Полный текст (657 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وإذا وجب عَلَى المرتد القتل فعدا عليه رجل فقتله فلا شيء عليه من عقل وَلا قود، لأنه قتل كافرا مباح الدم غير أن الإمام ينهاه حيث تولى شيئا ليس إليه، وإن عزره كَانَ لتعزيره وجه.
وإذا أصاب المسلم حدًا ثم ارتد ثم رجع إِلَى الإسلام أقيم عليه الحد، لأن ذَلِكَ لزمه فِي حال إسلامه، وَلا يجوز أن يسقط مَا وجب عليه فِي حال إسلامه لكفره، وإذا ارتد الرجل عن الإسلام وقعت الفرقة بينه وبين زوجته مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها.
وهذا عَلَى مذهب مالك، والثوري، والنعمان.
وَلا يجوز أكل ذبيحة المرتد، لأنه ليس بمسلم وَلا هو من أهل الكتاب.
وأجمع أهل العلم: عَلَى أن الكافر إذا شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله وأن كل مَا جَاءَ به مُحَمَّد حق ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذَلِكَ فأظهر الكفر كَانَ مرتدا يجب قتله إذا لم يتب.
واختلفوا فِيهِ: إن شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رَسُول اللَّهِ، فَقَالَ أحمد بن حنبل: يجبر عَلَى الإسلام، وأنكر عَلَى من قَالَ: لا يجبر.
وكذلك قَالَ الشَّافِعِيّ: إن كَانَ القائل منهم من أهل الأوثان ومن لا دين لَهُ يدعي أنه لا دين نبوة وَلا كتاب.
وقال أصحاب الرأي: إن كَانَ من اليهود والنصارى، فَقَالَ: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رَسُول اللَّهِ لم يكن بذلك مسلما حَتَّى يصلي مع المسلمين فِي جماعة أو يؤذن لهم.
وقال الشَّافِعِيّ: إن كَانَ من اليهود والنصارى، من يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّهِ ﷺ .
ويقول: لم يبعث إلينا لم يكن مستكمل الإقرار بالإيمان، حَتَّى يقول: وإن دين مُحَمَّد حق أو فرض، وأتبرأ مما خالف دين مُحَمَّد ﷺ أو دين الإسلام.
стр. 527
وإذا ارتد مرة بعد مرة استتيب ليس لذلك حد يوقف عليه.
وأجمع أهل العلم: عَلَى أن الشاهدين يجب قبول شهادتهما عَلَى الارتداد، ويقتل المرتد بشهادتهما إن لم يرجع إِلَى الإسلام، وكل مَا ثبت عَلَى المرتد من دين أدي من ماله، وإذا كَانَ لَهُ ديون عَلَى الناس وجب قبض ذَلِكَ وضمه إِلَى ماله، وما كَانَ عليه إِلَى أجل أو لَهُ دين إِلَى أجل فهو إِلَى أجله كَانَ مما عليه أو لَهُ، وليس للمرتد أن ينكح امرأة مسلمة وَلا كتابية.
стр. 528
كتاب العتق
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١-١٣] ، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوا منه من النار» .
١٩٩ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، يُقَالُ لَهُ: شُعْبَةُ وَكَانَ ثِقَةً، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى فِي دَارِهِ عَلَى سَطْحِهِ فَدَعَا بَنِيهِ، فَقَالَ: وَا بَنِيَّ تَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وفي حديث كعب بن مرة البهزي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما كَانَ فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه، وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزى بكل عظمين من عظامهما عظما من عظامه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من
стр. 529
النار، يجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها» .
وثبت عَنْهُ ﷺ ، أنه سئل أي الرقاب أفضل؟ قَالَ: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» .
باب ذكر المعتق شركا لَهُ فِي عبد وهو موسر أو معسر
٢٠٠ - نا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»
إذا أعتق الرجل شركا لَهُ فِي عبد وكان موسرا حين أعتقه عتق العبد كله، وصار حرا وغرم لشريكه قيمة نصيبه فِي ماله والولاء كله لَهُ، وإن لم يكن لَهُ مال عتق نصيبه وَلا يعتق منه غير ذَلِكَ.
وليس عَلَى العبد المعتق سعاية، لأن هماما ذكر أن الاستسعاء من فتيا قتادة فألحق بعضهم الزيادة التي زادها قتادة فِي الحديث،
стр. 530
فأوهم بعضهم أن ذَلِكَ من كلام رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وليس كذلك وإذا أعتق الرجل شركا لَهُ فِي عبد وهو موسر وقت أعتق، ثم أفلس مكانه فعليه قيمة حصة شريكه، لأنهم لما قالوا: إن المعتق بعد دفع القيمة لا يحتاج إِلَى تجديد قول ثان، فإن العتق إنما وقع عَلَى الحصة التي للشريك بالقول الأول، والقيم إنما تكون للأشياء المتلفة،
стр. 531
ولو منعوا الذي لم يعتق من بيع حصته بعد عتق شريكه، ولم يمنعوه، قيل: يعتق شريكه من البيع كَانَ ذَلِكَ عَلَى الفرق بين الحالين، وإنهم إنما منعوه من بيع مَا وقع عليه العتق.
باب ذكر الرجل يعتق بعض عبده أو عضوا من أعضاء عبده
أجمع أهل العلم عَلَى أن الرجل إذا أعتق عبدا لَهُ فِي صحته وهو موسر أن عتقه ماض عليه.
وإذا أعتق الرجل بعض عبده وهو صحيح عتق العبد كله استدلالا بأن النَّبِيّ ﷺ لما ألزم الشريك المعتق حصة شريكه الذي لم يملكه قبل العتق إذ كَانَ موسرا وأوقع العتق عَلَى جميع العبد، وجب إذا كَانَ العبد للمعتق بكماله فأعتق شقصا منه بأن جميعه يعتق عليه من حيث دلت السنة عَلَى وجوب عتق مَا لا يملك من العبد عليه، لأنه أعتق مَا يملكه منه.
وإذا قَالَ الرجل لعبده: أصبعك حر.
ففي قول قتادة، والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق يعتق العبد كله وهذا قياس قول الشَّافِعِيّ، وفي قول أصحاب الرأي لا يعتق.
باب ذكر ملك الرجل ولده أو والده أو ذوي أرحامه
أجمع أهل العلم عَلَى أن الرجل إذا ملك والده أو ولده أنه يعتق عليه ساعة
стр. 532
يملكهم، وأجمعوا: عَلَى أن من ملك من كل من ذكرنا جزءا أن الجزء يعتق عليه.
وإذا ملك شقصا ممن يعتق عليه بشراء أو هبة، ففيهما قولان: أحدهما: أن يعتق عليه مَا ملك ويعتق عليه الباقي، وهذا قول: مالك، والشافعي، ويعقوب.
والقول الثاني: أن لا يعتق عليه إلا مَا اشترى أو وهب لَهُ وَلا يعتق عليه الباقي، هذا قول أبي ثور، لأن النَّبِيّ ﷺ ضمن المعتق قيمة حصص أصحابه، لأنه أحدث العتق والمشتري لم يحدث عتقا إنما أعتق عليه، ويعتق عليه أبواه وأجداده لأبيه وأمه، وجداته لأبيه وأمه وولده وولد ولده، وهذا قول: مالك، والشافعي، والكوفي، وعوام العلماء.
وَلا يعتق عليه سائر ذوي أرحامه، وإنما أعتقنا عليه من ذكرنا لإجماع أهل العلم عليه.
ووقفنا عن عتق من يملكه المرء من ذوي أرحامه لأني لا أعلم حجة توجب عتقهم.
باب ذكر مال العبد المعتق والاستثناء من العتق
٢٠١ - نا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ، قَالَ: نا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ:
стр. 533
حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُهُ لَهُ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ مَالَهُ فَيَكُونُ لَهُ»
قَالَ أبو بكر: وقد روينا هذا القول عن ابن عمر، وعائشة، وبه قَالَ الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والزُّهْرِيّ، والشعبي، والنخعي، ومالك،
стр. 534
وأهل المدينة وبه أقول لحديث ابن عمر.
أجمع أهل العلم عَلَى أن من قَالَ لعبده: أنت حر، أو قد أعتقتك، أو أنت معتق، أو عتيق ينوي به عتقه أن عبده يعتق عليه، وَلا سبيل لَهُ إليه، وإذا قَالَ لعبده: أنت حر.
إن شاء اللَّه لم يقع عليه العتق فِي قول عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وحماد بن أبي سُلَيْمَان، والشافعي، ويعتق فِي قول الحسن البصري، والأوزاعي، ومالك.
القول الأول أحب إلي.
وأجمع كل من يحفظ عَنْهُ من أهل العلم عَلَى أن الرجل إذا أعتق مَا فِي بطن أمته فولدت ولدا حيا مكانها، أن الولد حر دون الأم، وممن حفظنا هذا عَنْهُ مالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وَلا يحفظ عن غيرهم خلاف قولهم، ولم يجعلوه فِي هذا الوجه كعضو من أعضائها، وإذا أعتق الرجل الأمة، واستثنى
стр. 535
مَا فِي بطنها فله ثنياه كذلك.
قَالَ ابن عمر: وَلا نعلم أحدا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ خالفه، وبه قَالَ: عطاء، ومحمد بن سيرين، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وبه نقول.
وإذا باع الأمة دون ولدها وهي حامل فالبيع جائز، لأن البيع معلوم وَلا يضرهما أن يجهلا مَا لم يقع عليه البيع.
مسائل
٢٠٢ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ،
стр. 536
عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: " أَعْتَقْتُكَ، وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتَ.
فَقُلْتُ: لَوْ لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَيَّ مَا فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتُ ".
فَأَعْتَقَتْنِي، وَاشْتَرَطَتْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّوَوِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبِهِ نَقُولُ
وإذا قَالَ الرجل لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ولدين وقع العتق عَلَى الأول
стр. 537
منهما وهذا عَلَى مذهب مالك، والشافعي، والكوفي، وإن ولدت ولدين ولم يدر الأول منهما ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: يستسعيان، هذا قول الثَّوْرِيّ.
والقول الثاني: أن يقرع بينهما فمن أصابته منهما، القرعة عتق، هذا قول أحمد، وإسحاق.
والقول الثالث: أن يوقف أمرهما حَتَّى يتبين الأول منهما هذا يشبه مذهب الشَّافِعِيّ وبه أقول.
وإذا قَالَ الرجل لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر فولدت أولادا فهم أحرار، هذا قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان الثَّوْرِيّ، والشافعي، وَلا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم.
فإن باع الأمة ثم ولدت بعد زوال ملكه عنها أولادا لم يعتقوا وهم مماليك، لأنهم ولدوا بعد خروجها من ملكه.
وإذا قَالَ الرجل يعاتب عبده: مَا أنت إلا حر ولم يرد الحرية فلا شيء عليه، وهذا قول: مالك، والأوزاعي، وبه قَالَ الأكثر من أهل العلم، والحجة فِيهِ قول النَّبِيّ ﷺ : «الأعمال بالنية» .
وهذا لم يرد عتقا، كأنه قَالَ: أنت تشبه الأحرار فِي أفعالهم وتخلق بأخلاقهم.
стр. 538
باب تقدم العتق قبل الملك وقول الرجل لعبده إن بعتك فأنت حر وغير ذَلِكَ
إذا قَالَ الرجل: كل مملوك أملكه فهو حر فاشترى عبيدا بعد هذا القول فلا شيء عليه، لا عتق إلا بعد الملك، ثبت هذا القول عن ابن عباس، وبه قَالَ: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وسوار القاضي، والشافعي، وأبو ثور.
الخبر والنظر يدلان عَلَى صحة هذا القول، فأما الخبر فحديث عبد الله بن عمرو، وابن عباس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «لا عتق فيما لا يملك وَلا بيع فيما لم يملك» .
ولما أجمع
стр. 539
أهل العلم عَلَى ثبوت ملك المشتري عَلَى العبد الذي قَالَ القائل: إن اشتريته فهو حر.
واختلفوا فِي زوال ملكه عن هذا العبد لم يجز إزالة ملكه عن مَا ملك إلا بإجماع مثله، وثبت ذَلِكَ عن ابن عباس، وَلا مخالف لَهُ من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ وذلك لازم للمدني، والكوفي عَلَى أصولهم.
وإذا قَالَ الرجل لعبده: إن بعتك فأنت حر عتق من مال البائع وهذا قول: الحسن البصري، ومالك، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة،
стр. 540
والشافعي، وأحمد بن حنبل.
لأن اسم البيع يلزم من باع عبده بيعا صحيحا فلما باع لزمته الحرية، لأنه قد باع ولأنهما بالخيار مَا لم يتفرقا، وإذا وقعت الحرية انفسخ البيع.
وإذا دفع العبد مالا إِلَى من يشتريه من مولاه ويعتقه، فاشتراه الرجل من مولاه وأعتقه نظر، فإن كَانَ اشتراه بعين المال فالشراء فاسد، وَلا يقع عليه العتق والذي قبضه السيد إنما قبض ماله، فإن اشتراه بغير عين المال فالشراء جائز، والعتق ماض ويدفع المشتري إِلَى السيد مَا قبض من العبد، ويزن للعبد الثمن من ماله، وهذا عَلَى مذهب الشَّافِعِيّ وبه أقول.
وفي العبد الذي نصفه حر ونصفه مملوك قولان: إذا مات أحدهما أن ميراثه للذي لَهُ النصف وهذا قول: الزُّهْرِيّ، ومالك، ومن الحجة لهما: أن أحكام العبيد كانت لازمة لَهُ قبل أن تحدث فِيهِ الحرية، فلا تزول تلك الأحكام عَنْهُ حَتَّى يجمعوا أو تدل سنة عَلَى زوال ذَلِكَ عَنْهُ.
والقول الثاني: أن مَا ترك بين المولى الذي أعتق والمتمسك برقه شطران، هذا قول: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وطاوس، وإياس بن معاوية، وأحمد بن حنبل.
стр. 541
مسائل من كتاب العتق
وإذا شهد رجلان عَلَى رجل أنه أعتق عبده فردت شهادتهما ثم اشتراه أحدهما عتق عليه، وهذا قول: مالك، والأوزاعي، والشافعي، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حَتَّى يحتلم، وعن النائم حَتَّى يستيقظ، وعن المجنون، والمعتوه حَتَّى يفيقا ".
فلا يجوز عتق الصبي وَلا عتق المجنون استدلالا بهذه السنة، وَلا أعلمهم اختلفوا فِيهِ، وَلا يجوز عندي عتق السكران، لأن عثمان بن عَفَّانَ لما أبطل طلاقه كَانَ عتقه كذلك، وَلا يجوز عتق المولى عليه.
وإذا قَالَ الرجل: كل مملوك لي حر وله عبيد وإماء ومكاتبون ومدبرون وقع العتق عَلَى جميعهم، وهذا قول: أحمد بن حنبل، وأبي ثور، والمدني.
وقال من حفظنا عَنْهُ من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ : إن المكاتب عبد مَا بقي عليه، منهم من قَالَ: شيء.
ومنهم من قَالَ: درهم.
والقياس عَلَى الأكثر من
стр. 542
المعاني.
وأكثر أحكام المكاتب أحكام العبيد، وَلا يقولن قائل إنه لما لم يجز بيعه لم يجز عتقه، فإنه يجيز عتق الآبق وَلا يجيز بيعه، ولو قَالَ لعبد لَهُ، ولعبد آخر آبق، ولمكاتب لَهُ: أنتم أحرار.
عتقوا جميعا.
стр. 543
باب ذكر أولاد العرب من الإماء
إذا تزوج العربي مملوكة، وهو يعلم أنما مملوكة فوطئها وأولدها ففي ذَلِكَ قولان: أحدهما: أن يقوم عَلَى أَبِيهِ ويعتق وَلا يسترق هذا قول: الثَّوْرِيّ، وإسحاق، وأبي ثور.
والقول الثاني: أنهم رقيق هذا قول: مالك، وأصحاب الرأي، وناس من أهل الحديث.
ومن حجة من قَالَ هذا القول أخبار ثابتة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أحدها: أنه سبى هوازن، وأنهم لما كلموه ترك حقه وحق من أطاعه، وضمن لكل من لم تطب نفسه لكل رأس بشيء ذكره، وأن عمر بن الْخَطَّابِ كَانَ مَعَهُ غلام من رقيق حنين، قَالَ: فاذهب فأنت حر.
ولم يكن رَسُول اللَّهِ ﷺ ليعتق أحرارا
стр. 544
وهؤلاء قوم من العرب قد جرى عليهم الرق بالسبي.
ويدل عَلَى صحة هذا القول قول النَّبِيّ ﷺ فِي سبية كانت عند عائشة من بني تميم: «أعتقيها فإنها من ولد إِسْمَاعِيل» .
وأمرها أن تعتق من بني العنبر فِي محرر كَانَ عَلَيْهَا وهذه أخبار ثابتة لما أجمع أهل العلم عَلَى التسوية بين العرب والعجم فِي الدماء، لما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» .
فإذا اختلفوا فيما دون الدماء فحكمه حكم الدماء الذي دلت السنة والإجماع عليه.
٢٠٣ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ بِالْجِعْرَانَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ عِنْدَ الْبَيْتِ.
قَالَ: «فَاذْهَبْ فَاعْتَكِفْ عِنْدَ الْبَيْتِ» .
فَسَمِعَ نَاسًا، يَقُولُونَ: «أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقِيقَ حُنَيْنٍ» ، وَمَعَهُ غُلامٌ مِنْ رَقِيقِ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: فَاذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ
стр. 545
مسائل من كتاب العتق
وإذا قَالَ الرجل: أنت حر إن فعلت كذا ثم باع العبد بيعا صحيحا ثم فعل ذَلِكَ الفعل لم يعتق العبد، لأنه حنث وهو خارج عن ملكه، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ، والنعمان وبه أقول.
وإذا قَالَ لعبده: أنت حر إِلَى سنة أو قَالَ ذَلِكَ لجاريته فالعبد والجارية عَلَى ملكه، وله أن يبيعهما قبل مضي السنة، وله أن يطأ الجارية، وإذا باعهما بيعا صحيحا قبل مجيء الوقت، ثم جَاءَ الوقت لم يحنث، لأنهما فِي ملك غيره، وإذا قَالَ الرجل لعبده: إن لم أضربك فأنت حر.
فأراد بيعه، وأن لا يضربه فله أن يبيعه ويهبه متى أحب، لأنه عَلَى يمينه إذا لم يكن وقت لذلك وقتا، وإن مات السيد قبل أن يضربه عتق، فِي قول مالك، والشافعي من ثلث ماله.
وأجمع أهل العلم: عَلَى أن مَا يحدثه المريض والمخوف عليه فِي مرضه الذي يموت فِيهِ من هبة لأجنبي أو صدقة أو عتق أن ذَلِكَ فِي ثلث ماله، وأن مَا جاوز ثلثه من ذَلِكَ مردود غير جائز إنفاذه.
ودل خبر عمران بن حصين، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قصة
стр. 546
الرجل الذي أعتق ستة أعبد لَهُ عند موته، فأعتق النَّبِيّ ﷺ منهم اثنين وأرق أربعة عَلَى مثل مَا أجمع عليه أهل العلم، وقال بظاهر خبر عمران بن حصين عمر
стр. 547
بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وأجمع أهل العلم عَلَى أن الراهن ممنوع من بيع الرهن، وهبته والصدقة به وإخراجه من يدي مرتهنه حَتَّى يبرأ من حق المرتهن.
واختلفوا فِي الراهن يعتق العبد المرهون بغير إذن المرتهن، فكان عثمان البتي، وأبو ثور، يقولان: عتقه باطل لا يجوز، وبه نقول، وقال
стр. 548
الشَّافِعِيّ، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي: إن كَانَ موسرا فعتقه جائز، وتؤخذ منه قيمته تكون رهنا مكانه، وإن كَانَ معسرا فلا يجوز عتقه فِي قول: مالك، والشافعي.
ومن حجة من قَالَ بالقول الأول، أنهم لما أبطلوا بيع الراهن بغير إذن المرتهن، لأنه إخراج لَهُ من الرهن كَانَ كذلك العتق لا يجوز، لأنه إخراج لَهُ من الرهن، وإذا مثل الرجل بعبده لم يعتق عليه، لأني لا أعلم مع من أوجب عتقه حجة.
стр. 549
وأجمع أهل العلم عَلَى أن الرجل إذا قَالَ لعبده: أنت حر.
أو: قد أعتقتك.
أو: أنت معتق.
يريد به اللَّه أنه حر.
وإذا قَالَ السيد لعبده: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك.
وقال: لم أرد عتقا فإنه يحلف وَلا يلزمه العتق، وإن أقر بالعتق لزمه العتق.
وإذا قَالَ الرجل لعبده: يَا بني، أو لأمته: يَا بنية فهو سواء وَلا يعتق واحد منهما لأن هذا دعاء، وكلام لطيف، وقد روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ لأنس: «يَا بني» .
стр. 550
وإذا قَالَ الرجل لغلام مجهول النسب: هذا ابني ومثله يولد لمثله ثبت نسبه منه وهو حر، وإذا قَالَ الرجل وهو ابن عشرين سنة لعبد لَهُ خمسون سنة: هذا ابني وصدقة العبد أو كذبه لم يلحق نسبه، ولم يلزمه عتق، وهذا كذب منه.
وإذا قَالَ الرجل لعبده: لا سلطان لي عليك، وقال: لم أرد عتقا وإنما أردت أنه غير مطيع لي فالقول قوله مع يمينه وَلا يلزمه العتق، وإذا قَالَ الرجل لمملوكه: يَا سالم، فأجابه نافع، فَقَالَ: أنت حر.
وقال: عنيت سالما فإنهما يعتقان عليه، إذا ثبتت عليه بذلك بينة، وأما فيما بينه وبين اللَّه فلا يعتق عليه إلا الذي أراد.
وإذا قَالَ الرجل لعبد لغيره: أنت حر من مالي ثم اشتراه فلا شيء عليه، وهو مملوكه، وإذا أعتق الرجل عبد ولده الصغير لم يعتق لأنه لا يملكه.
وإذا قَالَ الرجل لعبده: أعتقتك أمس عَلَى ألف درهم وقبلته، وقال العبد: أعتقتني عَلَى غير شيء حلف العبد وعتق بإقراره أنه حر وهذا عَلَى مذهب الشَّافِعِيّ، والكوفي وبه نقول.
وإذا قَالَ لعبده: إذا أديت لي ألف درهم فأنت حر فمتى أدى إليه ألف درهم فهو حر، وإذا قَالَ الرجل لعبده: أنت حر وعليك ألف درهم فهو حر وَلا شيء عليه.
وإذا أعتق الرجل عن أَبِيهِ عبدا وهو حي يريد بر أَبِيهِ فهو حر، والولاء للمعتق لقول النَّبِيّ ﷺ : «الولاء لمن أعتق» .
وإذا اشترى الرجل العبد بثوب بعينه ثم أعتق واستحق الثوب بطل البيع، وإذا بطل البيع بطل العتق، لأنه أعتق مَا لم يملك، وإذا قَالَ الرجل لعبده: أنت حر اليوم فهو حر أبدا، وقال ذَلِكَ مالك.
стр. 551
كتاب الأطعمة
قَالَ اللَّه جل ثناؤه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
حرم اللَّه بعد فِي ﴿ [المائدة، فَقَالَ:] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ إِلَى قوله: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [سورة المائدة: ٣] ، و ﴿ [المائدة مدنية وسورة الأنعام مكية.
وقال اللَّه جل ذكره:] النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٧] ، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
فالنبي ﷺ المفسر لكتاب اللَّه والمبين عن اللَّه معنى مَا أراد، فمما «حرم رَسُول اللَّهِ ﷺ كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم لحوم الحمر الأهلية ولحوم البغال، ونهى عن المصبورة، والمجثمة وحرم
стр. 552
الجلالة، وأكل كثير من الهوام» ، وعلى الخلق طاعة رَسُول اللَّهِ ﷺ ، لأن اللَّه تعالى فرض طاعته عليهم، قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] ، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] .
стр. 553
باب مَا يحرم أكله من الدواب بسنة رَسُول اللَّهِ ﷺ
٢٠٤ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا سُفْيَان، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»
«حرم رَسُول اللَّهِ ﷺ كل ذي ناب من السباع» ، وكان الضبع محرما عَلَى ظاهر هذه السنة، فلما ذكر جابر بن عبد الله أن الضبع صيد، وأنه يؤكل وأنه سمع من رَسُول اللَّهِ ﷺ وجب أن يستثنى من جملة نهي النَّبِيّ ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وتحرم سائر السباع عَلَى ظاهر السنة والثعلب داخل فِي جملة نهي النَّبِيّ ﷺ عن كل ذي ناب من السباع غير خارج من ذَلِكَ بسنة، وَلا يجوز أن يستثنى من السنة إلا بسنة مثلها، وممن حرم الثعلب: أبو هُرَيْرَة، والحسن البصري، والنخعي، والزُّهْرِيّ، ومالك.
والهر محرم
стр. 554
داخل فِي جملة نهي النَّبِيّ ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نهى عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم البغال» .
٢٠٥ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا حَمَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الْخَيْلِ»
وَلا يجوز أكل لحوم الحمير والبغال، لأن النَّبِيّ ﷺ نهى عن ذَلِكَ، وبه قَالَ عامة أهل العلم، وَلا يجوز أكل لحوم الجلالة وَلا المجثمة، والمجثمة: الشاة ترمى بالنبل حَتَّى تقتل.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تتخذوا شيئا فِيهِ الروح غرضا» .
«ونهى أن تصبر البهائم، ونهى عن أكل الجلالة وألبانها» ، وفي حديث عبد الله بن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نهى عن إبل الجلالة أن تؤكل لحومها وَلا تشرب ألبانها وَلا يحمل عَلَيْهَا الأدم، وَلا يركب عَلَيْهَا الناس حَتَّى تعلف أربعين يوما» .
فإذا علفت أربعين يوما طاب لحمها، وجاز الركوب عَلَيْهَا، وقد كَانَ ابن عمر، يحبس الدجاجة ثلاثة أيام إذا أراد أن يأكل بيضها.
وهذا عَلَى مَا جاءنا فِي هذا الباب، وَلا يجوز شرب ألبان الأتن، وَلا يجوز أكل الفأر والعقارب والغربان والحدأ والكلاب،
стр. 555
لأن النَّبِيّ ﷺ لما أباح للمحرم قتل خمس من الدواب دل بإباحته للمحرم أن يقتله عَلَى تحريم أكل لحومه قبل الإحرام، لأن مَا كَانَ صيدا مباح أكله وصيده للحلال فهو حرام عَلَى المحرم صيده وأكله، وما كَانَ خارجا عن أبواب الصيد المحرم عَلَى المحرم قتله فليس من الصيد الذي يجوز للحلال اصطياده وأكله.
٢٠٦ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا مُسَدَّدٌ، قَالَ: نا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي قَتْلِهِنَّ وَهُوَ حَرَامٌ: الْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَأْرَةُ "
٢٠٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا رَوْحٌ، قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»
وأجمع كل من أحفظ عَنْهُ من أهل العلم عَلَى تحريم أكل مَا قطع من الأنعام وهي أحياء.
وجاء الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه لما قدم المدينة والناس يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت» .
وَلا يجوز قطع شيء من أعضاء البهيمة وهي حية، لأن ذَلِكَ
стр. 556
تعذيب لها، وقد «نهى عن تعذيب البهيمة والطير، ونهى عن المصبورة» ، وفي حديث عبد الله بن عمرو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله اللَّه عن قتله» ، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وما حقها؟ قَالَ: «أن يذبحها فيأكلها، وَلا يقطع رأسها فيرمي به» .
ويكره إخصاء الدواب، كَانَ ابن عمر يكرهه، وهو قول: أحمد، وإسحاق، وقد روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه «نهى عن صبر ذات الروح وخصاء البهائم» .
باب ذكر جمل مَا أباح كتاب اللَّه تعالى أكله وما لم تأت بتحريمه حجة
أباح اللَّه جل ذكره أكل لحوم الأنعام، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] .
وقال جل ثناؤه: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ
стр. 557
بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] .
وقال ﵎: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] .
ودلت أخبار رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى إباحة أكل لحوم الأنعام، وأجمع أهل العلم عَلَى القول به، فلحوم الأنعام مباح بالكتاب والسنة والاتفاق.
وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إن أعظم المسلمين فِي المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» .
٢٠٨ - نا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ
стр. 558
بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»
وقد ذكرنا فيما مضى إباحة أكل لحوم الخيل، ودل خبر أبي قتادة عَلَى إباحة أكل حمير الوحش، لأن النَّبِيّ ﷺ لما ناوله أبو قتادة العضد أكلها وهو محرم حَتَّى تعرقها، ولحم الظباء حلال لا أعلم أحدا منع من أكله، لأنه داخل فِي الصيد الذي منع المحرم منه، ودل ذَلِكَ عَلَى إباحة أكله للحلال، وثبت أن نبي اللَّه ﷺ ، قَالَ فِي الضب: «لست بآكله وَلا محرمه» .
٢٠٩ - نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: «لَسْتُ بِآكِلِهِ وَلا مُحَرِّمِهِ» .
стр. 559
وَأُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى
стр. 560
مَائِدَتِهِ، وَرَخَّصَ فِي أَكْلِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَبِهِ قَالَ: مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَبِهِ نَقُولُ
والأرنب مباح أكله لحديث النَّبِيّ ﷺ أنه أتي بأرنب، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كلوا.
وكان
стр. 561
سعد بن أبي وقاص يأكله، ورخص فِيهِ أبو سعيد الخدري، وبلال، وبه قَالَ: مالك، والليث، والشافعي، وقد ذكرنا فيما مضى أن الأشياء عَلَى الإباحة مَا لم يقع تحريمه بحجة.
وحكم عمر بن الْخَطَّابِ فِي اليربوع بجفرة فأكل اليربوع مباح، لأنه داخل فِي
стр. 562
جملة مَا أبيح غير محرم بحجة، والوبر كاليربوع فِي أنه مباح، وكذلك القنفذ، وقد روينا عن ابن عمر أنه رخص فِيهِ.
روينا عن ابن أبي أوفى، أنه قَالَ: «غزوت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد» .
٢١٠ - نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَعْفُورٍ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «» غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ «»
فالجراد مباح لأنه داخل فِي جملة مَا أبيح، ولم تأت بتحريمه حجة، ورخص فِي أكل الجراد عمر بن الْخَطَّابِ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وصهيب، وسلمان، وابن
стр. 563
عباس، وأبو سعيد الخدري، وبه قَالَ عوام أهل العلم.
فأكل الجراد مباح عَلَى الأحوال كلها أخذت أحياء أم أمواتا.
وقال اللَّه جل ذكره: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] ، وقد روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: فِي البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .
وأجمع أهل العلم عَلَى أن صيد البحر حلال
стр. 564
للحلال، وللمحرم اصطياده وبيعه وشراؤه وأكله.
باب ذكر إباحة أكل الميتة عند الضرورة
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] .
فاحتمل أن يكون اللَّه جل وعز حرم عليهم الميتة وما ذكر معها فِي ﴿ [الأنعام فِي جميع الأحوال وعلى جميع الناس، واحتمل أن يكون حرم ذَلِكَ عليهم فِي غير حال الاضطرار، فدل قول اللَّه جل ثناؤه:] فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٣] عَلَى إباحة أكل الميتة فِي حال الإضرار.
ودل إجماع أهل العلم عَلَى مثال ذَلِكَ.
واختلفوا فِي معني قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
فروينا عن ابن عباس، أنه قَالَ: غير باغ فِي الميتة وَلا عاد فِي الأكل، وبه قَالَ جماعة، وقال أبو عبيدة: أي:
стр. 565
لا يبغي فيأكله غير مضطر إليه وَلا عاد بشبعه.
وفي حديث سمرة يجزئ من الاضطرار، صبوح أو غبوق، قَالَ أبو عبيد: فالصبوح الغداء، والغبوق، العشاء، يقول: «فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة» .
وقالت طائفة فِي قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، أي: غير باغ عَلَى المسلمين وَلا معتد عليهم، أي: من خرج يقطع الطريق ويقطع الرحم لم تحل لَهُ الميتة إذا اضطر إليها إنما تحل لمن خرج فِي طاعة اللَّه وهذا قول مجاهد، وقال سعيد بن جبير: إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة لَهُ.
واختلفوا فِي المحرم المفطر يجد الميتة والصيد، فكان الحسن البصري، ومالك، والنعمان، وأصحابه، يقولون بأكل الميتة، وقد اختلف فِيهِ عن الشَّافِعِيّ، وقال
следующие страницы →