Полный текст (352 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حُدَيج، وعثمان بْن عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى بْن نُصير، والضحَّاك بْن محمد اللَخْميّ، ووَحْوَح بْن ثابت البَلَويّ، فخرجوا أمام أَبِي عَون، وكان خروج أَبِي عَون جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين ومائة، وخرج عامر بْن إسماعيل فِي جيُوشه عَلَى مُقدَّمة أَبِي عَون، وبعث بالمُثنى بْن زياد الخَثعميّ فِي شوَّال سنة ست إلى الإسكندريَّة ليجهّز المراكب إلى طَرابُلُس، وبعث بعيَّاش بْن عُقْبة الحَضْرَميّ فِي حمل الطَّعام لجيش أَبِي عَون، وعامر بْن إسماعيل.
وتُوفّي أمير المؤمنين أَبُو العبَّاس فِي ذي الحجَّة سنة ستّ وثلاثين ومائة واستخلف أَبَا جَعْفَر عبد الله بْن محمد بْن عليّ بْن عبد الله بْن عبَّاس، فاستقبل بخلافته سنة سبع وثلاثين ومائة، فأَقرّ صالح بْن عليّ عَلَى صلاتها وخَراجها، وكتب صالح إلى أَبِي عَون يأمره بالرجوع، وبردّ الدُّعاة من أهل مِصر، وقد بلغوا سُرْت، وبلغ أَبُو عَون، برقة فأقام بها أحد عشر شهرًا، واتخذ بها مُصلًّى وتركه، ثمَّ رجع أَبُو عَون فِي جيشه إلى مِصر، وألحق صالح بْن عليّ فِي أهل مِصر ألفَي مُقاتِل وزاد أهل مِصر عشرةً عشرةً فِي أعطياتهم.
ثمَّ خلع الحكَم بْن ضَبْعان الجُذاميّ بِفلَسْطين، فبعث صالح من مصر أَبَا عَون، ومحمد بْن الأشعث الخُزاعي، وأبا سَعِيد بْن مُعاوية بْن يزيد بن المُهلَّب، فلقُوا الحكَم بْن ضَبْعان، فهزموه، وبعث أَبُو عَون إلى مِصر بثلاثة آلاف رأس من أصحاب الحكَم، ونذر صالح بْن عليّ الناس إلى فِلَسْطين، وعقد عليهم لوَحْوَح بْن ثابت البَلَويّ، والضحَّاك بْن محمد اللَخْميّ، ويزيد بْن الزبرقان القيسي، ثمَّ رأَى صالح أن يخرج فيهم، فخرج متوجّهًا إلى فِلَسْطين واستخلف عليها ابنه الفَضْل بْن صالح، فبلغ صالح إلى بُلْبَيْس، ثمَّ تراخى عَن المسير حتى بلغه الفتح ورجع إلى فِلَسْطين.
فحَدَّثَنِي ابن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا خرج الحكَم بْن ضَبْعان بِفلَسْطين: طلب صلاح بْن عليّ من فِي عسكره بمصر من بني رَوح بْن زنْباع، فاختفى رجاء بْن رَوح عند محمد بْن مُعاوية بْن بَجير بْن رَيْسان، واختفى رَوح بْن
стр. 72
رَوح عند خَالِد بْن سَعِيد بْن ربيعة الصَّدَفيّ، وأخذ سلامة بْن سَعِيد بْن رَوح، وزنْباع بْن ضَبْعان، فقتل سلامة بْن سَعِيد.
قَالَ أَبُو مَيسرة الحضرمي: فخرجتُ مَعَ خَالِد بْن حيَّان بْن الأعْيَن، فدخل عَلَى صالح بْن عليّ فِي سُرادِقه عند المصلَّى، فأقمت أنتظره، فأُتي برَجُل أفطس فِي الحديد، فقال: أيها الناس، أَنَا زِنْباع بْن ضبْعان قُتل ابن عمّي أمس وأُقتَل اليوم.
فدُخل بِهِ عَلَى صالح، فقتله، وبُغي محمد بْن بحير عند صالح بْن علي بأمر رَجاء بْن رَوح فأتى محمد بْن مُعاوية مُسلّمًا، فقال لَهُ: اقعدْ.
فقعد حتى إذا خلا، قَالَ: يابن بحير، أَلم أُكْرِمك أَلم أشرّفك، فكان ثَوابي أن أويتَ أعدائي.
قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: رَجاء بْن رَوح عندك.
قَالَ: أصلح اللَّه الأمير، اختَرْ واحدةً من اثنتين فيها لي براءة ولك شِفاء ممَّا اتهمتَني: أن تُرسل الخيل عَلَى غِرَّتي فتفتّش منازلي، وإِمَّا أن أبرئ صِدْقك بيميني.
قَالَ: فسمِّ امرأَتك، قَالَ: ابنه فَهْد بْن كثير المَعافريّ.
قَالَ: فهي طالق، وكلّ مملوك لك حُرّ، وعليك المشْي إلى بيت اللَّه إن كَانَ عندك ولا تعلم مكانه.
فحلف، فقال: انصرفْ.
قَالَ محمد بْن مُعاوية: فانصرفتُ، فأعلمتُ امرأَتي بِنْت فَهْد.
قَالَتْ: فلا تُظهر ذَلكَ فيُعرف فلا ننجو من القوم ولكن ادخلْ عليَّ واعتزلْ مضجعي.
فكان يفعل ذَلكَ حتى إذا سار صالح أظهر طَلاقها وأعتق رقيقه إلى بيت اللَّه.
ثمَّ سار صالح إلى فِلَسطين وكتب إلى أَبِي عَون بالمسير إِلَيْهِ، كَانَ خروج صالح لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة، فلقِيَه أَبُو عَون بالفَرَما فأمَّره عَلَى مِصر صلاتها وخَراجها، ومضى صالح إلى فِلَسطين، ودخل صالح فِلَسْطين، ودخل أَبُو عون الفُسطاط لأربع بقينَ من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عمرو بْن بحري السَّبَائيّ: " أن صالحًا لمَّا خرج من مِصر إلى الشام خرج بنفَر من وجوه أهل مِصر، منهم: مُعاوية بْن عبد الرحمن بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وخالد بْن حيَّان الأَعْيَن الحَضْرَميّ، وشُرَحْبِيل بْن مُذبلفة الكَلْبيّ، وغوث بْن سُلَيْمَان الحَضْرَميّ، وعمرو بْن الحارث الفقيه "
стр. 73
أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد الثانية
ثمَّ ولِيَها أَبُو عَون عَبْد الملك بْن يزيد الثانية عَلَى صلاتها وخراجها باستخلاف صالح بْن عليّ إِيَّاه عليها، وذلك فِي شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرَطه عِكْرِمة بن عبد الله بْن قَحْزَم، وعلى الدواوين عَطاء بْن شُرَحْبِيل، ثمَّ أفرده أَبُو جَعْفَر بوِلايتها.
وقدِم أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر بيت المَقْدِس وكتب إلى أَبِي عَون: بأن يستخلف عَلَى مِصر ويخرج إِلَيْهِ.
فاستخلف عليها عِكْرِمة بْن عبد الله، وعلى الخَراج عَطاء بْن شُرَحْبِيل مولى مُراد، وخَرج أَبُو عَون للنصف من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وأربعين ومائة.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا أراد أَبُو جَعْفَر عزل صالح بْن عليّ عَنْ مِصر ضمّ إِلَيْهِ فِلَسْطين وأمره بالشخوص إليها، وأن لا يستخلف عَلَى مِصر.
فلمَّا استقرَّ بها، عزله عَنْ مِصر وضمّ إِلَيْهِ الأُردُنّ، وأمره أن يصير إليها، فلمَّا استقرَّ بها، عزله عَنْ فِلَسطين وضمّ إِلَيْهِ دِمَشق، فلم يزَلْ ينقله حتى صار إلى الجزيرة.
ولمَّا صار أَبُو عَون ببيت المقْدِس، بعث أَبُو جَعْفَر مُوسَى بْن كَعْب عليها، فكانت وِلاية أَبِي عَون عليها هذه المُدَّة الثانية ثلاث سنين وستَّة أشهر»
مُوسَى بْن كَعْب بْن عُيَينة بْن عَائِشَة بْن عمرو بْن سري بْن عايذة بْن الحارث بْن امرِئ القيس بْن زيد مَناة بْن تَميم بن مُرّ بْن أدّ بْن طابِخة بْن اليَأْس بْن مُضَر
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن كَعْب من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر، وكان مُوسَى من نُقباء بني العبَّاس فدخلها لأربع عشرة ليلة بقِيَت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين
стр. 74
ومائة عَلَى صلاتها وخَراجها، فجعل عَلَى شُرَطه عِكْرِمة بْن عبد الله بْن قَحْزَم.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه: أن مُوسَى بْن كَعْب لمَّا ولِيَ مِصر نزل العسكر فجعل وجوه الجُند يغدُون عَلَيْهِ ويروحون، فقال: " ألكم حاجة أتشكُون ظُلامة، قَالُوا: لا، قَالَ: فما هذا الاختلاف؟ قَالُوا: كنَّا نفعل ذَلكَ بأُمرائنا قبلك.
فقال: قد وضعه اللَّه عنكم، فأقيموا فِي منازلكم.
فانتهى الناس ولزِمه الفَضْل بْن مِسكين بْن الحارث بْن باباه بالغُدُوّ والرواح، فسأَل يومًا من ببابه، فأُخبِر بِهِ فدعا بِهِ، فقال: أَلك حاجة أتشكون ظُلامة؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فما لزومك بأبي وقد أمرتُ بالكفّ عَنْ ذَلك، أنت تُريد أن ترى فينا أمرًا تبغينا بِهِ؟ فحبسه حتى عُزل "
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن المَيْسَريّ عَبْد العزيز بْن مَيْسَرة، قَالَ: كَانَ مُوسَى بْن كعْب، يَقُولُ فِي خُطبته: " من كَانَ يُريد جاريةً فارهةً، أو غُلامًا فارهًا فلْيرفع يدَيْه إلى اللَّه.
وقال فِي خُطبته: هذا أخوكم عَبْد الغفَّار الأَزْديّ، كَانَ معكم منذ ثلاث، ثمَّ مات فلا تغفَلوا عمَّا نزل بِهِ "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، أنَّه انتسخ من رِقاع يحيى بْن عثمان بْن صالح بخطّه: حَدَّثَنِي أَشياخنا: " أن أَسَد بن عبد الله البَجَليّ كَانَ واليًا عَلَى خُراسان، فأَتْهم مُوسَى بْن كعْب بأمر المسوِّدة، فأُلجم بلِجام ثمَّ كُسرت أسنانه، فلمَّا صار الأمر إلى بني هاشم أمالوا عَلَى مُوسَى الدُّنيا، فكان مُوسَى، يَقُولُ: كانت لنا أسنان وليس عندنا خُبز، فلمَّا جاء الخُبز ذهبت الأسنان ".
وذكر أشياخ مِصر: أن أَبَا جَعْفَر كتب إلى مُوسَى بْن كَعْب حِين عزله: إنّي عزلتُك عَنْ غير سُخط، ولكن بلغني أن عاملًا يُقْتَل بِمصر، يقال لَهُ: مُوسَى، وكرِهت أن تكون هُوَ.
فكان ذَلكَ مُوسَى بْن مُصْعَب زمن المَهديّ، فوليَها مُوسَى بْن كَعْب سبعة أشهُر، وصُرف فِي ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة.
واستخلف عَلَى الجُند خَالِد بْن حَبيب، وعلى الخَراج نَوفَل بن الفُرات، وخرج من مِصر يوم الأربعاء لستّ بقينَ من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة
стр. 75
محمد بْن الأَشْعَث بْن عُقْبة بْن أُهْبان بْن عبَّاد بْن رَبيعة بْن كَعْب بن أُميَّة بْن يَقظة بْن خُزَيمة بْن مالك بْن سلامان بْن أَسلم بن أَفصى بْن حارثة بْن عَمْرو بْن عامر
فولِيَها محمد بْن الأشعث الخُزاعيّ وهو من ولَد عُقْبة مكلِّم الدِّئب من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم الإثنين لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة إحدى وأربعين ومائة وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط محمد بْن مُعاوية بْن بَجير بْن رَيْسان الكَلاعي، فلمَّا استقرّ محمد بْن الأشعث بها، بعث أَبُو جَعْفَر إلى نَوَفل بْن الفُرات: أن اعرِضْ عَلَى محمد بْن الأشعث ضَمان خَراج مِصر، فإن ضمِنه فأَشهدْ عَلَيْهِ واشخَص إليَّ، وإن أَبى فاعْمَل عَلَى الخَراج.
فعرض عَلَيْهِ ذَلكَ، فاستشار محمد بْن الأَشعث كاتبه، فأشار عَلَيْهِ أن لا يفعل، فانتقل نوفل الدواوين إلى دار الرَّمل فافتقد ابن الأشعث الناس، فقيل لَهُ: هُمْ عند صاحب الخراج.
فندِم عَلَى تسليمه.
وعقد محمد بْن الأشعث لأبي الأحْوَص عمرو بْن الأَحْوَص عَلَى جيش، وبعث بِهِ إلى المغرِب لقتال أَبِي الخطَّاب عبد الأعلى بْن الشيخ الإباضي مولى المَعافر، فلقِيَه أَبُو الخطَّاب بمقداس، فهزم أَبَا الأحوص وقتل عسكره، فبلغ ابن الأشعث ذَلكَ، فعسكر بالجِيزة وصلَّى بها يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين ومائة، وتوَّجه إلى الإسكندريَّة،
стр. 76
واستخلف عَلَى مِصر محمد بْن مُعاوية بْن بَحير بْن رَيْسان.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ محمد بْن مُعاوية بْن بَحير قد بُغي عند أَبِي عون، وقيل لَهُ أَنَّهُ يشتمه، فضربه أَبُو عَون وحطّ عطاءه إلى عشرين ومائة، وكان فِي المائتين، فلمَّا قدِم محمد بْن الأَشعث ولَّاه الشُّرط، فكان يصعد المِنبر، فيشتم أَبَا عون، ويقول: النخَّاس الكذَّاب.
فشتمه يومًا عند محمد بْن سَعِيد صاحب الخَراج، فقال لَهُ سالم بْن سُلَيْمَان الحربي القائد: أَتشتمه وهو قائد أمير المؤمنين.
قَالَ: وأشتمك فعليك وعليه وعليه لعنة اللَّه.
فكانت وِلاية ابن الأَشعث عليها سنة وشهرًا "
حُمَيد بْن قَحْطَبة بْن شَبِيب بْن خَالِد بْن مَعدَان بْن شمس بن قيس بْن أكْلَب بْن سعد بْن عمرو بْن غَنْم بْن مالك بْن سعد بْن نَبْهان بْن نعل بْن عمرو بْن الغَوْث بْن طيء.
ثمَّ وليَها حَميد بْن قَحْطَبة من قِبَل أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخَراجها، فدخلها فِي عشرين ألف من الجُند يوم الجمعة لخمس خلونَ من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن مُعاوية بن بَجير، ثمَّ قدِم عامر بْن إسماعيل فِي عسكر لستّ خلونَ من شوَّال، وقدِم معه الأَغلَب بْن سالم، ومحمد بْن بَحير عَلَى الشُّرَط.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: أخبرني المَيْسَريّ، عَنْ أبيه: " أن عُمَر بْن حَبيب المؤذِّن أتى ابن بَحير يؤذنه بالصبح وهو فِي دار الفِلْفِل فرأَى شيئًا كرِهه، فبلغ ذَلكَ حُميدًا، فاستشار الجند فِي رجُل يولّيه الشُّرَط، فقيل لَهُ: عليك بعبد اللَّه
стр. 77
بْن عبد الرحمن مُعاوية بْن حُدَيج.
فولّاه من يومه، فكان مُقام ابن بحير عَلَى شُرَط حُميد ستَّة أشهر "
وحَدَّثَنِي ابنُ قُديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " وقدِم إلى مِصر عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن حسن فِي إمرة حُميد بْن قَحْطَبة داعِيَةً لأبيه وعمّه، فنزل عَلَى عَسَّامة بْن عمرو المَعافريّ، فذكر ذَلكَ صاحب السِّكَّة لُحميد بْن قَحْطَبة، وقال: ابعثْ إِلَيْهِ فخذْه؟ فقال حُميد: هذا كَذِب.
ودس عَلَيْهِ، فتغيَّب ثمَّ بعث إِلَيْهِ من الغد فلم يجده، فقال لصاحب السِّكَّة: أَلَم أُعلمك إنَّهُ كَذِبٌ وكتب بذلك صاحب السكَّة إلى أَبِي جَعْفَر، فعزله وسخِط عَلَيْهِ.
ثمَّ صُرف حُميد عَنْهَا فِي ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة، وخرج منها يوم الإثنين لثمان بقينَ من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة "
يزيد بْن حاتم بْن قَبِيصة بْن المُهلَّب بْن أَبِي صُفْرة
ثمَّ ولِيَها يزيد بْن حاتم المُهلَّبيّ من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها يزيد يوم الإثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الله بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، واستخلف عَلَى الخَراج مُعاوية بْن مُرْوان بْن مُوسَى بْن سَعِيد.
وفي ولايته ظهرت دعوة بني حسن بْن عليّ بِمصر وتكلّم بها الناس، وبايع كثير منهم لعليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن عبد الله بْن حسن وهو أوَّل عَلَويّ قدِم مِصر، وقام بأمر دعوته خَالِد بْن سَعِيد بْن ربيعة بْن حُبيش الصدَفيّ، وكان جدّه رَبيعة بْن حَبيش من خاصَّة عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ وشيعته، وحضر الدار، فاستشار خَالِد بْن
стр. 78
سَعِيد أصحابه الذين بايعوا لَهُ، وفيهم: دِحْية بْن مُصعب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ومنصور الأَشلّ بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، وزيد بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، فقال لهم: ما ترون.
فأشار عَلَيْهِ دِحْية: أن يبيت يزيد بْن حاتم فِي العسكر فيُضْرم عَلَيْهِ نارًا، وقال أهل الديوان: ترى أن تحوز بيت المال وأن يكون ظهورنا وخروجنا فِي المسجد الجامع.
فكرِه خَالِد بْن سَعِيد أن يبيّت يزيد بن حاتم وخشِيَ عَلَيْهِ اليمانيَّة، وخرج منهم رَجُل من الصَّدِف قد شهِد أمرهم كله حتى أتى إلى عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُديج وهو يومئذٍ عَلَى الفُسطاط، فخبَّرهم أنهم الليلة يخرجون، فمضى عبد الله بْن عبد الرحمن إلى يزيد بْن حاتم وهو بالعسكر ليخبّره، وكان ذَلكَ لعشر خلونَ من شوَّال سنة خمس وأربعين ومائة.
وسار خَالِد بْن سَعِيد فِي الذين معه وعليه قَباء خزّا صفر وعَمامة خزّ صفراء، وقد سوّم فرَسه بعمامة، وعمد إلى المسجد الجامع فِي نِصف الليل، فانتبهوا بيت المال ثمَّ تضاربوا عَلَيْهِ بسيوفهم فلم يصِلْ منهم إِلَيْهِ إلَّا اليسير، وبعث يزيد بْن حاتم مَعَ ابن حُدَيْج بتَوْبَة بْن غريب الخَوْلانيّ، وبأبي الأشهل سعيد بْن الحكم الأَزْديّ من أهل المَوصِل، ودفيف بْن راشد مولى يزيد بن حام، وقال لهم يزيد: إن رأيتم المصابيح فِي الدُّور فهو أمر عامّ، فانصرفوا إليَّ وإلَّا فأْتوا المسجد فاعلَموا الخَبر.
فلمَّا انتهَوا إلى السرَّاجين، قَالُوا: نرجِع.
قال تَوْبَة: أَمَّا أَنَا فلا أبرح حتى يأْتي أمره لأنه قَالَ لكما ارْجِعا ولم يقُلْ لي.
قَالَ لَهُ ابن حُدَيج: فقِف إذًا عند دور بني مِسكين فإنَّه مفرَق طُرُق، قَالَ: أمَّا هذا فأَفعلُ.
وتاب إلى يزيد بْن حاتم نفَر من أهل مِصر، وأتاه المنتظر بْن إسماعيل الرُّعَينيّ من الصَّحراء، فقال ابن حاتم: ما فعل ابن عُمير الحَضْرَميّ؟ قَالُوا: لم يخرج معهم.
قَالَ: وأبو حزَن المَعافريّ؟ قَالُوا: بالباب.
قَالَ: فالأَمر يسير.
وأرسل ابن حاتم إلى أصحابه، فجعلوا يأتونه سُكارى، فقال: إنَّ نُضُوحكم الليلة لكثير.
وكان ممَّن حضر ليلتئذٍ من وجوه قُوَّاده العَلاء بْن رَزين الأَزْديّ من سُليمة، ويحيى بْن عبد الله بْن الْعَبَّاس الكنديّ، وأبو الهزهاز النَّخَعيّ، وأبو كندة بْن عُبَيْد بْن مالك الكَلْبيّ، فساروا جميعًا، ثمَّ وجَّه دَفيفًا فِي جمع منهم من قِبَل سُوق وَرْدان، ومضى ابن حُدَيج وكان بسُوق الحمَّام، ووقف أَبُو الأَشهل فِي السرَّاجين، وأقبل نصر بْن حَبيب فِي الجموع من نحو دُور بني
стр. 79
مِسكين، فوقف ابن حُدَيج عَلَى الباب الَّذِي من ناحية بيت المال فكلَّم خَالِد بْن سَعِيد وهو فوق ظهر المسجد كلمةً قِبْطِيَّةً، فقال: انسلّ.
فخرج عَلَى وجهه ورمى مُسوِّد بسهم فِي الظُّلمة نحو مخرج الكلام، فأصاب خدّ خَالِد بنُشَّابته، فانتزعها وخرج من نحو سُوق الحمَّام، وخرج ابناه إبراهيم وهُدْبة من نحو المِرحاض الَّذِي إلى دار بني سَهْم، ومضى خَالِد بْن سَعِيد إلى إسماعيل بْن حَيْوة بْن عُقْبة بْن كُلَيب الحَضْرَميّ، فسأَله أن يخفيه.
فقال: لقد هممتُ أن أُوبقك واذهب بك إلى الأمير، ثمَّ أتى عَيَّاش بْن عُقْبة بْن كُليب، فقال: أخاف اليمن.
فأَتى يحيى بْن جَابِر أَبَا كِنانة الحَضْرَميّ، فأواه سبعين ليلة حتى سكن الطلَب، وهدأَ أمره، وقُتل تِلْكَ الليلة كَلثم بْن المُنذِر الكَلْبي، ثمَّ أحد بني عامر ممَّن كَانَ مَعَ خَالِد بْن سَعِيد ولم يكن هذا مذهَبه، إنَّما كَانَ غضِب عَلَى يزيد بْن حاتم، فخرج عَلَيْهِ مَعَ خَالِد وأمر يزيد بْن حاتم عبد الله بْن حُدَيج بإطلاق الأُسارَى، فقال: حتى أؤَدّبهم.
فضربهم وخلَّاهم، وكان القتلى تِلْكَ الليلة من أصحاب خَالِد ثلاثة عشر رجُلًا ولم يكن فيهم من لَهُ ذِكر غير كُلْثم بْن المُنذِر الكَلْبيّ، ثمّ قدِمت الخُطَباء إلى مِصر برأس إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن فِي ذي الحجَّة سنة خمس وأربعين ومائة، فنصبوه فِي المسجِد الجامع، وقامت الخُطَباء، فذكروا أمره وهم شَبَّة بْن عِقال، وكُرَب بْن مَصْقَلة بْن رَقَبة الحِيريّ، ويحيى بْن عبد الرحمن الأَعلم، وخالد بْن أُسَيْد، وزافر الفَيَّاش بْن عُمَر، وصبيح بْن الصبَّاح، والحَضْرَميّ مُعاوية، وأمَّا عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن فاخْتُلِف فِي أمره، فزعم بعض الناس أَنَّهُ حُمل إلى أَبِي جَعْفَر.
стр. 80
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير: " أن عليّ بْن محمد اختفى عند عسَّامة بْن عمرو، وقد وجَّه عَسَّامة إِلَيْهِ وأنزله قريةً لَهُ من طُوَّه، فمرِض عليّ بها، فمات ودُفن بها وحُمِل عَسَّامة إلى العراق، فحُبِس زمانًا، فلمَّا صار الأمرُ إلى المَهدِيّ قام أَبُو عُبَيْد اللَّه الأَشْعَريّ كاتب المهدِيّ فِي أمر عَسَّامة لِما بين المَعافر والأشعريّين، فأدخله إلى المَهدي وشفع فِيهِ، فأَمَّنه المَهديّ عَلَى أن يصدُقه عَنْ عليّ بْن محمد، فقال: مات والله يا أمير المؤمنين فِي بيتي لا شكَّ فِيهِ.
فصَدَّقه المَهديّ، وفرض لَهُ مائتين وردّه إلى مِصر.
وأمّا خَالِد بْن سَعِيد فاستخفى زمانًا طويلًا، ثمَّ مات فِي زمن المَهدِيّ بعد الستّين ومائة فِي إِسْكَندريَّة.
وشكت المَعافر إلى يزيد بْن حاتم بُعد الماء عَنْهُمْ، فابتنى يزيد بن حاتم، فِسْقيَّة المَعافر وأجرى إليها الماء من ساقية أَبِي عون، وأنفق فيها مالًا عظيمًا، فقال لَهُ أَبُو جَعْفَر: لِمَ أنفقتَ مالي عَلَى قومك.
وورد كتاب أَبِي جَعْفَر عَلَى يزيد بْن حاتم يأمره بالتحوّل من العسكر إلى الفُسطاط، وأن يجعل الدواوين فِي كنائس القصر وذلك فِي سنة ستّ وأربعين ومائة، فلم يحجّ منهم أحد إلَّا من أهل الشأم لِما كَانَ بالحِجاز من الاضطراب بأمر ابن حسن، ثمَّ حجَّ يزيد بْن حاتم سنة سبع وأربعين واستخلف عَلَى مِصر عبد الله بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج.
وعقد يزيد بْن حاتم لعبد الأعلى بْن سَعِيد الحَيْشانيّ عَلَى خيل ووجَّههم إلى بِلاد الحَبَشة، وكانت خارجة خرجت بها عليهم أَبُو ميمون، فقتله عَبْد الأعلى، وخرج برأسه ورءوس أصحابه إلى أمير المؤمنين المنصورِ المُهلَّبُ بْن داود بْن يزيد بْن حاتم.
وضمّ يزيد بْن حاتم بَرْقة إلى عَمل مِصر وهو أوَّل من ضمّها إِلَيْهِ، وأمَّر عليها عَبْد السلام بْن عبد الله بْن هُبيرة السّيْبانيّ وذلك فِي سنة ثمان وأربعين ومائة.
وخرج القِبْط عَلَى يزيد بْن حاتم بسَخا ونابذوا، وخرج العُمَّال وكان أميرها عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزْديّ وذلك فِي سنة خمسين ومائة.
وصاروا إلى
стр. 81
شُبْراسُنْباط فقاتلوا ابن عبد الرحمن وانضم إليهم أهل البَشَرُود، والأوْسِية، والبُجوم، فأَتى الخَبر يزيد بْن حاتم، فعقد لنصر بْن حَبيب المُهلَّبيّ عَلَى أهل الديوان ووُجوه أهل مِصر، فخرجوا إليهم فبيَّتهم القِبْط، فطُعِن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج حتى سقط وطُعِن نصر بْن حَبيب طعنتين، وقُتِل عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن وألقى تَوبة الخَولاني النار فِي عسكر القِبْط وانصرف الجيش إلى الفُسطاط مُنهَزِمين.
ثمَّ صُرف يزيد بْن حاتم عَنْهَا، ورد عَلَيْهِ كتاب أَبِي جَعْفَر بذلك فِي شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته عليها سبع سنين وأربعة أشهُر "
عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج بْن جَفْنَة بْن قُنبرة بن حارثة بْن عَبْد شمس بْن مُعاوية بْن جَعفر بْن أُسامة بْن سَعْد بن تُجِيب
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها يوم السبت لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فلم يُولِ عَلَى الشُّرط أحدًا ولكن جعل عَلَى التابُوت عليّ بْن زيدان التُّجِيبيّ، ثمَّ عزله، فولَّاه محمد بْن يَعْفُر المَعافِري، ثمَّ عزله، فولَّاه عِمْران بْن سَعِيد الحُجريّ، ثمَّ عزله،
стр. 82
فولَّاه رجلًا من الموالي يُكنَى أَبَا المجبب
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ المَيْسَريّ: «كَانَ عِكْرِمة بْن قَحْزَم عَلَى شُرْطة أَبِي عَون، فخطب وعليه رِداء نارَنجيّ، وكان ابن بحير عَلَى شُرطة ابن الأَشعث يخطب فِي قميص وساحٍ، فأوَّل من خطب فِي السَّواد عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج.
وخرج عبد الله بْن حُدَيج إلى أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر لعشر بقينَ من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمد عليها، ورجع فِي آخر سنة أربع.
وتُوفّي عبد الله بْن عبد الرحمن وهو واليها يوم الأحد مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمدًا، فكانت وِلايته عليها سنتين وشهرين»
محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج بْن جَفْنَة بْن قُتيرة
ثمَّ ولِيَها محمد بْن عبد الرحمن باستخلاف أخيه لَهُ، فأقرَّه أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه العبَّاس بْن عبد الرحمن التُّجِيبيّ من بني الفصال، وجعل أَبَا مَيْسرة عبد الرحمن بْن مَيْسرة مولى حَضْرَ موت عَلَى التابُوت، ثمَّ تُوّفي محمد بْن عبد الرحمن وهو واليها ليلة السبت للنصف من شوال سنة خمس وخمسين ومائة، فكانت ولايته عليها ثمانية أَشهُر ونصفًا واستخلف مُوسَى بْن عُليّ بْن رَباح.
стр. 83
مُوسَى بْن عُليّ بْن رَباح اللَخْميّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح باستخلاف محمد بْن حُدَيج لَهُ، فأقرّه أَبُو جَعْفَر عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا الصَّهباء محمد بْن حسَّان الكَلْبيّ، وفي وِلايته خرج القِبْط ببَلْهِيب فِي سنة ستّ وخمسين، فعقد مُوسَى لعبد اللَّه بْن المُهاجِر بْن علي. . . . . حليف بني عامر بْن عديّ بْن تُجِيب، فخرج فِي الجُند إلى بَلْهِيب، فهزم القِبْط.
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: أخبرني أَبُو يحيى الصَّدَفيّ، قَالَ: " رأَيت مُوسَى بْن عُلَيّ يخطب عَلَى مِنبَر صغير خارج من المقصورة.
قَالَ: وكان مُوسَى بْن عُلَيّ يروح إلى المسجد ماشيًا، وأبو الصّهْباء صاحب شُرَطه بين يديه يحمِل حَربته.
قَالَ: وكان أَبُو الصَّهْباء إذا أقام الحدود عَلَى من تجِب عَلَيْهِ يطَّلع عَلَيْهِ مُوسَى بْن عُلَيّ، فيقول لَهُ: يا أَبَا الصَّهْباء، ارحَم أهل البَلاء، فيقول: أيّها الأمير، إنه لا يصلَح الناس إلَّا بما يُفعَل بهم "
حَدَّثَنَا أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن سعد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: سَمِعْتُ الفَضْل بْن دُكين، قَالَ: " أتينا مُوسَى بْن عُلَيّ بِمنًى، فلمَّا دخلتُ عَلَيْهِ، قلتُ: بلغني أنَّك ولِيت لأبي جَعْفَر، قَالَ: نعم والله ما رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَر قطّ، ولا فرِقت أحَدًا فَرَقي منه، وإنَّ لله عليَّ أن لا أَلِي وِلايةً أَبدًا "
حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة الأَزْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْن مَرزُوق، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن صالح، قَالَ: " كَانَ مُوسَى بْن عُلَيّ يحَدَّثَنَا وهو أمير مِصر وهو داخل المقصورة ونحن من ورائها إذا جاءَه غُلام أسود، فقال: اصلح اللَّه الأمير إنَّ مولاي ضربني البارحة،
стр. 84
فقلتُ: والله لَآتِيَنَّ الأمير مُوسَى بْن عُلَيّ.
فقال لَهُ مُوسَى: ابن عَلِيّ رحمك الله.
فجعل الأسود يزيده الأسوة يكرّر عَلَيْهِ: ابن عُلَيّ، وهو يَقُولُ: ابن عَلِيّ.
لا يزيده عَلَى ذَلكَ.
وتُوفي أمير المؤمنين أَبُو جَعْفَر يوم السبت لستّ خلونَ من ذي الحجَّة سنة ثمان وخمسين ومائة، وبويع محمد بْن عبد الله المَهديّ، فأقرّ مُوسَى بن عُلَيّ عليها إلى يوم الإثنين لثلاث عشرة بقِيَت من ذي الحجَّة سنة إحدى وستّين ومائة، فكانت وِلاية مُوسَى بْن عُلَيّ عليها ستّ سنين وشهرين "
عيسى بْن لُقمان الجُمَحيّ
ثمَّ ولِيَها عيسى بْن لُقمان الجُمَحيّ من قِبَل أمير المؤمنين المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها يوم الإثنين لثلاث عشرة بقِيَت من ذي الحجة سنة إحدى وستّين ومائة فجعل عَلَى شرَطه ابن عمّ لَهُ، يقال له: الحارث بن الحارث، من بني جُمَع.
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ الحارث بن الحارث الجَمَحيّ عاملًا مَعَ أَبِي ضَمْرة صاحب الخَراج فحبسه، فقدِم عيسى بْن لُقمان فخلَّاه واستعمله عَلَى شُرَطه، فكان خليفة أَبِي مَيْسَرة مولى حَضْرَ مَوت، قَالَ: وقال عيسى بْن لقمان قَالَ لي المَهدِيّ حِين ولَّاني مِصر: قد ولَّيتك عمَل عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وصالح بْن عليّ.
فولِيَها عيسى أن صُرف عَنْهَا لثنتي عشرة بقِيَت من جمادى الأولى سنة اثنتين وستّين ومائة ولِيَها أربعة أشهُر "
واضح
مولى أَبِي جَعْفَر ثمَّ وليَها واضح مولى أَبِي جَعْفَر من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الثلاثاء لستّ بقِينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُوسَى
стр. 85
بْن زُرَيق مولى بني تَميم، ثمَّ صُرف فِي شهر رمضان سنة اثنتين وستّين ومائة.
منصور بْن يزيد بْن منصور الرُّعَينيّ
ثمَّ وليَها منصور بْن يزيد الرُّعَيني وهو ابن خال المَهديّ من قِبَل المَهديّ عَلَى صَلاتها، فولِيَها يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بنُ حُدَيج، ثمَّ صرفه وولَّي عَبْد الأعَلى بْن سَعِيد الجَيْشانيّ، ثمَّ عزله وولَّى عَسَّامة بْن عمرو المَعافريّ، ثمَّ خرج منصور إلى الإسكندريَّة واستخلف عليها عَسَّامة بْن عمرو.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا ولِيَ عَسَّامة شُرَط ابن يزيد بْن منصور ذُكر ذَلكَ لابن بَحير، فقال: صاحب الشُّرَط.
فقالوا لا، ولكن عَلَى الشُّرَط.
فاستعظم ذَلكَ.
ثمَّ صُرف منصور عَنْهَا للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وستّين ومائة، كَانَ مُقامه عليها شهرين وثلاثة أيَّام "
يحيى بْن داود الخُرْسيّ الشهير بابن ممدود
ثمَّ ولِيَها أَبُو صالح الخُرْسيّ يحيى بْن داود من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها فِي ذي الحجَّة سنة اثنتين وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، وكان أَبُو صالح، وأَخَواه سَعِيد، وأبو قُدامة عبيدًا لزِياد بْن عبد الرحمن القُشَيريّ، وكان أبوهم داود تُركيًّا وأمّمهم خالة ملِك طَبَرِسْتان، وكان أَبُو صالح من أشدّ الناس سُلطانًا وأعظمهم هَيبةً، وأقدمهم عَلَى دم، وأنهكهم عقوبةً، ولمَّا ولِيَ مِصر منع من غلق الأبواب
стр. 86
بالليل ومنع أهل الحوانيت من غلقها حتى حطّوا عليها شرائج القصَب تمنع الكِلاب منها، ومنع حُرَّاس الحمَّامات أن يجلِسوا فيها، وقال: من ضاع لَهُ شيء فعليَّ أَداؤُه، فكان الرَّجُل يدخل الحمَّام، فيضَع ثِيابه، ويقول: يا أَبَا صالح احفَظها.
فكانت الأموال عَلَى هذا مُدَّة وِلايته.
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلة بن يحيى، قَالَ: «كَانَ الَّذِي أخذ أهل مِصر بلَبْس القلانِس الطِّوال فِي الدخول فيها عَلَى السُّلطان يوم الإثنين والخميس».
قَالَ: يحيى بْن داود الخُرْسيّ أخذ بذلك الفقهاء والأشراف، وأهل البُيوتات.
قَالَ يحيى: وكان أَبُو جَعْفَر المنصور إذا ذكر الخُرْسيّ.
قَالَ: هُوَ رَجُل يخافني ولا يخاف اللَّه.
فولِيَها أَبُو صالح إلى المحرَّم سنة أربع وستين ومائة
سالم بْن سَوادة التَّميميّ
ثمَّ ولِيَها سالم بْن سَوادة التَّميميّ من قِبَل المَهديّ عَلَى الصلاة، وقدِم معه أَبُو قَطيفة إسماعيل بْن إبراهيم مولى لبني أَسَد على الخَراج وذلك يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة أربع وستَّين ومائة، وإنَّما ذكرنا إسماعيل هاهُنا لأَنَّ كثيرًا من الناس يظنّونه وليَ صلاتها فجعل سالم عَلَى شُرَطه الأخضر بْن مَرْوان البِصْريّ، ثمَّ صُرف سالم بْن سَوادة عَنْهَا سلخ ذي الحجَّة سنة أربع وستّين ومائة ولِيَها سنةً.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ يُقال لسالم بْن سَوادة سالم بْن الدُّؤَابة، وكان أجدع جدعته اليمانيَّة»
стр. 87
إبراهيم بْن صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس
ثمَّ ولِيَها بْن صالح بْن عبد الله بْن عبَّاس من قِبَل المَهدي عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من المحرَّم سنة خمس وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، فاستخلف عَسَّامة عَلَى الشُّرَط يزيد بْن خَالِد بْن مَسْعُود الحلاني من الكُلاع، فمات يزيد، فاستخلف عليها عَسَّامة عَلَى الشُّرَط أيضًا محمد بْن سَعِيد بْن عامر الصَّدَفيّ، فمات، فاستخلف عَسَّامة أيضًا عَمَّار بْن مُسلم بْن عبد الله بْن مُرَّة الطائيّ من الغَوث، وابنتي إبراهيم بْن صالح داره العُظمى المعروفة اليوم بدار عَبْد العزيز التي فِي الموقِف، ثمَّ وهبها عند خُروجه لآل عبد الرحمن بْن عَبْد الجبَّار.
وخرج دِحْية بْن مصعَب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان بصعيد مصر ونابذ، ومنع الأموال، ودعا إلى نفسه بالخلافة، فبلغ ذَلكَ إبراهيم بْن صالح فتراخى عَنْهُ ولم يحفِل بأمره حتى ملك عامَّة الصعيد، فبلغ ذَلكَ المَهديّ، فسخِط عَلَى إبراهيم بْن صالح وعزله عزلًا قبيحًا، فولِيَها إبراهيم إلى أن صُرف عَنْهَا يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبع وستّين ومائة ولِيَها ثلاث سنين.
стр. 88
مُوسَى بْن مُصْعَب الخَثعَميّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن مُصْعَب من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخراجها، قدِمها يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبع وستّين فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو وأمر مُوسَى بإبراهيم بْن صالح أن يُرَدّ إلى مصر، فرُدَّ إِلَيْهِ من الطريق، وكان المَهديّ قد أمره بإصفاء أموال إبراهيم وأخْذ عُمَّاله، فاستخرج منهم ثلاث مائة ألف دينار، ولم يزَلْ إبراهيم مُقيمًا بمصر حتى لم يبقَ لَهُ عامل إلّا صار فِي يدَي مُوسَى بْن مُصْعَب، ثمَّ كتب المَهديّ يأذَن لإبراهيم فِي الانصراف إلى بَغداد.
وتشدَّد مُوسَى بْن مُصعَب فِي استخراج الخراج، وزاد عَلَى كلّ فَدَّان ضِعف ما تُقبّل بِهِ، ثمَّ عاد مُوسَى إلى الرَّشوة فِي الأحكام وجعل خراجًا عَلَى أهل الأسواق، وعلى الدوابّ، وقال الشاعر:
لَوْ يَعْلَمُ المَهْدِيُّ مَاذَا الَّذِي … يَفْعَلُهُ مُوسَى وَأَيُّوبُ
بِأَرْضِ مِصْرَ حِينَ حَلَّا بِهَا … لَمْ يُتَّهَمْ فيِ الْنُصْحِ يَعْقُوبُ
كاتبه ابن داود وأظهَر الجُند لموسى الكَرَاهة والشَّنَآن، وبعث عُمَّالًا عَلَى الحوْف فأخرجهم أهل الحَوْف ونابذوه، وعقدت قيس واليمانيَّة حُلفا فيما بينهم، وولّوا عليهم مُعاوية بْن
стр. 89
مالك بْن ضَمْضَم الجُذامي، ثم الجرويّ، وكلَّموا أهل الفُسطاط من الجُند، وخوَّفوهم اللَّه وذكروا لهم ما أتى مُوسَى إليهم، فأعطاهم الجُند من أهل مِصر العُهود والمواثيق أنهم ينهزموا عَنْهُ إذا خرج إليهم فلا يقابلون معه، وتحالفوا هُمْ وأهل الفُسطاط عَلَى ذَلكَ، وعقد مُوسَى بْن مُصعَب لعبد الرَّحْمَن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن ربَاح اللَخْميّ فِي خمسة آلاف من أهل الديوان، وبعث بهم إلى الصعيد فِي طلَب دِحْية بْن مُصْعَب، وأمره أن ينزل بالشرقيَّة وكان دِحْية بها، فلمَّا سار عبد الرحمن عدَّى دِحْية النيل وصار فِي غربيّة وملك كثره، وولَّى دِحْية عَلَى الشرقيَّة يوسف بْن نُصير بْن مُعاوية بْن يزيد بْن عبد الله بْن قيس التُّجِيبيّ، فكان يوسف يُغير عَلَى عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ، فاستخلف عبد الرَّحْمَن عَلَى جيشه بكَّار بْن عمرو أخا عَسَّامة بْن عمرو وسأَل أن يُعفَى، فعُفِي، ومضى مُوسَى بْن مُصْعَب فِي جُند مصر كلّهم وفيه وُجُوه الناس، فساروا حتى نزلوا العُريرا وأقبل إليهم أهل الخَوْف يَمنَها وقيسها، فلمَّا اصطفّوا ونَشِبتْ بينهم الحرب انهزم أهل مِصر بأجمعهم وأسلموا مُوسَى بْن مُصْعَب، فبقِيَ فِي طائفة يسيرة ممَّن كَانَ قدِم بهم فلم يثبت معه أحد من أهل مصر إلَّا خَالِد بْن يزيد بْن إسماعيل التُّجيبيّ، وكان صاحب أمره والمستولي عَلَيْهِ، وقُتل مُوسَى بْن مُصعَب قتَلَه مَهديّ بْن زياد المَهْريّ، ثمَّ أخذ الصعر، وعاد أهل مِصر إلى الفُسطاط لم يُكْلَم منهم أحَد وبلغ المَهدي مَقتله.
فقال: نُفيتُ من العبَّاس أَو لَأَفْعَلَنَّ بَمهديّ ولَأَفْعَلَنَّ بأهل الحَوْف كذا وكذا، فمات المَهديّ أن يُبلغ فيهم شيئًا، وكان قتل مُوسَى بْن مُصعَب بالعُريرا يوم الأحد لتسع خلونَ من شوَّال سنة ثمان وستّين ومائة، فكانت ولايته عليها عشرة أشهُر.
قَالَ سَعِيد بن عُفَير يذكر أهل الحَوْف:
أَلَمْ تَرَهُمْ أَلْوَتْ بِمُوسَى سُيُوفُهُم … وَكَانَتْ سُيُوفٌ لَا تَدِينُ لِمُتْرَفِ
فَمَا بَرِحَتْ فِيهِ تَعُودُ وَتَبْتَدِي … إِلَى أَنْ تَرَوى مِنْ حمام مدنّفِ
стр. 90
فَأَصْبَحَ مِنْ مِصْرٍ وَمَا كَانَ قَدْ حَوَى … بِمِصْر مِنَ الدُّنْيَا سَلِيبًا بِنَفْنَفِ
وَلكِنَّ أَهْلَ الحَوْفِ لِلهِ فِيهِمِ … ذَخَائِرُ إِنْ لَا يُنْفِدِ الدَّهْرُ تُعْرَفِ
وقُتل معه خَالِد بْن يزيد التُّجِيبيّ وكان ظالمًا، قَالَ لَهُ عَبْد الحميد بْن كَعْب بْن عَلْقَمة: أَتُحب أن لك مائة ألف دينار وأنت من أهل النار.
قَالَ: لا.
قَالَ: فأنت من أهل النار وليس لك مائة ألف دينار.
وحَدَّثَنِي ابن قُديد، عن أَبِي نصر أحمد بْن صالح، عن عليّ بْن مَعْبَد، عَن سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم، قَالَ: سمعتُ الليث بْن سعد، وموسى بْن مُصْعَب يخطب الناس، وكان ظالمًا غاشما، فمرَّ بهذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]، فقال الليث وموسى يخطب: «اللهُمّ لَا تَمقُتْنا»
عَسَّامة بْن عمرو المَعافِريّ
ثمَّ ولِيَها عسَّامة بْن عمرو باستخلاف مُوسَى بْن مُصْعَب إيَّاه، فكتب دِحْية بْن مُصْعَب إلى يوسف بْن نُصير بْن مُعاوية التُّجيبيّ يأمره بالمسير فِي الشرقيَّة إلى الفُسطاط، فبعث إِلَيْهِ عَسَّامة بأخيه بكَّار بْن عمرو، فالتقوا ببَركْوت من الشرقيَّة، فتحاربوا يومهم أجمع، فنادى يوسف بْن نُصير بكَّارًا: يابنَ أمّ القاسم، اخرج إليَّ.
فقال: هأنذا يا ابن وَهبة.
فقال: قد ترى ما الَّذِي قُتِل بيننا من الناس أبرزْ إليَّ وأبرُزُ إليك، فَأَيُّنا قتل صاحبه كَانَ الفتح لَهُ.
فبرز بكَّار، فوضع يوسف الرُّمح فِي خاصِرته، ووضع بكَّار الرُّمح فِي خاصِرة يوسف فقتل يوسف بكَّارًا، وقتل بكَّار يوسفَ ورجع.
الفلّ من الجيشين جمعا.
وذلك لثلاث بقِين من ذي الحجَّة سنة ثمان وستّين ومائة.
وقد كانت ولاية الفَضْل بْن صالح بْن عليّ وردت مصر، فصُرف عَسَّامة عَنْهَا لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وستّين ومائة، وورد كتاب الفَضْل باستخلاف
стр. 91
عَسَّامة عليها، فخلفه إلى سلخ المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة.
الفَضْل بْن صالح بْن عليّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها الفَضل بْن صالح من قِبَل المَهديّ عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها يوم الخميس سلخ المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عَسَّامة بْن عمرو، وكان مَعَ الفَضْل عسكر من الجُند عظيم أتى بهم من الشام عَلَى أهل قِنَّسرِين: عَنْبَسة بْن سَعِيد الجَرشيّ، وعلى أهل حِمص: جَهْم بْن عَبْد العزيز البَهْرانيّ، وعلى أهل دِمَشْق: عاصم بْن محمد بْن سَعِيد، وعلى أهل الأُرْدُنّ: قُطْبة بْن سَعِيد القَينيّ، وعلى أهل فِلَسْطين: زيادة بْن فائد اللَخْميّ، وتُوفّي المَهديّ فِي المحرم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهديّ فِي المحرَّم سنة تسع وستّين ومائة، وبُويع مُوسَى بْن المَهدِيّ، فأقرّ الفَضْل بْن صالح بْن عليّ عليها، وقدِم الفَضل وهي تضطرم لِما كَانَ من أهل الحَوْف ولخروج دِحية بْن مُصْعَب، وذلك أنَّ الناس تسرعوا إلى دِحية وكاتبوه ودعَوه إلى دخول الفُسطاط، فعقد الفَضل بْن صالح لسُفْيان القائد عَلَى الجُند، وعقد لابن ذي هجران السَّيْبانيّ عَلَى أهل مِصر فأَقام بالجِيزة، وعقد لابن زبَّان عَلَى القيسيَّة، وبعث بالزُّهْريّ فِي البحر، فالتقى سُفيان مَعَ دِحْية ببُويط، وكان صاحب أمر دِحْية كلّه فَتح بْن الصَّلْت بْن المُغيرة بْن ناشر الأَزْديّ من بني الحارث بْن زَهْران كَانَ جَدّه ناشر، حضر فتح مِصر، وأقبل فتح يكُرّ ويفِرّ لا يعرِض لَهُ شيء إلَّا هذه، فوقف لَهُ إبراهيم بْن الأَومر بْن عليّ
стр. 92
التُّجِيبيّ من بني سوم بْن عَديّ بْن تُجيب، وبحر بْن شَراحِيل التُّجِيبيّ، وهيَّاج الأَنباريّ، فحملوا عَلَى فَتْح، فقتلوه، فقهقر أصحاب دِحْية لمقتل فتح، ومضى دِحْية عَلَى حامية فِي طائفة معه إلى طريق الواحات، فبعث إلى أهلها يدعُوهم إلى القيام معه، وكانوا من المسالة والبَرْبَر يتدّينون بالشراية، فقالوا: ألا نُقاتل إلَّا مَعَ أهل دَعْوتنا.
فبعث إليهم دِحْية: إِنَّا عَلَى مذهَبكم.
فخرجوا إِلَيْهِ وقاتلوا معه يوم الدَّير.
وأقبل عبد الله بْن عليّ الجنبيّ فِي جمع كثير بعثه الفَضل بْن صالح، فخرج إِلَيْهِ دِحْية فِي أهل الواحات، فهزموا عبد الله بْن عليّ، وقُتل يومئذٍ عَبْد العزيز بْن مَرْوان بْن الأَصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ووجد أهل الواحات عَلَى دِحْية فِي إِثارته العرَب عَلَى الموالي وتقديمهم عَلَى البَرْبَر، فقالوا لَهُ: هذا ظُلم والإسلام واحد ولسنا نقاتل معك حتى نمتحنك بالبراءَة من عثمان.
فامتنع دِحْية، وقال لهم والله ما أرجو الجَنَّة إلَّا بالرَّحِم بيني وبين عثمان.
فانصرفوا عَنْهُ وتركوه، فعاد إِلَيْهِ عبد الله بْن عليّ الجنبيّ لمَّا علِم انصرافهم عَنْهُ، فحاربهم، فقُتل يومئذٍ مَرْوان بْن عَبْد الملك بْن أَبِي بَكْر بن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وكانت نُعْم أمّ ولَد دِحْية تقاتل قتالًا شديدًا، فقال شاعرٌ من أصحاب دِحْية. . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلِيّ بْن سُلَيْمَان العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عليّ بْن سُلَيْمَان من قِبَل مُوسَى الهادي على الصلاة والخَراج، دخلها فِي شوَّال سنة تسع وستّين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح اللَخْميّ، فولَّى الْحَسَن بْن يزيد بْن هانئ الكِنْديّ، وتُوفّي مُوسَى الهادي فِي النصف من ربيع الأوَّل سنة سبعين ومائة.
стр. 93
وبويع هارُون بْن محمد الرشيد، فأَقرَّ عليّ بْن سُلَيْمَان عَلَيْهِا، وأظهر عليّ بن سُلَيْمَان فِي ولايته عليها: الأمر بالمعروف، والنهي عَن المُنكَر، والخُمور، وهدم الكنائس المحدثة بمصر، فهدم كنيسة مريم الملاصقة لأبي شنودة، وهدم كنائس محرس قسطنطين، وبذل له خمسون ألف دينار في تركها، فامتنع وكان كثير الصدقة في الليل، وكان أهل مصر مع هذا يرمونه بالقدر، وذلك ومنَع الملاهي أنَّه استخلص رَجُلَين مُتْهَمَين بالقَدَر، وهما عَبْد الحَمِيد بْن كَعْب بْن عَلْقَمَة التنُوخيّ، وهَرِم بْن سُلَيم بْن عِياض العامريّ من قُريش.
وقال يحيى بْن عثمان بْن صالح: قدِم إِدرِيس بْن عبد الله بْن حسن بن حسن إلى مِصر وعليّ بْن سُلَيْمَان عليها، فعلِم بمكانه ولقِيَه سرًّا، فسأله بالله والرَّحِم إِلَّا ستر عَلَيْهِ، فإِنَّه خارج إلى المغرب، فستر عَلَيْهِ، وأظهر عليّ بن سُلَيْمَان أنَّه تصلح لَهُ الخِلافة وطمِع فيها، فسخِط عَلَيْهِ هارون، فعزله عَنْهَا يوم الجمعة لأربع بقينَ من ربيع الأوَّل سنة إحدى وسبعين ومائة.
مُوسَى بْن عيسى بْن مُوسَى العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عيسى بْن مُوسَى بْن محمد من قِبَل أمير المؤمنين هارون الرشيد عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أخاه إسماعيل بْن عيسى، فسخِط ذَلكَ، فعزله وولَّى عَسَّامة بْن عمرو، ثمَّ أَذِن مُوسَى بْن عيسى للنصارى فِي بُنْيان الكنائس التي هدمها عليّ بْن سُليمان، فبُنيت كلّها بمشْوَرة الليث بْن سعد، وعبد اللَّه بْن لَهِيعة، وقالا: هُوَ من عِمارة البِلاد.
واحتجَّا أن عامة الكنائس التي بِمصر لم تُبْنَ إلَّا فِي الْإِسْلَام فِي زمَن الصحابة والتابعين.
ثمَّ صُرف مُوسَى عَنْهَا يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة
стр. 94
اثنتين وسبعين ومائَة، فكانت وِلايته عليها سنة وخمسة أشهُر ونصفًا.
مَسْلَمة بْن يحيى البَجَلّي
ثمَّ ولِيَها مَسْلَمة بْن يحيى البَجَلّي أخُو جِبْريل بْن يحيى من قِبَل هارون الرشيد عَلَى صلاتها، دخلها فِي شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة فِي عشرة آلاف من الجُند فجعل عَلَى شُرَطه ابنه عبد الرحمن بْن مَسْلَمة بْن يحيى، ثمَّ صُرف مَسْلَمة عَنْهَا فِي شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، ولِيَها أحد عشر شهرًا.
محمد بْن زُهَير الأَزْديّ
ثمَّ ولِيَها محمد بْن زُهير الأَزْديّ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخراجها لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه جَنْك بْن العَلاء، ثمَّ عزله فولَّى عمَّار بْن مُسلم بْن عبد الله الطائيّ أيَّامًا، ثمَّ عزله وولَّى حَبيب بْن أَبان بْن الوَليد البَجَلّي وثار الجُند الَّذِي، يقال لهم: القُدَيديَّة بصاحب الخَراج عُمَر بْن غيلان فِي أَعطِياتهم، فصلبوه ودخَّنوا عَلَيْهِ حتى دفع إليهم أعطِياتهم، ولم يدافع عَنْهُ محمد بْن زُهير فصُرف عَنْهَا فِي سلخ ذي الحجَّة سنة ثلاث وسبعين ومائة، ولِيَها خمسة أشهُر.
стр. 95
داود بْن يزيد المُهلَّبيّ
ثمَّ ولِيَها داود بْن يزيد المُهَلَّبيّ، فقدِمها هُوَ، وإبراهيم بْن صالح بْن عليّ جميعًا، وليَ داود صلاتها من قِبَل الرشيد، وبعث إبراهيم بْن صالح فِي إخراج القُدَيدية عَنْ مِصر دخلاها لأربع عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة أربع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عمَّار بْن مُسْلم الطائيّ، وأخرج إبراهيم القدَيديَّة من الفُسطاط إلى المغرِب والمشرِق وجعل منهم عالَمًا فِي البحر إلى الشام، فظفرت بهم الرُّوم فأَسرتهم.
وفي وِلاية داود بْن يزيد تُوفّي عبد الله بْن لَهِيعة يوم الأحد لخمس خلونَ من جمادى الآخرة، فصلّى عَلَيْهِ داود وتُوفّي بكْر مُضَر يوم عَرَفة فصلّى عَلَيْهِ داود أيضًا.
فولِيَها داود إلى أن صُرف عَنْهَا لستّ خلونَ من المحرَّم سنة خمس وسبعين ومائة، فكانت وِلايته عليها سنةً ونصف شهر.
مُوسَى بْن عيسى العبَّاسي الثانية
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عيسى الثانية عَلَى صلاتها وخراجها من قِبَل الرشيد، دخلها يوم
стр. 96
الإثنين لسبع خلونَ من صفر سنة خمس وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح، وأمر مُوسَى بالزيادة فِي المسجِد الجامع، زاد فِيهِ الرَّحبة التي تقابل الصَّيارِفة اليوم، وهو نصف الرحَبة المنسوبة إلى أَبِي أيّوب وذلك فِي شعبان سنة خمس وسبعين ومائة.
وتُوفّي الليث بْن سعد يوم الجمعة للنصف من شعبان سنة خمس وسبعين، وصلَّى عَلَيْهِ مُوسَى بْن عيسى، فوليَها مُوسَى إلى أن صُرف عَنْهَا لليلتين بقِيَتا من صفر سنة ستّ وسبعين ومائة، ولِيَها سنة واحدة.
إبراهيم بْن صالح العبَّاسيّ الثانية
ثمَّ ولِيَها إبراهيم بْن صالح الثانية من قبل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها، فكتب إلى عَسَّامة بْن عمرو فاستخلفه، وقدِم نَصْر بْن كَلْثُوم خليفةً عَلَى الخَراج مستهَلّ ربيع الأوّل سنة ستّ، وتُوفّي عَسَّامة بْن عمرو لسبع بقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وسبعين ومائة، ثمَّ قدِم رَوح بْن رَوح بْن زِنباع خليفةً لإبراهيم عَلَى الصلاة والخَراج لخمس بقِينَ من شهر ربيع الأوَّل سنة ستّ وسبعين ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه خَالِد بْن يزيد بْن المُهلَّب بْن أَبِي صُفْرة، وتُوّفي إبراهيم بْن صالح بها وهو واليها يوم الخميس لثلاث خلونَ من شعبان سنة ستّ وسبعين ومائة، كَانَ مُقامه بها شهرين وثمانية عشر يومًا، فكان قبره أوَّل قبر بُيّض فِي مَقبُرة مِصر.
وأقام بالأمر بعد أبيه صالح بْن إبراهيم مَعَ صاحب شُرَطه خَالِد بْن يزيد.
стр. 97
عبد الله بْن المُسيَّب بْن زُهير الضَّبّيّ
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن المُسيَّب بْن زُهَير الضَّبّي من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من شهر رمضان سنة ست وسبعين ومائة، فجعل عَلَى شُرَطه أبا المكيس، ثمَّ صُرف عَنْهَا فِي رجب سنة سبع وسبعين ومائة.
إِسْحَاق بْن سُلَيْمَان
ثم ولِيَها بْن سُليمان من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها مُسَتهلّ رجب سنة سبع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُسلم بْن بكار بن مُسلم العُقَليّ، واستخلف مُعاوية بْن صُرد البكَّائيّ، فكشف إِسْحَاق أمر الخراج وزاد عَلَى المزارِعين زيادةً أجحف بهم، فخرج عَلَيْهِ أهل الحَوْف وعسكروا، فبعث الجيُوش، فحاربهم فقُتل كرمين بْن يحيى وكان من كبار أصحابه فِي جمع منهم، وكتب إِسْحَاق إلى هارون الرشيد يخبره بذلك، فعقد هارون لهرْثَمة بْن أَعْيَن فِي جيش عظيم، وبعث بِهِ إلى مِصر فنزل الحوْف، فلقيَه أهله بالطاعة وأذعنوا بأداء الخراج، فقبل هَرْثَمة منهم واستخرج خَراجه كلّه، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي رجب سنة ثمان وسبعين ومائة.
стр. 98
هَرْثَمة بْن أَعْيَن
ثمَّ ولِيَها هَرْثَمة بْن أَعْيَن من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها ليومين خلتا من شعبان سنة ثمان وسبعين فجعل عَلَى شُرَطه ابنه حاتم بْن هَرْثَمة، ثمَّ سار هَرْثَمة إلى إفريقيَّة هُوَ ومنصور بْن زياد لاثنتي عشرة خلت من شوَّال سنة ثمان وسبعين ومائة، أقام شهرين ونصفًا.
عبد الملك بْن صالح بْن عليّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عَبْد الملك بْن صالح من قِبَل الرشيد عَلَى الصلاة والخَراج ولم يدخلها، واستخلف عليها عبد الله بْن المُسيَّب الضَّبّي فجعل عَلَى شُرَطه عَمَّار بْن مُسلِم، فولِيَها إلى سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة.
стр. 99
عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها يوم الإثنين عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة تسع وسبعين ومائة، فاستخلف عبد الله بْن المسيَّب عليها، قدِم عُبَيْد اللَّه يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل سنة تسع وسبعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد البكَّائيّ، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، ولِيَها سبعة أشهُر، وخرج منها ثاني شوَّال.
مُوسَى بْن عيسى الثالثة
ثمَّ ولِيَها مُوسَى بْن عِيسى الثالثة من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، وقدِم يحيى بْن مُوسَى بْن عيسى خليفةً لأبيه عليها لثلاث خلونَ من شهر رمضان، ثمَّ قدِمها مُوسَى بْن عِيسى فِي آخر ذي القعدة، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخرة سنة ثمان ومائة.
عُبَيْد اللَّه بْن المَهديّ الثانية
ثمَّ وليَها عُبَيْد اللَّه بْن المَهدي الثانية من قِبَل الرشيد عَلَى صَلاتها، فقدِم داود بْن حيَّاش خليفةً عليها لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، وقدِمها عُبَيْد اللَّه يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من شعبان سنة ثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد، ثمَّ عزله، فولَّى
стр. 100
عَمَّار بْن مُسلِم، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا لثلاث خلونَ من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.
إسماعيل بْن صالح العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها إسماعيل بْن صالح من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها يوم الخميس لسبع خلونَ من شهر رمضان فاستخلف عَوْف بْن وَهْب الخُزاعيّ، ثمَّ قدِمها إسماعيل يوم الخميس لخمس بقينَ من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه سُلَيْمَان بْن الصِّمّة المُهَلَّبيّ، ثمَّ عزله فولَّى يزيد بْن عَبْد العزيز الغَسَّانيّ.
قَالَ ابن عُفير: ما رأيتُ أحدًا عَلَى هذه الأعواد أخطب من إسماعيل بن صالح بْن عليّ.
فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة.
إسماعيل بْن عيسى العبَّاسي
ثمَّ ولِيَها إسماعيل بْن عيسى من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، قدِمها يوم الجمعة لأربع عشرة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه المِصَكّ بْن مِسكين الجرَشيّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبْد الوهَّاب بْن مُوسَى بْن عَبْد العزيز بْن عُمَر بْن عبد الرحمن بْن عَوْف فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا فِي شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائة.
الليث بْن الفَضْل
ثمَّ ولِيَها الليث بْن الفَضْل من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها، قدِمها لخمس خلونَ من شوَّال سنة اثنتين وثمانين ومائة فجعل أخاه عليّ بْن الفَضْل عَلَى شُرَطه،
стр. 101
واستخلف عَبْد الغَنيّ بْن عَديّ الحَجْريّ من حَجْر حِميَر، ثمَّ مات عَبْد الغَنيّ، فاستخلف عَلَى الشُّرَط عمرو بن عَبْد العزيز بْن يَريم الحَجْريّ، ثمَّ عَبْد الوهَّاب بْن مُوسَى بْن عَبْد العزيز الزُّهريّ، ثمَّ ردّ عمرو بْن عَبْد العزيز بْن يَريم، فولِيَها الليث، ثمَّ خرج إلى الرشيد لسبع خلونَ من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا وهو عَلَى وِلايته، واستخلف أخاه عليّ بْن الفَضْل عليها، ثمَّ عاد الليث إليها فِي آخر سنة ثلاث وثمانين ومائة، وخرج ليث أيضًا بالمال لسبع بقينَ من شهر رمضان سنة خمس وثمانين ومائة، ثمَّ استخلف عليها هاشم بن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وقدِم ليث يوم السبت لأربع عشرة خلت من المحرم سنة ستّ وثمانين ومائة.
وأخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: كَانَ ليث بْن الفَضْل كلَّما أغلق خَراج سنة وفرغ من حِسابها خرج بالمال والحِساب إلى أمير المؤمنين هارون، قَالَ ابن قُدَيد وهو أوَّل من استعمل إبراهيم بْن تَميم فِي كُتَّاب الخَراج.
ثمَّ إن أهل الحَوْف خرجوا عَلَى ليث بْن الفَضل، فكان السبّب فِي ذَلكَ أن ليثًا بعث بمُسَّاح يمسحون عليهم أراضي زرْعهم، فانتقصوا من القصَة أصابع، فتظلَّم الناس إلى الليث فلم يسمع منهم، فعسكروا وساروا إلى الفُسطاط، فخرج إليهم ليث بْن الفَضل فِي أربعة آلاف من جُند مِصر، كَانَ خروجه يوم الخميس ليومين بقِيا من شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، واستخلف عليها عبد الرحمن بْن مُوسَى بْن عُلَيّ بْن رَباح عَلَى الجُند، وعلى الخَراج، فالتقى لَيْث مَعَ أهل الحَوف لثنتي عشرة خلت من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين، فانهزم الجُند عَنْ لَيث وبقي فِي مائتين أو نحوها، فحمل عليهم بمن معه، فهزمهم حتى بلغ بهم غَيفة، وكان التقاؤهم فِي أرض جُبّ عَميرة، وبعث ليث إلى الفُسطاط ثمانين رأسًا من العَبسيَّة، ورجع ليث إلى الفُسطاط، ورجع أهل الحَوْف إلى منازلهم ومنعوا الخراج، وخرج ليث إلى أمير المؤمنين هارون لمستهلّ المحرَّم سنة سبع وثمانين ومائة، فسأَل أمير المؤمنين أن يبعث معه بالجُيوش إليها، وذكر أَنَّهُ لا يقدِر عَلَى استخراج الخَراج من أهل الحَوْف إلا بجيش يُبعث بِهِ معه، وكان محفوظ بْن سُليمان بباب الرشيد، فرفع
стр. 102
محفوظ إلى أمير المؤمنين يضمَن لَهُ جباية خَراجها عَنْ آخره بلا سُوط ولا عصا، فولَّاه أمير المؤمنين الخَراج، وصرف ليث بْن الفَضْل عَنْ صلاتها وخَراجها، وبعث أحمد بْن إسماعيل عَلَى صلاتها مَعَ محفوظ، فكانت ولاية لَيث عليها أربع سنين وسبعة أشهر.
أحمد بْن إسماعيل العبَّاسيّ
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن إسماعيل بْن عليّ بْن عبد الله بْن عَبَّاس من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها، فدخلها يوم الإثنين لخمس بقِينَ من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه مُعاوية بْن صُرَد.
حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة التُّجِيبيّ، قَالَ: أخبرني أحمد بْن أحمد بْن عمرو بْن سَرْح، قَالَ: " حضرت القَسامة فِي والٍ من بني هاشم، يُقال لَهُ: أحمد بْن إسماعيل فِي سنة سبع وثمانين أو سنة ثمان وثمانين، وقال: أَحْضِرْ أولياء المقتول المسجِد الجامع، فحلفوا بعد العصر عند القِبْلة قِيامًا، ورأَيتُ مَعَ رسول السُّلطان خطّ عبد الله بْن وَهْب فِي كتاب قد كتبه لهم كيف يحلِفون.
فولِيَها أحمد بْن إسماعيل إلى أن صُرف عَنْهَا يوم الإثنين لثمان عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين ومائة، ولِيَها سنتين وشهرًا ونصفًا "
عبد الله بْن محمد العبَّاسي
ثمَّ ولِيَها عبد الله بْن محمد نب إبراهيم الَّذِي، يُقال لَهُ: ابن زَينَب من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها فاستخلف عليها لَهِيعة بْن عِيسى بْن لَهِيعة الحَضْرَميّ إلى يوم السبت للنصف من شوَّال سنة تسع وثمانين، فقدِمها عبد الله بْن محمد فجعل عَلَى شُرَطه أحمد بْن حُوَيّ بْن حُوَيّ العُذريّ، ثمَّ عزله فولَّى محمد بْن عَسَّامة بْن عمرو، فولِيَها عبد الله بْن محمد إلى
стр. 103
أن صُرف عَنْهَا لإحدى عشرة بقِيَت من شعبان سنة تسعين ومائة، فخرج عَنْهَا واستخلف عليها هشام بْن عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج.
الْحُسَيْن بْن جَمِيل
ثمَّ ولِيَها الْحُسَيْن بْن جَميل من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها قدِمها يوم الخميس لعشر خلونَ من شهر رمضان سنة تسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه كامل الهُنائيّ، ثمَّ عزله فولَّى مُعاوية بْن صُرَد، فأَقام عَلَى صلاتها إلى يوم الجمعة لسبع خلونَ من رجب سنة إحدى وتسعين ومائة فجُمِعت لَهُ الصلاة والخَراج جميعًا، قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الحِين يَجْمَعُ مَا … أَمْسَى بِمِصْرَ مِنَ الأَنْذَالِ فِي الإِمَرِ
أَمَّا الأَميرُ فَحَنَّاجٌ وَصَاحِبُهُ … عَلَى الخَرَاجِ سَوَادِيٌّ مِنَ الأُكَرِ
هذا الهْنَائِي مِنَ الفُسْطَاطِ يَخْلُفُهُ … والْعَامِليُّ عَلَى أَعْمَالِهِ الْأُخَرِ
كُلٌّ لِصَاحِبِهِ شِكْلٌ يُلَايِمُهُ … فَهُمْ سَوَاسِيَةٌ فِي اللُّؤْمِ كالحُمُرِ
وَمَا هُنَاءَةُ إِلَّا ظَلْفُ ذِي يَمن … وَالْبَاهِليُّونَ مَأْوَى اللُّؤْمِ مِنْ مُضَرِ
فَمَا يَسُوغُ لَنَا عَيْشٌ فَيَنْفَعَنَا … مَعْ مَا نَرَى لَهُمُ مِنْ رِقَّةِ الخَطَرِ
وفي وِلايته امتنع أهل الحَوف من أَداء الخَراج، وخرج أَبُو النَّدى مَولى بَليّ فِي نحو من ألف رجُل يقطع الطريق بأَيْلة وبَدا وشَغْب ومَدْيَن، ثمَّ أغار عَلَى بعض قُرى الشام ثمَّ ضوى إِلَيْهِ رَجُل من جُذام، يقال لَهُ: المُنذِر بْن عابس بْن غَطَفان ومعه سلام النوي،
стр. 104
فبلغوا مبلغًا عظيمًا من النهب والقتل، فبعث أمير المؤمنين هارون يحيى بْن مُعاذ فِي أمرهم، فسار يحيى إلى فِلَسطين، فبعث قائدًا من قُوَّاده فِي طلب أَبِي النَّدى، وابن عابس، وبعث الْحُسَيْن بْن جميل من مصر بعبد العزيز بن الوزير بْن ضاني الجَرَويّ فِي عسكر، فالتقى العسكران بأَيْلة فحرو سلام النوى، ثم أُدرك فأُخذ وكان أَبُو النَّدى، يَقُولُ:
أَقُولُ إذَا الرِّفَاقُ بَدَتْ لِوَجْهِي … أَلَا حُلُّوا رِحَالَكُمُ وَطِيرُوا
وَإِنْ لَمْ تَتْرُوكُوهَا فاسْتَعِدُّوا … لِحرْبٍ مثْلِ حَاصِبَةٍ تَغُورُ
أَقُولُ لِصُحْبَتي كُرُّوا عَلَيْهِمْ … فَلَيْسَ يُهِرُّهُمُ إِلَّا الكُرُورُ
ثمَّ سار يحيى بْن مُعاذ فِي جيشه ذَلكَ، فنزل بُلْبَيس، فأَذعن أهل الحَوْف بالخَراج، وكان نزوله بُلْبَيس لإحدى عشرة خلت من شوَّال سنة إحدى وتسعين ومائة، ثمَّ صُرف الْحُسَيْن بْن جَمِيل لثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر اثنتين وتسعين ومائة.
مالك بْن دَلْهَم الكَلْبيّ
ثمَّ ولِيَها مالك بْن دَلَهم بْن عُمير بْن مالك بْن قِبَل الرشيد عَلَى صَلاتها وخَراجها، قدِمها يوم الخميس لسبع بقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن يَزيد بْن آدم الأوْديّ من أهل حِمْص، وفرغ يحيى بْن مُعاذ من أمر
стр. 105
الحَوْف، وقدِم الفُسطاط لعشر بقِينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين ومائة، فنزل دار أَبِي عَون ومعه أَبُو النَّدى، وابن عابس، وغيرهما من أصحابهما.
قَالَ أَبُو عُثمان السكريّ أَمام يحيى بْن مُعاذ:
قَدْ جَبَيْنَا قَيْسًا وَلَمْ تَكُ تُجْبَى … وَقَتَلْنَا أَبَا النَّدَى وابْنَ عَابِسْ
وتَرَكْنَا لَخْمًا وَحيَّيْ جُذَامٍ … لا يُطِيقُونَ رَفْعَ كَفٍّ تُلَامِسْ
آمَنَ اللَّه بِالمُبَارَكِ يَحْيَى … حَوْفَ مِصرَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَالِسْ
وأَبَادَ الخُلَّاعَ من كُلِّ أرْضٍ … بَعْدَ مَا حَادَ عَنْهُمُ كُلُّ فَارِسْ
وقال أيضًا:
يَا قَيْسَ عَيْلانَ إِنِّي نَاصِحٌ لكُمُ … أَدُّوا الخَراجَ وخَافُوا القَتْلَ والحَرَبَا
إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ يَحْيَ وَصَوْلَتَهُ … فَمَا رَأَيْتُ لَهُ تَقْيًا إِذَا غَضِبا
وورد كتاب الرشيد عَلَى يحيى بْن مُعاذ يأمره بالخروج إِلَيْهِ، فكتب إلى أهل الأحواف: اقدَموا حتى أُوصِيكم مالك بْن دَلْهَم وأدخُلَ فيما بينكم وبينه فِي أمر خَراجكم، فدخل كلّ رئيس منهم من اليَمانيَّة والقَيسيَّة، وقد أعدَّ لهم القيُود فأمر بالأبواب فأخذت، ثمَّ دعا بالحديد، فقيَّدهم وتوجَّه بهم للنصف من رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة، فولِيَها مالك بْن دَلْهم إلى يوم الأحد لأربع خلونَ من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة.
الْحَسَن بْن التَّخْتاخ
ثمَّ ولِيَها الْحَسَن بْن التَّخْتَاخ من قِبَل الرشيد عَلَى صلاتها وخَراجها واستخلف أَبَا رَجَب العَلاء بْن عاصم الخَوْلانيّ، ثمَّ قدِمها يوم الإثنين لثلاث خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن خَالِد، ثمَّ عزله وولَّى أَبَا شُعيب صالح بْن عَبْد الكريم، ثمَّ عزله فولَّى سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبْرِيل، وفي ولايته قدِم عليه ابن حُبَيل بِنَعيّ الرشيد واستخلف محمد بْن هارون، فأَعطاهم ابن التَّخْتاخ العطاء كاملًا، ثُلْثًا
стр. 106
بَزًّا، وثلْثًا قمحًا، ووقعت فِي ذَلكَ فِتنة عظيمة حتى قُتل ناس من الجُند، وناس من أهل مِصر فِي المسجِد الجامع، وكتب الفَضْل بْن الربيع إلى ابن التَّخْتاخ فِي حمل الأموال، فلمَّا صارت بفلَسطين وثب أهل الرَّمْلة عَلَى المال، فقالوا: هذا عطاؤنا قد ساقه اللَّه إلينا.
فأخذوا من ذَلكَ المال عطاءهم كاملًا وادخلوا الباقي بيت المال، فولِيَها ابن التَّخْتاخ إلى أن عزله عَنْهَا، فسار متوجِّهًا فِي طريق الحِجاز لفَساد طريق الشام وذلك يوم السبت لثمان بقينَ من ربيع الأوَّل سنة أربع وتسعين ومائة واستخلف عليها عَوْن بْن وَهْب عَلَى الصلاة، ومحمد بن زِياد بْن طبق القَيسيّ عَلَى الخَراج.
حاتم بْن هَرْثمة بْن أَعْيَن
ثمَّ ولِيَها حاتم بْن هَرْثَمة من قِبَل محمد بْن هارون الأمين عَلَى الصلاة والخَراج، وفرض فِي ألف من الأبناء قدِم بهم إليها، فسار حتَّى نزل بُلَبيس، فصالحه أهل الحَوْف عَلَى خَراجهم.
وثار عَلَيْهِ أهل تنو وتُمَيّ وعسكروا، وعقدوا عليهم لعثمان بْن مستنير الجُذاميّ، فبعث إليهم حاتم بالسَّرِيّ بْن الحكَم، وعبد العزيز بْن عَبْد الجبَّار الأزْديّ، وعبد العزيز الوزير الجَرَويّ، فاقتتلوا للنصف من شهر رمضان، فانهزم ابن مستنير وقُتل أخوه، ودخل حاتم الفُسطاط ومعه مائة من وُجوه اليمانيَّة رهائن وذلك يوم الأربعاء لأربع خلونَ من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه ابنه، ثمَّ عزله فولَّى عليّ بْن المُثَنَّى، ثمَّ عزله وولَّى عُبَيْد اللَّه الطَّرْسُوسيّ، وابنتي حاتم بْن هَرْثَمة القُبَّة التي تعرف بقُبَّة الهوى وهو أوَّل من ابتناها.
فولِيَها حاتم إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الآخر سنة خمس وتسعين ومائة.
стр. 107
جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ
ثمَّ ولِيَها جابِر بْن الأَشْعث الطائيّ من قِبَل محمد الأمين عَلَى صلاتها وخَراجها، ولِيَها يوم الإثنين لخمس بقينَ من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة واستخلف عَلَى الشُّرَط عبد الله بْن إبراهيم الطائيّ، واستخلف عَلَى الصلاة أَبَا شَريك يحيى بْن يزيد بْن صاد المُراديّ، ثمَّ قدِمها جَابِر، فأَقرّ عبد الله بْن إبراهيم عَلَى الشُّرَط، ثمَّ عزله فولَّى سُلَيْمَان بْن غالب بْن جِبريل، وكان جَابِر بْن الأشعث ليِّنًا مُحَبَّبًا إلى الناس من العامَّة والخاصَّة حتى تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه المأمون، وخلع محمد أخاه من ولاية العهد وترك الدُّعاء لَهُ عَلَى المنابر، وعهِد محمد إلى ابن مُوسَى الَّذِي، يقال لَهُ: الشديد ودعا لَهُ، فتكلَّم الجُند بينهم فِي خلع محمد غضَبًا للمأمون، فأوَّل من تكلَّم فِيهِ منهم بِمصر: محمد بْن صعير، والسَّريّ بْن الحكَم بْن يوسف، ودنا إلى أهل خُراسان فِي خلع محمد والعقد للمأمون، فبايعهما عَلَى ذَلكَ نفَر يسير، ثمَّ تكلَّم بذلك من أهل مصر: زُرْعة بْن مُعاوية بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، وابنه الحارث، وهاشم بْن عبد الله بْن حُدَيج، وابنه هُبَيرة، فبعث إليهم جَابِر بْن الأشعث ينهاهم عَنْ ذَلكَ ويخوّفهم عواقب الفِتَن، وأقبل السَّريّ بْن الحكَم يدعوا الناس إلى خلع محمد.
فأخبرني ابن قُدَيد أن السَّريّ بْن الحكم كَانَ أوَّلُ دخوله إلى مِصر، أَنَّهُ كَانَ من جُند الليث بْن الفَضْل، دخلها فِي أيَّام الرشيد، قَالَ: وكان قليل الأمر، فارتفع ذِكره بقيامه فِي خلع محمد.
وكتب المأمون إلى أشراف أهل مِصر يدعُوهم إلى القيام بدَعْوته، فكلهم أجابوا سِرًّا، وأَتى كتاب هَرْثَمة بْن أَعْين إلى عبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان مولى كِنْدة وكان وكيلًا لَهرْثَمة عَلَى ضِيَاعه بمصر، فأظهر عَبَّاد كتاب هَرْثَمة، وأحضر الجُند إلى المسجِد الجامع وقرأه عليهم ودعاهم إلى خلع محمد، فأجابه عظيم الناس إلى ذَلكَ، فأعطاهم عَبَّاد رِزقًا يسيرًا وبايعوا للمأمون، وكان خلع محمد بمصر لثمان بقينَ من جمادى الآخرة سنة ستّ
стр. 108
وتسعين ومائة، وبُويع عبَّاد بْن محمد للمأمون بيعةً عامَّةً لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة، ووثب الجُند بجابر بْن الأشعث فأخرجوه، فكانت وِلايته عليها سنةً.
عَبَّاد بْن محمد بْن حَيَّان
ثمَّ ولِيَها عَبَّاد بْن محمد من قِبَل المأمون عَلَى صلاتها وخَراجها لثمان خلونَ من رجب سنة ستّ وتسعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وبلغ محمدًا ما فعله المِصريُّون من خلعه وإخراج عامله جَابِر بْن الأشعث، فكتب محمد إلى ربيعة بْن قَيس بن الزبير الجرَشيَّ وكان رئيس قَيس بالحَوْف بوِلايته عَلَى مِصر، وكتب إلى عَبْد الصَّمَد بْن مُسلِم بْن عُمارة الجرَشيّ، وإلى يزيد بْن الخطَّاب الكَلْبيّ، وإلى عثمان بْن مُستنير الجُذاميّ يأمرهم بمعاونَة ربيعة بن قيس وإنفاذ أهل الحَوْف كلّهم معه يَمَنها وقَيسها، واظهروا دعوة محمد وخلْعان المأمون، وساروا إلى الفُسطاط لمحارَبة أهلها، فخندق عَبَّاد عَلَى الفُسطاط، وخرج أهل الفُسطاط من مسيرهم، وعقد عَبَّاد لإبراهيم بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ عَلَى بَنَا وسَنْهُور وسَنْدَفا، فخشِيَ يزيد بْن الخطَّاب عَلَى ماله هَناك، فسار إلى إبراهيم بْن حُوَيّ فالتقوا بدُمْرُوا، فقُتِل إبراهيم بْن حُوَيّ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير ليزيد بْن الخطَّاب بْن طَلَّاب الكَلْبيّ:
قَتَلُوا ابنَ سَيِّدِهِمْ وَفَارِسَ حِزْبِهِمْ … عَنْ غَيْرِ نائِرَةٍ وَلَا أَجْرَامِ
стр. 109
أَضْحَتْ قُضَاعَةُ قَدْ عَلَتْهَا كَأْبةٌ … وَبَنُو الحرس سَوَافِرَ الإِظْلَامِ
فَلَئِنْ قُضَاعَةُ لَمْ تُطَالِبْ ثَأْرَةً … بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ ذَا غَرَامِ
مَا فِي قُضَاعَةَ بَعْدَهَا ما يُرْتَجَى … لِلنَّائِبَاتِ وَمَا هُمُ بِكِرامِ
وسار ربيعة بْن قَيس إلى الفُسطاط، فنزل عَلَى الخَنْدَق سلخ ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائة، فتناوشوا شيئًا من حرب وكانت بينهم قَتلَى، ثمَّ انصرفوا، وأقبل عثمان بْن بَلادة العَبْسيّ من قِبَل رَبيعة إلى الخَنْدَق فِي جمادى الأولى سنة سبع وتسعين، فتحاربوا، ثمَّ انهزم ابن بَلادة يومئذٍ من عَبَّاد، ثم أقبل عثمان بْن بَلادة إلى الخَندق فِي شوَّال سنة سبع وتسعين، فاقتتلوا أيَّامًا وعلى أهل الفُسطاط أَبُو الكَرَم بْن حُوَيّ بْن حُوَيّ، فقُتل أَبُو الكَرَم، ثمَّ رأَى عبَّاد أن يبعث إليهم بجيش فيحاربهم فِي ديارهم، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ، فالتقى معهم بعَمرِيط فِي ذي القعدة سنة سبع وتسعين، فانهزم الحَرَويّ ومضى فِي قومه من لَخْم وجُذَام إلى فاقُوس، فعذله قومه، وقالوا: لِمَ لا تدعو لنفسك، فما أنت بدون هَؤُلّاءِ الذين غلبوا عَلَى الأرض، فمضى منهم إلى بُلْبيَس، فنزلها ثمَّ عُمَّاله يجبُون الخَراج من أسف الأَرض، فبعث إِلَيْهِ ربيعة بْن قيس بعثمان بْن بَلادة يمنعه من الجِباية.
وسار أهل الحَوف أيضًا فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة إلى الخَندق، فعقد عَبَّاد للسَريّ بْن الحكم عَلَى حربهم، فاقتتلوا وقُتل جمع من الفريقين، وقُتل فيهم محمد بْن حريّ، فانكشف أهل الحَوْف وبلغهم مقتل محمد الأمين وبيعة المأمون، فتفرَّقوا.
وكان مقتل محمد فِي المحرَّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وصُرف عَبَّاد عَنْهَا فِي صفر سنة ثمان، فكانت ولايته عليها سنةً وسبعة أشهُر.
стр. 110
المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ
ثمَّ ولِيَها المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ من قِبَل المأْمون عَلَى صلاتها وخَراجها، دخلها من مَكَّة للنصف من ربيع الأوَّل سنة ثمان وتسعين، فأقرّ هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج عَلَى شُرَطه، ثمَّ عزله فولَّى محمد بْن عَسَّامة بن عمرو المَعافريّ، ثمَّ عزله وولَّى عَبْد العزيز بْن الوزير الجَرَويّ، ثم عزله وولَّى إبراهيم بْن عَبْد السلام بْن إبراهيم بْن الهَيْثَم الخُزاعيّ، ثمَّ عزله فولَّى هُبَيرة بْن هاشم بْن حُدَيج، وقد كَانَ السَّريّ بْن الحكَم تلقَّاه، فأَغراه بأهل مِصر وخبَّره بتسريعهم إلى أهل خُراسان، وخوَّفه من إبراهيم بْن نافع الطائيّ وكان مباعِدًا للسَريّ، فطلب المُطَّلِب إبراهيم الطائيّ، فلم يظهر لَهُ، فجدَّ فِي طلَبه واتهم زُرْعَة بْن قَحْزَم، وهُبَيرة بْن هاشم، وجُنادة بْن عيسى، وحرى بْن عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز مَرْوان، فسجنهم ليُظهروه عَلَيْهِ، ثمَّ ظهر لَهُ أنَّه عند هُبيرة بْن هاشم، فعرضه عَلَى السيف أو يأتيه بالطائيّ، فامتنع هُبَيرة من إِظهاره، فلمَّا سكن المُطَّلب عَن الطائيّ أَخْرَجَهُ هُبَيرة إلى الصعيد، فأفلتَ، قَالَ سَعِيد بْن عُفَير:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَوْفَى وَفَاقَ وَفَاؤُهُ … هُبَيْرَةُ فِي الطَّائي وَفَاءَ السَّمَوأَلِ
وَقَاهُ المَنَايَا إِذْ أَتَاهُ بِنَفْسِهِ … وَقَدْ بَرَقَتْ فِي عَارِضٍ مُتَهَلِّلِ
فَمَا انْفَكَّ مَحْبُوسًا وَمُطَّلِبٌ لَهُ … عَلَيْهِ قَصِيفٌ بِالْوَعِيدِ المُهَوِّلِ
فَمَا زَادَهُ إِلَّا بِعَادًا تَوَقُرًا … وَصَبْرًا وَلَمْ يَخْشَعْ وَلَمْ يَتَفَكَّلِ
إِلى أنْ تَجَلَّتْ عَنْهُ أَبْيَضَ مَاجِدٍ … كَرِيمِ النَّثا فِي المَشْهَدِ المُتَدَخَّلِ
وبلغ المُطَّلب مسير ربيعة بْن قَيس إلى يَزيد بْن خَطَّاب ليجتمعا عَلَى حربه بأسفل الأرض، فعقد لعبد العزيز الجَرَويّ وبعثه إليهم، فالتقوا بشَطَنُوف وكانت بينهم قَتْلى، وبعث المُطَّلب بالسَّريّ بْن الحَكَم، فكان مُقيمًا بالحَوْف، وتفرَّقت قيس وسكن أمرهم، وكان
следующие страницы →