Полный текст (657 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
اللقطة ذوي عدل وَلا يكتم وَلا يغيب.
وإذا جَاءَ من يخبر بصفتها وجب دفعها إليه للثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «إن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه» .
والعفاص الوكاء والطرف التي تكون فِيهِ النفقة، والوكاء: الخيط الذي يشد به.
وإذا أخذ المرء اللقطة ليحفظها عَلَى ربها فضاعت فلا ضمان عليه، وإن أخرها ليذهب بها فضاعت ضمن، وَلا يجوز أخذ ضالة الإبل أين وجدها من الأرض، وكذلك ضالة البقر، فأما ضالة الغنم توجد بالبراري فمباح أخذها، وليس لَهُ أن يأخذ مَا يجد بالقرى منها، لأنه سبق قول النَّبِيّ ﷺ : «لك أو لأخيك أو للذئب» .
دليل عَلَى أن الذي أبيح من أخذها، مَا يوجد حيث تكون الذئاب.
وإذا وجد رجل ضالة أو التقط لقطة فجاء بها إِلَى صاحبها، وطلب جعلا فلا شيء لَهُ كَانَ الواجد ممن يعرف بطلب الضوال أو لم يكن كذلك.
وإذا وجد رجل عنبرًا عَلَى ساحل البحر أخذها وَلا شيء عليه فيها
стр. 352
كتاب اللقيط
حر عند عوام أهل العلم وحكمه حكم المسلمين إذا وجد فِي بلاد الإسلام، وليس عَلَى الذي وجد اللقيط نفقته، فإن أنفق عليه بغير أمر حاكم فهو متطوع وَلا شيء لَهُ، وإن أنفق عليه بأمر الإمام ففي قول: الثَّوْرِيّ، والشافعي، والكوفي، يلزم ذَلِكَ اللقيط إذا بلغ وكانت النفقة بالمعروف.
وإذا كَانَ اللقيط حيث لا إمام فِيهِ وجب عَلَى المسلمين إحياؤه، فإذا أحيوه لم يرجعوا عليه بشيء منه، فإذا ادعى الذي التقطه أنه ابنه لحق به، ولو ادعت امرأة أن اللقيط ابنها لم يقبل قولها فِي قول: الثَّوْرِيّ، والشافعي، والكوفي، وإذا ادعى الذي وجده أنه عبده لم يقبل منه قوله لأن اللقيط حر.
وإذا قتل اللقيط فأمره إِلَى الإمام إن شاء قتل قاتله، وإن شاء أخذ ديته ووضعه فِي بيت المال، لأن السلطان ولي من لا ولي لَهُ، وإذا قتل اللقيط خطأ، فعلى عاقلة القاتل دية توضع فِي بيت المال.
وإذا مات اللقيط قبل أن يبلغ فميراثه فِي بيت مال المسلمين يصرفه الإمام حيث يجب، فإن بلغ ونكح وولد لَهُ ثم مات، فميراثه بين ورثته عَلَى فرائض اللَّه، وإذا وجد مَعَهُ مال فهو لَهُ.
стр. 353
باب أحكام الإباق
١٣٦ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فِي الدُّنْيَا، كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ»
فمن معونة المسلم أخاه المسلم حفظ عبيده عليه، وما خاف عليه أن يضيع من أمواله، وإذا كَانَ ذَلِكَ واجبًا عليه فلا جعل لَهُ فيما يجب عليه أن يقوم به.
وإذا قَالَ الرجل: من جَاءَ بعبد فلان الآبق فله دينار، فجاء به رجل فله دينار، وإذا أخذ عبدًا آبقًا ليرده إِلَى مولاه فهو متطوع، وَلا يرجع عليه بشيء.
وإذا أعتق الرجل عبده الآبق وقع عليه العتق، وإذا جنى العبد الآبق أو جني عليه أو قذف أو زنى أو سرق أو شرب الخمر حكم عليه فِي جميع مَا ذكرناه كالحكم عَلَى من ليس بآبق.
стр. 354
كتاب الوصايا
١٣٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ نَافِعًا، حَدَّثَهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»
والوصية غير واجبة إلا عَلَى رجل عليه دين أو قبله أمانة، فإن عَلَى من كَانَ عنده مال لقوم أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه، لأن اللَّه قد أوجب أداء الأمانات
стр. 355
إِلَى أهلها.
وفي قوله فِي حديث حماد بن زيد: لَهُ شيء يريد أن يوصي فِيهِ دليل عَلَى أن الوصية غير لازمة إذ لو كانت واجبة لم يجعل ذَلِكَ إِلَى إرادة الموصي، والوصية جائزة للقرابة ولغير القرابة، والوصية للوارث لا تجوز، لا اختلاف فِي ذَلِكَ أعلمه.
وإذا استأذن الرجل ورثته فِي مرضه أن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لوارث فأذنوا لَهُ، ثم رجعوا بعد موته لم يلزمهم ذَلِكَ، لأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه، وإن أجازوا ذَلِكَ بعد وفاته فهو لازم لهم.
ويستحب إذا أوصى المرء أن ينقص من الثلث شيئا لقول النَّبِيّ ﷺ : «الثلث والثلث كثير» .
ويستحب أن يدع
стр. 356
المرء ورثته أغنياء لقول النَّبِيّ ﷺ : «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» .
وإذا أوصى الرجل لقرابته فالقرابة من قبل الأب والأم سواء، يعطون عَلَى رءوسهم، لا يفضل الذكر عَلَى الأنثى، لأنهم أعطوا باسم القرابة، وإذا أوصى لعصبته، فالعصبة من قبل الأب وَلا يكونون من قبل الأم، وإذا قَالَ: ثلث مالي لبني فلان فليس لمواليهم شيء، وإذا أوصى الرجل بزكاة ماله وعليه حجة الإسلام أخرج ذَلِكَ من رأس ماله.
وإذا أعتق الرجل فِي مرضه الذي مات فِيهِ كَانَ من ثلث ماله يبدى عَلَى الوصايا، وإذا أوصى بعتق رقبة بعينها من رقيقه، وأوصى لناس شتى كَانَ ذَلِكَ كله من الثلث، وإذا أعتق فِي مرضه ستة مملوكين لَهُ، لا مال لَهُ غيرهم وجب أن يقرع بينهم إذا كانت قيمتهم سواء فيعتق منهم اثنين بالقرعة ويرق سائرهم.
وإذا أوصى الرجل بوصية ثم أوصى بوصية أخرى نفذت جميعًا إذا خرجتا من الثلث، وإن لم يخرج ذَلِكَ كله من الثلث تحاصوا جميعًا فِي الثلث إلا أن يكون فِي الوصية الثانية دلالة عَلَى رجوعه عن الوصية الأولى.
وإقرار الرجل جائز فِي مرضه للوارث ولغيره، والوصية جائزة إِلَى الأحرار البالغين من الرجال والنساء، وَلا تجوز الوصية إِلَى الذمي وَلا إِلَى السفيه، وتجوز وصية الذمي إِلَى المسلم، وتجوز وصية المحجور عليه، والصبي الذي لم يبلغ إذا أصابا الحق فِي ثلث أموالهما، روينا إجازة وصية الصبي عن عمر بن الْخَطَّابِ، ويجوز أن يوصي الذمي للمسلم بما يجوز للمسلم ملكه،
стр. 357
وللرجل أن يرجع فِي جميع وصاياه العتق وغيره، وله أن يرجع فِي التدبير.
وإذا أوصى الرجل لرجل بالوصية فلم يقبلها فهي ترجع إِلَى ورثة الموصي، وليس للوصي أن يوصي بما أوصي به إليه إِلَى غيره إلا أن يكون الموصي جعل ذَلِكَ إليه.
وإذا أوصى الرجل إِلَى الرجلين فليس لأحدهما أن ينفذ شَيْئًا من وصاياه إلا مع صاحبه، وليس للحاكم نزع المال من يد الموصى الثقة، فإن ضعف الوصي عن القيام بالوصية ضم إليه من يقوم مَعَهُ بالوصية، وإن تبينت منه خيانة أبدل مكانه غيره.
باب الهدايا والعطايا
١٣٨ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ»
يدل هذا الحديث عَلَى استحباب قبول الهدايا والهبات، وإن كانت يسيرة قليلة، وأجمع أهل العلم عَلَى أنه إذا وهب لرجل دارًا أو عبدًا عَلَى غير عوض بطيب من نفس المعطي، وسلطه عَلَى قبضه، وقبضه الموهوب لَهُ وحازه أن الهبة تامة.
стр. 358
وهبة الشقص من الدار والعبد جائز، ويقبضه كما يقبض الشقص المشترى منهما، وهذا قول عوام أهل العلم إلا رجلا شذ عنهم لا معنى لقوله.
باب ذكر الرجوع فِي الهبات
١٣٩ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: نا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ»
فكل من وهب هبة وقبضها الموهوب لَهُ بأمر الواهب فليس لَهُ أن يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده عَلَى ظاهر الحديث، وفي حديث ابن عباس مَا يؤيد هذا،
стр. 359
وهو قوله: «ليس لنا مثل السوء، العائد فِي هبته كالعائد فِي قيئه» .
وسواء كَانَ الموهوب لَهُ ذا رحم محرم ورجلا من الأجنبيين عَلَى ظاهر الحديث، وكذلك الزوج يهب لامرأته والمرأة تهب لزوجها مهرا كَانَ أو غير ذَلِكَ، قَالَ اللَّه جل وعز: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .
وسواء كَانَ الشيء الموهوب مستهلكًا أو غير مستهلك، وكل مَا ذكرناه إذا لم تكن الهبة لثواب، فإن كانت الهبة لثواب فاشترط ثوابًا معلومًا، فإن أثابه الموهوب لَهُ صحت الهبة، وإن كَانَ الثواب مجهولا فالهبة غير جائزة، وإذا نكحت الْمَرْأَة أو لم تنكح فهبتها جائزة، وإن وهبت بغير إذن زوجها جاز استدلالا بقول النَّبِيّ ﷺ : «يَا معشر النساء، تصدقن» .
قَالَ: فجعلت الْمَرْأَة تلقي بالخاتم والخرص والشيء، وليس فِي شيء من الأخبار أنهن استأذن أزواجهن.
وإذا وهب الذمي للمسلم مَا يجوز أن يملكه المسلم فالهبة جائزة، وكذلك المسلم يهب للذمي مَا تجوز هبته، وليس للرجل أن يهب من مال ولده شيئا بغير إذنه.
стр. 360
باب الأمر بالتسوية بين الأولاد فِي العطايا
١٤٠ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: نا فِطْرٌ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي بَشِيرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى عَطِيَّةٍ يُعْطِيهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ» ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ بِيَدِهِ: «هَكَذَا سَوِّ»
стр. 361
قوله: سو.
يدل عَلَى أن الذي يجب أن يعطي الأنثى مثل الذكر، وليس لَهُ أن يعطي بعضا ويدع البعض لقول النَّبِيّ ﷺ : سو.
فإن فعل لم يجز لقول النَّبِيّ ﷺ : «لا تشهدني عَلَى جور» .
وللمرء إذا وهب ولده شَيْئًا أن يرجع فِيهِ مادام الشيء قائما، لقوله: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» .
والأم فِي ذَلِكَ بمنزلة الأب، وَلا تتم هبة الرجل للبالغ من ولده إلا بالقبض، وإذا كَانَ الولد طفلا فللأب أن يقبض لَهُ من نفسه ويصح ذَلِكَ لولده.
ذكر العمري والرقبي
١٤١ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: نا زُهَيْرٌ، قَالَ: نا أَبُو
стр. 362
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ»
فعلى ظاهر هذا الحديث المعمر أحق بما أعمر حيا وميتًا لظاهر هذا الخبر، وللأخبار التي ذكرناها فِي كتاب العمرى والرقبى سواء، قَالَ: هِيَ لك حياتك.
أو قَالَ: هِيَ لك ولعقبك من بعدك.
وكان أحمد، وإسحاق، يقولان: الرقبى مثل العمرى لا يرجع إِلَى الأول أبدًا.
وقال الثَّوْرِيّ: لا أراهما إلا واحدا.
стр. 363
كتاب المكاتب قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] .
واختلف أهل العلم فِي وجوب الكتابة إذا سأل ذَلِكَ المملوك وعلم فِيهِ خيرًا، فكان عطاء، يقول: مَا أراه إلا واجبًا.
وبه قَالَ عمرو بن دينار، وسأل سيرين أنس بن مالك الكتابة فأبى أنس فرفع عليه عمر بن الْخَطَّابِ الدرة، وتلا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] ، فكاتبه أنس، وقال آخرون: ليست الكتابة بواجبة، من شاء فعل ومن شاء لم يفعل، هذا قول: مالك، والثوري، والشافعي.
وَلا بأس أن يكاتب المرء من لا حرفة لَهُ استدلالا بأن بريرة كوتبت
стр. 364
وَلا تعلم لها حرفة فلم ينكر النَّبِيّ ﷺ كتابتها.
وإذا كاتب المرء مملوكه وضع من كتابته شَيْئًا، لقول اللَّه جل ذكره: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣] ، وإذا كاتب الرجل عبده كاتبه عَلَى مَا يجوز لَهُ أن يملك مما لَهُ عدد أو وزن أو كيل نجومًا معلومة معروفة من شهور العرب، ويصف مَا يكاتبه عليه كما يوصف ذَلِكَ فِي أبواب السلم يؤدي إليه كل نجم شيئا معلومًا عَلَى أنه حر إذا أدى ذَلِكَ إليه فِي النجوم التي ذكرها، فإذا أدى ذَلِكَ كَانَ حرا.
وللمكاتب أن يبيع ويشتري ويأخذ ويعطي ويتصرف فيما لَهُ فِيهِ الحظ والتوفير وينفق عَلَى نفسه، ويكتسي بالمعروف وليس لَهُ أن يتكفل بكفالة، وَلا يضمن ضمانًا، وليس لَهُ أن يسافر، وَلا ينكح إلا بإذن مولاه.
وللسيد أن يبيع مكاتبه وليس للذي اشتراه أن يبطل كتابته إلا أن يعجز عن أداء نجم من النجوم، وإنما أجزنا بيع المكاتب لأن بريرة بيعت بعلم النَّبِيّ ﷺ وكانت مكاتبة، فلم ينكر ذَلِكَ النَّبِيّ ﷺ ، وَلا يعلم فِي شيء من الأخبار أنها كانت عجزت فأبطل كتابتها ثم بيعت، بل بيعت وهي مكاتبة، وإذا عجز المكاتب فلسيده أن يبطل كتابته ويرده فِي الرق بحضرة سلطان كَانَ ذَلِكَ أبو بغير حضرة سلطان، عجز مكاتب لابن عمر فرده مملوكا، وأمسك مَا أخذ منه.
وللسيد أن يعجز مكاتبه عند أول نجم من نجومه يعجز عَنْهُ، والمكاتب عبد مَا بقي عليه درهم، فإذا مات المكاتب وخلف مالا أخذه سيده ولم يرثه ولده، لأنه مات عبدًا، وجناية المكاتب عليه يؤديها مع النجوم، وعليه فِي جنايته الأقل من قيمته يوم جنى الجناية، فإن قدر عَلَى أن يؤدي مَا وجب عليه بالجناية
стр. 365
مع النجوم إِلَى السيد أداها، فإن شاء أداها قبل الكتابة وله أن يؤدي الكتابة قبل الجناية، وإن عجز عن ذَلِكَ ولم يكن بيده مال ففيها قولان: أحدهما: أن يخير الحاكم السيد بين أن يتطوع أن يفديه بالأقل من أرش الجناية أو بقيمته، فإن لم يفعل بيع عليه، وأعطى أهل الجنايات مَا يجب لهم غير أنهم ليس لهم أكثر من ثمنه الذي بلغ.
والقول الثاني: أن يخير السيد أن يفديه بما ذكرناه أو يسلم العبد إليهم.
والجناية عَلَى المكاتب كالجناية عَلَى العبد يأخذه المكاتب ويستعين به فِي كتابته.
وليس للوصي أن يكاتب عبدًا ليتيم، وليس للأب أن يكاتب عبيد أولاده الصغار.
стр. 366
كتاب المدبر
إذا قَالَ الرجل لعبده وهو صحيح أو مريض: أنت حر بعد موتي، أو أنت حر إذا مت.
ولم يرجع عن ذَلِكَ حَتَّى مات فالعبد المدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين إن كَانَ عليه، فالحرية تجب لَهُ بعد موت السيد لا أعلم فِي ذَلِكَ اختلافًا، وإذا قَالَ: أنت حر بعد موتي بشهر وهو يخرج من الثلث فهو كما قَالَ.
وإذا قَالَ: إن مت من مرضي هذا أو فِي سفري هذا.
فمات فِي مرضه أو فِي سفره فهو حر من الثلث أو كما قَالَ، فإن صح من مرضه أو قدم من سفره ثم مات لم يعتق، وَلا يعتق المدبر إلا بعد موت السيد إلا أن يعتقه السيد فيقع عليه العتق.
وللمرء أن يبيع مدبره، وله أن يرجع فِيهِ بغير بيع لأن التدبير وصية، وله أن يرجع فِي وصاياه.
١٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " أَعْتَقَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَبْتَاعُهُ مِنِّي؟»
стр. 367
فَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَا أَبْتَاعُهُ "
يباع المدبر فِي حياة الرجل فِي دينه، وبعد وفاته إذا كَانَ عليه دين.
وإذا كَانَ العبد بين رجلين فدبر أحدهما حصته فنصيبه مدبر وَلا قيمة عليه لشريكه، وَلا يجب أن يتقاوماه وشريكه الذي لم يدبر حصته إن شاء باع، وإن شاء وهب، وإن شاء أمسك.
وإذا كَانَ العبد بين رجلين فدبر أحدهما حصته، وأعتق الآخر قوم عَلَى المعتق إن كَانَ موسرًا حصته الذي دبر، وإن كَانَ معسرًا عتق نصيبه ونصيب شريكه مدبر كما كَانَ.
وللمرء أن يدبر مكاتبه، فإن مات السيد قبل أن يؤدي الكتابة عتق إذا خرج من الثلث وإن أدى المكاتب قبل موت السيد عتق بالكتابة، وله أن يكاتب مدبره.
فإن مات السيد أعتق بالتدبير، وإن أدى الكتابة قبل وفاة السيد صار حرًا.
стр. 368
والأكثر من أهل العلم، يقولون: أولاد المدبرة بمنزلتها يعتقون بعتقها، ويرقون برقها، وروي هذا القول عن ابن عمر، وبه قَالَ مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي وعليه جملة أهل العلم فِي عامة البلدان، وللسيد أن يأخذ مال مدبره كما يأخذ أموال عبيده، وإذا مات عبد المدبر وَلا مال لَهُ غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه.
стр. 369
كتاب أم الولد
وأجمع كل من يحفظ عَنْهُ من أهل العلم عَلَى أن الرجل إذا اشترى جارية شراء صحيحًا، وأولدها، أن أحكامها أحكام الإماء فِي أكثر أمورها.
واختلفوا فيما لسيدها من بيعها وإخراجها من ملكه بغير العتق فمنع من بيعها أمير المؤمنين عمر بن الْخَطَّابِ ﵁، وأوجب عتقها إذا مات السيد وقال بقول عمر مالك بن أنس، وأهل المدينة، وسفيان الثَّوْرِيّ، والحسن بن صالح،
стр. 370
والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وقد احتجوا بحجج قد أثبتها فِي غير هذا الكتاب.
وأجمع أهل العلم عَلَى أن ولد أم الولد من سيدها حر، وقال أكثر أهل العلم: أولادها من غير السيد يعتقون بعتقها.
وإذا تزوج رجل أمة قوم فأولدها، ثم اشتراها، لم تكن أم ولد يمنع من بيعها حَتَّى تحمل منه بعد أن ملكها، وتلد، والولد الذي يحكم لأمه إذا ولدته بحكم أمهات الأولاد أن تلد ولدًا تامًا، وتسقط سقطًا مخلقًا أو مَا يعلم يقينًا أنه خلق آدمي.
وإذا أسلمت أم ولد النصراني حيل بينه وبينها، ويؤخذ بالنفقة عَلَيْهَا، وتعمل لَهُ مثل مَا يعمل مثلها، فإن أسلم خلي بينه وبينها، وإن مات قبل أن يسلم عتقت بموته.
стр. 371
وجناية أم الولد يضمن السيد الأقل من قيمتها أو الجناية، والجناية عَلَيْهَا كالجناية عَلَى سائر الإماء، وإذا أعتق الرجل أم ولده فِي مرضه، ومات، عتقت كَانَ لَهُ مال غيرها أو لم يكن فِي قول المدني، والشافعي، والكوفي.
стр. 372
كتاب الجهاد
باب ذكر فضل الجهاد فِي سبيل اللَّه
١٤٣ - نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ أَوْ عُمْرَةٌ» .
وَثَبَتَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَغُدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
وَثَبَتَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي
стр. 373
لا يَفْتُرُ عَنْ صِيَامٍ وَلا صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ» .
وَقَالَ: «لا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا» .
وَقَالَ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى
стр. 374
النَّارِ» .
وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ»
باب ذكر فضل الخروج فِي السرايا وفضل الشهادة وفضل الحرس فِي سبيل اللَّه وفضل الرباط
١٤٤ - نا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
стр. 375
سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ذَكْوَانَ أَبَا صَالِحٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لأَحْبَبْتُ أَنْ لا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو أَوْ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سِعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ مَعِي وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، فَلَوَدَدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ» .
وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ يُعْقَرَ جَوَادُكَ وَيُهْرَاقَ دَمُكَ» .
رُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: «مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ» .
وَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 376
وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِي مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» .
وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةِ صِيَامٌ نَهَارُهَا وَقِيَامٌ لَيْلُهَا» .
وَرُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ»
باب ذكر فضل ارتباط الخيل فِي سبيل اللَّه وما فِي ذَلِكَ من البركة فِي العاجل والأجر والثواب فِي الآجل
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
стр. 377
١٤٥ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: نا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ» .
وَرُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ كَانَ شِبَعُهُ، وَرِيُّهُ، وَبَوْلُهُ، وَرَوْثُهُ حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
باب ذكر فضيلة الرمي وإعداد القوة لمحاربة العدو
١٤٦ - نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ، حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 378
وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، إِنَّ الأَرْضَ سَتُفْتَحُ لَكُمْ وَتُكْفُوا الْمُؤْنَةَ فَلا يَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ»
ومر النَّبِيّ ﷺ بنفر يرمون، فَقَالَ: «رميا بني إِسْمَاعِيل فإن أباكم كَانَ راميا» .
وروينا عَنْهُ، أنه قَالَ: " ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد مَا علمه، فإنها نعمة كفرها، أو قَالَ: كفر بها ".
وروينا عَنْهُ، أنه قَالَ: «من رمى العدو بسهم فبلغ سهمه أخطأ أو أصاب كَانَ
стр. 379
كعدل رقبة» .
باب ذكر آداب الأسفار
١٤٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ سَفَرٍ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلا يَوْمَ الْخَمِيسِ»
ويستحب أن يبكر بالخروج إِلَى الغزو، للثابت عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 380
وَسَلَّمَ، أنه قَالَ: «اللهم بارك لأمتي فِي بكورها» .
ويستحب أن يتزود المرء للسفر اتباعا لأمر اللَّه واقتداء برسول اللَّه ﷺ .
قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] .
و «زود رَسُول اللَّهِ ﷺ ناسًا خرجوا جرابًا من تمر» .
وقالت عائشة فِي خروج النَّبِيّ ﷺ وأبي بكر حين أذن اللَّه لنبيه ﵇ فِي الخروج من مكة: «فجهزناهما أحسن الجهاز، فصنعنا لهما سفرة فِي جراب» .
стр. 381
ويستحب أن يودع المسلم أخاه، ويقول كما قَالَ ابن عمر لقزعة: تعال أودعك كما ودعني رَسُول اللَّهِ ﷺ : «أستودع اللَّه دينك وأمانتك وخواتم عملك» .
وروينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه أخذ بيد رجل أراد سفرًا، فَقَالَ لَهُ: «فِي حفظ اللَّه وكنفه، زودك اللَّه التقوى وغفر ذنبك ووجهك فِي الخير أين مَا توجهت» .
стр. 382
ويستحب للخارج إِلَى السفر أن يقول مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يقوله إذا سافر: «اللهم أنت الصاحب فِي السفر والخليفة فِي الأهل، اللهم اصحبنا فِي سفرنا واخلفنا فِي أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم وسوء المنظر فِي الأهل والمال» .
ويستحب للمرء أن يقول عند خروجه من بيته: «بسم اللَّه لا حول وَلا قوة إلا بالله التكلان عَلَى اللَّه» .
وروينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه كَانَ يقوله إذا خرج من بيته.
ويستحب أن يقول إذا استوى عَلَى بعيره خارجًا إِلَى سفره مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 383
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوله، كَانَ يكبر ثلاثا، ثم يقول: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لَهُ مقرنين، وإنا إِلَى ربنا منقلبون، اللهم إنا نسألك البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا واطو عنا بعده» .
ويستحب الرفق بالدواب، ويستحب الدلجة لقول رَسُول اللَّهِ ﷺ : «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل» .
ويكره التعريس عَلَى جراد الطريق لقول رَسُول اللَّهِ ﷺ : «إذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام بالليل» .
стр. 384
ويستحب أن يقال مَا روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه كَانَ إذا غزا أو سافر فأدركه الليل، يقول: «يَا أرض ربي وربك اللَّه، أعوذ بالله من شرك وشر مَا فيك، وشر مَا دب عليك، أعوذ بالله من كل أسد وأسود حية وعقرب ومن شر ساكن البلد، ومن شر والد وما ولد» .
ويستحب إذا بدا لَهُ الفجر فِي السفر، أن يقول: «سمع سامع بحمد اللَّه وبنعمته وبحسن بلائه، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار» .
بلغنا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يقول ذَلِكَ ثلاث مرات يرفع بها صوته.
ويستحب أن يقول مَا روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أنه كَانَ يقول إذا صعد أكمة أو
стр. 385
نشزا من الأرض: «اللهم لك الشرف عَلَى كل شرف، ولك الحمد عَلَى كل حال» .
ويستحب أن يقول المرء عند رؤية القرى اللواتي يريد المسافر دخولها مَا ذكر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قَالَ حين يراها: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير مَا فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر مَا فيها» .
وكان يقول: " إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر مَا خلق، فإنه لا يضره شيء حَتَّى يرتحل منه ".
ويستحب إذا نزل منزلا أن لا يرتحل منه حَتَّى يصلي ركعتين لحديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ لا ينزل منزلا فيرتحل منه حَتَّى يودعه بركعتين» ،
стр. 386
ويكره لعن الدواب لحديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لرجل لعن بعيره: «لا تسر معنا عَلَى بعير ملعون» .
ويكره ضرب الدواب عَلَى الوجوه «لنهي النَّبِيّ ﷺ عن الضرب فِي الوجه، وعن الوسم فِي الوجه» .
فِي نهيه عن الضرب عَلَى الوجه مع ضربه البعير الذي كَانَ عليه جابر دليل عَلَى إباحة ضرب الدواب عَلَى غير الوجه.
باب ذكر فرض الجهاد
بعث اللَّه رسوله ﷺ إِلَى الناس جميعا أهل الكتاب وسائر المشركين، فَقَالَ جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [إِلَى قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ سورة الأعراف: ١٥٨] ، وجاء الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بمثل معنى كتاب اللَّه .
١٤٨ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: نا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 387
«أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلُّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ يُرْعَبُ الْعَدُوُّ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَ فَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
أقام رَسُول اللَّهِ ﷺ بمكة مرة يدعو إِلَى اللَّه وإلى الإيمان به، وينهي عن الشرك ولم يؤمر فِي ذَلِكَ بقتال، بل أمره اللَّه جل ذكره بأن يعرض عنهم، فَقَالَ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] ، وقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ، فأتى بأمره لما أذن لهم فِي القتال فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] .
قَالَ ابن عباس: فهي أول آية نزلت فِي القتال، وأوجب عليهم الخروج من مكة، وأمرهم أن يهجروا دار الشرك، واستثنى منهم مستضعفين ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] ، يقول مخرجًا ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] ، قيل: طريقا إِلَى المدينة فعذر هؤلاء.
وقال فِي الذين تخلفوا ممن لا عذر لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] ، وقد بينت هذا فِي مختصر كتاب الجهاد بتمامه.
стр. 388
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، قيل: شديد عليكم.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا لا إله إلا اللَّه» .
١٤٩ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»
فكأن ظاهر الآية أن الأمر بقتال المشركين وقتلهم عامة فدل قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، عَلَى مراد اللَّه، وأنه إنما أراد قتال أهل الشرك من أهل الأوثان وغيرهم دون من أعطى الجزية من أهل الكتاب.
ودل خبر ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ يوم الفتح: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» .
عَلَى أن الهجرة إنما كانت واجبة إِلَى أن فتح اللَّه
стр. 389
جل ذكره مكة.
باب ذكر فرض القتال ومن يلزمه الحضور ومن لَهُ عذر لَهُ أن يتخلف من أجله
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] .
فاحتمل أن يكون ذَلِكَ مفروضا عَلَى الجميع كالصلاة، والصوم، واحتمل أن يكون ذَلِكَ مفروضا عَلَى الكفاية، فإذا قام بثغور المسلمين من فِيهِ الكفاية سقط الإثم عن المتخلفين، فدل قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ، عَلَى سقوط الإثم عن المتخلف إذا قام بالعدو من فِيهِ الكفاية، لأنه لما وعد المتخلف عن الجهاد، لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ، دل عَلَى أنه غير حرج، ودل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] ، عَلَى مثال هذا المعنى مع أنا لا نعلم لرسول اللَّه ﷺ غزوة خرج فيها إلا وقد تخلف عَنْهُ فيها رجال، وتخلف ﷺ عن سرايا أخرجها، ففي تخلفه عن الخروج مع السرايا مع قوله فِي خبر أبي سعيد الخدري: «لينبعث من كل رجلين رجل والأجر بينهما» .
دليل عَلَى مَا قلناه.
وللرجل أن يتخلف عن الجهاد من أجل والديه لحديث عبد الله بن عمرو:
стр. 390
١٥٠ - نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، نا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ.
قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ "
وذلك مَا لم يقع النفير، فإذا وقع النفير فليس لأحد أن يتخلف لحديث أبي قتادة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعث جيش الأمراء واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال فِي آخر الحديث: «أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم وَلا يتخلف
следующие страницы →