Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُه ... فلِمْ ثوبَ قلبي لا يَخِيطُ وقد قَدّا
وله في غلام زامر:
وزامرٍ قام قلبي في هواه على ... رِجل وبَرَّح بي ترجيلُ لِمَّتِهِ
كأنّما معه نايانِ في فَمِهِ ... نايٌ ونايٌ مُوَارَى تحتَ عِمَّتِهِ
وله في غلام رَمِد أيضاً:
قالوا غدت عينُه حمراءَ من رَمَد ... فقلتُ حاشا لها ما ذاك من أَلَمِ
بل ذاك لمّا أصابت قلبَ عاشقِها ... سِهامُها خُضِّبتْ من كَلْمه بدمِ
وله:
كالبدر في الليل البَهِيمِ إذا بدا ... والغُصنِ في وَلَع النَّسيمِ إذا مشى
ويُديرُ من غُنْج المَحاجِر مُقْلَتَيْ ... نَشْوانَ من خمر الدّلالِ قد انتشى
стр. 72
قلتُ الوصال فَدَتْك نفسي فالهوى ... قد كادَ يُتلِفُني فقالَ كما تشا
وله:
مَنَحْتُك صَفْوَ الوُدِّ إذْ نحن جِيرةٌ ... ومَوْرِدُنا في الأُنس جَمُّ الجداوِلِ
وأَمَّلْتُ ما قد كان من رُتَب العلى ... فلا تُحْدِثَنْ لي فيك زَهْوَ مُطاوِلِ
فإِنَّ الغصونَ الشّامخاتِ يُمِيلُها ... جَناها فتدنو من يد المُتَناوِلِ
وله:
عطفاً سُعادُ فقد أودى بيّ الكَمَدُ ... وخانَني صاحبايَ الصَّبْرُ والجَلَدُ
وعُدت أطلُبُ في تَيّارِ حِبّكمُ ... شريعةً أرتقي فيها فلا أَجِدُ
طَرْفِي جَنَى وفؤادي فيك تابَعَهُ ... فكيف خُصَّ بأثواب الضَّنَى الجسدُ
وله في لُزوم ما لا يلزم في التَّجنيس:
كلَّ يومٍ لا أَراكم ... هو عندي مثلُ حَوْلِ
стр. 73
فأنا المُدْنَفُ بالشَّوْ ... قِ ولا عُوّادَ حَوْلي
جُلُّ ما ألقاه فيكم ... أَنْ أُعانيهِ بحَوْلي
وله أيضاً يفضل النساء على المرد:
يا مغرماً بالمُرْد جهلاً لقد ... أسرفتَ في حبِهِّمْ واعتدَيْتْ
عندَ الحِسانِ الغِيدِ ما عندَهم ... فمِلْ إليهِنَّ وخُذْ فضلَ بَيْتْ
стр. 74
الحكيم أبو العلاء
محفوظ بن المسيحي بن عيسى النصراني النيلي الطبيب
سكن واسط وعرف بها واكتسب بالطب.
وكان عالماً فاضلاً مرضي الصنعة في مداواة المرضى مستقيم الرأي في تسقيم السقيم.
لم يزل متردداً إلي مدة إقامتي بواسط: استطبه، وأجد - بمنة الله - بطبه من الصحة ما أستحبه.
كان لهجاً بالإلغاز، ولما يسمعه من ذلك شديد الاهتزاز، وأشعاره فيه مستقيمة الصدر سليمة الأعجاز.
توفي في أوائل سنة ستين وخمس مئة، وكان قبل ذلك بأشهر قريبة نجتمع ونتذاكر ما قيل في الألغاز.
стр. 75
فمما أنشدنيه لنفسه بواسط، في عاشر شوال سنة تسع وخمسين وخمس مئة، يلغز بالعقل:
ما حاضرٌ ما يُرَى له شخصُ ... كأنّه في اختفائه لِصُّ
يُضيءُ في البيت كالسِراج وقد ... يشوبُ وقتاً ضِياءَه غَمْصُ
يَبين نقصانُه وليس له ... رُجحانُ كَمّيَّةٍ ولا نقصُ
لكنّه عادلٌ يَميلُ وما ... رأيتُ ميلاً بالعدل يختصُّ
يَهْزِمْ جيشَ الخطوب مقتدراً ... وَهْوَ يُرَى وَهُوَ عاجزٌ نكصُ
أعوانُه عِدَّةٌ ثمانيةٌ ... بهم يَتِمُّ الضَّلال والفَحصُ
فَهْوَ كَنُوحٍ في الفُلْك مستتر ... وهمْ كأَصحابه إِذا أُحْصُوا
ذكر: أن أصحاب نوح، ﵇، عِدَّتُهم ثمانية.
أَبِنْهُ يا من غدا بفِطنته ... وعلمِه للأُمور يقتصُّ
فقد كشَفْت الغطاء مجتهداً ... حتّى بدا ما ظُهورُهُ نقصُ
وأنشدني لنفسه في الإِلغاز بالرُّمَانة:
يا عالماً يستفهِمُ ... عن كلّ ما يستبهِمُ
ما حاملٌ عذراءُ لم ... تَزْنِ ولا تُتَّهَمُ
أولادُها في جوفها ... تحتَ الضُلُوعِ جُثَّمُ
стр. 76
كلٌّ لها من ربّها ... عليه ثوبٌ يُقْسَمُ
شِفاهُها كثيرةٌ ... فأَعْلَمٌ وأخرمُ
لكنْ لها فردُ فمٍ ... ورأسُها هو الفَمُ
من الجِنان أُخرجتْ ... وللجحيم تُسْلَمُ
قال: أعني بالجحيم المعدة.
وما أتت جريمةً ... إِذْ مثلُها لا يُجرِمُ
بل فضلُها عندَ الأنا ... مِ ظاهرٌ يُغْتَنَمُ
أمثالُها بينَهُمُ ... لها صفاتٌ تُعلَمُ
فالبعضُ منها حاكمٌ ... يَعْدِل فيما يحكُمُ
يعني رُمّانة القَبّان.
والبعضُ منها في الصُّدُو ... رِ جالسٌ يحتشمُ
يعني النَّهْد.
كلٌ يَرى حقوقَه ... عليه قرضاً يلزَمُ
ومن شهيرِ أمرِها ... إذْ مثلُها لا يُكتَمُ
أَنَّ بها يشفَى السَّقي ... مُ والنَّديمُ ينعَمُ
وقد كشَفْتُ سِرَّها ... وعندَ هذا أَخْتِمُ
стр. 77
وأنشدني لنفسه في المَصْمَغَة إِلغازا:
مؤنَّثةٌ مُلَمْلَمَةُ الجُنُوبِ ... لها بطنٌ مُضَمَّخَة بطِيبِ
تراها وَهْيَ لمّا تأتِ ذنباً ... معلَّقةً كمخنوقٍ صَلِيبِ
لها ذَكَرٌ يَلُوط بها جِهاراً ... ولا يَخْشَى ملاحظةَ الرَّقيبِ
يُعاقدُها فمَخْرَجُها عسيرٌ ... كزُبّ الكلبِ من بَعدِ الوُثوبِ
وأنشدني لنفسه، في كِيزان الفخار:
ما صُوَرٌ كوَّنَها رَبُّها ... من عالمَ الجِنّةِ والإِنسِ
فأَصبحتْ للإنس معشوقةً ... تُهدِي إِليهم لذّةَ النّفسِ
وفارقَتْ عالَمَ أضدادها ... راغبةً في صحبة الجِنْسِ
إِنْ بانَ فيها دَنَس أو بدا ... لها مَعابٌ ظاهر اللُبسِ
فما لَها من بَعْدِها رجعةٌ ... إلى مَقَرّ الوصلِ والأُنْسِ
فما هُمُ يا مَنْ غدا عالماً ... يَحُلُّ ما يُلْغَزُ في الطِّرْسِ
وأنشدني أيضاً لنفسه، في الناي، إلغازاً، بواسط، في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمس مئة:
ومملوكٍ رَشيقِ القَدِّ أَلْمَى ... به تلهو وتبتهجُ النُّفوسُ
стр. 78
صَمُوتٌ ناطقٌ أَرِقٌ نَؤْومٌ ... عجيبٌ شخصُه شخصٌ نفيسُ
ويوحشُ ذِكرُه رَبْعَ التّصابي ... ولولاه لمَا أنِسَ الجليسُ
له رأسٌ يخالفُ منه جسماً ... بلا رِجلٍ فقِسْ فيما تَقِيسُ
إِذا ما بانَ عنْه ظَلَّ مَيْتاً ... وإِمّا عادَ عادوه الحَسِيسُ
يَئِنُّ أَنينَ صَبٍّ مُستهامٍ ... مَشُوقٍ قد نأى عنه أَنِيسُ
وليس بذي صَبابات فيَهْوَى ... ولكنّ الهوى فيه حَبِيسُ
وله مُعَمَّى في محبوب له، اسمه سعيد، أنشدنيه لنفسه:
وذِي غُنْجٍ علِقتُ هواه بَلْوَى ... فبَلْبَلَني بطَرْفٍ بابِليِّ
له اسمٌ ضدّ حالي في هواه ... ففتِّشْه تَجِدْه بغيرِ عِيِّ
إذا أسقطتَ حرفاً منه يوماً ... فذلك يومُ أفراحٍ ورِيِّ
وإن أسقطتَ ثانيَهُ اتِّباعاً ... غدا مَوْلىً لعبدٍ أو وَلِيِّ
وإن أسقطتَ ثالثَهُ اختياراً ... يصيرُ اسماً لعبد أَرْمَنِيِّ
وإن أسقطتَ رابعَهُ اضطراراً ... أَتى نوعاً من المشي الوَحِيِّ
فإِن تَكُ دَاحِجاً وأخا أَحاجٍ ... ففسِّرْ يا أخا القلب الذَّكيِّ
стр. 79
وأنشدني له في اسم كمال:
مالِكُ رِقَي في هواه له ... من اسمه في البيت منظومُ
تَهَجَّهُ واجعَلْ له أوّلاً ... آخِرَهُ فالاسمُ مفهومُ
وكان له عندي رسم يصل إليه في كل سنة، من الحنطة. فكتب إلي يلغز بها ويطلب الرسم:
عمادَ الدِّينِ دعوةَ مستفيدٍ ... لأَنّك كاشفٌ عن كلّ رَيْنِ
فما صفراءُ كالذَّهب المصفَّى ... ولون لُبُابِها لونُ اللُجَيْنِ
محبَّبَةٌ إلى الأرواح طُرّاً ... بها تَقْوَى النُّفوسُ بغير مَيْنِ
لها اسمٌ نِصفُه شعب قديم ... كما زعَموا من إحدى الأُمِّتَيْنِ
ونِصفٌ جَاءَ في القرآن نصّاً ... لأوّل سورةٍ بقراءَتَيْنِ
لها وقتٌ تُداسُ بكلّ رجل ... ووقتٌ فيه تُرْفَع باليَدَيْنِ
أَجِبْ عنها وُخُذْ بالرَّسم منها ... وقاكَ الله آفةَ كلِّ عينِ
وكنت نظمت كُوز الفُقَاع قطعةً لُغزاً وأنشدتها إيّاه، فأثبتها، ثمَّ حضر بجوابها.
والأبيات التي هي لي:
ما صورةٌ ما مثلُها صُورَهْ ... كأنَّها في العمق مطمورَهْ
стр. 80
تُمطِرُ للَّريّ ومَنْ ذا رأى ... مطمورةً للرّيّ ممطورَهْ
منكوحةٌ ما لم تَضَعْ حملَها ... مسدودةُ الأنفاسِ محصورَهْ
محرورةُ القلبِ ولكنّها ... مضروبةٌ بالبَرْد مقرورَهْ
كأنّما النّارُ بأحشائها ... على اشتداد البردِ مسجورَهْ
تَظَلُّ مُلْقاةً على رأسها ... خمّارة تُحْسَبُ مخمورَهْ
مُعارة الهامةِ من غيرها ... قصيرة القامةِ ممكورَهْ
كأنّها رأس بلا جُثَّةٍ ... موصولة إن شئت مبتورَهْ
كهامة صَلْعاءَ محلوقةٍ ... ما استعملت مُوسَى ولا نُورَهْ
زامرة في فمها زمرها ... وَهنيَ بغير الزَّمْرِ مشهورَهْ
دَوّارة إِن أنت أرسَلْتَها ... مهتوكة الأستار مستورَهْ
مَنْ فَضَّها تبصُقُ في وجهه ... كأنّها بالفُحش مأمورَهْ
تُورِث تعبيساً لمن باسَها ... وَهْيَ على ذلك مشكوره
معسولة رِيقتُها مُزَّةٌ ... وَهْيَ على اللَّذَّة مقصورَهَ
وَهْيَ على ما هيَ في إِثْرِهِ ... مُرْسَلةٌ بالهَضْم منصورَهْ
إِن عُقِلت قَرَّت وإِنْ أُنشِطت ... فَرَّتْ وثارت مثلَ مذعورَهْ
كم عسلٍ ذاقت وكم سُكَّرٍ ... وأنعُمٍ ليست بمكفورَهْ
ملمومة من صخرة صَلْدَة ... فاجرة بالماء مفجورَهْ
من الصَّفا جسمٌ ولكنْ ترى ... على صَفاء الماء تامُورَهْ
فيا حليفَ المأثُراتِ الَّتي ... أضحت لأهل الفضل مشهورَهْ
انعمْ وعجِّلْ حَلَّ إشكالِها ... فَهْيَ لَدى فضلِك مأسورَهْ
وجواب الحكيم النيلي عنها، أنشدنيه لنفسه:
يا ذا الَّذي أعربَ إِلْغازُهُ ... عن فطنة بالعلم معمورَهْ
إِنَّ التّي أطنبتَ في وصفها ... حتّى اغتدت في النّاس مشهورَهْ
صغيرةُ الجُثَّةِ دَحْداحةٌ ... باردةُ المَلْمَسِ محرورَهْ
تعذّبتْ في النّار حتى إِذا ... ماتت غدت في الثَّلْج مقبورَهْ
مجبوبةُ المَخْرَجِ لكنّها ... منكوحةٌ ليست بمستورَهْ
إِنْ فَضَّها النّاكحُ مقهورةً ... فاضت بماءٍ فيضَ ممخورَهْ
أو بصَقَتْ في وجه مُفْتَضِّها ... فإِنّها في ذاك معذورَهْ
لأنَّها تسقيهِ خمراً بها ... يحلِّلُ المخمورُ تخميرَهْ
ويُصبِحُ الشَّبْعانُ ذا شهوةٍ ... كلبيَّةٍ بالجوع مذكورَهْ
صورتُه تحكي إذا قِسْتَها ... مَصْمَغَةً بالصَّمْغ مأسورَهْ
стр. 81
فهذه من طينة صُوِّرَتْ ... وفي لَهيب النّار مسجورَهْ
وتلك من جَوْهرةٍ صَلْدَةٍ ... مذابة بالماء مقهورَهْ
فخُذْ جوابي مُلْغَزاً مثلَما ... أَلْغَزْتُه في هذه الصُّورَهْ
وَهْيَ لمَنْ يُؤْثِرُ كشفي بها ... فُقَاعةُ الفُقَاعِ محبورَهْ
стр. 82
شمس المعالي أبو الفضائل
محمد بن الحسين بن تركان
من أكابر أهل واسط.
كان حاجب الوزير عون الدين والوزير يصدر عن رأيه، ويأخذ بقوله، ويعتمد عليه في جميع أنحائه.
وكان حسن الشمائل، جامعاً للفضائل، ظريفاً لطيفاً، سيداً، متودداً، تليق الرئاسة بأعطافه، ويقطر ماء الظرف من أطرافه.
وله نظم يناسبه رقة. وكان ينشدني كثيراً منه، وأنا استحسنه، وبذلك أنشطه.
وكانت سعادته بسعادة الوزير منوطة، وحياته بحياته محوطة. فلما
стр. 83
توفي الوزير أخذ، والقضاء فيه نفذ، وبالضرب في الحبس وقذ. وذلك في سنة ستين وخمس مئة.
وله طردية مليحة، شذت عني أبياتها، وفاتني إثباتها.
وما أثبت له، قطعة في الإلغاز بالخيش في أولها وبالكانون في آخرها. وهي مما أنشدنيه لنفسه:
قلبي رَهينٌ عندَ محبوسةٍ ... مُبْغَضَةٍ نافحةِ الرّائِحَهْ
عاقلةٍ معقولةٍ في الهوا ... غاديةٍ في سيرها رائحَهْ
سَحْاحةٍ تَهْطِلُ في قيظنا ... عاديةٍ في حالها سارِحَهْ
يابسةٍ في جوّها رطبةٍ ... نائية عن بَحْرها سابحَهْ
تبعُدُ إِنْ أدنيتَها للهوا ... منقادة في خَطْمها جامِحَهْ
تقسو ولا تجري لها دمعةٌ ... وإن غدَتْ أدمعُها سافِحَهْ
إن كتَمَ العُشّاقُ أَسرارَهم ... فَهْيَ بها إِنْ فَطِنُوا بائِحَهْ
واقعة طائرة في الهَوا ... جَناحُها منها بلا جانِحَهْ
بِكر غدت تنكحُ أزواجَها ... فيا لَها من أَيِّمٍ ناكحَهْ
стр. 84
قريبة تبعدها للنَّوَى ... إنْ قُرَبِت ضَرَّتُها النّازِحَهْ
جَمَعَتا برداً وحراً معاً ... نَحيا بها باردةً لافِحَهْ
فهذه شمطاءُ مُفْتَرَّةٌ ... وهذه مُسْوَدَّة كالِحَهْ
أنفاسُ ذي راكدةٌ تنقضي ... وهذهِ أنفاسُها نازِحَهْ
مُضِرَّة نافعة للورى ... فاسدة في فعلها صالِحَهْ
وشعره: أصح مزاجاً وأوضح منهاجاً، من هذا. لكنه نكب أيضاً بكونه ما كتب. وما رأيت الإضراب عنه، فإنه كان بلا ضريب، عنده أرب كل أريب.
стр. 85
الطيب وقُرْقُوب وأعمالهما
стр. 86
أبو عبد الله القرقوبي
محمد بن محمود بن الحسين بن محمد، بن حامد، بن الحسن، ابن مواهب، بن يوسف، الخطيب بقرقوب. وهي بلدة قريبة من الطيب.
شاعر، فاضل، حسن الشعر.
ورد بغداد على ما ذكره ابن ناصر المحدث سنة تسع وخمس مئة.
قال: سمعت أبا عبد الله، محمد بن محمود، القرقوبي يقول: سألني الشيوخ إجازة بيت الشبلي، رحمه الله تعالى، هو:
стр. 87
بأيّ نواحي الأرضِ أبْغي وِصالكم ... وأنتم ملوكٌ ما لمقصِدكم سُبْلُ
قال: فقلت مجيزاً:
إذا لم يكن وصلٌ يقرّبُ منكُمْ ... ولا منكُمُ تأتي إِلينا لكم رُسْلُ
فنَصبِر حتّى يستلينَ حجابكُم ... فيَدْرَأَ عنه جورَ هجرِكم الوصلُ
فما قَرَع الصَّبّارُ بابَ لُبانةٍ ... إليكم وإلا دُونَهُ انفتح القُفْلُ
وإلا علاه من سوابغٍ ظِلّكم ... نَسيمٌ له في كلّ مَكْرُمَةٍ فعلُ
أيقنَطُ من إحسانكم عبدُ مثلِكم ... وأنتم ملوكٌ في الوَرَى دَأْبُها الفضلُ
فإِن لم يكن أهلاً لمِا رامَ عبدُكم ... لَدَيْكم من النُّعْمَى فأنتم له أهلُ
ألا حِققوا المظنونَ فيكم وصدِّقُوا ... فأكثرُ ظنّي أنْ سيتَّصِلُ الحبلُ
стр. 88
ابن بكران المتُّوثِّي
أبو عبد الله، محمد بن موسى بن بكران.
من متوث. وهي قريبة من الطبيب.
له من قطعة:
أفي كلّ يومٍ عزمةٌ ورحيلُ ... ورُوحٌ بفقد الظّاعنين تَسِيلُ
أقول لنفسي عاوِديٍ الصَّبرَ في الهوى ... فصبرُ الفتى في الحادثات جميلُ
стр. 89
جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن هبة الله
ابن خذداذ
البادرائي المولد والوالد الغزنوي الأصل شاب فاضل أديب أريب فقيه نبيه نبيل جليل.
تصاحبنا في خدمة الوزير ابن هبيرة، ووجدنا الخيرة، وعدِمنا الحيرة.
стр. 90
وتولى أعماله مع مقامه في بيت من المدرسة، ولم يزل لهجاً باستفادة العلوم المقتبسة.
وهو من تلامذة شيخي شرف الدين، يوسف، الدمشقي، ﵀، في الفقه.
حسن السمت، متكلف للصمت وضيء الوجه.
ولما توفي الوزير، اعتقل أشهراً بالديوان، مثلي، وخلي سبيله قبلي، وتنقلت به الأحوال، إلى أن عدم في الأشغال، الأكفاء والأمثال، فولاه أمير المؤمنين المستنجد صاحب الخبر مع حاجب الباب، ومزجت له حلاوة الشهد بمرارة الصاب.
ومن جملة غلطاته في مكاتباته: أن أمير المؤمنين أمر بضرب بعض النصارى، لذنب اجترحه واجترمه، وذنب اقترفه وقدمه، فكتب في مطالعته: عوقب وعوتب. يعني: أنه لم يوجع ضرباً، ولم يرع سرباً، فإنه من كتاب السيدة. فلما وقف الإمام على هذا التجنيس غاظه، وكرر مراراً - على سبيل الاستثقال - ألفاظه، وخرج توقيعه بضربه، فضرب ورد إلى مكانه في ولايته وما نكب.
стр. 91
ولما انتقل المستنجد إلى روض الرضوان، وغرف الغفران، أخذ غلطاً وحبس شططاً ولقي من الرعاع سُطاً، حتى استقر الوزير عضد الدين، بن المظفر في دسته، فسأل عنه في وقته، فأخبر بحديث حادثته، فأبدى الغفلة عن عقلته، وأعاده إلى شغله محترماً، وولاه ممكناً مكرماً. فأصحى جوًّه بعد الغيم، وصحا دهره من سكرة الغم، وصحَّ حظه غب السقم، وأصحب زمانه بعد جموح خطبه الملم.
وآخر العهد بكتابه إلي في سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.
وقد أوردت من شعره قصيدة، سمعته ينشدها الوزير عون الدين ابن هبيرة - وأنا حاضر - وكتبها لي بخطه. وهي:
ولمّا بدا رَبْعُ الأًَحِبَّة بالِلوَى ... وقد جَدَّ جَدُّ الرَّكْبِ قلت لهم قِفُوا
قِفُوا نُرِحِ الأَنضاءَ أُبدي تعطّفاً ... عليها وما مِنِّي عليها تعطُّفُ
وإِنَّ بوُدِّي لو تُعرقَبُ سُوقُها ... لتمكُثَ حيناً بالِلوَى وتُحذَّفُ
стр. 92
أُحاولُ كِتْمانَ الهوى ومدامعي ... تَفيضُ فتُبدي ما أُجِنُّ وتَكشِفُ
وما بي بذاك الرَّبْعِ ظَبْيٌ كأنّما ... تسنَّمَ حِقفاً منه غصنٌ مُهَفْهَفُ
غزالٌ على صيدِ الضَّراغمِ قادرٌ ... ويَعْجِزُ عن حَمل الوِشاحِ ويَضْعُفُ
تَصدَّى لقتلي بالقِلَى عامداً فما ... أُصادفُه إِلا يصُدُّ ويَصْدِفُ
وغِيد يَلينُ الصَّخرُ دُونَ قلوبِها ... وأجسامُها من رقَة الماء ألْطَفُ
كأنَّ فؤادي يومَ بنْتُمْ حمامةٌ ... تَصدَّرَ عنها أجدلٌ متغطرفُ
كأّنِّي فَعْولُنْ في الطَّويل ومُهْجَتي ... بكَفّ الأَسَى كالنُّونِ بالكَفّ تزحَفُ
وها أنا مُعْتَلُّ الثُّلاثيّ والضَّنَى ... من النَّحوْ تصريفٌ به يتصرَّفُ
стр. 93
وقد كنتُ تأسيساً فيا ليتَ أنّني ... دَخيلٌ إذا عَلَّتْ قَوافٍ وأحرُفُ
بَلِيتُ سِوَى اسمي في هواكم كزائد ... مع اللفظ يبدو وهو في النَّعْت يُحذَفُ
أينفَعُكم ما ضَرَّني من صدودكم ... سؤالٌ عليكم واردٌ لا يُزَيَّفُ
أَلائِمُ خَلِّ اللومَ عنك إلى متى ... توبّخُني في حبّهم وتُعَنِّفُ
فقد شاع في الأَحكام تقييدُ مُطْلَقٍ ... وفي حَلّ قيدِ العاشقينَ تعسُّفُ
إذا قال واشٍ قد سَلا فتيَقَّنُوا ... هنالك أَنّي مغرمُ القلبِ مُدْنَفُ
أَذِلُّ لكم في الحبّ ذُلاً مكانُه ... على غيركم واللهُ يَدْرِي تَعَجْرُفُ
ويُؤيسُني هِجرانُكم ثُمَّ إِنَّني ... أُعَلِّلُ قلبي بالمُنَى وأُسَوِّفُ
стр. 94
وأُعسِرُ من صبري فأثْرِي تجلُّداً ... كما يَسَّرَ الإِملاقَ منّي التَّعَفُّفُ
وإِنْ نالَ منّي الفقرُ أو نالني الغِنَى ... فقد يَكْهَمُ الهِنْدِيُّ والبدرُ يَخِسِفُ
وكيفَ ولي من نائلِ ابنِ محمّدٍ ... عطايا إذا ما أخلفَ الغيثُ يُخْلِفُ
وَقُورٌ إذا خفَّت حلومُ ذوي النُّهَى ... وكادَ بريحِ الطَّيْشِ ثَهْلانُ يُنْسَفُ
جوادٌ يُشِتُّ المالَ سَيْبُ يمينهِ ... وَأسيافُه بينَ المَنُونِ تؤلِّفُ
يُبيد العِدى والبِشرُ بادٍ لوَفْده ... فيَنْهَلُّ والخَطِّيُّ بالدّم يَرْعُفُ
بنائِله أموالُه وعِداتُه ... بذابِله في السَّلْم والحرب تُخطَفُ
стр. 95
نَدىً ووَغىً هانا عليه فلم يُبَلْ ... أَعَشْرٌ تُجَزَّا أم ألوفٌ تُضَعَّفُ
فلا تطلُبَنْ إدراكَ شَأْوِك عُصبةٌ ... سبَقْتَ إلى العلياء لمّا تخلَّفُوا
بكم حاوَلُوا أن يَكْلَفُوا فتكلَّفُوا ... ولم يقدِرُوا أَنْ يُسعِفُوا فتعسَّفُوا
فهل مُبْلِغٌ منّي إليهم وإِنَّني ... لأَنصَحُهم فيما أقولُ وأنصفُ
كفاكم من العلياء يا قومُ علمُكم ... بتقصيركم عن نيلها فبِذا اكتفُوا
دَعُوها لِعَوْنِ الدينِ يحيى فإِنّه ... بها منكمُ أَولى وَأحرى وأعرفُ
إذا هيَ ضاقت بالوفود مَفاوِزُ الْ ... فَلا فلهم من صدرك الرَّحْبِ نَفْنَفُ
وإن أَوْحَشتْ للرَّكْب هَوْجاءُ هَوْجلٍ ... فنارُك للسّارينَ أُنسٌ ومألَفُ
стр. 96
وإِنّك قَيْسُ الرَّأيِ في الجود حاتِمٌ ... وإنّك عَمْرو البأس في الحِلْم أَحنَفُ
كما هذَّبَ الأخلاقَ منك محمَّد ... بأخلاقه حَلاك بالحُسن يُوسُفُ
تشرّف من آل الهُبَيْرِيّ سادة ... بِيحيى بهم كلُّ الأنامِ مشرَّفُ
دعاء مُوالٍ مخلصِ الوُدّ مالَه ... إلى غيركم في العالمينَ تَشَوُّفُ
فأنتم رفَعتم طَرْفَه بعدَ خَفْضِهِ ... وقد نَيَّمُوه والقَذَى فيه مُسْدِفُ
وعَرَّفتُمُ ما كان منه منكَّراً ... فلولاكمُ ما كان في النّاس يُعرَفُ
стр. 97
وهل رَدَّ عنه النّائباتِ سِواكمُ ... غَداةَ التْقاها وَهوَ أعزلُ أَكشفُ
وأجريتُم الماءَ الرَّواءَ لِعُودِه ... فعادَ وَرِيقاً بعدَ أَنْ كان يجففُ
فما هو إلا من غُروسكم الّتي ... لها من أَياديكم ربيعٌ وصَيِّفُ
стр. 98
بنو أبي الجبر الليثيون ملوك البطائح
وأعيانها بالغراف وما يجري معها أسفل واسط
стр. 99
مهذب الدولة
أحمد بن محمد بن أبي الجبر ملك البطيحة
أمير مهذب سعيد، كبير محجب سديد، مهيب كأنه لهيب، قريب كأنه غريب. برٌ للبر مقصود، وبحر من البحر والبر مورود. سمح أحسن، وسبع أعبس. سناه آنس، حين بنى البَطيحة وأسس. مجده باذخ وركنه شامخ.
كان في عصر سيف الدولة، صدقة، وجرت بينهما مناوشة فيها صدقه، وحبسه سيف الدولة واعتقله، على مال كثير لأجله ثقله، وإلى السجن نقله. فقيل: كان مبلغه أربعين ألف دينار.
أنشدت له بواسط، أبياتاً كتبها إلى صدقة فوهبها له، وأطلقه. وهي:
سَلْ بقومي في الجاهليّةِ والإِس ... لامِ يُخْبِرْك مجدُهم والعَلاءُ
من غِفار وضَمْرَة وفِراس ... زعماءٌ أَشِدَّةٌ حُلَماءُ
стр. 100
وإذا قلتُ يا لَلَيْثٍ أجابت ... ني قُرَيْشٌ وزَمْزَمٌ والصَّفاءُ
ومِنَى والحَطِيمُ والحِجْرُ والبي ... تُ وحَسْبي ما ضَمَّتِ البَطْحاءُ
ومتى شِمتُ من خُزَيْمَةَ برقاً ... أَسَدِيّاً يَنْهَلُّ منه الحَياءُ
مَزْيَدِياً عليه من سِمَة المُلْ ... كِ وَقارٌ وعزَّةٌ وبهاءً
стр. 101
مَن أبوه الجَوادُ منصورٌ القَيْ ... لُ فتىً لا تَهُولُهُ الأَعداءُ
مستقلٌ وناهضٌ بالمَعالي ... هِمَّةٌ دُونَ كُنْهِها الجَوْزاءُ
كشَفت عن قِناعها لك بَغْدا ... دٌ وَأعطتك واسطٌ ما تَشاءُ
وعَطَتْ جِيدَها إليك من الشَّوْ ... قِ حَنانَيْكَ البصرةُ الفيحاءُ
لستُ أَغترُّ بالزَّمان مَدَى العُم ... رِ ومن أينَ للزَّمانِ وَفاءُ
فبُردُ شعر المهذب مذهب ولفظه فيه مرتل مرتب، ونسج نظمه بالفخر مفوف، ونظم جنسه بالسمو مؤلف. فكيف ينظم الدر في سلكه، إذا تمكن من مُلكه ومِلْكه؟ وله قرأته في مجموع:
سأَطْرِفُ عنكُمُ طَرْفِي ... وَأنفُضُ منكُمُ كفّي
وَأهجُرُكم ولو أَنِّي ... لَقِيتُ بهَجْركم حَتْفي
стр. 102
وما أُبْديهِ من مَلَل ... فضِعفاهُ الذِّي أُخفي
وقد طَلَّقتكم ألفاً ... على التَّحقيق في أَلْفِ
وله أيضاً:
دهريَ بالحادثات يرشُقُني ... حتّى كأنِّي لنَبْلهِ هَدَفُ
ما أنعمَ الجاهلَ الغبيِّ وما ... أشقى رِجالاً بالفضل قد عُرِفُوا
стр. 103
ناصر الدولة
المظفر حماد بن أبي الجبر ملك البطيحة في زماننا
الحيا المنهل، والمحيا السهل، ذو الشيبة المنيرة، والهيبة المبيرة، والهمة الأبية.
كان للخائف ملاذاً وفي المخاوف معاذاً. فكل من يخشى من الخليفة والسلطان، يجد عنده المن والمنى والأمان، فلا يقدر عليه ولا يساء إليه، حتى قال بعض الواسطيين في هذا المعنى:
كلُّ مَنْ وَلَّتْ سعادتُه ... فإِلى الغَرّافِ ينحدرُ
وترى الغَرّافَ عن كَثَب ... عبرةً يأتي بها الخبرُ
قال لي الشاهد، هبة الله، بن سلمان، الواسطيُّ: هذا الشعر، لي من جملة أبيات نظمتها.
стр. 104
قرب حماد لابن حَماد، كهف وراد ورواد. ما ينحدر أحد إليه، إلا أنعم عليه، وحظي لديه.
فالجود على الحقيقة مات بموته، والكرم في العراق، بين الخليقة فات بفوته.
كان أباً للأيتام مربياً، وبراً بمستحقي البر على الأبرار مبراً مربياً، يتصدق وينفق، وسوق المعالي عنده تنفق.
قد كانت بلاد البطائح، محترمة به كالأباطح، أحصن من الحصون، والبلد المصون.
كانت أيامه غرراً في الغراف مجمع الأفاضل والأشراف.
وافاه الحِمام في الحَمّام، وذبح ولا ذَبْحَ فراخ الحَمام. وثب عليه بعض أحفاد المهذب بن أبي الجبر، ليغلب على بيته على سبيل القهر والجبر، فدخل إليه الحمّامَ، واستحلَّ دمه الحرام، ولم يتمكن مما أراد، لكن خرب بقتله البلاد، وذلك في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
стр. 105
أنشدني المخلص، أبو النجم، بن عمارة، الواسطي بها، لناصر الدولة مظفر بن حماد، كتبه إلى نصر بن مهذب الدولة:
أخي وابنَ خالي ما الَّذي كان بينَنا ... من الأمر حتّى صِرتَ تَنْفِرُ من قُربي
ولو أَتَّنِي يا نصرُ رامَتْ جَوانحي ... إساءةً فعلٍ فيك حارَبَها قلبي
حُكي لي: أن هذا نصرا ملك البطيحة بعد أبيه، ففتك به ابن حماد واستولى على الملك. وملوك البطائح لم يزالوا يملكون بالقتل والفتك.
стр. 106
الصارم مرجى بن بتاه البطائحي
خال مهذب الدولة، بن أبي الجبر.
من فحول الشعراء، وأعيان الفضلاء. غير أنه كان هجاءً، على الثلب هجاماً لا يرى عن الهجاء البتة إحجاماً. فلسان الصارم صارم، مصاول مصادم. قريضه كالمقراض في قطع الأعراض بما له من الأغراض. وكلمه كلم، والحرب في نظره سلم، وثلبه ثلم. لا يثلب إلا كبيراً، ولا يثلم إلا سريراً. فكم أجرم مرجى، ومزح في هجو مرجى حين هجا، حتى هجا ولده وامرأته وخاله وأجرى على هذا النمط عمره حاله.
وجه هجوٍ، أحب إليه من وجه حسن حلو. فكم صاد بفخ سخفه حباء، ونال بإثارة رهج هجر نوالاً وعطاء.
وكان هذا ابن بتاه بتاتاً لحبال ذوي الحباء، مقاتاً للكرماء، أجهل
стр. 107
هجاءٍ للكبراء، وأضرك راضٍ بضراء. لكنه رأى في زمانه، مع أقرانه، سلوك تلك الطريقة أقرب إلى الحقيقة. وكان بعد في الناس بقية، ومن له على عرضه حمية فيقطع لسان الشاعر بإحسانه، ويكف غرب لسانه.
ولو عاش إلى هذا العصر، لرأى للأغنياء راية النصر. فكل جعل عرضه دون العرض لسهم الثلب غرضاً، (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً) . لا يعدون ذا الفضل إلا ذا كدية، ولا يردون طالب شيء منهم لو قدروا إلا بمدية.
فليل الظلم مظلم لا صباح له، وطائر العدل مقصوص لا جناح له. فأين البطائحي لينبط القرح، وينظر من يستحق المدح؟ فقد كان ناقداً بصيراً بالنقد، حلالاً للعقد.
أمر بقتله ابن حماد لما هجاه. وكان في قرية في قرى، فجاءه بعض الأجلاف فطعن بحربته قراه، فأرداه.
стр. 108
له لما قتل سيف الدولة صدقة سنة إحدى وخمس مئة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت، بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية، أنشأ مرجى قصيدة، منها:
لقد سَنَّ للسُّلطان ثابتُ سُنَّةً ... فلا يأمَنِ السُّلطانَ زيدٌ ولا عمرو
مُوافقةَ النُّظَارِ والكشفَ عنهمُ ... ولو كان ممّن لا يَصِحّ له العُشْرُ
وقد كثُرَ الإقطاعُ حتّى أظُنُّه ... سيُقطَعُ كلبٌ بالجَزِيرة أو هِرُّ
ثلاثونَ ألفاً للبَشِيرِيّ وحدَه ... فدَعْ عنك ممّن لا يجوزُ له ذكرُ
وعشرون ألفاً أُقطعت نرجسيّةٌ ... كثيرٌ لها ألفٌ ولو أَنَّها بَعْرُ
ولولا سَفاهُ الرَّأيِ كان عليهِمُ ... من الغَنَم الأعشارُ والصُّوف والشَّعرُ
стр. 109
وما كان اسياكيلُ يَرْكَبُ خَلفَه ... جِيادَ البَراذينِ البَشِيريَّةُ الحُمْرُ
ويركَبُ سلاّر أخوه بدهره ... ومِن خلفه فهدٌ وقُدّامَهُ صَقْرُ
ورُمحانِ مدهونانِ يَخْفِقُ فوقَها ... عُقابانِ مكتوبٌ على وجهه نَصْرُ
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيتُهُ ... أقد جُنَّ أسياكيلُ أم خَرِف الدّهرُ
سلامٌ على مال العِراقِ فإِنَّه ... مضى حيثُ لا نفعٌ لذاك ولا ضُرُّ
فشَطْرٌ لأتراك ومن دونِها النَّهْرُ ... وشَطْرٌ لأكرادٍ ومن شأنِها الغدرُ
وشَطْرٌ لكُتَابٍ وما فيهِمُ صدرُ ... وشَطْرٌ لحُجّابٍ وما بِهمُ فخرُ
وشَطْرٌ لِصبيانٍ يتامى ونِسوةٍ ... أَيامى وما في برِّ أكثرِهم أجرُ
وفي هِيتَ والأَنْبارِ للنّاس عِبْرَةٌ ... إذا أبصروا يُمْناً كما انكسف البدرُ
стр. 110
كانَّ غُراباً فوقَ أعوادِ سَرْحَة ... لكَ الخيرُ إِن لاقيتَهُ وله الشَّرُّ
كأَنَّ عليه حُلَّةً من إِهابه ... وقد طُلِيت بالقار أو مَسَّها الحِبرُ
ومنها يذكر خوفه ممن هجاهم:
إذا ما عبَرْتُ النَّهرَ يوماً وأصبحت ... تَخِبُّ بيَ الجُرْدُ المُحَجَّلَةُ الغُرُّ
فأدنَى بلادِ اللهِ منها وإِنْ نأت ... وأكثرُها عدلاً وآمَنُها مِصْرُ
هنالك لا أخشى عظيماً هجوتُه ... وتُكتَمُ أشعاري كما يُكتَمُ السِّرُّ
فيُقِنعُني أَنْ لا أرى مَنْ أَخافُهُ ... بِمِصْرَ على نفسي وإِنْ ظهَر الشِّعرُ
وله بيتان، أنشدنيهما مجد العرب العامري في هجو ثلاثة من الكبراء، وهما:
следующие страницы →