Полный текст (657 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
باب الحث عَلَى اجتناب الشبهات
١٨٦ - نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْقَيْسِيُّ، قَالَ: نا زَكَرِيَّا، ونا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: نا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمَهُ» .
وَفِي خَبَرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ»
والشبهات تصرف عَلَى وجه ثلاثة: أحدها: أن يعلم أن الشيء حرام ثم
стр. 492
يشك هل حل لَهُ أم لا فلا يحل مَا هو محرم إلا بأن يعلم أن قد حل لَهُ الشيء المحرم كالصيد محرم أكله بغير ذكاة، فإذا شك فِي ذكاته لم يحل مَا هو محرم إلا بيقين، وأصل ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك فخالطته أكلب لم تسم عَلَيْهَا، فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتله» .
فلم يبح مَا هو محرم إلا بيقين الذكاة، ومن ذَلِكَ أن يكون للرجل أخ لا وارث لَهُ غيره فيبلغه وفاته، وعنده لأخيه جارية فلا يحل لَهُ وطؤها حَتَّى يوقن بوفاة أَخِيهِ، لأنها كانت محرمة عليه فلا يباح مَا كَانَ محرما بالشك حَتَّى يوقن بوفاته وما كَانَ فِي معنى هذا.
والوجه الثاني: أن يكون الشيء للمرء حلالا ثم يشك فِي تحريمه عليه فلا يحرم مَا كَانَ هكذا حَتَّى يوقن بالتحريم مثل الزوجة تكون للرجل فيشك فِي طلاقها، والعبد يكون للرجل فيشك فِي عتقه، والأصل فِي هذا قول النَّبِيّ ﷺ للمصلي يشك فِي الحدث: «لا تنصرف حَتَّى تجد ريحا أو تسمع صوتا» .
والوجه الثالث: أن يشكل عَلَى الإنسان الشيء لا يدري حرام هو أو
стр. 493
حلال، فالورع والأعلى الوقوف عن التقدم عَلَى مَا هذا سبيله حَتَّى يوقن بالإباحة والأصل فِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مر بتمرة، فَقَالَ: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» .
وَلا يجوز أن ينسب من قَالَ هذا إِلَى أخذ الحرام المحض لاحتمال أن يكون ذَلِكَ حلالا، فأهل الورع يستعملون فيما كَانَ من هذا النوع مَا استعمله النَّبِيّ ﷺ من التمرة التي وجدها، وفي خبر عطية السعدي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حَتَّى يدع مَا لا بأس به حذرا لما به البأس» .
يعرفك أنه لا يبلغ اسم التقوى عبد عند اللَّه إلا بتركه مَا لا بأس به، وفي خبر أبي أمامة: «إذا حاك فِي صدرك شيء فدعه» .
стр. 494
وقد اختلف أهل العلم فِي مبايعة من يغلب عَلَى ماله الحرام، فرخص فِيهِ قوم، واحتجوا فِيهِ بقبول قوم من الأوائل هدايا وجوائز بعض من لا ترضى حاله، ووقف عن قبول جوائز من يغلب عَلَى ماله الحرام أو يخالط ماله الحرام: سعيد بن المسيب، والقاسم بن مُحَمَّد، وبسر بن سعيد، ومحمد بن واسع، وسفيان الثَّوْرِيّ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وقد ذكرت هذا الباب فِي موضع آخر بتمامه.
باب ذكر إباحة جمع المال وطلبه من الحلال
١٨٧ - نا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكِسَائِيُّ، قَالَ: نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: نا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، إِنَّ هَذَا الْمَالَ نِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَأَعْطَى مِنْهُ الْمَسَاكِينَ، وَالْيَتَامَى، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
стр. 495
وَرُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «لا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ» .
وَقَالَ: «أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلا مُيَسَّرٌ لَهُ مَا كُتِبَ لَهُ»
وروينا عَنْهُ، أنه قَالَ: «خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح» .
وقال: " مَا أكل أحد طعاما قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، قَالَ: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يده ".
وثبت عَنْهُ، أنه قَالَ: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب عَلَى ظهره فيكف بها وجهه خير لَهُ من أن يسأل الناس أشياء أعطوه أو منعوه» .
стр. 496
كتاب الكفالة والحوالة
باب ذكر وجوب ضمان الدين عن الميت
١٨٨ - نا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجِنَازَةٍ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «عَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ.
قَالَ: «تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟» قَالُوا: لا.
قَالَ: «فَصَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» .
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 497
وفي امتناع رَسُول اللَّهِ ﷺ أن يصلي عَلَى الرجل قبل ضمان أبي قتادة الدينارين عَنْهُ، وفي صلاته عليه بعد ضمان ذَلِكَ دليل عَلَى صحة ضمان أبي قتادة، وعلى وجوب الضمان عَلَى الضامن ترك الميت مالا أم لم يتركه.
وجاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «الدين مقضي والزعيم غارم» .
والزعيم الحميل، وكذلك الكفيل والقبيل، وهي أسماء لمعنى واحد، فإذا ضمن الرجل المال عن الرجل وجب المال عَلَى الضامن ولم يبرأ الذي عليه الدين، فلرب المال أن يأخذ أيهما شاء، والدليل عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سأل أبا قتادة بعد ضمانه، فَقَالَ: «أقضيت عَنْهُ؟» قَالَ: نعم.
قَالَ: «الآن قد بردت عن جلده» .
فإذا ضمن الرجل عن الرجل المال، وأدى ذَلِكَ إِلَى الطالب نظر، فإن كَانَ ضمانه عَنْهُ بأمره رجع بالشيء عليه، وإن كَانَ ضمن ذَلِكَ بغير أمره لم يرجع عليه وكان متطوعا بالضمان.
وإذا احتال الرجل بالمال يكون لَهُ عَلَى الرجل فقد تحول المال عن الذي كَانَ عليه إِلَى المحال عليه، وَلا سبيل للمحتال بالمال إِلَى صاحبه الأول بإفلاس الذي أحيل عليه بالمال أو موته، وذلك أن الحق إذا تحول لم يجز رده إِلَى الذي أحال بغير حجة، وَلا نعلم
стр. 498
حجة توجب الرجوع عَلَى المحيل بوجه من الوجوه.
وَلا يجوز أن يأخذ الضامن عَلَى ضمانه جعلا، وَلا يجوز أن يتكفل الرجل عن الرجل بدين غير مسمى، وَلا بمال غير معلوم، وذلك مثل أن يقول: مَا وجب لك عَلَى فلان فعلي وما أشبه ذَلِكَ، وليس للعبد المأذون لَهُ فِي التجارة أن يتكفل بنفس رجل وَلا بمال، فإن فعل لم يجز ذَلِكَ.
وإذا مات الرجل وعليه ديون إِلَى أجل فقد اختلف فِيهِ، فَقَالَ الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، والزُّهْرِيّ، ومالك، والثوري، والشافعي: تحل الديون بموته.
وقال ابن سيرين، وعبيد اللَّه بن الْحَسَنِ، وأحمد، وإسحاق: الدين إِلَى أجله إن وثقوا بالورثة.
والقول الآخر أحب القولين إلي، ولم يختلفوا أن مَا كَانَ للميت من ديون أنها إِلَى آجالها.
وأكثر أهل العلم، يقولون: لا تجوز الكفالة فِي الحدود، واختلفوا فِي الكفالة فِي النفس،
стр. 499
فأجاز ذَلِكَ مالك، وسفيان الثَّوْرِيّ، والليث بن سعد، وأحمد، والنعمان.
وقال الشَّافِعِيّ مرة كما قَالَ هؤلاء، وقال مرة: هِيَ ضعيفة.
وَلا أعلم حجة توجب ذَلِكَ إلا قول أهل العلم
стр. 500
كتاب الحجر
قَالَ الله جل ذكره: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] .
وقال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] .
الرشد الصلاح فِي الدين وحفظ المال، وَلا يجوز أن يدفع إِلَى اليتيم المال إلا أن يكون صالحا فِي دينه حافظا لماله، وإذا كَانَ كذلك فقد أجمعوا عَلَى أن وجوب دفع المال إليه لازم، وإذا لم يكن كذلك لم يجز دفع المال إليه باختلاف، لا حجة مع قائله فِيهِ، والحجر يجب عَلَى كل مضيع لماله صغيرا كَانَ أو كبيرا، وقد ثبت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إن اللَّه كره لكم ثلاثا» .
١٨٩ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا يَزِيدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ،
стр. 501
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ، وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ "
وما كره اللَّه لنا فمحرم علينا فعله، فالواجب أن يمنع المضيع لماله من إضاعته، ويحال بينه وبينه، وقد منع اللَّه من الفساد، وخبر أنه لا يحب الفساد فالمفسد لماله داخل فِي النهي وهو ممنوع منه، وإذا بلغ الغلام وأونس منه الرشد، ثم أفسد بعد ذَلِكَ فهو محجور عليه، لأن العلة التي من أجلها وجب منعه من ماله بعد بلوغه الفساد عادت، فمتى عاد عاد مفسدا، فقد رجعت العلة ووجب الحجر عليه.
وليس للمحجور عليه أن ينكح إلا بإذن وليه، فإن فعل فسخ النكاح، وإذا نذر المحجور عليه نذورا، أو حلف بأيمان فحنث فيها، ووجب عليه كفارات لأيمانه، لم تطلق يده فِي ماله، وصام عن كل يمين ثلاثة أيام، ويصوم عن ظهاره إذا ظاهر، وَلا يجوز عتق المحجور عليه وَلا بيعه وَلا شراؤه.
ولو اشترى أباه لم ينعقد شراؤه، فيعتق عليه وليس لوليه أن يمنعه من حجة الإسلام وعمرته، ويدفع المال إِلَى من ينفقه عليه فِي الطريق بالمعروف، وإذا كَانَ للمحجور عليه والدان وولد أنفق عليهم من ماله وكل مَا يصيبه المحجور عليه فِي إحرامه مما فِيهِ الفدية من قتل صيد أو لباس أو حلق شعر فعليه فِي ذَلِكَ الصوم.
وإذا اختلعت المحجور عَلَيْهَا من زوجها بمال فسمي طلاقا كَانَ طلاقا يملك فِيهِ الزوج الرجعة، وَلا يلزمها مَا اختلعت به منه، وإقرار المحجور عليه جائز عَلَى نفسه بالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، والقذف، تقام عليه الحدود كلها بإقراره، وَلا أعلم فِي هذا اختلافا.
وإذا أقر لقوم بمال فِي حال الحجر أنه استهلكه عليهم لم يلزمه فِي حال الحجر وعليه تأديته إليهم إذا أطلق عَنْهُ الحجر، وإن كانت امرأة محجور عَلَيْهَا فنكحت أبطل نكاحها وليس لها أن تنكح إلا بإذن وليها.
стр. 502
كتاب التفليس
١٩٠ - نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»
وبخبر رَسُول اللَّهِ ﷺ نقول وقد روينا ذَلِكَ عن: عمر، وعلي، فإذا أفلس الرجل فوجد البائع متاعه بعينه فهو أحق به من غيره للثابت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلا يقول قائل إن المعنى فِي قوله: «فوجد رجل متاعه بعينه» .
إنما هو وديعة أو مَا أشبه ذَلِكَ لأن فِي حديث هشام بن يحيى، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «فوجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها» .
وإذا وجد البائع سلعته عند المفلس وقد قبض بعض الثمن، كأن كَانَ عبدا فقبض البائع نصف ثمنه ثم أفلس، ففي هذه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن يأخذ نصف العبد هذا مذهب الشَّافِعِيّ.
والقول الثاني: أن يرد الذي قبض إن شاء ويأخذ العبد هذا قول مالك.
والقول الثالث: أن يكون أسوة الغرماء هذا قول النعمان.
وإذا وجد بعض السلع عند المشتري وقد باع بعضها وهو مفلس أخذ البائع بقي وضرب مع الغرماء بحصة الذي باع.
стр. 503
وإذا ارتفع ثمن السلعة المشتراة وأفلس المشتري، فصاحبها أحق بها، وإن رغب المفلس أو الغرماء فِي إمساكها، وعرضوا الثمن عَلَى البائع كَانَ لهم ذَلِكَ.
وإن كانت المشتراة أمة فولدت أولادا عند المشتري ثم أفلس أخذ البائع الأمة دون الولد، وكان الولد للمشتري، فإن كانوا أطفالا بيعوا جميعا، وأخذ البائع حصة الإماء والغرماء حصة الأولاد لئلا يفرق بينهم، وإن كَانَ المشتري بياض أرض فبنى فيها المشتري ثم أفلس واختار البائع أخذ عين ماله بيع ذَلِكَ، واقتسموا الثمن لبائع الأرض من ذَلِكَ حصة أرضه وللغرماء حصة البناء.
وإذا حجر القاضي عَلَى المفلس لم يجز بيعه وَلا شراؤه وَلا هبته وَلا عتقه حَتَّى يقضي الدين الذي عليه، وإن أقر بعد الحجر بدين لقوم لزمه ذَلِكَ فيما بيده وضربوا فِي ماله جميعا بالحصص، وليس لَهُ بعد أن يحجر عليه القاضي أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، وما فعل قبل ذَلِكَ لم يرد.
وإذا أفلس الصانع فأقر النساج منهم بأن هذا الغزل لفلان أو أقر الصائغ بأن هذه السبيكة لفلان فإقرارهم لازم لهم، ويجب دفع مَا أقروا به من ذَلِكَ إِلَى من أقروا لهم به.
وأكثر أهل العلم يرون حبس المفلس إِلَى أن يعلم أن لا شيء مَعَهُ، وليس يخلو القول عندي فِي ذَلِكَ من أحد ثلاثة وجوه: إما أن يكون موسرا مانعا لما عليه، وَلا يظهر لَهُ مال يوجد السبيل إِلَى قضاء مَا عليه، فإذا كَانَ ذَلِكَ وجب أن يعاقب بالحبس ليخرج مما عليه.
وقد روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه «أمر رجلا بلزوم رجل لَهُ عليه حق» ،
стр. 504
وهذا فِي معنى الحبس وَلا أعلم فِي الحبس خبرا يثبت من جهة النقل.
стр. 505
والوجه الثاني: أن يكون الذي عليه الدين معسرًا فلا سبيل إِلَى حبس المعسر، لأن اللَّه جل ذكره، قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، ولأن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ للرجل الذي أصيب فِي ثمار: «خذوا مَا وجدتم وليس لكم إلا ذَلِكَ» .
والوجه الثالث: أن يكون أخذ أموال الناس وَلا تشهد لَهُ بينة بالعدم وَلا عليه باليسار، وَلا نعلم جائحة أذهبت ماله فحبس هذا يجب، لأن العلم قد أحاط بأخذه الأموال، وَلا يعلم خروجها من يده فيعذر بذلك، فحبس هذا يجب.
وَلا يغفل القاضي المسألة عَنْهُ، فإذا صح عنده إفلاسه أطلقه ثم لا يعده إِلَى الحبس حَتَّى يعلم أنه استفاد مالا فيفعل فِي أمره مَا ذكرته لك.
وكل مَا عزل من مال المفلس من الدنانير والدراهم والعروض وغير ذَلِكَ لأصحابه الذين فلسوه فتلفه من المفلس حَتَّى يقبضوه.
وإذا سأل الغرماء أن يؤاجر المفلس ويؤخذ كسبه بعد نفقته ونفقة عياله فيقتضون منه مالهم فذلك غير جائز، لأن اللَّه أنظر المعسر، قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وديون المفلس والديون التي عليه إِلَى آجالها لا يحل منها شيء بإفلاسه.
وإذا أفلس الرجل فقسم ماله بين غرمائه ثم ادان دينا من غيرهم ثم فلس
стр. 506
ثانيا فلا فرق فِي ماله الذي وجد بيده بين الأولين والآخرين يقسم بينهم جميعا.
وإذا أحلف القاضي المفلس: أحلفه بالله الذي لا إله إلا هو مَا يملك، وَلا يجد لغرمائه قضاء بوجه من الوجوه فِي عرض وَلا نقد وَلا غير ذَلِكَ، وَلا يجوز أن يقول صاحب المال للذي عليه: أضع عنك وتعجل لي، روينا عن زيد بن ثابت، وابن عمر: أنهما كرها ذَلِكَ، وبه قَالَ مالك، والثوري، والكوفي.
стр. 507
كتاب المزارعة
ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «عامل أهل خيبر عَلَى شطر مَا يخرج من ثمر أو زرع» .
١٩١ - نا علي بن عبد العزيز بن عبيد، قَالَ: «عامل رَسُول اللَّهِ ﷺ أهل خيبر عَلَى شطر مَا يخرج من ثمر أو زرع» .
والقول بظاهر هذا الخبر يجب، وممن روينا عَنْهُ من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، أنهم كانوا يعطون أرضهم بالثلث والربع، علي بن أبي طالب،
стр. 508
وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وخباب، وابن عمر، وأنس، ومعاذ بن جبل، فدفع الأرض والنخل بالثلث والربع جائز لثبوت الخبر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فأما أخبار رافع بن خديج التي احتج بها من خالفنا فتلك أخبار معلولة كلها، وقد
стр. 509
ذكرنا عللها فِي غير هذا الكتاب، قَالَ أحمد: يروى عن رافع فِي هذا ضروب كأنه أراد أن ذَلِكَ يوهن ذاك الحديث.
وفيمن يخرج البذر قولان: أحدهما: أنه من عند رب الأرض هذا قول أحمد، وإسحاق، وقال غيرهما: مَا نبالي من عند أيهما كَانَ، لأن النَّبِيّ ﷺ لم يشترط ذَلِكَ حيث دفع خيبر إِلَى العمال.
وللرجل أن يستأجر الأرض وقتا معلوما بالدنانير والدراهم إذا كانت معلومة.
ومن أجاز ذَلِكَ من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ سعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، وابن عباس، وابن عمر، وبه قَالَ جماعة من
стр. 510
التابعين، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وهو قول عوام أهل العلم من علماء الأمصار.
وَلا بأس أن يستأجر الرجل الأرض بطعام معلوم موصوف ليس مما تخرج الأرض، ولكن يكون ذَلِكَ فِي ذمة المكتري يوصف كما يوصف فِي السلم فذلك جائز، وَلا يجوز أن تكترى الأرض بربع مَا يخرج منها وَلا بشيء منه.
وإذا اشترك النفر عَلَى أن البقر من عند أحدهم والأرض من عند الآخر والبذر من عند أحدهم، والعمل عَلَى أحدهم فزرعوا عَلَى هذا، عَلَى أن الزرع أرباعا لكل واحد منهم ربعه، فالزرع لصاحب البذر، ولصاحب الأرض أجر مثل الأرض، ولصاحب البقر أجر مثل البقر، وللعامل أجر مثله، وليس عَلَى صاحب البذر أن يتصدق بشيء منه.
وإذا كَانَ بين الرجلين أرض ولهما دواب وغلمان فزرعا ببذرهما وأعوانهما الأرض عَلَى أن مَا أخرج اللَّه فِي ذَلِكَ من شيء فهو بينهما، فهذا جائز لأن أحدهما لا يفضل صاحبه بشيء.
وإذا استأجر الرجل الأرض إجارة صحيحة فزرعها، وانقضت المدة وفي الأرض زرع، فعليه إذا انقضت المدة قلع الزرع، وإذا اكترى أرضا عَلَى أن يزرعها فأراد أن يغرسها فليس ذَلِكَ لَهُ.
وإذا استأجرها عَلَى أن يزرعها نوعا من الزرع فأراد أن يزرعها غير مَا شرط، فإن كَانَ لا ضرر عَلَى الأرض فِي ذَلِكَ أكثر من إضرار مَا اشترط أن يزرع فلا شيء عليه، وإن كَانَ ذَلِكَ أضر بالأرض مما شرط فليس لَهُ ذَلِكَ، وَلا يجوز أن تكترى الأرض ويشترط ثمر نخل
стр. 511
فيها كثر ذَلِكَ أم قل، لأن ذَلِكَ اكتراء النخل، ولأنه لا يعلم كرى الأرض من حصة ثمن الثمر وهو يفسد من وجوه.
ويكره أن يزرع بالعدة، كَانَ ابن عمر يكره ذَلِكَ، وإذا اكترى أرضا عَلَى أنه إن زرعها حنطة فكراؤها عشرة دنانير، وإن زرعها شعيرا فكراؤها ثمانية دنانير فالكراء فاسد، فإن أدرك قبل الزرع فسخ، وإن زرعها فعليه كراء المثل.
وإذا اكترى الرجل أرضا كراء صحيحا، ثم جَاءَ فَقَالَ: لا أجدر بذرا فقد لزمه الكراء، وليس ذَلِكَ بعذر يفسخ به الكراء، وَلا يجوز أن يكتري الرجل أرضا من رجل ليرعى فيها دوابه سنة، لأن ذَلِكَ لا يوقف عَلَى حد مَا وقف عليه الكراء، وقد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «لا يغرس رجل مسلم غرسا وَلا زرعا فيأكل منه دابة أو إنسان أو سبع أو طائر أو شيء إلا صار لَهُ فِيهِ أجر» .
стр. 512
كتاب المساقاة
ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامل أهل خيبر عَلَى شطر مَا يخرج من تمر أو زرع.
١٩٢ - نا أَبُو مَيْسَرَةَ، قَالَ: نا ابْنُ خَلادٍ وَابْنُ الصَّبَّاحِ، قَالا: نا يَحْيَى، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ»
فدفع النخل جائز مساقاة عَلَى النصف أو الثلث أو الربع أو عَلَى جزء من أجزاء معلوم، ودفع الكرم مساقاة كدفع النخل لا فرق بينهما، وَلا أعلم أحدا خالف مَا ذكرناه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا النعمان، وَلا يعلم لَهُ معنى إذ هو مخالف للسنة، ولأبي بكر، وعمر لأن أبا بكر أقر اليهود بخيبر بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وأقرهم عمر إِلَى أن أجلاهم وما زال أهل الحرمين عليه قديما
стр. 513
وحديثا، وترك يعقوب، ومحمد قول صاحبهما، وقالا: بالسنة التي ذكرناها.
واختلفوا فِي المساقاة فِي غير النخل والعنب، فكان مالك، يقول: تجوز المساقاة فِي كل أصل وكرم وزيتون أو تين أو فرسك أو مَا أشبه ذَلِكَ من الأصول، وبه قَالَ أبو
стр. 514
ثور، ويعقوب، ومحمد، وكان الشَّافِعِيّ لا يجيز المساقاة إلا فِي النخل والعنب.
القول الأول أصح، وَلا بأس بالمساقاة فِي البعل من النخل، لأن فِيهِ أعمالا سوى السقي.
وأكثر أهل العلم يكرهون المساقاة عَلَى شجر لم تطعم، وإذا دفع الرجل إِلَى الرجل نخلا معاملة ولم يسم سنة، وَلا أكثر من ذَلِكَ فهو جائز عَلَى ظاهر دفع النَّبِيّ ﷺ نخل خيبر إِلَى اليهود، وفي الحديث: «نقركم عَلَى ذَلِكَ مَا شئنا» .
ومما يجوز أن يشترط فِي المساقاة عَلَى العامل خم العين وسرو الشرب، وإبار النخل، وقطع الجريد وجداد التمر، فأما سد الحظار فكان مالك يجيز أن يشترطه رب النخل عَلَى العامل، وَلا يجوز فِي قول الشَّافِعِيّ، وقال مالك، والشافعي: لا بأس أن يشترط المساقاة عَلَى رب النخل غلمانا يعملون مَعَهُ وليس لَهُ أن يستعملهم فِي غير ذَلِكَ المال.
ونفقة الرقيق فِي قول مالك عَلَى المساقي لا ينبغي أن يشترط نفقتهم عَلَى رب المال.
وفي قول الشَّافِعِيّ: نفقة الرقيق عَلَى مَا تشارطا عليه.
стр. 515
وإذا كَانَ للرجل حائطان فله أن يعامل عَلَى أحدهما بعينه بالنصف، وعلى الآخر بالثلث وتخرج الزكاة من التمر، ثم يقتسمان مَا بقي عَلَى مَا اشترطا عليه.
وإذا دفع رجل إِلَى رجل نخلا معاملة سنين معلومة عَلَى النصف أو الثلث فهو جائز، فإن أراد أحدهما الرجوع بعد أن عقدا ذَلِكَ مثل انقضاء المدة فليس لَهُ ذَلِكَ إلا أن يمرض العامل، فيقيم مقامه ثقة غيره، فإن ادعى رب المال أن العامل خائن، وقال: أخاف أن يفسد علي نخلي سئل عن ذَلِكَ، فإن صحت خيانته قيل للعامل: أقم مكانها ثقة يقوم بما يجب عليك أن تقوم به، فإذا أثمرت النخل أخذت حصتك، وقبض رب المال حصته، وكانت أجرة القيم عَلَى العامل.
وإذا دفع رجل إِلَى رجل نخلا معاملة فمات أحدهما قام ورثته فِي ذَلِكَ مقامه إن كَانَ الميت صاحب النخل، وإن كَانَ الميت العامل قام ورثته مقامه إن شاءوا، وإذا دفع الرجل إِلَى الرجل نخلا معاملة عَلَى أن لرب النخل دنانير معلومة أو وسقًا من التمر يخص به، أو شرط العامل لنفسه فالمعاملة عَلَى هذا فاسدة لا تجوز.
стр. 516
باب السلف
أجمع كل من يحفظ عَنْهُ من أهل العلم عَلَى أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل مَا لَهُ مثل من الأطعمة المكيل منها والموزون جائزة، دل خبر رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أن استلاف الحيوان جائز.
وإذا استقرض الرجل من الرجل قرضا مما يجوز أن يقرض فرد عليه مثله فهو جائز، وللمقرض أخذ ذَلِكَ وَلا يحل أن يشترط عليه إذا أقرضه هدية أو هبة أو زيادة، فإن فعل ذَلِكَ كَانَ ربا لا يحل للآخذ وَلا للمعطي، وإن رد عليه أفضل منه عَلَى غير شرط فلا بأس به، ويكره أن يهدي المستقرض للمقرض هدية بسبب قرضه، وإن كانت عادتهما قد جرت بهدايا فلا بأس أن يمضيا عَلَى عادتهما.
وإنما يكره أن يحدث شيئا بسبب القرض لم يكن،
стр. 517
وَلا بأس أن يعطي الرجل الدنانير بأرض عَلَى معنى القرض ويعطيه بأرض أخرى قرب مَا بين البلدين أو بعد إذا لم يشترط فيما يعطي صرفا أو خيرا مما قبضه منه، وَلا يحل أن يعطيه دنانير قطعا عَلَى أن يرد عليه صحاحا أو يدفع إليه دنانير عَلَى صرف يذكر أنه من الدراهم، لا يحل شيء من ذَلِكَ.
وإذا أسلف الرجل من الرجل فلوسًا أو دراهم فأفسدها السلطان أو أبطلها فليس لَهُ إلا مثل فلوسه التي أعطى أو دراهمه، وإذا أقرضه دنانير معلومة إِلَى سنة فأحب إلي وأحسن أن لا يطالبه قبل الأجل، فإن فعل فله أن يأخذه منه متى شاء، وَلا بأس إذا أقرضه دنانير أن يأخذ مكانها دراهم يقبض ذَلِكَ مكانه، وإذا أقرضه حنطة فله أن يأخذ مكانها شعيرا يقبضه مكانه أقل من الحنطة أو أكثر، وإذا استقرض منه دراهم عددا فله أن يرد عليه عددا وليس هذا ببيع، وقد رخص غير واحد من أهل العلم للجيران أن يستقرض بعضهم من بعض الخبز.
стр. 518
كتاب المرتد
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
١٩٣ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ، وَكَانَ فِي الدَّارِ مَدْخَلٌ كُنَّا إِذَا دَخَلْنَاهُ سَمِعْنَا كَلامَ مَنْ عَلَى الْبَلاطِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيُوَاعِدُونِي بِالْقَتْلِ أَلْفًا.
فَقُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: بِمَ يَقْتُلُونِي؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: " لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ «، فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَلا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي اللَّهُ، وَلا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ يَقْتُلُونِي؟»
فإذا ارتد الرجل عن الإسلام أحببت أن يستتاب ثلاثا اتباعا لعمر، ولو قتله إمام لم أر عليه شيئا، لأني لا أعلم خبرا ثابتا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولم يوجب
стр. 519
ذَلِكَ، بل قد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «من بدل دينه فاقتلوه» .
باب ذكر ارتداد الْمَرْأَة المسلمة
ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ قولا عاما: «من بدل دينه فاقتلوه» .
١٩٤ - نا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّائِغُ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ وَلا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ، يَعْنِي: النَّارَ
دخل فِي قول رَسُول اللَّهِ ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» الرجال والنساء ويلزم من خالف مَا قلناه خلاف الخبر من جهة أخرى، وذلك أنه يقول: دخل الرجال والنساء فِي قوله: «أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس» .
فالمقرون إليهما يكون حكمه حكمهما عَلَى أن المناقضة لا تفارق من خالفنا، لأنه خرج عن ظاهر الحديث وأوجب عَلَيْهَا إذا ارتدت حبسا من عند نفسه لا حجة مَعَهُ به، وحكم العبد والأمة يرتدان حكم الحر المسلم لقول النَّبِيّ ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» .
стр. 520
باب ذكر المغلوب عَلَى عقله والسكران يتكلمان بالكفر
أجمع كل من يحفظ قوله من العلماء عَلَى أن المجنون فِي حال جنونه إذا تكلم بالكفر، أنه مسلم كما كَانَ قبل ذَلِكَ.
وقد اختلف فيمن تكلم بالكفر وهو سكران فألزمته طائفة الارتداد، وكان عثمان بن عَفَّانَ، يقول: «لا طلاق للسكران وَلا للمعتوه» .
ومن حجة من لا يلزمه الارتداد: أن المكره عَلَى الكفر لما سقط حكم الكفر عَنْهُ لارتفاع مراده، وجب كذلك أن يسقط حكم السلطان عَنْهُ لارتفاع مراده، وفي قولهم: إن السكران إذا ارتد لم يستتب فِي سكره ولم يقتل دليل عَلَى أن لا معنى لارتداده.
«وقد حرم رَسُول اللَّهِ ﷺ الدماء» ، وَلا يجوز أن يهراق دم باختلاف، لا حجة مع موجبه، والعبد والحر والمكاتب والمدبر فِي ذَلِكَ سواء كل من ارتد منهم وجب قتله إن لم يتب.
стр. 521
باب ذكر مَا يجب عَلَى من سب النَّبِيّ ﷺ
١٩٥ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا يَعْلَى، قَالَ: نا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: " مَرَرْتُ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَتَغَيَّظُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الَّذِي تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ ، قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ ، قُلْتُ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ لأَذْهَبَ عِظَمَ كَلِمَتِي غَضَبُهُ.
قَالَ: مَا كَانَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "،
стр. 522
وَمِنْ ذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، لأَنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وقد روينا عن ابن عمر، أنه قيل لَهُ: إن رجلا سب النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: لو سمعته لقتلته، وأجمع عوام أهل العلم عَلَى وجوب القتل عَلَى من سب النَّبِيّ ﷺ هذا قول: مالك، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ومن تبعهم.
باب ذكر المكره عَلَى الكفر
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]
١٩٦ - نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
стр. 523
وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] ، وَعَذَرَ اللَّهُ الْمُكْرَهَ وَطَرَحَ عَنْهُ الْحَرَجَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ الْكُفْرُ، بَلْ هُوَ عَلَى إِيمَانِهِ لا يَضُرُّهُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ الْمُطَّلِعُ عَلَى ضَمِيرِهِ يَعْلَمُ صِدْقَ نِيَّتِهِ
باب ذكر استتابة الزنديق
قَالَ اللَّه جل ثناؤه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿١﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ١-٢] .
١٩٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَد، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اخْتَلَفْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ضَرْبَتَيْنِ، ضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ
стр. 524
يَدِي، فَلَمَّا أَهْوَيْتُ إِلَيْهِ لأَقْتُلَهُ، قَالَ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَقْتُلُهُ أَمْ أَدَعُهُ؟ قَالَ: بَلْ دَعْهُ.
قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي.
قَالَ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ: «إِنْ قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ تَقُولَهَا فَأَنْتَ مِثْلُهُ قَبْلَ أَنْ تَقُولَهَا، وَهُوَ مِثْلُكَ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَكَ»
فإظهار الزنديق التوبة يجب قبولها عَلَى ظاهر قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] ، إذ فِي ذَلِكَ دليل عَلَى أن إظهار الإيمان جنة من القتل، وإنما كلفنا الظاهر، وقد أسر قوم من المنافقين الكفر، وأظهروا بألسنتهم غير مَا فِي قلوبهم، فقبل رَسُول اللَّهِ ﷺ منهم مَا أظهروه، وهذا مذهب عبيد اللَّه بن الْحَسَنِ، والشافعي.
باب ذكر مال المرتد المقتول عَلَى ردته
١٩٨ - نا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»
فعلى ظاهر هذا الحديث لا يرث المرتد ورثته من المسلمين، وَلا يرثهم لأنه كافر، ولكن الإمام يأمر بقبض ماله ويضعه فِي بيت مال الفيء ليفرقه فيما يجب.
باب ذكر أحكام المرتد
أجمع كل من أحفظ عَنْهُ من أهل العلم عَلَى أن المرتد بارتداده لا يزول
стр. 525
ملكه عن ماله.
وأجمعوا عَلَى أنه برجوعه إِلَى الإسلام مردود عليه ماله، وليس يخلو فعله فِي ماله بعد أن ارتد من أحد وجهين: أحدهما: أن يكون كل مَا فعل موقوفا لا ينفذ منه شيء حَتَّى يرجع إِلَى الإسلام، فإذا رجع إِلَى الإسلام أنفذ ذَلِكَ، ولزمه مَا فعل، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ، أو يكون عتقه وهبته وبيعه وشراؤه، وكل شيء صنعه من ماله جائز.
هذا قول النعمان، ولي فِيهِ نظر.
стр. 526
وإذا وجب عَلَى المرتد القتل فعدا عليه رجل فقتله فلا شيء عليه من عقل وَلا قود، لأنه قتل كافرا مباح الدم غير أن الإمام ينهاه حيث تولى شيئا ليس إليه، وإن عزره كَانَ لتعزيره وجه.
وإذا أصاب المسلم حدًا ثم ارتد ثم رجع إِلَى الإسلام أقيم عليه الحد، لأن ذَلِكَ لزمه فِي حال إسلامه، وَلا يجوز أن يسقط مَا وجب عليه فِي حال إسلامه لكفره، وإذا ارتد الرجل عن الإسلام وقعت الفرقة بينه وبين زوجته مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها.
وهذا عَلَى مذهب مالك، والثوري، والنعمان.
وَلا يجوز أكل ذبيحة المرتد، لأنه ليس بمسلم وَلا هو من أهل الكتاب.
وأجمع أهل العلم: عَلَى أن الكافر إذا شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله وأن كل مَا جَاءَ به مُحَمَّد حق ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذَلِكَ فأظهر الكفر كَانَ مرتدا يجب قتله إذا لم يتب.
واختلفوا فِيهِ: إن شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رَسُول اللَّهِ، فَقَالَ أحمد بن حنبل: يجبر عَلَى الإسلام، وأنكر عَلَى من قَالَ: لا يجبر.
وكذلك قَالَ الشَّافِعِيّ: إن كَانَ القائل منهم من أهل الأوثان ومن لا دين لَهُ يدعي أنه لا دين نبوة وَلا كتاب.
وقال أصحاب الرأي: إن كَانَ من اليهود والنصارى، فَقَالَ: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رَسُول اللَّهِ لم يكن بذلك مسلما حَتَّى يصلي مع المسلمين فِي جماعة أو يؤذن لهم.
وقال الشَّافِعِيّ: إن كَانَ من اليهود والنصارى، من يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّهِ ﷺ .
ويقول: لم يبعث إلينا لم يكن مستكمل الإقرار بالإيمان، حَتَّى يقول: وإن دين مُحَمَّد حق أو فرض، وأتبرأ مما خالف دين مُحَمَّد ﷺ أو دين الإسلام.
стр. 527
وإذا ارتد مرة بعد مرة استتيب ليس لذلك حد يوقف عليه.
وأجمع أهل العلم: عَلَى أن الشاهدين يجب قبول شهادتهما عَلَى الارتداد، ويقتل المرتد بشهادتهما إن لم يرجع إِلَى الإسلام، وكل مَا ثبت عَلَى المرتد من دين أدي من ماله، وإذا كَانَ لَهُ ديون عَلَى الناس وجب قبض ذَلِكَ وضمه إِلَى ماله، وما كَانَ عليه إِلَى أجل أو لَهُ دين إِلَى أجل فهو إِلَى أجله كَانَ مما عليه أو لَهُ، وليس للمرتد أن ينكح امرأة مسلمة وَلا كتابية.
стр. 528
كتاب العتق
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١-١٣] ، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوا منه من النار» .
١٩٩ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، يُقَالُ لَهُ: شُعْبَةُ وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى فِي دَارِهِ عَلَى سَطْحِهِ فَدَعَا بَنِيهِ، فَقَالَ: وَا بَنِيَّ تَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وفي حديث كعب بن مرة البهزي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما كَانَ فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه، وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزى بكل عظمين من عظامهما عظما من عظامه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من
стр. 529
النار، يجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها» .
وثبت عَنْهُ ﷺ ، أنه سئل أي الرقاب أفضل؟ قَالَ: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» .
باب ذكر المعتق شركا لَهُ فِي عبد وهو موسر أو معسر
٢٠٠ - نا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»
إذا أعتق الرجل شركا لَهُ فِي عبد وكان موسرا حين أعتقه عتق العبد كله، وصار حرا وغرم لشريكه قيمة نصيبه فِي ماله والولاء كله لَهُ، وإن لم يكن لَهُ مال عتق نصيبه وَلا يعتق منه غير ذَلِكَ.
وليس عَلَى العبد المعتق سعاية، لأن هماما ذكر أن الاستسعاء من فتيا قتادة فألحق بعضهم الزيادة التي زادها قتادة فِي الحديث،
стр. 530
فأوهم بعضهم أن ذَلِكَ من كلام رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وليس كذلك وإذا أعتق الرجل شركا لَهُ فِي عبد وهو موسر وقت أعتق، ثم أفلس مكانه فعليه قيمة حصة شريكه، لأنهم لما قالوا: إن المعتق بعد دفع القيمة لا يحتاج إِلَى تجديد قول ثان، فإن العتق إنما وقع عَلَى الحصة التي للشريك بالقول الأول، والقيم إنما تكون للأشياء المتلفة،
следующие страницы →