Полный текст (1 589 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فَجئْت، فَلَمَّا دخلت على الْعَامِل؛ قَالَ: مَا أقدمك علينا، يَا فلَان؟ فَقلت لَهُ: قبل كل شَيْء، أعزّك الله، من أَنا؟ وَأَيْنَ منزلي بِبَغْدَاد؟ فَقَالَ: أَنْت فلَان بن فلَان، ومنزلك بِمَدِينَة السَّلَام، فِي مَدِينَة المنصورة مِنْهَا، فِي سكَّة كَذَا وَكَذَا.
فَقلت للفيج: عرفتَ صدقي؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: فَحدثت الْعَامِل بحديثي، وَأخذت الْكتاب من الفيج، فَإِذا هُوَ من بعض المستورين بالدينور، يذكر أَن ابْن عَم كَانَ لي قد توفّي، بعد أَن أوصى إِلَيْهِ أَنِّي وَارثه، وسماني لَهُ، وَوصف منزلي بِبَغْدَاد.
قَالَ: وَقد كتب الرجل، يذكر أَن ابْن عمي أوصى بِالثُّلثِ من مَاله فِي وُجُوه من أَبْوَاب الْقرب، وَأَن يسلم بَاقِي ثُلثَيْهِ إِلَيّ، وَأَنه بَاعَ من أثاثه ومنقوله مَا خَافَ فَسَاده من تركته، وَصرف الثُّلُث مِنْهُ فِي بعض مَا كَانَ أوصى بِهِ، وأنفذ إِلَيّ سفتجة بالثلثين من ذَلِك، مبلغها سبع مائَة دِينَارا وَكَذَا وَكَذَا دِينَارا، تحل بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا، على تَاجر فِي دَار الْقطن بالكرخ.
وَقَالَ: الْوَجْه أَن تبادر إِلَى الدينور، وتبيع الْعقار والضياع، أَو أبيع الثُّلُث مِنْهَا؛ ليصرف فِي وَجهه، وتتمسك بالثلثين إِذا شِئْت.
قَالَ: فورد عَليّ من السرُور مَا لَا عهد لي بِمثلِهِ، وحمدت الله، .
فَقلت للفيج: قد وَجب حَقك، وسأحسن إِلَيْك، وشرحت لَهُ قصتي، وَأَنه لَا حَبَّة معي فضَّة فَمَا فَوْقهَا.
стр. 947
فجَاء إِلَى الْبَقَّال، فَقَالَ: زن لأستاذي بِكَذَا وَكَذَا خبْزًا، وبكذا وَكَذَا إدَامًا، وَمَا يُرِيد غَيرهمَا.
فتغديت، وَوزن الفيج ثمن ذَلِك من عِنْده، واستأجر حِمَارَيْنِ، فأركبني أَحدهمَا، وَركب هُوَ الآخر، وَوزن الْأُجْرَة من عِنْده.
وَجِئْنَا فِي بَقِيَّة يَوْمنَا إِلَى بَغْدَاد، وقصدنا دَار الْقطن، وَفِي النِّهَايَة بَقِيَّة صَالِحَة، فأوصلت السفتجة إِلَى التَّاجِر، فنظرها، وَقَالَ: صَحِيحَة، إِذا حل الْأَجَل؛ فَاحْضُرْ للقبض.
فَقلت لَهُ: خُذ حَدِيثي، وَافْعل بعد ذَلِك مَا يوفقك الله، تَعَالَى، لَهُ، وقصصت عَلَيْهِ قصتي.
فَقَالَ لي: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، إِنَّك صَادِق؟ فَحَلَفت.
فَأخْرج كيسا كَانَ بِقُرْبِهِ، فوزن لي مِنْهُ مَال السفتجة.
وصرت من وقتي إِلَى السُّوق، فاشتريت سويقا، وسكرا، وَعَسَلًا، وشيرجا، وخبزا عَظِيما، وخروفا مشويا، وحلوى، مِمَّا يصلح للنِّسَاء فِي النّفاس، ومهدا، وفرشا حسنا، وعطرا صَالحا، وشيئا من ثِيَاب.
وصرت إِلَى منزلي، وَقد قرب الْعشَاء الْآخِرَة، فَوجدت كل من فِيهِ من النِّسَاء يلعنني، وَيَدْعُو عَليّ.
فَقدمت الحمالين، وَدخلت وَرَاءَهُمْ، فَانْقَلَبت الدَّار بِالدُّعَاءِ لي، وَصَارَ الْغم سُرُورًا، وَوجدت زَوْجَتي قد ولدت غُلَاما.
فَعرفت الصّبيان خبر السفتجة وَالْمِيرَاث والفيج، وَأعْطيت
стр. 948
الزَّوْجَة، والقابلة، من الدَّنَانِير شَيْئا.
وأقمت الفيج عِنْدِي أَيَّامًا، حَتَّى أصلحت من أَمْرِي، وَأمر عيالي، مَا وَجب صَلَاحه، وخلفت لَهُم نَفَقَة، وَأخذت من الدَّنَانِير نَفَقَة، وَأعْطيت الفيج مِنْهَا، فأجزلت لَهُ، واكتريت حِمَارَيْنِ لي وَله، واستصحبته إِلَى الدينور.
فَوجدت فِيهَا مَا تحصل لي مِمَّا خَلفه ابْن عمي نَحْو عشرَة آلَاف دِينَار، فَبعث ذَلِك كُله، وَأخذت بحصتي سفاتج إِلَى بَغْدَاد.
وعدت وَقد فرج الله عني، وَقد صلح حَالي، وَأَنا أعيش فِي بَقِيَّة تِلْكَ الْحَال إِلَى الْآن.
стр. 949
خرج مملقا وَعَاد قائدا
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: أملق بعض الْكتاب، وتعطل وافتقر، حَتَّى لم يبْق لَهُ شَيْء، وَكَاد يسْأَل، وَخرج على وَجهه فِي الْحَالة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
ثمَّ إِنَّه ورد بعد قَلِيل من سفرته، فَدخلت عَلَيْهِ، وَقلت: مَا خبرك، يَا فلَان؟ فَقَالَ: متمثلا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
فأبنا سَالِمين كَمَا تَرَانَا ... وَمَا خابت غنيمَة سالمينا
وَمَا تدرين أَي الْأَمر خير ... أما تهوين أم مَا تكرهينا؟
فطيبت نَفسه، وَجعلت أسليه.
فَأَقَامَ أَيَّامًا، وتأتت لَهُ نَفَقَة، فَخرج إِلَى خُرَاسَان، فَمَا سمعنَا لَهُ خَبرا سِنِين، فَإِذا هُوَ قد جَاءَنَا بزِي قَائِد عَظِيم؛ لِكَثْرَة الدَّوَابّ، وَالْبِغَال، وَالْجمال، والغلمان، وَالْمَال الْعَظِيم، والقماش.
فَدخلت إِلَيْهِ، وهنأته، فَقَالَ: تضايقي تنفرجي، وَمَا تراني بعد هَذَا أطلب تَصرفا.
فَبَاعَ تِلْكَ الْأَشْيَاء، وَترك مِنْهَا مَا يصلح لذِي الْمُرُوءَة، وَاشْترى من المَال ضَيْعَة بِعشْرين ألف دِينَار، وَلزِمَ منزله وضيعته.
стр. 950
عودة الْمَرْء سالما غنيمَة حَسَنَة
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: أرجف لبَعض رُؤَسَاء دولة شاهدناها بالوزارة، واحتد أمره، وَبرد، وأرجف لعدو لَهُ بالوزارة.
فَلَقِيت بعض أصدقاء الأول، فَسَأَلته عَن حَقِيقَة الْحَال، فَقَالَ لي: أمس لَقيته، فَسَأَلته عَن سَبَب وقُوف أمره، واحتداد أَمر عدوه، فَرد عَليّ جَوَاب آيس من الْأَمر.
ثمَّ قَالَ لي: وَقد جعلت فِي نَفسِي، أَن انصراف هَذَا الْأَمر خير لي، فَإِن فِيمَا أَلِي من أُمُور المملكة كِفَايَة، ثمَّ أَنْشدني كالمستريح إِلَى ذَلِك، يَقُول:
إِذا نَحن أبنا سَالِمين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الْغَنِيمَة إِنَّهَا ... تئوب وفيهَا مَاؤُهَا وحياؤها
فَلَمَّا كَانَ بعد بضعَة عشر يَوْمًا؛ أُمِّرَ وَولي الوزارة، وَبَطل أَمر عدوه.
وَكَانَ هَذَا الْخَبَر أَجْدَر بِأَن يَجْعَل فِي بَاب من بشر بفرج من نطق، أَو فأل، ولكنني جِئْت بِهِ هَهُنَا؛ لاشتباك معنى الشّعْر فِي الْخَبَرَيْنِ المتجاورين.
стр. 951
قضى الله للهبيري رزقا على يَد الْوَزير ابْن الزيات فاستوفاه على رغم أَنفه
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، بِإِسْنَاد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الْكَاتِب، عَن أَحْمد بن إِسْرَائِيل، قَالَ: كنت كَاتبا لمُحَمد بن عبد الْملك الزيات، فَقدم عَلَيْهِ رجل من ولد عمر بن هُبَيْرَة، يُقَال لَهُ: إِبْرَاهِيم بن عبد الله الهبيري، فلازمه يطْلب تَصرفا.
وَكَانَ ابْن الزيات قَلِيل الْخَيْر، لَا يرْعَى ذماما، وَلَا يُوجب حُرْمَة، وَلَا يحب أَن يصطنع أحدا، فأضجره الهبيري من طول تردده عَلَيْهِ.
فدعاني ابْن الزيات يَوْمًا، وَهُوَ رَاكب، وَقَالَ: قد تبرمت بملازمة هَذَا الرجل، فَقل لَهُ: إِنِّي لست أوليه شَيْئا، وَلَا لَهُ عِنْدِي تصرف، ومره بالانصراف عني.
قَالَ: فَقلت: أَنا، وَالله، أستحي أَن ألْقى مؤملا عَنْك، بِمثل هَذَا.
قَالَ: لَا بُد أَن تفعل.
قلت: نعم.
فَلَمَّا صرت إِلَى منزلي؛ وجهت إِلَى الهبيري، فَجَاءَنِي، فَقلت لَهُ: مَا كنت تؤمل أَن تنَال بِصُحْبَة أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، خُذْهُ من مَالِي، وَلَا تقربه، وَهَذِه ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم.
فَقَالَ مُتَعَجِّبا: من مَالك؟ قلت: نعم.
стр. 952
قَالَ: أَنا أُؤَمِّل أَن أكسب مَعَه أَكثر من ذَلِك.
فَقلت: إِنَّه قد حَملَنِي إِلَيْك رِسَالَة، استحيت من أَدَائِهَا، فعدلت عَنْهَا إِلَى هَذَا.
قَالَ: فهات مَا حملك.
قَالَ: فَأَعَدْت عَلَيْهِ مَا قَالَ ابْن الزيات.
فَقَالَ: قد سَمِعت مِنْك، فَهَل أَنْت مؤد عني مَا أَقُول؟ قلت: نعم.
قَالَ: قل لَهُ: قد كنت آتِيك فِي صَبِيحَة كل يَوْم مرّة، وَوَاللَّه، لآتينك مُنْذُ الْآن فِي كل غدْوَة وَعَشِيَّة، فَإِن قضى الله، ، على يدك رزقا، أَخَذته على رغمك.
فَرَجَعت إِلَى ابْن الزيات، فأعلمته قَوْله.
فَقَالَ: دَعه، فوَاللَّه، لَا يرى مني خيرا أبدا.
قَالَ: ولازمه الرجل، غدْوَة وَعَشِيَّة، فَكَانَ إِذا رَآهُ؛ الْتفت إِلَيّ، وَقَالَ: قد جَاءَ البغيض، فَمَكثَ كَذَلِك مُدَّة.
وَركب ابْن الزيات يَوْمًا إِلَى الواثق، وَهُوَ بالهاروني، بسر من رأى، وَكنت مَعَه.
стр. 953
فَدخل إِلَى الْخَلِيفَة، وَجَلَست فِي بعض الدّور، أنْتَظر خُرُوجه، فَخرج، وَهُوَ يكثر التَّعَجُّب.
فَسَأَلته، فَقَالَ: أَنْت تعرف مذهبي، قَالَ: وَكَانَ يرى رَأْي الْمُعْتَزلَة، وَيَقُول: إِن الأرزاق تَأتي بالاكتساب.
فَقلت لَهُ: وماذا تهَيَّأ عَلَيْك؟ فَقَالَ: دخلت إِلَى الْخَلِيفَة، فَقَالَ: على الْبَاب أحد نصطنعه؟ فَلم يخْطر ببالي غير الهبيري، فَأَمْسَكت.
فَقَالَ: وَيلك، أُكَلِّمك فَلَا تُجِيبنِي، وأعجلني عَن الْفِكر.
فَقلت: على بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، رجل من أَعدَاء دولته، وأعداء سلفه، وَمن صنائع بني أُميَّة، من ولد عمر بن هُبَيْرَة.
قَالَ: فنصطنعه فيشكرنا، كَمَا اصْطنع أَبَاهُ بَنو أُميَّة فشكرهم.
قلت: إِنَّه معدم.
قَالَ: نغنيه، فراودته.
فَقَالَ: كم تدفعني عَنهُ؟ أعْطه السَّاعَة ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
ثمَّ قَالَ: من أهل الدراريع هُوَ، أم من أهل الأقبية؟ قلت: صَاحب قبَاء.
قَالَ: قلدوه السَّاعَة عملا يصلح لَهُ، وَأثبت لَهُ من وَلَده وغلمانه وَأَهله، مائَة رجل.
فَلَمَّا فرغ من كَلَامه؛ قَالَ: قل للهبيري مَا عرفتك، وادفع إِلَيْهِ مَا أَمر لَهُ الْخَلِيفَة بِهِ، وسله أَلا يشكرني، فقد جهدت فِي دفع الواثق عَنهُ، فَمَا انْدفع.
стр. 954
قَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: فَلَمَّا خرجت إِلَى الشَّارِع، إِذا بالهبيري ينْتَظر خُرُوج ابْن الزيات، فعرفته مَا جرى، فَقَالَ: لَا بُد من شكره على كل حَال، وَجَاء ابْن الزيات فترجل لَهُ الهبيري، فشكره.
فَقَالَ لَهُ: أم أقل لِأَحْمَد يَقُول لَك: لَا تشكرني.
فَقَالَ: لَا بُد من ذَلِك؛ لِأَن الله، تَعَالَى، قد أجْرى رِزْقِي على يَديك.
قَالَ أَحْمد بن إِسْرَائِيل: فوَاللَّه، مَا مضى الْيَوْم، حَتَّى قبض المَال، وَولي بعض كور فَارس.
وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه: كتاب (الوزراء) ، عَمَّن حَدثهُ بِهِ، عَن أَحْمد بن إِسْرَائِيل، فَذكر أَن الرجل، يُقَال لَهُ: أَحْمد بن عبد الله الهبيري، وَذكر قَرِيبا من هَذَا، وَذكر أَن الَّذِي خُوطِبَ فِي أمره من الْخُلَفَاء، كَانَ المتَوَكل، وَأَن الَّذِي أَمر لَهُ بِهِ، كَانَ خَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَأَن يضم إِلَيْهِ ثَلَاث مائَة رجل، وَأَن حَاله بعد ذَلِك علت عِنْد المتَوَكل، وَلم يقل أَنه قَلّدهُ بعض كور فَارس.
وحَدثني أبي، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا الحَدِيث، وَذكر أَن تردد الهيبري، وَلم يسمه، إِلَى ابْن أبي خَالِد الْأَحول، وَأَن الَّذِي حمل الرسَالَة إِلَى الهبيري، قَصده إِلَى منزله، وَحمل مَعَه ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ: إِن الْوَزير يَقُول لَك: لَيْسَ لَك عِنْدِي تصرف، فَخذ هَذِه النَّفَقَة، وَانْصَرف عني إِلَى حَيْثُ شِئْت.
فَغَضب الهبيري، وَقَالَ: جعلني شحاذا، وَالله لَا أَخَذتهَا.
قَالَ الرَّسُول: فغاظني ذَلِك، فَقلت لَهُ: وَالله، مَا المَال إِلَّا من عِنْدِي؛ لِأَنِّي استحيت أَن أُعِيد عَلَيْك رسَالَته، فآثرت أَن أغرم مَالا فِي الْوسط، أجمل بِهِ صَاحِبي، وأؤجر فِيك، وَأَرْفَع نَفسِي عَن قَبِيح التَّوَسُّط الَّذِي ارتكبته.
стр. 955
فَقَالَ: أما أَنْت؛ فَأحْسن الله جزاءك، وَأما مَالك؛ فَأَنا لَا أقبله، وَلَو مصصت الثماد، وَلَكِن تُؤدِّي إِلَيّ الرسَالَة بِعَينهَا، فأديتها.
فَقَالَ: تتفضل، وَتحمل عني حرفين.
فَقلت: هَات.
قَالَ: تَقول لَهُ، وَالله، مَا لزومي لَك فِي نَفسك، وَلَو تعطلت، مَا مَرَرْت بك، وَلَكِن الله، تَعَالَى، يَقُول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٩] ، وَأَنت بَاب رزق مثلي؛ لِأَنِّي لَا أحسن إِلَّا هَذِه الصِّنَاعَة، وَلَا بُد من أَن آتِيك طَالبا رِزْقِي من بَابه، وَلَيْسَ يَمْنعنِي ذَلِك استقبالك إيَّايَ بِالرَّدِّ، فَإِن قسم الله، تَعَالَى، لي على يَديك شَيْئا؛ أَخَذته مِنْك، وَإِلَّا فَلَا أقل من أَن أؤذيك برؤيتي، كَمَا تؤذيني بتعطيلي.
وَقَالَ فِيهِ عَن ابْن أبي خَالِد: فصرت فِي الْوَقْت إِلَى الْمَأْمُون، فَقَالَ: هاتم شخصا أَوله مصرا.
قَالَ: فَأَرَادَ أَن يذكر لَهُ رجلا يعتني بِهِ، يعرف بـ: الزبيرِي؛ لتولي ذَلِك الْعَمَل، فلغيظه من الهبيري، وَقرب عَهده بِهِ وَحَدِيثه، غلط، فَقَالَ: الهبيري.
فَقَالَ الْخَلِيفَة: أويعيش؟ وعرفه، وَذكر لَهُ خدمَة قديمَة.
وَأَرَادَ ابْن أبي خَالِد أَن يزهده فِيهِ، قَالَ: فطعنت عَلَيْهِ بِكُل شَيْء، وَهُوَ يَقُول: لَا أُرِيد غَيره، أَنا أعرفهُ بالجلادة.
إِلَى أَن قلت لَهُ: أَنا غَلطت، وَإِنَّمَا أردْت أَن أَقُول فلَان الزبيرِي.
قَالَ: وَإِن غَلطت، فالهبيري أقوم بِهَذَا من الزبيرِي، وَأَنا أَعْرفهُمَا، فَلَمَّا رَآنِي قد أَقمت على الدّفع عَنهُ؛ قَالَ: لَهُ مَعَك قصَّة، فاصدقني عَنْهَا، فصدقته.
فَقَالَ: قد، وَالله، أجْرى رزقه على يَديك، وَأَنت راغم، أخرج فوله مصر.
فَقلت: إِنَّه ضَعِيف، وَلَا حَالَة لَهُ، وَلَا مُرُوءَة، فَكيف يخرج فِي مثل هَذِه الْحَال إِلَى عمله؟
стр. 956
قَالَ: وَهَذَا من رزقه الَّذِي يجْرِي على يَديك وَأَنت راغم، أطلق لَهُ مائَة ألف دِرْهَم فَأخْرجهُ.
فَخرجت، وامتثلت أمره راغما.
стр. 957
تضايقي تنفرجي
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن رجل، قَالَ: حَدَّثتنِي أم أبي، قَالَت: كَانَ زَوجي قد نَهَضَ إِلَى مصر، وَتصرف بهَا، وَعمل، ونكب، وتعطل، فَأَقَامَ هُنَاكَ.
وأضقنا إضاقة شَدِيدَة، وعرضنا بيع ضَيْعَة لنا، فَلم نجد لَهَا ثمنا، وَتَأَخر كِتَابه عَنَّا، وَانْقطع خَبره، حَتَّى توهمنا أَن حَادِثا قد حدث عَلَيْهِ.
وَكَانَ أَوْلَادِي أصاغر، فَجعلت أحتال وَأنْفق عَلَيْهِم، حَتَّى لم يبْق فِي الْمنزل شَيْء.
وَحضر وَقت عمَارَة الضَّيْعَة، واحتجنا إِلَى بذار وَنَفَقَة، فَتعذر ذَلِك علينا، حَتَّى كَادَت تتعطل، ويفوت وَقت الزِّرَاعَة.
فَأَصْبَحت يَوْمًا، وَبِي من الْغم لِاجْتِمَاع هَذِه الْأَحْوَال أَمر عَظِيم، فوجهت إِلَى بعض من كنت أَثِق بِهِ، وأتوهم أنني لَو سَأَلته إسعافنا بالكثير من مَاله لَا يخالفنا؛ لأقترض مِنْهُ شَيْئا لذَلِك، فَرد رَسُولي، وَاعْتذر.
وعرفني الرَّسُول الَّذِي بعثت بِهِ إِلَيْهِ، أَنه قَالَ: إِذا بعثت إِلَيْهِم مَا طلبُوا، والضيعة لم تعمر، وَلم تحصل لَهُم غلَّة، وَزوجهَا لم يعرف لَهُ خبر، فَمن أَيْن يردون عَليّ؟ فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُول بذلك؛ كدت أَمُوت غما، وامتنعت من الطَّعَام يومي وليلتي.
وأصبحت، فَمَا انتصف النَّهَار، حَتَّى ورد كتاب زَوجي بسلامته، وَذكر
стр. 958
السَّبَب فِي تَأْخِير كِتَابه، وَأرْسل إِلَيّ فِي كِتَابه سفتجة بِمِائَة دِينَار، وتخوت ثِيَاب، قد أنفذها مَعَ تَاجر من أهل مصر، قيمتهَا خَمْسُونَ دِينَارا، فقبضت ذَلِك، وعمرنا الضَّيْعَة، ورزعت تِلْكَ السّنة، وصلحت حَالنَا.
стр. 959
من مَكَارِم سعيد بن الْعَاصِ أَمِير الْكُوفَة
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: حُكيَ أَن سعيد بن الْعَاصِ، قدم الْكُوفَة عَاملا لعُثْمَان بن عَفَّان، ﵁، وَكَانَ مِمَّن يتعشى عِنْده، رجل من الْفُقَرَاء، قد ساءت حَاله.
فَقَالَت امْرَأَته: وَيحك، إِنَّه قد بلغنَا عَن أميرنا كرم، فاذكر لَهُ حالك وحاجتك، لَعَلَّه أَن ينيلنا شَيْئا، فَلم يبْق للصبر فِينَا بَقِيَّة.
فَقَالَ: وَيحك، لَا تخلقي وَجْهي.
قَالَت: فاذكر لَهُ مَا نَحن فِيهِ على كل حَال.
فَلَمَّا كَانَ بالْعَشي؛ أكل عِنْده، فَلَمَّا انْصَرف النَّاس؛ ثَبت الرجل.
فَقَالَ سعيد: حَاجَتك؟ فَسكت.
فَقَالَ سعيد لِغِلْمَانِهِ: تنحوا، ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا نَحن أَنا وَأَنت، فاذكر حَاجَتك، فتعقد وتعصر، فَنفخ سعيد الْمِصْبَاح فأطفأه.
ثمَّ قَالَ لَهُ: يَرْحَمك الله، لست ترى وَجْهي، فاذكر حَاجَتك.
стр. 960
فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، أصابتنا حَاجَة، فَأَحْبَبْت أَن أذكرها لَك.
فَقَالَ: إِذا أَصبَحت فَالْقَ فلَانا وَكيلِي.
فَلَمَّا أصبح الرجل؛ لَقِي الْوَكِيل، فَقَالَ: إِن الْأَمِير قد أَمر لَك بِشَيْء، فهات من يحملهُ مَعَك، قَالَ: مَا عِنْدِي من يحمل، فَانْصَرف إِلَى امْرَأَته، فَجعل يلومها، وَيَقُول: قَالَ لي وَكيله: هَات من يحمل مَعَك، وَمَا أَظُنهُ أَمر لي إِلَّا بقوصرة تمر، أَو قفيز بر، وَذهب مَاء وَجْهي، وَلَو كَانَت دَرَاهِم، أَو دَنَانِير، لأعطانيها فِي يَدي.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام؛ قَالَت لَهُ امْرَأَته: يَا هَذَا، قد بلغ بِنَا الْأَمر إِلَى مَا ترى، وَمهما أَعْطَاك الْأَمِير، يقوتنا أَيَّامًا، فالق وَكيله، فَلَقِيَهُ.
فَقَالَ: أَيْن تكون؟ إِنِّي قد أخْبرت الْأَمِير أَنه لَيْسَ لَك من يحمل مَا أَمر بِهِ لَك مَعَك، فَأمرنِي أَن أوجه من يحمل مَعَك مَا أَمر بِهِ لَك.
ثمَّ أخرج إِلَيْهِ ثَلَاثَة من السودَان، على راس كل وَاحِد مِنْهُم بدرة دَرَاهِم، ثمَّ قَالَ: امضوا مَعَه.
فَلَمَّا بلغ الرجل بَاب منزله؛ فتح بدرة، فَأخْرج مِنْهَا دَرَاهِم، فَدَفعهَا إِلَى السودَان، وَقَالَ: امضوا.
فَقَالُوا: أَيْن نمضي، نَحن عبيدك، مَا حمل مَمْلُوك للأمير هَدِيَّة قطّ، فَرجع إِلَى ملكه.
قَالَ: فصلحت حَاله، وَاسْتظْهر على دُنْيَاهُ.
стр. 961
ألجأته الْحَاجة إِلَى بيع مقنعة أمه ثمَّ ملك مصر
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، بِإِسْنَاد ذكره، قَالَ: حَدثنِي عمي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب، قَالَ: حَدثنِي بعض إخْوَانِي، قَالَ: كنت أحضر طَعَام عبيد الله بن السّري بِمصْر، فَكَانَ إِذا وضع الخوان؛ وضع رغيفا، وعزل بِيَدِهِ من كل شَيْء، فَإِذا فرغ تصدق بِهِ.
فَقدمت إِلَيْهِ ذَات يَوْم عنَاق سَمِينَة، فِي أول الطَّعَام، فَضرب بإصبعه فِي جنبها، فشخبت حَتَّى مَلَأت الخوان دسما، فَأمْسك يَده، وَقَالَ: الْحَمد لله، ذكرت بِهَذَا شَيْئا أحدثكُم بِهِ.
كنت بِبَغْدَاد، نازلا بسوق الْهَيْثَم، فأصابتني حَاجَة شَدِيدَة، وَبقيت بِلَا
стр. 962
حَبَّة فَمَا فَوْقهَا، وَلَا فِي منزلي مَا أبيعه.
فَإِنِّي لكذلك، وَمَا عِنْدِي طَعَام، وَلَا مَا أَشْتَرِي بِهِ قوت يومي، إِلَّا أَن عِنْدِي نبيذا قد أدْرك، وَأَنا جَالس على بَاب دَاري ضيق الصَّدْر، أفكر فِيمَا أعمله.
إِذْ اجتاز بِي صديق لي، فَجَلَسَ إِلَيّ، فتحدثنا، فعرضت عَلَيْهِ الْمقَام عِنْدِي، عرض معذر، كَمَا جرى على لساني، فَأَجَابَنِي، وَقعد.
فَانْقَطع بِي، وتمنيت أَنِّي خرست، فَلم أجد بدا من إِدْخَاله منزلي، فأدخلته.
وَقمت إِلَى أُمِّي فعرفتها الْخَبَر، فأعطيتني مقنعتها، وَقَالَت: بعها، وقم بِأَمْرك الْيَوْم، فبعتها بِثَلَاثَة دَرَاهِم، واشتريت بهَا خبْزًا وسمكا وبقلا، وريحانا، وَجئْت بِهِ.
فَبينا نَحن كَذَلِك؛ إِذْ مرت بِي سنور لبَعض الْجِيرَان، فمددت يَدي إِلَيْهَا، فَإِذا هِيَ ذَلُول، فقبضت عَلَيْهَا، وذبحتها، وسلختها، ودفعتها إِلَى أُمِّي، فَقلت: اشويها، فَفعلت، وقدمتها إِلَى صديقي، مَعَ مَا اشْتَرَيْته، فأكلنا.
فَذكرت لما وَقعت يَدي على هَذِه العناق، حَالي تِلْكَ، وحالنا الْيَوْم من السعَة وَالنعْمَة، ونفاذ الْأَمر، فَالْحَمْد لله على مَا أنعم.
ودعا بِمَال عَظِيم، وَأمر أَن يتَصَدَّق بِنصفِهِ بِمصْر، وَبعث نصفه إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة، يتَصَدَّق بِهِ هُنَاكَ.
وَأمر بالخوان وَمَا عَلَيْهِ أَن يطعم للْمَسَاكِين، ودعا بخوان آخر.
стр. 963
أَبى أَن يُعْطِيهِ دِينَارا ثمَّ أعطَاهُ ألفي دِينَار
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِـ: ابْنِ حَمْدُونٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيِّ الْكَاتِبِ، قَالَ: كَانَ لِي أَيَّامَ مُقَامِي بِأَرْجَانَ جَارٌ تَاجِرٌ، يُعْرَفُ بِـ: جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكُنْتُ آنَسُ بِهِ، فَحَدَّثَنِي، قَالَ: كُنْتُ أَحُجُّ دَائِمًا، وَأَنْزِلُ عَلَى رَجُلٍ عَلَوِيٍّ، حُسَيْنِيٍّ، فَقِيرٍ، مَسْتُورٍ، فَأُلْطِفُهُ، وَأَتَفَقَّدُهُ.
فَتَأَخَّرْتُ عَنِ الْحَجِّ سَنَةً، ثُمَّ عَاوَدْتُ، فَوَجَدْتُهُ مُثْرِيًا، فَسُرِرْتُ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ.
فَقَالَ: كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ مَعِي دُرَيْهِمَاتٌ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، فَفَكَّرْتُ عَامَ أَوَّلَ فِي أَنْ أَتَزَوَّجَ، فَإِنِّي كُنْتُ عَزَبًا، كَمَا قَدْ عَلِمْتَ.
ثُمَّ عَلِمْتُ أَنْ فَرْضَ الْحَجِّ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيَّ، فَرَأَيْتُ أَنْ أُقَدِّمَ أَدَاءَ الْفَرْضِ، وَأَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، ، فِي أَنْ يُسَهِّلَ لِي، بَعْدَ ذَلِكَ، مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ.
فَلَمَّا حَجَجْتُ؛ طُفْتُ طَوَافَ الدُّخُولِ، وَأَوْدَعْتُ رَحْلِي، وَمَا كَانَ مَعِي، فِي بَيْتٍ مِنْ خَان، وَأَقْفَلْتُ بَابَهُ، وَخَرَجْتُ إِلَى مِنًى.
стр. 964
فَلَمَّا عُدْتُ؛ وَجَدْتُ الْبَيْتَ مَفْتُوحًا، فَارِغًا، فَتَحَيَّرْتُ، وَنَزَلَتْ بِي شِدَّةٌ مَا مَرَّ بِي قَطُّ مِثْلَهَا.
فَقُلْتُ: هَذَا أَعْظَمُ لِلثَّوَابِ، فَمَا وَجْهُ الْغَمِّ، فَاسْتَسْلَمْتُ لأَمْرِ اللَّهِ، .
فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، لَا حِيلَةَ لِي، وَلا تَسْمَحُ نَفْسِي بِالْمَسْأَلَةِ، فَاتَّصَلَ مُقَامِي ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، مَا طَعِمْتُ فِيهَا شَيْئًا.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ؛ بَدَأَ فِيَّ الضَّعْفُ سَحَرًا، وَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي، وَذَكَرْتُ قَوْلَ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُهَا حَتَّى شَرِبْتُ مِنْهَا، وَرَجَعْتُ أُرِيدُ بَابَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامُ؛ لأَسْتَرِيحَ فِيهِ.
فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ؛ إِذْ عَثَرْتُ فِي الطَّرِيقِ بِشَيْءٍ أَوْجَعَ إِصْبَعِي، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ لأَمْسِكَهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى هِمْيَانٍ أدمٍ أَحْمَرَ كَبِيرٍ، فَأَخَذْتُهُ.
فَلَمَّا حَصَلَ فِي يَدِي؛ نَدِمْتُ، وَعَلِمْتُ أَنَّ اللُّقَطَةَ، مَا لَمْ تُعَرَّفْ، حَرَامٌ.
وَقُلْتُ: إِنْ تَرَكْتُهُ الآنَ؛ كُنْتُ أَنَا الْمُضَيِّعَ لَهُ، وَقَدْ لَزمَنِي أَنْ أُعَرِّفَهُ، وَلَعَلَّ صَاحِبَهُ، إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ، أَنْ يَهَبَ لِي شَيْئًا أَقْتَاتُهُ حَلالا.
فَجِئْتُ إِلَى بَيْتِي، وَفَتَحْتُ الْهِمْيَانَ، فَإِذَا فِيهِ دَنَانِيرُ صُفْرٌ، تَزِيدُ عَلَى أَلْفَيْ دِينَارٍ.
فَسَدَدْتُهُ، وَرَجَعْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْحِجْرِ، وَنَادَيْتُ: مَنْ ضَاعَ
стр. 965
لَهُ شَيْءٌ، فَيَأْتِينِي بِعَلامَتِهِ، وَيَأْخُذُهُ.
فَانْقَضَى يَوْمِي، وَأَنَا أُنَادِي، وَمَا جَاءَنِي أَحَدٌ، وَأَنَا عَلَى حَالِي مِنَ الْجُوعِ.
وَبِتُّ فِي بَيْتِي، لَيْلَتِي كَذَلِكَ، وَعُدْتُ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَعَرَّفْتُهُ عِنْدَهُمَا يَوْمِي، حَتَّى كَادَ يَنْقَضِي، فَلَمْ يَأْتِنِي أَحَدٌ.
فَضَعُفْتُ ضَعْفًا شَدِيدًا، وَخَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَرَجِعْتُ مُتَحَامِلًا، ثَقِيلًا، حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلامُ، وَقُلْتُ قَبْلَ انْصِرَافِي: إِنِّي قَدْ ضَعُفْتُ عَنِ الصِّيَاحِ وَأَنَا مَاضٍ أَجْلِسُ عَلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَطْلُبُ شَيْئًا ضَاعَ مِنْهُ، فَأَرْشِدُوهُ إِلَيَّ.
فَلَمَّا قَرُبَ الْمَغْرِبُ، وَأَنَا فِي الْمَوْضِعِ؛ إِذَا أَنَا بِخُرَاسَانِيٍّ يَنْشُدُ ضَالَّةً، فَصِحْتُ بِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: صِفْ لِي مَا ضَاعَ مِنْكَ، فَأَعْطَانِي صِفَةَ الْهِمْيَانِ بِعَيْنِهِ، وَذَكَرَ وَزْنَ الدَّنَانِيرِ وَعَدَدَهَا.
فَقُلْتُ: إِنْ أَرْشَدْتُكَ إِلَى مَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْكَ، تُعْطِينِي مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَخَمْسِينَ دِينَارًا؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: لَا.
فَلَمْ أَزَلْ أَنْزِلُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغْتُ إِلَى دِينَارٍ وَاحِدٍ.
فَقَالَ: لَا، إِنْ رَأَى مَنْ هُوَ عِنْدَهُ، أَنْ يَرُدَّهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَإِلا فَهُوَ أَبْصَرُ، وَوَلَّى لِيَنْصَرِفَ.
فَوَرَدَ عَلَيَّ أَعْظَمُ وَارِدٍ، وَهَمَمْتُ بِالسُّكُوتِ، ثُمَّ خِفْتُ اللَّهَ، ،
стр. 966
وَأَشْفَقْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْخُرَاسَانِيُّ.
فَصِحْتُ بِهِ: ارْجِعْ، ارْجِعْ، وَأَخْرَجْتُ الْهِمْيَانَ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَمَضَى، وَجَلَسْتُ، لَيْسَ لِي قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِي.
فَمَا غَابَ عَنِّي إِلا قَلِيلا، حَتَّى عَادَ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيِّ الْبِلادِ أَنْتَ، وَمِنْ أَيِّ النَّاسِ؟ قَالَ: فَاغْتَظْتُ مِنْهُ غَيْظًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: مَا عَلَيْكَ، هَلْ بَقِيَ لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، مِنْ أَيِّ النَّاسِ وَالْبِلادِ أَنْتَ؟ فَعَرِّفْنِي، وَلا تَضْجَرْ.
فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
فَقَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ أَنْتَ، وَاخْتَصِرْ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵃.
فَقَالَ: مَا حَالُكَ وَمَالُكَ؟ قُلْتُ: لَا أَمْلِكُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا كُلِّهَا إِلا مَا تَرَاهُ، وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَالَ مِحْنَتِي وَمَا كُنْتُ طَمِعْتُ فِيهِ أَنْ يُعْطِينِيهِ مِنَ الْهِمْيَانِ، وَمَا قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ مِنَ الْجُوعِ.
فَقَالَ: أُرِيدُ مَنْ يُعَرِّفُنِي صِحَّةَ نَسَبِكَ وَحَالِكَ، حَتَّى أَقُومَ بِجَمِيعِ أَمْرِكَ كُلِّهِ.
فَقُلْتُ: مَا أَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ لِلضَّعْفِ، وَلَكِنْ ائْتِ الطُّوَّافَ، وَصِحْ بِالْكُوفِيِّينَ، وَقُلْ: رَجُلٌ مِنْ بَلَدِكُمْ، عَلَوِيٌّ، بِبَابِ إِبْرَاهِيمَ، يُرِيدُ أَنْ يَجِيئَهُ مِنْكُمْ مَنْ يَنْشَطُ لِحَالٍ هُوَ فِيهَا، فَمَنْ جَاءَ مَعَكَ فَهَاتِهِ.
فَغَابَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ وَمَعَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ جَمَاعَةٌ اتَّفَقَ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ بَاطِنَ حَالِي.
فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ أَيُّهَا الشَّرِيفُ؟
стр. 967
فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ حَالِي وَنَسَبِي؛ لِشَيْءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَعَرِّفُوهُ مَا تَعْرِفُونَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَعَرَّفُوهُ صِحَّةَ نَسَبِي، وَوَصَفُوا لَهُ طَرِيقَتِي وَعَدَمِي.
فَمَضَى، وَجَاءَ فَأَخْرَجَ الْهِمْيَانَ بِعَيْنِهِ، كَمَا سَلَّمْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا بِأَسْرِهِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ.
فَقُلْتُ: يَا هَذَا، مَا كَفَاكَ مَا عَامَلْتَنِي بِهِ، حَتَّى تَهْزَأَ بِي، وَأَنَا فِي حَالِ الْمَوْتِ.
قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، هُوَ لَكَ، وَاللَّهِ.
فَقُلْتُ: فَلِمَ بَخِلْتَ عَلَيَّ بِدِينَارٍ مِنْهُ، ثُمَّ وَهَبْتَ لِي الْجَمِيعَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ الْهِمْيَانُ لِي، وَمَا كَانَ يَجُوزُ لِي أَنْ أُعْطِيَكَ مِنْهُ شَيْئًا، قَلَّ، أَوْ كَثُرَ، وَإِنَّمَا أَعْطَانِيهِ رَجُلٌ مِنْ بَلَدِي، وَسَأَلَنِي أَنْ أَطْلُبَ فِي الْعِرَاقِ، أَوْ فِي الْحِجَازِ، رَجُلًا عَلَوِيًّا، حُسَيْنِيًّا، فَقِيرًا، مَسْتُورًا، فَإِذَا عَلِمْتُ هَذَا فِي حَالِهِ؛ أَغْنَيْتَهُ، بِأَنْ أُسَلِّمَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَالَ كُلَّهُ؛ لِيَصِيرَ أَصْلا لِنِعْمَةٍ تَنْعَقِدُ لَهُ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ لِي هَذِهِ الصِّفَاتُ قَبْلَكَ فِي أَحَدٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ فِيكَ، بِمَا شَاهَدْتُهُ مِنْ أَمَانَتِكَ وَفَقْرِكَ وَعِفَّتِكَ وَصَبْرِكَ، وَصَحَّ عِنْدِي نَسَبُكَ؛ أَعْطَيْتُكَهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ اسْتِكْمَالَ الأَجْرِ؛ فَخُذْ مِنْهُ دِينَارًا، وَابْتَعْ لِي بِهِ دَرَاهِمَ، وَاشْتَرِ بِهَا مَا آكُلُهُ، وَصِرْ بِهِ إِلَيَّ السَّاعَةَ هَهُنَا.
فَقَالَ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ.
قُلْتُ: قُلْ.
قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مُوسِرٌ، وَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ، كَمَا عَرَّفْتُكَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَقُومَ مَعِي إِلَى رَحْلِي، فَتَكُونَ فِي ضِيَافَتِي إِلَى الْكُوفَةِ، وَتَتَوَفَّرُ عَلَيْكَ دَنَانِيرُكَ.
فَقُلْتُ: مَا فِيَّ حَرَكَةٌ، فَاحْتَلْ فِي حَمْلِي، كَيْفَ شِئْتَ.
فَغَابَ عَنِّي سَاعَةً، وَجَاءَ بِمَرْكُوبٍ، وَأَرْكَبَنِيهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَأَطْعَمَنِي فِي الْحَالِ
стр. 968
مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَقَطَعَ لِي مِنَ الْغَدِ ثِيابًا، وَكَانَ يَخْدُمُنِي بِنَفْسِهِ، وَعَادَلَنِي فِي عَمَّارِيَّتِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا؛ أَعْطَانِي مِنْ عِنْدِهِ دَنَانِيرَ أُخَرَ، وَقَالَ لِي: تَزَوَّدْ بِهَا بِضَاعَةً، وَفَارَقْتُهُ، وَأَنَا أَدْعُو لَهُ، وَأَشْكُرُهُ، وَلَمْ أَمَسَّ الْهِمْيَانَ.
وَأَخَذْتُ أُنْفِقُ مِنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَعْطَانِيهَا الرَّجُلُ بِاقْتِصَادٍ، إِلَى أَنِ اتَّفَقَتْ لِي ضَيْعَةٌ رَخِيصَةٌ، فَابْتَعْتُهَا بِالْهِمْيَانِ، فَأَغَلَّتْ، وَأَثْمَرَتْ، وَأَنَا مِنَ اللَّهِ، ، فِي نِعْمَةٍ جَزِيلَةٍ، وَخَيْرٍ كَثِيرٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ
стр. 969
سَافر إِلَى الْموصل ثمَّ إِلَى نَصِيبين فِي طلب التَّصَرُّف حَتَّى إِذا أيس جَاءَهُ الْفرج
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه، قَالَ: قَالَ بَعضهم: لحقتني نكبة فِي بعض الْأَوْقَات، تطاولت عَليّ الْأَيَّام فِي العطلة، وركبني دين فادح، وبعت آخر مَا كَانَ فِي ملكي.
فَصَارَ إِلَى صديق لي، حَاله مثل حَالي فِي العطلة، فَقَالَ: هَل لَك أَن نخرج إِلَى الْموصل، فَإِن عاملها فلَان، ولي بِهِ حُرْمَة، فنتطلب مِنْهُ تَصرفا؟ فَقلت: أفعل.
فاحتلت نَفَقَة، وَخَرجْنَا حَتَّى دَخَلنَا الْموصل، فَوَجَدنَا الْعَامِل يُرِيد الرحيل إِلَى ديار ربيعَة.
قَالَ: فَلَقِيَهُ الرجل، وَلم يتهيأ لي لقاءه، وَخَرجْنَا إِلَى نَاحيَة، فَلَقِيته أَنا هُنَاكَ، فوعد جميلا، وسرت إِلَى نَصِيبين، وَقد نفدت نفقتي.
وكشف لنا الْعَامِل هُنَاكَ، أَنه قد قلد مصر، مُضَافا إِلَى أَعماله، وَأَنه يُرِيد الْخُرُوج إِلَيْهَا.
стр. 970
فَقلت لصديقي: إِنَّه لم تبْق معي نَفَقَة، وَلَا فيّ فضل لِلْخُرُوجِ إِلَى مصر، فَأَعْطَانِي من نَفَقَته.
وَقد كَانَ صديقي تقلد من قبل الْعَامِل عملا جَلِيلًا، وَخرج إِلَيْهِ، وأقمت أَنا بنصيبين، وَأقَام الْعَامِل بهَا؛ ليصلح أمره وَيخرج إِلَى مصر، وعملت أَنا على أَن أتحمل بِمَا أعطانيه صديقي، وأرجع إِلَى بَغْدَاد.
فغلب عَليّ ضيق الصَّدْر والهم، واستدعيت المزين ليصلح شعري، فَهُوَ بَين يَدي، إِذْ دخل عَليّ غُلَام الْعَامِل، فَقَالَ: صَاحِبي يطلبك، وَقد قلبنا عَلَيْك الدُّنْيَا مُنْذُ أمس، فَلم نَعْرِف مَنْزِلك إِلَى السَّاعَة.
ففرغت من شغلي مَعَ المزين، وتوضأت، وَركبت، وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة، فَلَمَّا صرت فِي دَار الْعَامِل؛ لَقِيَنِي غُلَامه، وَكَانَ حَاجِبه، فَقَالَ: نَحن فِي طَلَبك مُنْذُ أمس فَلم تُوجد، وَقد قَامَ الْآن عَن مَجْلِسه، وَأخذ فِي التشاغل بِأَمْر الصَّلَاة، وَلَكِن بكر فِي غَد.
قَالَ: فضعف فِي نَفسِي، وَقلت: إِنَّه مَا أرادني لخير، وعملت على أَن أنحدر تِلْكَ العشية إِلَى بَغْدَاد.
فَلم يدعني غلامي، وَقَالَ: أقل مَا فِي الْأَمر، أَن يكون الرجل قد تذمم من
стр. 971
اتباعك إِيَّاه إِلَى هَهُنَا، فيطلق لَك نَفَقَة، وَنحن مضيقون.
فَعلمت أَن الصَّوَاب فِي لِقَائِه، فأقمت وبكرت من غَد، فَدخلت إِلَيْهِ، فعاتبني على انقطاعي عَنهُ.
وَقَالَ: أَنا مفكر فِي أَمرك، وَقد غمني طول تعطلك، مَعَ قصدك إيَّايَ من بَغْدَاد، ومسيرك معي إِلَى هَهُنَا، ثمَّ الْتفت إِلَى كَاتب بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: أكتب لَهُ كتاب التَّقْلِيد؛ للإشراف على الضّيَاع بديار مُضر، وَأحل النَّفَقَة على الثغور الجزرية، واستقبل برزقه، وَهُوَ مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا، فِي كل شهر، الْوَقْت الَّذِي جَاءَنَا فِيهِ إِلَى الْموصل.
قَالَ: فشكرته، واضطربت من قلَّة الرزق.
فَقَالَ: اقبل هَذَا وَلَا تخالفني، إِلَى أَن يسهل الله، جلت عَظمته، غَيره، فَقُمْت مفكرا، من أَيْن أصلح أَمْرِي، وأتحمل إِلَى الْعَمَل، وَأنْفق إِلَى أَن أصل إِلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَا خرجت من الدَّار حَتَّى ردني، فَقَالَ: بِالْبَابِ قوم يحْتَاج إِلَى إثباتهم، فاجلس وأثبتهم، وَعمل لَهُم جرائد بِأَسْمَائِهِمْ وحلاهم وأرزاقهم واستقبالاتهم، وجئني بهَا.
فتشاغلت بذلك يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة، وَجئْت بالجرائد، فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا أَعْجَبته، وَقَالَ: أرى عَمَلك، عمل فَهِم بالجيش.
فَقلت: مَا عملته قطّ إِلَّا مرّة وَاحِدَة.
стр. 972
فَقَالَ: لم أقل هَذَا؛ لِأَنَّك تقتصر فِي نَفسِي عَن غَيره، وَلَكِن يَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ وَالْعَامِل أَن يحسنا كل شَيْء يَقع عَلَيْهِ اسْم كِتَابَة وعمالة.
ثمَّ قَالَ: خُذ هَذَا الصَّك، واقبض مَا فِيهِ من الجهبذ، واجلس فِي الْمَسْجِد لداري، وَأنْفق فِي الصِّنْف الْفُلَانِيّ من أهل هَذِه الجريدة.
قَالَ: فَأخذت الصَّك، وَكَانَ بألوف دَنَانِير، فَأخذت مَاله، وأنفقت فِي الْقَوْم، وَتَفَرَّقُوا وهم شاكرون، وَفضل مَال من ذَلِك، وكتبت إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ، واستأمرته فِيمَا أعمل بِهِ.
فَقَالَ: خُذْهُ من رزقك.
وَأَعْطَانِي مَالا ثَانِيًا، وَقَالَ: أنفقهُ فِي الصِّنْف الآخر، إِلَى أَن أنفقت فِي جَمِيع أهل الجريدة، فَحصل لي من ذَلِك زِيَادَة على ألف دِينَار، فجعلتها فِي طريقي لنفقتي.
وشخصت قبله إِلَى ديار مُضر، فَنَظَرت فِي الْعَمَل، وَسَار هُوَ مجتازا إِلَى مصر.
واستأذنته فِي الْمسير إِلَيْهَا مَعَه، فَقَالَ: لَا أحب أَن أعجل لَك الصّرْف، وَنحن نمضي إِلَى أَعمال فِيهَا قوم، ولعلي أَقف من حَالهم على مَا لَا يجوز مَعَه صرفهم، فَتحصل أَنْت على الصّرْف الْمُعَجل، وَلَكِن أقِم بمكانك وعملك، وأسير أَنا، فَإِن احتجتُ إِلَى متصرفين، كنتَ أول من استدعيته.
فشكرته، وأقمت فِي عَمَلي سنتَيْن، أثريت فيهمَا، وعظمت حَالي، وَلم يتَّفق استدعاؤه إيَّايَ إِلَى مصر، إِلَى أَن صرفت وانسللت من الرقة، وَدخلت بَغْدَاد موفرا، وَمَعِي مَال جليل، فابتعت بِهِ ضَيْعَة، ولزمتها، وَتركت التَّصَرُّف.
стр. 973
للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن بعض إخوانه، أَحْسبهُ أَبَا يُوسُف يَعْقُوب بن بَيَان، أَنه قَالَ: أملق بعض الْكتاب فِي أَيَّام الرشيد حَتَّى أفْضى إِلَى بيع أنقاض دَاره، وَنقض مَا فِيهَا، فَلم يبْق فِيهَا إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا، كَانَ يأوي إِلَيْهِ وَولده، وَانْقطع عَن النَّاس، وانقطعوا عَنهُ دهرا.
وَكَانَ الرشيد يولي على أذربيجان فِي كل سنتَيْن، أَو ثَلَاثَة، رجلا من بني هَاشم.
فولاها سنة من السنين رجلا مِنْهُم كَانَ متعطلا، فَطلب كَاتبا فارها يصطنعه، وشاور فِيهِ صديقا لَهُ من الْكتاب، فوصف لَهُ هَذَا الرجل المتعطل، ووعده بإحضاره، وَصَارَ إِلَيْهِ، وطرق الْبَاب عَلَيْهِ، وَدخل، فَوَجَدَهُ من الْفقر على الْحَال لَا يتهيأ لَهُ مَعهَا لِقَاء أحد.
فَبعث إِلَيْهِ من منزله بخلعة من ثِيَابه، ودابة، وَغُلَامًا، وبخورا، ودراهم، فَركب مَعَه إِلَى الْهَاشِمِي، فَلَقِيَهُ.
وامتحنه الْهَاشِمِي، فَوَجَدَهُ بارعا فِي صناعته، فاستكتبه، وَقرر جاريه، وَأمر لَهُ بِمَال معجل مَعُونَة لَهُ على سَفَره، وَأمره بِأَن يتقدمه إِلَى أذربيجان.
فَعَاد الرجل إِلَى منزله، وَأصْلح من حَاله، وَخلف نَفَقَة لِعِيَالِهِ، وشخص.
فَلَمَّا بلغ المصروف الْخَبَر؛ رَحل عَن الْبَلَد، وَأخذ غير الطَّرِيق الَّذِي بلغه أَن الْكَاتِب قد سلكها، وَخلف كَاتبه لرفع الْحساب.
فَلَمَّا شَارف كَاتب الْوَالِي النَّاحِيَة؛ خرج إِلَيْهِ كَاتب الْمَعْزُول ولقيه، فَسَأَلَهُ عَن صَاحبه، فَأعلمهُ شخوصه إِلَى مَدِينَة السَّلَام، فَأنْكر ذَلِك.
стр. 974
فَقَالَ لَهُ كَاتب الْمَعْزُول: مل بِنَا إِلَى مَوضِع نجلس فِيهِ ونتحدث، وَترى رَأْيك، فمالا وَنزلا، وَطرح لَهما مَا جلسا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: أعزّك الله، لَا تنكر انصراف صَاحِبي، فَإِنَّهُ رجل كَبِير الْمِقْدَار، وَفِي مقَامه إِلَى أَن تصيروا إِلَى الْعَمَل مهانة تلْحقهُ، وَقد خلف قبلي خمسين وَمِائَة ألف دِرْهَم لصاحبك، ودوابا ورقيقا بِقِيمَة ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، فاقبض ذَلِك، واكتب لنا كتابا بإزاحة علتك، وانفصال مَا بَيْننَا وَبَيْنك، وَنحن ننصب لَك من يرفع الْحساب رفع من لَا يستقصى عَلَيْهِ، وَلَا يعنت.
فَقبل كَاتب الْوَالِي ذَلِك، وركبا، وَقد زَالَ الْخلاف فِيمَا بَينهمَا، وَخرج الْكَاتِب لاحقا بِصَاحِبِهِ، وخلّف من يسلم الْحساب.
واتصل ظَاهر الْخَبَر بالهاشمي الْوَالِي، وَكتب إِلَيْهِ كَاتبه: إِنِّي قد بلغت من الْأَمر مبلغا مرضيا، إِذا وقفت عَلَيْهِ.
فَلَمَّا سَارُوا إِلَى النَّاحِيَة؛ عرف مَا جرى، فَحسن موقعه، وتبرك بالكاتب، وَغلب على قلبه، فكسب مَالا عَظِيما.
فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين؛ صُرِفَ الْهَاشِمِي بِالرجلِ الَّذِي كَانَ واليا قبله، وَبلغ الْهَاشِمِي الْخَبَر.
فَقَالَ لكَاتبه: مَا الرَّأْي؟ قَالَ: نَفْعل بِهِ مِثْلَمَا فعل بِنَا، وترحل أَنْت، وأقيم أَنا، وَمَعِي مثل مَا أَعْطَانَا، فَأعْطِيه إِيَّاه، وآخذ كِتَابه بانفصال مَا بَيْننَا وَبَينه، وَألْحق بك، فَفعل.
ووافى كَاتب الصَّارِف، الَّذِي كَانَ مَعْرُوفا، فَتَلقاهُ الْكَاتِب فِي الْموضع الَّذِي لقِيه فِيهِ، لما كَانَ معزولا مصروفا، فَسلم عَلَيْهِ، وعدلا فَنزلَا، وَعرض عَلَيْهِ مَا خَلفه صَاحبه لَهُ ولصاحبه، وَسَأَلَهُ قبُول ذَلِك، وَالْكتاب بِمثل مَا كَانَ كتب إِلَى الرشيد، فَامْتنعَ من قبُول ذَلِك، وَكتب لَهُ بانفصال مَا بَينهمَا، إِلَى الرشيد، كتابا وكيدا.
وَقَالَ لَهُ: أَرَاك فَاضلا فطنا، وَأرى صَاحبك عَاقِلا، وَقبُول ذَلِك لَا يكون
стр. 975
مِنْكُمَا مُكَافَأَة؛ بل كَأَنَّهُ بيع وَشِرَاء، وَقد فَكرت فِي أَمر، هُوَ أَنْفَع، لنا وَلكم، من هَذَا.
قَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أعقد بَين صَاحبك وصاحبي صهرا، وبيني وَبَيْنك صهرا، ونكون إخْوَة وأصدقاء.
فَقَالَ: فعل الله بك وصنع، مَا فِي الدُّنْيَا أكْرم ولَايَة، وَلَا صرفا مِنْك.
فعقدا بَينهمَا الصهرين، وسارا إِلَى مقصدهما، وَدخل الْكَاتِب بَغْدَاد، وَقد حصل الْهَاشِمِي صَاحبه، فَأخْبرهُ الْخَبَر، فَأَحْمَد رَأْيه، وأمضى عقده فِي الْمُصَاهَرَة.
فَصَارَ الْكَاتِب من أَرْبَاب الْأَحْوَال، وَعَاد إِلَى أفضل مَا كَانَ عَلَيْهِ.
стр. 976
هاك يَا هَذَا الَّذِي لَا أعرفهُ
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: رُوِيَ عَن شيخ من أهل الْكُوفَة، قَالَ: أملقت وَبَلغت بِي الْحَال أَن نقضت منزلي، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَليّ الْأَمر، وتجرد عيالي من الْكسْوَة؛ جاءتتي الخادمة، فَقَالَت: مَا لنا دَقِيق، وَلَا مَعنا ثمنه، فَمَا نعمل؟ فَقلت: أسرجي حماري، وَقد كَانَ بَقِي لي حمَار.
فَقَالَت: مَا أكل شَعِيرًا مُنْذُ ثَلَاث، فَكيف تركبه؟ فَقلت: أسرجيه على كل حَال، فأسرجته، فركبته أدب عَلَيْهِ، هَارِبا مِمَّا أَنا فِيهِ، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى الْبَصْرَة.
فَلَمَّا شارفتها إِذا أَنا بموكب مقبل، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَيّ؛ دخلت فِي جُمْلَتهمْ، فَرَجَعت الْخَيل تُرِيدُ الْبَصْرَة، فسرت مَعَهم حَتَّى دَخَلتهَا، وانْتهى صَاحب الموكب إِلَى منزله، فَنزل، وَنزل النَّاس مَعَه، وَنزلت مَعَهم.
ودخلنا، فَإِذا الدهليز مفروش، وَالنَّاس جُلُوس مَعَ الرجل، فَدَعَا بغداء، فَجَاءُوا بِأَحْسَن غداء، فتغديت مَعَ النَّاس، ثمَّ وضأنا، ودعا بالغالية، فغلفنا بهَا.
ثمَّ قَالَ: يَا غلْمَان، هاتوا سفطا، فَجَاءُوا بسفط أَبيض مشدود، فَفتح فَإِذا فِيهِ أكياس، فِي كل ألف دِرْهَم، فَبَدَأَ يُعْطي من على يَمِينه، فأمرّها
стр. 977
عَلَيْهِم، ثمَّ انْتهى إِلَيّ وَأَعْطَانِي كيسا، ثمَّ ثنى وَأَعْطَانِي آخر، ثمَّ ثلث وَأَعْطَانِي آخر، وَأخذت الْجَمَاعَة.
وَبَقِي فِي السفط كيس وَاحِد، فَأَخذه بِيَدِهِ، وَقَالَ: هاك يَا هَذَا الَّذِي لَا أعرفهُ.
فَأخذت أَرْبَعَة أكياس، وَخرجت.
فَقلت لإِنْسَان: من هَذَا؟ قَالَ: عبيد الله بن أبي بكرَة.
стр. 978
أول دُخُول الْأَصْمَعِي إِلَى الرشيد
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه أَيْضا، أَن الْأَصْمَعِي قَالَ: لَزِمت بَاب الرشيد، فَكنت أقيم عَلَيْهِ طول نهاري، وأبيت بِاللَّيْلِ مَعَ الحراس أسأمرهم، وأتوقع طالع سعد، حَتَّى كدت أَمُوت ضرا وهزالا، وَأَن أصير إِلَى ملالة، ثمَّ أَتَذكر مَا فِي عَاقِبَة الصَّبْر من الْفرج، فأؤمل صَلَاح حَالي بِاتِّفَاق مَحْمُود، فأصبر.
فَبينا أَنا ذَات لَيْلَة، وَقد قاسيت فِيهَا السهاد والأرق؛ إِذْ خرج بعض الْحجاب، فَقَالَ: هَل بِالْبَابِ أحد يحسن الشّعْر؟ فَقلت: الله أكبر، رب مضيق فكه التَّيْسِير، أَنا ذَلِك الرجل.
فَأخذ بيَدي، وَقَالَ: ادخل، فَإِن ختم لَك بالسعادة، فلعلها أَن تكون لَيْلَة تقر عَيْنك فِيهَا بالغنى.
فَقلت: بشرك الله بِخَير، وَدخلت، فواجهت الرشيد فِي البهو جَالِسا، والخدم قيام على رَأسه، وجعفر بن يحيى الْبَرْمَكِي، جَالس إِلَى جنبه.
فَوقف بِي الْحَاجِب حَيْثُ يسمع تسليمي، فَسلمت، ثمَّ قَالَ: تَنَح قَلِيلا حَتَّى تسكن، إِن كنت وجدت روعة.
فَقلت فِي نَفسِي: فرْصَة تفوتني آخر الدَّهْر، إِن شغلت بِعَارِض؛ فَلَا أعتاض مِنْهَا إِلَّا كمدا، حَتَّى يصفق عَليّ الضريح، فَقلت: إضاءة كرم أَمِير الْمُؤمنِينَ، وبهاءه جده، يجردان من نظر إِلَيْهِ من أذية النَّفس، يسألني، أيده الله، فَأُجِيب، أَو أبتدئ فأصيب؟ فَتَبَسَّمَ إِلَيّ جَعْفَر، وَقَالَ: مَا أحسن مَا استدعى الْإِحْسَان، وحري بِهِ أَن يكون محسنا.
стр. 979
ثمَّ قَالَ لي: أشاعر أَنْت، أم راوية للشعر؟ قلت: راوية.
قلت: لمن؟ قلت: لكل ذِي جد وهزل، بعد أَن يكون محسنا.
فَقَالَ: أنصف القارة من راماها.
ثمَّ قَالَ: مَا معنى هَذِه الْكَلِمَة؟ قلت: لَهَا وَجْهَان، زعمت التبابعة، أَنه كَانَ لَهَا رُمَاة لَا تقع سهامها فِي غير الحدق، فَكَانَت تكون فِي الموكب الَّذِي يكون فِيهِ الْملك، فَخرج فَارس معلم بعذبات سمور فِي قلنسوته، فَنَادَى: أَيْن رُمَاة الحدق؟ فَقَالَت الْعَرَب: أنصف القارة من راماها.
وَالْوَجْه الآخر: الْموضع الْمُرْتَفع من الأَرْض، والجبل الشاهق، فَمن ضاهاه بفعاله فقد راماه، وَمَا أَحسب هَذَا هُوَ الْمَعْنى؛ لِأَن المراماة كالمعاطاة، وكما أَن المعاطاة للنديم، هِيَ أَن يَأْخُذ كأسا، وَيُعْطِي كأسا، كَذَلِك المراماة؛ أَن يرميها وترميه.
فَقَالَ: أصبت، فَهَل رويت للعجاج بن رؤبة شَيْئا؟ قلت: الْأَكْثَر.
قَالَ: أَنْشدني قَوْله: أرقني طارقُ همٍّ طرقا فمضيت فِيهَا مُضِيّ الْجواد، تهدر أشداقي، فَلَمَّا بلغت مدحه لبني أُميَّة؛ ثنيت عنان اللِّسَان؛ لامتداحه الْمَنْصُور.
стр. 980
فَقَالَ: أعن عمد، أَو غير عمد؟ فَقلت: عَن عمد، تركت كذبه إِلَى صدقه، بِمَا وصف فِيهِ الْمَنْصُور من مجده.
فَقَالَ جَعْفَر: بَارك الله عَلَيْك، مثلك يؤهل لمثل هَذَا الْموقف.
ثمَّ الْتفت إِلَيّ الرشيد، فَقَالَ: أرويت لعدي بن الرّقاع شَيْئا؟ قلت: الْأَكْثَر، قَالَ: أَنْشدني قَوْله: بَانَتْ سعاد وأخلفت ميعادها فابتدأت تهدر أشداقي، فَقَالَ جَعْفَر: يَا هَذَا، أنْشد على مهل، فَلَنْ تَنْصَرِف إِلَّا غانما.
فَقَالَ الرشيد: أما إِذْ قطعت عَليّ فأقسم؛ لتشركني فِي الْجَائِزَة.
قَالَ: فطابت نَفسِي، فَقلت: أَفلا ألبس أردية التيه على الْعَرَب، وَأَنا أرى الْخَلِيفَة والوزير يتشاطران لي الْمَوَاهِب، فَتَبَسَّمَ، ومضيت فِيهَا.
ثمَّ قَالَ: أرويت لذِي الرمة شَيْئا؟ قلت: الْأَكْثَر.
قَالَ: أَنْشدني قَوْله: أَمن حذر الهجران قَلْبك يطمح فَقلت: عروس شعره.
قَالَ: فأيه الختن؟ قلت: قَوْله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب
стр. 981
فَقَالَ: امْضِ فِيهَا، فمضيت فِيهَا، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى وَصفه جمله.
فَقَالَ جَعْفَر: ضيق علينا مَا اتَّسع من مسامرة السهر، بجمل أجرب.
فَقَالَ الرشيد: اسْكُتْ، فَهِيَ الَّتِي سلبتك تَاج ملكك، وأزعجتك عَن قراراك، ثمَّ جعلت جلودها سياطا، تضرب بهَا أَنْت وقومك عِنْد الْغَضَب.
فَقَالَ جَعْفَر: الْحَمد لله، عوقبت من غير ذَنْب.
فَقَالَ الرشيد: أَخْطَأت فِي كلامك، لَو قلت: أستعين بِاللَّه؛ قلت صَوَابا، إِنَّمَا يحمد الله، تَعَالَى، على النعم، ويستعان على الشدائد.
ثمَّ قَالَ لي: إِنِّي لأجد مللا، وَهَذَا جَعْفَر، ضيف عندنَا، فسامره بَاقِي ليلتك، فَإِذا أَصبَحت؛ فَإِن وضاء الْخَادِم يلقاك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
قَالَ: ثمَّ قربت إِلَيْهِ النَّعْل، فَجعل الْخَادِم يصلح عقب النَّعْل فِي رجله، فَقَالَ: ارْفُقْ وَيحك، أحسبك قد عقرتني.
فَقَالَ: جَعْفَر: قَاتل الله الْعَجم، لَو كَانَت سندية؛ مَا احْتَاجَ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى هَذِه الكلفة.
فَقَالَ: هَذِه نَعْلي ونعل آبَائِي، مَا تدع نَفسك والتعرض لما تكره.
ثمَّ قَالَ لي جَعْفَر: لَوْلَا أَن الْمجْلس مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَا يجوز لي فِيهِ أَن آمُر بِمثل مَا أَمر بِهِ؛ لأمرت لَك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَلَكِنِّي آمُر لَك بِتِسْعَة وَعشْرين ألف دِرْهَم، فَإِذا أصبحتَ فاقبضها والزم الْبَاب.
قَالَ: فَمَا صليت من غَد الصُّبْح، إِلَّا وَفِي منزلي مَا أَمر لي بِهِ، فأيسرت ولزمتهما، وَزَالَ مَا كنت فِيهِ من الضّر، وأتى الإقبال، وَالنعْمَة والسلامة، وأفلحت، وَللَّه الْحَمد.
стр. 982
قصَّة حائك الْكَلَام
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، قَالَ: بَلغنِي عَن عَمْرو بن مسْعدَة، أَنه قَالَ: كنت مَعَ الْمَأْمُون عِنْد قومه من بِلَاد الرّوم، حَتَّى إِذا نزل الرقة؛ قَالَ لي: يَا عَمْرو، أما ترى الرخجي، قد احتوى على الأهواز، وَهِي سلى الْخبز، وَجَمِيع الْأَمْوَال قبله، وَقد طمع فِيهَا، وكتبي مُتَّصِلَة فِي حملهَا، وَهُوَ يتعلل، ويتربص بِنَا الدَّوَائِر.
فَقلت: أَنا أكفي أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا، وأنفذ من يضطره إِلَى حمل مَا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا يقنعني هَذَا.
قلت: فيأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بأَمْره.
قَالَ: تخرج إِلَيْهِ بِنَفْسِك، حَتَّى تصفده بالحديد، وتحمله إِلَيّ، بعد أَن تقبض جَمِيع مَا فِي يَده من أَمْوَالنَا، وَتنظر فِي ذَلِك، وترتب فِيهِ عمالا.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ دخلت.
فَقَالَ: مَا فعلت فِيمَا أَمرتك بِهِ؟ قلت: أَنا على ذَاك.
قَالَ: أُرِيد أَن تجيئني فِي غَد مودعا.
قلت: السّمع وَالطَّاعَة، فَلَمَّا كَانَ من غَد؛ جِئْت مودعا.
فَقَالَ: أُرِيد أَن تحلف لي، أَنَّك لَا تقيم بِبَغْدَاد إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، فاضطربت من ذَلِك، إِلَى أَن حظر عَليّ واستخلفني أَن لَا أقيم فِيهَا أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام، فَخرجت، وَأَنا مُضْطَرب مغموم.
стр. 983
وَقلت فِي نَفسِي: أَنا فِي مَوضِع الوزارة، وَقد جعلني مستحثا إِلَى عَامل، ومستخرجا، وَلَكِن أَمر الْخَلِيفَة لَا بُد من سَمَاعه، وامتثال مرسومه.
وسرت حَتَّى قدمت بَغْدَاد، وَلم أقِم بهَا إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، وانحدرت مِنْهَا فِي زلال، أُرِيد الْبَصْرَة، وَجعل لي فِيهِ خيش، واستكثرت من الثَّلج لشدَّة الْحر.
فَلَمَّا صرت بَين جرجرايا وجبل؛ سَمِعت صائحا من الشاطئ، يَصِيح: يَا ملاح، فَرفعت سجف الزلَال، فَإِذا بشيخ كَبِير السن، حاسر الرَّأْس، حافي الْقَدَمَيْنِ، خلق الْقَمِيص.
فَقلت للغلام: أجبه، فَأَجَابَهُ.
стр. 984
فَقَالَ: أَنا شيخ كَبِير السن، على هَذِه الصُّورَة الَّتِي ترى، وَقد أحرقتني الشَّمْس، وكادت تتلفني، وَأَنا أُرِيد جبل، فاحملوني مَعكُمْ، فَإِن الله، ، يحسن أجر صَاحبكُم.
قَالَ: فشتمه الملاح، وانتهره.
فأدركتني عَلَيْهِ رقة، وَقلت للغلام: خُذْهُ مَعنا، فَقدم إِلَى الشط، وصحنا بِهِ، وحملناه.
فَلَمَّا صَار مَعنا فِي الزلَال وانحدرنا؛ تقدّمت، فَدفع إِلَيْهِ قَمِيص ومنديل، وَغسل وَجهه، واستراح، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَيتا عَاد إِلَى الدُّنْيَا.
وَحضر وَقت الْغَدَاء، فتذممت وَقلت للغلام: هاته يَأْكُل مَعنا.
فجَاء وَقعد على الطَّعَام، فَأكل أكل أديب نظيف، غير أَن الْجُوع قد أثر فِيهِ.
فَلَمَّا رفعت الْمَائِدَة؛ أردْت أَن يقوم وَيغسل يَده نَاحيَة، كَمَا يفعل الْعَامَّة، فِي مجَالِس الْخَاصَّة، فَلم يفعل، فغسلت يَدي.
وتذممت أَن آمُر بقيامه، فَقلت: قدمُوا لَهُ الطست، فَغسل يَده، وَأَرَدْت بعْدهَا أَن يقوم لأنام، فَلم يفعل.
فَقلت: يَا شيخ، أيش صناعتك؟ قَالَ: حائك، أصلحك الله.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا الحياكة عَلمته سوء الْأَدَب، فتناومت عَلَيْهِ، ومددت رجْلي.
فَقَالَ: قد سَأَلتنِي عَن صناعتي، فأجبتك، فَأَنت، أعزّك الله، مَا صناعتك؟
стр. 985
فأكبرت ذَلِك، وَقلت: أَنا جنيت على نَفسِي هَذِه الْجِنَايَة، وَلَا بُد من احْتِمَاله، أتراه، الأحمق، لَا يرى زلالي وغلماني ونعمتي، وَأَن مثلي لَا يُقَال لَهُ مثل هَذَا؟ ثمَّ قلت: أَنا كَاتب.
فَقَالَ: كَاتب كَامِل، أم كَاتب نَاقص؟ فَإِن الْكتاب خَمْسَة، فَمن أَيهمْ أَنْت؟ فورد عَليّ من قَول الحائك مورد عَظِيم، وَسمعت كلَاما أكبرته، وَكنت مُتكئا، فَجَلَست.
ثمَّ قلت لَهُ: فصّل الْخَمْسَة.
قَالَ: نعم، كَاتب خراج، يَقْتَضِي أَن يكون عَالما بِالشُّرُوطِ، والطسوق، والحساب، والمساحة، والبثوق، والفتوق، والرتوق.
وَكَاتب أَحْكَام، يحْتَاج أَن يكون عَالما بالحلال، وَالْحرَام، وَالِاخْتِلَاف، والاحتجاج، وَالْإِجْمَاع، وَالْأُصُول، وَالْفُرُوع.
وَكَاتب مَعُونَة، يحْتَاج أَن يكون عَالما بِالْقصاصِ، وَالْحُدُود، والجراحات، والمراتبات، والسياسات.
وَكَاتب جَيش، يحْتَاج أَن يكون عَالما بحلى الرِّجَال، وشيات الدَّوَابّ، ومداراة الْأَوْلِيَاء، وَشَيْء من الْعلم بِالنّسَبِ والحساب.
وَكَاتب رسائل، يحْتَاج إِلَى أَن يكون عَالما بالصدور، والفصول، والإطالة، والإيجاز، وَحسن البلاغة، والخط.
следующие страницы →