Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الصارم مرجى بن بتاه البطائحي
خال مهذب الدولة، بن أبي الجبر.
من فحول الشعراء، وأعيان الفضلاء. غير أنه كان هجاءً، على الثلب هجاماً لا يرى عن الهجاء البتة إحجاماً. فلسان الصارم صارم، مصاول مصادم. قريضه كالمقراض في قطع الأعراض بما له من الأغراض. وكلمه كلم، والحرب في نظره سلم، وثلبه ثلم. لا يثلب إلا كبيراً، ولا يثلم إلا سريراً. فكم أجرم مرجى، ومزح في هجو مرجى حين هجا، حتى هجا ولده وامرأته وخاله وأجرى على هذا النمط عمره حاله.
وجه هجوٍ، أحب إليه من وجه حسن حلو. فكم صاد بفخ سخفه حباء، ونال بإثارة رهج هجر نوالاً وعطاء.
وكان هذا ابن بتاه بتاتاً لحبال ذوي الحباء، مقاتاً للكرماء، أجهل
стр. 107
هجاءٍ للكبراء، وأضرك راضٍ بضراء. لكنه رأى في زمانه، مع أقرانه، سلوك تلك الطريقة أقرب إلى الحقيقة. وكان بعد في الناس بقية، ومن له على عرضه حمية فيقطع لسان الشاعر بإحسانه، ويكف غرب لسانه.
ولو عاش إلى هذا العصر، لرأى للأغنياء راية النصر. فكل جعل عرضه دون العرض لسهم الثلب غرضاً، (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً) . لا يعدون ذا الفضل إلا ذا كدية، ولا يردون طالب شيء منهم لو قدروا إلا بمدية.
فليل الظلم مظلم لا صباح له، وطائر العدل مقصوص لا جناح له. فأين البطائحي لينبط القرح، وينظر من يستحق المدح؟ فقد كان ناقداً بصيراً بالنقد، حلالاً للعقد.
أمر بقتله ابن حماد لما هجاه. وكان في قرية في قرى، فجاءه بعض الأجلاف فطعن بحربته قراه، فأرداه.
стр. 108
له لما قتل سيف الدولة صدقة سنة إحدى وخمس مئة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت، بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية، أنشأ مرجى قصيدة، منها:
لقد سَنَّ للسُّلطان ثابتُ سُنَّةً ... فلا يأمَنِ السُّلطانَ زيدٌ ولا عمرو
مُوافقةَ النُّظَارِ والكشفَ عنهمُ ... ولو كان ممّن لا يَصِحّ له العُشْرُ
وقد كثُرَ الإقطاعُ حتّى أظُنُّه ... سيُقطَعُ كلبٌ بالجَزِيرة أو هِرُّ
ثلاثونَ ألفاً للبَشِيرِيّ وحدَه ... فدَعْ عنك ممّن لا يجوزُ له ذكرُ
وعشرون ألفاً أُقطعت نرجسيّةٌ ... كثيرٌ لها ألفٌ ولو أَنَّها بَعْرُ
ولولا سَفاهُ الرَّأيِ كان عليهِمُ ... من الغَنَم الأعشارُ والصُّوف والشَّعرُ
стр. 109
وما كان اسياكيلُ يَرْكَبُ خَلفَه ... جِيادَ البَراذينِ البَشِيريَّةُ الحُمْرُ
ويركَبُ سلاّر أخوه بدهره ... ومِن خلفه فهدٌ وقُدّامَهُ صَقْرُ
ورُمحانِ مدهونانِ يَخْفِقُ فوقَها ... عُقابانِ مكتوبٌ على وجهه نَصْرُ
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيتُهُ ... أقد جُنَّ أسياكيلُ أم خَرِف الدّهرُ
سلامٌ على مال العِراقِ فإِنَّه ... مضى حيثُ لا نفعٌ لذاك ولا ضُرُّ
فشَطْرٌ لأتراك ومن دونِها النَّهْرُ ... وشَطْرٌ لأكرادٍ ومن شأنِها الغدرُ
وشَطْرٌ لكُتَابٍ وما فيهِمُ صدرُ ... وشَطْرٌ لحُجّابٍ وما بِهمُ فخرُ
وشَطْرٌ لِصبيانٍ يتامى ونِسوةٍ ... أَيامى وما في برِّ أكثرِهم أجرُ
وفي هِيتَ والأَنْبارِ للنّاس عِبْرَةٌ ... إذا أبصروا يُمْناً كما انكسف البدرُ
стр. 110
كانَّ غُراباً فوقَ أعوادِ سَرْحَة ... لكَ الخيرُ إِن لاقيتَهُ وله الشَّرُّ
كأَنَّ عليه حُلَّةً من إِهابه ... وقد طُلِيت بالقار أو مَسَّها الحِبرُ
ومنها يذكر خوفه ممن هجاهم:
إذا ما عبَرْتُ النَّهرَ يوماً وأصبحت ... تَخِبُّ بيَ الجُرْدُ المُحَجَّلَةُ الغُرُّ
فأدنَى بلادِ اللهِ منها وإِنْ نأت ... وأكثرُها عدلاً وآمَنُها مِصْرُ
هنالك لا أخشى عظيماً هجوتُه ... وتُكتَمُ أشعاري كما يُكتَمُ السِّرُّ
فيُقِنعُني أَنْ لا أرى مَنْ أَخافُهُ ... بِمِصْرَ على نفسي وإِنْ ظهَر الشِّعرُ
وله بيتان، أنشدنيهما مجد العرب العامري في هجو ثلاثة من الكبراء، وهما:
стр. 111
ثلاثةٌ كأثَافِي القِدرِ أَبْرامُ ... مظفَّرٌ ودُبَيْسُ اسْتٍ ووَرّامُ
قومٌ إذا قامَ قومٌ للعلى قَعَدُوا ... وإِنْ تنبَّهَ قومٌ للعُلَى نامُوا
هذا البيت الأخير نادر في الهجاء يعجز عنه فصحاء البلغاء.
وأنشدني أبو الفضل عبد الرحيم بن الأخوة، الشيباني: أنشدني ابن بتاه لنفسه، يهجو أخاه والمعنى في غاية الحسن لم يسبق إليه:
أيُّ حرامٍ من الحَلال أَخي ... كأَنّه الخمرُ إِبنةُ العِنَبِ
قاتلك اللهُ يا أَخي فلقد ... فضَحْتَنا في قبائلِ العَرَبِ
كأَنّنا الغُرُّ من قُرَيْشَ سَمَوْا ... وأنت ما بينَنا أبو لَهَبِ
وله في ولده:
هَيْهاتَ أَن يُفْلِحَ مسعودُ ... وفيهِ كالجوزة تعقيدُ
стр. 112
وليس للجوزة من كسرها ... بُدٌّ وكسرُ الجوزِ محمودُ
كأنَّما مسعودُ عُودٌ فما ... ينفَعُ حتَّى يُحْرَقَ العودُ
وله في زوجته يهجو. وقد أحسن في وصفه تكمش وجهها:
ولا زَوَرْدِيَّة الثَّنايا ... قد قَمَّعَتْ رأسَها بقِيرِ
كأنّما وجهُها قميصٌ ... قد فَرَّكوه على حصيرِ
وَيْلي على ما وقَعْتُ فيها ... أوقعها اللهُ في السَّعِيرِ
وله في ولده أيضاً:
لي ولدٌ لا وَلَدتْ أُمُّهُ ... أَعْذِلُهُ الدَّهْرَ فما يَرْعَوِي
الله قد صيَّرَه أعوجاً ... يا ذَنَبَ الكلبِ أما تَستوي
وله في زوجته أيضاً:
قالوا تزوَّجْتَ دُبَيْسِيَّةً ... أضرى من الذّئب على الشّاةِ
تقديسُها النَّخْرُ وتسبيحُها ... وهاتِ تَقْرَا في التَّحِيّاتِ
وله في ابن أخته مهذب الدولة، بن أبي الجبر:
عليَّ لمولايَ الأميرِ ثلاثةٌ ... تُعَدُّ له عندي من الطَّوْل والْمَنِّ
стр. 113
إذا جئتُ قال النّاسُ قد جاء خالُه ... وأدخُل أحياناً عليه بلا إِذْنِ
وإِنْ ضُرِب الطَّبلُ الشَّريفُ سمِعتُهُ ... بأُذْني وهذا الحظُّ في غاية الحُسنِ
وله فيه أيضاً:
ولا تتَمَنَّ خيراً لابْن أختٍ ... ولو أَلْفَيْتَه بَرَّاً وَصُولا
فإِنّي كنتُ أوّلَ من تمَنَّى ... له عزّاً فصار به ذليلا
وله في الأمير نصر ولد مهذب الدولة:
رأيتُ مَضْرِب شَعْرٍ ... فقلتُ ماذا السَّوادُ
فقيل مَطبَخُ نصرٍ ... فقلتُ أين الرَّمادُ
فقيل لي فيه بِنُّ ... وكامَخٌ وجَرادُ
وليس فيه سِوَى ذا ... وللجَمال يُرادُ
وله يهجو أهل الحُويزة:
وكم في بني أسد من أميرٍ ... يُنالُ على دَلّهِ والعُجابِ
فتزيينُ طُرَّتهِ للنّسِاءِ ... وتدويرُ فَقْحَتِه للزِّبابِ
стр. 114
وله في مظفر بن حماد:
يا رَبِّ يا رَبِّ اِرْحَمِ النّاسا ... واجعَلْ أميرَ الغَرّافِ عَبّاسا
إِنّ ابنَ حَمّادَ قد طغى وبغى ... بغياً عظيماً وَأرهقَ النّاسا
وكان من شؤم بَخْتِه ذَنَباً ... فصارَ من شؤمِ بختِنا راسا
وله في بعضهم:
للهِ دَرُّك أيُّ فارسٍ بُهْمَةٍ ... في الدّار منك وأيُّ مُوقِدِ نارِ
نارٌ ولكن لا تُضيءُ وفارسٌ ... في البيت يَفْرَقُ من دبيب الفار
وله في أبي البدر، قضاعة:
أبا البدرِ كيفَ ترى ما جرى ... وكيف تلقّاك سوءُ العمَلْ
تركتَ عِمادةَ أرضِ العِراقِ ... وأصبحتَ عامل نهر الجَبَلْ
стр. 115
رَجَعْتَ إلى خَلْفَ لمّا كبِرتَ ... فعُدتَ كأنك بولُ الجمَلْ
وله يهجو:
علق تزوَّج قحبةً مشهورةً ... خَلِقَتْ وغَيرهُ زوجِها لم تَخْلُقِ
ظلَّتْ مُعَشَّقةً وظلَّ مُبَغَّضاً ... شتّانَ بينَ مُبَغَّضٍ ومُعَشَّقِِ
ومن العجائبِ أَنّها إِنْ واعَدَتْ ... صَدَقَتْ وإن حَلَفَتْ له لم تصدُقِ
وله:
يا سالماً في بيتِه ما لُهُ ... وَيْحَكَ ما عِرسُك بالسّالمِ
النّ ... في السُّرْم فدَعْ غيرَهُ ... يَثْغَبُ مثلَ المطرِ الدّائمِ
стр. 116
وله:
علمَّني مذهباً كَفَرْتُ به ... كأَنَّني ما عرَفْتُ إِسلاما
فقلتُ هذا من أين تعرِفُهُ ... فقال لي قد كفرتُ إِلْهاما
وله يهجو الأَكراد:
لقد عرَضَ الأَكرادُ جيشاً عَرَمْرَما ... كفى اللهُ ربُّ النّاسِ شَرَّهُمُ البَقّا
إذا رَكِبوُا واْستَلأَمُوا خِلْتَ أنَّهم ... ذُبابٌ إذا ما كان أكثرهُم زرقا
وما خَلقَ اللهُ الذبابَ لحاجة ... إليها ولكنْ كي يَغِيظَ بها الخَلْقا
ويُغْمَسُ في المأكول بعضُ جَناحِه ... فإِنْ مَقَلُوه فيه كان لهم أَتْقى
وليس لهم إلا خِضابُ لِحاهُمُ ... ولو حَلَقُوها كان أبقى لهم حَلْقا
وله من قصيدة:
كأنَّني إِذْ وَقَفتُ أُنشِدُهم ... شعريَ أعمى يَقْرَا على قبرِ
وليس شعري شعراً فتسمَعَهُ ... لكنّ شِعري ضربٌ من السِّحرِ
لو لم يكن بحرُه المحيطَ لمَا ... رأيت فيه عجائبَ البحرِ
стр. 117
والبحرُ فيه دُرٌّ ومَخْشَلَبٌ ... وليس فيه شيءٌ سِوَى الدُّرِّ
والشِّعرُ لا قدرَ في الوَضِيعِ له ... إلا إذا قيلَ في ذوي القَدْرِ
وله:
أنا المِلْحُ الَّذي في كلّ شيء ... من المأكول يخبُثُ أو يَطيبُ
إذا ما كنتُ في قوم غريباً ... ظننتُ بأَنَّني لهمُ نَسِيبُ
أُعاشِرُهم بمعروف وأعفو ... وَأغفِرُ ذنبَهُمْ ولهم ذُنوبُ
وله من قصيدة يهجو عاملاً:
ليس له شيءٌ سِوَى عِرضِهِ ... من كلِّ ما يملِكُ مبذولا
قد هَتكتْ زوجتُه سِترَهُ ... ولم يكن من قبلُ مسبولا
رَقاصةٌ ما رَقَصت باِسْتِها ... إلا وما شدَّت سَراويلا
تُداخِلُ الفَلْكَةَ في رِحْمِها ... وتُخرِجُ المِغْزَلَ مغزولا
وكلَّما أَعْوَزَها نائكٌ ... تعلَّلتْ بالسَّحْق تعليلا
стр. 118
لها نَواةٌ فإِذا ساحقت ... صارتْ لها في الحال إِحْلِيلا
وتركَبُ النّاقَةَ من غُلْمَةٍ ... وتترُكُ الفاعلَ مفعولا
لو عَبَر الفِيلُ على بابها ... لحَمَلتْ من فوقِه الفِيلا
ولم يَرُعْها عندَ إيلاجِه ... فيها كعظم السّاقِ غُرْمُولا
ثُمَّ انثنتْ تَنْشُدُ ذا سَلَّةٍ ... وردَّتِ القاتلَ مقتولا
والسَّيفُ لا يُرْهَبُ إِغمادُه ... وإِنّما يُرهَبُ مسلولا
قد دخَل النّاكةَ مِصْرَ اسْتِها ... فسَيَّحُوا من تحتِها النِّيلا
وما لِمصرْ مثلُ نِيلِ اسْتِها ... وُسْعاً ولا عُرضاً ولا طُولا
إِنَّ الَّذي يَكسِبُه زوجُها ... تُعطيهِ للنّاكة برطيلا
وله:
يا دولةَ التُّرْكِ لا رَجَعْتِ ولا ... ظُلْتِ بقاءً يا دولةَ العَرَبِ
كِلاكُما واحدٌ وخيرُكُما ... شرُّ زمانٍ للنّاس منقلِبِ
خليفةُ الله فيكِ محتجِبٌ ... فكيفَ يُرجَى خَلاصُ محتجبِ
وماتَ بكيارُقٌ وإِخْوَتُه ... قد وجَدوا راحَةً من التَّعَبِ
стр. 119
وطابَ تُفَاحُ أَصفهانَ لهم ... جهلاً بما في العِراقِ من رُطَبِ
أَظُنّهم قد نَسُوا العِراقَ ولم ... تَبْقَ لهم حاجةٌ إلى الذَّهَبِ
ولا إلى الخيلِ في أَعِنَّتِها ... مثلِ السَّعالِي أو المَها السُّلُبِ
وَأَنَّ ما بينَ واسطٍ لهمُ ... وبينَ بغدادَ أشرفَ الرُّتَبِ
خَلِّ أصْفهاناً تَعْوِي الكلابُ بها ... وأسْرِعْ إِلينا يا خيرَ مُرْتَقَبِ
واسْتنقِذِ المسلمينَ إِنَّهُمُ ... قد أَشرفُوا بَعدَكُمْ على العَطَبِ
ومنها:
وقد مُنِينا بصاحبٍ مَذِقٍ ... يُحِبّ شعري وليس يرفُقُ بي
أَخافُ من بأسه فأمدَحُهُ ... وأَبلُغُ الجِدَّ وهو في لِعبِ
ومنها في صدقة وكان من سماته سيف الدولة تاج الملوك:
لو كانَ تاجاً لكَانَ من خَزَفٍ ... أو كانَ سيفاً لَكانَ من خَشَبِ
стр. 120
حكي لي: أن مرجَّى بن بتاه قصد سيف الدولة، فلما وصل دهليزه، سمع صوته وهو ينشد هذا البيت فهم بالرجوع فأحس صدقه به، فدخل إليه وعفا عنه ووصله وقال له: لا تقم فإنك هجوت مباركة وكذبت ويقتلك بعض عبيدها فلم يقم.
ومن جملة ما هجاها به قوله:
ولو فتَّشُوا بينَ المقابرِ قبرَها ... لمَا وَجَدُوا إلا خِصىً وأيُورا
стр. 121
الأمير نجم الدولة
أبو العباس أحمد بن أبي الفتوح المختار بن محمد بن أبي الجبر
أرى أري نظمه مشتاراً وجميع شعره مختاراً، أحمد من أحمد مقاصد، في قصائده، واتساق فرائد فوائده.
كلامه مالك للقلب وكتابه باتك كالعضب، ولسانه ناسل نتائج فضله، ووطابه باخل عليه بنيله.
стр. 122
إذا قال لاقى ذا الفصاحة فأفحمه، وإذا تكلم ملكت ذا العلم كلماته فيقول: ما أعلمه! أنعم بمعناه، الذي أنعم في مغزاه.
قال المظفر بن حماد: بيت أبي الجبر ثوبٌ هو طرازه، فتعين علي إكرامه وإعزازه.
ما برح في الغراف من بحر المظفر غرافاُ بمناه مظفراً وصار بتبر شعره للجين لهُاه صرافاً، على مدحه متوفراً.
لازم الوطن، وأذكى فيه الفطن. ولم يمدح أحداً يستجديه، واقتصر على ما مدح به أهله وذويه.
قال ابن الباسيسي: إنه توفي بالغراف سنة سبع وأربعين وخمس مئة.
ذكره لي القاضي الصديق عبد المنعم، بن مقبل، الواسطي بها، في محرم سنة خمسين وخمس مئة، وقال: كنت انحدرت إلى الغراف في شغل فلقيته هناك وكتب منه قصائد. منها، في مدح المظفر بن حماد:
стр. 123
قِفا فاسألا رَسْماً لِلعَسْاءَ مُقْفِرا ... عسى أن يُجيبَ السائلينَ مُخَبِّرا
وعَلَّ سؤالَ الدّارِ يَشفي صَبابةً ... فيُطْفِي غراماً في الحَشا قد تَسَعَّرا
أَوَدُّ لها سَقْيَ السَّحابِ وَأمْتَرِي ... لها عارضاً من جَفْن عينيَ مُمطِرا
لعَمْرُ أبيها لو رأتْ أَمسِ موقفي ... على الدّار أَبكي رسمَها حينَ أقفرا
رأت حافظاً للعهد غيرَ مُضَيِّعٍ ... وحِبّاً على هِجْرانِها ما تغيَرا
ذكَرت الصِبا من بعدِ ما بانَ وانقضَى ... ومَنْ كانَ مشغوفاً بشيءٍ تذكرَّا
وللهِ أيّامُ الصِّبا ما ألَذَّها ... وأرغَدَ ذاك العيشَ منها وأنضرا
طوى طولَها طِيُب الشَّبابِ فما أرى ... كأوقاتها أَوْحَى فَناءً وأقصرا
أكانت لياليهِ جميعاً كليلةٍ ... جَلاها ضياءُ الفجرِ ساعةَ أسفرا
أَمِنّي أراد الكاشحونَ خديعةً ... أكنتُ بما رامُوا غبيّاً مُغَمَّرا
стр. 124
أبى ذاك علمي بالأمور وَأنَّني ... حَلَبْت زماني أشْطُرا ثُمَّ أَشْطُرا
إذا تَرَكَ المرءُ المطامعَ خلفَهُ ... رأى من صريحِ العزم ما لم يكن يَرَى
لعَمْرُك ما الدُّنيا بباقية لنا ... وإن طال عُمرُ المرءِ فيها وعُمِّرا
سطت ببني ماء السَّماءِ فدَمَّرَت ... وكِسْرَى فما أَبقت ولم تُبقِ قَيصرا
كبِرتُ فما أَلقى امْرُءاً في عشيرتي ... على كثْرة في القوم منّيَ أكبرا
وكنتُ أراني حين آتي نَدِيَّهُمْ ... نَدِيَّ العُلى أدنى سِنينَ وأصغرا
كفاكَ الليالي تترُكُ الطِّفلَ أَشيباً ... وتَرْجِعُ مخضرَّ الشَّمائلِ أَصفرا
قَرينُ الفتى يُنْبيك عنه فلا يكن ... قَرينُك إلا الماجدَ المُتَخَيَّرا
إذا كنتَ في القوم الأَغَرَّ خلائقاً ... فلا تَصْحَبَنْ إلا الأَغَرَّ المُشَهَّرا
стр. 125
إذا لم أجِدْ يوماً جليساً مهذَّباً ... يُشاكِلُني في النَّجْر جالستُ دفترا
يُرِيني الورى الماضينَ مَنْ كان منهمُ ... ألَبَّ وأقوى في الخطوب وأصبرا
إذا شِئتَ أن تَلْقَى الرِّئاسة والحِجا ... وبأسَ الأُسُودِ الغَلْبِ فَالْقَ المظفَّرا
ترى حاتِماً جوداً ولُقْمانَ حكمةً ... وسَحْبانَ إيجازاً ويُوسُفَ منظرا
يروقُك حُسناً في الرِّجال ومنظراً ... ويرضيك رأياً في الخطوب ومخبرا
تباع المعالي عند قومِ رخيصةً ... وعندَ أبي الفتح بنِ حمّادَ تُشترى
إذا افتقرَ الإنسانُ منه إلى الثَّنا ... رآه إلى كسب الثَّنا منه أفقرا
يرى الرّاحةَ العُلْيا أجلَّ محلَّةً ... من الراحة السُّفْلى وَأسْنَى وَأفخرا
كأَنّ السَّجايا كُنَّ أُلْقِينَ عندَه ... فحُكِّمَ فيها فانتقى فتخيرا
أعارَ العلى سمعاً وعيناً بصيرةً ... ليَعْرِفَ معروفاً ويُنكِرَ مُنكَرا
стр. 126
فما شَدَّ إلا للمكارم حَبْوَةً ... ولا حَلَّ يوماً للدَّنِيَّة مِئزَرا
يرى باطنَ الأمرِ الَّذي غيرُه يرى ... له ظاهراً في الظَّنّ منه مصوَّرا
أيا ناصرَ الدِّينِ الَّذي الدِّينُ لا يرى ... له منه في اللأَواء أحمى وأنصرا
ويا شيخَها في رأيها وضياءَها ... إذا الخَطْبُ أضحى حالِكَ اللونِ أقترا
بنى لك إِسماعيلُ بيتاً سمت به ... قواعدُه فوقَ النُّجومِ ومَفْخَرا
غَداةَ الرَّوابي صالَ في القوم صولةً ... فأَخْنَى على جيشِ العميدِ ودَمَّرا
بفِتيان صِدقٍ من كِنانةَ لو بدت ... وجوهُهُمُ في حِنْدِس الليلِ أَقمرا
إذا حاربوا كانوا الأُسودَ شجاعةً ... وإن سُئِلوا كانوا من البحر أغزرا
سَما لهمُ ليثُ بنُ بكرٍ كما سَما ... بليثٍ وأشباهٍ لَقِيطُ بن يَعْمُرا
стр. 127
وَلمّا دعا مسعودُ لَبَّيْتَ إِذْ دعا ... سريعاً إلى صوت الصَّريخ مشمِّرا
نهَضْتَ بحَمْل العِبءِ عنه وقد رأى ... جَحافلَ داوودٍ تَجُرُّ السَّنَورَّا
ولولاك عادت دُونَ دِجْلَةَ خيلُهم ... ولم تَرَ من شرقٍ إلى الغربِ مَعْبَرا
فكنت زعيمَ الجيشِ والفارسَ الَّذي ... يرُدّ سِنانَ الرُّمحِ ريّانَ أحمرا
أَصِخْ يا أبا الفتحِ بن حمّادَ تستمعْ ... عِتاباً كزهر الرَّوض أضحى مُنَوِّرا
أَفي الحقِّ أَن أُضحِي وحظِّي ناقصٌ ... وحظُّك عندي لا يزالُ مُوَفَّرا
стр. 128
يَسُرّ الفتى إِحسانُه في مَعاده ... وعندَ صباحِ القوم قد يُحْمَدُ السُّرَى
مضى رَمَضانٌ عنك بالصَّوم راضياً ... ومِن قبلهِ شعبانُ إذْ كنتَ مُفطِرا
ولاقاك يومُ العيدِ بالسَّعد والمُنَى ... وكَبْتِ الأعادي ضاحكَ الوجهِ مُسْفِرا
ومنها ما أنشدنيه عبد المنعم، يرثي ولداً له، مات بالحويزة، اسمه أبو الحسين ووجد عليه غماً في يوم عيد:
لبِس الجنود جديدهم في عيدهم ... ولبِستُ حزن أبي الحسين جديدا
ووَدِدْتُ لو حضَر المُصَلَّى فيهِمُ ... حيّاً وكنتُ المُسْبَتَ المَلْحُودا
أيسُرُّني عيدٌ ولم أَرّ وجهَهُ ... فيه أَلا بُعداً لذلك عيدا
كيفَ المَسرَّة لامْرِئٍ فقَدَ الهوى ... وحثا عليه جَنادِلاً وصَعيدا
أَفحينَ عادَ الليثُ بأساً يُتَّقَى ... والبدرُ حُسناً والسَّحابةُ جودا
стр. 129
وتقيَّلَ النُّجَباءَ من آبائه ... وجدودِه المُتَخَيَّرِينَ الصِّيدا
ورجا الصَّديقُ كما رجوت بأن يرى ... بَعدي به ما ساءَني مسدودا
وتَخِذْتُه كهفاً أرُدُّ به الأَذَى ... عنّي ورُكناً في الخطوبِ شديدا
وَأوانَ أَوْهَنتِ الليالي أعظُمي ... وغَضَضْنَ من بصري وكان حديدا
ومشَيْتُ للسّبعينَ مُنْحَنِيَ القَرا ... وبِما أُرَى سَبْطَ القَوامِ سديدا
وطوى لِداتي الموتُ إِلا قُلَّهُمْ ... فتبوَّؤُوا بعدَ القصورِ لُحودا
فارقتُهُ وبقِيت أَخْلُدُ بَعدَه ... لا كانَ ذاك بَقاً ولا تخليدا
مَنْ لم يَمُتْ حَزَناً لموت حبيبِه ... فهو الخَؤُونُ مَودَّةً وعُهودا
مُتْ مَعْ حبيبِك إن قدَرْتَ ولا تَعِشْ ... من بعدِه ذا لوعةٍ مكمودا
أَنْساه لا واللهِ أو ينسى إذا ... ركب الغصون الأورق الغريدا
стр. 130
أصبحتُ بعدَ أبي الحسين أظُنُّني ... وبنو أَبي حِزَقٌ لَدَيَّ وَحِيدا
قد كان يُجْزئني وكم من واحد ... يُجزي ويعدِلُ في الغَناء عديدا
ما أُمُّ خِشْفٍ قد ملا أَحشاءها ... حَذَراً عليه وجَفْنَها تسهيدا
إنْ نامَ لم تَهْجَعْ وطافتْ حولَهُ ... فيَبِيتُ مكلوءاً بها مرصودا
وَجْدي به وَجْدُ التي بعدّ الصِّبا ... والشّيبِ أعقبها الإِلهُ وَلِيدا
خَرِقٌ كدُمْلُوجِ اللُجَيْنِ تَرى له ... من غيرِ ما كُحلٍ مَآقِيَ سُودا
جَذِلَتْ به يومَيْنِ تَرعى حَولَه ... بالحَزْنِ بَقْلَ خَميلةٍ معهودا
стр. 131
فإذا فُوَاقُ الرِّسْلِ أعجلَها اْرعَوَتْ ... فحَنَتْ عليه من الرَّضاعِ الجِيدا
حتّى أَتاحَ لها المُتِيحُ من الرَّدَى ... قبلَ السَّواد من العِشاءِ السِّيدا
فقضى عليه فلم يَدَعْ منه لها ... إلا إِهاباً بالعَرا مقدودا
فهُناك أعلنتِ البُغامَ كأنَّها ... ثَكْلَى أُصيبتْ فارساً صِنْديدا
مِنّي بأوجَعَ إِذْ رأيت نوائحاً ... لأبي الحسين وقد لَطَمْنَ خُدودا
أأبا الحسين وما عَدِمْتُ جَلادتي ... إلا غَداةَ رأيتُك المفقودا
وعَدِمْتُ صبري يومَ مُتَّ وطالمَا ... قد كان إِن طرَقَ الرَّدَى موجودا
كنتُ الجليدَ على الرَّزايا كلِّها ... وعلى فِراقِك ما خُلِقتُ جليدا
ولَئِنْ بَقِيتُ وقد هلكتَ فإِنَّ لي ... أَجَلاً وإِن لم أُحصِهِ معدودا
стр. 132
لا موتَ لي إلا إِذا الأَجَلُ انقضى ... فهُناك لا أتجاوزُ المحدودا
ومع البقاءِ فإِنَّني بك لاحقٌ ... من عن قريبٍ لاَ أراه بعيدا
حُزني عليك بقَدْر حبِّك لا أَرى ... يوماً على هذا وذاك مَزِيدا
ما هَدَّني مَرُّ السِّنينَ وإِنَّما ... أَمسيتُ بعدَك بالأسى مهدودا
يا ليتَ أَنّي لم أكن لك والداً ... وكذاك أنت فلم تكن مولودا
فلقد شَقِيت ورُبَّما شَقِيَ الفتى ... بِفراق مَنْ يهوى وكان سعيدا
مَنْ ذمَّ جَفْناً باخلاً بدموعه ... فعليه جَفْني لم يَزَلْ محمودا
يبكي ولا يَرْقا فأَحسَبُ دمعَهُ ... بالسُّحْب لا بشُؤونهِ ممدودا
فَلأَنْظِمَنَّ مَراثياً مشهورةً ... تُنسي الأَنامَ مُتَمِّماً ولَبِيدا
стр. 133
وجميعَ مَنْ نظمَ القريضَ مُؤَبِّناً ... ولداً له أو صاحباً مودودا
وَلأَدْعُوَنَّ لك المُهَيْمِنَ راجياً ... منه الإِجابةَ رَبَّنا المعبودا
ومنها يرثي ولده، أنشدنيه عبد المنعم من قصيدة:
على القبر بِالمجنونِ كلَّ عشيّةٍ ... وكلِّ صباحٍ رحمةٌ وسلامُ
ثوى فيه مَنْ لو يُفْتَدى لَفديته ... بنفسي ولم يُطبِق عليه رِجامُ
لَئِن فُلَّ صبري يومَ مات فرُبَّما ... يُفَلُّ غِرار السَّيفِ وَهْوَ حُسامُ
أبعدَ مَشيِب الرّأسِ منّي وكَبْرَةٍ ... تَحَنَّى لها صُلْبٌ وهِيضَ عِظامُ
أُفارقُ عبد الله تاللهِ إِنّها ... مصائبُ جلَّتْ كلُّهنَّ عِظامُ
стр. 134
لو أنَّ شَماماً يُبتلى بمصيبتي ... تصدَّعَ من عُظم المُصابِ شَمامُ
ألا ليتَ شِعري كيفَ في القبر مُكثُه ... تجلَّى نهارٌ أو أَجَنَّ ظلامُ
إذا الْتَهبت نارُ الأَسى بين أضلُعي ... تحدَّرَ ماءُ العينِ وهْوَ سِجامُ
كعُودٍ يَسِحُّ الماء من جانب له ... ومن جانبٍ للنّار فيه ضِرامُ
ومنها:
خليلَيَّ إِنْ آنَسْتُما البرقَ لامعاً ... من الأُفُق الشَّرْقيِّ حينَ يُشامُ
وهبَّتْ من الحَيّ الحُوَيْزِيّ نفحةٌ ... من الرّيح أو منه استقلَّ غَمامُ
فلا تَعْذُلاني أَنْ بكَيتُ وإِنْ جلى ... بعيني فُرادَى أدمعٍ وتُؤامُ
فإِنَّ بهاتيك الأماكن لي هَوىً ... يُؤَرِّقُ عيني والعُيونُ نِيامُ
стр. 135
وكان جَمعَ الحكيم، موفق الحكماء أبو ظاهر البرخشي، الواسطي الأبيات التي كتبها على التقاويم في مدى السنين، فطالعت المجموع وقد أحضره يوماً بالهمامية سنة أربع وخمسين وخمس مئة عندي فوجدت فيه للأمير أحمد، بن أبي الفتوح:
دواءٌ إلى صحّةٍ يُعْقِب ... وعافيةٌ عنك لا تذهَبُ
شرِبتَ دواءً وكان الشِّفا ... ءُ فيما شرِبْتَ وما تشرَبُ
وعُكِتَ ويُوعَكُ في خِيسِه ... على عِزّهِ الأسدُ الأغلبُ
فما غيَّرَتْ وَعكةٌ بأسَهُ ... ولا كَلَّ نابٌ ولا مِخْلَبُ
وقد يَصْدَأ المَشْرَفِيُّ الحُسا ... مُ وما فُلَّ حدٌّ ولا مَضْرِبُ
وكتب لي بخطه، وأنشدني القاضي العدل عمر بن الحسين الباسيسي - وهو عدل شاه بالغراف - القصيدة التي كتبها الأمير أحمد بن أبي الفتوح إلى الشيخ أبي محمد القاسم، بن علي الحريري صاحب المقامات بالبصرة والقصيدة التي كتبها الحريري جواباً عنها. قال ابن الباسيسي: سمعتهما من الأمير أحمد، بن أبي الفتوح بالغراف وقرأتهما عليه.
стр. 136
فقصيدة الأمير أحمد هي:
لِحَيِّ كعبٍ أَمْ أخيهِ كِلابْ ... مَرَّتْ بنا بالأمسِ تلك القِبابُ
فهل رأت عيناك من قبلِها ... جَأذِراً تمنَعُها أُسْدُ غابْ
كم في حُدوجِ القوم من غادةٍ ... رَخيمةِ الدَّلِّ أَناةٍ كَعابْ
إنْ أظلمتْ فرعاً أَنارت سَناً ... أو أُشبعت حِجْلاً أجاعت حِقابْ
يَغُضّ من ضوء الهلال العمى ... ولا يغُضّ الحُسنَ منها النِّقاب
وذي صفاءٍ ليس لي دُونَهُ ... سِرٌّ صَريحُ الوُدِّ مَحْضُ الحَبابْ
стр. 137
قال لقد غيَّرْتَ اِسم الَّتي ... سمَّيْتَها في الشِّعر أختَ الرَّبابْ
وهْوَ كما قالَ ولكنّني ... أراقبُ الغَيْرانَ أيَّ ارتقابْ
وَهنيَ رَداحُ الخَلْقِ خَمْصانةٌ ... أَحسنُ مَنْ جِيبت عليه ثِيابْ
تفتَرُّ عن مثلِ أَقاحِ النَّقا ... غُرِّ الثَّنايا واضحاتٍ عِذابْ
إِن وعَدَتْ لم يَشْفِني وعدُها ... هل ينقَعُ الظَّمآنَ لمعُ السَّرابْ
وَيْحِي وما وَيْحٌ بمُجْدٍ جَداً ... فكلُّ عيشٍ وبقا في ذَهاب
إنْ أنا لَمّا أُعْظَ أُمنيَّةً ... قد لَهِجَتْ نفسي بها فَهْيَ دابْ
لو قال لي ما تشتهي قائلٌ ... لَقُلْتُها إِمّا خطاً أو صوابْ
стр. 138
عندي من الشَّيْب القليلُ الَّذي ... أمسيتُ منه في عَنا واكتئابْ
فكيفَ لا كيفَ يكون العَزا ... إِنْ وقَعَ النَّسْرُ وطارَ العُقاب
وكلُّ شيءٍ يتعزَّى الفتى ... عنه إذا ما فاتَ إِلا الشَّبابْ
أَستغفِرْ اللهَ بَدِيعَ العُلَى ... إليه أَدعو وإليهِ مَآبْ
من سيّئاتٍ أثقلت كأهلِي ... قد مَلأَ الكاتبُ منها الكِتابْ
يا لَيْتَ شِعري هل ليالي الغَضَى ... آئِبةٌ أَمْ ما لهَا من مَآبْ
أيَّامَ إِنْ يَدْعُ الهوى أَسْتَجِبْ ... فاليومَ ما عندي له من جوابْ
ما لي وغِمْرَ حاسدٍ يَنْتَحي ... عِرضيَ بالغيب بظُفرٍ ونابْ
يغتابُني ظلماً وتأبى العُلى ... من أن تَراني في مقامِ اغتيابْ
لم يستطع مثلي صعودَ العُلَى ... فعادَ يَرْميني بهُجْرِ السِّبابْ
стр. 139
فكنت كالنَّجْم علا منزلاً ... فكادَهُ بالنَّبْح بعضُ الكِلابْ
يعدو على ماليَ جُودي ولا ... تعدو عليه عادياتُ الذِّئابْ
ولو جَمَعْتُ المالَ أَثْرَتْ يدي ... وآضَ لي مالٌ عَميمٌ وثابْ
وكيفَ يَنْمِي المالُ من باذل ... طِلابُه الحمدُ ونِعْمَ الطِّلابْ
فازَ بما وَطَّدَ من سُؤْدَدٍ ... وضَلَّ شانِيهِ المُعَنَّى وخابْ
وكنتُ إن خِفتُ أذى من عِدىً ... بَدَّلْتُ سيفي مَفْرِقاً من قِرابْ
ومنها في صفة السفينة:
يا أيُّها الرّائحُ تَنْحُو به ... هَوْجاءُ تنقضُّ انقضاضَ العُقابْ
لم يَرْأَمِ الفحلُ لمَّها في الفَلا ... ولا عِراضاً لَقِحَتْ في الضِّرابْ
стр. 140
ولا رعت حَمْ اً ولا خُلَّةً ... يوماً ولم تَجْتَرَّ بُهْمَى العَدابْ
ولا اعتقَى الحالبُ أَغبْارَها ... ولا رَأتْ سَقْباً لها في السِّقابْ
لا تشتكي الأَيْنَ إذا ما اشتكت ... من الوَجَى الوَجْناءُ ذاتُ الهِبابْ
دَهماء لم تَلْمِسْ لها أَشْطُراً ... كلبيّةً قد عصَّبَتْها اعتصابْ
تنسابُ والتَّيّارُ ذو حَوْمَةٍ ... مثلَ الحُبابِ الصِّلّ فوقَ الحَباب
طالت على العَوْدِ بأعوادها ... والنّابِ لكنْ ما لَها قَطًّ نابْ
стр. 141
بني حَرامِ الصيِّدَ إن جئتَهُمْ ... بِالبصرة الفيحاءِ ذاتِ الرِّحابْ
أَبلغْ سلامي قاسماً إِنَّه ... دعا فؤادي شوقُهُ فاستجابْ
أَعني الحَرِيرِيَّ فوَجْدي به ... وَجْدُ الصَّدِي الظّامِي ببرد الشَّرابْ
قد حلَّ من قلبي على نَأْيهِ ... بينَ السُّوَيْداءِ وبينَ الحِجابْ
سمِعت بالبحر سَماعاً وقد ... يُقالُ فيما قيل عنه عُجَابْ
وقد رأيت الدُّرَّ لا قيمةٌ ... له وفي الدُّرّ الَّذي فيه عابْ
وابنُ الحَرِيرِيّ وألفاظُه ... بحرٌ ودُرٌّ ليس فيه مَعابْ
له المقاماتْ التّي لم تكن ... لابن قُرَيْبٍ لا ولا ابنِ الحُبابْ
стр. 142
وابنُ عَطا واصِلْ لو رامَها ... لَجاءَ بالرّاء مَجيءَ اجتلابْ
تشهَدُ بالنُّبْل له والحِجا ... شهادةَ الزَّهْرِ لوَدْقِ السَّحابْ
أُقسِمُ باللهِ لَقِدْماً أتت ... عن أدبٍ جَمٍّ وصدرٍ رُحابْ
وكم له من كلمات غدت ... في الشَّرق والمغربِ ذاتَ اغترابْ
لا يعمل المزْهَرُ إلا بها ... كأنّما تحدو الحُداةُ الرِّكابْ
стр. 143
وليس بالمنكرَ منه الحِجا ... والبحرُ لا يُنْكَرُ منه العُبابْ
وإِنْ غدا ينسُبُ آباءَه ... خوطاً وعَتّاباً معاً أو شِهابْ
أعطته قيسٌ بعدَها خِنْدِفٌ ... بيتَ العلى السّامي وعتِْقَ النِّصابْ
من معشر تَمَّتْ تَمِيمٌ بهم ... فالأَصلُ إِمّا طابَ فالفرعُ طابْ
هم المَصالِيتُ ليومِ الوَغَى ... وطاعنو الفُرسانِ تحتَ العُقابْ
وهم لَدَى طِخْفَةَ فَلُّوا الظُّبَى ... واسترعفوا الخَطِّيَّ يومَ الكُلابْ
стр. 144
وشيَّدوا المجدَ بأسيافهمُ ... في يوم ذِي قارِ ويومَيْ أَرابْ
وَأتْأقُوا كأسَ الرَّدَى فاحتسى ... منها وقد عافَ مُراراً ذُؤابْ
لمّا تغنَّى شيخُه معلنا ... بالشِّعر كان الثُّكْلُ فيما استطابْ
يا ابنَ عليٍّ أنت فخرُ الحِجا ... وصَفْوَةُ العِلمِ الَّتي لا تُشابْ
أنت ثِمالُ الأدبِ المُقْتَنى ... ومطلعُ العلمِ الَّذي كان غابْ
وعندَك الحُكمُ السَّرِيُّ الَّذي ... لا يُمتَرى فيه ولا يُستَرابْ
стр. 145
يَرضَى به الله وبعضُ الورى ... يكرَهُهُ والحكمُ شُهْدٌ وصاب
قد اكتسبَ العملَ المرتَضَى ... والعلمَ نِعْمَ الذُّخُرُ والاكتسابْ
وفُقْتَ أهلَ العصرِ بل مَنْ مضى ... في كُلِّ فنٍّ من فنونٍ وبابْ
يَفْدِيك يا قاسمُ من يدَّعي ... مَعْ جهلِه الحُكمَ وفصلَ الخطابْ
يَدْأَبُ كي يُحْسَبَ من أهله ... وَهْوَ إِذا فُتِّشَ شَرُّ الدَّوابْ
رغِبْتُ في وُدّك إِنّي امْرُؤٌ ... لا أرتضي إلا الصَّرِيحَ اللُبابْ
يَعي مقالَ الصّدقِ سمعي ولا ... يزالُ ذا وَقْرٍ لقولِ الكُذابْ
جاءتك بِكْرُ الشّعرِ مُختالةً ... في الكَرْمِ من حَلنيِ النُّهَى والسِّخابْ
أَصِخْ سَماعاً واجْعَلَنْ مَهْرَها ... جوابَ شعرٍ منك نِعْمَ الجوابْ
والقصيدة التي للحريري في جواب قصيدة أحمد بن أبي الفتوح ولزم فيها لزوم ما لا يلزم. هي:
следующие страницы →