← Тараджим

Тараджим · id 12831

كتاب الولاة وكتاب القضاة - ط العلمية

أبو عمر الكندي

Полный текст (352 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بَزًّا، وثلْثًا قمحًا، ووقعت فِي ذَلكَ فِتنة عظيمة حتى قُتل ناس من الجُند، وناس من أهل مِصر فِي المسجِد الجامع، وكتب الفَضْل بْن الربيع إلى ابن التَّخْتاخ فِي حمل الأموال، فلمَّا صارت بفلَسطين وثب أهل الرَّمْلة عَلَى المال، فقالوا: هذا عطاؤنا قد ساقه اللَّه إلينا. فأخذوا من ذَلكَ المال عطاءهم كاملًا وادخلوا الباقي بيت المال، فولِيَها ابن التَّخْتاخ إلى أن عزله عَنْهَا، فسار متوجِّهًا فِي طريق الحِجاز لفَساد طريق الشام وذلك يوم السبت لثمان بقينَ من ربيع الأوَّل سنة أربع وتسعين ومائة واستخلف عليها عَوْن بْن وَهْب عَلَى الصلاة، ومحمد بن زِياد بْن طبق القَيسيّ عَلَى الخَراج. حاتم بْن هَرْثمة بْن أَعْيَن ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة من قِبَل محمد بْن هارون الأمين عَلَى الصلاة والخَراج، وفرض فِي ألف من الأبناء قدِم بهم إليها، فسار حتَّى نزل بُلَبيس، فصالحه أهل الحَوْف عَلَى خَراجهم. وثار عَلَيْهِ أهل تنو وتُمَيّ وعسكروا، وعقدوا عليهم لعثمان بْن مستنير الجُذاميّ، فبعث إليهم حاتم بالسَّرِيّ بْن الحكَم، وعبد العزيز بْن عَبْد الجبَّار الأزْديّ، وعبد العزيز الوزير الجَرَويّ، فاقتتلوا للنصف من شهر رمضان، فانهزم ابن مستنير وقُتل أخوه، ودخل حاتم الفُسطاط ومعه مائة من وُجوه اليمانيَّة رهائن وذلك يوم الأربعاء لأربع خلونَ من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه، ثمَّ عزله فولَّى عليّ بْن المُثَنَّى، ثمَّ عزله وولَّى عُبَيْد اللَّه الطَّرْسُوسيّ، وابنتي حاتم بْن هَرْثَمة القُبَّة التي تعرف بقُبَّة الهوى وهو أوَّل من ابتناها. فولِيَها حاتم إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخر سنة خمس وتسعين ومائة.

стр. 107

جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ ثمَّ ولِيَها جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ من قِبَل محمد الأمين عَلَى صلاتها وخَراجها، ولِيَها يوم الإثنين لخمس بقينَ من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة واستخلف عَلَى الشُّرَط عبد الله بْن إبراهيم الطائيّ، واستخلف عَلَى الصلاة أَبَا شَريك يحيى بْن يزيد بْن صاد المُراديّ، ثمَّ قدِمها جَابِر، فأَقرّ عبد الله بْن إبراهيم عَلَى الشُّرَط، ثمَّ عزله فولَّى سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبريل، وكان جَابِر بْن الأشعث ليِّنًا مُحَبَّبًا إلى الناس من العامَّة والخاصَّة حتى تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه المأمون، وخلع محمد أخاه من ولاية العهد وترك الدُّعاء لَهُ عَلَى المنابر، وعهِد محمد إلى ابن مُوسَى الَّذِي، يقال لَهُ: الشديد ودعا لَهُ، فتكلَّم الجُند بينهم فِي خلع محمد غضَبًا للمأمون، فأوَّل من تكلَّم فِيهِ منهم بِمصر: محمد بْن صعير، والسَّريّ بْن الحكَم بْن يوسف، ودنا إلى أهل خُراسان فِي خلع محمد والعقد للمأمون، فبايعهما عَلَى ذَلكَ نفَر يسير، ثمَّ تكلَّم بذلك من أهل مصر: زُرْعة بْن مُعاوية بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وابنه الحارث، وهاشم بْن عبد الله بْن حُدَيج، وابنه هُبَيرة، فبعث إليهم جَابِر بْن الأشعث ينهاهم عَنْ ذَلكَ ويخوّفهم عواقب الفِتَن، وأقبل السَّريّ بْن الحكَم يدعوا الناس إلى خلع محمد. فأخبرني ابن قُدَيد أن السَّريّ بْن الحكم كَانَ أوَّلُ دخوله إلى مِصر، أَنَّهُ كَانَ من جُند الليث بْن الفَضْل، دخلها فِي أيَّام الرشيد، قَالَ: وكان قليل الأمر، فارتفع ذِكره بقيامه فِي خلع محمد. وكتب المأمون إلى أشراف أهل مِصر يدعُوهم إلى القيام بدَعْوته، فكلهم أجابوا سِرًّا، وأَتى كتاب هَرْثَمة بْن أَعْين إلى عبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان مولى كِنْدة وكان وكيلًا لَهرْثَمة عَلَى ضِيَاعه بمصر، فأظهر عَبَّاد كتاب هَرْثَمة، وأحضر الجُند إلى المسجِد الجامع وقرأه عليهم ودعاهم إلى خلع محمد، فأجابه عظيم الناس إلى ذَلكَ، فأعطاهم عَبَّاد رِزقًا يسيرًا وبايعوا للمأمون، وكان خلع محمد بمصر لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة ستّ

стр. 108

وتسعين ومائة، وبُويع عبَّاد بْن محمد للمأمون بيعةً عامَّةً لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة، ووثب الجُند بجابر بْن الأشعث فأخرجوه، فكانت وِلايته عليها سنةً. عَبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان ثمَّ ولِيَها عَبَّاد بْن محمد من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وبلغ محمدًا ما فعله المِصريُّون من خلعه وإخراج عامله جَابِر بْن الأشعث، فكتب محمد إلى ربيعة بْن قَيس بن الزبير الجرَشيَّ وكان رئيس قَيس بالحَوْف بوِلايته عَلَى مِصر، وكتب إلى عَبْد الصَّمَد بْن مُسلِم بْن عُمارة الجرَشيّ، وإلى يزيد بْن الخطَّاب الكَلْبيّ، وإلى عثمان بْن مُستنير الجُذاميّ يأمرهم بمعاونَة ربيعة بن قيس وإنفاذ أهل الحَوْف كلّهم معه يَمَنها وقَيسها، واظهروا دعوة محمد وخلْعان المأمون، وساروا إلى الفُسطاط لمحارَبة أهلها، فخندق عَبَّاد عَلَى الفُسطاط، وخرج أهل الفُسطاط من مسيرهم، وعقد عَبَّاد لإبراهيم بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ عَلَى بَنَا وسَنْهُور وسَنْدَفا، فخشِيَ يزيد بْن الخطَّاب عَلَى ماله هَناك، فسار إلى إبراهيم بْن حُوَيّ فالتقوا بدُمْرُوا، فقُتِل إبراهيم بْن حُوَيّ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير ليزيد بْن الخطَّاب بْن طَلَّاب الكَلْبيّ: قَتَلُوا ابنَ سَيِّدِهِمْ وَفَارِسَ حِزْبِهِمْ … عَنْ غَيْرِ نائِرَةٍ وَلَا أَجْرَامِ

стр. 109

أَضْحَتْ قُضَاعَةُ قَدْ عَلَتْهَا كَأْبةٌ … وَبَنُو الحرس سَوَافِرَ الإِظْلَامِ فَلَئِنْ قُضَاعَةُ لَمْ تُطَالِبْ ثَأْرَةً … بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ ذَا غَرَامِ مَا فِي قُضَاعَةَ بَعْدَهَا ما يُرْتَجَى … لِلنَّائِبَاتِ وَمَا هُمُ بِكِرامِ وسار ربيعة بْن قَيس إلى الفُسطاط، فنزل عَلَى الخَنْدَق سلخ ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائة، فتناوشوا شيئًا من حرب وكانت بينهم قَتلَى، ثمَّ انصرفوا، وأقبل عثمان بْن بَلادة العَبْسيّ من قِبَل رَبيعة إلى الخَنْدَق فِي جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، فتحاربوا، ثمَّ انهزم ابن بَلادة يومئذٍ من عَبَّاد، ثم أقبل عثمان بْن بَلادة إلى الخَندق فِي شوَّال سنة سبع وتسعين، فاقتتلوا أيَّامًا وعلى أهل الفُسطاط أَبُو الكَرَم بْن حُوَيّ بْن حُوَيّ، فقُتل أَبُو الكَرَم، ثمَّ رأَى عبَّاد أن يبعث إليهم بجيش فيحاربهم فِي ديارهم، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ، فالتقى معهم بعَمرِيط فِي ذي القعدة سنة سبع وتسعين، فانهزم الحَرَويّ ومضى فِي قومه من لَخْم وجُذَام إلى فاقُوس، فعذله قومه، وقالوا: لِمَ لا تدعو لنفسك، فما أنت بدون هَؤُلّاءِ الذين غلبوا عَلَى الأرض، فمضى منهم إلى بُلْبيَس، فنزلها ثمَّ عُمَّاله يجبُون الخَراج من أسف الأَرض، فبعث إِلَيْهِ ربيعة بْن قيس بعثمان بْن بَلادة يمنعه من الجِباية. وسار أهل الحَوف أيضًا فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة إلى الخَندق، فعقد عَبَّاد للسَريّ بْن الحكم عَلَى حربهم، فاقتتلوا وقُتل جمع من الفريقين، وقُتل فيهم محمد بْن حريّ، فانكشف أهل الحَوْف وبلغهم مقتل محمد الأمين وبيعة المأمون، فتفرَّقوا. وكان مقتل محمد فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وصُرف عَبَّاد عَنْهَا فِي صفر سنة ثمان، فكانت ولايته عليها سنةً وسبعة أشهُر.

стр. 110

المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها من مَكَّة للنصف من ربيع الأوَّل سنة ثمان وتسعين، فأقرّ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج عَلَى شُرَطه، ثمَّ عزله فولَّى محمد بْن عَسَّامة بن عمرو المَعافريّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ، ثم عزله وولَّى إبراهيم بْن عَبْد السلام بْن إبراهيم بْن الهَيْثَم الخُزاعيّ، ثمَّ عزله فولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وقد كَانَ السَّريّ بْن الحكَم تلقَّاه، فأَغراه بأهل مِصر وخبَّره بتسريعهم إلى أهل خُراسان، وخوَّفه من إبراهيم بْن نافع الطائيّ وكان مباعِدًا للسَريّ، فطلب المُطَّلِب إبراهيم الطائيّ، فلم يظهر لَهُ، فجدَّ فِي طلَبه واتهم زُرْعَة بْن قَحْزَم، وهُبَيرة بْن هاشم، وجُنادة بْن عيسى، وحرى بْن عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز مَرْوان، فسجنهم ليُظهروه عَلَيْهِ، ثمَّ ظهر لَهُ أنَّه عند هُبيرة بْن هاشم، فعرضه عَلَى السيف أو يأتيه بالطائيّ، فامتنع هُبَيرة من إِظهاره، فلمَّا سكن المُطَّلب عَن الطائيّ أَخْرَجَهُ هُبَيرة إلى الصعيد، فأفلتَ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير: لَعَمْرِي لَقَدْ أَوْفَى وَفَاقَ وَفَاؤُهُ … هُبَيْرَةُ فِي الطَّائي وَفَاءَ السَّمَوأَلِ وَقَاهُ المَنَايَا إِذْ أَتَاهُ بِنَفْسِهِ … وَقَدْ بَرَقَتْ فِي عَارِضٍ مُتَهَلِّلِ فَمَا انْفَكَّ مَحْبُوسًا وَمُطَّلِبٌ لَهُ … عَلَيْهِ قَصِيفٌ بِالْوَعِيدِ المُهَوِّلِ فَمَا زَادَهُ إِلَّا بِعَادًا تَوَقُرًا … وَصَبْرًا وَلَمْ يَخْشَعْ وَلَمْ يَتَفَكَّلِ إِلى أنْ تَجَلَّتْ عَنْهُ أَبْيَضَ مَاجِدٍ … كَرِيمِ النَّثا فِي المَشْهَدِ المُتَدَخَّلِ وبلغ المُطَّلب مسير ربيعة بْن قَيس إلى يَزيد بْن خَطَّاب ليجتمعا عَلَى حربه بأسفل الأرض، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ وبعثه إليهم، فالتقوا بشَطَنُوف وكانت بينهم قَتْلى، وبعث المُطَّلب بالسَّريّ بْن الحَكَم، فكان مُقيمًا بالحَوْف، وتفرَّقت قيس وسكن أمرهم، وكان

стр. 111

بُهلول اللَخْميّ قد تغلَّب عَلَى الإسكندريَّة فِي وِلاية عَبَّاد، فلمَّا قدِم المُطَّلب ولَّى عَلَى الإسكندريَّة حُدَيج بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، فخرجت بنو مُدِلج بالإسكندريَّة، فبعث إليهم المُطَّلِب بأخيه هارون، فانهزم هارون، ثمَّ صُرف المُطَّلِب عَنْهَا فِي شوَّال سنة ثمان وتسعين، كانت وِلايته عليها سبعة أشهُر ونصفًا. الْعَبَّاس بْن مُوسَى بْن عيسى العبَّاسيّ ثمَّ وليَها الْعَبَّاس بْن مُوسَى من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها ابنه عبد الله بْن الْعَبَّاس، ومعه أَبُو بِشْر الْحَسَن بْن عُبيد بْن لُوط بن عُبيد بْن عارب الأنصاريّ، قدِمها لليلتين بقِيَتا من شوَّال سنة ثمان، فعزلا المُطَّلِب وسجناه وجعلا عَلَى الشُّرَط محمد بْن عَسَّامة المعافِريّ، ثمَّ عزلاه وجعلا مكانه عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ. وثاور الأنصاريّ الجُند مرَّةً بعد مرَّة، ومنعهم أعطِياتهم وتهدّدهم، وتحامل عَلَى الرعيَّة وعسفها، وتهدّدهم بقدوم العبَّاس بْن مُوسَى، فأَوحش الجميع ذَلكَ من فِعله. واستصحب عبد الله بْن العبَّاس فِي مسيره إلى مصر محمد بْن إِدْريس الشافعيّ الفقيه ﵀ فذلك سبب قدوم الشافعيّ إلى مصر. وخدع عَبْد العزيز الحَرَويّ عثمان بْن بَلادة، وشكلب، وعابس، وهم من وجوه قَيس، فأَسرهم، فقتلهم ابن الْعَبَّاس يوم النحر سنة ثمان وتسعين. وعاد الْأَنْصَارِيّ عَلَى التحامُل عَلَى الجُند والرعيَّة، فثاوروه ودَعوا إلى وِلاية المُطَّلِب، وهو يومئذٍ فِي حبس ابن العبَّاس وذلك فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة، فكانت مدَّة مُقام ابن العبَّاس خليفةً لأبيه عليها شهرين ونصفًا. المُطَّلِب بْن عبد الله الثانية ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الثانية بإِجماع الحُند عَلَيْهِ لأربع عشرة خلت من المحرَّم سنة تسع

стр. 112

وتسعين ومائة، فبايعوه فجعل عَلَى شُرَطه أحمد بن حُوَيّ بْن حُوَيّ، ثمَّ عزله وولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وهرب الجَرَويّ إلى تِنّيس، وانضم عبد الله بْن الْعَبَّاس بْن مُوسَى إلى عَبَّاد بْن محمد، فأَواه ومنع منه، وانضمّ الْأَنْصَارِيّ إلى المُطَّلِب، وأقبل العبَّاس مُوسَى بْن عيسى من مَكَّة إلى الحَوْف، فنزل بُلبَيس ودعا قيسًا إلى نُصرته، ثمَّ مضى إلى الحَرَويّ بتِنِّيس فشاوره، فأشار عَلَيْهِ أن ينزل دار قَيس، فرجع العبَّاس إلى بُلْيَس يوم الأحد لثلاث عشرة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة تسع ومائة، فيقال: إن المُطَّلِب دسّ إلى قيس، فسمُّوا الْعَبَّاس فِي طَعامه، فمات ببُلْبَيس لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة. وعاد إبراهيم الطائيّ إلى مُطَّلِب فِي وِلايته الثانية فكان معه، وظهر المُطَّلِب عَلَى كُتُب من العبَّاس إلى الطائيّ، والأنصاريّ، فبعث المُطَّلِب بهُبَيرة بْن هاشم، فقتل الطائيّ وسلَّط الجُند عَلَى الأنصاريّ، فقتلوه، قَالَ مُعَلًّى يمدح المُطَّلِب: كَفَاهُمْ مِنَ الْعَبَّاسِ مَا لَوْ عنوا بِهِ … لا حيا لهم بْن حور فرعول فَمَنْ مُبْلغُ الْمأْمُونِ عَنِّي نَصِيحَةً … وَمَا عَالِمٌ شَيْئًا سَوَاءٌ وَمَنْ جَهِلْ بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّه لَولَا مكانُهُ … فَعُرِفْتَ لِلْعَبَّاسِ دَاهِيَةً جَلَلْ وقال سَعِيد بْن عُفَير فِي مقتل أَبِي بِشْر الْأَنْصَارِيّ ويذمّ مُطّلِبًا فيما فعل: أَرَى كُلَّ جَارٍ قَدْ رَمَى بِجِوَارِهِ … وَخَانَ أَبَا بِشْرٍ جِوَارُ ابن مَالِكِ أمُطّلِبٌ هَلَّا مَنَعْتَ ابْنَ غَادِرٍ … وأَذَّيتَهُ قبْل انْسِدَادِ المسَالِكِ فَيَأْخُذَ حَبْلًا منْ سِوَاكَ بِعِزَّةٍ … وَيمنَعُهُ مِنْ كُلِّ طبْلٍ ومالِكِ

стр. 113

كَحَبْلِ نُوَيّ أَوْ كَحَبْلِ ابْنِ قَحْزَمٍ … وَثِيقَ العُرَى لِلْمِعْصَمِ المُتَمَاسِكِ وقال أيضًا: أَخْبِرْ بَنِي قَحْطَانَ فِي مِصْرَ أَنَّني … رأَيْتُهُمُ لَا يَحْفَظُونَ لَهُمْ إِصْرا وكاتب مُطَّلِب أهل الأَحواف بعد موت الْعَبَّاس، فانطاعوا لَهُ وبايعوه وساروا إلى جُبّ عَميرة، فلقُوا مُطَّلِبًا وسأَلوه، فولَّى المُطَّلِب يزيد بْن خَطَّاب الكَلْبيّ عَلَى أسفل الأَرض، وبعث إلى الجَرَويّ بعقده عَلَى تِنِّيس وأمره بالشُّخوص إلى الفُسطاط، فامتنع الجَرَويّ من ذَلكَ، فبعث المُطَّلِب بوالٍ عَلَى تِنّيس وأخرجه الجَرَويّ منها، ثمَّ سار الجَرَوي فِي مراكبه حتى نزل شَطَنُوف، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب بالسَّريّ بْن الحكَم فِي جمع الجُند يسأَلونه الصُّلح، فأجابهم إِلَيْهِ، ثمَّ اجتهد فِي الغدر بهم، فتيقَّظوا لَهُ، فمضى راجعًا إلى بَنَا واتّبعوه، فحاربوه، ثمَّ عاد فدعاهم إلى الصُّلح ولاطف السَّريّ، فخرج إِلَيْهِ فِي زَلَّاج وخرج الجَرَويّ فِي مِثله، فالتقَيا وسط النيل مقابل سَنْدَفا والسَّريّ بشَرقيُون، وقد أَعدّ الجَرَويّ فِي باطن زَلَّاجه الحِبال، وأمر أصحابه بسَنْدَفا إذا لاصف بِزَلَّاج السَّريّ أن يجرّوا الحِبال إليهم، فلصِق الجَرَويّ بزَلَّاج السَّري، فربطه إلى زَلاجه وجرَّ الحِبالَ، فأسروا السَّريّ، ومضى بِهِ الجَرَويّ إلى تِنِّيس، فسجنه بها وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع وتسعين. ثمَّ كرّ الجَرَويّ عَلَى يزيد بْن خَطَّاب، فقاتله فهزمه، فعقد المُطَّلِب لابن عَبْد الغفَّار الجَمَحيّ وبعثه إلى الجَرَويّ وأيَّده بالرِّجال، فلقِيَهم الجَرَويّ، فهزمهم وأسر ابن عَبْد الغفَّار، ووجوه أصحابه، وكانت وقعتهم بسَفْط سَليط أوَّل يوم من رجب سنة تسع وتسعين ومائة. وعقد المُطَّلِب عَلَى الإسكندريَّة لمحمد بْن هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، فاستخلف محمدٌ عُمَر بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج الَّذِي، يقال لَهُ: عُمَر بْن هلَّال، فولِيَها عُمَر بْن عَبْد الملك ثلاثة أشهر، ثمَّ عزله المُطَّلِب بأخيه الفَضْل بْن عَبْد اللَّه بْن مالك، وكانت بالإسكندريَّة مراكب الأَنْدَلُسيّين، قد قفلوا من غزوهم،

стр. 114

فنزلوا الإسكندرية ليبتاعوا ما يُصلحهم، وكذلك كانوا عَلَى الزمان، وكانت الأُمَراء لا تمكّنهم دخول الإِسكندريَّة إنَّما كَانَ الناس يخرجون إليهم فيبايعونهم، فلمَّا عُزل عُمَر بْن هلَّال كتب إِلَيْهِ عَبْد العزيز الجَرَويّ يأمره بالوثب عَلَى الإسكندريَّة والدُّعاء لَهُ بها، وأَن يُخرج الفَضل بْن عبد الله منها. فبعث عُمَر بْن هلَّال إلى الأَنْدَلُسيّين، فدعاهم إلى القيام معه فِي إخراج الفَضل عَنْهَا، فساروا معه، فأَخرج الفَضل منها ودعا إلى الجَرَويّ، فوثب أهل الإِسكندريَّة عَلَى الأَنْدَلُسيّين، فأَخرجوهم وردّوا الفَضل عليهم، وقُتل من الأنْدَلُسيِّين نفَر وانهزموا إلى مراكبهم، ثمَّ عزل المُطَّلِب أخاه وولَّى عليها إِسْحَاق بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح بن الوليد بْن أَبي سَمر بْن أَبْرَهة بْن الصبَّاح الأَصبحيّ، فسار إِلَيْهِ عُمَر بْن هلَّال وذلك فِي شهر رمضان سنة تسع وتعين ومائة، ثمَّ عزله المُطَّلِب وولَّاها أَبَا بَكْر بن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ. وأقبل عبد الله بْن مُوسَى إلى مِصر طالبًا لدم أخيه الْعَبَّاس فِي المحرَّم سنة مائتين، فنزل عَلَى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرويّ، فسار معه فِي جيُوش لَهُ كثيرة العَدَد فِي البّر والبحر حتى نزل الحِيزة، فخرج إِلَيْهِ المُطَّلِب فِي أهل مِصر، فحاربوه فِي صفر سنة مائتين، فرجع الحَرَويّ إلى شَرقيون، ومضى عبد الله بْن مُوسَى إلى الحِجاز، وظهر للمُطَّلِب أن أَبَا حَرْمَلة فَرَج الأَسْود الَّذِي كاتب عبد الله بْن مُوسَى وحرَّضه عَلَى المسير، فطلبه المُطَّلِب، فهرب فَرَج إلى الجَرويّ، فهدم المُطَّلِب دُوره كلَّها، فدفع إِلَيْهِ الجَرَويّ من الأموال ما أعاد بِناءَها. وجدّ المُطّلِب فِي أمر عَبْد العزيز الجَرَويّ، فبلغ الجَرَويّ ذَلكَ، فأخرج السَّريّ بْن الحكَم من السِّجن، فعاهده وعاقده أَنَّهُ يُطلقه من سِجنه ويُلقي إلى أهل مِصر أن كتابًا ورد بوِلايته عَلَى أن يثور بالمُطَّلِب ويخلعه. فعاهده السَّريّ عَلَى ذَلكَ، واتَّفقا جميعًا عَلَى عقد بينهما، فأَطلقه الجَرَويّ وألقى ذِكر وِلايته إلى الجُند فاستقبله الجُند، من أهل خُراسان وعقدوا لَهُ عليهم، وامتنع المِصريُّون من وِلايته، فنزل داره بالحمراء، فبعث إِلَيْهِ المُطَّلِب

стр. 115

بالجُند يحاربونه فِي كلّ ناحية من الفُسطاط، فأَلَحوه فِي منزله لا يخرج منه وأحاطوا بِهِ، ثمَّ سار إِلَيْهِ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج سلخ شعبان سنة مائتين، فتحاربوا بسُوق وَردان وفي أصحاب القَرَظ، وثارت غُبرة لا يرى منها أحد شيئًا، وتحيَّر بهيرة فَرَسه عند حيّز الإوَزّ، فسقط فِي حُفرة، فانكسرت رِجله، وأدركه جمع من أصحاب السَّريّ، فقتلوه وهم لا يعرِفونه واحتزّوا رأسه فأَتَوا رأسه، فأَتَوا بِهِ السَّري، فعظُم عَلَيْهِ مقتله وانصرفت الفِئَتان وقد أظهروا الجزَع والوجد بقتل هُبَيرة، وانكسر المصريّون لذلك وعلاهم السَّريّ، وأهل خُراسان. قَالَ سَعِيد بْن عُفير: لَعَمْري لَقَدْ لَاقى هُبَيْرَةُ حَتْفَهُ … بِأَفْضَلَ مَا تُلْقَى الحُتُوفُ السَّوَارِعُ بِأَنْفٍ حَمِيٍّ لَمْ تُخَالِطْهُ ذِلَّةٌ … وَعِرْضٍ نَقيٍّ لَمْ تَشِنْهُ المَطَامِعُ عَشيَّةَ يَسْتَكْفِيهِ مُطَّلِبُ الَّذي … بِهِ ضَاقَ ذَرْعًا والْمَنَايَا كَوَارِعُ فَمَا انْفَكَّ يَحْمِيهِ وَيَجْعَلُ نَفْسَهُ … لَهُ جَنَّةً حَتَّى احْتَوَتْهُ المَصَارِعُ فَلَاقَى الْمَنَايَا فَوْقَ أَجْرَدَ سَابحٍ … وَفِي الكَفِّ مَأْثُورٌ مِنَ الهِنْدِ قَاطِعُ فَبَيْنَا يخُوضُ الهَوْلَ مِنْ غَمَرَاتِهِ … أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَوْلِهِ قَدْ تَجاشعُوا تَقَطَّرَ فِي أُهْوِيَّةٍ عَنْ جَوَادِهِ … فَصَادَفَهُ حَيْنٌ مِنَ المَوْتِ وَاقِعُ فَلَمْ أَرَ مَقْتُولًا أَجَلَّ مُصَابُهُ … عَلَى مَنْ يُعَادِي وَالَّذِينَ يُجَامِعُ مِنَ ابْنِ حُدَيْجٍ يَوْمَ أَعْلَنَ نَعْيَهُ … وَقَامَ بِهِ فِي النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ كِلَا الْفيْلَقَيْنِ. . . . . . . . . … مَقَامًا عَلَى مَا كَانَ فِيِهِ يُمَاصِعُ فَوَلَّوْا فُلُولًا قَدْ عَلَتْهُمْ كآبَةٌ … وَكلُّهُمُ بَادِي التَّلَهُّفِ جَازِعُ وطلب المُطِّلِب الأَمان من السَّريّ عَلَى أن يسلِّم إِلَيْهِ الأمر ويخرج عَنْ مِصر، ففعل ذَلكَ السَّريّ وسلَّم إِلَيْهِ المُطَّلِب، وخرج المُطَّلِب فِي بحر القُلْزُم إلى مَكَّة. قَالَ دِعْبِل للمُطَّلِب:

стр. 116

فكَيْفَ رَأيْتَ سُيُوفَ الجَرِيشِ … وَوَقْعَةَ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةِ أَحجَّتْكَ أَسْيَافُهُمْ كَارِهًا … وَمَا لَكَ فِي الحجّ مِن رَغْبَةِ فكانت وِلاية المُطّلِب هذه الثالثة عليها سنة وثمانية أشهُر السَّريّ بْن الحكَم ثمَّ ولِيَها السَّريّ بْن الحكَم بإِجماع الجند عَلَيْهِ عَلَى صلاتها وخَراجها لمستهَلّ شهر رمضان سنة مائتين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عَسَّامة بْن عمرو، ووثب عُمَر بْن هلَّال عَلَى أَبِي بَكْر بْن جُنادة بْن عِيسى المعافريّ خليفة مُطَّلِب بالإسكندريَّة، فأخرجه منها ودعا للجَرَويّ بها، والجَرَويّ، والسَّريّ مُتسالمان، وأقبل الأَنْدَلُسيُون إلى ابن هلَّال، فكان بلغه عَنْهُمْ بعض الفَساد، فأْمر عُمَر بإخراجهم من الإسكندريَّة طائفة يُسمَّون بالصُّوفيَّة يأمرون بالمعروف فيما زعموا ويعارضون السُّلطان فِي أمره، فتراءَس عليهم رجُل منهم، يُقال لَهُ: أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ، فصاروا مَعَ الأَنْدَلُسيّين يدًا واحدة واعتضدوا بلَخْم، وكانت لَخْم أحد من ناحية الإسكندريَّة، فخوصهم أَبُو عبد الرحمن الصُّوفيّ إلى عُمَر بْن هلَّال فِي

стр. 117

امرأَة، فقضى عَلَى أَبِي عبد الرحمن، فوجد فِي نفسه من ذَلكَ، وخرج إلى الأَنْدَلُسيِّين وألف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندَلُس أن يُدركوا من عُمَر بْن هلَّال، فساروا إلى عُمَر وهم زُهاء عشرة آلاف من لَخْم، ومن الأَنْدَلُسيّين، ومن ضوى إليهم، فحصروه فِي قصره، فعلِم عُمَر أن القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يُدخَل عَلَيْهِ عَنْوةً فيُفضَح فِي حُرَمه، فاغتسل وتخنَّط وتكفَّن وأمر أهله أن يُدلُّوه إليهم، فدُلِّيَ، فأخذته السيوف، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم أخوه محمد بْن عَبْد الملك بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، فقُتل، ثمَّ دُلِّيَ إليهم ابن عمّه أَبُو هُبَيرة الحارث بْن عَبْد الواحد، فقُتل، ثمَّ دُليَ إليهم حُدَيج بْن عَبْد الواحد، فقُتل، وانصرف القوم. قَالَ سَعِيد بْن عُفير: لَا يَبْعَدَنَّ ابْنُ هَلَّالٍ فَقَدْ ذَهَبَتْ … مِنْهُ المَنُونُ بِعِلْمٍ طَيِبِ النَّسَمِ لَا يَرْأَمُ الضَّيْمَ مِنْ حُبِّ الحَيَاةِ وَلَا … يَقْبَلُ دُونَ فِعَالِ الخَيْرِ بِالقِسَمِ وَلَا يَزَالُ لَهُ مِنْ مَجْدِهِ طَرَفٌ … يَسْنُدُ مَا حَازَ عَنْ آبَائِهِ القَدَمِ مَا انْفَكَّ يَحْمِي ذِمَارَ اسكنْدَرِيَّةَ فِي … هَدْءٍ حَمِيدٍ وَعِزٍّ غَيْرِ مُهْتَضَمِ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ مَنْ كَانَ يَأْمَنُهُ … وَصَرَحَ الموْتُ جَهْرًا غَيْرَ مُكْتَتِمِ خَاضَ الأَسِنَّةَ واهتدى مُحْتَسِبًا … حَتَّى تَجَرَّعَ كَأْسَ الموْتِ مِنْ أَمَمِ وكان مقتل عُمَر بْن هلَّال وأهله فِي ذي القعدة سنة مائتين، ثمَّ فسد أمر لَخْم والأَنْدَلُسيِّين عند مقتل عُمَر بْن هلَّال، وقام بأمر لَخْم رَباح بن قرَّة، وسار إلى الأَنْدَلسيِّين، فحاربهم، فانهزمت لَخْم وظهر الأَنْدَلُسيُّون بالإسكندريَّة عنْوَةً فِي ذي الحجَّة سنة مائتين، فولَّوها أَبَا عبد الرحمن الصُّوفيّ، فبلغ من الفَساد بالإِسكندريَّة والقتل والنهب ما لم يُسمَع بِمِثْلِهِ، فعزله الأَنْدَلُسيُّون عَنْهَا وولَّوا رجُلًا منهم يُعرَف بالكِنانيّ، ثمَّ حاربت بنو مُدْلِج أهل الأَنْدَلُس، فظفر بهم الأَنْدَلُسيُّون، فنفَوهم عَن البلاد ولم يقدِر أحد

стр. 118

من بني مُدْلِج أَن يرجع إلى أرض الإسكندريَّة إلَّا بطلبة من السَّريّ بْن الحكَم إلى أهل الأَنْدَلُس فيهم حتى أذِنوا لهم، فرجعوا. حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بْن السارح، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن أَبِي الْخَطَّاب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، وهانئ بْن المُتوكِل، ومحمد بْن خلَّاد، عَنْ ضِمام بْن إسماعيل، عَنْ أَبِي قُبَيل، قَالَ: «إِنّي عَلَى الإِسكندريَّة من أربعين مَركبًا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي على آخِر الصيف أَخْوَفُ منّي علها من الرُّوم». قَالَ ابن أَبِي الْخَطَّاب: وحَدَّثَنِي ابن حَيْوة، قَالَ: لمَّا ذكر ضَمام هذه الأربعين مَركبًا وطال اعتناؤه بها، وذِكره إيَّاها قلتُ لَهُ: يا أَبَا إسماعيل ما هذه الأَربعون مَركبًا فِي هذا الخلق لو كانت نيرانًا تضطرم. فقال: اسكتْ ويلك منها، وممَّن يكون فيها يكون خَراب إِسْكَنْدَريَّة وما حولها. وبلغ الجَرَويّ ما فعله الأَندَلُسيُّون وقتلها ابن هلَّال، فسار إليهم فِي خمسين ألفًا حتى نزل عَلَى حِصْنها، فحاصرها ثمَّ أجهدهم وكاد أن يفتتحها فَخَشِيَ السَّريّ بْن الحكَم أن يفتحها ويملِكها، فبعث عمرو بْن وَهْب الخُزاعيّ إلى تِنِّيس ليخالف الجَرَويّ إلى منزِله، فبلغ ذَلكَ الجَرَويّ، فكرّ راجعًا إلى تِنّيس، وفسد ما بينه وبين السَّريّ وقال ابن عُفَير للجَرَويّ: أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الجَرَويِّ عَنِّي … مُغَلْغَلَةً يُعَاتِبُ أَوْ يَلُومُ أَقَمْتَ تُنَازِلُ الْأَبطَالَ حَتَّى … تَمَيَّزَ ذُو الْحَفِيظَةِ وَالسَّئُومُ وَصُلْتَ بِهِمْ فَمَا وَهَنَتْ قُوَاهُمْ … وَطَيْرُ الْمَوْتِ دَائِرَةٌ تَحُومُ ولَوْ هَجَمَتْ جُموعُكَ حِينَ حَلُّوا … عَلَيْهِمْ بَادَ جَمْعُهُمُ المُقِيمُ وَكَيْفَ رَأَيتَ دَائِرَةَ التَّوَانِي … أَتَتْكَ بِصَحْوِ نَحْسٍ لَا يُقِيمُ أَتَاكَ وَقَدْ أَمِنْتَ وَنَمْتَ كَيْدًا … لِصِلٍّ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ وكان مسير عَبْد العزيز الجَرَويّ إلى الإسكندريَّة وانصرافه عَنْهَا فِي المحرَّم سنة إحدى ومائتين، ودعا الأَنْدَلُسيُّون بها للسَريّ بْن الحكَم، ثمَّ فسد ما بين السَّريّ وآل عَبْد

стр. 119

الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزديّ، وكانوا وجوه أهل خُراسان بِمصر، فدَنوا من الفَساد عَلَى السَّريّ وبايعهم الجُند عَلَى ذَلكَ، وأظهروا كتابًا من طاهر بْن الْحُسَيْن بولايته سُليمان بْن غالب بْن جِبْرِيل عليها، فوثبوا إلى السَّريّ لمستهل ربيع الأوَّل سنة إحدى ومائتين، فكانت وِلايته عليها ستَّة أشهُر سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل البَجَليّ ثمَّ ولِيَها سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْريل البَجَليّ عَلَى صلاتها وخَراجها، بايعه الجند يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا بَكْر بْن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبَّاس بْن لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ. وانتهب الجُند منزِل السَّريّ، فهرب منهم، فلجأَ إلى دار عَسَّامة بْن عمرو، ثمَّ سيَّره سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبرِيل إلى إخْمِيم من صعيد مِصر، فكتب السَّريّ إلى بني مُدْلِج، فلحِقوا بِهِ هُمْ وكثير من الناس، وأقبل السَّريّ سائرًا فيهم إلى الفُسطاط، فبلغ ذَلكَ سُلَيْمَان بْن غالب، فبعث إِلَيْهِ بجيش، فالتقوا بقِمَن، فحاربوه فانهزم السري وأسر هو وابنه ميمون، فأمر سليمان بردها إلى إخميم، وقيْدهما وسَجنْهما، وكانت هذه الوقعة فِي جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين. قَالَ مُعلًّى الطائيّ: إذَا شَنَّ فِي أَرْضٍ سُلَيْمَان غارةً … أَثَارَ بِهَا نَقْعًا كَثِيرَ المَصَائِبِ أَلَمْ تَرَ مِصرًا كَيْفَ دَاوَى سَقِيمَهَا … عَلَى حِينِ دَانَتْ لِلْعَدُوِّ المُنَاصِبِ حَماهَا وَلَوْلَا مَا تَقَلَّدَ أَصْبَحَتْ حَبِيسًا … عَلَى حُكْمِ القَنَا والْمقانِبِ قَالَ: واستفسد سُلَيْمَان بْن غالب أهل خُراسان، وقدّم عليهم أتباعه وبِطانته، ففسدوا عَلَيْهِ، وتنكَّروا لَهُ وهمّ: سُلَيْمَان بالفتك فيهم ليقوى أمره، فألّب عَبَّاد بْن محمد عَلَيْهِ، فخلعوه وقام بالأمر عليّ بْن حَمْزة بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس وذلك لمستهلّ شعبان سنة إحدى ومائتين، وسأل الجُند عَبَّادً، أن يبايع، فامتنع ولحِق بالجَرَويّ، وقال لهم عَبَّاد: هذا الرَّسُول قادم عليكم بولاية السَّريّ. فانطاعوا إلى ذَلكَ، ولحِق سُلَيْمَان بْن غالب بالجَرَويّ، فكان معه، فكانت وِلايته خمسة أشهُر.

стр. 120

السَّريّ بْن الحكَم الثانية ثمَّ ولِيَها السَّريّ بْن الحكَم الثانية من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِم بولايته عُمَر أخو هَرْثمة، فبعث الجُند إلى إِخْمِيم، فاستخرجوا السَّريّ من الحبس، فدخل الفُسطاط يوم الأربعاء لثنتي عشرة خلت من شعبان سنة إحدى ومائتين، فسلَّم إِلَيْهِ جميع الجُند الوِلاية، فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عَسَّامة أيَّامًا، ثم عزله وولَّى الحارث بْن زُرعة بْن قَحْزَم أيَّامًا، ثمَّ عزله فولَّى ابنه ميمون بْن السَّريّ، ثمَّ عزله وولَّى أَبَا بَكْر بْن جُنادة بْن عيسى المَعافريّ، ثمَّ عزله فولَّى أَبَا صالح حَمَّاد بْن المُخارِق التَّميميّ، ثمَّ عزله فولَّى أخاه إسماعيل بْن الحكَم، ثمَّ عزله فولَّى أخاه صالح بْن الحكَم، ثمَّ عزله فولَّى أخاه داود. وتتبَّع السَّريّ كلّ من كَانَ حاربه أو انتبه، فجعل يقتلهم ويصلِبهم، فعزّ وانتظم سُلطانه وقوِي أمره، ثمَّ ورد عَلَيْهِ كتاب المأْمون يأمره بالبيعة لوليّ عهده عليّ بْن مُوسَى بْن جَعْفَر بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب رِضوان اللَّه عليهم العَلَويّ وسمَّاه الرِّضى، ورد الكتاب بذلك فِي المحرَّم سنة اثنتين، فبُويع لَهُ بِمصر، وقام فِي فَساد ذَلكَ إبراهيم بْن المَهْديّ ببغداد. فأخبرني أحمد بْن يوسف بْن إبراهيم، عَنْ أبيه، أن إبراهيم بْن المَهْدي، قَالَ: فَلَا جُزِيتْ بَنو الْعَبَّاس خَيْرًا … عَلَى زُعْمي وَلا اغْتَبَطَتْ بِرِيِّ أَتَوْنِي مُقْطعِينَ وَقَدْ أَتَاهُمْ … بَوَارُ الدَّهْرِ بالخَبر الجليِّ وَحَلَّ عَصَائِبَ الأَمْلَاكِ منْهَا … وَشُدَّتْ فِي رُءُوسِ بَني عَلِيّ فَصَحَّتْ أَنْ تُشَدَّ عَلَى رُءُوسٍ … تُطَالِبُهَا بِمِيرَاثِ النَّبيِّ وكتب إبراهيم بْن المَهْدي إلى وجُوه الجُند بِمصر يأمرهم بخلع المأمون ووليّ عهده، وبالوثوب بالسَّريّ، فقام فِي ذَلكَ الحارث بْن زُرْعة بْن قَحْزَم بالفُسطاط، وعبد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ بأسفل الأَرض، وسَلامة بْن عَبْد الملك الأزْديّ الطَّحَاويّ بالصعيد، وسُليمان بْن غالب بْن جِبْرِيل وهو إذ ذاك مَعَ الجَرَويّ، وعبد العزيز بْن عبد الرحمن بْن عَبْد الجبَّار الأَزْديّ، فخالفوا السَّريّ ودَعوا لإبراهيم بْن المَهديّ، وعقدوا عَلَى ذَلكَ الأمر لعبد العزيز بْن عبد الرحمن الأَزْديّ وأجمعوا عَلَى ولايته، فحاربه السَّريّ، فظفِر السَّريّ

стр. 121

بعبد العزيز الأَزْديّ وبجمعٍ من أهل بيته، فقتل بعضهم وبعث بعضهم مَعَ ابنه عَبْد الصَّمَد، فقتلهم هُناك وذلك فِي صفر سنة اثنتين ومائتين، ولحِق كل من كرِه بيعة عليّ بْن مُوسَى بالحَرويّ لمنعه وشِدَّة سُلطانه، ثمَّ أقبل عُبَيْد بْن السَّريّ إلى الفُسطاط، فعارضه سَلامة الطَّحَاويّ بطَحا واقتتلوا، فانهزم سَلامة وأسره عُبَيْد، فبعث بِهِ إلى الفُسطاط، فأطلقه السريّ، فهرب سَلامة إلى الجَرَويّ وسار الجَرَويّ إلى الإسكَنْدَريَّة مسيرة الثاني، فحصر الأَنْدَلُسيِّين بها، ثمَّ اصطلحوا عَلَى فتح حِصنها، فدخلها سَلامة الطحاويّ، وعليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، ودعَوا للجَرَويّ بها، ومضى سَلامة منها إلى الصعيد فِي جمع كثير من الجُند، فأخرج عُمَّال السَّريّ ودعا إلى الحَرَويّ، وسار الجَرَويّ فِي جموعه لمحارَبة السَّريّ، واستعدّ كلّ واحد منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عَلَيْهِ، فبعث السَّريّ واستعدّ كلّ واحد منهما لصحابه بأعظم ما قدر عَلَيْهِ فبعث السَّريّ ابنه ميمون تِلْكَ الجيوش، فنزل ميمون بشَطَنُوف وسار معه مراكبه فِي البحر قد شحنها بالرِّجال والسلاح، وأتاه عَبْد العزيز الجَرَويّ فِي البرّ والبحر، فالتقوا بشَطَنُوف، فقُتل ميمون بْن السَّريّ، وانهزم عسكره وذلك فِي جمادى الآخرة سنة ثلاث ومائتين " قَالَ أَبُو بِحاد الحارثيّ من بني الحارث بْن كَعْب: جَمِّعْ رَعَاعَكَ يَا سَرِيُّ فَإِنَّهَا … حَرْبٌ تَحُسُّ سَعِيرَهَا قَحْطَانُ قَتَلُوا أَبَا حَسَنٍ وَجَرُّوا شِلْوَهُ … كَالكَلْبِ جَرَّ بِشِلْوِهِ الصِّبْيَانُ وَلَّتْ تُجِيبُ وَأَسْلَمَتْهُ جِيَادُهَا … عَيْلَانَ يَوْمَ تَواكلَتْ عَيْلانُ فَاسْتَخْرَجُوهُ مُلَبَّبًا فَأَتَى بِهِ … يَجْرِي وَيَهْرِجُ حَوْلَهُ السُّودَانُ أَبْشِرْ فَإِنَّ نَجْمَكَ بَعْدَهُ … عَرْضُ السَّمَاء وَنَجْمُكَ الدَّيَرَانُ لَا تَبْكِ فَالْعُقْبَى لِإِخْوَتِهِ … غَدًا أَوْ بَعْدَهُ فكَمَا تَدِينُ تُدَانُ وقال مُعلًّى الطائيّ ميمونًا: لَوْ رد غَرْبَ مَنِيَّةٍ بِشَجَاعَةٍ … أَحَدٌ لَدَافَعَ رُكْنَهَا مَيْمُونُ

стр. 122

لَوْ كَانَ تَجْرِيدُ السُّيُوفِ يَرُدُّهَا … لَحَمَاهُ مِنْهَا مُنْصُلٌ وَثَمِينُ مَا زِلْتُ أَطْمَعُ فِي رُجُوعِكَ سَالِمًا … وَيَرُوعُنِي شَفَقًا عَلَيْكَ ظُنُونِي فَليُفْجَعَنَّ غَدًا بِقَتْلِكَ طَاهِرٌ … وَلْيفْجَعَنَّ بِقَتْلكَ الْمَأْمُونُ وأقبل الجَرَويّ فِي مراكبه بعد قتل ميمون إلى الفُسطاط ليحرقها، فخرج إِلَيْهِ أهل المسجد وسأَلوه الكفّ، فانصرف عَنْهَا. ثمَّ ظهر للجُند موت عليّ بْن مُوسَى العلَويّ وانخذال إبراهيم بْن المَهديّ، فأظهروا بيعة المأمون، ودعَوا إِلَيْهِ، وورد كتاب المأمون إلى السَّريّ بذلك، وبغَسْل المنابر التي دُعِي عليها لعليّ بْن مُوسَى، فغُسِلَت ثمَّ إنَّ الأَنْدَلُسيِّين أخرجوا عامل الحَرَويّ من الإسكندريَّة وهو مُعاوية بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُديج، وغلقوا الحِصن دونه، وخلعوا الجَرَويّ، ودعَوا إلى السريّ، فسار إليهم الحَرَويّ فِي شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين، فعارضته القِبْط بسَخا، وأمدَّتهم بنو مُدْلِج وهم نحو من ثمانين ألف، فخرج إليهم الجَرَويّ، فهزمهم، وهربت بنو مُدْلِج. قَالَ مُعلًّى الطائيّ: فَقُلْ لِأَمِيرِ المُؤْمِنيِنَ نَصِيحَةً … وَمَا حَاضِرٌ شَيْئًا كَآخَرَ غَائِبِ لَقَدْ حَاطَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بِسَيْفِهِ … وَلَوْلَاهُ كُنَّا بَيْنَ قِتْلٍ وَنَاهِبِ وبعث الجَرَويّ بجيوشه إلى الإسكندريَّة فحاصروها، وعقد السَّريُّ لأخيه داود فِي ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين عَلَى جيش إلى الصعيد بعثه إلى سَلامة بْن عَبْد الملك الطَّحاويّ، فالتقوا، فانهزم سَلامة وأُسر هُوَ وابنه إبراهيم، فبعث بهما إلى الفُسطاط، فقُتلا يوم السبت لتسع عشرة خلت من المحرَّم سنة أربع ومائتين. قَالَ المُعلًّى الطائيّ: أَرَادَ الطَّحَاوِيُّ الَّتي لَا شَوَى لَهَا … فَأَوْقَدَ نَارًا كَانَ بِالنَّارِ صالِيَا ودَبَّ لِأَقْطَارِ البِلَادِ بِفِتْنَةٍ … فَجَاشَتْ بِسُقْمٍ لَا يُجِيبُ المُدَاوِيَا وَرَاسَلَهُ مَنْ كَانَ يَحْفَى بِفَاقَةٍ … وَأَصْبَحَ ذا مَيْلٍ إِلَيْهِ مُمَاليَا جَنَتْ مَا اسْتَحَقَّ القَتْلَ يا صَاحِ كَفُّهُ … وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا كَانَ جَانِيَا وأجمع السَّريّ عَلَى الغدر بوُجوه الجُند الذين معه وكان يخافهم، فجمعهم إِلَيْهِ وأخبرهم أن رسولًا قد قدِم من قِبَل طاهر بْن الْحُسَيْن وأسار عليهم أن يتلقّوه، فخرجوا فِي النيل وخرج معهم فِي مركب غير مركبهم، وهم: عَبَّاد بْن محمد، وعَوْف بْن وَهْب الخُزاعيّ، وعليّ بْن أَبِي عون، وعليّ بن إبراهيم، وأخو الرافقيّ، وحمل معهم أخاه إسماعيل

стр. 123

بْن الحكَم، وجعل فِي باطن المركب غُلامًا لَهُ، وأمره أن يخرق المركب، ففعل الغُلام ذَلكَ، فغرقوا ومعهم أخوه، وأُخرجوا أمواتًا. ثمَّ إن عَبْد العزيز الجَرَويّ سار إلى الإسكندريَّة مسيره الرابع، فأغلق الأَنْدَلُسيّون حِصنا، فحاصرهم الجَرَويّ أشدّ الحِصار، ونصب عليهم المَنْجَنيقات، وأَقام عَلَى ذَلكَ سبعة أشهُر من مستهلّ شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس، فأصاب الجَرَويَّ فِلْقةٌ من حجَر مَنْجَنِيقَة، فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين، ومات السَّريّ بْن الحكَم بالفُسطاط بعده بثلاثة أشهُر يوم السبت لسلخ جمادى الأولى سنة خمس ومائتين، فكانت وِلايته عليها ثلاث سنين وتسعة أشهُر وثمانية عشر يومًا. أَبو النصر بْن السَّريّ ثمَّ ولِيَها أَبُو نصر بْن السَّريّ، بُويع يوم الأحد مستهلّ جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين وهو عَلَى الصلاة والخَراج فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن قُشاش، ثمَّ عزله وولَّى أخاه عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ، فاستخلف محمد بْن عُتبة بْن يَعْفُر المَعافريّ، فالذي كَانَ بيد أَبِي نَصر من أرض مِصر فُسطاطها وصعيدها وغربيّتُها، وأمَّا أسفل الأرض كله فكان بيد عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ مَعَ الحوف الشرقيّ. ثمَّ سار أحدهما إلى صاحبه فِي النيل، فالتقوا بشَطَنُوف، فاقتتلوا وعلى جيش أَبِي نصر أخوه أحمد بْن السَّريّ، فانهزم أحمد بْن السَّريّ، وأحسن علي بن الجَرَويّ فِيهِ الظفَر، فلم يتبعه، فقال سَعِيد بْن عُفَير لعليّ بْن الجَرَويّ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عَليًّا … رِسَالَةَ مَنْ يَلُومُ عَلَى الرُّكُوكِ عَلَامَ حَبَسْتَ جَمْعَكَ مُسْتَكِفًّا … بِشَطّ يَنُوفَ فِي ضَنْكٍ ضَنيكِ وَقَدْ سَنَحَتْ لَكَ الغُفْرَانُ مِمَّنْ … رَمَالكَ بِجَيْشِهِ الْوَهْنِ الرَّكِيكِ

стр. 124

أَمِنْ بُقْيَا لِمَنْ لَا يَرَاهَا … عِنْدَ فُرْصَتِهِ عَلِيكِ ثمَّ بعث أَبُو نَصر أيضًا بمراكبه عليها أحمد بْن السَّريّ، فأتاه عليّ بْن الجَرَويّ فِي مراكبه، فالتقوا بدَمَنْهُور، فيُقال: أن القَتْلى بينهما كانوا يومئذٍ سبعة آلاف، وانصرف أحمد بْن السّريّ إلى الفُسطاط، وتبِعه أَبُو ثَور اللَخْميّ فِي مراكب عليّ بْن الحَرَويّ إلى جِسر الفُسطاط. وعزم عَلَى حرق الفُسطاط، فخرج إِلَيْهِ أهل مِصر وسأَلوه الكفّ، ومضى فرَج أَبُو حرْمَلة إلى عليّ بْن الجرَويّ فسأَله الصُّلح، فاصطلحا عَلَى أن يكفّ أحدهما عَن الآخر. ثمَّ تُوُفّي أَبُو نصر ليلة الاثنين لثمان خلونَ من شعبان سنة ستّ ومائتين، وكانت وِلايته عليها أربعة عشر شهرًا. عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ ثمَّ ولِيَها عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ بايعه الجند يوم الثلاثاء لتسع خلونَ من شعبان سنة ستّ ومائتين وهو عَلَى صلاتها وخَراجها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عُتْبة بْن يَعْفُر المَعافريّ، وكفّ عُبَيْد اللَّه بْن عليّ بْن الجَرَويّ، فكفّ عليّ عَنْهُ حتى انسلخت سنة ستّ ومائتين، وعقد المأمون لخالد بْن يزيد بْن مَزْيَد الشَّيْبانيّ عَلَى صلاتها، وبعثه فِي جيش من رَبِيعة وأفناء الناس حتى دخل أرضها وراسل عبيدًا، فامتنع عُبَيْد من التسليم لَهُ، واحتجّ عُبَيْد أن كتاب أمير المؤمنين المأمون ورد عَلَيْهِ بوِلايته، وبعث عُبَيْد بأخيه أحمد بْن السَّريّ يمانع خَالِد بْن يزيد من المسير، فالتقوا بفاقُوس من حَوْف مِصر الشرقيّ، فاقتتلوا، ثمَّ تحاجزوا، وانضمّ عليّ بْن الجَرَويّ إلى خَالِد بْن يزيد، وأقام لَهُ الأَنزال ودلَّه عَلَى الطريق، وحفر عُبَيْد اللَّه خَنْدقًا، وفرض فُروضًا، وخالد مُجدّ فِي جِباية ما مرّ عَلَيْهِ من القُرى، ثمَّ سار خَالِد حتى نزل دَمَنْهُور عَلَى أميال من الفُسطاط، ثمَّ سار أيضًا إلى خَنْدَق عُبَيْد، فاقتتلوا لخمس خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع ومائتين، اقتتلوا ثلاثة أيَّام، وأَسر خَالِد شَمَّاس بْن داود بْن الحَكَم، فقتله صبرًا، ثمّ صحبهم عُبَيْد اللَّه اليوم الرابع فكرَّ عليهم بنفسه، فانهزموا عَنْهُ.

стр. 125

قَالَ مُعلًّى الطائيّ: فَيَا مَنْ رَأَى جَيْشًا مَلَا الأَرْضَ فَيْضُهُ … أَطَلَّ عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمةِ وَاحِدُ تَبَوَّأ دَمَنْهُورًا فَدَمَّرَ جَيْشَهُ … وَعَرَّدَ جَيْشُ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ رَاكِدُ ونزل خَالِد بدَمَنْهُور ووافقه عُبَيْد بها، وسفر بينهما رِجال من الجُند، فكان يحتجّ بكتاب أمير المؤمنين المأمون ووِلايته إِيَّاه عليها. قَالَ سَعِيد بن عُفَير: يَا أَيُّهَا المُتحَارِبَان وَإِنَّمَا … دَعْوَاهُمَا الْمَأْمُونُ فِي الصَّدَقَاتِ هَلْ تَرْجِعَانِ إِلَى التَّقِيَّةِ والتُّقَى … وَتُتَارِكَانِ تَغَاوُرَ الْغَارَاتِ حَتَّى يَجِيءَ مِنَ الخَلِيفَةِ أَمْرُهُ … فَيَمِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والشُّبُهَاتِ ثمَّ التقَّوا صبيحة الاثنين لمُستَهلّ ربيع الآخر سنة سبع ومائتين، فاقتتلوا وأسرع القتل فِي الفريقين جميعًا، ثمَّ عدَّوا عَن الحرب، فقهقر أصحاب خَالِد إلى أرض الحَوْف، فلمَّا رأَى ذَلكَ عليّ بْن الجَرَويّ، مكر بخالد حتى أَخْرَجَهُ عَنْ عمَله، فقال لخالد: إنّي لا أَرى لك أن تُقيم فِي بلاد قَيْس وهم جُند الحَوْف، وهذا النيل قد مدّ فتصير أسيرًا فِي أَيْديهم، وقد رأَيت أن أقدّم لك سُفُنًا تجوز فيها إلى عِدَى النيل، وأُمدّك بالطَّعام والعلَف، فإذا انكشف النيل عُدَْ إلى مَوضِعك. فأجابه خَالِد، فقدّم إِلَيْهِ عليّ بْن الجَرَويّ مراكبه، فعدَّى فيها النيل حتى صار إلى نَهْيَا، فنزل فِي رملها، وانصرف عليّ بْن الجَرَويّ وتركه بها فِي ضُرّ وجهد، قَالَ مُعَلًّى: سَلَا خَالِدًا لَمَّا انْجَلَى عَنْهُ شَكُّهُ … وَأَسْلَمَهُ فِي عُدْوَةِ البَحْرِ خَاذِلُهُ فَزَالَتْ أَمَانِيهِ غَدَاةَ سَمَا لَنَا … بِعَارِضِ جَيْشٍ يَمْطُرُ المَوْتَ وَابِلُهُ فلمَّا انكشف النيل عسكرَ عُبيد بالجِيزة لعشرٍ خلونَ من شهر رمضان سنة سبع، ثمَّ سار إلى خَالِد بنَهْيَا، فحاربه، فأَسر خَالِد بْن يزيد، واستأمن عظيم جيشه ودخل بِهِ إلى الفُسطاط يوم الإثنين لخمس خلونَ من شوَّال سنة سبع. قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:

стр. 126

أَلَا لَا أَرَى خَيْلًا أَضَرَّ لَهُ الْوَغَى … وَأَجْبَنَ فِي الهَيْجَاء مِنْ خَيْل خَالِدِ وَقُوَّادُهُ أَشْرَارُ كُلِّ قَبِيلَةٍ … تَمَالَوْا عَلَى إِسْلَامِهِ فِي الشَّدَائِدِ فَمَا أَسَرُوا مِنْه جَبَانًا مُعَضِّدًا … وَلَكِنْ أَبَا شِبْلَيْنِ عَبْلَ السَّوَاعِدِ فَإِنْ يَقْتُلُوهُ يَقْتُلُوا مِنْهُ سَيدًا … شُجَاعًا جَوَادًا مَاجِدًا وابْنَ مَاجِدِ وإِنْ كَفَفُوا عَنْ قَتْلِهِ فَهْيَ مِنَّةٌ … لِآلِ سَرِيٍ فِي مَنَاطِ الْقَلَائِدِ ودعا عُبَيْد بْن السَّريّ بخالد بْن يزيد فسأَله عمَّا ذهب لَهُ من مال، فخبَّره بِهِ، فدفع إِلَيْهِ عُبَيْد أضعافه ومنَّ عَلَيْهِ، وخيَّره بين المُقام عنده أو يخرج حيث شاءَ، فاختار رُكوب البحر من القُلْزُم إلى مَكَّة، فخرج من مِصر. وقدِم حَمّاد بْن أَبِي سمين رسولًا من أمير المؤمنين المأمون بوِلاية عُبَيْد عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وبِولاية عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وأقبل عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى استخراج خَراجه، فمانعه قوم من أهل الحَوْف، وكتبوا إلى عُبَيْد يستمدّونه عَلَى عليّ، فأمدّهم، وبعث بأخيه أحمد بْن السَّريّ إليهم، فسار عليّ بْن الجَرَويّ إِلَيْهِ، فالتقوا بالنوب من كُورة بَنا وهو الموضِع الَّذِي، يقال لَهُ: بُلْقِينة، فاقتتلوا يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع ومائتين. وخرج عُبَيْد من الفُسطاط، فعسكر بالبَثَنُون، ثمَّ عسكر بدفرا، وعاود ابن الجَرَويّ أحمد بْن السَّريّ الحرب بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم سلخ صفر، وعاوده أيضًا لثلاث خلونَ من ربيع الأَوَّل وهم منتصفون، ثمَّ انصرف ابن الجَرَويّ، فتحمَّل فيمن معه ومضى إلى دِميَاط. قَالَ مُعَلًّى الطائيّ: أَلَا هَلْ أَتَى أَهْلَ الْعِرَاقَيْنِ وَقْعَةٌ … لَنَا بِحِمَى بُلْقِينَ شَيَّبَتِ الوُلْدَا وَمَا كَانَ مِنَّا قَتْلُهُمْ عَنْ جَهَالَةٍ … خَطَاءً وَلكِنَّا قَتَلْنَاهُمُ عَمْدَا وَلَمَّا تَبَيَّنْتَ الْمَنِيةَ فِي الْقَنَا … نَكَصْتَ تُنَادِي حِينَ ضَلَّ النِّدَا سَعْدَا

стр. 127

فَوَلَّيْتَ عَنْ رَبْعِ الْمَحَلَّةَ هَارِبًا … عَلَى أَبْلَهٍ مَا تَرْكَبُ الْجَوْرَ والقَصْدَا فكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّه أَنْزَلَ نُصْرَةً … عَليْنَا وَوَلَّاكَ المَذَلَّةَ وَالطَّرْدَا سَنُهْدِي إِلَى المأْمُونِ مِنَّا نَصَائِحًا … نُضَمِّنُهَا طَيَّ الصَّحَائِفِ وَالْبُرْدَا بِفِعْلِ عَلِيّ وَالَّذِي كَانَ مُجْمِعًا … عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الخِلَافَ الَّذِي أَبْدَا ومضى أحمد بْن السَّري إلى مَحَلَّة شَرْقيُون، فدخلها وأمر بنهبها، فكان من أعظم ما أتاه، ومضى عليّ بْن الجَرَويّ إلى طنطا، ومضى أصحاب عُبَيْد إلى تِنِّيس ودِمْيَاط فدخلوها، ومضى عُبَيْد، فدخل تِنِّيس لإحدى عشرة بقيَتْ من ربيع الأوَّل سنة تسع، ولحِق ابن الجَرَويّ بالفَرَما، ثمَّ إلى العَريش، فنزل فيما بينهما وبين غَزَّة. قَالَ سَعِيد بْن عُفير: أَلَا يَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ … إِلَى أَيْنَ صِرْتَ تُرِيدُ الفِرَارَا فَلَسْتَ بِأَوَّلِ مَنْ كَادَهُ … عَدُوٌّ فَكَرَّ عَلَيْهِ اعْتِكَارَا وأَجْرُ مَصِيرِكَ أَنْ يَسْحَبُوا … إِلَيْكَ فُتُوحًا عِظَامًا كِبَارَا فَتُدْرِكُ ثَأْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ … وَتَلْبَسُ بَعْدَ الكُبُوِّ القَسَارَا وعاد عليّ بْن الجَرَويّ، فأغار عَلَى الفَرَما مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع، وهرب أصحاب عُبَيْد من تِنِّيس ودِمْياط، فلحِقوا بالفُسطاط وأَقبل ابن الجَرَويّ إلى شَطَنُوف، فجمع لَهُ عُبَيْد واستعدّ، وعقد لمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحَكَم عليهم، فالتقوا بشَطَنُوف، فكانت لابن الجَرَويّ أوَّل النهار، ثمَّ أتاه كمين عُبَيْد، فانهزم، وذلك يوم الإثنين لثماني عشرة خلت من رجب سنة تسع، ومضى عُبَيْد بْن السّريّ إلى تِنِّيس ودِمْياط، ولحِق عليّ بْن الجرَويّ بالعَريش. قَالَ مُعَلًّى الطائيّ: أَلَمْ تَرَ خَيْلَهُ صَبَحَتْ عَلِيًّا … تُدِفُّ عَلَى مَنَاسِجِهَا النِّسَاعَا فَوَلَّى عَنْ عَسَاكِرِهِ وَخَلَّى … عَلَى الأَسَلِ المَدَائِنَ وَالرِّبَاعَا وَلكِنْ فَاتَ فَوْقَ أَقَبَّ نَهْدٍ … كَرَجْعِ الطَّرْفِ لا تَخْشَى اصْطِلَاعَا

стр. 128

فَحَسْبُكَ أَنَّ قَوْمَكَ مِنْ جَُذَامٍ … وَسَعْدٍ لَا لَهُمُ اجْتِمَاعَا دَعَتْهُمْ طَاعَةٌ لَكَ فَاسْتَجَابُوا … وَمِنْ عَجَبٍ لِمِثْلِكَ أَنْ يُطَاعَا وأقبل عليّ بْن الجَرويّ أيضًا فِي المحرَّم سنة عشر ومائتين، فدخل تِنِّيس ودِمْيَاط بغير قتال، وأَتى مَحَلَّة شَرْقيُون، فبعث عُبَيْد بمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحكَم فِي المراكب، فنزل طُوخ، فبعث إِلَيْهِ ابن الجَرَويّ بابن غُصَين السَّعديّ، فقاتله، فانهزم ابن غُصَين ذَلكَ عليًّا، فمضى إلى الهُورِين ثمَّ دخل منها إلى جَرجير. عبد الله بْن طاهر وأقبل عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن إلى الشام، فظفِر بنصر بْن شَبَث فِي سنة عشر ومائتين، وأقبل سائرًا إلى مِصر، فتلقّاه عليّ بْن الجَرَويّ بالأموال والإنزال، وانضمّ إِلَيْهِ، وبعث عبد الله بْن طاهر إلى عُبَيْد يدعوه إلى السمع والطاعة، فلم يتحاشَ عُبَيْد إلى ذَلكَ، وسار ابن طاهر، فنزل بُلْبَيس، فراسل عبيدًا أيضًا وخوَّفه ومنَّاه وأرهبه، فلم يجنح إلى شيء من ذَلكَ، وبعث عُبَيْد أيضًا أَبَا صالح حَمَّاد بْن المُخارِق إلى أمير المؤمنين المأمون، وجعل يدافع ابن طاهر، ويُحكم أموره، ويحفِر خَنْدَقه، ويشحن سُفُنه وجعل عليها ابن الأكشف، وابن طاهر يتراخى عَنْهُ، غير أَنَّهُ قد بعث عُمَّاله يجبُون الخَراج، وسار ابن طاهر من بُلْبَيس حتى نزل زُفيتة وعقد بها جِسرًا، وبعث عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ إلى شَطُنُوف، وأقبلت سُفُن ابن طاهر من الشام فجعل عليها أَبُو السُّرور عسامة بْن الوزير الشَّيْبانيّ، فالتقوا، فانهزم أصحاب عُبَيْد، وأقبل ابن طاهر إلى خَنْدَق عُبَيْد الَّذِي احتفره، فنزل عَلَيْهِ يوم الجمعة لخمس خلون من المحرَّم سنة إحدى عشرة، فتقابلوا، فاستأمن أَبُو السُّرور فِي جمع كبير إلى ابن طاهر، ثمَّ تخامروا.

стр. 129

قَالَ أَبُو تَمَّام حَبيب بْن أَوس الطائيّ: لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ بِمِصْرَ وقْعَةٌ … أَقَامَتْ عَلَى قَصْدِ الهُدَى كُلَّ مَائِل عَلَى الخَنْدَقِ الأَقْصَى وَمَا كَانَ حَوْلَهُ … وَمَا قَدْ يَلِيهِ مِنْ فَضَاءٍ وَسَاحِلِ رَأَى ابْنُ السَّرِيِ النَّصْرَ أَوَّلَ يَوْمِهِ … وَأَوْدَى بِلَيْثٍ مِنْ أَبِي السَّروِ بَاسِلِ لَوَيْنَ جُموعٌ ابنِ السَّرِيِّ وَخَيْلُهُ … شَمَاطِيطَ تَتْرَى كَالنَّعَامِ الحَوَافِلِ فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَحِيصَ وَأَنَّهُ … كِفَاحُ الرَّدَى فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلِ تَوَخَّوا أَمَانَ الأَرْيَجِيِّ ابْنِ طَاهِرٍ … فَمِنْ فَارِسٍ يَأْتِيهِ طَوْعًا وَرَاجِلِ وقدِم أَبُو صالح التَّميميّ بأَمان عُبَيْد من قِبَل أمير المؤمنين يوم الثلاثاء لأربع بقين من المحرَّم سنة إحدى عشرة، وبتوقيع المأمون إلى ابن طاهر فِي طيّ كتابه الَّذِي كتب بِهِ ابن طاهر يسأَل فِيهِ أَمان عُبَيْد بهذه الأبيات: أَخِي أَنْتَ مَوْلَايّ الَّذِي أَحْفَظُ نُعْمَاهُ … فَمَا تَهْوَى مِنَ الأَمْرِ فَإِنِّي سَوْفَ أَهْوَاهُ وَمَا تَسْخَطُ مِنْ شَيءٍ فَإِنِّي لَسْتُ أَرْضَاهُ … لَكَ اللَّه عَلَى ذَاكَ لَكَ اللَّه لَكَ اللَّه. وقام بالصُّلح محمد بْن أَسباط كاتب عُبَيْد بْن السَّريّ عَلَى الخراج واشترط لعبيد شروطًا، فكتب عبد الله بْن طاهر لعبيد كتاب أَمان، وأشهد فِيهِ شهودًا من الجُند، والفُقَهاء، وإشراف أهل مِصر، وجمعًا ممَّن يُنسَب إلى العَدالة وذلك فِي صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجَّه عُبَيْد فِي أهل بيته عَلَى عبد الله بْن طاهر يوم الإثنين لستّ بقينَ من صفر، فخلع عَلَيْهِ ابن طاهر، وأجازه بعشرة آلاف دينار، وأمره بالخروج إلى المأمون. حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نصر أحمد بْن عليّ بْن صالح، قَالَ: أخبرني ياسين بْن عَبْد الأحد، قَالَ: سمِعت أَبِي، يَقُولُ: لمَّا دخل عبد الله بْن طاهر مِصر كنتُ فيمن دخل عَلَيْهِ، فقلتُ: حَدَّثَنَا ابن لَهِيعة، عَنْ أَبِي قُبَيل، عَنْ سُبَيع، قَالَ: " يا أهل مِصر، كيف إِذا كَانَ فِي بلدكم فِتنة فولِيَكم فيها الأعرج، ثمَّ الأصفر، ثمَّ الأمرد، ثمَّ يأتي رجُل من ولَد الْحُسَيْن لا يُدفَع ولا يُمنَع تبلغ راياته البحر الأخضر يملأها عدلًا، فقلتُ: كَانَ

стр. 130

ذَلكَ، كانت الفِتنة، فولِيَها السَّريّ وهو الأعرج، والأصفر ابنه أَبُو نصر، والأمرد عُبَيْد بن السَّريّ، وأنت عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن " قَالَ أحمد الحَمْراويّ: أَتَرْجُو مَهَاةٌ دَفْعَ ضِرْغَامِ غَابَةٍ … لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ المَهَا والهَزَابِرِ وإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الوَغَى … وَيَقْصِفَ أَصْلَابَ المُلُوكِ الجَبَابِرِ لَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّوْعِ فِي زِيّ غَادَةٍ … وَلَمْ يَحْتَجِبْ صُبْحًا لِمشْطِ الضَّفَائِرِ ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن طاهر بْن الْحُسَيْن من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الثلاثاء لليلتين خلَتا من ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاذ بْن عزيز أيَّامًا، ثمَّ جعل مكانه عَبْدَوَيْه بْن جَبلَة من الأَبناء، وأقام عبد الله بْن طاهر فِي مُعسكره حتى خرج عُبَيْد بْن السَّريّ إلى بَغْداد يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة. قَالَ حَبِيب بْن أَوْس الطائيّ: فَأَوْرَدَهُ بَغْدَادَ يَهْوِي بِرِجْلِهِ … ذَمُولٌ تَرَامَى فِي قلَاصٍ ذَوَامِلِ فَأَصْبَحَ قَدْ زَالَتْ ظِلَالُ نَعِيمهِ … وأَيُّ نَعِيمٍ لَيْسَ يَوْمًا بِزَائِلِ حَدَّثَنِي نصر بْن عبد الله بْن عُبَيْد بْن السَّريّ، أن عبيدًا عاش بعد خروجه من مِصر زمانًا، وأنه مات بسُرَّ مَنْ رأَى سنة إحدى وخمسين ومائتين. وجمع عبد الله بْن طاهر عَلَى المسير إلى الإسكَندريَّة، فبعث عَلَى مُقدَّمته الْعَبَّاس، وهاشم من قُوَّاد العَجَم من أهل خُراسان وذلك لمستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة، واستخلف عليها عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ، ونزل عبد الله بْن طاهر عَلَى حِصن الإِسكَندريَّة، قصدها فِي ربيع الأوَّل سنة اثنتي عشرة، وحصرها بِضع عشرة ليلة، فخرج إِلَيْهِ أهلها بأَمان، وصالح الأَنْدَلُسيِّين عَلَى أن يسيّرهم من الإِسكَندريَّة حين أحبّوا عَلَى أن لا يُخرجوا فِي مراكبهم أحدًا من مِصر، ولا عبدًا، ولا آبقًا، فإِن فعلوا، فقد حلَّت لَهُ دِماؤهم، ونكْثُ عَهْدِهم، وتوجَّهوا، فبعث ابن طاهر مَن يفتّش عليهم مراكبهم، فوجد فيها جمعًا من الذين اشترط عليهم أن لا يُخرِجوهم، فأَمر ابن طاهر بإِحراق مراكبهم فسأَلوه

стр. 131

أن يردّهم إلى شرطهم. ففعل، وولَّى عَلَى الإِسكَندريَّة إلياس بْن أَسَد بْن سُلَيْمَان خُدا من ولد بَهْرام شُوِبين. ورجع ابن طاهر إلى الفُسطاط فِي جمادى الآخرة سنة ثنتي عشرة فولَّى عيسى بْن المُنْكَدِر بْن محمد بْن المُنْكَدِر القُرَشيّ انقَضاء، وأمر بالزيادة فِي المسجِد الجامع. فزِيد فِيهِ مثله، ثمَّ ركِب النيل متوجّهًا إلى العِراق لخمس بقينَ من رجب سنة ثنتي عشرة، فكان مُقامه بِمصر بعد أن صحَّت لَهُ الولاية إلى أن خرج عَنْهَا سبعة عشر شهرًا وعشرة أيَّام. عيسى بْن يزيد الجُلُودِيّ ثمَّ ولِيَها عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ باستخلاف ابن طاهر لَهُ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه ابنه محمد، وعلى المظالم إِسْحَاق بْن مُتوكِّل، فكانت وِلاية عيسى من قِبَل ابن طاهر إلى يوم الجمعة لسبع عشرة من ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين. فقدِم أَبُو الخير بشْر بْن بُرد رسول أَبِي إِسْحَاق بْن هارون الرشيد بوِلاية الأمير أَبِي إِسْحَاق عَلَى مِصر، وعزل عبد الله بْن طاهر عَنْهَا وذلك لوفاء ثلاثة وثلاثين شهرًا لوِلاية عبد الله بْن طاهر وخُلفائه، فأقرّ أَبُو إِسْحَاق الجُلُوديّ عَلَى الصلاة فقط، وعلى خَراجها صالح بْن شِيرزاد، فظلم الناس وزاد عليهم فِي خَراجهم، فانتقض أسفل الأرض وعسكروا، فبعث عيسى بْن يزيد بابنه محمد فِي جيش لقتال أهل الحَوْف، فنزل ببُلْبَيس فلقِيَه بها جمع منهم، فحاربوه وهزموه، فنجا محمد بْن عيسى ولم ينجُ من أصحابه أحد وذلك فِي صفر سنة أربع عشرة ومائتين.

стр. 132

عُمير بْن الوليد ثمَّ ولِيَها عُمَير بْن الوليد باستخلاف أَبِي إِسْحَاق بْن الرشيد عَلَى صلاتها، وورد عَلَيْهِ كتاب أَبِي إِسْحَاق بوِلايته عليها يوم الأحد لتسع عشرة خلت من صفر سنة أربع عشرة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه محمد، فاستخلف محمد رجُلًا يُدعى السَّلِيل بْن رَبيعة، وفرض عُمَير الفُروض، واستعدّ لحرب أهل الحَوْف، وبعث بعبد اللَّه بْن حُلَيس الهِلاليّ إلى الحَوْف ليُصلِح أمر قَيس ويردَّهم إلى الطاعة، فمضى إليهم ابن حُلَيس، فأتاهم وحرَّضهم، فعقدوا لَهُ عليهم، وأقام بأمر اليمانيَّة عَبْد السلام بْن أَبِي الماضي الجُذاميّ، ثمَّ الجَرَويّ، فسار إليهم عُمَير فِي جيوشه وفروضه، وتبِعه عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ، كَانَ خروجه من الفُسطاط يوم الثلاثاء لستَ عشرة من ربيع الأوَّل سنة أربع عشرة مائتين، واستخلف عَلَى الفُسطاط ابنه محمد، وقدِم أَبُو خَالِد المُهَلَّبيّ من قِبَل المأمون إلى اليمانيَّة، ومحمد بْن دوالة العَبْسيّ إلى العَبْسِيَّة، فبذلا لهم ما شاءُوا، فلم ينهَهم ذَلكَ عَن الحرب وزحفوا إلى عُمير، وعلى اليمانيَّة عَبْد السلام بْن أَبِي الماضي، وعلى قيس عبد الله بن حُلَيس الهِلاليّ، فالتقوا بُمنية مال اللَّه، فاقتتلوا، فقُتل من أهل الحَوْف جمع كثير، وانهزموا، فتبِعهم عُمير فِي نفرٍ من أصحابه، فعطف عَلَيْهِ كمين لأهل الحَوْف، فقتلوه باليهوديَّة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة من ربيع الآخر، وكان الَّذِي قتله مُبارَك الأَسوَد مولى حُميد بْن كُوثر الحَرَشيّ، فكان مُقام عُمير عَلَى إِمرتها إلى أن قُتل الأَسوَد مولى حُميد بْن كَوثر الحَرَشيّ، فكان مُقام عُمير عَلَى إمرتها إلى أن قُتل ستّين يومًا. قَالَ حبيب بْن أَوْس الطائيّ: أَلَا رُزِئَتْ خُرَاسَانٌ فَتَاهَا … غَدَاةَ ثَوَى عُمَيْرُ بْنُ الوَليدِ فَيَا يَوْمَ الثَّلَاثَا كَمْ كَئِيبٍ … رَمَاهُ الحزْنُ فِيكَ وَكَمْ عَمِيدِ فَكَمْ سَخَّنْتَ فِينَا مِنْ عُيُونٍ … وَكَمْ أَعْبَرْتَ فِينَا مِنْ خُدُودِ فَمَا زُجِرَتْ طُيُورُكَ عَنْ سَنِيحٍ … وَلَا طَلَعَتْ نُجُومُكَ بِالسُّعُودِ وقال أيضًا:

стр. 133

أَنْمَى عُمَيْرُ بْنُ الْوَلِيدِ لغَارَةٍ … بِكْرٍ مِنَ الغَارَاتِ أَوْ لِعَوَانِ أَنْعَى فَتَى الفِتْيَانِ غَيْرَ مُكَذَّبٍ … قَوْلِي وَأَنْعَى فَارِسَ الفُرْسَانِ وقال سَعِيد بْن عُفَير: سَاقَتْ عُمَيْرَ إِلَى مَصر مَنِيَّتُهُ … بِإِمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِمَسْعُودِ حَتَّى أَتَتْهُ المَنَايَا وَهْوَ مُلْتَحِفٌ … ثَوْبَيْنِ مِنْ حِبَرَاتِ البَأْسِ وَالجُودِ فَاذْهَبْ حَمِيدًا فَلَا تَبْعَدْ فكُلُّ فَتًى … يَوْمًا وإِنْ كُرِيَتْ أَفْعَالُهُ يُودِي وأقام محمد بْن عُمير خليفةً لأبيه عليها شهرًا، ثمَّ أظهر الجُلُودي كتابًا بوِلايته فسلَّم إِلَيْهِ محمد. عيسى بْن يزيد الجُلُوديّ الثانية ثمَّ ولِيَها عيسى بْن يزيد خليفةً لأبي إِسْحَاق عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه رَجُلًا من أهل خُراسان، يقال لَهُ: مُطهَّر، ثمَّ سار عيسى إلى أهل الحَوْف، فلقِيَهم بمُنْية مَطَر، فكانت بينهم وقعة، ثمَّ انصرف أهل الحَوْف عَلَى حامية، ومضى الجُلُوديّ حتى نزل النُّويرة، فخندق عَلَى نفسه وجيشه خندقًا، وأقام أيامًا، فأتاه أهل الحَوْف فصبَّحوا بِهِ، فهاله أمرهم، فلمَّا أمسى تحمَّل منهزمًا إلى الفُسطاط، وأحرق ما ثقل عَلَيْهِ من رحله، وخندق عَلَى الفُسطاط وذلك يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من رجب سنة أربع عشرة. قَالَ حبيب بْن أَوْس الطائيّ يهجو الجُلُوديّ: اللَّه أَرْهَقَكَ الْهَزِيمَةَ إِذْ … جَذَبَتْكَ أَحْبَالُ الرَّدَى جَذْبَا وَأَتَتْكَ خَيْلٌ لَوْ صَبَرَْت لَهَا … أَنْهَبْنَ رَوحَكَ فِي الْوَغَى نَهْبَا مِنْ حَيِّ عَدْنَانَ وَإِخْوَتِهِمْ … قَحْطَانَ لَا مِيلًا وَلَا نُكْبَا أَعْصَمْتَ بِاللَّيْلِ البَهِيمِ وَقَدْ … أَلْقَى عَلَيْكَ ظَلَامَهُ حُجْبَا وتَرَكْتَ جُنْدَكَ لِلُقَنَا جُزُرًا … وَالْبِيضُ تَخْدُبُ هَامَهُمْ خَدْبَا فَاشْكُرْ أَيَادِي لَيْلَةٍ سَنَحَتْ … لَكَ بِالْبَقَا فَركِبْتَهَا رَكْبَا

стр. 134

وأقبل أَبُو إِسْحَاق بْن هارون سائرًا إلى مِصر فِي أربعة آلاف من أتراكه فلم يشعر أهل الحَوْف إلَّا بنزوله بين أظهرهم، فراسلهم ودعاهم إلى الطاعة. فامتنعوا عَلَيْهِ، فقاتلهم يوم السبت لعشر بقينَ من شعبان سنة أربع عشرة، فهزمهم، ونزل أَبُو إِسْحَاق ببُلْبَيس يوم الأحد لتسع بقينَ من شعبان، وبعث فِي طلَب عبد الله بْن حُلَيس، وعبد السلام بْن أَبِي الماضي، فأُتِي بهما مستهلّ شهر رمضان، فقيَّدهما وسجنهما ثمَّ أقامهما للناس، ودخل أَبُو إِسْحَاق الفُسطاط يوم الخميس لثمان خلونَ من رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، ثمَّ خرج أَبُو إِسْحَاق إلى الجِيزة، فدعا بابن حُلَيس، وعبد السلام، فضرب أعناقهما وصلبهما يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من ذي القعدة سنة أربع عشرة ومائتين. قَالَ مُعلًّى الطائيّ: إِنَّ الحُلَيْسِيَّ غَدَا سَابِقًا … فِي حَلْبَةِ الْجِسْرَيْنِ قَدْ قصَّبَا عَلَى طِمِرٍ مَا لَهُ أَرْجُلٌ … مِنْ صَنْعَةِ النَّجَّارِ قَدْ شُذِّبَا وَلَيْسَ يَدْرِي عِنْدَ إِلْجَامِهِ … مَنْ أَثْفَرَ الطِّرْفَ وَمَنْ لَبَّبَا مُسَمَّرُ الخَلْقِ أَمُونُ الشَّوَى … يَأْنَفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَا وَلَوْ سَرَى لَيْلَتَهُ كُلَّهَا … مَا جَاوَزَ الْجِسْرَ وَلَا قَربَا لَوْ كانَ مِنْ بَعْضِ نَخيل القُرَى … كَانَ أَبُو القَاسِمِ قَدْ أَرْطَبَا كَسَا أَبُوا إِسْحَاقَ أَوْدَاجَهُ … أَبْيَضَ لَا يَعْتِبُ مَنْ أَغْضَبَا وَقَدْ سَقى عَبْدَ السَّلَامِ الرَّدَى … فَكَيْفَ بِاللهِ إِذَا جَرَّبَا وخرج أَبُو إِسْحَاق متوجّهًا إلى الشام لغُرَّة المحرَّم سنة خمس عشرة ومائتين فِي أتراكه، وبجمع من الأَسارى فِي ضُرّ، وجَهْد شديد، وولَّى عَلَى مِصر عَبْدَويه بْن جَبلَة من الأبناء. عَبْدَوَيْه بْن جَبلَة ثمَّ ولِيَها عَبْدَويه بْن جَبَلة من قِبَل أَبِي إِسْحَاق عَلَى صلاتها، ولِيَها مُستهلّ المحرَّم سنة

стр. 135

خمس عشرة ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه، وعلى المظالم إِسْحَاق بْن إسماعيل بْن حَمدان بْن زيد، وخرج ناس من لَخْم بالحَوْف، فحاربوا فِي شعبان سنة خمس عشرة، فبعث إليهم عيسى بْن منصور الرافقيّ وهو والي الحوْف، فقاتلهم فظفِر بهم، ثمَّ قدِم الأَفْشِين حَيْدَر بن كاووس الصُّغْديّ إلى مصر ومعه عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، قدِما لثلاث خلونَ من ذي القعدة سنة خمس عشرة، وقد أُمر الأَفْشِين أن يطالب عليًّا بالأموال التي عنده، فإن هُوَ دفعها إِلَيْهِ وإِلَّا قتله. فطالبه الأَفْشِين، فلم يدفع إِلَيْهِ شيئًا، فقدَّمه بعد الأضحى بثلاث، فقتله، وصرف الأَفْشِين عَبْدَويْه بْن جَبَلة عَنْهَا وخرج الأَفْشِين إلى بَرْقَة ومعه عَبْدَوْيه، وولَّى عليها عيسى بْن منصور لسلخ سنة خمس عشرة. عيسى بْن منصور ثمَّ ولِيَها عيسى بْن منصور من قِبَل أَبِي إسحاقَ، ولِيَها مستهلّ سنة ستّ عشرة ومائتين عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم بْن عَمِّه، ثمَّ انتقضت أسل الأرض كلّها عربَها وقِبْطها فِي جمادى الأولى سنة ستّ عشرة، وأخرجوا العُمَّال، وخالفوا الطاعة، وكان ذَلكَ لسُوء سيرة العُمَّال فيهم، ثمَّ قدِم الأَفْشِين

стр. 136

من بَرْقة للنصف من جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة، فأقام بالفُسطاط لأن النيل فِي مدّه قد حال بينه وبينهم، ثمَّ خرج الأَفْشِين، وعيسى بْن منصور جميعًا، فعسكروا بأَشْلِيم، وعقدوا عليهم لابن عُبَيْدُس الفِهْريّ من ولَد عُقْبة بْن نافع، فواقعهم الأَفْشِين بأَشْلِيم، فهزمهم وأسر منهم كثيرًا، فقتلهم، ورجع عيسى بْن منصور إلى الفُسطاط، ومضى الأَفْشين إلى الحَوْف ففلّ جماعتهم. وبعث الأَفْشين عُبَيْد اللَّه بْن يزيد إلى الإِسكَندريَّة واستجاشت عَلَيْهِ بنو مُدْلِج، فحصروه فِي حِص الإِسكَندريَّة وذلك فِي شوَّال سنة ست عشرة، ومضى الأَفْشِين إلى شَرْقُيون، فلقِيَ مَن هناك بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم، فاقتتلوا، فظفِر بهم الأَفْشين، وقتل صاحبهم أَبَا ثور اللَخْميّ، ومضى الأَفْشين أيضًا إلى دَمِيرة، فحاربهم فِي ذي القَعدة سن ستّ عشرة، فظفِر بهم، وخرج عيسى بْن منصور من الفُسطاط إلى تُمَيِّ، فقاتل أهلها، فانهزم أهل تُمّيّ وأقبل الأَفْشِين فِي جنوده إلى الإِسكَندريَّة، فلَقيَه طائفة من بني مُدْلِج بخَرِبتا، فهزمهم، وأتوه أيضًا بَمَحلَّة الخلفاء، فهزمهم وأسر أكثرهم، فنزل بهم قَرْطَسا، فضرب أعناقهم بها وأتى الإِسكَندريَّة، فدخلها، وهرب منه رُؤَساؤهم، وهم: بَحْر بْن علي اللَخْميّ، وابن عُقاب اللَخْمي، وكان رئيس جماعتهم مُعاوية بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وكان دخول الأَفْشين الإِسكَندريَّة لعشر بقينَ من ذي الحجَّة سنة ستّ عشرة، ومضى الأَفْشيِن بعد فتح الإِسكَندريَّة إلى أهل البَشَرُود، فكان مُواقفًا لهم، وقد امتنعوا حتى قدِم المأْمون.

стр. 137

قدوم أمير المؤمنين المأْمون الفُسطاط قدِم لعشر خلونَ من المحرَّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخِط عَلَى عيسى بْن منصور، وأمر بحلّ لِوائه، وأمره بلباس البَياض، وقال: لم يكن هذا الحدَث العظيم إلَّا عَنْ فِعلك وفِعل عُمَّالك، حمَّلتم الناس ما لا يُطيقون، وكتمتوني الخَبر حتى تفاقم الأمر، واضطربت البلد. وضمّ أصحابه إلى ابن عَمّه مُوسَى بْن إبراهيم، وولَّى المأْمون عَلَى شُرَط الفُسطاط أحمد بْن بِسْطام الأَزْديّ من أهل بُخارا، وركب أمير المؤمنين، فنظر إلى المِقْياس وأمر بإقامة جِسر آخر فعُمل لَهُ هذا الجِسر القائم بالفُسطاط اليوم، وتُرك القديم، وعقد لأبي مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم عَلَى جيش بعثه إلى الصعيد فِي طلب ابن عُبَيدُس الفِهْريّ ومعه رشيد التُّركيّ، فظفروا بالفِهري بطَحا، وارتحل المأْمون إلى سَخَا سلخ المحرَّم سنة سبع عشرة، ثمَّ صار إلى البَشَرُود والأَفْشين قد أوقع القِبْط بها، فنزلوا عَلَى حُكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرِّجال، وبَيع النساء والأَطفال. فبِيعوا، وسُبي أكثرهم، وأتى بالفهْري إلى سَخَا، فقتله، وتتبَّع كل من يُومَى إِلَيْهِ بخِلاف، فقتله، فقتل ناسًا كثيرًا. ورجع إلى الفُسطاط يوم السبت لستّ عشرة من صفر سنة سبع عشرة، ومضى إلى حُلْوان، فنظر إليها وأقام بها ثلاثًا، ورجع إلى الفُسطاط، فخرج عَلَى مقدَّمته أَشِنَاس، وارتحل المأْمون يوم الخميس لثماني عشرة من صفر، فكان مُقامه بالفُسطاط، وسَخَا، وحُلْوان تسعة وأربعين يومًا. كَيْدُر نصر بْن عبد الله ثمَّ ولِيَها كَيْدُر واسمه نصر من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه

стр. 138

إِسْبَنْدِيار، ثمَّ بعث المأمون برجُلٍ من العجَم، يقال لَهُ: ابن بِسْطام فولَّاه الشُّرَط، فعزله كَيْدُر لرَشوةٍ ارتشاها، وأمر بضربه بالسَّوط فِي صحن المسجِد الجامع. وولَّى رجُلًا بُخاريًا، يقال لَهُ: ذاوَه، ثمَّ عزله وولَّى ابنه مُظَّفر بْن كَيْدُر باستخلاف مظفَّر ذاوَه عَلَى الشُّرَط، وورد كتاب أَبِي إِسْحَاق بْن الرشيد عَلَى كَيْدُر بان يأخذ الناس بالمِحْنة، ورد الكتاب فِي جمادى الآخِرة سنة ثماني عشرة ومائتين، والقاضي بِمصر هارون بْن عبد الله الزُّهريّ، فأخذه كَيْدُر بذلك، فأجاب وأخذ الشهود بِهِ، فأجابوا، فمَن وقف منهم سقطت شهادته وأخذ بها الفُقَهاء والمحدِّثين والمؤذِّنين، فكان الناس عَلَى ذَلكَ من سنة ثماني عشرة إلى أن قام المتوكِّل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وتُوُفّي المأمون بأرض الرُّوم لسبع خلونَ من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبايع الناس أَبا إِسْحَاق المُعتصِم، فورد كتابه إلى كَيْدُر ببَيعته، وأمره بإِسقاط مَن فِي الديوان من العرَب، وقطع أعطِياتهم، ففعل ذَلكَ كَيْدُر. حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد الهَمَذانيّ، عَنْ طَلْق بْن السَّمْح، قَالَ: حَدَّثَنَا نافع بْن يزيد، قَالَ: قطع مَرْوان بْن محمد العطاء سنةً ثمَّ كتب إليهم كتابًا يعتذر إليهم فِيهِ: «إِني إنّما حبستُ عنكم العَطاء في السنة الماضية لعدوّ حضرني، فاحتجتُ فِيهِ إلى المال، وقد وجَّهتُ إليكم بعطاء السنة الماضية وعطاء هذه السنة، فكُلوا هنيئًا مريئًا، وأَعوذ بالله أن أكون أَنَا الَّذِي يُجري اللَّه قطع العطاء عَلَى يديه». ولمَّا قطع العطاء خرج يحيى بْن الوزي الجَرويّ فِي جمع من لَخْم وجُذام، وقال: هذا أمر لا تقوم فِي أفضل منه لأنه منعنا حقّنا وفيْئنا، واستمع إِلَيْهِ نحو من خمسمائة رجُل. ومات كَيْدُر فِي ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين

стр. 139

مُظفَّر بْن كَيْدُر ثمَّ ولِيَها مُظفَّر بْن كَيْدُر باستخلاف أَبِيه لَهُ فجعل عَلَى شُرَطه ذاوَه، وخرج مُظفَّر بْن كَيْدُر إلى يحيى بْن الوَزير، فقاتله فِي بُحيرة تِنِّيس فأُسر يحيى بْن الوزير، وتفرَّق عَنْهُ أصحابه وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع عشرة، ثمَّ صُرفت مصر إلى أَبِي جَعْفَر أَشِناس، فدُعي لَهُ بها. وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي نصر بْن صالح، عَنْ أشياخه، قَالُوا: «أوَّل من أمر بالتكبير بعد صلاة الجُمعة مُظفَّر بْن كَيْدُر. فولِيَها مُظفَّر إلى شعبان سنة تسع عشرة» مُوسَى بْن أَبي العَبَّاس ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن أَبِي الْعَبَّاس من قِبَل أَبِي جَعْفَر أَشْناس عَلَى صلاتها مستهلّ رمضان سنة تسع عشرة فجعل عَلَى شُرَطه أَخاه الْحَسَن بن أَبِي الْعَبَّاس. أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «كَانَ المؤذِنّون عَلَى الزمان يُؤذّنون بين يدي الإِمام يوم الجمعة من داخل المقصورة، فأوَّل من أخرجهم منها مُوسَى بْن أَبِي الْعَبَّاس فِي ولايته عَلَى مِصر. فولِيَها مُوسَى إلى ربيع الأوَّل سنة أربع وعشرين ومائتين، فكانت وِلايته أربع سنين وتسعة أشهُر»

стр. 140

مالك بْن كَيْدُر ثمَّ ولِيَها مالك بْن كَيْدُر من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الإثنين لسبع بقينَ من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ذاوَه، فولِيَها مالك إلى يوم الأحد لثلاث خلونَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين، وقدِم يومئذٍ خليفةُ عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ، ولِيَها مالك سنتين وأحد عشر يومًا، وتوُفّي مالك بْن كَيْدُر بالإسكَندريّة يوم الأحد لعشر خلونَ من شعبان سنة ثلاث ومائتين وثلاثين. عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ ثمَّ ولِيَها عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الخميس لتسع خلونَ من ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن نُعَيم بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، فولِيَها عليّ بْن يحيى إلى وفاة أَبِي إِسْحَاق المُعتصِم، وكانت وفاته للنصف من ربيع الأوَّل سنة سبع وعشرين ومائتين. وبويع أمير المؤمنين هارون الواثق بالله، فأَقرَّه عليها إلى يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجَّة سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكانت وِلايته عليها سنتين وثمانية أشهُر. عِيسى بْن مَنصُور الثانية فولِيَها عيسى بْن مَنصُور الثانية من قِبَل أَشِناس عَلَى صلاتها، دخلها يوم الجمعة لسبع خلونَ من المحرَّم سنة تسع وعشرين ومائتين فجعل عَلَى شرَطه ابنه، وتُوفّي أَشِناس سنة

стр. 141

ثلاثين ومائتين وجعل مكانه إِيتاخ، فأقرَّه عليها، وسجن عيسى بْن منصور عليَّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ وضيَّق عَلَيْهِ، ثمَّ أطلقه، فولِيَها عيسى إلى وفاة الواثق. وقدِمت بيعة المُتوكِّل إلى مِصر يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت من المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فأقام عيسى عليها إلى يوم السبت للنِصف من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فصُرف عَنْهَا، وقدِم يومئذٍ عليّ بْن مَهْرَوَيْه خليفة هَرْثَمة بْن النَّضْر، ثمَّ مات عيسى بْن منصور فِي قُبَّة الهواء بعد عزله لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ ثمَّ وليَها هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الأربعاء لستّ خلونَ من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا قُتيبة، وورد كتاب المُتوكِّل عَلَى هَرْثَمة يأْمر بترك الجِدال فِي القُرآن يوم الجمعة لخمس خلونَ من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين ومائتين، ومات هَرْثَمة واستخلف ابنه حاتم بْن هَرْثَمة. حاتم بْن هَرْثَمة بْن النَّضْر ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة باستخلاف أبيه عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُويد، فولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة إلى يوم الجمعة لستّ خلونَ من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، ولِيَها شهرًا واحدًا.

стр. 142

عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية ثمَّ ولِيَها بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها لستّ خلونَ من شهر رمضان فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوِية بْن نُعيم، ثمَّ صُرف إِيتاخ فِي المحرَّم سنة خمس وثلاثين، واستُصفِيَت أمواله بِمصر، وتُرك الداء لَهُ، ودُعي للمُنتصر مكانه، ولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي ذي القعدة سنة خمس وثلاثين ومائتين. إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ ثمَّ ولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ من قِبَل المُنتصِر وليّ عهد أبيه المتوِكّل عَلَى اللَّه عَلَى صلاتها وخَراجها، قدَمها لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه الهيَّاجيّ، وجعل عَلَى المظالم عيسى بْن لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ، وورد كتاب المُتوكِّل والمُنتصِر إلى إِسْحَاق بإخراج الطالبيّين من مصر إلى العِراق، وفرض فيهم الأموال ليتحمَّلوا بها، فأعطى كل واحد منهم ثلاثين دينارًا، والمرأَة خمسة عشر دينارًا، وفُرّقت فيهم الثِّياب، ثمَّ خرجوا من الفُسطاط يوم الإثنين لعشر خلونَ من رجب سنة ستّ وثلاثين ومائتين، فقدِموا العِراق، وأُمروا بالخروج إلى المدينة فِي شوَّال سنة ستّ وثلاثين، فولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى إلى ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين ومائتين. قَالَ الشاعر: سَقَى اللَّه مَا بَيْنَ المُقَطَّمِ والصَّفَا … صَفَا النِّيلِ صَوْبَ المُزْنِ حِينَ يَصُوبُ وَمَا بِيَ أَنْ أُسْقِي الْبِلَادَ وإِنَّما … أُحَاوِلُ أَنْ يُسْقَى هُنَاكَ حَبِيبُ فَإِنْ تَكُ يَا إِسْحَاقُ غِبْتَ فَلَمْ تُؤُبُ … إِلَيْنَا وَسَفْرُ الموْتِ لَيْسَ يَئُوبُ فَلَا يُبْعِدَنْك اللَّه سِاكِنَ حُفْرَةٍ … بِمِصرَ عَلَيْهَا جَنْدَلٌ وَجَنُوبُ حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان، عَنْ هارون بْن سَعِيد، قَالَ: كَانَ الناس قد تحدَّثوا أن إِسْحَاق بْن يحيى بْن عزم أن يثور بِمصر، فدخلت عَلَيْهِ، فقال: أَبَلَغك أَنَّهُ من أَراد مِصر بسُوء أكَبَّه اللَّه لِمْخِرَيْه، فقلتُ: قد رُوِي. قَالَ: فلم يلبَثْ إلَّا يسيرًا حتى عُزل ومات بها بعد عزله.

стр. 143

خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى ثمَّ ولِيَها خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى من قِبَل المنتصِر عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم الأربعاء لسبع بقِينَ من ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل البَجَليّ، ثمَّ صُرف خُوط عَنْ خَراجها يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من صفر سنة سبع وثلاثين، وأُقرّ عَلَى الصلاة، وورد كتاب المُتوكِّل، والمنتصِر يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين ومائتين، فأخذ بني عَبْد الحكَم وزكَرِيَّاء كاتب العُمَريّ، وحَمزة بْن المُغِيرة، ويزيد بْن سِنان فِي أموال الجَرَويّ، فحُبسوا فيها مَعَ اللصوص وتتُبِّعت أموالهم، ونُهبت منازلهم. وقدِم يزيد التُّركي ليلة الأربعاء لليلة بقِيَت من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين فِي طلَب أموال الجَرَويّ، وأخْذها ممَّن هِيَ عنده، وقدِم معه عبد الله بْن عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، فأطلق يزيد التُّركيّ محمد بْن أَبِي الليث القاضيّ من السِّجن، وأمره بالحُكم عَلَى بني عَبْد الحكَم عليهم بألف ألف وأربع مائة ألف وأربعة آلاف دينار، وعلى زَكَريَّاء بثمانية آلاف دينار وذلك يوم السبت لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، ورفع القضيَّة إلى يزيد التُّركيّ، فألزم بني عَبْد الحكَم، وزَكريَّاء بالمال، وحكم عَلَى محمد بْن هِلال، ويزيد بْن سِنان، وحَمزة بْن المُغِيرة، ونودي فِي الناس: من كتم شيئًا من أموال الجَرَويّ حلَّ بِهِ وحلّ. فالتوى بنو عَبْد الحكَم، فأخذ يزيد عَبْد الحكَم بن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، فعذَّبه، فمات فِي عَذابه يوم الأحد لأربع بقِينَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، وتتبَّع الناس وطولبوا، وورد كتاب المُتوكِّل بإطلاقهم فِي رجب سنة سبع، فأطلقهم خُوط، فولِيَها إلى سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقدِم خليفة عَنْبَسة عَلَى صلاتها، والشركة فِي الخَراج مستهلّ ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين.

стр. 144

عَنْبَسة بْن إِسْحَاق الضَّبّيّ ثمَّ ولِيَها عَنْبَسة بْن إِسحاق من قِبَل المُنتصِر عَلَى صلاتها وجُعل شريكًا لأحمد بْن خَالِد صاحب الخَراج، قدِمها يوم السبت لخمس خلونَ من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا أحمد القُمّيّ محمد بْن عبد الله، وأخذ عَنْبَسة العُمَّال بردّ المظالم وأقامهم للناس، وأَنصف منهم، وظهر بالحَوف من العدل ما لم يُسمع بِمثله فِي زمانه، وكان يروح إلى المسجد ماشيًا من العسكر، وكان ينادي فِي شهر رمضان بالسَّحور، وكان مشهورًا بمذهب الخوارج. قَالَ يحيى بْن الفَّضْل: مَنْ فَتًى يُبْلِغُ الإِمَامَ كِتَابًا … عَرَبِيًّا وَيَقْتَضِيهِ الجَوَابَا بِئْسَ والله مَا صَنَعْتَ إِلَيْنَا … حِينَ وَلَّيْتَنَا أَمِيرًا مُصَابَا خَارِجِيًّا يَدِينُ بِالسَّيْفِ فينَا … وَيَرَى قَتْلَنَا جَمِيعًا صَوَابَا مَرَّ يَمْشِي إِلَى الصَّلَاةِ نَهَارًا … يُنَادِي السَّحُورَ ظَلَّ وَخَابَا وفي وِلايته نزلت الرُّوم دِمياط يوم عَرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعًا كثيرًا من المسلمين، وسُبي النساء والأطفال وأهل الدِّمَّة، فنفر إليهم عَنْبَسة بْن إِسْحَاق، فغشيَ فِي جيشه، ونفَر كثير من الناس إليهم لم يُدركوهم، ومضى الرُّوم إلى تِنّيس، فأقاموا بأُشْتُومها، فلم يتبَعهم عَنْبَسة. قَالَ يحيى بْن الفَضْل للمتوكِّل: أَتَرْضَى بِأَنْ تُوطَا حَرِيمُكَ عَنْوَةً … وَأَنْ يُسْتَبَاحَ المُسْلِمُونَ وَيُحْرَبُوا حِمَارٌ أَتَى دِمْيَاطَ والرُّومُ وُثَّبٌ … بتِنِّسَ مِنْهُ رَأْيَ عَيْنٍ وأَقْرَبُ

стр. 145

مُقِيمُونَ بِالْأُشْتُومِ يَبْغُونَ مِثْلَ مَا … أَصَابُوهُ مِنْ دِمْيَاطَ وَالحَرْبُ تَرْتُبُ فَلَا تَنْسَنَا أَنَّا بِدَارِ مَضِيعَةٍ … بِمِصْرَ وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَادَ يَذْهَبُ فأمر المُتوكِّل بابتناء حصن دِمْياط، فابتُدئ بِنائه يوم الإثنين لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. وأَفرد عَنْبَسة بالخَراج مَعَ الصلاة، وأمر عَنْبَسة بابتناء المُصلَّى الجديد وذلك أَن المُصلَّى القديم ضاق بالناس، فابتدأَ فِي بِنائه يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، فصلَّى فِيهِ يوم النحر سنة أربعين ومائتين. ثمَّ صُرف عَنْبَسة عَن الخَراج لمستهلّ جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين، وأُفرد بالصلاة. وورد الكتاب بالدُّعاء للفَتْح بْن خاقان فِي ربيع الأوَّل سنو اثنتين وأربعين، فدُعي لَهُ، وكان عَنْبَسة آخِرَ مَن ولِيَها من العَرَب وآخِر أمير صلَّى بالناس فِي المسجِد الجامع، فولِيَها إلى مستهلّ رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فقدِم الْعَبَّاس بْن عبد الله بْن دينار خليفة يزيد بن عبد الله بوِلاية يزيد عليها، ولِيَها عَنْبَسة أربع سنين وأربعة أشهُر، وخرج منها إلى العِراق فِي شهر رمضان سنة أربع وأربعين. يزيد بْن عبد الله التُّركيّ فولِيَها يزيد بْن عبد الله من قِبَل المُنتصر وليّ عهد أبيه عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الإثنين لعشرٍ بقينَ من رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه خَالِدًا، وجعل خَالِد عليها عليّ بْن إِسْحَاق المُونسيّ، ثمَّ ولّى عَلَى الشُّرْطة يحيى بْن أحمد بْن عبد الله بْن دينار، فأمر يزيد بْن عبد الله حِين قدِمها المؤنَّثين من مِصر وضرْبهم ونفْيهم، وأن يُطاف بهم، ومنع من النِّداء عَلَى الجنائز، وضرَب فِيهِ، وأمر بالمختارين، فجُعلوا فِي
следующие страницы →