Полный текст (352 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يوم الجمعة لليلتين خلتا من ربيع الأول، وجعل محمد بْن سُلَيْمَان مكانه رجُلًا من أصحابه، يُقال لَهُ: البُكْتُمريّ، وصرف أَبَا زُرعة محمد بْن عثمان القاضي عَنْ قضائه، وردّ محمد بْن عَبْدَة بْن حَرْب عَلَى القضاء، وبعث محمد بْن سلميان بطُغْج بْن جُفّ واليًا إلى قِنَّسْرِين، وضمّ إِلَيْهِ جمعًا من جُند بني طُولُون، ثمَّ أمر بإِخراج الأَعراب الذين قدِموا معه، ثمَّ أخرج ولَد أحمد بن طُولُون وهم عشرون إنسانًا، وأخرج بَدْر الحمَّاميّ واليًا عَلَى دِمَشْق، وأخرج منها قُوَّاد بني طُولُون ومَواليهم وقتًا بعد وقت، فلم يبقَ بِمصر منهم أحد يُذكَر، فخلت منهم الدِّيار، وعفت منهم الآثار، وتعطَّلت منهم المنازل، وحلَّ بهم الدُّلّ بعد العِزّ والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل، ونَضرة المُلك، ومُساعَدة الأيَّام.
قَالَ أحمد بْن محمد الحبشيّ:
الْحَمْدُ للهِ إِقْرَارًا بِمَا وَهَبَا … قَدْ لَمَّ بِالأمْنِ شَعْبَ الحَقِّ فَانْشَعَبَا
اللهُ أَصْدَقَ هذا الفَتْحَ لَا كَذِبٌ … فَسُوءُ عَاقِبَةِ المَثْوَى لِمَنْ كَذَبَا
فَتْحٌ بِهِ فتح الدُّنْيَا مُحَمَّدُهَا … وَفَتَّحَ الظُّلْمَ وَالإِظْلَامَ وَالكُرَبَا
لَا رَيْبَ رَبّ هِيَاجٍ يَقْتَضي دَعَةً … وَفِي القِصَاصِ حَيَاةٌ تُذْهِبُ الرِّيِبَا
رَمَى الإِمَامُ بِهِ عَذْرَاءَ غَادِرِهِ … فَافْتَضَّ عُذْرَتَهَا بِالسَّيْفِ وَاقْتَضَبَا
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانٍ أَعَزُّهُمُ … نَفْسًا وأَكْرَمُهُمْ فِي الذَّاهِبِينَ أَبَا
سَرَى بأُسدِ الشَّرَى لَوْ لَمْ يُرَوْا بَشَرًا … أَضْحَى عَرِينُهُمُ الخَطِّيَّ لَا القَضَبَا
حُمَّ القَضَاءُ عَلَى اليَحْمُومِ حينَ أَتوا … مِثْلَ الدَّبَى يَمتَحُونَ الدِّبَّةَ الدَّأَبَا
إِيهًا عَلَوْتَ عَلَى الأَيَّامِ مَرْتَبَةً … أَبَا عَلِيٍّ تَرى مِنْ دُونِهَا الرُّتَبَا
стр. 177
هَارَتْ بِهارُونَ مِنْ ذِكْرَاكَ بُقْعَتُهُ … وَشَيَّبَ الرُّعْبُ شَيْبَانًا وَقَدْ رَغِبَا
فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ … كَأَنَّهَا مِنْ زَمَانٍ غَابِرٍ ذَهَبَا
وَكَمْ تُرَى تَرَكُوا مِنْ جَنَّةٍ أُنُفٍ … وَمِنْ نَعِيمٍ جَنَى مِنْ غَدْرِهِمْ غَضَبَا
وقال أحمد بْن أَبِي يعقوب:
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنْ جَلَالَةِ مُلْكِهِمْ … فَارْتَعْ وَعُج بِمَرَاتِعِ المَيْدان
وَانْظُرْ إِلَى تِلْكَ القُصُورِ وَمَا حَوَتْ … وَاسْرَحْ بِزَهْرَةِ ذلِكَ البُسْتَانِ
وَإِن اعْتَبَرْتَ فَفِيهِ أَيْضًا عِبْرَةٌ … تُنْبِتكَ كَيْفَ تَصَرُّفُ العَصْرَانِ
يَا قتلَ هارونَ اجْتَثَثْتَ أُصُولُهمْ … وَأَشَبْتَ رَأْسَ أَمِيرِهِمْ شَيْبَانِ
لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ بَأْسُ قَيْسٍ إِذْ … غَدَا فِي جَحْفَلٍ لَجَبٍ وَلَا غَسَّانِ
وَعُدَيَّةُ الْبَطَلُ الكَمِيُّ وَخَزْرَجٌ … لَمْ يَنْصُرَا بِأَخِيهِمَا عَدْنَانِ
ذَفَّتْ إِلَى آل النُّبُوَّةِ وَالهُدَى … وتَمَزَّقَتْ عَنْ شِيعَةِ الشَّيْطَانِ
وقال أيضًا:
نَقْمَةٌ أُرْسِلَتْ مِنَ الشَّرْقِ تَهْوِي … فَأَنَاخَتْ عَلَى بَنِي طُولُونَا
كُيْفَ يُرْجَى صَلَاحُ هذِي الْبَرَايَا … وابْنُ أَبَّا يَسُوسُ دُنْيَا وَدِينَا
بِأَبي خَبَّةٍ وَرَأْيِ غَرِيبٍ … كَانَ يُمْضِي شَرايِعَ الحُكْمِ فِينَا
مَا رَأَيْنَا مِنْ آلِ طُولُونَ إِلَّا … سَاءَهُ فِي بِطَالَةٍ مَرْهُونَا
وقال الحبشيّ لأبي عليّ الحُسين بْن أحمد الماذَرائيّ:
стр. 178
هَنِيئًا لِمِصْرٍ قَدْ فَتَحْتَ رِتَاجَهَا … وَقَلَّدْتَ مَا قَلَّدْتَهُ بِتَحَكُّمِ
وَمَا الفَتْحُ إِلَّا فَتْحُ رَأْيِكَ لَا الَّذِي … تَجَمَّعِ يَوْمَ الجَمْعِ مِنْ كُلِّ مُعْلَمِ
وَكُنْتَ وَشَيْبَانٌ غَدَاةَ لَقِيتَهُ … كَمُوسَى وَفِرْعونٍ غَدَاةَ الْمُعَظَّمِ
كَفَيْتَ الْإِمَامَ المُكْتَفِي مَا يَنُوبُهُ … وَلَمْ يَكُ يَرْجُوهُ بِكُلِّ مُرَجَّمِ
وَمَا زِلْتَ تَرْمِي آلَ طُولُونَ قَبْلَها … وَقَدْ خَالَفُوا السُّلْطَانَ مِنْكَ بِصَيْلَمِ
وقال ابن أَبِي يعقوب:
الدَّارُ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأَظْعَانِ … مَسْرُورَةٌ بِتَفَرُّقِ السُّكَّانِ
لَم تُبْدِ مِنْ جَوْنس عَلَى أَرْبَابِهَا … إِذْ فِي التَّرَحُّلِ رَاحَةُ الجِيرَانِ
رَحَلُوا فَلَا نَزَلُوا بِرَوْضِ مُزْهِر … وَعَدَاهُمُ سَبَلُ الْغَمَامِ الدَّانِي
حُرِمُوا صَبِيبَ المُزْنِ أَنَّى يَمَّمُوا … وَتقَسَّمَتْهُمْ سَطْوَةُ الرَّحمنِ
مَا كَانَ أَثْقَلَهُمْ عَلَى كَتِفِ العُلَى … وَأَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْإِحْسَانِ
مَا كَانَ أَرْذَلَ دَوْلَةً سُعِدُوا بِهَا … وَأَحَقَّهَا بِتَهَدُّمِ الأَرْكَانِ
مَا عَاشَرُوا نِعَمَ الْإِلهِ بِشُكْرِهَا … فَأَثَابَهُمْ بِمَثُوبَةِ الكُفْرَانِ
مَاذَا أُرِيحَتْ مِصرُ مِنْهُ وَمَا إِلَى … أَرْضِ الْعِرَاقِ مَضَى مِنَ الْبُهْتَانِ
وقال إسماعيل بْن أَبِي هاشم:
قِفْ وَقْفَةً بِفنَاء بَابِ السَّاجِ … وَالقَصْرِ ذِي الشَّرَفَاتِ والأَبْرَاجِ
وَرُبُوعِ قَوْمٍ أُزْعِجُوا عَنْ دَارِهِمْ … بَعْدَ الإِقَامَةِ أَيَّما إِزْعَاجِ
كَانُوا مَصَابِيحًا إِذَا ظَلِمَ الدُّجَى … يَسْرِي بِهَا السَّارُونَ فِي الإِدْلَاجِ
وَكَأَنْ وُجُوهُهُمُ إِذَا أَبْصَرْتَهَا … مِنْ فِضَّةٍ مَصْبُوغَةٍ أَوْ عَاجِ
كَانُوا الثُّرَيَّا لَا يُرَامُ حِمَاهُمُ … فِي كُلِّ مَلْحَمَةٍ وَكُلّ هِيَاجِ
فَانْظُرْ إِلَى آثارِهِمْ تَلْقَى لَهُمْ … عَلَمًا بِكُلِّ ثَنِيَّةٍ وَفُجَاجِ
وَعَلَيْهِمِ مَا عِشْتُ لَا أَدَعُ البُكَا … مَع كُلّ ذِي نَظَرٍ وَطَرْفٍ ساجِ
стр. 179
وقال سَعِيد القاصّ:
جَرَى دَمْعُهُ مَا بَيْنَ سَحْرٍ إِلَى نَحْرِ … وَلَمْ يَجْرِ حَتَّى أَسلَمَتْهُ يَدُ الصَّبْرِ
وَبَاتَ وَقِيدًا لِلَّذِي خَامَرَ الحَشَى … يئِنُّ كَمَا أَنَّ الأَسِيرُ مِنَ الأَسْرِ
وهَلْ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَنْ كَانَ ذَا أَسًى … يَبِيتُ عَلَى جَمرٍ وَيُضْحِي عَلَى جَمْرٍ
تَتَابُعُ أَحْدَاثٍ تَحَيَّفْنَ صَبْرَهُ … وَغَدْرٌ مِنَ الأَيَّامِ وَالدَّهْرُ ذُو غَدْرِ
أَصَابَ عَلَى رَغْمِ الأُنُوفِ وَجَدْعَهَا … ذَوِي الدِّينِ والدُّنْيَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ
طَوَى زِينَةَ الدّنيَا وَمِصبَاحَ أَهْلِهَا … بِفَقْدِ بَنِي طُولُونَ والأَنجُمِ الزُّهْرِ
فَبَادُوْا وَأَضْحَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ … أَحَادِيثَ لَا تَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي حِجْرِ
وَكَانَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ مَاجِدًا … جَمِيلَ المُحَيَّا لَا يَبِيتُ عَلَى وِتْرِ
كَأَنَّ لَيَالي الدَّهْرِ كَانَتْ لِحُسنِهَا … وَإِشْرَاقِهَا فِي عَصْرِهِ لَيْلَةَ البَدْرِ
يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ابْنِ طُولُونَ هِمَّةٌ … مُحَلِّقَةٌ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ والْغَفْرِ
فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي شَاهِدًا ذَا عَدَالةٍ … يُخَبِّرُ عَنْهُ بِالحْلِيِّ مِنَ الأَمْرِ
فبِالجَبَلِ الغَرْبِيِّ خِطَّةِ يَشْكُر … لَهُ مَسْجِدٌ يُغْني عَنِ المَنْطِقِ الهَذْرِ
يَدُلُّ ذَوِي الأَلْبَابِ أَنَّ بِنَا … وَبَانِيَهُ لَا بِالضَّنِينِ وَلَا الْغَمْرِ
بَنَاهُ بِآجُرٍّ وَآسٍ وَعَرعَرٍ … وبِالمرْمَرِ المَسْنُونِ والجَصِّ وَالصَّخْرِ
بَعِيدُ مَدَى الأَقْطَارِ سَامٍ بِنَاؤُهُ … وَثِيقُ المبَانِي عُقُودٍ وَمِنْ جُدْرِ
فَسِيحُ الرِّحَابِ يُحْسَرُ الطَّرْفُ دُونَهُ … رَقِيقُ النَّسِيم طَيِّبُ الْعَرْفِ والنَّشْرِ
وَتَنُّورُ فِرْعَوْنَ الَّذِي فَوْقَ قُلَّةٍ … عَلَى شَاهِقٍ عَالٍ عَلَى جَبَلٍ وَعْرِ
بَنَى مَسْجِدًا فِيهِ يَفُوقُ بِنَاؤُهُ … وَيَهْدِي بِهِ فِي اللَّيْلِ إِنْ ضَلَّ مَنْ يَسْرِي
تخَالُ سَنَا قِنْدِيِلِهِ وَضِيَاءه … سُهَيْلًا إِذَا مَا لَاحَ فِي اللَّيْلِ لِلسَّفْرِ
وَعَيْنٌ مَعِينُ الِّرْبِ غَيْرُ رَكيةٍ … وَغَيْرُ أُجَاجٍ لِلرُّوَاةِ وَلِلطُّهْرِ
كَأَنَّ وُفُودَ النِّّيلِ فِي جَنَبَاتِهَا … تَرُوحُ وَتَغْدُو بَيْنَ مَدٍّ إِلَى جَزْرِ
فَأَرْفَأَهَا مَسْتَنْبِطًا لِمَغِيبِهَا … مِنَ الأَرْضِ مِنْ بَطْنٍ عَمِيقٍ إِلَى ظَهْرٍ
يَمُرُّ عَلَى أَرْضِ المعَافِرِ كُلِّهَا … وَشَعْبَانَ الأَحْمُور وَالحَيِّ مِنْ بِشْرِ
قَبَائِلُ لَا نَوْءُ السَّحَابِ يَمُدُّهَا … وَلَا النِّّيلُ يَرْوِيهَا وَلَا جَدْوَلٌ يَجْرِي
وَلَا تَنْسَ مَارِسْتَانَهُ وَاتِسَاعَهُ … وَتَوْسِعَةَ الأَرْزَاق لِلْحَوْلِ وَالشَّهْرِ
وَما فِيهِ مِنْ قُوَّامِهِ وَكُفَاتِهِ … وَرِفْقَهُمُ بِالمُعْتَفِينَ ذَوِي الفَقْرِ
فَلِلْمَيِّتِ المَقْبُورِ حُسْنُ جَهَازِهِ … وَللْحَيِّ رِفْقٌ فِي عِلَاجٍ وَفِي جَبْرِ
وَإِنْ جِئْتَ رَأْسَ الْجِسْرِ فَانْظُر تَأَمُّلًا … إِلَى الحِصْنِ أَوْ فَاعْبُرْ إِلَيْهِ عَنِ الْجِسْرِ
تَرَى أَثَرًا لَمْ يَبْقَ مَنْ يَسْتَطِيعُهُ … مِنَ النَّاسِ فِي بَدْوِ الْبِلَادِ وَلَا حَضْرِ
مَآثِرُ لَا تَبْلَى وإِنْ بَادَ رَبُّهَا … وَمَجْدٌ يُؤَدِّي وَارِثِيهِ إِلَى الْفَخْرِ
لَقَدْ ضُمِّنَ القَبْرُ المْقَدَّرُ ذَرْعُهُ … أَجَلَّ إِذَا مَا قِيسَ مِنْ قُبَّتَيْ حَجْرِ
وَقَامَ أَبُو الجَيْشِ ابْنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ … كَمَا قَامَ لَيْثُ الْغَابِ فِي الأَسَلِ السُّمْرِ
كَذَاكَ اللَّيَالِي مَنْ أَعَارَتْهُ بَهْجَةً … فَيَالَكَ مِنْ بَابٍ حَدِيدٍ وَمِنْ صُفْرِ
وَوَرَّثَ هارُونَ ابْنَهُ تَاجَ مَاجِدٍ … كَذَاكَ أَبُو الْأَشْبَالِ ذُو النَّابِ وَالْظُفْرِ
وَقَدْ كَانَ جَيْشٌ قَبْلَهُ فِي مَحَلِّهِ … وَلَكِنَ جَيْشًا كَانَ مُسْتَنْقِصَ الْعُمْرِ
стр. 180
فَقَامَ بِأَمْرِ المُلْكِ هارُونُ مُدَّةً … عَلَى نَكَدٍ مِنْ ضِيقِ بَاعٍ وَمِنْ حَصْرِ
وَمَا زَالَ حَتَّى زَالَ وَالدَّهرُ كَاشِحٌ … عَقَارِبُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ تَسْرِي
يُذَكِّرُهُمْ لَمَّا مَضَوْا فَتَتَابَعُوا … كَمَا أرْفَضَّ سِلْكٌ مِنْ جُمَانٍ وَمِنْ شَذْرِ
فَمَنْ يَبْكِ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهِ … لِفَقْدِهِمِ فَلْيَبْكِ حُزْنًا عَلَى مِصرِ
لَيَبْكِ بَنِي طُولُون إِذْ بَانَ عَصْرُهُمْ … فَبُورِكَ مِنْ دَهْرِ وَبُورِكَ مِنْ عَصرِ
وجعل محمد بْن سُلَيْمَان أَبَا عليّ الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائيّ عَلَى خَراجها، وصرف عَنْهُ أَبَا الطيِّب أحمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ.
وورد كتاب المُكتفي بوِلاية الْحُسَيْن بْن أحمد عَلَى الخراج وجعل إِلَيْهِ النظَر فِي أمر بني طُولُون وضياعهم، ثمَّ ورد كتاب المُكتفي بوِلاية النُّوشَري عليها.
عيسى النُّوشَري
ثمَّ ولِيَها عيسى النُّوشَري عَلَى صلاتها من قِبَل المُكتفي، دخلها خليفُهُ عليها يوم الأحد لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فتسلَّم الشُّرطتين وسائر الأعمال، ثمَّ قدِمها عيسى النُّوشَري يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، فصرف البُكتُمريّ عَن الشُّرَط وجعل مكانه يوسف بْن إسرائيل، وجعل عَلَى الإِسكندريَّة عليّ بْن وَهْسُودان، والمُهاجِر بْن طليق عَلَى أسفل الأرض، وأبا عَبْدان. . . . . . . . . . .، فخرج إِلَيْهِ أَبُو أحمد بْن بنيك عَلَى مقدِّمة
стр. 181
ابن الخَلِيج إلى معسكره بمُنْية الأَصبغ يوم الخميس لثلاث خلونَ من المحرم سنة ثلاث وتسعين، ونزل أَبُو العبَّاس فلقِيَه مقدَّمة ابن الخَلِيج، فانهزم أَبُو الأَغرّ، ورجع ابن الخَلِيج إلى الفُسطاط لثمان بقِينَ من المحرَّم سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
قَالَ إسماعيل بْن أَبِي هاشم:
أَمِيرَنَا يابْنَ الْبَهَالِيلِ الغُرَرْ … شَفَيْتَ مِنْ عَدُوِّنَا أَبِي الأَغَرْ
صُدُورَنَا وَقيْتَ مِنْ كُلِّ حَذَرْ … إِذْ جَاءَ فِي الشَّوْكِ إِلَيْنَا وَالشَّجَرْ
فِي جَحْفَلٍ كَمَوْجِ بَحْرٍ قَدْ زَخَرْ … يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْبَوَادِي وَالحَضَرْ
صَبَرْتَ إِذْ لاقَيْتَهُ وَمَا صَبَرْ … فَمَرَّ فِي أَسْرَعَ مِنْ لَمحِ الْبَصَرْ
يَقْطُرُ مِنْهُ بَوْلُهُ قَطْرَ الْمَطَرْ … أَحْدَثَ فَوْقَ سَرْجِهِ وَمَا شَعَرْ
شَفَيْتَنَا مِنْ تُركِهِمْ مَعَ الخزَرْ … ثُمَّ عَفَا أَمِيرُنا لَمَّا قَدَرْ
وقال أحمد بْن محمد الحبيشي:
стр. 182
غَضِبْتَ لِمِصْرَ وَمَا نَالَهَا … وَشَرَّدْتَ بِالحَوْفِ مَنْ غَالَهَا
تَلَافَيْتَهَا بَعْدَ إِدْبَارِهَا … وَأَقْبَلْتَ تَطْلُبُ إِقْبَالَهَا
وَكَادَتْ تُؤَوِّهُ شَوْقًا إِلَيْكَ … وَتُظْهِرُ بِالشَّوْقِ بِلْبَالَهَا
وَمَا شَوْقُهَا كَانَ مِنْ طَبْعِهَا … وَلكِنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا
لَقَدْ فَرَّجَ اللهُ كَرْبَ النُّفُوسِ … وَبَلَّغَهَا فِيكَ آمَالَهَا
وَلَمَّا رَأَيْنَاكَ فِي مِصْرنَا … مَنَحْنَا الْإِمَارَة إِجْلَالَهَا
وَمَا زلْتَ تَطْلُبُهَا هِمَّةً … وَتَرْكَبُ بِالسَّيْفِ أَهْوَالَهَا
وَتُعْلِمُ نَفْسَكَ أَنَّ الأُمورَ … إِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا
تَمَنَّوْا لِقَاكَ فَلَمَّا رَأَوْكَ … رَأَوْا لِلْمَنِيَّةِ إِظْلَالَهَا
وَمَرُّوا يُطِيعُونَ فِي كُلِّ شَيءٍ … رَأَوْهُ الْمَنَايَا وإِنْزَالَهَا
وَكَانَ أَبركَ خَلِيجَ العُفَاةِ … وَبَحْرَ الثُّغُورِ الَّتِي عَالَهَا
بِهِ كَانَتِ الرُّومُ فِي أَمْنِهَا … تُفَزِّعُ لِلذَّنبِ أَطْفَالَهَا
وأقام ابن الخَليج بالفُسطاط صفر وربيعَيْن ثمَّ بلغه مسير أَبِي شُجاع فاتك المُعْتضديّ إِلَيْهِ، ومسير دَمْيَانة فِي المراكب، فنزل فاتِك بالنُّويرة، ومعه بدر الحَمَّاميّ، وعسكر بن الخَليج بباب المدينة، وتنخّل من أصحابه ثلاثة آلاف، أو أربعة آلاف فسار بهم ليلًا ليبيّت فاتكا، فضلّوا الطريق وتاهوا ليلتهم، واسفر ابن الخَلِيج قبل أن يبلغ النُّوَيرة، وساروا أصحاب فاتِك، فنهضوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب ابن الخَلِيج، وثبت هُوَ يحميهم فِي جمع يسير، ثمَّ اتّبع أصحابه منهزمًا ولم يُتبع حتى دخل الفُسطاط، وكانت هذه الوقعة يوم الخميس لثلاث خلونَ من رجب سنة ثلاث وتسعين، واستتر ابن الخَليج فِي منزِل رجُل، يُقال لَهُ: تريك.
قَالَ سَعِيد القاصّ لبَدر الحَمَّاميّ:
стр. 183
حَالَتْ مَعَارِفُهُم إِلَى إِنْكَارِ … وَغَدَا الخَمِيسُ لَهُمْ بِيَومِ بَوَارِ
وَتَقَاطَعُوا وَتَدَابَرُوا وَتَنَافَرُوا … وَتَلَاعَنُوا فِيها كَأَهْلِ النَّار
وَأَتَوْكَ بَيْنَ مُعَذِّرٍ فِي عُذْرِهِ … خَجِلٍ وَبَيْنَ مُصَرِّحِ الإِقْرَارِ
وَتَزعْزَعَتْ تِلْكَ الرِّمَاحُ فَصَوَّرَتْ … رَكْنَ المُقَطَّمَ فِي حَفِير هَارِ
طَلَعَتْ نُجُومٌ فِي الرِّمَاحِ بُرُوجُها … فَسَقَطْنَ إِذْ طَلَعَتْ نُجُومُ قُدَارِ
لَمَّا انْجَلَى الغُبَارُ رَأَيتُهُمْ … صَرْعَى وَقَدْ لَبِسُوا بَرِيمَ غُبَارِ
فاسعَدْ بِنَصْرِ للهِ أو الفَتْحِ الَّذي … عَظُمَتْ بِهِ النُّعْمَى عَلَى الأَبْرَارِ
ودخل دَمْيانة فِي مراكبه إلى الفُسطاط، وأقبل عيسى النُّوشَري، والحسين بْن أحمد الماذَرائيّ، ومن كَانَ معهم إلى الفُسطاط، فدخلوها لخمس خلونَ من رجب سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فعاد عيسى النُّوشَرِي إلى ما كَانَ عَلَيْهِ من الخَراج، وعاد يوسف بْن إسرائيل إلى الفُسطاط، وأتى تريك إلى عيسى النُّوشَرِي، فخبّره بأن ابن الخَليج عنده.
فهجم عَلَيْهِ، فأُخِذ وقُيّد وذلك يوم الإثنين لستّ خلونَ من رجب، فجميع ما أقامه ابن الخَلِيج منتزيًا عَلَى الفُسطاط سبعة أشهر وعشرين يومًا.
قَالَ الحسني للحسين بْن أحمد الماذَرائيّ:
إِلَيْكِ مِنَ الإِكْثَارِ لَا تَتَزَيِّدِي … فَمَا الْفَتْحُ إِلَّا لِلْحُسَيْن بنِ أَحْمَدَ
وَلَمَّا تَمَادَى ابْنُ الخَلِيجِ بِغَيِّهِ … وَكَانَ لِسُبُلِ الهُدَى غَيْرَ مُرْشَدِ
أَخَذْتَ عَلَيْهِ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ … وَطَالَعْتَهُ بالحَتْفِ مِنْ كُلِّ مَرْصَدِ
стр. 184
فَإِنْ يَكُن المَجْدُولَ غَرَّ بِنَفْسِهِ … وَسَاعَدَهُ فِي انْحَائِها كُلُّ مُسْعَدِ
فَقَدْ يُتَوَلَّى الأَمْرُ مِنْ غَيْرِ وَلْيِهِ … وَقَدْ تُسْنَدُ الْأَسْبَابُ مِنْ غَيْرِ مُسْنَدِ
رَأَى فَتْلَةً فَاشْتَدَّ فِيهَا وَرُبَّما … تُصَادُ القَطَا مِنْ غَيْرِ وَقْتِ تَصَيُّدِ
فَإِنْ يُنْجِهش الأَقْدَارُ مِنْكَ بِمِنَّةٍ … فَمَوْعِدُهُ بَغْدَادُ آخِرَ مَوْعِدِ
ودخل فاتِك الفُسطاط فِي عسكره يوم الخميس لعشر خلونَ من رجب، وأمر دَمْيانة بالخروج، وأخرج معه ابن الخَلِيج فِي ثلاثة مراكب، وحمامه، ومعه ثلاثين رَجُلًا من وجوه أصحابه، وكان خروجهم يوم الإثنين لستّ خلونَ من شعبان سنة ثلاث، ثمَّ طيف بابن الخَلِيج وأصحابه ببغداد، واجتمع الناس لهم هناك وكان يومًا مذكورًا، ثمَّ أمر الْحُسَيْن بْن أحمد بهدم المَيْدان، فابتدئَ فِي هدمه فِي شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وبيعت أنقاضه، ودثر كأنه لم يكن.
قَالَ محمد بْن طشْوَيه:
مَنْ لَمْ يَرَ الهَدْمَ لِلْمَيْدَانِ لَمْ يَرَهُ … تَبَارَكَ اللهُ مَا أَعْلَاهُ وَاقْدَرَهُ
لَوْ أَنَّ عَيْنَ الَّذِي أنْشَاهُ تُبْصِرُهُ … وَالحَادِثَاتُ تُعَادِيهِ لَأَكْبَرَهُ
كَانَتْ عُيُونُ الْوَرَى تُغْشَى لِهَيْبَتِهِ … إِذَا أَضَاف إِلَيْهِ المَلْكُ عَسكرَهُ
أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتي كَانَتْ تَحُلُّ بِهِ … وَأَيْنَ مَنْ كَانَ بِالإِتْقَانِ دَبَّرَهُ
وَأَيْنَ مَنْ كَانَ يَحْمِيهِ وَيَحْرُسُهُ … مِنْ كُلِّ لَيْثٍ يَهَابُ اللَّيْثُ مَنْظَرَهُ
صَاحَ الزَّمَانُ بِمَنْ فِيهِ ففَرَّقَهُمْ … وَحَطَّ رَيْبَ الْبِلَى فِيهِ فَدَعْثَرَهُ
وَأَخْلَقَ الدَّهْرُ مِنْهُ حُسْنَ جِدَّتِهِ … مِثْلَ الْكِتَابِ مَحَا العَصْرَانِ أَسْطُرَهُ
دُكَّتْ مَنَاظِرُهُ وَاجْتُثَّ جَوْسَقُهُ … كَأَنَّمَا الخَسْفُ فَاجَأهُ فَدَمَّرَهُ
أَوْ هَبَّ إِعْصَارُ نَارٍ فِي جَوَانِبهِ … فَعَادَ مَعْرُوُفُه لِلْعَيْنُ مُنْكَرَهُ
стр. 185
كَمْ كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ فِي مَقَاصِرِهِ … أَحْوى أَغَنَّ غَضِيضَ الطَّرْفِ أَحْوَرَهُ
كَمْ كَانَ فِيِه لَهُمْ مِنْ مَشْرَبٍ غَدَقٍ … فَعَبَّ طِرْفُ الرَّدَى فِيهِ فَكَدَّرَهُ
أَيْنَ ابْنُ طُولُونَ بَانِيهِ وسَاكِنُهُ … أَمَاتَهُ المَلِكُ الأَعْلَى فَأَقْبَرهُ
مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ لَوْ صَحَّتْ لَنَا فِكَرٌ … طُوبَى لِمَنْ خَصَّهُ رُشْدٌ فَذَكَّرَهُ
وقال أحمد بْن إِسْحَاق الحكر:
وَإِذَا مَا أَرَدتَّ أُعْجُوبَةَ الدَّهْرِ … تَرَاهَا فَانْظُرْ إِلَى الَمَيْدَانِ
تَنْظُرُ الْبَثَّ وَالهُمُومَ وأَنْوَاعًا … تَوَالَتْ بِهِ مِنَ الأَشْجَانِ
يَعْلَمُ العَالِمُ المُبَصِّرُ أَنَّ … الدَّهْرَ فِيمَا نَرَاهُ ذُو أَلوَانِ
أَيْنَ مَا فِيه من نَعِيمٍ وَمِنْ … عَيْشٍ رَخِيٍّ وَنَضْرَةٍ وحِسَانِ
أَيْنَ ذَاكَ المِسْكُ الَّذِي ذِيفَ … بِالْعَنْبَر بَحْتًا وَعُلَّ بِالزَّعْفَرَانِ
أَيْنَ ذَاكَ الخَزُّ المُضَاعَفُ وَالْوَثْيُ … وَمَا استَجْلَبُوا مِنَ الكَتَّانِ
أَيْنَ تِلْكَ القِيَانُ تَشْدُو عَلَى الفُرْشِ … بِمَا استَحْسَنُوا مِنَ الأَلْحَانِ
دَوَّرَ الدَّهرُ آلَ طُولُونَ فِي هُوَّةِ … قَفْرٍ مَسْكُونُهَا غَيْرُ دَانِ
وَأَعَاضَ المَيْدَانَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِيهِ … ذِئَابًا تَعْوِي بِتِلْكَ الَمغَانِي
وقال سَعِيد القاصّ:
وَكَأَنَّ المَيْدَانَ ثَكَلَى أُصِيبَتْ … بِحَبِيبٍ صَبَاحَ لَيْلَةِ عُرْسِ
تَتَغَشَّى الرِّيَاحُ مِنْهُ مَحَلّا … كَانَ لِلصَّوْنِ فِي سُتُورِ الدِّمَقْسِ
стр. 186
وَلِفَرْشِ الإِضْريجِ وَالْبُسُطِ الدِّيبَاجِ … فِي نَعْمَةٍ وَفِي لِينِ مَسِّ
وَوُجوه مِنَ الْوُجُوهِ حِسَانٍ … وَخُدُودٍ مِثلِ اللَّآلِئِ مُلْسِ
كُلُّ كَحْلَاءَ كَالْغَزَالِ وَنَجْلَاءَ … رَدَاحٍ مِنْ بَيْنِ حُورٍ وَلُعْسِ
آلَ طُولُونَ كَنْتُمْ زِينَةَ الْأرْضِ … فَأضْحَى الحَدِيدُ أَهْدَامَ لُبْسِ
وقال ابن أَبِي هاشم:
يَا مَنْزِلًا لِبَني طُولُونَ قَدْ دَثَرَا … سَقَاكَ صَوْبُ الْغَوَادِي الْقَطْرَ وَالمَطَرَا
يَا مَنْزِلًا صِرْتُ أَجْفُوهُ وَأَهْجُرُهُ … وَكَانَ يَعْدِلُ عِنْدِي السَّمْعَ وَالْبَصَرَا
بِاللهِ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ أَحِبَّتنَا … أَمْ هَلْ سَمِعْتَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِنَا خَبَرَا
وخرج فاتك من الفُسطاط إلى العِراق للنصف من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين ومائتين، وأمر النُّوشَرِي بنفي المؤَنثين، ومنَع من النَّواح والنِّداء عَلَى الجنائز، وأمر بإغلاق المسجِد الجامع فيما بين الصلوات فكان يُفتح للصلاة فقَط، وأقام عَلَى ذَلكَ أيَّامًا، فضجّ أهل المسجِد من ذَلكَ، ففُتح لهم.
ثمَّ صرف يوسف بْن إسرائيل عَن الشُّرَط وجعل مكانه محمد بْن طاهر يوم الإثنين لأربع خلونَ من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وتُوفّي المُكتفي بالله يوم السبت لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وورد الخبَر بوفاته إلى مصر ليومين بقِيا من ذي القعدة، فشغب الجُند عَلَى عيسى النُّوشَرِي، وكانت منهم طائفة يُقال لها: الرريحنه، فحاربوا النُّوشَري عَلَى طلب مال البَيعة، فظفِر بهم النُّوشَرِي وأخرجهم.
وبُويع جَعْفَر بْن أحمد المُعتضِد وسُمّي المُقتدِر بالله، فأقرّ النُّوشَرِي عَلَى صلاتها.
وهُزم زيادة اللَّه بْن عبد الله بْن إبراهيم بْن الأغلب بإِفرِيقيَّة وزال سُلطانه، فأقبل إلى مِصر، فنزل الجِيزة فِي شهر رمضان سنة ستّ وتسعين ومائتين، ومنعه النُّوشَرِي من العبُور إلى الفُسطاط إِلَّا أن يعبر وحده، وكانت بينه وبين أصحاب النُّوشَرِي مناوَشة بالجِيزة عَلَى الجِسر، ثمَّ أَذِن لَهُ، فدخل الفُسطاط ليلًا.
ثمَّ تُوفّي عيسى النُّوشَرِي يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وتسعين
стр. 187
ومائتين، وهو والٍ عليها ودُفن بها، كانت وِلايته عليها خمس سنين وشهرين ونصفًا، منها سبعة أشهُر وعشرين يومًا انتزى فيها ابن الخليج، وقام بالأمر من بعده ابنه أَبُو الفتح محمد بْن عيسى النُّوشَرِي.
أَبُو منصور تكِين
ثمَّ ولِيَها أَبُو منصور تكين من قِبَل المُقتدِر بالله أمير المؤمنين عَلَى صلاتها، دُعِي لَهُ بها يوم الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوَّال سنة سبع وتسعين، فأقرّ محمد بْن طاهر عَلَى الشُّرَط وتقدَّم إلى تكين فِي الجِدّ فِي أمر المغرب والاحتراس منه، فعقد لأبي النَّمِر أحمد بْن صالح من الأبناء عَلَى بَرْقة، وبعث معه بجيش فِيهِ جمع كثير، فسار إليها أَبُو النَّمِر، فدخلها واشتدّ سُلطانه بها، وفرض بها فروضًا من البَرْبَر وغيرهم، وخرج منها حتى بلغ سُرْت وحسُن أمره فِي وِلايته، فبعث إِلَيْهِ صاحب تُوزن بحبَاسة بْن يوسف رجُل من البَرْبَر من كُتامة، فكان مواقفًا لَهُ، قد انتصف كلّ واحد منهما وامتنع من صاحبه، وعزم تَكِين عَلَى صرف أَبِي النَّمِر أحمد بْن صالح عمَّا يتولَّاه ببَرْقة، وعقد عليها لخير المنصوريّ، وبلغ حبَاسة خبره، فبعث إلى أَبِي النَّمر وهو مُوافقه: ما الَّذِي يحمِلك عَلَى حربنا وأنت معزول.
فبعث إِلَيْهِ بكتاب ورد عليه من مصر بذلك، فانصرف أَبُو النَّمِر إلى بَرْقَة وتبِعه حباسة، ثمَّ رحل أَبُو النَّمِر من بَرْقَة يُريد مِصر، ونزل حَباسة عليها، وخرج خير المنصوريّ إلى بَرْقَة ومعه عَبْد العزيز بْن كُلَيب الجرَشيّ، فوقع بينهما تشاجر، فنفِس كلّ واحد منهما الوِلاية عَلَى صاحبه وتجافَيا، فظفر بهما حَباسة وهزمهما جميعًا، وانصرفا إلى مِصر منهزمَيْن، وكتب تكِين كِتابًا إلى صاحب إِفريقيَّة عَلَى لِسان أمير المؤمنين المُقتدِر يدعوه فِيهِ إلى الطاعة والتمسُّك بها، وجمع وجوه أهل مِصر، فقرأه عليهم،
стр. 188
وأنفذه إليهم وذلك فِي سنة ثلاثمائة.
وخرج رجُل بمَدْين، زعموا أنَّه من آل أَبِي طَالِب، فخرج إِلَيْهِ محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط، فأتى بِهِ، فطيف بِهِ لأربع عشرة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة.
وأمر تكِين فِي يوم نَوْرُوز ومَهْرَجان بجمع المؤنَّثين، وأمرهم بإظهار المعازف والمزامير والطبُول، وشهَّرهم فِي لِباسهم، وطافوا الفُسطاط عَلَى المسجِد الجامع كَانَ ذَلكَ يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من ذي القعدة سنة ثلاثمائة.
وقدِم نحرير الخادم من العِراق فِي إخراج ابن أَبِي قماش كاتب تكِين وذلك أنَّه رُفع عَلَيْهِ وكثر، فأخرجه فِي ربيع الأوَّل سنة إحدى وثلاثمائة، ثمَّ سار حَباسة بْن يوسف فِي جيوشه من بَرْقة قاصدًا للإِسكندريَّة فِي مائة ألف أو زيادة عليها، فدخل الإِسكندريَّة يوم السبت لثمان خلونَ من المحرَّم سنة اثنتين وثلاثمائة، وقدِمت الجيوش من المشرِق، فقدِم القاسم بن سِيما إلى مِصر مدَدًا لتَكِين لعشر بقينَ من صفر، ثمّ قدِم أَبُو عليّ الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائيّ، وأبو بَكْر محمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ إلى مِصر عَلَى تدبيرها دخلا يوم السبت لسبع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وثلاثمائة، وقدِم معهما أحمد بْن كَيْغلَغ، وأبو قابوس محمد بْن حمك فِي جمع من القُوَّاد، ثمَّ خرج ابن عمرون عَلَى مقدَّمة تَكِين إلى الجِيزة، وخرج تَكِين فِي جيُوشه إلى الجِيزة، فعسكر بها وسار حَباسة من الإِسكندريَّة، فعسكر بمَشْتُول، فنُودي بالنفير فِي الفُسطاط يوم الثلاثاء لعشر بقينَ من جمادى الآخرة، فلم يتخلَّف عَن الخروج إلى الجِيزة أحد من الخاصَّة والعامَّة، ثمَّ انصرفوا عشيًّا ولم يكُن لِقاء، ثمَّ نُودي بالنفير من الغد يوم الأربعاء، فخرج الناس أيضًا ثمَّ لم يكن لِقاء، ثمَّ نُودِي يوم الخميس، فخرج الناس خروجًا لم يُرَ مِثله قطّ فِي الاجتماع والنشاط وحُسن البصيرة، وأتاهم حَباسة فِي جيشه يومئذ فيما بين الظُّهر والعصر، فالتقَّوا وكثُرت القتلى منهم، وقُتِلت رجَّاله حَباسة كلُّهم، ثمَّ منَّ اللَّه وله الحمد بهزيمتهم، ومنح أهل مِصر أكتافهم، ومضَوا عَلَى وجوههم
стр. 189
هاربين، ورأَوا من اجتماع الناس ونصر اللَّه ما لم يُسمع بِمثله، ومضى جمع من الرعيَّة، فاتبعوهم وعبروا خلفهم خليج بُوهَه واختلط الظَّلام، فخرج عليهم كمين الحَباسة بعد المغرِب، فاقتطع طائفةً منهم، فقتل منهم يرحمهم اللَّه نحوًا من عشرة آلاف، وأصبح الجُند يوم الجمعة عَلَى مصافّهم بالجيزة، ثمَّ نُودِي بالنفير يوم الجمعة صلاة المغرِب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابًا شديدًا، وخرج الرعيَّة إلى الجِيزة ليلتهم كلّها كخروجهم بالأَمس، ثمَّ عادوا إلى الفُسطاط فِي غداة يوم السبت ولم يكن لِقاء.
قَالَ نافع بْن محمد بْن عمرو:
أَلَا شُقَّ جَيْبَ الصَّبْرِ إِنْ كُنْتَ مُوجَعًا … وَلَا يُلْفِ لَاحٍ فيكَ لِلْعَذْلِ مَطْمَعَا
لِمَا دَهِمَ الإِسْلَامَ مِنْ فَجْعِ حَادِثٍ … تَهُمُّ لَهُ أَرْكَانُهُ أَنْ تَضَعْضَعَا
لِمَصْرَعِ إِخْوَانٍ عَلَى الدِّينِ صُرِّعُوا … لِنُصْرَةِ دِين اللهِ يَا لَكَ مَصْرَعَا
فَمَاتُوا كِرَامًا مَا اسْتُضِيمُوا أَعِزَّةً … يُلَاقُونَ فِي اللهِ الأَسِنَّةَ شُرَّعَا
أَلَمْ تَرَهُمْ يَوْمَ الخَمِيسِ وَقَدْ غَدَا … عَدُوُّهُمْ فِيمَنْ أَعَدَّ وَجَمَّعَا
وَقَدْ صَاحَ فِيهِمْ بِالنَّفِيرِ أَمِيرُهُمْ … فَجَاءُوا سِرَاعًا حَاسِرينَ وَدُرَّعَا
فَصَادَمَهُمْ فِي النَّاكِثِين فَأَبْدَءُوا … وَكَانَ حَمَاةُ الدِّينِ أَعْلَى وَأَمْنَعَا
فَوَلَّى بِخِزْيٍ طُوِّقَتْهُ كُتَامَةٍ … وقَدْ سُقِيَتْ كَأْسًا مِنَ المَوْتِ مُتْرَعَا
أُلُوفٌ أَبَادَ القَتْلُ جَمَّ عَدِيدِهِمْ … فَأَمْسَوْا طَعَامًا لِلْكِلَابِ وَمَرْتَعَا
تَرَى القَوْمَ صَرْعَى فِي الحُلافِي جَوَاثِمَا … كَأَعْجَازِ نَخْلٍ بِالْبَقِيعِ تَقَلَّعَا
وَطِيفَ بِهَامِ الفَاسقِينَ عَلَى الْقَنَا … وَبُضِّعَ مِنْ لَحْمَاتِهِمْ مَا تَبَضَّعَا
وَكَانَتْ لِحِزْبِ الْكُفْرِ إِذْ ذَاكَ عِطْفَةٌ … فَقُتِّلَ مِنْ أَشْيَاعِنَا مَنْ تَسَرَّعَا
فَصَلَّى عَلَى تلك النُّفُوسِ مَلِيكُهَا … وَعَوَّضَهَا أَبْقَى ثَوَابٍ وَأَنْفَعَا
وقال ابن مِهْران:
وَأَيُّ وَقَائِعٍ كَانَتْ بِسَفْطِ … أَلَا بَلْ بَيْنَ مَشْتُولٍ وَسَفْطِ
وَقَدْ وَافى حَبَاسَةُ فِي كَتَامٍ … بَكُلِّ مُهَنَّدٍ وَبِكُلِّ خِطِّي
وَقَدْ حَشَدُوا لِمِصْرَ وَدُونَ مِصرِ … لَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ وَأَيَّ خَرْطِ
وَأَقْبَلَ جَاهِلًا حَتَّى تَخَطَّى … وَجَازَ بِجَهْلِهِ حَدَّ التَّخَطِّي
стр. 190
بِكُتْبِ جَماعَةٍ قَدْ كَاتَبُوهُ … مِنَ اقْبَاطٍ بِمِصرَ وَغَيْرِ قِبْطِي
وَكُلٌّ كَاتَبُوهُ وَنَافَقُونَا … وَكُلٌ فِي الْبِلادِ لَهُ مُوَطِّي
وَوَافَانَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَافِي … يَخُطُّ الأَرْضَ فِي غَيْرِ الْمَخَطِّ
وَحَفَّتْ بِالأَميرِ لَهُ رُمَاةٌ … مِنَ الأَتْرَاكِ مِمَّنْ لَيْسَ يُخْطِي
وَلَا سِيمَا وَعَنْ قِسيٍ صِلَابٍ … وفسان وَمَدَّ بِالتَّمَطِّي
فَوَافَى الخَائِنَ الْمَجْدُولَ مِنَّا … سِهَامًا للمَقَاتِلِ لَسْنَ تُخْطِي
فَكَمْ بِالْجِسرِ مِنْ رَأْسٍ وَكَفٍّ … وَمَصلُوبٍ وَمشدُودٍ بِشُرْطِ
وَمَرّ لَنَا مَعَ الإِقْبَالِ يَوْمٌ … شَفَى مَا فِي الْقُلُوبِ لِكُلِّ مِلْطِ
فَقُلْ لِحَبَاسَةٍ إِنْ كُنْتَ عَنَّا … مَضَيْتَ فَإِنَّ قَتْلَكَ لَيْسَ يُبْطِي
بِحَوْلِ اللهِ ذَاكَ فَصَدِّقُونِي … وَهذِي رُقْعَتي لَكُمُ بِخَطِّي
فكان الأمر كما قَالَ ابن مِهران: قتله صاحبه بعد رجوعه إِلَيْهِ، وأقبل مُؤنس الخادم من العِراق فِي جيوشه، فدخلها يوم الإثنين للنصف من شهر رمضان، ومعه جمع من الأُمَراء سار بهم معه، ونزل الحَمْراء، ولقِي الناس من جُنده كلّما كرِهوا، ثمَّ أمر أحمد بْن كَيْغَلَغ بالخروج إلى الشام فِي شهر رمضان، فصُرف تكِين عَنْ صلاتها يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، صرفه مُؤنِس عَنْهَا، وأمره بالخروج، فخرج يوم السبت لسبع خلونَ من ذي الحجَّة، وأقام مُؤنِس بالفُسطاط يُدعى الأُستاد.
ذَكا الأَعور
ثمَّ ولِيَها ذَكا الأعور من قِبَل المُقْتدِر بالله عَلَى صلاتها، دخلها يوم السبت لثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن طاهر، ثمَّ خرج مُؤنِس الخادم منها فِي جميع جيوشه يوم الخميس لثمان خلونَ من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثمائة،
стр. 191
وخرج ذَكا إلى الإسكندريَّة بعد خروج مُؤنِس، وخرج القاسم بْن سِيما إلى الشام لأربع عشرة خلت من المحرَّم سنة أربع وثلاثمائة، وقدِم ذَكا من الإِسكندريَّة إلى الفُسطاط لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة أربع وثلاثمائة وجعل عَلَى الإِسكندريَّة ابنه مُظفَّر بْن ذَكا.
وتتَّبع ذَكا كل من يُوما إِلَيْهِ بمكاتبَة صاحب إِفريقيَّة، فسجن كثيرًا منهم، وقطع أَيدي قوم وأرجُلهم، وجلا أهل لُوبِية ومَراقِية إلى الإسكندريَّة فِي شوَّال سنة أربع وثلاثمائة خوفًا من أتى مديني صاحب بَرْقَة، فبعث ذَكا بجمع من القُوَّاد مرّةً بعد أخرى إلى الإسكندريَّة.
وفسد ما بين ذَكا وبين الرعيَّة، وذلك أن الرعيَّة كتبوا عَلَى أبواب المسجد الجامع، ذِكر الصحابة والقُرآن فرضِيَه جمع من الناس وكرِهه آخرون، وكان محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط مُعينًا لأهل المسجِد والرعيَّة عَلَى ذَلكَ، فاجتمع الناس لأربع عشرة خلت من رمضان سنة خمس وثلاثمائة إلى دار ذَكا بالمُصلَّى القديم يتشكَّرونه عَلَى ما أذِن لهم فِيهِ، فوثب الجُند بالناس، وحرَّضهم عَلَى ذَلكَ محمد بْن إسماعيل بْن مُخلَّد، فنُهِب قوم وجُرج آخرون، وأقبل ابن مُخلَّد من الغد إلى المسجِد الجامع، فلم يترك شيئًا ممَّا كُتب عَلَيْهِ حتى محاه، ونهب الناس فِي المسجِد والأسواق، وأفطر الجُند يومئذٍ.
وعزل ذَكا محمد بْن طاهر عَن الشُّرَط وجعل مكانه وَصِيف الكاتب يوم الثلاثاء لستّ عشرة خلت من رمضان سنة خمس وثلاثمائة.
ثمَّ وقع الاختلاف بين المُظفَّر بْن ذَكا بالإسكندريَّة وبين بَرْبَر البُحَيْرة، فخرج عَنْهُمْ مُظفَّر إلى تَرُوجة، ثمَّ رجع إلى الإسكندريَّة، وسارت مُقدَّمة صاحب إِفرِيقيَّة إلى لُوبِية ومراقية، فهرب أهل الإسكندريَّة منها وجلَوا عَنْهَا، وخرج منها مُظفَّر بْن ذَكا فِي خمسة، ودخلت مُقدَّمة ابن صاحب إفريقيَّة إليها يوم الجمعة لثمان خلونَ من صفر سنة سبع وثلاثمائة، وهرب أهل القُوَّة من الفُسطاط إلى الشام فِي البرّ والبحر، فهلك أكثرهم بفِلَسطِين وذكا مُقيم بالفُسطاط، قد خالفه الجُند، وأبوا الخروج معه إلى الجيزة وامتنعوا، وسأَلوا العَطاء.
واجتمع قوم من أهل المسجِد، فصاروا إلى ذَكا، فسألوه الخُروج إلى الجِيزة،
стр. 192
والمُقام بها.
فوعدهم ذَلكَ، ثمَّ خرج إليها، فعسكر بها للنصف من صفر سنة سبع وثلاثمائة فِي طائفة يسيرة.
وقدِم الْحُسَيْن بْن أحمد الماذَرائي واليًا عَلَى خَراجها فِي صفر، فخرج إلى الجِيزة ووضع العطاء بها، وجدّ ذَكا فِي أمر الحرب، وأمر ببناء الحِصن عَلَى الجِسر الغربيّ بالجِيزة ملاصِق مسجِد هَمْدان، واحتفر خَنْدقًا خندق بِهِ عَلَى عسكره وعلى الجِيزة وذلك فِي صفر سنة سبع، وعزل وصِيف الكاتب عَن الشُّرَط يوم الإثنين لخمس بقين من صفر، وردّ محمد بن طاهر مكانه، ثمَّ مرِض ذَكا وهو مقيم عَلَى مصافّه بالجِيزة، وتُوفّي بها عشيَّة الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخِر سنة سبع، ودُفن فِي مقبُرة الفُسطاط، فكانت إِمرته عليها أربع سنين وشهرًا.
أَبُو منصور تَكِين الثانية
ثمَّ ولِيَها أَبُو منصور تكِين الثانية من قِبَل المُقتَدِر بالله عَلَى صلاتها، فتسلَّم لَهُ خليفته، وقد حضر أَبُو قابوس محمود بْن حمك يوم الأحد لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل ونزل الجِيزة، وقدِم إبراهيم بْن كَيْغَلَغ يوم الثلاثاء لسبع بقينَ من ربيع الآخر، ودخل تَكِين واليًا عليها يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة سبع ونزل الجِيزة، وحفر خَنْدَقًا ثانيًا، وجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن طاهر، وأقبلت مراكب صاحب إفرِيقيَّة قاصدةً إلى الإسكندريَّة عليها سُلَيْمَان الخادم، فبعث ثمل الخادم صاحب مراكب طُرْسُوس، فأتى فِي مراكبه إلى رشِيد، فلقِي سُلَيْمَان الخادم لعشر بقِينَ من شوَّال سنة سبع وثلاثمائة، فاقتتلوا وبعث اللَّه الربح عَلَى مراكب سُلَيْمَان، فألقتها إلى البرّ فتكسَّرت، وأُخذ مَن فيها أَخذًا باليد وأسرهم ثمل، وقتل منهم خلقًا كثيرًا واستأمن إِلَيْهِ من بقِيَ، ودخل بهم الفُسطاط، فأنزلهم المَقْس يوم الإثنين لأربع بقِينَ من شوَّال سنة سبع، ومعه سُلَيْمَان الخادم وكلّ رئيس كَانَ فِي تِلْكَ المراكب، فأمر تَكِين بتمييز الأُسارى، فأطلق أهل القَيْرَوان، وطَرابُلُس، وبَرْقَة، وصِقِليَّة، وميّز كُتامة وزَوِيلة ناحيةً، ثمَّ أَذِن للناس فِي قتلهم، فقتلهم الجُند والرعيَّة، كانت عِدَّة القتلى سبعمائة أو نحو ذَلكَ، ودخل ثمل الفُسطاط ومعه سُلَيْمَان فطيف بِهِ مقيَّدًا، وبرُؤَساء المراكب وهم مائة وسبعة عشر وذلك يوم الثلاثاء لثلاث بقِينَ من شوَّال.
стр. 193
وأقبل مُؤنِس الخادم إلى مِصر، دخلها يوم الخميس لخمس خلونَ من المحرَّم سنة ثمان وثلاثمائة، فنزل الجِيزة، فعسكر بها وكان فِي نحو من ثلاثة آلاف، فبعث بإبراهيم بْن كَيْغَلَغ إلى جزيرة الأُشمُونَيْن، وكان بها، وأقبل عبد الرحمن بن صاحب إِفريقيَّة من الإسكندريَّة إلى الفَيُّوم، فنزلها ومات إبراهيم بْن كَيْغلَغ بالبَهْنَسي مُستَهلّ ذي القعدة سنة ثمان وثلاثمائة، وظهر تكين عَلَى جمع تعاقدوا بالفُسطاط عَلَى الخُروج ليلة الختم من شهر رمضان، فيهم: ابن المَدِينيّ القاصّ، ونفَر معه، فهرب ابن المدِينيّ، ثمَّ ظفِر بِهِ فِي دار إسرائيل، فأخذه وملكت البَرْبَر جزيرة الأُشمُونَيْن كلّها مَعَ الفَيُّوم، وأزالوا عَنْهَا جُند بن كَيْغَلَغ، ثمَّ دخل جنيّ الخادم المعروف بالصَّفْوانيّ إلى الفُسطاط سلخ ذي الحجَّة، فعسكر بالجِيزة، وبعث مُؤنِس بأَبي قابُوس محمود بْن حمك إلى ذات الصفا من الفَيُّوم، فقتل نفَرًا من البَرْبَر وغنم غنائمَ، ثمَّ انصرف إلى الجِيزة سنة تسع وثلاثمائة.
ومضى ثمل الخادم فِي مراكبه إلى إِسْكندريَّة وبها ابن بعله أميرًا عليها، ثم ظفِر بهم ثمل وهرب ابن بعله، ودخل ثمل الإسكندريَّة، فنفى أهلها إلى رَشِيد وذلك فِي المحرَّم سنة تسع وثلاثمائة، ورجع ثمل إلى الفُسطاط، فمضى فِي مراكبه إلى اللاهُون، وسار مُؤِنس وتَكِين فِي عسكرهما وعلى مقدَّمتها جنيّ الصَّفْوانيّ يوم الخميس لثمان عشرة خلت من صفر سنة تسع، فدخلوا مدينة الفَيُّوم، ومضى ابن صاحب إِفرِيقيَّة إلى تَهْنَمت وأَقْنَى، ثمَّ مضى هاربًا إلى بَرْقَة ولم يكن بينهم لِقاء، فرجع مُؤِنس وتِكَين إلى الجِيزة يوم السبت لأربع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة تسع.
وصُرف تِكِين عَنْ مِصر يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة تسع وثلاثمائة، وولَّى مُؤِنس عليها أَبَا قابُوس محمود بْن حمك، فأقام عليها أيَّامًا، ثمَّ ردّ تَكِين عليها يوم الجمعة لخمس بقينَ من ربيع الأوَّل، فأَقام أربعة أيَّام، ثمَّ صرف تَكِين عَنْهَا سلخ ربيع الأول، وأَمره مُؤنِس بالخروج عَنْهَا إلى الشام، فخرج فِي أربعة آلاف من أهل الديوان.
قَالَ ابن مِهران:
وَلِيتَ وِلَايَةً وَعُزِلْتَ عَنْهَا … كَمَا قَدْ كُنْتَ تَعْزِلُ مَنْ تُوَلِّي
رَحِمْتُكَ يَا أَبَا مَنْصُورَ لَمَّا … خَرَجَْ كَذا بِلَا عَلَمِ وَطَبْلِ
فلمَّا ولِيَها تكين بعد ذَلكَ أمر فرَّاشًا، فضمّ ابن مِهران ضمَّةً كانت فيها نفسه.
стр. 194
هِلال بْن بدر
ثمَّ وليَها هِلال بْن بَدْر من قِبَل المُقتدر عَلَى صلاتها، دخلها يوم الإثنين لستّ خلونَ من ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة، فأقرّ محمد بْن طاهر عَلَى الشُّرَط، وخرج مُؤنِس منها يوم السبت لثمان عشرة خلت من ربيع الآخر ومعه أَبُو قابوس، وخرج ثمل فِي مراكبه ومعه الأسارَى: سُلَيْمَان الخادم، وأبو خليل، وغيرهم.
ثمَّ شغب الجُند عَلَى هِلال بْن بدر فِي أرزاقهم، وخرجوا إلى مُنية الأَصبغ وصُلح أمر الفُرسان، واجتمعت الرجَّالة والبحريّين إلى محمد بْن طاهر صاحب الشُّرَط، وكان صاحبهم والمستولي عَلَى أُمورهم، وتحقَّق هِلال ابن بَدْر فَساد أمرهم من قِبَله، فطلبه، فاستتر ثمَّ ظهُر عَلَيْهِ وعلى أخيه أَبِي الفتح أحمد بْن طاهر، فمُضي بهما إلى هِلال، فقتلهما لأربع بقينَ من صفر سنة عشر وثلاثمائة.
وجعل هِلال عَلَى الشُّرَط عليّ بْن فارس سبعة أيَّام، ثمَّ صرفه وجعل مكانه كَنجُور يوم الثلاثاء لسبع بقِينَ من ربيع الأوَّل سنة عشر، وكانت مِصر فِي أيَّام هِلال من النهب والقتل والفَساد عَلَى نِهاية، ثمَّ صُرف عَنْهَا فِي ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وخرج منها لثلاثٍ بقينَ من ربيع الآخر.
стр. 195
أحمد بْن كَيْغَلَغ
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن كَيْغَلَغ من قِبَل المُقتدِر عَلَى صلاتها، قدِمها ابنه الْعَبَّاس خليفةً لأبيه مستهلّ جمادى الأولى سنة إحدى عشرة، فأقرّ كَنجُور عَلَى الشُّرَط، وأقبل أحمد بْن كَيْغَلَغ، ومعه محمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الوهَّاب الماذَرائيّ عَلَى الخَراج، فنزلا المُنية لأيَّامٍ بقِيَت من رجب سنة إحدى عشرة، فأحضر الجُند، ووضع العطاء وأسقط كثيرًا من الرجَّالة، فشغب الرجَّالة، وخرجوا إلى ابن كَيْغَلَغ فتنحَّى عَنْهُمْ إلى فاقُوس، وعزم محمد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد الوهَّاب عَلَى التوجّه إلى الشام، فخرج إِلَيْهِ الجُند، فأدخلوه الفُسطاط لثمان خلونَ من شوَّال سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وبَقي أحمد بن كَيْغَلَغ بموضِعه، ثمَّ صُرف عَنْهَا، وقدِم رسول تَكِين بولايته عليها.
أَبُو منصور تَكِين الثالثة
ثمَّ ولِيَها تَكين المرَّة الثالثة من قِبَل المُقتدِر عَلَى صلاتها، قدِمها الرَّسُول بإِمرته يوم الخميس لثلاث خلونَ من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فأقرّ كَنجُور عَلَى الشُّرَط، وأسقط كثيرًا من الرجَّالة الَّذِي أثبتهم هِلال بْن بَدر وهم كانوا أهل الشغب والنهب والشرّ، ونادى فيهم ببَراءَة الدِّمَّة ممَّن أقام بالفُسطاط منهم، واجتمع الناس إلى تكين يشكرونه عَلَى ما فعل بهم.
وعزل كَنجُور عَن الشرَط يوم الأربعاء لليلتين خلتا من المحرَّم سنة ثلاث عشرة
стр. 196
وجعل مكانه قِزِل تكين، ثمَّ عزل قِزِل تَكِين وجعل مكانه وَصِيف الكاتب يوم الخميس للنصف من صفر سنة ثلاث عشرة، ثمَّ عزل وَصِيف الكاتب وجعل مكانه بَجْكَم الأعورَ يوم السبت لثلاث بقِينَ من رجب سنة سبع عشرة.
وصلَّى تَكين الجمعة فِي دار الإِمارة وترك حضور الجمعة فِي المسجدَيْن جميعًا فِي سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
ثمَّ كَانَ قتل المُقتدِر فِي شوَّال سنة عشرين وثلاثمائة، وبويع أَبُو منصور القاهر بالله فأقرّه عليها، ثمَّ مات تَكِين بمصر وهو واليها يوم السبت لستَّة عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأُخرج بِهِ فِي تابوت إلى بيت المَقْدِس، فكانت إمرته هذه الثالثة عليها تسع سنين وشهرين وخمسة أيَّام.
وجعل ابنه محمد بْن تَكين فِي موضِعه، وأقام أَبُو بَكْر محمد بْن عليّ الماذرَائيّ بأمر البلد كله، ونظر فِي أعماله، فشغب الجَند عَلَيْهِ فِي طلَب أرزاقهم، وأحرقوا دُوره ودور أهله.
وخرج محمد بْن تَكين، فعسكر فِي مُنية الأَصْبغ ورحل إلى بُلْبَيْس، فبعث إِلَيْهِ محمد بْن عليّ يأمره بالخروج عَنْ أرض مِصر، وعسكر الجُند الذين بالفُسطاط بباب المدينة وأقاموا هناك وذلك سلخ ربيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين، ولحِق محمد بْن تَكِين بالشام، ثمَّ أقبل سائرًا إلى مِصر يذكر ولايته إيَّاها من قِبَل القاهر، فامتنع محمد بْن عليّ فِي ذَلكَ، واستجاش بالمَغاربة ورئيسهم حَبَشيّ بْن أحمد السلَمي يُكنَّى أَبَا مالك، فخرج حَبَشيّ يمنع محمد بْن مسيره إليها، وأقام بجُرجير.
أَبُو بَكْر محمد بْن طُغْج
ثمَّ ولِيَها أَبُو بَكْر محمد بْن طُغْج من قِبَل القاهر بالله عَلَى صلاتها، ورد الكتاب
стр. 197
بوِلايته عليها يوم الأحد لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين، ودُعي لَهُ بها وهو إذ ذاك مُقيم بدِمَشْق، فكانت وِلايته عليها اثنين وثلاثين يومًا ولم يدخلها.
أحمد بْن كَيْغَلَغ الثانية
ثمَّ ولِيَها أحمد بْن كَيْغَلَغ وِلايته الثانية عليها من قِبَل القاهر بالله، قدم الرَّسُول بذلك يوم الخميس لسبع من شوَّال سنة إحدى وعشرين واستخلف أَبَا الفتح محمد بْن عيسى النُّوشَري، فأقرّ بجكَم الأَعور عَلَى الشُّرَط، وشغب الجُند فِي طلَب أرزاقهم عَلَى محمد بْن عليّ الماذَرائيّ صاحب الخَراج، فاستتر منهم، فأحرقوا داره ودُور أهله، وصرف بجكم عَن الشُّرَط وجعل مكانه الحُسين بْن مَعقِل يوم الأحد لأربع بقِينَ من شوَّال سنة إحدى وعشرين، فردَّه محمد بْن عليّ الماذَرائيّ إلى الشرط، فحارب الجُند بجكم بالجزيرة والجِيزة، فانهزم منهم، وعاد ابن مَعقِل إلى الشُّرَط، ثمَّ نزع الشيطان بين الجُند فتفرَّقوا فِرقتين، فكان عَلَى أهل الشرق منهم حبكويه، وعلى المَغاربة حَبَشيّ بْن أحمد، واجتمعت كل فِرقة عَلَى قتال الأُخرى، فالتقّوا يوم الثلاثاء لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة عند المُصلَّى الجديد، فاقتتلوا، فقُتِل من المَغاربة نحو من أربعين رجُلًا، وانهزم المَغاربة، فلجأَ أكثرهم إلى الجِيزة، وتبِعهم حَبَشيّ بْن أحمد بعسكر فيهم، ثمَّ سار بهم إلى الصعيد، فنزل سُيُوط، ثمَّ عاد حَبَشيّ فِي المَغاربة إلى الجيزة سلخ صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فخرج إِلَيْهِ من كَانَ بالفُسطاط من الجُند، فعسكروا بالجِيزة مستهلّ ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين، ومضى قوم من أهل مِصر إلى حَبَشيّ، فسأَلوه الصُّلح وجمع كل منهم إِلَيْهِ، فالتقّوا يوم الثلاثاء لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين بالجِيزة، فتوافقوا وجرى بينهم الصُّلح، فكرِه ذَلكَ حبكويه، فانضمّ فِي أصحابه إلى الجِيزة، وأقام الآخرون فِي الجزيرة، فبينا هُمْ فِي ذَلكَ أتاهم محمد بْن تَكِين من فِلَسطين، فصبَّحهم يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين، فنزل الجزيرة مَعَ الجُند، وأظهر كتابًا بوِلايته، فأنكر ذَلكَ أَبُو بَكْر محمد بْن عليّ الماذَرائيّ، وبعث محمد بْن تَكِين إلى حَبَشيّ ومن معه يأمرهم بالدخول فِي طاعته، والانقياد إِلَيْهِ، فأَبَوا ذَلكَ.
стр. 198
محمد بْن تَكين
ودُعي لمحمد بْن تَكِين بالإِمارة، وعزل الْحُسَيْن بْن مَعقِل عَن الشُّرَط، وولَّى مكانه بجكم الأَعوَر، ورجع حَبَشيّ فِي أصحابه إلى الصَّعيد ولحِق بِهِ محمد بْن عيسى النُّوشَري، فأمَّروه عليهم، وهم عَلَى الدُّعاء لأحمد بن كَيْغَلَغ، ثمَّ عدَّى حَبَشيّ النيل وأصحابه إلى الشرقيَّة، وأقبلوا إلى الفُسطاط، فعسكر محمد بْن تَكين من بِركة المَعافر إلى الفَجّ، ثمَّ أَتت طائفة من المغاربة، فلقِيَت عسكر محمد بْن تَكين ليلة السبت لستّ خلونَ من ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين، فقُتل من الفريقين جماعة، ثمَّ التقَوا من الغد بسفحة الموى، فانهزمت المَغاربة، ورجع محمد بْن تكين، فنزل دار الإمارة.
وأقبل أحمد بْن كَيْغَلغ إلى مِصر وأتت المَغاربة إلى الجِيزة، فنزلوا بُولاق، وعقد محمد بْن تَكين لحبكويه، وأحمد بْن بدر السُّمَيساطيّ على ألف من الجُند فِي طلَب المغاربة حيث كانوا، فالتقَوا فِي شَرقيُون فِي بلقيه يوم السبت لتسع بقينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم حبكويه، وأحمد بْن بدر، وأصحابهما، واتّبعهم المَغاربة فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ثمَّ عدّى المَغاربة النيل، فصاروا إلى بُلْبَيْس، فعسكر محمد بْن تَكين بباب المدينة ولحِق بجكَم بالمَغاربة، فجعل محمد بْن تَكين عَلَى الشُّرَط الْحُسَيْن بْن عليّ بْن مَعقِل، وأقبل أحمد بْن كَيْغَلَغ، فنزل المُنية يوم الخميس لثلاث خلونَ من رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فانضمَّت إِلَيْهِ المَغاربة ولحِق بِهِ كثير من أصحابه محمد بْن تَكِين، فأمّنهم، ومضى محمد بْن تَكِين فِي النيل وترك عسكره، فأصبح أصحابه وهم لا يُحِسّونه، فلحِقوا كلهم بأحمد بْن كَيْغَلَغ، ودخل أحمد بْن كَيْغَلَغ الفُسطاط يوم الأحد لستّ خلونَ من رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فصرف ابن مَعقِل عَن الشُّرَط وردّ بجكَم الأعوَر مُقام محمد بْن تَكِين بالفُسطاط مائة يوم واثني عشر يومًا.
стр. 199
أحمد بْن كيغَلَغ
ثمَّ وردت الأخبار بخلع القاهر بالله ووِلاية أَبِي العبَّاس الراضي بالله بن المُقتدِر، فعاد محمد بْن تَكِين، فألقى إلى الناس أن أمير المؤمنين الراضي بالله ولَّاه مِصر، فأقبل فِي جمع معه، فخرج إِلَيْهِ حَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة، فالتقَوا فيما بين فاقُوس وبُلْبَيْس بموضِع، يقال لَهُ: الطواحين، فاقتتلوا، فانهزم محمد بْن تكين وأُسر، وبُعث بِهِ إلى الفُسطاط، فأُخرج إلى الصعيد.
وخرج بجكَم إلى الحجّ، فجُعل مكانه عَلَى الشُّرَط محمد بْن زياد الَّذِي، يقال لَهُ: كوجك ثمَّ عُزل سلخ ربيع الأوَّل سنة ثلاث وعشرين، فجُعل عَلَى الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري.
ووردت الأخبار بمسير محمد بْن طُغِج إلى مِصر، وأن الراضي بالله عقد لَهُ عَلَى وِلايتها، فبعث أحمد بْن كَيْغَلَغ بحَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة إلى الفَرَما ليمنع محمد بْن طغْج من المسير.
ووقعت الرعيَّة بصاحب الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري، فصرفه أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن الشُّرَط وجعل مكانه سَعِيد بْن عثمان غُلام الأحول، ثمَّ أقبلت مراكب محمد بْن طُغْج، فدخلت تَنِّيس عليها صاعد بن كَلملم، وسارت مُقدَّمته فِي البرّ، ودخل صاعد إلى دِمْياط، وعزم أحمد بن كَيْغَلَغ عَلَى التسليم إلى محمد بْن طُغْج، فأبى ذَلكَ محمد بْن عليّ الماذَرائيّ وانتظر ما يأمر بِهِ السُّلطان، وبعث بحَبَشيّ ليمانعه، وبعث بعليّ بْن بدر فِي المراكب، فلقي صاعد بْن كَلملم ببوش من أرض سَمَنُّود عَلَى بُحَيرة ترسا، فاقتتلوا، فانهزم عليّ بْن بدر وذلك لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثلاث وعشرين، وأقبل صاعد فِي مراكبه إلى الفُسطاط، فكان فِي جزيرة راشد وبالجزية، ثمَّ مضى منحدِرًا فِي النيل إلى أسفل الأرض ليلة الثلاثاء شعبان، وأقبل محمد بْن طُغْج، فعسكر أحمد بْن كَيْغَلَغ للنصف من شهر رمضان، فخرج إلى محمد بْن طُغْج، فخرج إلى محمد بْن طُغج كثير من الجُند مستأْمنين، وعاد صاعد بْن كَلملم، فنزل الجزيرة يوم الأحد لعشر بقينَ من شهر رمضان ولحِق سَعِيد بْن عثمان صاحب الشُّرَط بمحمد بْن طُغْج، فجُعل بجكَم مكانه، والتقى محمد بْن
стр. 200
طُغْج، وأحمد بْن كَيْغَلَغ يوم الأربعاء لسبع بقينَ من شهر رمضان، فكفّ أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن القتال وسلَّم إلى محمد بْن طُغْج، وتكفَّفا جميعًا، وكرِه حَبَشيّ والمَغاربة جميعًا المُقام مَعَ محمد بْن طُغْج، فركِبوا طريق الشرقيّة، ومعهم: بَجكم، وعليّ بْن بدر، ونظيف الموسوي، وعليّ المغربيّ.
محمد بْن طُغْج الثانية
ثمَّ ولِيَها محمد بْن طُغْج الثانية من قِبَل الراضي بالله عَلَى صلاتها وخراجها، يوم الخميس لستّ بقينَ من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وجعل عَلَى شُرَطه سَعِيد بْن عثمان.
ولحِق حَبَشيّ وأصحابه بالفَيُّوم، فخرج إليهم صاعد بْن كَلملم فِي مراكبه يوم السبت لثلاث خلونَ من شوَّال سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ قدِم أَبُو الفتح الفَضْل بْن جَعْفَر بْن محمد بْن فُرات مُكشّفًا، وقدِم بالخِلَع، فخُلِعت عَلَى محمد بْن طُغْج، ودخل صاعد كَلملم فِي مراكبه إلى المَنْهَى، ثمَّ صار إلى الفَيُّوم، فاقتتل مَعَ حَبَشيّ، فكان بينهم قتلى، ثمَّ ظفِر حَبَشيّ بصاعد، فأسره وقتله، وقتل أصحابه وذلك لتسع بقينَ من شوَّال، ثمَّ مضى حَبَشيّ من الفَيُّوم إلى الإسكندريَّة فِي جيشه، وسار عليّ بْن بَدْر، وبَجْكم فِي المراكب التي كانت لصاعد، فصبَّحوا الفُسطاط أوَّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث، فأَرَسوا بجزيرة الصِّناعة فشعَّثوها، ثمَّ مضَوا إلى جزيرة راشد، وركِب محمد بْن طُغْج فِي جيشه، فوقف بحِيالهم، ثمَّ انحدروا إلى الإسكندريَّة آخر النهار ولقوا حَبَشيّ وأجمعوا عَلَى اللَحاق ببَرْقَة، فساروا إليها وكتبوا إلى صاحب إفريقيّة يستأْذنونه فِي الدخول فِي عمَله ويسأَلونه أن يبعث إليهم بجيش يأخذون بِهِ مِصر، فإنَّهم يعلَمون وجوه الحرب، وكيف الوصول إليها، فبينا هُمْ فِي ذَلكَ تُوفّي حَبَشيّ بْن أحمد بالرَّمادة فِي صفر سنة أربع وعشرين، وبعث إليهم صاحب إِفريقيّة بجيش أمرهم بالمسير معهم إلى مصر وبلغ ذَلكَ محمد بْن طُعْج، فأمر بإخراج العساكر إلى الإِسكندريَّة والصعيد وذلك فِي ربيع
стр. 201
الأوَّل سنة أربع وعشرين، وسار بجكم عَلَى مقدَّمة أهل المغرِب، فدخل الإسكندرية فِي ربيع الآخر سنة أربع، وبعث الأمير محمد بْن طُغْج بأخيه الْحَسَن، وصالح بْن نافع فِي الجيوش إلى الإسكندريَّة لثمان بقينَ من ربيع الآخر سنة أربع، فالتقَّوا مَعَ أهل المغرب وعليهم رجُل، يقال لَهُ: يعيش من كُتامة، وآخر، يقال لَهُ: أَبُو تازرت كُتاميّ، فالتقَوا فيما بين تَرُوجة، وأبلُوق لخمس خلونَ من جمادى الأولى، فانهزمت المغاربة، وقُتِلوا قتلًا ذريعًا، وأُسِر منهم جمع كبير من وجوههم، وقُتِل أميرهم يَعِيش، ودخل الْحَسَن بْن طُغْج، وصالح بْن نافع الإسكندريَّة، فقتلوا مَن بها منهم ولحِق بجكم ومن معه ببَرْقَة، وسكنوا رَمادة وهو فِي سُلطان صاحب إِفرِيقيّة، ثمَّ قفل الجيش مَعَ الْحَسَن بْن طُغْج، وصالح بْن نافع، فنزلوا الجِيزة ومعهم الأُسارى فِي جمادى وهم مائة رجُل وأربعة رجال وبأربعة آخرين من وجوههم، قد أُفرِدوا عَنْ أولئك فيهم رئيس لهم، يُقال لَهُ: عامر المجنون، فسُجِنوا ولم يُقتَلوا، وخرج الفَضل بْن جَعْفَر بْن فُرات إلى الشام لليلة خلت من جمادى الآخرة، ثمَّ قدِم الفُسطاط يوم الخميس لخمس بقينَ من المحرَّم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ تُوفّي بالرَّملة يوم الأحد لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
وورد الكتاب بالزيادة فِي اسم الأمير محمد بْن طُغْج فلُقّب بالإِخْشيد، ودُعي لَهُ بذلك عَلَى المِنبَر فِي شهر رمضان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ووردت الأخبار بمسير محمد بْن رائق إلى الشامات، ففرض محمد بن طُغْج الفروض، وبعث بمراكبه إلى الشام، وأطلق عامر المجنون مَعَ الطائفة الأُسارى الذين أُسروا يوم بلُوق وذلك فِي ذي القعدة سنة سبع، وبعث محمد بْن طُغْج بِعمران بْن فارس إلى الشام فِي جيش، ثمَّ أتى الخبَر بدخول محمد بْن رائق إلى دِمَشق، وأن عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج سار إلى الرَّملة، فسُلِّمت إِلَيْهِ فِي ذي القعدة، وعسكر الأمير محمد سلخ ذي الحجَّة، ثمَّ سار إلى الشام فِي المحرَّم سنة ثمان وعشرين واستخلف أخاه الْحَسَن عليها، ونزل الأمير الفَرَما،
стр. 202
فأتاه الْحَسَن بْن طاهر بْن يحيى العلَويّ يسأَله الصُّلح، فبعث بعليّ بْن محمد بْن كلا ليوافق محمد بْن رائق عَلَى ذَلكَ، ثم تمَّ بينهما الصُّلح عَلَى أن يسلّم ابن رائق الرَّملة، ويخرج عَنْهَا، وقدِم الأمير محمد بْن طُغْج من الفَرَما إلى الفُسطاط يوم الخميس مُستهلّ جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين.
وقدِم بجكم الأَعور وعليّ المغربيّ من بَرْقَة مُستأْمَنيْن إلى الأمير فأمَّنهما.
وَتُوفّي سَعِيد بْن عثمان صاحب الشُّرَط للنصف من صفر سنة ثمان وعشرين، فقام غُلامه بَدر مَقامه إلى تسع بقينَ من جمادى الأولى، فصُرف وجُعل مكانه شادن مولى الفَضل بْن جَعْفَر بْن فُرات، ثمَّ صُرف لستّ خلونَ من شعبان سنة ثمان وعشرين وجُعل مكانه عليّ بْن سُبك.
وأقبل محمد بْن رائق من دِمَشق فِي شعبان سنة ثمان، فبعث الأمير بالجيوش إلى الرَّملة، ثمَّ خرج الأمير محمد بْن طُغْج متوجهًا إلى الشام، فعسكر يوم الأربعاء لستّ عشرة خلت من شعبان وسار يرِيد الرَّملة، فالتقى مَعَ محمد بْن رائق يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان بالعَرِيش، فكانت بينهما وقعة عظيمة، واضطربت مَيسرة محمد بْن طُغْج وانهزم مَن فيها، ثمَّ كرَّ عليهم محمد بْن طغْج بنفسه، وطائفة من أصحابه وغِلمانه، فهزمهم وأسر كثيرًا منهم، وأثخنهم قتلًا وأسرًا، ومضى ابن رائق منهزمًا وتبِعه الأمير محمد بْن طُغْج إلى الرَّملة، فدخلها وأتى بالأَسرى إلى الفُسطاط، فطيف بهم وهم نحو من خمسمائة رجُل لليلتين خلتا من شوَّال.
وسار الْحُسَيْن بْن طُغج يُكنى أَبَا نصر من الرَّملة فكان باللَجُّون، فسرى عَلَيْهِ محمد بْن رائق، فقتل أَبَا نصر الْحُسَيْن بْن طُغج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمانَ وعشرين وثلاثمائة، ثمَّ تداعى محمد بْن طُغْج، ومحمد بْن رائق إلى الصُّلح أيضًا، فمضى ابن رائق إلى دِمَشْق عَلَى صُلح.
وقدِم الأمير محمد بْن طُغج إلى الفُسطاط يوم الخميس لثلاث خلونَ من المحرَّم سنة تسع وعشرين، فصرف عليّ بْن سُبك عَن الشُّرَط لثمان بقينَ من ربيع الآخر سنة تسع وعشرين، وولَّى مكانه الْحُسَيْن بْن عليّ بن مَعقِل، ثمَّ صرفه للنصف من رجب وجعل
стр. 203
مكانه ينال الحاكي، وأتى الخبَر بموت الراضي بالله، وبيعة إبراهيم بْن المُقتدِر وسُمّي المتَّقي لله يوم الجمعة لسبع خلونَ من شعبان سنة تسع وعشرين، وورد كتاب المتَّقي عَلَى محمد بْن طُغْج بإقراره عَلَى وِلايته يوم الخميس لستّ بقينَ من شوَّال سنة تسع، وصرف ينال الحاكي عَن الشُّرَط وردّ إليها عليّ بْن سُبك وِلايته الثانية يوم الإثنين لأربع خلونَ من ذي الحجَّة سنة تسع، وورد الخبر بمقتل محمد بْن رائق بالموصِل قتله بنو حَمْدان فِي سنة ثلاثين وثلاثمائة، فبعث الأمير محمد بْن طُغْج بجيوشه إلى الشام مَعَ عليّ بْن محمد بْن كلا، وصرف عليّ بْن سُبك عَن الشُّرَط وجعل مكانه أحمد بْن مُوسَى بْن زغلمان لمستهلّ رمضان سنة ثلاثين.
ثمَّ عسكر الأمير محمد بْن طُغْج وأجمع عَلَى الخروج إلى الشام، ثمَّ سار لستّ خلونَ من شوَّال سنة ثلاثين واستخلف عَلَى الفُسطاط أخاه أَبَا المظفَّر، وخلا الفُسطاط من الجُند، فخرج محمد بْن يحيى بْن محمد بْن أحمد بْن عبد الله بْن مُوسَى بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب الَّذِي، يقال لَهُ: ابن السراج، فمضى إلى الصعيد، فخرج بشَرُونَه وصار إلى غربيّ النيل، فنهب سُمُسْطا وذلك فِي ذي القعدة سنة ثلاثين، ومضى عَلَى وجهه فلحِق طريق المغرِب، فصار إلى سُلطان صاحب إفريقيَّة.
وصُرف أحمد بْن مُوسَى بْن زغلمان عَن الشُّرَط، وقدِم محمد بْن داود رجُل من أصحاب ابن رائق، فتسلَّم الشُّرَط يوم الثلاثاء لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، ثمَّ قدِم الأمير محمد بْن طُغج ونزل البُستان يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وتُوفّي محمد بْن داود يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين فجعل مكانه عَلَى الشُّرَط مُظفَّر بْن العبَّاس الجَيْشانيّ، ووردت الأخبار بمسير المتَّقي لله إلى الشامات ومعه بنو حمْدان،
стр. 204
فأمر الأمير بِمضْرَبه، فأُخرج لثمان خلونَ من رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ثمَّ سار إلى الشام يوم الأربعاء لستّ خلون من رمضان سنة اثنتين وثلاثين واستخلف أخاه الْحَسَن بْن طُغْج عَلَى الفُسطاط، ومضى محمد بن طُغْج إلى الرَّقَّة، فلقِيَ المتَّقي بالله وأقام فِي عسكره، ثمَّ رجع إلى مِصر فنزل البُستان يوم الخميس سلخ ربيع الآخر من جمادى الأولى، وأتى الخبر بسمل المتَّقي وخلعه، وبيعة عبد الله بْن المُكْتفي وسُمِّي المُستكفي يوم الجمعة لسبع خلونَ من جمادى الآخرة، فأقرّه عليها.
وبعث الأمير بفاتِك وكافُور غُلامَيه فِي الجيوش إلى الشام، وقدِمت وفاة عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج من الرَّمْلة فِي جمادى الآخرة، وخرج محمد بْن طُغْج إلى الشام يوم السبت لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث وثلثين واستخلف أخاه الْحَسَن عليها، والتقى أصحاب الأمير محمد بْن طُغْج مَعَ عليّ بْن حَمدان بْن حمدون، والأمير مُقيم بلُدّ من أرض فِلَسْطين، وصرف المظفَّر بن العبَّاس عَن الشُّرَط يوم الإثنين لستّ بقينَ من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وجعل مكانه لؤلؤ الغموريّ، ثم سار الأمير فلقِي عليّ بن حمدان بأرض حِمْص، فاقتتلوا، ومضى محمد بْن طُغْج إلى حَلَب، فدخلها وخلع المُستكفي، ودُعي للمطيع لله بمصر وهو الفضل بْن جَعْفَر المُقتدِر بالله يوم الجمعة لثلاث خلونَ من شوَّال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وصُرف لؤلؤ الغوريّ عَن الشُّرَط للنصف من ذي الحجَّة سنة أربع وثلاثين وجعل مكانه عليّ بْن سُبك بولايته الثانية، وعاد الأمير إلى دِمَشق، فأقام بها، وتُوفّي الأمير محمد بْن طُغج بدِمَشْق لثمان بقينَ من ذي الحجَّة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وورد الخبر بوفاته إلى الفُسطاط يوم الإثنين لليلتين خلتا من المحرَّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 205
أَبو القاسِم أنوُجُور بْن الإِخْشِيد
ثمَّ ولِيَها أَبُو القاسم أنُوجُور بْن الإِخْشيد باستخلاف أبيه الإِخْشِيد عليها يوم ورد الخبَر بموت أبيه، وكان أَبُو المُظفر الْحَسَن بْن طُغْج بمصر، وقبض عَلَى أَبِي بَكْر محمد بْن عليّ بْن مُقاتِل يوم الثالث من المحرَّم سنة خمس وثلاثين، وجعل مكانه أَبَا بَكْر محمد بْن عليّ بْن أحمد الماذَرائيّ، وراح الأمير أَبُو القاسم أنُوجُور إلى الجامع يوم الجمعة ثالث عشر المحرَّم، ودُعي لَهُ فِيهِ وحده، وقدِم الحاج يوم الأربعاء خامس وعشرين المُحرَّم، ثمَّ كَانَ النيرُوز للقبْط موافقًا ليوم السبت ثامن وعشرين المُحرَّم، فمنع الناس من صبّ الماء، وقدِم العسكر يوم الثلاثاء أوَّل صفر سنة خمس وثلاثين، وخلع يوم الأربعاء عَلَى أَبِي عليّ الْحُسَيْن بْن محمد بْن عليّ الماذرائيّ، وخرج أَبُو المُظفَّر إلى المِضرَب يوم الأحد رابع عشر ربيع الأوَّل، وكان الارتفاع من المشرق كد والطالع العقرب، فأقام فِيهِ أيَّامًا، ثمَّ رحل والعسكر معه يوم الثلاثاء حادي وعشرين شهر ربيع الأوَّل، وكان مُقام العسكر بِمصر شهرًا واحدًا واحد وعشرين يومًا، وقُرئ يوم الجمعة أوَّل ربيع الآخر عَلَى مِنبَر الجامع كتاب من المطيع لله إلى الأمير أَبِي القاسم أنُوجُور يعزّيه فِيهِ عَن الإِخْشيد.
وقدِم محمد بْن يحيى بْن محمد بْن أحمد بْن عبد الله بْن مُوسَى بْن عبد الله بْن عليّ بْن أَبِي طَالِب المعروف بالسراج من المغرِب يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين، فأخبر وتقدَّم إِلَيْهِ بالخروج واللَحاق بالعسكر، فخرج بعد أيَّام، وتُوفّي بالرَّملة.
وكان والي الحرب بالأُشْمُونَين غَلْبُون، فتظلَّم التُّجَّار منه، وأذاعوا أَنَّهُ يُريد أن يثور بها، فتجهَّز إِلَيْهِ شادن فِي جماعة من الجُند، وكان خروجه يوم الإثنين سلخ جمادى الآخرة سنة خمس، فكبس غَلْبُون لشادن فِي السحَر، فقتل جماعةً من أصحابه، وأفلت شادن بنفسه.
стр. 206
وبُعثت أُسارَى ابن حَمدان، وزُينت الأسواق، وأُدخل بالأُسارَى من المساء يوم الأحد السادس، وخلع عليّ بْن صالح بْن نافع، وعرَّفنا أن الوقعة كانت بينهم يوم الثلاثاء أربع وعشرين جمادى الأولى، وأنه انهزم بين الظُّهر والعَصر من أَكْسال بنواحي الأُردُنّ، ودخل ابن طُغْج إلى دِمَشق بعد كسرته لابن حَمدان.
ولمَّا عاد شادن إلى الفُسطاط بعد كبسه أصحابه وقتلهم، بُعث إِلَيْهِ عسكر كثيف مَعَ الْحُسَيْن بْن لُؤلؤ، وتكين الخاقانيّ، وغيرهم، وشغب الأجناد فِي طلَب الأرزاق، ثمَّ ساروا إلى غَلْبُون، فخالفهم فِي الطريق وجاء إلى الفُسطاط، وقاتل من بقي منها من الغِلْمان ودخلها، ونزل دار الإمارة، ثمَّ كرَّت عَلَيْهِ الغِلْمان والعساكر، فخرج إلى الشرقيَّة، وتجمَّعت العساكر ولحِقته، وكانت بينهم مَقْتلة شديدة، فقُتل غَلْبُون فِي معْركتها، ونُصِب رأسه بالمُصلَّى لخمس بقين من ذي الحجَّة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فطيف بالأُسارى ولم يُحجّ فِي هذه السنة لاشتغالهم بغَلْبُون.
وقدِم كافور من الشام فِي الجُيوش، وجرت وحشة بين الأمير أنُوجُور وبين كافور، ثمَّ صلح الأمر بينهما، وعزل تكين الخاقانيّ عَن الشُّرْطة، وولَى نصر العالي، وأظهر الظُّلم والقَسوة، وعُزل فِي سنة أربع وأربعين.
وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وقع بين الأمير أنُوجُور وبين كافُور مُنافَرة ووحشة، ثمَّ مضى إِلَيْهِ الأمير وانصلح الحال، وولي الشُّرَطة بدر غُلام يانس فِي سنة إحدى وخمسين، وتُوُفّي أنوُجُور بْن الإِخْشِيد يوم الأحد لثمان خلونَ من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
стр. 207
أَبُو الْحَسَن عليّ بْن الإِخْشِيد
أَبُو الْحَسَن عليّ بْن الإِخْشِيد، دُعي لَهُ يوم الجِمعة ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، والناظر فِي البلَد والمستولي عَلَى الدولة كافُور، والإمرة لعليّ إلى سنة خمس وخمسين، فتُوُفّي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرَّم سنة خمس وخمسين، وعُمره يومئذٍ ثمان وعشرون سنة ونصف، وحُمل فِي تابوت إلى البيت المُقَدَّس، ودُفِن مَعَ أخيه ووالده بباب الأسباط.
كافُور
واستبدّ كافُور بالأمر بعد موت عليّ بْن الإِخْشِيد، ودُعي باسمه عَلَى المنابر فِي المحرَّم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، ووردت رُسُل المُطِيع وخِلَعهُ وهداياه وقيد وسُوار، ورُفِعت المطارد عَلَى رأسه، ووافت رُسُل صاحب هَجَر القَرْمَطيّ إلى كافُور ومعهم نحو المائتي حِمل من مَتاع الحاجّ الذين قطع عليهم بنو سُلَيم، فأمر بردّه إلى الحاجّ وسُلّم إليهم.
ولمَّا تمَّ لكافُور مُلك مِصر، والحَرمَين، ولِبس الخِلَع، ولُقِّب، وطُوّق، وسُوّر، لم يعِش بعد ذَلكَ سِوى مائة يوم، وتُوُفّي كافُور فِي جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
стр. 208
أَبُو الفوارس أحمد بْن عليّ بْن الإِخْشِيد
وأجمع الرأي بعد وفاته عَلَى وِلاية أَبِي الفوارس أحمد بْن عليّ بْن الإِخْشِيد، فحسُنت سِيرته، وأمر برفع الكُلَف والمُؤَن، وتعطيل المواخير، والأمر بالمعروف، والنهي عَن المُنْكَر، ونقص النيل، وكثُر الغلاء فِي أيَّامه، واشتدّ حتى أكل الناس الجِيَف والكِلاب.
ووافى الخبَر من الرَّمْلة، بأن الْحَسَن بْن عُبَيْد اللَّه بْن طُغْج خالف وأخذ البيعة لنفسه، وقبض عَلَى أموال كافُور بالرَّمْلة، وجاء القائد جَوْهَر على الفُسطاط، فخرج الناس للِقائه، فدخل بعد عصر يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
وخطب للمُعِزّ يوم الجمعة عَلَى المنابر بِمصر فِي السنة، وجلس جُوْهَر للمظالم وأحسن السِّيرة، وجاء المُعِزّ من المَغرب إلى الديار المصريَّة، فدخل يوم الثلاثاء سادس رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة.
стр. 209
أخبار قُضاة مِصر
لأبي عُمَر محمَّد بْن يوسف الكِنديّ رِواية أَبِي محمَّد عبد الرحمن البزَّار عفى اللَّه عَنْهُمَا قَالَ محمد بْن عليّ بْن يوسف بْن جلب راغب المعروف بابن ميسَّر فِي تاريخه: وفي ليلة العاشر من صفر سنة ستّ عشرة وأربعمائة تُوفّي بمصر أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر البزَّار المعروف بابن النحَّاس، وصلَّى عَلَيْهِ قاضي القضاة ابن أَبِي العوَّام، وكان لَهُ من العُمر يومئذٍ اثنتان وتسعون سنة وشهران، وهو آخر من حدَّث عَن ابن أَبِي مطر، آخر كلام ابن ميسَّرة، وذكره عبد الله بْن أحمد المَقْدِسيّ عفى اللَّه عَنْهُمَا.
стр. 210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه العون والعصمة
الجزء الأول من كتاب القضاة الذين ولوا قضاء مصر
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البرَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ لنا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنْديّ: هذا كتاب تسمية قُضاة مِصر عَلَى اسم اللَّه وعونه وصلَّى اللَّه عَلَى محمد النبيّ وآله وسلَّم.
قَيْس بْن أَبِي العاصِ
كَانَ أوَّل قاضٍ قضى بمصر قيس بْن أَبِي العاص بْن قيس بْن عَبْد قيس بْن عَدِيّ بْن سعد بْن سَهْم بْن عَمْرو بْن هَصَيص بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بن غالب بْن فِهْر.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَازِحِ بْنِ رَحْبٍ الْخَوْلانيّ، عَنْ يَحْيَى بْن عُثمان بْن صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْث، وَابْن لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: «أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِتَوْلِيَةِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْقَضَاءَ»، قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: يَزِيدُ هُوَ أَوَّلُ قَاضٍ قَضَى بِهَا فِي الْإِسْلَام
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكِِنْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ التُّجِيبيّ،
стр. 211
قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَف بْن رَبِيعَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الحَضْرَميّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه، قَالَ: سأَلتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ السَّهْميّ: " مَن ولَّى جَدّك قيسًا الْقَضَاءَ.
قَالَ: كَتَبَ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ بِتَوْلِيَتِهِ أَوَّلَ سَنَةِ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فَولِيَ الْقَضَاءَ إِلَى رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ مَاتَ.
فَكَانَتْ وِلايَتُهُ نَحْوًا مِنْ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ "
كَعْب بْن يَسار بْن ضِنَّة
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر بْن يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمة أُسامة بْن أَبِي السَّفْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيح، قَالَ: أَخْبَرَنَا الضحَّاك بْن شُرَحبِيل الغافِقي، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ سَعْدٍ التُّجِيبي، أَخْبَرَهُمْ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَجْعَلَ كَعْبَ بْنَ ضِنَّة عَلَى الْقَضَاءِ».
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرٌو بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ لا
стр. 212
يُنْجِيهِ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّة وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْهَلاكِ.
ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا أَبَدًا.
فَأَبَى أَن يَقْبَلَ الْقَضَاءَ، فَتَرَكَهُ عَمْرٌو ﵀
عثمان بْن قيس بْن أَبِي العاصِ
قَالَ: اختصم نفَر من جُذام إلى عبد الله بْن سعد بْن أَبِي سَرْح، فقال لهم: ارتفعوا إلى القاضي عثمان بْن قَيس فلتجدُنَّه مستضلِعًا يحمِل أثقالكم.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، قَالَ: «مات عثمان بْن قَيس بْن أَبِي العاص بعد قتل عثمان ﵁، فلم يكُن بمصر قاضٍ حتى قام مُعاوية»
حَدَّثَنَا محمد، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمّي الْحُسَيْن بْن يعقوب، عَنْ أحمد بْن يحيى بن وزير، عَنْ عَبْد العزيز بْن أَبِي مَيْسرة، عَنْ أبيه، قَالَ: «لم يكن بمصر قاضٍ بعد قتل عثمان ﵁ إلى إِمرة مُعاوية سنة الجماعة»
سُلَيم بْن عِتْر التُّجِيبيّ
ثمّ ولِيَ القضاء بها سُلَيم بْن عِتْر التُّجِيبيّ سنة أربعين من قِبَل مُعاوي، وكان قبل القضاء قاصًا، فجُمعا لَهُ.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف، عَنْ أبيه،
стр. 213
قَالَ: أخبرنا أشياخنا، «أن أوَّل من قصّ بِمصر سُلَيم بن عِتْر التُّجِيبيّ سنة تسع وثلاثين، ثُمَّ لمَّا كَانَ عام الجماعة سنة أربعين ولَّاه مُعاوية القضاء»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ شَدَّادٍ الصَّنْعَانِيُّ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ كَانَ يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَاللَّهِ مَا تَرَكْنَا عَهْدَ نَبِيِّنَا، وَلا قَطَعْنَا أَرْحَامَنَا حَتَّى قُمْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ سُلَيم بْن عِتْر قاص الجُند زمان عمرو بن العاصِ، وكان ممَّن شهِد خُطبة عُمر ﵁ بالجابِيَة، وحضر فتح مِصر»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَن ابْنِ أَنْعُم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ سُلَيم بْن عِتْر، قَالَ: «سَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ ﵁ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ» صَحّ ثَلاثَة
كعب بْن ضِنَّة فِي قول آخر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكِنْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خلَف بْن رَبيعة، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، " أَنَّ كَعْبَ بْنَ ضِنَّةَ الْعَبْسيّ وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ خَالِد بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيّ الَّذِي، يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ ضِنَّةَ حَضَرَ َفتَحَ مِصْرَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ، وَكَانَ كَعْبَ حَكَمًا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَامْتَنَعَ كَعْبٌ مِنْ ذَلكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لا بُدَّ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ
стр. 214
لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيَن النَّاسِ حَتَّى أَكْتُبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَضَى كَعْبٌ حَتَّى أَعْفَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب ﵁ مِنَ الْقَضَاءِ "، قَالَ رَبِيعَةُ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ السَّائِبِ بْنِ كَعْبِ بْنِ ضِنَّةَ: أَنَّ كَعْبًا قَضَى بِمِصْرَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ وَرَدَ كِتَابُ عُمَرَ ﵁، فَعَزَلَهُ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَإِنَّما سُمِّيَ سُوق بَرْبَر بِمِصْرَ لِنُزُولِ الْبَرْبَرِ عَلَى كَعْب بْن ضِنَّة وَوَلَدِهِ، فَنُسِبَ الْمَوْضِعُ إِلَيْهِمْ لأَنَّ الْبَرْبَرَ يَزْعُمُون أنَّ خَالِد بْنَ سِنان العَبْسيّ بُعِث إِلَيْهِمْ، وَكَانَ كَعْبَ بْن ضِنَّة بْن بِنْت خَالِد، فَمَا الْعَرَب كثير وَكَثِير مِنَ البَرْبَر فِي مَوَالِيهِ، وَخَالِدٌ صَاحِبُ نَارِ الْحَدَثانِ
عثمان بْن قَيْس بْن أَبِي العاص فِي قول آخر
ثمَّ وليَ القضاء بها عثمان بْن قَيس بْن أَبِي العاص من قِبَل أمير المؤمنين عُمر، وعثمان ﵄.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْن رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَدَّه عُثْمَانَ وَلَّاهُ عُمَر بْنُ الْخَطَّاب ﵁ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ،
стр. 215
ثُمَّ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁، فَأَقَرَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ﵁ عَلَى الْقَضَاءِ حَتَّى، تُوُفِّيَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ عَنْهُ اللَّه فِي الْفِتْنَةِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَن ابن لَهِيعة، «أن عمرو بْن العاص ولّى القضاء عثمان بن قيس بن أبي العاص، فلم يزل قاضيا حتى قتل عثمان ﵁»
سليم بن عتر في قول آخر
حدثني علي بن الحسن بن خلف بن قديد، قَالَ: أخبرني عُبَيْد اللَّه بن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي ناجِيَة بْن بَكْر، عَنْ خَيْر بْن نُعَيم، حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن هارون بْن حسَّان الأزْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفير، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَن الحارث بْن يزيد، قَالَ: «كَانَ سُلَيم بْن عِتْر يختِم القرآن كُلّ ليلة ثلاث مرَّات»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرنا أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بْن أَبِي زيد، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي الحجَّاج بْن سُليمان، عَن ابن لَهِيعة، عَن الحارث بْن يزيد، قَالَ: قلتُ لَحَنش بْن عبد الله: أخبرني عَنْ قول اللَّه : ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قَالَ: «هذه والله صِفة أَبِي عبد الله الحليّ، وسُلَيم بْن عِتْر»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن قُدَيد، وأبو سلَمة، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، عَنْ زيد بْن بِشْر، عَنْ ضِمام، أن سُلَيم بْن عِتْر كَانَ فِي بعث البحر، قَالَ: «فلمَّا نزلتُ دخلتُ فِي غار، فتعبَّدت فِيهِ سبعًا ولولا أنّي خشِيتُ أن أضعف لأتممتُها عشرًا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن رِشْدِين، قَالَ: حَدَّثَنِي مُرّة الكَلاعيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ضِمام، عَن الْحَسَن بْن ثَوْبان، قَالَ: ركِب
следующие страницы →