لي، فرددتني، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام؛ رَأَيْتهَا على رَأس ابْن نظيف الْمُتَكَلّم، الْمَعْرُوف بـ: شهدانه. فَسَأَلته: من أَيْن لَك هَذِه؟ فَقَالَ: وَهبهَا لي القَاضِي. فوقر ذَلِك فِي نَفسِي مِنْك، وتزايد، فَلَمَّا حدثت تِلْكَ النكبة؛ كَانَ مني بعض مَا بلغك، وَأَكْثَره كذب، وَأَنت ولي الْعَفو، وَجعل يقبل يَدي ورجلي، ويبكي. فعجبت من لؤم طبعه، وَمن كَثْرَة شَره، وقبح كفره للنعم، وَاخْتِلَاف أَحْكَام الْأَزْمِنَة وَأَهْلهَا، وَجعلت أَكثر من قَول: الْحَمد لله على تفضله، وَلم أكافه بقبيح الْبَتَّةَ. واقتصرت بِهِ على الْحَال الَّتِي كنت وليته إِيَّاه؛ لِأَن القَاضِي الَّذِي ولي الْقَضَاء بعدِي، أقره على مَا كنت وليته، فَكَانَ قد اسْتمرّ لَهُ أَخذ الدَّنَانِير من الصَّدقَات والجاري من الْوُقُوف وأبواب الْبر، وقبضت يَدي عَن نَفعه بِمَا فَوق ذَلِك.

стр. 944

فر هَارِبا من الضائقة فوافاه الْفرج فِي النهروان وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ أَحْمد بن جَعْفَر بن عبد ربه البرقي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد الْحُسَيْن بن سعيد القطربلي. قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وحَدثني صَاحب لي من ولد إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق، أَخُو مُوسَى بن إِسْحَاق الْأنْصَارِيّ الخطمي، وَهُوَ على بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، أَخُو مُوسَى بن إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن أبي عمر القَاضِي، يحدث أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن يَعْقُوب، كَاتب بجكم، وَكَاتب الترجمان بِهَذَا الحَدِيث، وَيَقُول: إِنَّنِي ألفت كتابا وسميته: كتاب (الْفرج بعد الشدَّة) ، وَذكرت فِيهِ هَذَا الْخَبَر، وعدة أَخْبَار تجْرِي مجْرَاه، قَالَ: وَأخذ يقرظ كِتَابه، ويشوق عَليّ بن يَعْقُوب إِلَيْهِ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سعيد الْحُسَيْن القطربلي، قَالَ: كَانَ فِي جيراني رجل من أهل البيوتات، فَزَالَتْ عَنهُ، وَسَاءَتْ حَاله جدا، وَكَانَت لَهُ زَوْجَة وَأَرْبع بَنَات، فحبلت زَوجته، وَأَخذهَا الْمَخَاض فِي اللَّيْل. قَالَ: وَلم تكن لي حِيلَة فِي الدُّنْيَا، فَخرجت لَيْلًا، هَارِبا على وَجْهي، أَمْشِي، حَتَّى أتيت جسر النهروان، وأملت أَن ألْقى عاملها، وَكَانَ يعرفنِي،

стр. 945

وأسأله تصريفي فِي شَيْء، وتعجيل رزق شهر؛ لأنفذه إِلَى زَوْجَتي. فوصلت إِلَى الْموضع، وَقد ارْتَفع النَّهَار، فَقَعَدت أستريح بِالْقربِ من بقال. فَإِذا فيج، وَهُوَ السَّاعِي، قد جَاءَ، فَوضع مخلاته وَعَصَاهُ، ثمَّ قَالَ للبقال: أَعْطِنِي كَذَا وَكَذَا؛ من خبز وتمر وإدام، فَأعْطَاهُ، فَأكل، وَوزن لَهُ الثّمن. ثمَّ فتح مخلاته، فميز مَا فِيهَا من الْكتب، فَرَأَيْت فِيهَا كتابا إِلَيّ، وَعَلِيهِ اسْم منزلي واسمي وكنيتي، وَلَا أعرف كَاتبه. فَقلت للفيج: هَذَا الْكتاب إِلَيّ. فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَقول؟ فَقلت لَهُ: قد قلت الصَّحِيح، فَإِن مضيت إِلَى بَغْدَاد؛ لم تَجِد صَاحب الْكتاب. فَقَالَ: أههنا إِنْسَان يعرفك؟ قلت: نعم، الْعَامِل. قَالَ: قُم بِنَا إِلَيْهِ.

стр. 946

فَجئْت، فَلَمَّا دخلت على الْعَامِل؛ قَالَ: مَا أقدمك علينا، يَا فلَان؟ فَقلت لَهُ: قبل كل شَيْء، أعزّك الله، من أَنا؟ وَأَيْنَ منزلي بِبَغْدَاد؟ فَقَالَ: أَنْت فلَان بن فلَان، ومنزلك بِمَدِينَة السَّلَام، فِي مَدِينَة المنصورة مِنْهَا، فِي سكَّة كَذَا وَكَذَا. فَقلت للفيج: عرفتَ صدقي؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَحدثت الْعَامِل بحديثي، وَأخذت الْكتاب من الفيج، فَإِذا هُوَ من بعض المستورين بالدينور، يذكر أَن ابْن عَم كَانَ لي قد توفّي، بعد أَن أوصى إِلَيْهِ أَنِّي وَارثه، وسماني لَهُ، وَوصف منزلي بِبَغْدَاد. قَالَ: وَقد كتب الرجل، يذكر أَن ابْن عمي أوصى بِالثُّلثِ من مَاله فِي وُجُوه من أَبْوَاب الْقرب، وَأَن يسلم بَاقِي ثُلثَيْهِ إِلَيّ، وَأَنه بَاعَ من أثاثه ومنقوله مَا خَافَ فَسَاده من تركته، وَصرف الثُّلُث مِنْهُ فِي بعض مَا كَانَ أوصى بِهِ، وأنفذ إِلَيّ سفتجة بالثلثين من ذَلِك، مبلغها سبع مائَة دِينَارا وَكَذَا وَكَذَا دِينَارا، تحل بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا، على تَاجر فِي دَار الْقطن بالكرخ. وَقَالَ: الْوَجْه أَن تبادر إِلَى الدينور، وتبيع الْعقار والضياع، أَو أبيع الثُّلُث مِنْهَا؛ ليصرف فِي وَجهه، وتتمسك بالثلثين إِذا شِئْت. قَالَ: فورد عَليّ من السرُور مَا لَا عهد لي بِمثلِهِ، وحمدت الله، . فَقلت للفيج: قد وَجب حَقك، وسأحسن إِلَيْك، وشرحت لَهُ قصتي، وَأَنه لَا حَبَّة معي فضَّة فَمَا فَوْقهَا.

стр. 947

فجَاء إِلَى الْبَقَّال، فَقَالَ: زن لأستاذي بِكَذَا وَكَذَا خبْزًا، وبكذا وَكَذَا إدَامًا، وَمَا يُرِيد غَيرهمَا. فتغديت، وَوزن الفيج ثمن ذَلِك من عِنْده، واستأجر حِمَارَيْنِ، فأركبني أَحدهمَا، وَركب هُوَ الآخر، وَوزن الْأُجْرَة من عِنْده. وَجِئْنَا فِي بَقِيَّة يَوْمنَا إِلَى بَغْدَاد، وقصدنا دَار الْقطن، وَفِي النِّهَايَة بَقِيَّة صَالِحَة، فأوصلت السفتجة إِلَى التَّاجِر، فنظرها، وَقَالَ: صَحِيحَة، إِذا حل الْأَجَل؛ فَاحْضُرْ للقبض. فَقلت لَهُ: خُذ حَدِيثي، وَافْعل بعد ذَلِك مَا يوفقك الله، تَعَالَى، لَهُ، وقصصت عَلَيْهِ قصتي. فَقَالَ لي: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، إِنَّك صَادِق؟ فَحَلَفت. فَأخْرج كيسا كَانَ بِقُرْبِهِ، فوزن لي مِنْهُ مَال السفتجة. وصرت من وقتي إِلَى السُّوق، فاشتريت سويقا، وسكرا، وَعَسَلًا، وشيرجا، وخبزا عَظِيما، وخروفا مشويا، وحلوى، مِمَّا يصلح للنِّسَاء فِي النّفاس، ومهدا، وفرشا حسنا، وعطرا صَالحا، وشيئا من ثِيَاب. وصرت إِلَى منزلي، وَقد قرب الْعشَاء الْآخِرَة، فَوجدت كل من فِيهِ من النِّسَاء يلعنني، وَيَدْعُو عَليّ. فَقدمت الحمالين، وَدخلت وَرَاءَهُمْ، فَانْقَلَبت الدَّار بِالدُّعَاءِ لي، وَصَارَ الْغم سُرُورًا، وَوجدت زَوْجَتي قد ولدت غُلَاما. فَعرفت الصّبيان خبر السفتجة وَالْمِيرَاث والفيج، وَأعْطيت

стр. 948

الزَّوْجَة، والقابلة، من الدَّنَانِير شَيْئا. وأقمت الفيج عِنْدِي أَيَّامًا، حَتَّى أصلحت من أَمْرِي، وَأمر عيالي، مَا وَجب صَلَاحه، وخلفت لَهُم نَفَقَة، وَأخذت من الدَّنَانِير نَفَقَة، وَأعْطيت الفيج مِنْهَا، فأجزلت لَهُ، واكتريت حِمَارَيْنِ لي وَله، واستصحبته إِلَى الدينور. فَوجدت فِيهَا مَا تحصل لي مِمَّا خَلفه ابْن عمي نَحْو عشرَة آلَاف دِينَار، فَبعث ذَلِك كُله، وَأخذت بحصتي سفاتج إِلَى بَغْدَاد. وعدت وَقد فرج الله عني، وَقد صلح حَالي، وَأَنا أعيش فِي بَقِيَّة تِلْكَ الْحَال إِلَى الْآن.

стр. 949

خرج مملقا وَعَاد قائدا وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: أملق بعض الْكتاب، وتعطل وافتقر، حَتَّى لم يبْق لَهُ شَيْء، وَكَاد يسْأَل، وَخرج على وَجهه فِي الْحَالة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. ثمَّ إِنَّه ورد بعد قَلِيل من سفرته، فَدخلت عَلَيْهِ، وَقلت: مَا خبرك، يَا فلَان؟ فَقَالَ: متمثلا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: فأبنا سَالِمين كَمَا تَرَانَا ... وَمَا خابت غنيمَة سالمينا وَمَا تدرين أَي الْأَمر خير ... أما تهوين أم مَا تكرهينا؟ فطيبت نَفسه، وَجعلت أسليه. فَأَقَامَ أَيَّامًا، وتأتت لَهُ نَفَقَة، فَخرج إِلَى خُرَاسَان، فَمَا سمعنَا لَهُ خَبرا سِنِين، فَإِذا هُوَ قد جَاءَنَا بزِي قَائِد عَظِيم؛ لِكَثْرَة الدَّوَابّ، وَالْبِغَال، وَالْجمال، والغلمان، وَالْمَال الْعَظِيم، والقماش. فَدخلت إِلَيْهِ، وهنأته، فَقَالَ: تضايقي تنفرجي، وَمَا تراني بعد هَذَا أطلب تَصرفا. فَبَاعَ تِلْكَ الْأَشْيَاء، وَترك مِنْهَا مَا يصلح لذِي الْمُرُوءَة، وَاشْترى من المَال ضَيْعَة بِعشْرين ألف دِينَار، وَلزِمَ منزله وضيعته.

стр. 950

عودة الْمَرْء سالما غنيمَة حَسَنَة قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: أرجف لبَعض رُؤَسَاء دولة شاهدناها بالوزارة، واحتد أمره، وَبرد، وأرجف لعدو لَهُ بالوزارة. فَلَقِيت بعض أصدقاء الأول، فَسَأَلته عَن حَقِيقَة الْحَال، فَقَالَ لي: أمس لَقيته، فَسَأَلته عَن سَبَب وقُوف أمره، واحتداد أَمر عدوه، فَرد عَليّ جَوَاب آيس من الْأَمر. ثمَّ قَالَ لي: وَقد جعلت فِي نَفسِي، أَن انصراف هَذَا الْأَمر خير لي، فَإِن فِيمَا أَلِي من أُمُور المملكة كِفَايَة، ثمَّ أَنْشدني كالمستريح إِلَى ذَلِك، يَقُول: إِذا نَحن أبنا سَالِمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها فأنفسنا خير الْغَنِيمَة إِنَّهَا ... تئوب وفيهَا مَاؤُهَا وحياؤها فَلَمَّا كَانَ بعد بضعَة عشر يَوْمًا؛ أُمِّرَ وَولي الوزارة، وَبَطل أَمر عدوه. وَكَانَ هَذَا الْخَبَر أَجْدَر بِأَن يَجْعَل فِي بَاب من بشر بفرج من نطق، أَو فأل، ولكنني جِئْت بِهِ هَهُنَا؛ لاشتباك معنى الشّعْر فِي الْخَبَرَيْنِ المتجاورين.
следующие страницы →