← Тараджим

Тараджим · id 12831

كتاب الولاة وكتاب القضاة - ط العلمية

أبو عمر الكندي

Полный текст (352 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثلاثين ومائتين وجعل مكانه إِيتاخ، فأقرَّه عليها، وسجن عيسى بْن منصور عليَّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ وضيَّق عَلَيْهِ، ثمَّ أطلقه، فولِيَها عيسى إلى وفاة الواثق. وقدِمت بيعة المُتوكِّل إلى مِصر يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت من المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فأقام عيسى عليها إلى يوم السبت للنِصف من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فصُرف عَنْهَا، وقدِم يومئذٍ عليّ بْن مَهْرَوَيْه خليفة هَرْثَمة بْن النَّضْر، ثمَّ مات عيسى بْن منصور فِي قُبَّة الهواء بعد عزله لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ ثمَّ وليَها هَرْثَمة بْن النَّضْر الجَبَليّ من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الأربعاء لستّ خلونَ من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا قُتيبة، وورد كتاب المُتوكِّل عَلَى هَرْثَمة يأْمر بترك الجِدال فِي القُرآن يوم الجمعة لخمس خلونَ من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين ومائتين، ومات هَرْثَمة واستخلف ابنه حاتم بْن هَرْثَمة. حاتم بْن هَرْثَمة بْن النَّضْر ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة باستخلاف أبيه عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُويد، فولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة إلى يوم الجمعة لستّ خلونَ من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، ولِيَها شهرًا واحدًا.

стр. 142

عليّ بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية ثمَّ ولِيَها بْن يحيى الأَرْمَنيّ الثانية من قِبَل إِيتاخ عَلَى صلاتها لستّ خلونَ من شهر رمضان فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوِية بْن نُعيم، ثمَّ صُرف إِيتاخ فِي المحرَّم سنة خمس وثلاثين، واستُصفِيَت أمواله بِمصر، وتُرك الداء لَهُ، ودُعي للمُنتصر مكانه، ولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي ذي القعدة سنة خمس وثلاثين ومائتين. إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ ثمَّ ولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى بْن مُعاذ من قِبَل المُنتصِر وليّ عهد أبيه المتوِكّل عَلَى اللَّه عَلَى صلاتها وخَراجها، قدَمها لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه الهيَّاجيّ، وجعل عَلَى المظالم عيسى بْن لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ، وورد كتاب المُتوكِّل والمُنتصِر إلى إِسْحَاق بإخراج الطالبيّين من مصر إلى العِراق، وفرض فيهم الأموال ليتحمَّلوا بها، فأعطى كل واحد منهم ثلاثين دينارًا، والمرأَة خمسة عشر دينارًا، وفُرّقت فيهم الثِّياب، ثمَّ خرجوا من الفُسطاط يوم الإثنين لعشر خلونَ من رجب سنة ستّ وثلاثين ومائتين، فقدِموا العِراق، وأُمروا بالخروج إلى المدينة فِي شوَّال سنة ستّ وثلاثين، فولِيَها إِسْحَاق بْن يحيى إلى ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين ومائتين. قَالَ الشاعر: سَقَى اللَّه مَا بَيْنَ المُقَطَّمِ والصَّفَا … صَفَا النِّيلِ صَوْبَ المُزْنِ حِينَ يَصُوبُ وَمَا بِيَ أَنْ أُسْقِي الْبِلَادَ وإِنَّما … أُحَاوِلُ أَنْ يُسْقَى هُنَاكَ حَبِيبُ فَإِنْ تَكُ يَا إِسْحَاقُ غِبْتَ فَلَمْ تُؤُبُ … إِلَيْنَا وَسَفْرُ الموْتِ لَيْسَ يَئُوبُ فَلَا يُبْعِدَنْك اللَّه سِاكِنَ حُفْرَةٍ … بِمِصرَ عَلَيْهَا جَنْدَلٌ وَجَنُوبُ حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان، عَنْ هارون بْن سَعِيد، قَالَ: كَانَ الناس قد تحدَّثوا أن إِسْحَاق بْن يحيى بْن عزم أن يثور بِمصر، فدخلت عَلَيْهِ، فقال: أَبَلَغك أَنَّهُ من أَراد مِصر بسُوء أكَبَّه اللَّه لِمْخِرَيْه، فقلتُ: قد رُوِي. قَالَ: فلم يلبَثْ إلَّا يسيرًا حتى عُزل ومات بها بعد عزله.

стр. 143

خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى ثمَّ ولِيَها خُوط عَبْد الواحد بْن يحيى من قِبَل المنتصِر عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم الأربعاء لسبع بقِينَ من ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل البَجَليّ، ثمَّ صُرف خُوط عَنْ خَراجها يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من صفر سنة سبع وثلاثين، وأُقرّ عَلَى الصلاة، وورد كتاب المُتوكِّل، والمنتصِر يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين ومائتين، فأخذ بني عَبْد الحكَم وزكَرِيَّاء كاتب العُمَريّ، وحَمزة بْن المُغِيرة، ويزيد بْن سِنان فِي أموال الجَرَويّ، فحُبسوا فيها مَعَ اللصوص وتتُبِّعت أموالهم، ونُهبت منازلهم. وقدِم يزيد التُّركي ليلة الأربعاء لليلة بقِيَت من ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين فِي طلَب أموال الجَرَويّ، وأخْذها ممَّن هِيَ عنده، وقدِم معه عبد الله بْن عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، فأطلق يزيد التُّركيّ محمد بْن أَبِي الليث القاضيّ من السِّجن، وأمره بالحُكم عَلَى بني عَبْد الحكَم عليهم بألف ألف وأربع مائة ألف وأربعة آلاف دينار، وعلى زَكَريَّاء بثمانية آلاف دينار وذلك يوم السبت لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، ورفع القضيَّة إلى يزيد التُّركيّ، فألزم بني عَبْد الحكَم، وزَكريَّاء بالمال، وحكم عَلَى محمد بْن هِلال، ويزيد بْن سِنان، وحَمزة بْن المُغِيرة، ونودي فِي الناس: من كتم شيئًا من أموال الجَرَويّ حلَّ بِهِ وحلّ. فالتوى بنو عَبْد الحكَم، فأخذ يزيد عَبْد الحكَم بن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، فعذَّبه، فمات فِي عَذابه يوم الأحد لأربع بقِينَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، وتتبَّع الناس وطولبوا، وورد كتاب المُتوكِّل بإطلاقهم فِي رجب سنة سبع، فأطلقهم خُوط، فولِيَها إلى سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقدِم خليفة عَنْبَسة عَلَى صلاتها، والشركة فِي الخَراج مستهلّ ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين.

стр. 144

عَنْبَسة بْن إِسْحَاق الضَّبّيّ ثمَّ ولِيَها عَنْبَسة بْن إِسحاق من قِبَل المُنتصِر عَلَى صلاتها وجُعل شريكًا لأحمد بْن خَالِد صاحب الخَراج، قدِمها يوم السبت لخمس خلونَ من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا أحمد القُمّيّ محمد بْن عبد الله، وأخذ عَنْبَسة العُمَّال بردّ المظالم وأقامهم للناس، وأَنصف منهم، وظهر بالحَوف من العدل ما لم يُسمع بِمثله فِي زمانه، وكان يروح إلى المسجد ماشيًا من العسكر، وكان ينادي فِي شهر رمضان بالسَّحور، وكان مشهورًا بمذهب الخوارج. قَالَ يحيى بْن الفَّضْل: مَنْ فَتًى يُبْلِغُ الإِمَامَ كِتَابًا … عَرَبِيًّا وَيَقْتَضِيهِ الجَوَابَا بِئْسَ والله مَا صَنَعْتَ إِلَيْنَا … حِينَ وَلَّيْتَنَا أَمِيرًا مُصَابَا خَارِجِيًّا يَدِينُ بِالسَّيْفِ فينَا … وَيَرَى قَتْلَنَا جَمِيعًا صَوَابَا مَرَّ يَمْشِي إِلَى الصَّلَاةِ نَهَارًا … يُنَادِي السَّحُورَ ظَلَّ وَخَابَا وفي وِلايته نزلت الرُّوم دِمياط يوم عَرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعًا كثيرًا من المسلمين، وسُبي النساء والأطفال وأهل الدِّمَّة، فنفر إليهم عَنْبَسة بْن إِسْحَاق، فغشيَ فِي جيشه، ونفَر كثير من الناس إليهم لم يُدركوهم، ومضى الرُّوم إلى تِنّيس، فأقاموا بأُشْتُومها، فلم يتبَعهم عَنْبَسة. قَالَ يحيى بْن الفَضْل للمتوكِّل: أَتَرْضَى بِأَنْ تُوطَا حَرِيمُكَ عَنْوَةً … وَأَنْ يُسْتَبَاحَ المُسْلِمُونَ وَيُحْرَبُوا حِمَارٌ أَتَى دِمْيَاطَ والرُّومُ وُثَّبٌ … بتِنِّسَ مِنْهُ رَأْيَ عَيْنٍ وأَقْرَبُ

стр. 145

مُقِيمُونَ بِالْأُشْتُومِ يَبْغُونَ مِثْلَ مَا … أَصَابُوهُ مِنْ دِمْيَاطَ وَالحَرْبُ تَرْتُبُ فَلَا تَنْسَنَا أَنَّا بِدَارِ مَضِيعَةٍ … بِمِصْرَ وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَادَ يَذْهَبُ فأمر المُتوكِّل بابتناء حصن دِمْياط، فابتُدئ بِنائه يوم الإثنين لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. وأَفرد عَنْبَسة بالخَراج مَعَ الصلاة، وأمر عَنْبَسة بابتناء المُصلَّى الجديد وذلك أَن المُصلَّى القديم ضاق بالناس، فابتدأَ فِي بِنائه يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، فصلَّى فِيهِ يوم النحر سنة أربعين ومائتين. ثمَّ صُرف عَنْبَسة عَن الخَراج لمستهلّ جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين، وأُفرد بالصلاة. وورد الكتاب بالدُّعاء للفَتْح بْن خاقان فِي ربيع الأوَّل سنو اثنتين وأربعين، فدُعي لَهُ، وكان عَنْبَسة آخِرَ مَن ولِيَها من العَرَب وآخِر أمير صلَّى بالناس فِي المسجِد الجامع، فولِيَها إلى مستهلّ رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فقدِم الْعَبَّاس بْن عبد الله بْن دينار خليفة يزيد بن عبد الله بوِلاية يزيد عليها، ولِيَها عَنْبَسة أربع سنين وأربعة أشهُر، وخرج منها إلى العِراق فِي شهر رمضان سنة أربع وأربعين. يزيد بْن عبد الله التُّركيّ فولِيَها يزيد بْن عبد الله من قِبَل المُنتصر وليّ عهد أبيه عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الإثنين لعشرٍ بقينَ من رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه خَالِدًا، وجعل خَالِد عليها عليّ بْن إِسْحَاق المُونسيّ، ثمَّ ولّى عَلَى الشُّرْطة يحيى بْن أحمد بْن عبد الله بْن دينار، فأمر يزيد بْن عبد الله حِين قدِمها المؤنَّثين من مِصر وضرْبهم ونفْيهم، وأن يُطاف بهم، ومنع من النِّداء عَلَى الجنائز، وضرَب فِيهِ، وأمر بالمختارين، فجُعلوا فِي

стр. 146

الكُوَر وهو أوَّل من جعلهم فيها، وأمر يزيد بضرب رجُل من الجُند فِي شيء وجب عَلَيْهِ، فضربه عشرةً فاستحلف يزيد بحقّ الْحَسَن، والحسين إِلَّا عفا عَنْهُ فزاده ثلاثين دَرَّة، ورفع ذَلكَ صاحب البريد إلى المُتوكِّل، فورد كتاب المتوكِّل عَلَى يزيد بضرب ذَلكَ الجُنديّ مائة سوط، فضُربها وحُمل الجُنديّ إلى العِراق لثمان خلونَ من شوَّال سنة ثلاث وأربعين. وخرج يزيد بْن عبد الله إلى دِمْياط مُرابِطًا فِي المحرَّم سنة خمس وأربعين، ورجع إلى الفُسطاط فِي ربيع الأوَّل، فلمَّا كَانَ ببنها، بلغه أن الرُّوم نزلوا الفَرَما، فرجع فِي جَيشه إلى الفَرَما، فلم يَلْقَهم. وأمر يزيد فِي شوَّال ببيع الخيل التي تُتَّخذ للسُلطان وعطّل الرِّهان، فلم تجرِ إلى سنة تسع وأربعين، وتتبَّع يزيد بْن عبد الله الروافض، فحملهم إلى العراق، وورد كتاب المتوكِّل بابتناء المِقْياس الهاشميّ للنيل، وبعزل النصارى عَنْ قِياسه، فجعل يزيد عليها أَبَا الرَّدَّاد المُعلِّم، وأجرى عَلَيْهِ سُليمان بن وَهَب صاحب الخَراج سبعة دنانير وذلك فِي سنة سبع وأربعين ومائتين، وظهر يزيد فِي شعبان سنة ثمان وأربعين عَلَى رجُل، يُقال لَهُ: محمد بْن عليّ بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن أَبِي طَالِب يُعرف بأبي حدري، بُويع لَهُ، فبعث يزيد إلى الموضِع الَّذِي كَانَ فِيهِ فأخذه، فأقرّ وأقرّ عَلَى جمع من الناس بايعوه، فأُخذ بعضهم، فضُربوا بالسِّياط، ثمَّ أُخرج بالعلَويّ هُوَ وجمع من آل أَبِي طَالِب إلى العراق فِي شهر رمضان سنة ثمان وأربعين. وتُوفّي المُتوكِّل ليلة الخميس لخمس خلونَ من شوَّال سنة سبع وأربعين ومائتين، وبويع محمد المُنتصِر، وتُوفّي الفَتْح بْن خاقان وأقرّ المُنتصِر يزيد بْن عبد الله عليها، ثمَّ ورد كتاب المُنتصِر بأن لا يُقبَّل عَلَويّ ضِيعةً، ولا يركَب فرَسًا، ولا يسافر من الفُسطاط إلى طرَف من أطرافها، وأن يُمْنَعوا من اتّخاذ العبيد إلَّا العبد الواحد، وإن كانت بينه وبين أَحد من الطالبيّين خُصُومة من سائر الناس قُبل قول خصمه فِيهِ، ولم يُطالَب ببيّنة، وكتب المُنتصِر إلى العُمَّال بذلك.

стр. 147

وتُوُفّي المُنتصِر فِي ربيع الأوَّل سنة ثمان وأربعين ومائتين. وبويع المُستعين فِي ربيع الآخر، وورد الكتاب إلى مِصر بذلك يوم السبت لستّ بقِينَ من ربيع الآخر، وورد كتاب المُستعِين إلى يزيد بْن عبد الله يأمره، أَن يستسقي الناس لقحط كَانَ بالعِراق، وكتب إلى الآفاق، فخرج الناس معه يوم الأربعاء لسبع عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين، فاستسقوا واستسقى أهل الآفاق فِي يوم واحد. وأخرج يزيد ستَّة رِجال من الطالبيّين إلى العِراق فِي شهر رمضان سنة خمسين ومائتين، ثمَّ أخرج بثمانية منهم فِي رجب سنة خمس وخمسين، وعزل المُؤنِسيّ عَن الشُّرَط فِي رجب سنة إحدى وخمسين، وولَّى محمد بْن إِسْبَنْدِيار، وخُلع المُستعِين فِي المحرَّم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وبُويع المعتَزّ لخمس خلونَ من المحرَّم، وكان بيعته بِمصر يوم الأحد لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وخمسين. وخرج جَابِر بْن الوليد المُدْلجِيّ من بني الهَجيم بْن عَتوارة بْن عَمرو بْن مُدْلِج بأرض الإِسْكَنْدَريَّة فِي ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين، واجتمع إِلَيْهِ كثير من بني مُدْلِج الصُّلبيَّة، والموالي، فبلغ ذلك والي الإسكَندريَّة محمد بن عُبَيْد اللَّه بْن يزيد بْن مَزْيد الشَّيْباني، فبعث إِلَيْهِ برجُل من أصحابه، يُقال لَهُ: نصر الطَّحاويّ، وعقد لَهُ عَلَى ثلاثمائة رجُل، فنزل الكْرِيَون وسأَل عَنْ جَابِر وأصحابه، فأُخبر بأنهم بأرض صا، فزحف إليهم، فقاتلهم، فهزمهم جَابِر، فرجع نصر إلى الإِسكَندريَّة يسأَل المدَد، ففرض محمد بْن عُبَيْد اللَّه فروضًا، وبعث عليهم بُرد بْن عبد الله، وأبو العوا وهو مقيم بالكِرْيَون، فساروا جميعًا إلى دِسُونس، فأَتاهم جَابِر، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فانهزم نصر، وبُرد، وظفِر جَابِر بعسكرهم وجميع ما فِيهِ، ورجع الفلّ إلى الإسكَندريَّة، فتحصَّنوا بها، وقوِي أمر جَابِر بْن الوليد، وأتاه الناس من كل ناحية وضوى إِلَيْهِ كل من يُومى إِلَيْهِ بشِدَّة ونجدة، فكان ممَّن أتاه عبد الله المَريسيّ وكان رجُلًا خبيثًا، ولحِق بِهِ جُرَيج النَّصرانيّ الحارس وكان من شِرار النصارى،

стр. 148

ولحِق بِهِ أَبُو حَرْمَلة النُّوبيّ وكان رجُلًا فاتكًا، فعقد لَهُ جَابِر عَلَى سَنْهُور، وسَخا، وشَرقيُون، وبَنا، فمضى أَبُو حَرْمَلة فِي جيش عظيم، فضمّ هذه الأعمال، وأخرج منها العُمَّال وجبى خَراجها، ولحِق بِهِ عبد الله بْن أحمد بْن محمد بْن إسماعيل بْن محمد بْن عبد الله بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن عليّ ابن أَبِي طَالِب الَّذِي، يُقال لَهُ: ابن الأَرقط، فقوَّده أَبُو حَرْمَلة وضمّ إِلَيْهِ كثيرًا من الأعراب، ووجوه أصحابه، وضمّ إِلَيْهِ ابن عَسَّامة المَعافريّ، وولَّاه بَنا، وبُوصِير، وسَمَنُّود، وأبو حَرْمَلة مُقيم بشَرقيُون، فبعث يزيد بْن عبد الله بأبي أحمد محمد بْن عبد الله الدَّبَرانيّ فِي جمع كثير من الأتراك، فنزل بدَمْسيس فِي جمادى الآخرة اثنتين وخمسين ومائتين. وبعث رجُلًا من التُّرك، يُقال لَهُ: غُلبك، ومعه محمد بْن العبَّاب بْن مُسلم بْن السَّراح، فلقيِ عبد الله بْن الأَرقَط فيما بين بُوصِير، وبَنا، فقتل ابن الأَرقَط من أصحاب غُلبك نحوًا من عشرين رجُلًا، وثبَت غُلبك، ومحمد ريش، فقاتلاه فهزماه سلخ جمادى الآخرة، وقتل من أصحاب ابن الأَرقَط مقتلةً عظيمةً وأسر منهم كثير، فبعث الدَّبَرانيّ بالأسرى والرءوس إلى الفُسطاط، ومضى ابن الأَرقط إلى شَرقيُون، فلحِق بأبي حَرْمَلة، ونزل الدَّبَرانيّ مدينة بَنا وترك عسكره فيما بين بَنا وسَمَنُّود، وأقبل أَبُو حَرْمَلة ومعه ابن الأَرقط قاصدًا من شَرقيُون إلى بَنا، وبعث أَبُو حَرْمَلة بكمين لَهُ، فهجموا عَلَى عسكر الدَّبَرانيّ مَعَ المغرِب، فحمل عليهم أصحاب الدَّبَرانيّ، فانهزم أَبُو حَرْمَلة ومن معه إلى شَرقيُون، ومضى الدَّبَرانيّ، فنزل سَنْدَفا وضربها بالنار ونهب أهلها، وانهزم أَبُو حَرْمَلة فيمن معه، وتشاغل أصحاب الدَّبَرَانيّ بالنهب، فكرّ أَبُو حَرْمَلة، فقتل أَبَا حامد الدَّبَرانيّ، ورجع أصحاب الدَّبَرانيّ على سَنْدَفا، وبُعِثَ من العِراق بمُزاحِم بْن خاقان مُعينًا ليزيد بْن عبد الله، فقدِمها فِي جيش كثير يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقِيَت من رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فبعث

стр. 149

برُسُل من أصحابه إلى جَابِر بْن الوليد يأمره بالرُّجوع إلى طاعة السلطان، فاحتبس رُسُله أيَّامًا، ثمَّ أجازهم بجوائز عظيمة وردّهم، وقدم وأَخذ فِي كتابه ولم يُجمِع عَلَى أمر واحد. ومضى الدَّبَرانيّ فِي طلَب أَبِي حَرْمَلة لمُستَهلّ شعبان فالتقى مَعَ أَبِي حَرْمَلة بسمَنُّود، فانهزم أَبُو حَرْمَلة وعاد إلى شَرقيُون، ثمَّ رجع إلى سَنْدَفا وأتاه الدَّبَرانيّ بسَنْدَفا، فواقعه، فتفرَّق عَنْ أَبِي حَرْمَلة أكثر أصحابه ولحِقوا بجابر بْن الوليد، وبعث ابن عسَّامة ابنه يطلب الأمان. فآمنه يزيد، فقدِم الفُسطاط ولبِس السواد، وبعث الدَّبَرانيّ برأس نصر بْن حَكيمة، وبرأس أخيه، وبرأس أَبِي هانئ، وعاد الدَّبَرانيّ إلى محارَبة أَبِي حَرْمَلة، فأُسر أَبُو حَرْمَلة، ثمَّ أُدخِل بِهِ الفُسطاط وبجَمْع كثير من الأسرى فِي شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وواقع سلتق التُّركيّ بمن فِي صا وشَباس من أصحاب جَابِر، فقتلهم ونفاهم عَنْ تِلْكَ البلاد، ثمَّ استأْمن عبد الله بْن أحمد بْن الأرقط العَلَويّ، وأومن فِي شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ودخل إلى مُزاحم، فبعث بِهِ مُزاحم إلى عَرَق صاحب البُرد، فكان عنده، ثمَّ أمر مُزاحم بإِخراجه فِي جمع معه إلى العِراق، فأُخرج بهم لمستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين مَعَ أخي مُزاحم، فهرب عبد الله بْن الأرقط، ورجع أخو مُزاحم لسبع خلونَ من ربيع الأوَّل، ثمَّ ظُفِر بِهِ بعد ذَلكَ، فحُبس، ثمَّ حُمِل بكتاب ورد عَلَى أحمد بْن طُولُون فِي صفر سنة خمس وخمسين ومائتين، وخرج ابن عزيز بالحَوْف، فخرج إِلَيْهِ مُزاحم بْن خاقان لمستهلّ ربيع الأوَّل سنة ثلاث وخمسين، ثمَّ ورد كتاب نصر بصرف يزيد بْن عبد الله عَنْهَا، فكانت وِلايته عليها عشر سنين وسبعة أشهُر وعشرة أيَّام، وخرج يزيد عَنْهَا يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من شوَّال سنة خمس وخمسين ومائتين.

стр. 150

مُزاحِم بْن خاقان ثمَّ ولِيَها مُزاحِم بْن خاقان لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ولِيَها من قِبَل المعتَزّ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أزجُور، واستخلف ابن إِسبنْدِيار، وعقد مُزاحِم ليزيد بْن عبد الله فِي طلَب جَابِر بْن الوليد، فخرج يزيد فِي طلَبه إلى ناحية الإِسكَندريَّة وجابر يومئذٍ مُقيم بتَرُوجة، وأقام يزيد بالشِّراك، وسار مُزاحِم بالحَوْف الشرقيّ لِقتال عُمَّال ابن عزيز، وابن ضوء، ومَن معهما. ومات أَبُو حَرْمَلة فِي السِّجن يوم الأحد لأربع بقِينَ من ربيع الآخر، وصُلِب بالمُصلَّى. وقدِم مُزاحم بْن خاقان من الحَوْف بابن عزيز، وابن ضوء، وبمائة رجُل من الأَسرَى يوم الأحد لعشر خلونَ من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين، وعسكر مُزاحم بْن خاقان يوم السبت للنِصف من جمادى الأُولى بالجِيزة، وتوجَّه سائرًا إلى جَابِر، فلقِيَه بتَرُوجة، فهرب جَابِر، وأُسِر جمع كثير من أصحابه، ومضى جَابِر إلى نَهْيا من أرض الجِيزة لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخِرة، فخرج إليهم أزجُور، فحاربهم، فظفِر منهم بأربعين رجلًا، ومضى جَابِر إلى الفَيُّوم، فنزل البطس واقع الأعراب بتَنْهَمَت، فقتل كثيرًا منهم، ورجع مُزاحم بْن خاقان فِي أثَره، فنزل نَهيْا بعد مسير جَابِر منها بأربعة أيَّام، ورحل مُزاحم إلى الفَيُّوم، فواقع جَابِر فيما بين تَنْهمَت، وأَقْنَى وأُسر ابن عمّ لجابر، يُقال لَهُ: أصبع، وانهزم جَابِر إلى جَنْبَويه من كُورة البَدَقُون، ورجع

стр. 151

مُزاحِم إلى الفُسطاط يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وطلب جَابِر الأَمان، فآمنه مُزاحم وستَّة نفَر من قومه، فدخلوا الفُسطاط بأَمان، فسُجن جَابِر خوفًا من الأنذال أن يغتالوه، ثمَّ بُعث بِهِ إلى العِراق مَعَ رَخْش فِي رجب سنة أربع وخمسين فِي وِلاية أزجُور. وأمر أزجُور فِي وِلايته عَلَى الشُّرَط بمنع النساء من الحمَّامات والمقابر، وسجن المؤنَّثين والنوائح، ومنع من الجهر ببسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم فِي الصلوات بالمسجِد الجامع، وأمر الْحَسَن بْن الربيع إِمام المسجِد الجامع بتركها وذلك فِي رجب سنة ثلاث وخمسين، ولم يزَل أهل مصر عَلَى الجهر بها فِي المسجِد الجامع مُنذ الإِسلام إلى أن منع منها أزجُور، وأخذ أهل المسجد الجامع بتمام الصفوف، ووجَّه بذلك رجُلًا من العَجَم يُكنَى أَبَا دَاوَه، فكان يقدّم الناس من مُؤَخَّر المسجِد بالسوط، وأمر أهل الحلَق بتحويل وجوههم إلى القِبلة قبل إقامة الصلاة، ومنع من المساند التي يُستند إليها، ومنع من الحصُر التي يجعلها الناس لمجالسهم فِي المسجد، وأمر أن تُصلَّى التراويح فِي شهر رمضان خمس تراويح، ولم تزَل أهل مِصر يصلُّون ستّ تراويح حتى جعلها أزجُور خمسًا وذلك فِي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ومنع أزجُور من التثويب، وأمر بالأذان يوم الجمعة فِي مُؤَخَّر المسجِد. ثمّ صُرف أزجُور عَن الشُّرَط فِي ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأُفرد بها محمد بْن إِسْبَنْدِيار، وأزجُور الآمر والناهي، فأمر أزجُور بالتغليس بصلاة الصبح وذلك أنهم أسفروا بها فِي وِلاية يزيد، وأمر أزجُور أن لا يُشَقّ عَلَى ميِّت ثوبٌ، ولا يُسوَّد وجهٌ، ولا يُحلَق شَعر. ومنع من الخلُوق الَّذِي يُجعَل عَلَى الثِّياب مَعَ السُّوار، وكان أُحدِث فِي وِلاية يزيد بْن عبد الله، ومنع النِّساء من صِياحهم، وعاقب فِيهِ وتشدَّد، ومرِض مُزاحِم بْن خاقان فاستخلف ابنه أحمد، وتُوفي مُزاحِم ليلة الاثنين لخمس خلونَ من المحرَّم سنة أربع وخمسين ومائتين.

стр. 152

أحمد بْن مُزاحِم بْن خاقان ثمَّ وليَها أحمد بْن مُزاحِم باستخلاف أبيه لَهُ عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أزجُور فولِيَها أحمد إلى أن تُوفّي بها لتسع خلونَ من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين ومائتين، ولِيَها شهرين ويومًا، واستخلف عليها أزجُور. أزجُور التُّركيّ ثمَّ ولِيَها أزجُور باستخلاف أحمد بْن مُزاحِم عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه بُولغيا، وخرج فِي إِمرته رجُل من العلَويّين، يقال لَهُ: بُغا الأكبر وهو أحمد بْن إبراهيم بْن عبد الله بْن طَباطَبا إبراهيم بْن إسماعيل بْن إبراهيم بْن حسن بْن حسن خرج بالسانه من الصعيد، فبعث إِلَيْهِ أزجُور بأربعمائة رجُل لمحاربته، فهرب بُغا منهم ومات، فولِيَها إلى شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، ولِيَها خمسة أشهُر ونصفًا ثمَّ خرج منها إلى الحاجّ لمستهلّ ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائتين.

стр. 153

الدولة الطُّولُونيَّة أَحمد بْن طُولُون ثمَّ ولِيَها أحمد بْن طُولُون من قِبَل المُعتَزّ عَلَى صلاتها، دخلها يوم الخميس لسبع بقينَ من شهر رمضان سنة أربع وخمسين، فأقرّ بُولغيا عَلَى الشُّرَط إلى اثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شوَّال سنة أربع وخمسين ومائتين، فصرفه وجعل مكانه بُوزان التُّركيّ، فاستخلف محمد بْن إِسْبَنْديار، فكان بُوزان رُبَّما صلَّى بالناس فِي المسجِد الجامع، ثمَّ خرج بُغا الأَصغر وهو أحمد بْن محمد بْن عبد الله بْن طَبَاطَبا، خرج فيما بين الإسكندريَّة وبَرْقَة بموضِع، يُقال لَهُ: الكنائس، ومعه ابن عمّ لجابر بْن الوليد المُدْلجِيّ وذلك فِي جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين، وسار فِي جمع معه إلى الصعيد فلقِيَه بُهْم. بْن الحسين، فحاربه، فقتل بُغا وأتى برأسه إلى الفُسطاط يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقِيَت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. ثمَّ صُرف بُوزان عَن الشُّرَط ووليَ مكانه مُوسَى بْن طونيق يوم الأربعاء لثمان خلونَ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وبُويع المهتدِي بْن الواثق. وخرج ابن الصُّوفيّ العلَويّ بصعيد مِصر وهو إبراهيم بْن محمد بْن يحيى بْن عبد الله بْن محمد بْن عُمر بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵇، كَانَ خروجه فِي سنة ثلاث وخمسين ومائتين، فدخل إِسْنا فِي ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين، فنهبها وقتل

стр. 154

أهلها، فبعث إِلَيْهِ أحمد بْن طُولُون بابن زذَاد فِي جيش، فواقعه بهُو يوم الأربعاء لخمس خلونَ من ربيع الأول سنة ستّ وخمسين ومائتين، فانهزم ابن زذَاد وجُرح ثمَّ ظفِر بِهِ ابن الصُّوفيّ بعد قطع يديه ورِجليه وصلبه، فعقد أحمد بْن طُولُون لبُهْم بن الْحُسَيْن عَلَى جيش، وضمّ إِلَيْهِ ابن عُجيف، فخرج إلى الصعيد يوم الخميس لتسع عشرة خلت من ربيع الآخر، فانهزم ابن الصُّوفيّ، ومضى منهزمًا وترك جميع ما كَانَ معه، وقتِلت رَجَّالته، فبعث أحمد بْن طُولُون إلى بُهْم بخلَع وطَوق من ذهَب، ومضى ابن الصُّوفيّ إلى الواح فأقام بِهِ بتنيس، ثمَّ خرج إلى الأُشْمُونَيْن فِي المحرَّم سنة تسع وخمسين، فبعث إِلَيْهِ بأبي مُغيث فِي خمسمائة، فوجد ابن الصُّوفيّ قد سار إلى أُسوان لمحارَبة أَبِي عبد الله العُمَري عبد الله بْن عَبْد الحميد بْن عبد الله بْن عَبْد العزيز بْن عبد الله بْن عبد الله بْن عُمر بْن الْخَطَّاب، فالتقى هُوَ، والعُمَريّ، فظفِر بِهِ العُمَريّ وبجميع جيشه، فقتل منهم مقتله عظيمة، ورجع ابن الصُّوفيّ إلى أُسْوان، فقطع لأهلها ثلاثمائَة ألف نخلة وظهر فَساده بها، فبعث أحمد بن طُولُون بابن سيما مدَدًا لبُهْم بْن الْحُسَيْن، واضطرب أمر ابن الصُّوفيّ مَعَ أصحابه، فتركهم ومضى إلى عَيْذاب، فركب البحر إلى مكَّة، فأقام بها ثمَّ بُعث بِهِ منها بعد ذَلكَ بحِين إلى أحمد بْن طُولُون، فسجنه، ثمَّ أَطلقه، فخرج إلى المدينة، فمات. وكان عيسى بْن الشيخ بْن السَّليل الشَّيبانيّ واليًا عَلَى فِلَسطِين والأُردُنّ، ثمَّ تغلَّب عَلَى دِمَشْق وامتنع من حمل المال إلى العِراق، فحمل ابن مُدَبَّر صاحب خَراج مِصر إلى العِراق بسبع مائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار فعارضها عيسى بْن الشيخ، فذهب

стр. 155

بها، وكتب إلى أحمد بْن طُولُون بالخُروج إِلَيْهِ وتسليم أعماله، ففرض أحمد بْن طُولُون فرُوضًا واتَّخذ السُّودان، فأكثر وأظهر أحمد الخروج إِلَيْهِ وذلك فِي صفر سن ستّ وخمسين ومائتين، ثمَّ رأَى أن يكاتبه قبل شُخُوصه إِلَيْهِ، فكتب إِلَيْهِ مَعَ قَيْس بْن حَفْص كاتب بكَّار القاضي، وأحمد بْن يحيى السَّرَّاج، فرجعا بما لم يوافق أحمد بْن طُولُون، ثمَّ خرج أحمد بْن طُولُون يوم الخميس لستّ خلونَ من جمادى الآخِرة سنة ستّ وخمسين واستخلف أخاه مُوسَى بْن طُولُون عَلَى مِصر، وصرفه عَن الشُّرَط، فجعل مُوسَى عَلَى شُرَطه محمد بْن عيسى، ورجع أحمد بْن طُولُون من الطريق بكتاب ورد عَلَيْهِ من العِراق، فدخل الفُسطاط لأيَّام خلت من شعبان، فعاد مُوسَى بْن طُولُون إلى الشُّرَط، وبعث إلى عيسى بْن الشيخ بماجُور، فحاربه، فانهزم أصحاب عيسى وقُتل ابنه بمصر، وتسلَّم مأجُور أعمال الشام. وتُوفّي المهتدي فِي شعبان سنة ستّ وخمسين ومائتين، وبويع المُعتمد بن المُتوكِّل، فأقرّ أحمد بْن طُولُون عليها وابتدأ أحمد بْن طُولُون فِي بُنْيان المَيْدان فِي شعبان سنة ستّ وخمسين، وأمر بحرث قُبُور اليَهود، والنصارى وبنى موضعهما، وقدِم الْعَبَّاس، وخُمارَوَيْهِ ابنا أحمد بْن طُولُون بأخيه مُوسَى إلى العِراق، وجعل مكان مُوسَى عَلَى الشُّرَط مُوسَى بن طُونيق وذلك فِي جمادى الآخِرة سنة سبع وخمسين، ثمَّ أمر أحمد بردّ أخيه مُوسَى فِي رجب، فرجع من الطريق، فردّه إلى الشُّرَط ثمَّ صرفه عَن الشُّرَط فِي شهر رمضان سنة سبع وخمسين وجعل مكانه طغلُغ، فاستخلف طخشي بْن بلبرد، وورد كتاب يارجُوخ إلى أحمد بْن طُولُون بتسليم الأعمال الخارجة عَنْ يده من أرض مِصر، فتسلَّم الإسكندريَّة من إِسْحَاق بْن دينار، وخرج إليها يوم الإثنين لثمان خلونَ من شهر رمضان سنة سبع وخمسين واستخلف عَلَى الفُسطاط طغلُغ، وجعل عَلَى الشُّرَط طخشي بْن بلبرد، ثمَّ قدِم أحمد بْن طُولُون من الإِسكندريَّة يوم الخميس لأربع عشرة بقِيَت من شوَّال سنة سبع، وقد سخِط عَلَى أخيه مُوسَى بْن طُولُون، وأمر مُوسَى بلِباس البياض، وخرج أحمد أيضًا إلى إِسْكندريَّة

стр. 156

خَرْجته الثانية يوم السبت لثمان بقينَ من شعبان سنة تسع وخمسين فاستخلف عليها ابنه الْعَبَّاس بْن أحمد، فصرف طخشي عَن الشُّرَط، وجعل مكانه محمد بْن هَرْثَمة، وقدِم أحمد إلى الفُسطاط يوم الخميس لثمان خلون من شوَّال سنة تسع وخمسين وأمر أحمد ببُنْيان المسجِد عَلَى الجبَل فِي صفر سنة تسع وخمسين وأمر أيضًا ببُنْيان المارِستان للمَرضى، فبُني لَهم فِي سنة تسع وخمسين. وقال محمد بْن داود: أَلَا أَيُّهَا الأَغْفَالُ إِيهًا تَأَمَّلُوا … وَهَلْ يُوقِظُ الأذْهَانَ غَيْرُ التَّأَمُّلِ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ طُولُونَ نَقْمَةٌ … تَسَيَّرُ مِنْ سُفْلٍ إِلَيْكُمْ وَمِنْ عَلِ وَلَوْلَا جِنَايَاتُ الذُّنوبِ لَمَا عَلَتْ … عَلَيْكُمْ يَدُ العِلْجِ السَّخِيفِ المُجَهَّل يُعَالِجُ مَرْضَاكُمْ وَيَرْمِي حَرِيمكُمْ … حبيش. . . . . . القَلْبِ أَدْهَمَ أَعْزَلِ فَيَا لَيْتَ مَارِسْتَانَهُ نِيطَ بِاسْتِهِ … وَمَا فِيهِ مِنْ عِلْجٍ عُتُلٍّ مُقَلِّلِ فَكَمْ ضَجَّةٍ لِلنَّاسِ مِنْ خَلْفِ سِتْرِهِ … تُضَجُّ إِلَى قَلْبٍ عَنِ اللَّه مُغْفِلِ وورد كِتاب المُعتمِد إلى أحمد بْن طُولُون يستحِثّه فِي حمل الأموال، فكتب إِلَيْهِ: لستُ أُطيق ذَلكَ، والخَراج بيد غيري، فأنفذ المُعتمِد نفيسًا الخادم إلى أحمد بْن طُولُون بتقليده الخَراج بِمصر وبوِلايته عَلَى الثغور الشاميَّة، فأقرّ أحمد بْن طُولُون أَبَا أيُّوب أحمد بْن محمد بْن شُجاع عَلَى الخَراج خليفةً لَهُ عليها، وضجّ أهل الثغور من وُلاتهم، فبعث أحمد بْن طُولُون إلى أخيه مُوسَى وهو مقيم بطُرْسُوس بتقليدهم، فامتنع مُوسى من وِلايتها، وكتب أحمد إلى إبراهيم بْن عَبْد الوهَّاب بوِلايتها، فامتنع، فعقد أحمد عليها لطخشي بْن بلبرد، فخرج إليها فِي جمادى الأُولى سنة أربع وستين ومائتين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط الْحَسَن بْن غالب الطَّرْسُوسيّ، وتقدَّم أبُو أحمد الموفَّق إلى مُوسَى بْن بُغا فِي صرف أحمد بْن طُولُون، عَنْ مِصر وتقليدها مأجُور التُّركي، فكتب مُوسَى بذلك إلى مأجور وهو والي دمشق يومئذِ، فتوقّف لعَجزه عَنْ مُقاتَلة أحمد بْن طُولُون، فخرج مُوسى بْن بُغا، فنزل الرَّقَّة

стр. 157

وبلغ ابن طُولُون، أنه سائر إِلَيْهِ، وأنه مُجدّ فِي محاربَته، فعمِل أحمد بْن طُولُون فِي الحَذَر منه، وابتدأ فِي بُنْيان حِصن الجزيرة الَّذِي بين الجِسرين، ورأَى أن يجعلها مَعقِلًا لماله وحَرَمه، وذلك فِي سنة ثلاث وستّين. واجتهد أحمد بْن طُولُون فِي بُنْيان المراكب الحربيَّة وإِطافتها بالجزيرة، وأظهر الامتناع من مُوسى بْن بُغا بكلّ ما قدِر عَلَيْهِ. وأقام مُوسَى بْن بُغا بالرَّقَّة عشرة أشهُر وأحمد فِي إِحكام أُمُوره، فاضطرب أصحاب مُوسى عَلَيْهِ، وضاق بهم منزِلهم، وطالبوا مُوسى بالمسير أو الرجوع إلى العِراق، فبينا هُوَ فِي ذَلكَ تُوفّي مُوسَى بْن بُغا فِي صفر سنة أربع وستين. قَالَ محمد بْن داود لأحمد بْن طُولُون: لَما ثَوَى ابْنُ بُغَا بِالرَّقَّتَيْنِ مَلَا … سَاقَيْهِ زَرْقًا إِلَى الكَعْبَيْنِ والعَقِبِ بَنَى الجَزِيرَةَ حِصْنًا يَسْتَجِنُّ بِهِ … بِالعَسْفِ والضَّرْبِ والصُّنَّاعُ فِي تَعَبِ لَهُ مَرَاكِبُ فَوْقَ النِّيلِ رَاكِدَةٌ … فَمَا سِوَى القَارِ لِلنُّظَّارِ والخَشَبِ يُرَى عَلَيْهَا لِبَاسُ الذُّلّ مُذْ بُنِيَتْ … بِالشَّطِّ مَمْنُوعَةً مِنْ عِزَّةِ الطَّلَبِ فَما بَنَاهَا لِغَزْوِ الرُّومِ مُحْتَسِبًا … لِكِنْ بَنَاهَا غَدَاةَ الرَّوْعِ لِلْهَرَبِ ثمَّ تَوُفّي ماجُور بِدِمَشْق واستخلف ابنه عليّ، فحرَّك ذَلكَ أحمد بْن طُولُون عَلَى المسير، فكتب إلى عليّ يُخبِره بأنه سائر إِلَيْهِ، وأمره بإقامة الإنزال والمِيرة لعساكره، فردّ عَلَيْهِ عَلِيّ بْن ماجُور أحسن جواب. ثمَّ صرف أحمد الْحَسَن بْن غالب الطَّرْسُوسيّ عَنْ شُرَطه يوم الأربعاء لثمان خلونَ من رجب سنة أربع وستّين، وجعل مكانه إبراهيم بْن بلبرد أخا طخشي. وشكا أهل مِصر إلى أحمد ضِيق المسجِد الجامع يوم الجُمعة بجُنده وسُودانه، فأمر بابتناء المسجِد الجامع بجبَل يشكُر، ابتدأَ فِي بِنائه سنة أربع وقضى فِي ستّ وستّين ومائتين.

стр. 158

وخرج أحمد بْن طُولُون فِي جُيُوشه لثمان بقينَ من شعبان سنة أربع وستّين واستخلف ابنه العبَّاس عَلَى مِصر، وضمّ إِلَيْهِ أحمد بن محمد الواسطيّ مدبِّرًا ووزيرًا، فبلغ أحمد إلى الرَّمْلة، فتلقَّاه محمد بْن رافع خليفة ماجُور عليها، وأقام لَهُ الدعوة بها، فأقرَّهُ عليها، ومضى إلى دِمَشْق، فتلقَّاه عليّ بْن ماجُور وأقام لَهُ بها الدعوة فأقام أحمد بها حتى استوثق لَهُ أمرها ثمَّ استخلف عليها أحمد بْن دوغياش، ومضى إلى حِمْص، فلقِيَه عيسى الكَرْخيّ خليفة ماجُور، فسلَّمها إِلَيْهِ، ثمَّ بعث إلى سِيما الطويل وهو بأَنطاكِيَة يأمره بالدُّعاء لَهُ، فلم يُجبْه سِيما إلى ذَلكَ، فسار إِلَيْهِ أحمد بْن طُولُون فِي جيش عظيم، وبلغ ذَلكَ سِيما فتحصَّن بأَنطاكِيَة وامتنع، فحاصره أحمد ورمى حِصنها بالمَنْجَنِيق وطال حِصاره لها، فاشتدّ ذَلكَ عَلَى أهلها، فبعثوا إلى أحمد بْن طُولُون، فخبَّروه بالموضِع الَّذِي يمكنه أن يدخل إليها منه، فقصده وعاونه أهلها عَلَى سِيما، فدخلها أحمد فِي المحرَّم سنة خمس وستّين ومائتين، فقتل سِيما واستباح أمواله ورِجاله، وورد كتاب أحمد إلى الفُسطاط بفَتح أَنْطاكِيَة، وقتل سِيما أمواله ورِجاله، وورد كتاب أحمد إلى الفُسطاط بفَتح أَنْطاكِيَة، وقتل سِيما فِي صفر سنة خمس وستّين، ومضى أحمد بن طُولُون إلى طُرْسُوس بأصحابه، فغلا السِّعر بها واضطرب أهلها، ونابذوه، فقاتلهم، وتقدَّم أحمد إلى أصحابه، أن ينهزموا عَنْ أهل طُرْسُوس ليبلغ ذَلكَ طاغية ملِك الرُّوم، فيعلَم أن جيوش ابن طُولُون لم تَقُم لأهل طُرْسُوس، فانهزموا منهم، فخرج عَنْهُمْ وولَّى عليهم طخشي بْن بلبرد. وقد كَانَ رأَي أحمد بْن طُولُون أن يُقيم بالثُّغور حتى أتاه الخَبر من مِصر، أن ابنه الْعَبَّاس قد خالف عَلَيْهِ، فأزعجه ذَلكَ، وكان السبب فِي مخالَفته لأَبيه، أَنَّهُ استخصّ قُوَّادًا من قُوَّاده كانوا عَلَى خوف شديد من أحمد بْن طُولُون، كَانَ منهم: عليّ بْن أَعْوَر، وعبد اللَّه بْن طغيا، وأحمد بْن صالح الرشيديّ، وأحمد بْن أسلم، فحسَّنوا للعَبَّاس التغلّب عَلَى مِصر، والقبض عَلَى أحمد بن محمد الواسطيّ، وبلغ الواسطّي ما عزموا عَلَيْهِ من ذكر، فكتب إلى أحمد بْن طُولُون يُخبره بذلك، وبلغ الْعَبَّاس ذَلكَ، فازداد وحشةً من أبيه لمَّا علِم أَنَّهُ اطَّلع عَلَى أمره، وكانت للعبَّاس أيضًا تُطيف بِهِ من أهل السعر، كانوا خاصَّته، منهم: جَعفر بْن جَدار، وأبو مَعشر أحمد بْن المؤَمَّل، ومحمد بْن سَهْل المنتوف، فشاورهم فيما عزم عَلَيْهِ، فأشاروا عَلَيْهِ أن يفعل، وخافوا من أحمد بْن طُولُون،

стр. 159

فأشاروا عَلَى العبَّاس أن يبعُد عَنْ أبيه ويخرج عَنْ مِصر، فعمد العبَّاس إلى أحمد بْن محمد الواسطيّ، فقيَّده، ثمَّ سار الْعَبَّاس فِي الطائفة التي معه، والواسطيّ معه كَانَ خروجه إلى الجيزة يوم الأحد لثمان خلونَ من شعبان سنة خمس وستّين ومائتين، فعسكر بها واستخلف أخاه رَبيعة بْن أحمد عَلَى الفُسطاط، وأظهر الْعَبَّاس أن سائر إلى إِسْكَنْدَريَّة لكتاب ورد عَلَيْهِ من أبيه يأمره بذلك، فتوجَّه إلى الإسكندريَّة، ثمَّ سار إلى بَرْقَة. وقدِم أحمد بْن طُولُون من الشام إلى الفُسطاط يوم الخميس لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة خمس وستّين، فأنفذ أَبَا بَكْرة بكَّار بْن قُتَيبة القاضي، ومَعْمَر بْن محمد الجَوهَريّ، والصابُونيّ القاضي، وزِياد المَعدَنيّ إلى الْعَبَّاس، فكتب معهم إِلَيْهِ كتاب أَلان فِيهِ جانبه، ووعده أن لا يسُوءه ولا يأخذه بقُبح عمَله، فصاروا إِلَيْهِ إلى بَرْقَة، فانقاد الْعَبَّاس إلى الرجوع وهمّ بالشخوص معهم إلى أبيه، ففزِعت الطائفة التي حسَّنت لَهُ الخروج من أبيه أحمد، وعلِموا أَنَّهُ مُوِقع بهم، فحرَّضوه عَلَى المُقام، فرجع إلى قولهم، وانصرف بكَّار بْن قُتَيبة، ومَعْمَر بْن محمد إلى أحمد بْن طُولُون، فدخلا الفُسطاط أوَّل ذي الحجَّة سنة خمس وستّين، وعزم الْعَبَّاس عَلَى المسير إلى إفريقيَّة، ورأَى أنها أمنع لَهُ بَرْقَة، فكتب إلى إبراهيم بْن أحمد بْن محمد بْن الأَغلب، أن كتاب المعتمد ورد عَلَيْهِ بتقليده إِفريقيَّة، ويأْمره بالدُّعاء لَهُ بها، ويُخبره أَنَّهُ سائر إِلَيْهِ، ثمَّ مضى الْعَبَّاس متوجِّهًا إلى إِفريقيَّة فِي جمادى الأُولى سنة ستّ وستّين، فنزل لِبْدة، فخرج إِلَيْهِ عاملها وأهلها، فتلقَّوه وأكرموه، فأمر العبَّاس بنهبها، فنُهبت وأهلها عَلَى غِرَّة، فقُتلت رِجالهم، وفُضحت نِساؤُهم، وبلغ الخبَر إِلياس بْن منصُور النَّفُوسيّ وهو يومئذٍ رأس الإِباضيَّة، وبعث إبراهيم بْن أحمد بْن الأَغلب بغُلام لَهُ، يُقال لَهُ: بلَاغ إلى محمد بْن قَرْهَب عامله عَلَى أَطْرابُلُس فِي جمع كثير من أهل إفريقيَّة، فأطبق الجيشان عَلَى العبَّاس، فباشر العبَّاس يومئذٍ الحرب بنفسه، وحسُن بَلاؤه فِيهِ. وقال الْعَبَّاس يومئذٍ:

стр. 160

لله دَرِّي إِذَا أَغْدُو عَلَى فَرَسِي … إِلَى الهِيَاجِ وَنَارُ الحَرْبِ تَسْتَعِرُ إِنْ كُنْتِ سَائِلَةً عَنّي وعَنْ خَبَرِي … فَهَا أَنَا اللَّيْثُ والصَّمْصَامَةُ الذَّكَرُ مِنْ آلِ طُولُونَ إِنْ سأَلْتِ عَنْهُ فَمَا … فَوْقِي لِمُفْتَخِرٍ بِالجُودِ مُفْتَخَرُ لَوْ كُنْتِ شَاهِدَةً كَرِّي بِلبْدَةَ إِذْ … بِالسَّيْفِ أَضْرِبُ والهَامَاتُ تُبْتَذَرُ إِذًا لَعَايَنْتِ مِنِّي مَا تَنَاذَرُهُ … عَنِّي الأَحَادِيثُ وَالأَنْبَاءُ والخَبَرُ وقُتل يومئذٍ صناديد عسكره، ووجوه أصحابه، وحُماته، ونُهبت أمواله وسِلاحه، ورجع هاربًا إلى بَرْقَة فِي ضُرّ وإِخلال. وعقد أحمد بْن طُولُون لإبراهيم بْن بلبرد عَلَى جيش، وبعث بِهِ إلى بَرْقَة وذلك فِي شهر رمضان سنة سبع وستّين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط سَريّ بْن سَهْل، فأَقام إبراهيم فيما بين بَرْقَة والإسكندريَّة، ثمَّ أجمع أحمد بْن طُولُون عَلَى النهوض بنفسه إلى بَرْقَة، فاستعدّ لذلك وخرج فِي عسكر عظيم، فزعموا أن عسكره ذَلكَ كَانَ مضمومًا عَلَى مائة ألف، وخرج من الفُسطاط يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثمان وستّين ومائتين، فأقام بالإسكندريَّة، وهرب أحمد بن محمد الواسطيّ من يدَي العبَّاس، فأَتى إسكَنْدَريَّة، فلقيّ أحمد بْن طُولُون بها وهو عازم عَلَى المسير إلى بَرْقَة، فصغَّر أمر العبَّاس عنده، فعقد ابن طُولُون لطبار عَلَى بعض الجيش الَّذِي كَانَ معه، فيهم: أحمد بْن وصيف، وتيتك، وسعد الأَيسر، ومضَوا يُريدون بَرْقَة، فالتقى طبار مَعَ أصحاب الْعَبَّاس بموضِع، يُقال لَهُ: دماره من أرض بَرْقَة يوم الإثنين لتسع بقينَ من جمادى الآخِرة سنة ثمان وستّين ومائتين، وانهزم أصحاب العبَّاس وقتل منهم كثير، وهرب الْعَبَّاس، فاتبعوه، فأدركوه يوم الأحد لأربع خلونَ من رجب سنة ثمان، ورجع أحمد بْن طُولُون إلى الفُسطاط يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثمان وستّين، وأتى بالأَسْرَى، فيهم: جَعْفَر بْن جَدار، وأبو مَعْشَر، ومحمد بْن سَهْل المنتوف، وعبد اللَّه بْن طغيا، قد أُعطوا أَمانًا، فرأَى بَكَّار القاضي أن الأمَان لهم، وكان دخولهم يوم الأربعاء لثمان بقينَ من شوَّال سنة ثمان وستّين، ثمَّ أُخرجوا يوم الأربعاء لمستهلّ ذي القعدة،

стр. 161

وقد بُنيت لهم دِكَّة عظيمة رفيعة السمك، فأمر أحمد بْن طُولُون بابن جَدار، فضُرب ثلاثمائة سوط، ثمَّ تقدَّم إِلَيْهِ الْعَبَّاس، فقطع يديه ورِجليه وأُلقي فِي الدِّكَّة. ثمَّ بعث أحمد بْن طُولُون بلُؤلُؤ غُلامه فِي جيش إلى الشام، فكاتبه أَبُو أحمد المُوفَّق، وبعث إِلَيْهِ أَبُو أحمد، فحمله فِي الماء من الرَّقَّة جمادى الأولى سنة تسع وستّين، فبلغ ذَلكَ أحمد بْن طُولُون، فسارع إلى الخُروج، ورجا أن يلحق لُؤلُؤً، واستخلف عَلَى مِصر ابنه خُمارَوَيْه بْن أحمد. ثمَّ خرج أحمد فِي صفر سنة تسع وستّين وخرج معه بالعبَّاس مقَيَّدًا، فسار أحمد حتى نزل دِمَشْق، فكتب إلى خَلَف الفَرْغانيّ عامله عَلَى طُرْسُوس، كَانَ طخشي قد استخلفه عليها عند وفاته، فكتب إِلَيْهِ أحمد يأْمره بالقبض عَلَى يازَمان الخادم ويجمله إِلَيْهِ، فعلِم أهل طُرْسُوس بذلك، وأخذوا يا زَمان من يدَى خَلَفًا من طُرْسُوس، وولَّوا عليهم يازَمان، فمضى أحمد بْن طُولُون إلى دِمَشْق يُريد المسير لمحارَبة أهل طُرسُوس، فتلقَّاه كِتاب المُعتمِد يُعلمه أَنَّهُ خارج إِلَيْهِ، فتوقف أحمد بْن طُولُون، وخرج المعتمِد من العِراق كالمتصِّد ثمَّ ركِب الطريق إلى الرَّقَّة، وبلغ أَبَا أحمد الموفَّق مسيره وهو إذ ذاك مواقِف العَلَويّ بالبَصرة، فكتب أَبُو أحمد إلى إِسْحَاق بْن كُنداج الجَزَريّ، والي صاعد بْن مَخْلَد يُخبرهما أن المُعتمِد قد مضى إلى أحمد بْن طُولُون، وإن تمّ لَهُ هذا لم يبقَ من الموالي أحدٌ، ويأمر إِسْحَاق أن يلحقه، فيردّه، ووعده عَلَى ردّه أموالًا وإِقطاعات، فلمَّا سار المُعتمِد إلى الحدِيثة أتاه إِسْحَاق بْن كُنداج بهدايا وألطاف، واستأذنه فِي خِطاب الَّذِي ساروا معه وهم خطارمِش، وأحمد بْن خاقان، وتيتك، وإبراهيم بْن مُدَّبر، وأذِن لَهُ فِي خِطابهم، فخلا بهم إِسْحَاق، فقيَّدهم، ثمَّ عاد إلى المُعتمِد، فقال: إن الَّذِي عزم عَلَيْهِ أمير المؤمنين هُوَ الخطأ. وأخذه بان احذره إلى سُرّ من رأَى يوم الأحد لخمس خلونَ من شعبان سنة تسع وستّين، ووكَّل بِهِ إِسْحَاق بْن كُنداج خمسمائة رجُل، فعقد أَبُو أحمد المُوفَّق لإسحاق بْن كُنداج عَلَى مِصر.

стр. 162

وبلغ أحمد بْن طُولُون ما فعله أَبُو أحمد، وإسحاق بْن كُنداج، فرجع إلى دِمَشْق، وكتب إلى عامله يأمره بإحضار القُضاة، والفُقهاء، والأشراف، وكتب بخبَر المُعتمِد وما فُعل بِهِ، وورد كتابه إلى مِصر فقُرِئ عَلَى أهلها، بأن أَبَا أحمد نكث بيعة المُعتمِد وأسره وحرَّش عَلَيْهِ فِي دار أحمد بْن الخَطيب، وأن المُعتمِد قد صار من ذَلكَ إلى ما لا يجوز ذِكره، وأن المُعتمِد يبكي بُكاءً شديدًا، ثمَّ خطب الخاطب بِمصر يوم الجَمعة، فذكر ما نيل من المعتمد، وزاد فِي خُطبته: اللهُمَّ فاكفِهِ مَن حصَره ومَن ظلمه، وخرج من مِصر: بَكَّار بْن قُتَيبة، ومِنهال بْن حَبيب، وإسحاق بْن محمد بْن مُعْمَر، وقيس بْن حَفْص، وعبد اللَّه بْن بَشير، وحَوْثرة بْن عبد الرحمن، وسعيد بْن سَعْدون، وفَهْد بْن مُوسى، وعليّ بْن محمد بْن عَبْد الحكَم، وغيرهم إلى دِمَشق، وحضر أهل الشامات، والثُّغُور، فلمَّا اجتمعوا، أمر أحمد بْن طُولُون خلع فِيهِ أَبَا أحمد الموَفَّق من وِلاية العهد لمخالَفة المُعتمِد، وحضره إِيَّاه، وكتب فِيهِ: أَنَّ أَبَا أحمد خلع الطاعة وبرِيء من الدِّمَّة، فوجب جِهاده عَلَى الأُمَّة، وشهِد عَلَى ذَلكَ جميع من حضر إلا بكَّار بْن قُتَيبة، ومحمد بْن إبراهيم الإِسكندرانيّ، وفَهْد بْن مُوسى. وقال بَكَّار: لم يصِحّ عندي ما فعله أَبُو أحمد ولم أعلَمه. وامتنع من الشهادة والخلع، وكان ذَلكَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستّين ومائتين. قَالَ قَعدان بْن عمرو: طَالَ الهُدَى بِابْنِ طُولَونَ الأَمِيرِ كَمَا … يَزْهُو بِهِ الدِّينُ عَنْ دِينٍ وَإِسْلَامِ قَادَ الجُيُوشَ مِنَ الفُسْطَاطِ يَقْدُمُها … مِنْهُ عَلَى الهَوْلِ مَاضٍ غَيرُ مِحْجَامِ فِي جَحْفَلٍ للْمَنَايَا فِي مَقَانِبِهِ … مَكَامِنٌ بَيْنَ رَايَاتٍ وَأَعْلَامِ يَسْمُو بِهِ مِنْ بَنِي سَامٍ غَطَارِفَةٌ … بِيضٌ وَسُودٌ أُسُودٌ مِنْ بَنِي حَامِ لَوْ أَنَّ رُوحَ بَنِي كُنْدَاجَ مُعْلَقَةٌ … بالمُشْتَرِي لَمْ يَفتْهُ أَوْ بِبَهْرَامِ حَاطَ الخِلافَةَ والدُّنْيَا خَلِيفَتُنَا … بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ اللَّه صَمْصَامِ يَا أَيُّها النَّاسُ هُبُّوا نَاصِرِينَ لَهُ … مَعَ الأَمِيرِ بِدُهْمِ الخَيْلِ فِي اللَّامِ لَيْسَتْ صَلاةُ مُصَلِّيكُمْ بِجَائِزَةٍ … وَلَا الصِّيَامُ بِمَقْبُولٍ لِصَيَّامِ

стр. 163

حَتَّى يَرَى السَّيِّدُ المَيمُونُ ذَبكُّمُ … عَنِ الإِسْلَامِ بِأَطْرَافِ الْقَنَا الدَّامِ وقال منصّف بْن خليفة الهُذَليّ: يَا غُرَّةَ الدُّنيَا الَّذِي أَفْعَالُهُ … غُرَرٌ بِها كُلُّ الْوَرَى تَتَعَلَّقُ أَنْتَ الأَمِيرُ عَلَى الشَّآمِ وَثَغْرِهَا … وَالرَّقَّتَيْنِ وَمَا حَوَاهُ المَشْرِقُ وَإِلَيْكَ مِصْرُ وَبَرْقَةٌ وَحَجَازُهَا … كُلٌّ إِلَيْكَ فُؤَادُهُ مُتَشَوِّقُ هَتَكَ الخِلَافَةَ صَاعِدٌ وَخَلِيلُهُ … إِسْحَاقُ لِعْبًا والحَسُودُ الأَخْرَقُ أَسْيَافُنَا بِيضُ المَنُونِ فَلَيْتَهَا … بِنَجِيحِ مَنْ خَذَلَ الْإِمَامَ تُخَلَّقُ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ضَارِبًا مِنْ دُونِهِ … بِمُهَنَّدٍ مِنْهُ الحُتُوفُ تُفَرَّقُ يَتْلُوكَ سَعْدٌ والْمُقَدِّمُ تَيْتَكٌ … وَاللَّاذِقيّ وَذُو الحَفِيظَةِ يَلْحَقُ وقال قَعْدَان بْن عمرو أيضًا: مَنْ مُبْلِغٌ مُضَر الشَّآمِ وَمَا حَوَتْ … مِصْرٌ وَمَنْ هُوَ مُتْهِمٌ أَوْ مُنْجِدُ مَا بَالُكُمْ هِضَتُمْ جَنَاحَ سِنَانِكُمْ … بِتَوَاكُلٍ مِن فِعْلِكُمْ لَا يُحْمَدُ أَنَّى وَكَيْفَ يَطِيبُ. . . . . . . . . . لَكُمْ … خَفْضُ المَعِيشَة والإِمَامُ مُقَيَّدُ حَزَّانُ أُفْرِدَ مِنْ بَنِيهِ وَأَهْلِهِ … بِأَبِي وَأُمِّي المُسْتَضَامُ المُفْرَدُ وبلغ أَبَا أحمد ما فعله أحمد بْن طُولُون، فكتب إلى أعماله يأْمرهم بلعنه عَلَى المنابر. فلُعن عليها، وكان ممَّا يُلعَن بِهِ: «اللهُمَّ العنْهُ لعنًا يفُلّ حدّه ويتعَس جَدّه، وأجعله مَثَلًا للغابرين، إنَّك لا تُصلِح عمَل المُفسِدين». ثمَّ مضى أحمد بْن طُولُون إلى طُرْسُوس من دِمَشق، فلمَّا صار بالمِصِّيصة، بعث بوُجُوه مَن معه إلى يازَمان الخادم يدعوه إلى طاعته، والدُّعاء لَهُ ويُعْطيه أَمانًا عَلَى ما أسلفه، فلم يُجبْه يازَمان إلى شيء ممَّا سأَل، فزحف أحمد بْن طُولُون إلى أَذَنة ثمَّ إلى طُرْسُوس، فوجد يازَمان قد تحصَّن بها ونصب المجانيق عَلَى سُورها، فنزل أحمد بْن

стр. 164

طُولُون بجيوشه عليها فِي شِدَّة من البرد، وكَثة من الأمطار والثُّلُوج، فأرسل يازَمان الماء عَلَى عسكر أحمد بْن طُولُون من نهر البَرَدان، فغرَّق عسكره ولم يكن لابن طُولُون مُقام، فرحل عَنْهَا ليلًا، ورجع إلى أَذَنة، فأقام بها. وقال محمد بْن داود لأحمد: بَغَى عَلَى الثَّغْرِ وَأَزْرَى بِهِ … بَغْيَ أَبِيِّ القَصْدِ نَفَّاجِ وَسَارَ كَيْ يَجْتَثَّ آثارَهُمْ … مِنْ سِفَلِ النَّاسِ بِأَفْوَاجِ واسْتَنْصَرَ القَوْمُ عَلَى بَغْيِهِ … بِكُلِّ صَافِي القَلْبِ ضَجَّاجِ وَكُلِّ مَاضِي الحَدِّ ذِي رَوْنَقٍ … وَمُحكَمَ التَّثْقِيفِ بعَّاجِ فَاسْتَعْمَلَ المَلْعُونُ أَدْرَاجَهُ … مُنْهَزِمًا أَخْبَثَ إِدْرَاجِ فَكَيْفَ قَاتَلْتَ أُسُودَ الشَّرَى … أُولِي الزَّمَاجِيرِ بِإِنْهَاجِ تَلْقَى بَنِي الحَرْبِ لُيُوثَ الْوَغَى … وَكُلَّ دَخَّالٍ وَخَرَّاجِ قوْمٌ إِذَا استَصرخَهُمْ صَارِخٌ … لَبَّوْا بِإِلْجَامٍ وَإِسْرَاجِ تَلْقَاهُمُ لِلْخَيْرِ جَهْلًا بِهِمْ … بِكُلِّ طَبَّالٍ وَصَنَّاجِ وَقَدْ أَتَى إِسْحَاقُ مِنْ هَاهُنَا … وَمِنْ هُنَاكَ ابْنُ أَبي السَّاجِ فَثَمَّ تَعْدُو القَهْقَرَى نَاكِصا … وَتَمْحَقُ اللَّيْلَ بِإِدْلاجِ وقال الوليد بْن عُبَيْد البُحْتُريّ: وَعِنْدَ أَبِي العَبَّاسِ لَوْ كَانَ دَانِيًا … يُرَجَّى الفِتَاءُ الْسَهْلُ والكَنَفُ الرَّحْبُ سُيُوفٌ لَهَا فِي كُلِّ دارٍ عِدًى رَدًى … وَخَيْلٌ لَهَا فِي كُلِّ دارِ عِدًى نَهْبُ عَلَتْ فَوْقَ بَغْرَاسٍ فَضَاقَتْ بِمَا جَنَتْ … صُدُورُ رِجَالٍ حِينَ ضَاقَ بِهَا الدَّرْبُ وَلَوْ حَضَرَتْهُ أُنْثَياهُ اسْتَقَلَّتَا … إِلَى كليتيه حِينَ أزْعَجَهُ الرُّعْبُ وَمَا شَكَّ قَوْمٌ أَوْقَدُوا نَارَ فِتْنَةٍ … وَسَاءَتْ إِلَيْهِمْ أَنَّ نَارَهُمْ تَخْبُو كَأَنْ لِمْ يَرَوْا سِيمَا الطَّوِيلَ وَجَمعَهُ … وَمَا فَعَلَتْ فِيهِ وَفِي جَمْعِهِ الحْربُ وَلَوْ لَمْ يُحَاجَزْ لُؤْلُؤٌ بِفِرَارِهِ … لَكَانَ لِصَدْرِ الرُّمْحِ فِي لُؤْلُؤٍ ثَقْبُ وارتحل أحمد بْن طُولُون من أَذَنة إلى المِصّيصة، فأقام بها أيَّامًا ورضت لَهُ عِلَّه التي

стр. 165

كَانَ منها حَتْفه، فاغذَّ السير إلى مِصر، والعِلَّة تَزيد عَلَيْهِ حتى بلغ الفَرَما، فركِب فِي الليل إلى الفُسطاط، فدخلها يوم الخميس لعشر بقِينَ من جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين، فأمر أحمد بن طُولُون بكشف بكَّار بْن قُتَيبة ووَقْفِه للناس، وأمر بسَجْنه فِي جمادى الآخرة سنة سبعين، وسجن كاتبه قَيس بْن حَفص، وأصحابه، وأمرهم برفع حِساب ما جرى عَلَى أيديهم، ثمَّ أطلق بكَّارًا فِي شعبان سنة سبعين، وجعل النظَر فِي الأحباس إلى سَريّ بْن سَهل صاحب الشُّرَط. وتزايدت عِلَّة أحمد بْن طُولُون، فأمر الناس بالدُّعاء لَهُ، فغدا الناس بالدُّعاء لَهُ إلى مسجِد محمود بسفح المُقطَّم يوم الإثنين لستّ خلونَ من شوَّال سنة سبعين، وحضر معهم القَصَّاص، فدعَوا لَهُ، ثمَّ غدَوا أيضًا اليوم الثالث مَعَ النساء والصِّبْيان، وأقاموا عَلَى ذَلكَ أيَّامًا، ثمَّ تُوُفّي أحمد بْن طُولُون ليلة الأحد لعشر خلونَ من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، فبلغت وفاته المُعتمِد، واشتدّ وجده عَلَيْهِ وجزَعه. وقال المُعتمِد يُرثيّهِ: إِلَى اللَّه أَشْكُو أَسًى … عَرَانِي كَوَقْعِ الأَسَلْ عَلَى رَجُلٍ أَرْوَعٍ … يُرَى فِيهِ فَضْلُ الوَجَلْ شِهَابٌ خَبَا وَقْدُهُ … وَعَارِضُ غَيْثٍ أَفَلْ شَكَتْ دَوْلَتِي فَقْدَهُ … وَقَدْ كَانَ زَيْنَ الدُّوَلْ وقال أيضًا ابن داود: يَا رَاكِبًا تَخْدِي بِهِ حُرَّةٌ … يحوبه عنهَا النجب الخِدنا عَرِّج عَلَى المحتوم فانْزِل بهِ … فَاسْلَح عَلَى قَبْرِ ابْنِ طُولُونَا وَقُلْ لَهُ يَا شر مُسْتَوْدَعٍ … أَخْفَى لِدَمْعِ القَلْبِ مَلْعُونَا يَا حُفْرَةَ النَّارِ الَّتي أُضْرِمَتْ … وَظَلَّ فيهَا الرِّجْسُ مَدْفُونَا

стр. 166

لَا تَجْعَلِي لِبْسَةَ جُثْمَانِهِ … إِلَّا الأَفَاعِي وَالثَّعَابِينَا فَعَزّ إِبْلِيسَ بِهَا أَوَّلًا … وَعَزِّ مِنْ بَعْدُ الشَّيَاطِينَا وَقُلْ لَهمْ قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمُ … وَيَهْتِكُ المَعْرُوفَ وَالدِّيِنَا ثُمَّ مَضَى غَيْرَ فَقِيدٍ وَلَا … كَانَ حَمِيدًا عُمْرَهَ فِينَا وقَالَ أيضًا: مَضَى غَيْرَ مَفْقُودٍ وَمَا كَانَ عُمْرهُ … سِوَى نَقْمةٍ للْخَلْقِ شَنْعَاءَ صَيْلَمِ لَقَدْ زِيدَ فِي اليَحْمُومِ بِالرِّجْسِ لَعْنَةً … وَلَمْ يُسْقَ بِالمرجُوسِ تُرْبُ المُقَطَّمِ وَلَمْ تَبْكِهِ الأرْضُونَ لَكِنْ تَبَسَّمَتْ … سُرُورًا وَلَوْلَا مَوْتُهُ لَمْ تَبَسَّمِ يُبَشِّرُهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ قُدُومِهِ … عَلَيْهِ بِأَحْمى بُقْعَةٍ فِي جَهَنَّمِ لَقَدْ طُهُر الأَرْضُ مِنْ سُوء فِعْلِهِ … وَمِنْ وَجْهِهِ ذَاكَ الكَرِيهِ المُوَرَّمِ فَلَا سُقِيَتْ أَجْدَاثُهُ صَوْبَ مُزْنَةٍ … وَأَنَّى وَفِيهَا شَرُّ أَوْلَادِ آدَمِ خمارَوَيْهِ بْن أحمد ثمَّ ولِيَها أَبُو الجَيش حَمارَوَيه بْن أحمد عَلَى صلاتها وخَراجها، بايعه الجُند يوم الأحد لعشر خلونَ من ذي القعدة سنة سبعين، فأقرّ السَّريّ بن سَهل عَلَى الشُّرَط، وأحضر أخاه الْعَبَّاس لمُبايَعته، فامتنع، فأُدخل منزِلًا من المَيْدان وكان آخِر العهد بِهِ. وعقد خُمارَوَيه لأبي عبد الله أحمد بْن محمد الواسطيّ عَلَى جيش إلى الشام، فخرج من الفُسطاط يوم الخميس لستّ خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبعين، ثمَّ عقد لسعد الأَيسر عَلَى جيش آخَر فِي سلخ ذي الحجَّة، وبعث بمراكب كثيرة فِي البحر، فكانت مُقيمة بسواحل الشام، ونزل أحمد بن محمد الواسطيّ فِلَسطين وهو خائف جَزع من خُمارَوَيه أن يُوقع بِهِ لأنه كَانَ أشار عَلَيْهِ بقتل الْعَبَّاس، فكتب الواسطيّ إلى أَبِي

стр. 167

الْعَبَّاس أحمد المُعتضِد بْن أَبِي أحمد الموفَّق بكتاب يصغّر فِي أمر خُمارَوَيه، ويحضّه عَلَى المسير إِلَيْهِ وضمّنه أبياتًا من شعر: يَا أيُّهَا المَلِكُ المَرْهُوبُ جَانِبُهُ … شَمِّرْ ذُيُولَ السُّرَى فَالأَمْرُ قَدْ قَرُبَا كَمْ ذَا القُعُودُ وَلَمْ يَقْعُدْ عَدُوُّكُمُ … عَنِ القِتَالِ لقَدْ أَصْبَحْتُمُ عَجَبَا لَيْسَ المُرِيدُ لِمَا أَصْبَحْتَ تَطْلُبُهُ … إِلَّا المُشَمِّرَ عَنْ سَاقٍ وَإِنْ لَعِبَا عَلَى. . . . . . . . . . الفريط مُعْتَكِفًا … وَاجدد فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ ذَهَبَا فَأَنْتَ ذُو غَفْلَةٍ يَقْظَانُ ذُو سِنَةٍ … وَطَالِبُ الْوِتْرِ ذُو جِدٍّ إِذَا غَضِبَا أَجَدَّ مَرْوَانُ فِي بَيْتٍ أَصَابَ بِهِ … عَيْنَ الصَّوَابِ فَمَا أَخْطَا وَمَا كَذَبَا إِذْ قَالَ لَمَّا رَأَى الدُّنْيَا تَمِيدُ بِهِمْ … بَعْدَ الهُدُوِّ وَعَادَ الحَبْلُ مُضْطَرِبَا إِنِّي أَرَى فِتَنًا تَغْلِي مَرَاجِلُهَا … وَالملكُ بَعْدَ أَبي لَيْلَى لَمِنْ غَلَبَا وأقبل أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن أَبِي أحمد المُوفَّق من بَغداد، وانضمّ إِلَيْهِ إِسْحَاق بْن كُنداج، ومحمد بْن دِيوْداد أَبِي الساج حتى أتوا الرَّقّة، فسلَّم أهل قِنَّسْرِين والعواصم، ودعَوا لَهُ، وسار إلى شَيْزَر، فلقِيَه بها أصحاب دَادَوَيه، فقاتلوه قتالًا شديدًا، فهزمهم أَبُو الْعَبَّاس، ثمَّ أتى حتى دخل دِمَشق، فأقام بها أيَّامًا، وبلغ الخبَر خُمارَوَيه، فخرج إلى الشام فِي جيش عظيم، كَانَ خُروجه يوم الخميس لعشر خلونَ من صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين، فالتقَيا هُوَ وأبو العبَّاس بْن أَبِي أحمد المُوفَّق بنهر أَبِي فُطْرُس من أرض فِلَسْطين، يُقال لَهُ اليوم: الطواحين، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب خُمارَوَيه، وكان فِي سبعين ألفًا، وكان أَبُو العبَّاس فِي نحو من أربعة آلاف واحتوى أَبُو العبَّاس عَلَى عسكر خُمارَوَيَه بما فِيهِ، ومضى خُمارَوَيه عَلَى وجهه إلى الفُسطاط لا بلوي عَلَى شيء، وأقبل كمين خُمارَوَيه عليهم سعد الأَيسر، وفيهم: أحمد بْن إسماعيل العَجَميّ، وتشركين، وحوطامش، ولم يعلَموا بهزيمة خُمارَوَيه حتى أشرفوا عَلَى العسكر، فأقبلوا إلى أَبِي العبَّاس، فحاربوه حتى أزالوه عَن العسكر، وهزموه اثني عشر مِيلًا وذلك فِي صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين، ورجع أَبُو الْعَبَّاس إلى دِمَشْق، فلم تُفتَح لَهُ، وقدِم خُمارَوَيه إلى الفُسطاط يوم الجمعة لثلاث خلونَ من

стр. 168

ربيع الأوَّل سنة إحدى وسبعين، ومضى سعد الأيسر مَعَ الواسطيّ، فدخلا دِمَشْق ومَلِكاها، ودَعَوا فيها لُخمارَوَيه، ثمَّ خرج خُمارَوَيه من الفُسطاط لسبع بقينَ من شهر رمضان من سنة إحدى وسبعين، حتى أتى فِلَسْطين، ثمَّ عاد إلى الفُسطاط، فدخلها لاثنتي عشرة يقينَ من شوَّال سنة إحدى وسبعين، فصرف السَّرِيّ بْن سَهل عَن الشُّرَط يوم الإثنين لخمس خلونَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وجعل مكانه مُوسى بْن طونيق، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام فِي ذي القعدة سنة اثنتين لخمس خلونَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وجعل مكانه مُوسى بْن طونيق، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام فِي ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فقتل سعد الأَيسر فِي شيء ظهر منه من خِلاف، ومضى خُمارَوَيه، فدخل دِمَشْق يوم الثلاثاء سابع المحرَّم سنة ثلاث وسبعين، ومضى من دِمَشق، فلقِي إِسْحَاق بْن كُنْداج بموضِع، يُقال لَهُ: باجَرْوان، ودائمان من أرض الرافِقة، فكانت عَلَى خُمارَوَيه وأصحابه، فانهزم أصحابه وثبت هُوَ فِي طائفة من حُماته، فهزموا إِسْحَاق بْن كُنْداج، فمضى إِسْحَاق منهزمًا واتبعه خُمارَوَيه حتى بلغ أوائل أصحابه إلى سُرَّ من رأَى. قَالَ القاسم بْن يحيى المرعي: أَتَانَا أَبُو الجَيْشِ الأَمِيرُ بِيُمْنِهِ … فَشَرَّدَ عَنَّا الجَوْرَ وافْتَقَرَ العُسْرُ فَإِنْ يَكُ أَرْضُ الرَّقَّتَيْنِ بِهِ اكتَسَتْ … ضِيَاءً وَإِشْرَاقً لَقدْ أَظْلَمَتْ مِصرُ فَسَائِلْ بِهِ إِسْحَاقَ إِذْ سَارَ نَحْوَهُ … بِجَيْشٍ كَعَرْضِ النِّيلِ يَقْدُمُهُ النَّصْرُ تَبَاعَدَتِ الأَقْطَارُ مِنْهُ كَثَافَةً … ففِي مَشْرِقٍ قُطْرٌ وَفِي مَشْرقٍ قُطْرُ فَأَبْلَسَ إِذْ قِيلَ الْأَمِيرُ بِبَالِسٍ … وَأَضْحَى ضَعِيفَ العَقْدِ إِذْ عُقِدَ الجَسْرُ وَلمَّا رَأَى الجَيْشَ ابْنُ كُنْدَاجَ مُقْبِلًا … أَرَتْهُ المَنَايَا الحمْرَ أَعْلَامُهُ الْحُمْرُ فَوَلَّى شَديدًا ذَا ارْتِيَاعٍ كَأَنَّهُ … بِكُلِّ بِلَادٍ طَائِرٌ مَا لَهُ وَكْرُ لَئِنْ سَرَّ إِسْحَاقَ النَّجَاةُ بِنَفْسِهِ … لَقَدْ سَاءَهُ فِي جَمْعِهِ القَتْلُ والأَسْرُ فَلَا يُغْبَطَنْ بالعَيْش مِنْ بَعْدِ هذِهِ … فقَدْ كَسَرَتْهُ كَسَرةً مَا لَهَا جَبْرُ ثمَّ سفر قوم من وجوه الجُند بين إِسْحَاق وبين خُمارَوَيه، فاصطلحا وتصاهرا وأتى إِسْحَاق إلى خُمارَوَيه، فأقام فِي عسكره، ودعا لَهُ فِي أعماله التي بيده. وكاتب خُماروَيه أَبَا أحمد الموفَّق، فسأَله الصُّلح عَلَى مال يبذله لَهُ عَنْ ما فِي يده.

стр. 169

فأجابه أَبُو أحمد إلى ذَلكَ، وكتب لَهُ بذلك كتابًا، فقدِم بِهِ فائق الخادم إلى الفُسطاط فِي رجب سنة ثلاث وسبعين يذكر فِيهِ، أن المُعتمِد، وأبا أحمد، وأبا الْعَبَّاس كتبوه بأيديهم بِولاية خُمارَوَيه وولَده ثلاثين سنة عَلَى مِصر والشامات ثمَّ قدِم خُمارَوَيه إلى الفُسطاط سلخ رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين، فأمر بالدُّعاء لأبي أحمد الموفَّق، وترك الدُّعاء عَلَيْهِ، وجعل خُمارَوَيه عَلَى المظالم بمصر محمد بْن عَبْدة بْن حرب فِي شعبان سنة ثلاث وسبعين، ثمَّ صرف مُوسَى بْن طونيق عَن الشُّرَط لمستهلّ المحرَّم سنة أربع وسبعين، وجعل مكانه أحمد بْن محمد بْن الحكَم العُجَيفيّ. وبلغ خُمارَوَيه مسير محمد بْن ديوداد المعروف بابن أَبِي الساج، فخرج إِلَيْهِ خُمارَوَيه من مِصر فِي ذي القعدة سنة أربع وسبعين، فلقيّه بثَنيَّة العُقاب من أرض دِمَشق، فانهزم أصحاب خُمارَوَيه وثبت خُمارَوَيه، فحاربهم، فكشفهم، وانهزموا عَنْهُ أقبح هزيمة. قَالَ القاسم بْن يحيى المرعي: فُتُوحُ الأَمِيرِ نُجُومٌ تَلُوحُ … فَلَيْسَتْ تُقَاسُ إِلَيْهَا فُتُوحُ تَسِيرُ لَهَا فِي جَمِيعِ البِلَادِ … رَكَائِبُ تَغْدُو بِهَا وتَرُوحُ إِذَا حَادَ عَنْ أَمْرِهِ حائِدٌ … أَتَاحَ لَهُ الحَتْفَ مِنْهُ مُتيِحُ نَصَحْنَا لِشَرّ بنِي دِيُودَادَ … بِتَحْذِيرهِ لَوْ أُطِيعَ النَّصِيحُ وَلَمْ يَكُنِ الغَدْرُ مُسْتَقْبَحًا … وَفِي الغَدْرِ شَيْنٌ وَعَارٌ قَبِيحُ تَعَاطَى نِطَاحَ كِبَاشَ الحُرُوبِ … فَغُودِرَ وَهْوَ صَرِيعٌ بَطِيحُ لَئِنْ كَانَ وَلَّى سَليمًا صَحِيحًا … فَمَا القَلْبُ مِنْهُ سَلِيمٌ صَحيحُ أَبَاحَ حِمَاهُ فَتًى لَمْ يَزَلْ … يَحُوطُ حِمًى وَحِمًى يَسْتَبِيحُ إِذَا هُوَ لَمْ يَسْتَرِحْ مِنْ عَدُوٍّ … فَلَيْسَ إِلَى لَذَّةٍ يَسْتَرِيحُ وَإِنْ هَمَّ بِالسَّيْرِ لَمْ يَثْنِهِ … سَنِيحٌ يَعُنُّ لَهُ أَوْ بَرِيحُ وقال الوَليد بْن عُبيد البُحْتُريّ:

стр. 170

وَقَدْ رَأَيْتُ جُيُوشَ النَّصرِ منزلة … عَلَى جُيُوشِ أَبِي الجَيْش بْنِ طُولُونَا يَوْمَ الثَّنِيَّةِ إِذْ ثَنَّى بِكَرَّتهِ … فِي النَّقْعِ خَمْسِينَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُونَا مُظَفَّرٌ لَمْ يَزَلْ يَلْقَى بِطَلْعَتِهِ … كَوَاكِبَ السَّعْدِ والطَّيْرَ المَيَامِينَا يَمشي قَرِيبًا مِنَ الأَعْدَاء لَوْ وَقَفُوا … بِالصِّينِ مِنْ بُعْدِهَا مَا استَبْعَدَ الصِّيْنَا وعاد خُمارَوَيه إلى الفُسطاط، فدخلها يوم الخميس لستّ بقينَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين، ثمَّ خرج إلى الإسكَنْدَريَّة يوم الجمعة لأربعٍ خلونَ من شوَّال سنة ستّ وسبعين. وأتى الخبَر إلى الفُسطاط، بأن يازَمان الخادم دعا لخُمارَوَيه بطُرْسُوس، والثُّغور فِي جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين. وخرج خُمارَوَيه إلى الشام يوم الثلاثاء لسبع عشرة من ذي القعدة سنة سبع وسبعين، ومات أَبُو أحمد المُوفَّق سنة ثمان وسبعين، وعقد العهد لابنه الْعَبَّاس، ثمَّ تُوفّي المُعتمِد لعشر بقينَ من رجب سنة تسع وسبعين. وبويع المُعتَضد بْن أَبِي أحمد المُوفَّق، فبعث إِلَيْهِ خُمارَوَيه بالهدايا مَعَ الْحُسَيْن بْن عبد الله بْن منصور الجَوْهَريّ، وصرف أحمد بْن محمد العُجيفيّ عَن الشُّرَط، وجعل مكانه الْحُسَيْن بْن وَصِيف يوم الأحد لتسع خلونَ من شوَّال سنة سبع وسبعين، وقدِم خُمارَوَيه من الشام، فدخل الفُسطاط يوم السبت لستّ خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثمان ومائتين. وورد كتاب المُعتَضد عَلَى خُمارَوَيه لخمس بقِينَ من ربيع الأوَّل سنة ثمانين ومائتين بوِلايته هُوَ وولَده ثلاثين سنة من الفُرات إلى بَرْقة، وجعل إِلَيْهِ الصلاة، والخَراج، والقضاء، وجميع الأعمال عَلَى أن يحمِل فِي كل عام من المال مائتي ألف دينار عَنْ ما مضى، وثلاثمائة ألف عَنْ كل عام للمُستقبِل. ثمَّ قدِم رسول المُعتَضد فِي شهر رمضان سنة ثمانين بالخِلَع وهي اثنتا عَشَرة خِلعة، وسيف، وتاج، ووِشاح مَعَ خادم يُدعى سنيف، وعقد المُعتَضِد عَلَى قَطْر النَّدَى بِنْت خُمارَوَيه سنة إحدى وثمانين.

стр. 171

وفيها خرج خُمارَوَيه إلى نُزهة بَمرْيُوط، خرج من الفُسطاط لأربع بقينَ من شعبان سنة إحدى وثمانين، ثمَّ مضى إلى الصعيد حتى بلغ سِيُوط، ثمَّ رجع من الشرقيَّة إلى الفُسطاط مستهلّ ذي القعدة سنة إحدى وثمانين، وصرف الْحُسَيْن بْن وَصيف عَن الشُّرَط يوم الثلاثاء لستّ خلونَ من شعبان سنة اثنتين وثمانين، وردَ مُوسَى بْن طونيق مكانه، وخرج خُمارَوَيه إلى الشام يوم الخميس لثمان خلونَ من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فأقام بمُنية الأصبغ ومُنْية مَطَر، ثمَّ رحل يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من شعبان سنة اثنتين حتى أتى دِمَشق، فكان بها مَقتَلُهُ ليلة الأحد لليلتين بقِيَتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين، فكان بها مَقتَلُهُ ليلة الأحد لليلتين بقِيَتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين يُقال: أن خَدَمُه قتلوه، وهم: طاهر، ولُؤلُؤ، وناشي، وسابُور، ومماقط، ونَظيف، فقُتلوا جميعًا، وحُملت رءُوسهم إلى الفُسطاط، فجُعلت عَلَى الجِسر، وحُمل خُمارَوَيه إلى الفُسطاط، فدُفن بها، فكانت وِلايته عليها اثنتي عشرة سنة وثمانية عشر يومًا. أَبُو العساكر جيش بْن خُمارَوَيْهِ ثم ولِيَها أَبُو العساكر جَيش خُمارَوَيه، بُويع يوم الأحد لليلة بقِيَت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين بدِمَشق، واليه صلاتها وخراجها، فسار إلى مِصر، فدخلها وجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى بْن طونيق، واشتملت عَلَيْهِ طائفة من الجند وحملوه عَلَى أمور كرِهها عظيم الجُند، فتنكَّروا لَهُ وتنكَّر لهم وخافوا عَلَى أنفسهم، فدنَوا من الفَساد عَلَيْهِ، فخرج مُتنزِّهًا إلى مُنية الأصبغ، فهرب من عسكره محمد بْن إِسْحَاق بْن كُنْداج، وخاقان البَلْخيّ، ومحمد بْن كُمُشْجُور بُندقة. . . . . . . .، ومحمد بْن قرا طغان فِي

стр. 172

ثلاثمائة رجُل من وُجوه قُوَّاده، فلحِقوا بالمُعتَضد، وكان أحمد بْن طُغان عَلَى الثغر، فخلع جَيشًا وخلعه طُغْج بْن جُفّ بدِمَشق، ثمَّ وثب جيش عَلَى عمّه نصر بْن أحمد بْن طُولُون، فقتله، فوثب بِهِ يُرمش وصافي وفائق فِي أكثر الجيش والموالي، فخلعوه وبايعوا أخاه هارون بْن خُمارَوَيه، وجمع لَهُ القُضاة، والفُقهاء، والقُرَّاء، فتبَّرأ إليهم من بيعته وحلَّلهم منها وأشهدهم عَلَى نفسه بذلك، وكان خلعه يوم الأحد لعشرٍ خلونَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فكانت ولايته تسعة أشهُر واثني عشر يومًا، ثمَّ سُجن، فمات بعد أيَّام. هارون بْن خُمارَوَيْهِ ثمَّ ولِيَها هارون بْن خُمارَوَيه يوم خَلْع جيش، فجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى بْن طونيق، وقامت الطائفة من الجُند ممَّن كرِه وِلاية هارون بْن خُمارَوَيه، وكاتبوا ربيعة بْن أحمد بْن طُولُون، وكان بالإسكندَريَّة، ودعَوه إلى الولاية، ووعدوه القيام معه، فجمع رَبيعة كثيرًا من أهل البُحيرة من البَرْبَر وغيرهم، وأقبل فيهم حتى نزل مَنْبُوَبة من كُورة وَسِيم، ثمَّ عدَّى النيل، فنزل باب المدينة، فخرج إِلَيْهِ نَفر من القُوَّاد، فسأَلوه ما الَّذِي حمله عَلَى المسير. فأخبرهم، أن ناسًا من القُوَّاد بايعوه فناوشوه الحرب وقُتلت بينهم قَتْلى، ثمَّ

стр. 173

طُعن فَرَس رَبيعة، فسقط فأسروه أَسره شفيع البعاموريّ، فأتى بِهِ إلى محمد بْن أَبَّا، فحبسه، ثمَّ أُخرج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين إلى دار الإِمارة القديمة بالعسكر، فضُرب ألف ومائتي سوط، ومات. ثمَّ كانت فِتنة ابن قُرَيش وذلك إِنَّه أنكر أن يكون أحد خَيْرًا من أهل رسول الله ﷺ فوثب بِهِ الرعيَّة، فضُرب بالسياط يوم الجمعة فِي جمادى الأولى سنة خمس وثمانين، فمات بعد يومين. وتُوفّي أمير المؤمنين المُعتَضِد فِي ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبُويع أَبُو محمد ابنه ولُقِّب المُكْتفي بالله، وخرج القَرْمَطيّ بالشام فِي سنة تسعين ومائتين، فبعث إِلَيْهِ هارون بالقُوَّاد، فحاربوه، فهزمهم وبلغ كل مَبلَغ، فبعث إِلَيْهِ الجيوش من العِراق، فحاربوه. وقُتل أَبُو عُلائة محمد بْن أحمد بْن عِياض بْن أَبِي طَيْبة الجفي، وكان رجُلًا ذا لِسان وعارضة، فكان ممقوتًا عِند كثير من الناس، فزلَّت بِهِ القدَم، فتشاهد عَلَيْهِ أقوام من سِفَل الناس وأوضاعهم، وبلغ السُّلطان ذَلكَ منهم فقبل شهاداتهم، فضرب مرارا، وأرادوا بذلك أن يذلوه من ضربهم إياه، وانكشف للناس ظلمهم له، وما قصد به فيه، وكان اشد الناس عليه عامة اهل المسجد، كان قتله لست بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين. سمعت ابن قديد، يقول: أقبح ما أتى أهل هذا المسجد شهادتهم على ابن القطاس، حتى باعوه، وعلى أبي علاثة حتى قتلوه. وقال إسماعيل بن أبي هاشم: فيا ابا علاثة لهفى عليك … للهف صب كئيب وجل فلا نام ظلمك بل لا هدا … وحاشى لظلمك أن يضمحل ويا أهل مسجدنا ما لكم … توانيتم عنه حتى قتل هوى بابن حرملة ما هوى … وحسب ابن حرملة ما عمل وويل لبعروط ويل له … فما زال بحروط حتى وحل فلا واخذ الله سلطاننا … وإن كان سلطاننا قد عجل وبعث المكتفي بالله محمد بن سليمان الكاتب، فوردت أخباره إلى مصر بنزوله حمص،

стр. 174

وكان بدر الحمامي واليا على الشام من قبل هارون، فكتب بدر إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة، ثم تلقاه هو والحسين بن أحمد الماذرائي، فكانا معه في عسكره، وكتب محمد بن سليمان إلى دميانة، وهو بالثغر يأمره بالمسير في مراكبه إلى سواحل مصر وفلسطين، وضم إليه رشيق الوردامي المعروف بغلام زرافة، فسار مع دميانة، واقبل محمد بن سليمان إلى فلسطين، وعليها وصيف بن صوارتكين عاملا لهارون، فكتب وصيف إلى محمد بن سليمان بالسمع والطاعة، ولحق صافي مولى خمارويه محمد بن سليمان. وأتت الأخبار إلى مصر تتبع بعضها بعض بمسير محمد بن سليمان، فأخرج هارون مضاربه يوم الإثنين مستهل ذي الحجة سنة إحدى وتسعين ومائتين. وخرج إليها هارون فنزلها يوم التروية، وبعث هارون بوصيف القطرميز في المراكب الحربية، ومعه: خصيف البربري، وحماد بن ما يخشي فساروا في النيل حتى أتوا تنيس ليمنعوا دميانة، فلقيهم دميانة ليلة النحر، فحاربهم، فانكشفوا عنه، واستأمن إليه كثير منهم، وهرب وصيف القطرميز، ودخل دميانة تنيس، فآمن أهلها وسكنهم، ومضى حماد بن مايخشي إلى قرى أسفل الأرض، ففرض فروضا وأقبل بهم، ومضى دميانة إلى دمياط، فكتب إلى أصحاب هارون كتابا يدعوهم إلى طاعة المكتفي، أبوها، فسار إليهم في خليج دمياط، فالتقوا غداة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين، فقتل كثير من أصحاب القطرميز، وانهزم الباقُون، وأُسر خَصيب البَرْبَريّ، ووَصِيف القَطرميز، وحماد بْن ما يخشي، واحتوى دَمْيانة عَلَى مراكبهم بما فيها، وسار هارون بْن خُمارَوَيه فنزل العبَّاسة واستخلف عَلَى الفُسطاط حسن بْن السَّيْر، وأخرج هارون معه بجميع أهله وأعمامه خوفًا من قيامهم بعده بالفُسطاط، فكانوا معه فِي ضُرّ وجَهد، ثمَّ نزل دَمْيانة دَمِيرة، فلقِيَه بها محمد بْن أبَّا، ونجيح، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فظَفِر بهم دَمْيانة، وبعث عليّ بْن فُلْفُل فِي عِدَّة مراكب، فكانوا فِي النِّيل بإِزاء دَمْيانة ليمنعوه من المسير،

стр. 175

وتفرَّق كثير من أصحابه هارون عَنْهُ فِي البرّ والبحر وبقِي فِي نفَر يسير، وتشاغل باللهو والطرَب، فأجمع عمَّاه شَيبان، وعَدِيّ ابنا أحمد بْن طُولُون عَلَى قتله، فدخلا عَلَيْهِ وهو ثَمِل فِي شَرابه، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنّة يومئذٍ ثمانية وعشرون سنة، كانت وِلايته عليها ثمان سنين وثمانية أشهر. شَيبان بْن أحمد ثمَّ ولِيَها شَيْبان بْن أحمد بْن طُولُون أَبُو المقانب، بُويع لعشرٍ بقِينَ من صفر سنة اثنتين وتسعين، فأقرّ مُوسَى بْن طُونيق عَلَى الشُّرط، وقدِم شَيْبان الفُسطاط يوم الثلاثاء لسبع بقينَ من صفر، فسُلّم إِلَيْهِ أمرها كلّه، وبلغ طُغْج بْن جُفّ وفائق مَولى خُمارَوَيه وغيرهما من وجوه الجُند والقُوَّاد، قتل هارون، فأنكروه وخالفوا شَيْبانًا، فكاتبوا الْحُسَيْن بْن حمدان بن حَمْدون وهو إذ ذاك من وجوه أصحاب محمد بْن سُلَيْمَان، فأخبروه بمقتل هارون، وسأَلوه أخْذ الأَمان لهم، وحرَّكوه عَلَى المسير إلى الفُسطاط، وأقبل محمد بْن سُلَيْمَان حتى نزل جُرِجير، فوافاه بها كتاب طُغْج بْن جُفّ بالسمع والطاعة، ونزل محمد بْن سُلَيْمَان العبَّاسية، فلقِيَه بها طغْج فِي ناس من القُوَّاد كثير، فساروا لسيره إلى الفُسطاط، وأَقبل دَمْيانة بمراكبه إلى ساحل الفُسطاط، فنزل بِهِ سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين، وعسكر شَيْبان يوم الأربعاء مستهلّ ربيع الأوّل بعين شمس، فأتاهم محمد بْن سُلَيْمَان، فمضى إِلَيْهِ عامَّة أصحاب شَيْبان يسئلونه أَمانهم، فلمَّا رأَى شَيْبان ذَلكَ أرسل إلى محمد بْن سُلَيْمَان فِي أَمانه وأَمان إِخوتَه وأهله، فآمنهم. وخرج شَيْبان ليلة الخميس لليلة خلت من ربيع الأوَّل سنة اثنتين إلى محمد بْن سُلَيْمَان وانصرف عسكره كلّه، ثمَّ دخل محمد بْن سُلَيْمَان الفُسطاط، وكانت وِلايته عليها اثني عشر يومًا. ثمَّ دخل محمد بْن سُلَيْمَان الكاتب يوم الخميس لمستهلّ ربيع الأوَّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فأمر بإحراق القطائع، فأُحرقت ونهب أصحابه الفُسطاط يومئذٍ، فركِب محمد بْن سُلَيْمَان، فطافها، وأطلق من فِي السجون، وسكَّن الناس ودعا من الغد عَلَى المِنبر لأمير المؤمنين المُكتفِي بالله وحده، وصرف مُوسَى بْن طُونيق عَن الفُسطاط

стр. 176

يوم الجمعة لليلتين خلتا من ربيع الأول، وجعل محمد بْن سُلَيْمَان مكانه رجُلًا من أصحابه، يُقال لَهُ: البُكْتُمريّ، وصرف أَبَا زُرعة محمد بْن عثمان القاضي عَنْ قضائه، وردّ محمد بْن عَبْدَة بْن حَرْب عَلَى القضاء، وبعث محمد بْن سلميان بطُغْج بْن جُفّ واليًا إلى قِنَّسْرِين، وضمّ إِلَيْهِ جمعًا من جُند بني طُولُون، ثمَّ أمر بإِخراج الأَعراب الذين قدِموا معه، ثمَّ أخرج ولَد أحمد بن طُولُون وهم عشرون إنسانًا، وأخرج بَدْر الحمَّاميّ واليًا عَلَى دِمَشْق، وأخرج منها قُوَّاد بني طُولُون ومَواليهم وقتًا بعد وقت، فلم يبقَ بِمصر منهم أحد يُذكَر، فخلت منهم الدِّيار، وعفت منهم الآثار، وتعطَّلت منهم المنازل، وحلَّ بهم الدُّلّ بعد العِزّ والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل، ونَضرة المُلك، ومُساعَدة الأيَّام. قَالَ أحمد بْن محمد الحبشيّ: الْحَمْدُ للهِ إِقْرَارًا بِمَا وَهَبَا … قَدْ لَمَّ بِالأمْنِ شَعْبَ الحَقِّ فَانْشَعَبَا اللهُ أَصْدَقَ هذا الفَتْحَ لَا كَذِبٌ … فَسُوءُ عَاقِبَةِ المَثْوَى لِمَنْ كَذَبَا فَتْحٌ بِهِ فتح الدُّنْيَا مُحَمَّدُهَا … وَفَتَّحَ الظُّلْمَ وَالإِظْلَامَ وَالكُرَبَا لَا رَيْبَ رَبّ هِيَاجٍ يَقْتَضي دَعَةً … وَفِي القِصَاصِ حَيَاةٌ تُذْهِبُ الرِّيِبَا رَمَى الإِمَامُ بِهِ عَذْرَاءَ غَادِرِهِ … فَافْتَضَّ عُذْرَتَهَا بِالسَّيْفِ وَاقْتَضَبَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانٍ أَعَزُّهُمُ … نَفْسًا وأَكْرَمُهُمْ فِي الذَّاهِبِينَ أَبَا سَرَى بأُسدِ الشَّرَى لَوْ لَمْ يُرَوْا بَشَرًا … أَضْحَى عَرِينُهُمُ الخَطِّيَّ لَا القَضَبَا حُمَّ القَضَاءُ عَلَى اليَحْمُومِ حينَ أَتوا … مِثْلَ الدَّبَى يَمتَحُونَ الدِّبَّةَ الدَّأَبَا إِيهًا عَلَوْتَ عَلَى الأَيَّامِ مَرْتَبَةً … أَبَا عَلِيٍّ تَرى مِنْ دُونِهَا الرُّتَبَا

стр. 177

هَارَتْ بِهارُونَ مِنْ ذِكْرَاكَ بُقْعَتُهُ … وَشَيَّبَ الرُّعْبُ شَيْبَانًا وَقَدْ رَغِبَا فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ … كَأَنَّهَا مِنْ زَمَانٍ غَابِرٍ ذَهَبَا وَكَمْ تُرَى تَرَكُوا مِنْ جَنَّةٍ أُنُفٍ … وَمِنْ نَعِيمٍ جَنَى مِنْ غَدْرِهِمْ غَضَبَا وقال أحمد بْن أَبِي يعقوب: إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنْ جَلَالَةِ مُلْكِهِمْ … فَارْتَعْ وَعُج بِمَرَاتِعِ المَيْدان وَانْظُرْ إِلَى تِلْكَ القُصُورِ وَمَا حَوَتْ … وَاسْرَحْ بِزَهْرَةِ ذلِكَ البُسْتَانِ وَإِن اعْتَبَرْتَ فَفِيهِ أَيْضًا عِبْرَةٌ … تُنْبِتكَ كَيْفَ تَصَرُّفُ العَصْرَانِ يَا قتلَ هارونَ اجْتَثَثْتَ أُصُولُهمْ … وَأَشَبْتَ رَأْسَ أَمِيرِهِمْ شَيْبَانِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ بَأْسُ قَيْسٍ إِذْ … غَدَا فِي جَحْفَلٍ لَجَبٍ وَلَا غَسَّانِ وَعُدَيَّةُ الْبَطَلُ الكَمِيُّ وَخَزْرَجٌ … لَمْ يَنْصُرَا بِأَخِيهِمَا عَدْنَانِ ذَفَّتْ إِلَى آل النُّبُوَّةِ وَالهُدَى … وتَمَزَّقَتْ عَنْ شِيعَةِ الشَّيْطَانِ وقال أيضًا: نَقْمَةٌ أُرْسِلَتْ مِنَ الشَّرْقِ تَهْوِي … فَأَنَاخَتْ عَلَى بَنِي طُولُونَا كُيْفَ يُرْجَى صَلَاحُ هذِي الْبَرَايَا … وابْنُ أَبَّا يَسُوسُ دُنْيَا وَدِينَا بِأَبي خَبَّةٍ وَرَأْيِ غَرِيبٍ … كَانَ يُمْضِي شَرايِعَ الحُكْمِ فِينَا مَا رَأَيْنَا مِنْ آلِ طُولُونَ إِلَّا … سَاءَهُ فِي بِطَالَةٍ مَرْهُونَا وقال الحبشيّ لأبي عليّ الحُسين بْن أحمد الماذَرائيّ:

стр. 178

هَنِيئًا لِمِصْرٍ قَدْ فَتَحْتَ رِتَاجَهَا … وَقَلَّدْتَ مَا قَلَّدْتَهُ بِتَحَكُّمِ وَمَا الفَتْحُ إِلَّا فَتْحُ رَأْيِكَ لَا الَّذِي … تَجَمَّعِ يَوْمَ الجَمْعِ مِنْ كُلِّ مُعْلَمِ وَكُنْتَ وَشَيْبَانٌ غَدَاةَ لَقِيتَهُ … كَمُوسَى وَفِرْعونٍ غَدَاةَ الْمُعَظَّمِ كَفَيْتَ الْإِمَامَ المُكْتَفِي مَا يَنُوبُهُ … وَلَمْ يَكُ يَرْجُوهُ بِكُلِّ مُرَجَّمِ وَمَا زِلْتَ تَرْمِي آلَ طُولُونَ قَبْلَها … وَقَدْ خَالَفُوا السُّلْطَانَ مِنْكَ بِصَيْلَمِ وقال ابن أَبِي يعقوب: الدَّارُ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأَظْعَانِ … مَسْرُورَةٌ بِتَفَرُّقِ السُّكَّانِ لَم تُبْدِ مِنْ جَوْنس عَلَى أَرْبَابِهَا … إِذْ فِي التَّرَحُّلِ رَاحَةُ الجِيرَانِ رَحَلُوا فَلَا نَزَلُوا بِرَوْضِ مُزْهِر … وَعَدَاهُمُ سَبَلُ الْغَمَامِ الدَّانِي حُرِمُوا صَبِيبَ المُزْنِ أَنَّى يَمَّمُوا … وَتقَسَّمَتْهُمْ سَطْوَةُ الرَّحمنِ مَا كَانَ أَثْقَلَهُمْ عَلَى كَتِفِ العُلَى … وَأَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْإِحْسَانِ مَا كَانَ أَرْذَلَ دَوْلَةً سُعِدُوا بِهَا … وَأَحَقَّهَا بِتَهَدُّمِ الأَرْكَانِ مَا عَاشَرُوا نِعَمَ الْإِلهِ بِشُكْرِهَا … فَأَثَابَهُمْ بِمَثُوبَةِ الكُفْرَانِ مَاذَا أُرِيحَتْ مِصرُ مِنْهُ وَمَا إِلَى … أَرْضِ الْعِرَاقِ مَضَى مِنَ الْبُهْتَانِ وقال إسماعيل بْن أَبِي هاشم: قِفْ وَقْفَةً بِفنَاء بَابِ السَّاجِ … وَالقَصْرِ ذِي الشَّرَفَاتِ والأَبْرَاجِ وَرُبُوعِ قَوْمٍ أُزْعِجُوا عَنْ دَارِهِمْ … بَعْدَ الإِقَامَةِ أَيَّما إِزْعَاجِ كَانُوا مَصَابِيحًا إِذَا ظَلِمَ الدُّجَى … يَسْرِي بِهَا السَّارُونَ فِي الإِدْلَاجِ وَكَأَنْ وُجُوهُهُمُ إِذَا أَبْصَرْتَهَا … مِنْ فِضَّةٍ مَصْبُوغَةٍ أَوْ عَاجِ كَانُوا الثُّرَيَّا لَا يُرَامُ حِمَاهُمُ … فِي كُلِّ مَلْحَمَةٍ وَكُلّ هِيَاجِ فَانْظُرْ إِلَى آثارِهِمْ تَلْقَى لَهُمْ … عَلَمًا بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ وَفُجَاجِ وَعَلَيْهِمِ مَا عِشْتُ لَا أَدَعُ البُكَا … مَع كُلّ ذِي نَظَرٍ وَطَرْفٍ ساجِ

стр. 179

وقال سَعِيد القاصّ: جَرَى دَمْعُهُ مَا بَيْنَ سَحْرٍ إِلَى نَحْرِ … وَلَمْ يَجْرِ حَتَّى أَسلَمَتْهُ يَدُ الصَّبْرِ وَبَاتَ وَقِيدًا لِلَّذِي خَامَرَ الحَشَى … يئِنُّ كَمَا أَنَّ الأَسِيرُ مِنَ الأَسْرِ وهَلْ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَنْ كَانَ ذَا أَسًى … يَبِيتُ عَلَى جَمرٍ وَيُضْحِي عَلَى جَمْرٍ تَتَابُعُ أَحْدَاثٍ تَحَيَّفْنَ صَبْرَهُ … وَغَدْرٌ مِنَ الأَيَّامِ وَالدَّهْرُ ذُو غَدْرِ أَصَابَ عَلَى رَغْمِ الأُنُوفِ وَجَدْعَهَا … ذَوِي الدِّينِ والدُّنْيَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ طَوَى زِينَةَ الدّنيَا وَمِصبَاحَ أَهْلِهَا … بِفَقْدِ بَنِي طُولُونَ والأَنجُمِ الزُّهْرِ فَبَادُوْا وَأَضْحَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ … أَحَادِيثَ لَا تَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي حِجْرِ وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ مَاجِدًا … جَمِيلَ المُحَيَّا لَا يَبِيتُ عَلَى وِتْرِ كَأَنَّ لَيَالي الدَّهْرِ كَانَتْ لِحُسنِهَا … وَإِشْرَاقِهَا فِي عَصْرِهِ لَيْلَةَ البَدْرِ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ابْنِ طُولُونَ هِمَّةٌ … مُحَلِّقَةٌ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ والْغَفْرِ فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي شَاهِدًا ذَا عَدَالةٍ … يُخَبِّرُ عَنْهُ بِالحْلِيِّ مِنَ الأَمْرِ فبِالجَبَلِ الغَرْبِيِّ خِطَّةِ يَشْكُر … لَهُ مَسْجِدٌ يُغْني عَنِ المَنْطِقِ الهَذْرِ يَدُلُّ ذَوِي الأَلْبَابِ أَنَّ بِنَا … وَبَانِيَهُ لَا بِالضَّنِينِ وَلَا الْغَمْرِ بَنَاهُ بِآجُرٍّ وَآسٍ وَعَرعَرٍ … وبِالمرْمَرِ المَسْنُونِ والجَصِّ وَالصَّخْرِ بَعِيدُ مَدَى الأَقْطَارِ سَامٍ بِنَاؤُهُ … وَثِيقُ المبَانِي عُقُودٍ وَمِنْ جُدْرِ فَسِيحُ الرِّحَابِ يُحْسَرُ الطَّرْفُ دُونَهُ … رَقِيقُ النَّسِيم طَيِّبُ الْعَرْفِ والنَّشْرِ وَتَنُّورُ فِرْعَوْنَ الَّذِي فَوْقَ قُلَّةٍ … عَلَى شَاهِقٍ عَالٍ عَلَى جَبَلٍ وَعْرِ بَنَى مَسْجِدًا فِيهِ يَفُوقُ بِنَاؤُهُ … وَيَهْدِي بِهِ فِي اللَّيْلِ إِنْ ضَلَّ مَنْ يَسْرِي تخَالُ سَنَا قِنْدِيِلِهِ وَضِيَاءه … سُهَيْلًا إِذَا مَا لَاحَ فِي اللَّيْلِ لِلسَّفْرِ وَعَيْنٌ مَعِينُ الِّرْبِ غَيْرُ رَكيةٍ … وَغَيْرُ أُجَاجٍ لِلرُّوَاةِ وَلِلطُّهْرِ كَأَنَّ وُفُودَ النِّّيلِ فِي جَنَبَاتِهَا … تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَ مَدٍّ إِلَى جَزْرِ فَأَرْفَأَهَا مَسْتَنْبِطًا لِمَغِيبِهَا … مِنَ الأَرْضِ مِنْ بَطْنٍ عَمِيقٍ إِلَى ظَهْرٍ يَمُرُّ عَلَى أَرْضِ المعَافِرِ كُلِّهَا … وَشَعْبَانَ الأَحْمُور وَالحَيِّ مِنْ بِشْرِ قَبَائِلُ لَا نَوْءُ السَّحَابِ يَمُدُّهَا … وَلَا النِّّيلُ يَرْوِيهَا وَلَا جَدْوَلٌ يَجْرِي وَلَا تَنْسَ مَارِسْتَانَهُ وَاتِسَاعَهُ … وَتَوْسِعَةَ الأَرْزَاق لِلْحَوْلِ وَالشَّهْرِ وَما فِيهِ مِنْ قُوَّامِهِ وَكُفَاتِهِ … وَرِفْقَهُمُ بِالمُعْتَفِينَ ذَوِي الفَقْرِ فَلِلْمَيِّتِ المَقْبُورِ حُسْنُ جَهَازِهِ … وَللْحَيِّ رِفْقٌ فِي عِلَاجٍ وَفِي جَبْرِ وَإِنْ جِئْتَ رَأْسَ الْجِسْرِ فَانْظُر تَأَمُّلًا … إِلَى الحِصْنِ أَوْ فَاعْبُرْ إِلَيْهِ عَنِ الْجِسْرِ تَرَى أَثَرًا لَمْ يَبْقَ مَنْ يَسْتَطِيعُهُ … مِنَ النَّاسِ فِي بَدْوِ الْبِلَادِ وَلَا حَضْرِ مَآثِرُ لَا تَبْلَى وإِنْ بَادَ رَبُّهَا … وَمَجْدٌ يُؤَدِّي وَارِثِيهِ إِلَى الْفَخْرِ لَقَدْ ضُمِّنَ القَبْرُ المْقَدَّرُ ذَرْعُهُ … أَجَلَّ إِذَا مَا قِيسَ مِنْ قُبَّتَيْ حَجْرِ وَقَامَ أَبُو الجَيْشِ ابْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ … كَمَا قَامَ لَيْثُ الْغَابِ فِي الأَسَلِ السُّمْرِ كَذَاكَ اللَّيَالِي مَنْ أَعَارَتْهُ بَهْجَةً … فَيَالَكَ مِنْ بَابٍ حَدِيدٍ وَمِنْ صُفْرِ وَوَرَّثَ هارُونَ ابْنَهُ تَاجَ مَاجِدٍ … كَذَاكَ أَبُو الْأَشْبَالِ ذُو النَّابِ وَالْظُفْرِ وَقَدْ كَانَ جَيْشٌ قَبْلَهُ فِي مَحَلِّهِ … وَلَكِنَ جَيْشًا كَانَ مُسْتَنْقِصَ الْعُمْرِ

стр. 180

فَقَامَ بِأَمْرِ المُلْكِ هارُونُ مُدَّةً … عَلَى نَكَدٍ مِنْ ضِيقِ بَاعٍ وَمِنْ حَصْرِ وَمَا زَالَ حَتَّى زَالَ وَالدَّهرُ كَاشِحٌ … عَقَارِبُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ تَسْرِي يُذَكِّرُهُمْ لَمَّا مَضَوْا فَتَتَابَعُوا … كَمَا أرْفَضَّ سِلْكٌ مِنْ جُمَانٍ وَمِنْ شَذْرِ فَمَنْ يَبْكِ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهِ … لِفَقْدِهِمِ فَلْيَبْكِ حُزْنًا عَلَى مِصرِ لَيَبْكِ بَنِي طُولُون إِذْ بَانَ عَصْرُهُمْ … فَبُورِكَ مِنْ دَهْرِ وَبُورِكَ مِنْ عَصرِ وجعل محمد بْن سُلَيْمَان أَبَا عليّ الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائيّ عَلَى خَراجها، وصرف عَنْهُ أَبَا الطيِّب أحمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ. وورد كتاب المُكتفي بوِلاية الْحُسَيْن بْن أحمد عَلَى الخراج وجعل إِلَيْهِ النظَر فِي أمر بني طُولُون وضياعهم، ثمَّ ورد كتاب المُكتفي بوِلاية النُّوشَري عليها. عيسى النُّوشَري ثمَّ ولِيَها عيسى النُّوشَري عَلَى صلاتها من قِبَل المُكتفي، دخلها خليفُهُ عليها يوم الأحد لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فتسلَّم الشُّرطتين وسائر الأعمال، ثمَّ قدِمها عيسى النُّوشَري يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، فصرف البُكتُمريّ عَن الشُّرَط وجعل مكانه يوسف بْن إسرائيل، وجعل عَلَى الإِسكندريَّة عليّ بْن وَهْسُودان، والمُهاجِر بْن طليق عَلَى أسفل الأرض، وأبا عَبْدان. . . . . . . . . . .، فخرج إِلَيْهِ أَبُو أحمد بْن بنيك عَلَى مقدِّمة
следующие страницы →