← Фикх общий

Фикх общий · id 12843

الإقناع لابن المنذر

ابن المنذر

Полный текст (657 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ويكره لعن الدواب لحديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لرجل لعن بعيره: «لا تسر معنا عَلَى بعير ملعون» . ويكره ضرب الدواب عَلَى الوجوه «لنهي النَّبِيّ ﷺ عن الضرب فِي الوجه، وعن الوسم فِي الوجه» . فِي نهيه عن الضرب عَلَى الوجه مع ضربه البعير الذي كَانَ عليه جابر دليل عَلَى إباحة ضرب الدواب عَلَى غير الوجه. باب ذكر فرض الجهاد بعث اللَّه رسوله ﷺ إِلَى الناس جميعا أهل الكتاب وسائر المشركين، فَقَالَ جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [إِلَى قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ سورة الأعراف: ١٥٨] ، وجاء الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بمثل معنى كتاب اللَّه . ١٤٨ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: نا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 387

«أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلُّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ يُرْعَبُ الْعَدُوُّ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَ فَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أقام رَسُول اللَّهِ ﷺ بمكة مرة يدعو إِلَى اللَّه وإلى الإيمان به، وينهي عن الشرك ولم يؤمر فِي ذَلِكَ بقتال، بل أمره اللَّه جل ذكره بأن يعرض عنهم، فَقَالَ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] ، وقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ، فأتى بأمره لما أذن لهم فِي القتال فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] . قَالَ ابن عباس: فهي أول آية نزلت فِي القتال، وأوجب عليهم الخروج من مكة، وأمرهم أن يهجروا دار الشرك، واستثنى منهم مستضعفين ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] ، يقول مخرجًا ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] ، قيل: طريقا إِلَى المدينة فعذر هؤلاء. وقال فِي الذين تخلفوا ممن لا عذر لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] ، وقد بينت هذا فِي مختصر كتاب الجهاد بتمامه.

стр. 388

وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، قيل: شديد عليكم. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا لا إله إلا اللَّه» . ١٤٩ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» فكأن ظاهر الآية أن الأمر بقتال المشركين وقتلهم عامة فدل قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، عَلَى مراد اللَّه، وأنه إنما أراد قتال أهل الشرك من أهل الأوثان وغيرهم دون من أعطى الجزية من أهل الكتاب. ودل خبر ابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ يوم الفتح: «لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . عَلَى أن الهجرة إنما كانت واجبة إِلَى أن فتح اللَّه

стр. 389

جل ذكره مكة. باب ذكر فرض القتال ومن يلزمه الحضور ومن لَهُ عذر لَهُ أن يتخلف من أجله قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] . فاحتمل أن يكون ذَلِكَ مفروضا عَلَى الجميع كالصلاة، والصوم، واحتمل أن يكون ذَلِكَ مفروضا عَلَى الكفاية، فإذا قام بثغور المسلمين من فِيهِ الكفاية سقط الإثم عن المتخلفين، فدل قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ، عَلَى سقوط الإثم عن المتخلف إذا قام بالعدو من فِيهِ الكفاية، لأنه لما وعد المتخلف عن الجهاد، لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] ، دل عَلَى أنه غير حرج، ودل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] ، عَلَى مثال هذا المعنى مع أنا لا نعلم لرسول اللَّه ﷺ غزوة خرج فيها إلا وقد تخلف عَنْهُ فيها رجال، وتخلف ﷺ عن سرايا أخرجها، ففي تخلفه عن الخروج مع السرايا مع قوله فِي خبر أبي سعيد الخدري: «لينبعث من كل رجلين رجل والأجر بينهما» . دليل عَلَى مَا قلناه. وللرجل أن يتخلف عن الجهاد من أجل والديه لحديث عبد الله بن عمرو:

стр. 390

١٥٠ - نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، نا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ " وذلك مَا لم يقع النفير، فإذا وقع النفير فليس لأحد أن يتخلف لحديث أبي قتادة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعث جيش الأمراء واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال فِي آخر الحديث: «أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم وَلا يتخلف

стр. 391

أحد» . ولمن عليه دين أن يتخلف عن الغزو من أجل الدين الذي عليه استدلالا بقول النَّبِيّ ﷺ للرجل، الذي قَالَ لَهُ: إن قتلت فِي سبيل اللَّه صابرًا محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر اللَّه عني خطاياي؟ قَالَ: «نعم إلا الدين كذلك قَالَ لي جبريل ﵇» . وللمريض أن يتخلف عن الغزو، والزمن، كذلك يقال: إن قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ، نزل فِي ابن أم مكتوم، وليس للعبد أن يغزو إلا بإذن سيده.

стр. 392

باب الأمر بطاعة الأمراء قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، فكان أبو هُرَيْرَة، يقول فِي قوله: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] : هم الأمراء، وقال ابن عباس: نزلت فِي عبد الله بن حذافة السهمي بعثه النَّبِيّ ﷺ فِي سرية، وروينا عن جابر، أنه قَالَ: هم الفقهاء. ١٥١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ

стр. 393

اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» فطاعة الأئمة تجب مَا لم تكن معصية استدلالا بخبر ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «السمع والطاعة عَلَى المرء المسلم فيما أحب وكره مَا لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع وَلا طاعة» . وإنما تجب طاعتهم فيما أطاقه المرء واستطاعه، لأن جرير بن عبد الله، قَالَ: بايعت رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «علام تبايعني» . فقلت: عَلَى السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم.

стр. 394

للإمام أن يؤمر عَلَى الأحرار مملوك إذا كَانَ موضعا لذلك، ثم يجب عَلَى الفور طاعته، لأن أبا ذر، قَالَ: «وصاني النَّبِيّ ﷺ أن أسمع وأطيع، ولو لعبد مجدع الأطراف» . ويستحب للإمام أن يرفق برعيته لحديث عائشة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق قلبه بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه» . باب الأفعال التي يستحب أن يفعلها الأئمة قبل القتال يستحب للإمام أن يبعث بين يدي جيوشه إذا دخل أرض العدو العيون والطلائع ليتعرف أخبار العدو استنانا بالنبي ﷺ لما بعث عام الحديبية بين يديه عينا لَهُ من خزاعة يخبره عن قريش.

стр. 395

١٥٢ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟» قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟» قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْقِدَ الإِمَامُ الأَلْوِيَةَ لِيَجْتَمِعَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى رَايَةٍ أَوْ لِوَاءٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ طَلَبُهُمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ، يُقَالُ: إِنَّ رَايَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً

стр. 396

مِنْ نَمِرَةٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشَاوِرَ الإِمَامُ أَصْحَابَهُ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ عَدُوِّهِمْ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَاوَرَهُمْ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ بَدْرٍ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِي أَمْرِ الأُسَارَى، وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَتَأَدَّبَ بِهِ أَهْلُ الإِسْلامِ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ.

стр. 397

وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُبَايِعَ أَصْحَابَهُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ جَابِرٌ: بَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ ويستحب للإمام أن ينزل الناس منازلهم ويجعل لهم مصاف، قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] ، وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قصة الفتح: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «جعل خالد بن الوليد عَلَى المجنبة اليمنى، وجعل الزبير بن العوام عَلَى المجنبة اليسرى، واستعمل أبا عبيدة عَلَى البياذقة فِي بطن الوادي» . ويكره تمني لقاء العدو لحديث ابن أبي أوفى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «يَا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا فإن الجنة تحت ظلال السيوف» . ويستحب أن يدعو الإمام إذا خاف قومًا، ويقول مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ ، يقوله إذا خاف قومًا: «اللهم إني أجعلك فِي نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم» . ودعا عَلَى الأحزاب، فَقَالَ: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم

стр. 398

الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» . ويستحب للإمام إذا لم يقاتل أول النهار أن يؤخر القتال إِلَى أن تزول الشمس وتهب الرياح، وينزل النصر لحديث النعمان بن مقرن، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه كَانَ يفعل ذَلِكَ.

стр. 399

باب ذكر دعاء المشركين إِلَى الإسلام ١٥٣ - نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: " كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ ". وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ، أَخْبَرَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ إذا قاتل الإمام من لم تبلغه الدعوة بدأ قبل القتال فدعاهم إِلَى الإسلام، وليس عليه أن يعيد الدعاء عَلَى من قد بلغته الدعوة. ويستحب أن يستأذن المبارز الإمام إذا أراد البراز، وَلا يحرم عليه أن يبارز أو يدعو إِلَى البراز بغير إذنه لأن أبا قتادة بارز رجلا يوم حنين، وَلا نعلم أنه استأذن النَّبِيّ ﷺ فِي ذَلِكَ.

стр. 400

ويكره للقوم ترك مصافهم فِي الحرب لغير ضرورة، ونزلت هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ، فِي الرماة أصحاب عبد الله بن جبير لما تركوا المكان الذي أقامهم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهِ. وللإمام أن يأمر بقتال المشرك الذي لا عهد بينه وبينه غرة وخداعًا، استدلالا بقتل الذين قتلوا كعب بن الأشرف بإذن النَّبِيّ ﷺ . وللمحرم أن يقاتل إذا قوتل لقول

стр. 401

أبي بكر: يَا نبي اللَّه، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكنه من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، وقال النَّبِيّ ﷺ : «فروحوا إذا» . وذلك زمن الحديبية. باب من يجوز قتله من المشركين ومن يجب الوقوف عن قتله قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . قد ذكرنا فيما مضى، أن الوقوف عن قتال أهل الكتاب يجب إذًا، إذا أدوا الجزية، استدلالا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ إِلَى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . ويجب الوقوف عن قتل الرسل استدلالا بخبر ابن مسعود: ١٥٤ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكِيرٍ، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: نا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا إِذْ جَاءَهُ ابْنُ النَّوَّاحَةِ رَسُولا مِنْ

стр. 402

مُسَيْلَمَةَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هُوَ وَابْنُ وَابِزٍ: وَقَالَ: فَكَلَّمَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقَالا لَهُ: اشْهَدْ أَنْتَ أَنَّ مُسَيْلَمَةَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُمَا: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلا رَسُولا لَقَتَلْتُكُمَا»

стр. 403

ومما يجب أن يستثنى من ظاهر الآية، ويوقف عن قتله النساء والصبيان لقول النَّبِيّ ﷺ ، للذي قَالَ لَهُ: الحق خالدًا فلا يقتلن ذرية وَلا عسيفًا. ولحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى فِي بعض مغازيه امرأة مقتولة «فنهى عن قتل النساء والصبيان» . وذلك إذا لم تقاتل الْمَرْأَة، فإن قاتلت قوتلت استدلالا بأن النَّبِيّ ﷺ لما وقف عَلَى الْمَرْأَة المقتولة: «مَا كانت هذه تقاتل» . فدل ذَلِكَ عَلَى أنها لو كانت تقاتل لجاز قتلها.

стр. 404

وإنما نهى عن قتلهم أن يقصد قصدهم بالقتل لا من يغتاب منهم من البيات، لأن النَّبِيّ ﷺ لما أباح البيات عَلَى الدار وسئل عن ذراري المشركين يصابون فِي البيات، فَقَالَ: «هم منهم» . دل عَلَى أن لا مأثم عَلَى من أصاب منهم فِي البيات امرأة أو صبيا. وَلا أعلم حجة قاطعة يجب بها الامتناع من قتل الرهبان والشيوخ والمرضى من ظاهر الكتاب، وكان مالك، والليث بن سعد، وجماعة يرون الوقوف عن قتل الرهبان لخبر أبي بكر الصديق ونهيه عن ذَلِكَ، «ويجب عَلَى ولاة السرايا إذا طرقوا قومًا وسمعوا

стр. 405

أذانًا أن يمسكوا عن قتالهم، لأن النَّبِيّ ﷺ سن ذَلِكَ» . وللإمام أن يحاصر الحصون استدلالا، بأن النَّبِيّ ﷺ «حاصر أهل الطائف» ، وله أن

стр. 406

ينصب عليهم المجانيق والعرادات، ويرميهم بالحجارة والنشاب وبالنيران والعقارب والحيات، وكلما نكوهم به ويشقوا عليهم الْمَاء ليرحلوهم فِيهِ ويفرقوهم، ولهم أن يخربوا العامر ويقطعوا الأشجار المثمرة وغير ذَلِكَ، وَلا يقفوا عن ذَلِكَ استدلالا بقول اللَّه جل ذكره: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] . ولأن النَّبِيّ ﷺ «حرق نخل بني النضير وقطع» . واللينة: ألوان النخل إلا العجوة، قَالَ مجاهد: فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها، وبتحديد من قطعها عن الإثم وإنما قطعها وتركها بإذنه. ويحرم أن يبدأ فيمثل بالكفار «لنهي رَسُول اللَّهِ ﷺ عن المثلة» ، ومباح أن يمثل بمن مثل منهم، استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 407

عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . ولما أباح القصاص فِي كتابه دل عَلَى أن المثلة التي نهى رَسُول اللَّهِ ﷺ عنها أن يبتدئ المرء فيفعل مَا ليس لَهُ أن يفعله إلا أن يأتي مَا أبيح لَهُ فِي القصاص. وَلا يحل صبر ذي الروح من بني آدم والبهائم والطيور «لنهي رَسُول اللَّهِ ﷺ عن صبر البهيمة» ، ولقوله: «لا تتخذوا شيئا فِيهِ الروح غرضا» . وَلا يحل تحريق

стр. 408

النحل وَلا تفريقه، وَلا يجوز عقر البهيمة إلا لأكل استدلالا بقول النَّبِيّ ﷺ ": من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله اللَّه عن قتله ". قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وما حقها. قَالَ: أن يذبحها فيأكلها كلها وَلا يقطع رأسها فيرمي به ". باب ذكر التغليظ فِي الفرار من الزحف قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] ، وقال جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] . ١٥٥ - نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: الْمُعَلَّى بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ أَوَّلُهُنَّ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَاتِ، وَانْقِلابٌ إِلَى الأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَةٍ "

стр. 409

وإذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو لم يحل لهم الانصراف عنهم مولين إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إِلَى فئة. وإن كَانَ العدو أكثر من ضعفيهم فالأعلى والأفضل لهم الصبر عليهم، فإن ولوا عنهم فِي هذه الحال فلا مأثم عليهم، لقوله جل ذكره: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] . قَالَ ابن عباس: فرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة وَلا قوم من عشرة أمثالهم، فجهد الناس ذَلِكَ، وشق عليهم، فنزلت الآية الأخرى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، إِلَى قوله: ﴿أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، فرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين وَلا قوم من مثليهم، ونقص من النصر بقدر مَا خفف من العدد. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] ، إِلَى قوله: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] ، معناه: إن لم يعف عَنْهُ، يدل عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، ويدل عَلَى مثل ذَلِكَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ، إِلَى قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] . وقد روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: " ومن قَالَ: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه، وإن كَانَ فارا من الزحف ".

стр. 410

باب الجزية قَالَ اللَّه جل ثناؤه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ إِلَى قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ التوبة آية ٢٩﴾ . ١٥٦ - نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَنَزِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: «فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» فأخذ الجزية يجب من عرب أهل الكتاب وعجمهم لدخولهم فِي جملة الآية، ويجب أخذ الجزية من المجوس لحديث عبد الرحمن بن عوف، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . ولأني لا أعلمهم اختلفوا فِي أن أخذ الجزية

стр. 411

يجب إذا أدوها، وَلا يجوز أخذ الجزية من الصابئين. وأعلى مَا جاءنا فِي السامرة، قول عمر بن الْخَطَّابِ: «هم طائفة من أهل الكتاب» . فأما سائر المشركين سوى اليهود، والنصارى، والمجوس من عبدة النيران والأوثان، وسائر أهل الشرك، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، وأما نصارى بني تغلب فقد جاءت الأخبار عن عمر بأنه ضعف عليهم الصدقة، وتركهم لما خوف من أمرهم، ولما قطعوا الفرات فصالحهم واشترط عليهم فيما صالحهم عليه أن لا ينصروا أبناءهم، فقد قيل إنهم نقضوا الصلح، فَقَالَ قائل: يجب قتالهم كما يجب قتال سائر أهل الأوثان. واحتج: بأن عليا كَانَ يكره ذبائح نصارى بني تغلب، ويقول: «إنهم لا يتمسكون من

стр. 412

النصرانية إلا بشرب الخمر» . ودل خبر معاذ بن جبل عَلَى أن لا جزية عَلَى غير البالغ وَلا عَلَى النساء. وثبت أن عمر بن الْخَطَّابِ كتب إِلَى أمراء الأجناد أن لا يضربوا الجزية إلا عَلَى من جرت عليه المواسي، وَلا تضرب الجزية عَلَى النساء والصبيان. وَلا جزية عَلَى مغلوب عَلَى عقله، وتؤخذ الجزية من الشيخ الفاني، ومن الزمن، وكل من أحفظ عَنْهُ من أهل العلم يرى أن لا جزية عَلَى العبيد، وحكم المكاتب والمدبر كحكم العبد، وَلا جزية عَلَى الفقير الذي لا يجد مَا يؤدي منه الجزية، وليس عَلَى من أسلم قبل أن يحول الحول جزية، وإذا وجبت الجزية عَلَى رجل من أهل الكتاب بحول الحول لم يسقط عَنْهُ مَا قد وجب عليه، وإذا بذل أهل الكتاب من الابتداء دينارًا عن كل رأس وجب قبول ذَلِكَ منه. ومن قد صولح عَلَى أكثر من ذَلِكَ وجب أخذ مَا صولح عليه منه، وله أن يأخذ مكان الجزية التي وجبت عليه عرضًا من العروض، لقوله: دينارا أو عدله معافر. وقضى عمر بن الْخَطَّابِ عَلَى أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام، وعلف دوابهم، وما يصلحهم وذلك واجب عليهم عَلَى مَا صولحوا عليه، وَلا يجوز أن تؤخذ منهم أثمان الخمر، والخنازير.

стр. 413

وينبغي للإمام أن يأمر بالرفق بأهل الذمة، وينهى عن تعذيبهم لقول النَّبِيّ ﷺ : «إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس فِي الدُّنْيَا» . ويقول النَّبِيّ ﷺ : «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير» . ويؤخذ أهل الذمة بما كتب به عمر بن الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى أمراء الأجناد: كتب أن يختموا فِي رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويصلحوا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا عَلَى الأكف عرضًا، وَلا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين فِي ركوبهم، وأن يربطوا الكستيجات فِي

стр. 414

أوساطهم ليعرف زيهم من زي أهل الإسلام، ويمنعوا من إظهار الصليب، وضرب النواقيس فِي بلاد الإسلام. وَلا يجوز أن يصالح الإمام أحدًا من أهل الذمة عَلَى سكنى الحجاز، وإذا مر الذمي بالحجاز لم يجز أن يقيم ببلد منها أكثر من ثلاث. وليس عَلَى أهل الذمة فِي شيء من أموالهم صدقة إلا مَا ذكر من أمر بني تغلب. وكل قرية افتتحت عنوة فعلى الإمام قسم جميعها كما فعل النَّبِيّ ﷺ بخيبر، وسواء قليل أموال المشركين وكثيره من أرض أو دار أو غير ذَلِكَ يجب

стр. 415

قسمه عَلَى مَا فِي ﴿ [الأنفال كقسم الدنانير والدراهم، ويقال: إن عمر استطاب أنفس القوم لما أوقف السواد، والأخبار فِيهِ عن عمر مختلفة.

стр. 416

باب ذكر الغلول وتعظيم أمره قَالَ اللَّه جل ذكره:] وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ١٦١] . ١٥٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ

стр. 417

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً إِنَّمَا غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالأَمْوَالَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا نَحْوَ وَادِي الْقُرَى وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْبٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَاهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لِتَشْتَعِلَ عَلَيْهِ نَارًا» . فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا يُعَاقَبُ بِهِ الْغَالُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ،

стр. 418

وَالأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُحَرَّقُ رَحْلُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ لا يُعَاقَبُ النَّاسُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَرَأَى اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ ويجب عَلَى الغال رد مَا غل إِلَى صاحب المقسم، فإن فات أعطى الإمام خمسه وتصدق بالباقي. والطعام فِي بلاد الحرب مباح من شاء أخذ منه حاجته، لأنه خارج من أبواب الغلول، داخل فِي مَا أبيح تدل عليه السنن. وعلف الدواب مثله، وليس

стр. 419

لأحد أن يبيع من ذَلِكَ شيئا، فإن باع منه شيئا دفع قيمته إِلَى صاحب المقسم وما كَانَ من بعد ذَلِكَ من حبل أو جراب أو سقي أو نعل أو ظرف أو غيره فهو محظور، لا رخصة فِي شيء من ذَلِكَ غير الطعام «لأمر النَّبِيّ ﷺ برد الخيط والمخيط» .

стр. 420

وإذا اضطر رجل إِلَى ركوب دابة من دواب العدو يستعملها فِي معمعة الحروب أو شيء من السلاح فله استعماله مَا دام الحرب قائما، لأن ذَلِكَ حال ضرورة، ولأني لا أعلم فِي ذَلِكَ اختلافا، وإذا وجد رجل ركازا فِي دار الحرب فِي موات أراضيهم فهو لواجده، ويؤدي الخمس إِلَى الإمام. باب ذكر قسم خمس الغنيمة قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، لله مفتاح كلام لأن لله الدُّنْيَا والآخرة يدل عَلَى صحة ذَلِكَ قول النَّبِيّ ﷺ : «مَا لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» فقد خص اللَّه نبيه بأن جعل لَهُ خمس الخمس من الغنائم، وخص بالصفي يختار من الغنيمة فرسا أو عبدا أو دابة أو مَا شاء منه، وجعل لَهُ سهمًا فِي الغنيمة كسهم رجل ممن حضر الوقعة حضرها أو لم يحضرها. واختلف فيما يجب أن يفعل فِي سهم النَّبِيّ ﷺ بعد وفاته، فَقَالَ بعضهم: يرد عَلَى الذين كانوا مَعَهُ فِي الخمس وهم: ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فيقسم بينهم: رباعا، وهذا أحب مَا قيل فِيهِ إلي والله أعلم. فأما سهم ذي القربى فإنه يقسم بين بني هاشم، وبني المطلب عَلَى حديث جبير بن مطعم،

стр. 421

قَالَ: نا يحيى، قَالَ: نا مسدد، قَالَ: لما كَانَ يوم خيبر وضع رَسُول اللَّهِ ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس، فانطلقت أنا، وعثمان بن عَفَّانَ حَتَّى أتينا النَّبِيّ ﷺ ، فقلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك اللَّه به منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنا وبنو المطلب لا نفترق فِي جاهلية وَلا إسلام، إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه» .

стр. 422

فسهم ذوي القربى ثابت لهم بكتاب اللَّه وسنة رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَلا يجوز إبطال ذَلِكَ بوجه بل لا سبيل إِلَى العدل عن ظاهر الكتاب والسنة، ويعطى الذكر منهم كما تعطى الأنثى، لأنهم أعطوا باسم القرابة، وهذا خارج عن أبواب المواريث، لأنهم أعطوا باسم القرابة كما يعطى المساكين باسم المسكنة. وَلا فرق بين ذكرهم وأنثاهم ويعطى الغني منهم والفقير، لأن القرآن عَلَى ظاهره لم يستثن منهم غنيًا دون فقير. باب السلب والنفل قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، ففي ترك رَسُول اللَّهِ ﷺ أن يخمس السلب دليل عَلَى أن المراد من قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، بعض الغنيمة لا الجميع. ١٥٩ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ

стр. 423

يُخَمِّسِ السَّلَبَ» فيجب أن يبدأ من جملة الغنيمة فيعطى القاتل السلب للثابت عن أبي قتادة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «من قتل قتيلا لَهُ عليه بينة فله سلبه» . فالسلب يجب أن يعطى كل قاتل قتل كافرا فِي الحرب وغير الحرب فِي الإقبال والإدبار، هاربا كَانَ المقتول أو مدبرا لأصحابه عَلَى الوجوه كلها، وقد كَانَ سلمة بن الأكوع قتل قتيلا هاربا موليا فِي غير الحرب فحكم النَّبِيّ ﷺ لَهُ بسلبه،

стр. 424

وسواء أذن الإمام فِي ذَلِكَ أو لم يأذن فِيهِ، وسواء قليل السلب وكثيره. فإذا ضرب رجل رجلا من المشركين فأزمنه وأتى آخر فأجهز عليه حكم بالسلب للذي أزمنه، لأن النَّبِيّ ﷺ «قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح» ، وقد كَانَ أزمنه وأجهز عليه ابن مسعود بعد ذَلِكَ.

стр. 425

والسلب الذي يستحقه القاتل: منطقته وسيفه ودرعه، وإسواريه وبيضته وساعداه وساقاه، ورايته وفرسه الذي هو عليه بسرجه ولجامه. وللإمام أن ينفل السرية فِي البداءة الربع بعد الخمس وفي القفول الثلث بعد الخمس فِي حديث حبيب بن مسلمة، عَنِ
следующие страницы →