Полный текст (657 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأيمن فالأيمن» .
وأن يكون الساقي آخرهم شربا لقول النَّبِيّ ﷺ : «ساقي القوم آخرهم شرابا» .
باب ذكر النهي عن الخليطين
٢٢٢ - نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: نا أَسْبَاطٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ حَبِيبِ
стр. 597
بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَا جَمِيعًا» ، قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَنْ لا يَخْلِطُوا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ
وفي حديث أبي قتادة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «وانتبذوا كل واحد منهما عَلَى حدة» .
وهذا كنهي اللَّه جل ذكره عن الجمع بين الأختين، ثم أباح نكاح كل واحدة منهما عَلَى حدة، وكنهي النَّبِيّ ﷺ أن يجمع بين الْمَرْأَة وعمتها وبين الْمَرْأَة وخالتها، وإباحة نكاح كل واحدة منهما عَلَى حدة لا اختلاف فِيهِ.
وقد ثبتت الأخبار عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه «نهى عن الانتباذ فِي الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت» ثم نسخ ذَلِكَ فِي حديث
стр. 598
بريدة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إني نهيتكم عن الأشربة أن تشربوها إلا فِي ظروف الأدم، فاشربوا فِي كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا» .
وذكر من ذَلِكَ زيارة القبور وأكل لحوم الأضاحي.
وقال عبد الله بن مقبل المزني، قَالَ: شهدته، يعني: النَّبِيّ صَلَّى
стр. 599
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين نهى عن نبيذ الجر، وشهدته حين أمر بشربه، وقال: «اجتنبوا المسكر» .
باب ذكر تحريم الخمر
قَالَ اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
٢٢٣ - نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَأَبَانٍ، كُلِّهِمْ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قَالَ أَبِي يَوْمَئِذٍ: لأَسْقِيهِمْ، لأَسْقِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلا.
قَالَ: فَأَمَرُونِي فَكَفَأْتُهَا وَكَفَأَ النَّاسُ آنِيَتَهُمْ بِمَا فِيهَا حَتَّى كَادَتِ السِّكَكُ أَنْ تُمْنَعَ مِنْ رِيحِهَا قَالَ أَنَسٌ: وَمَا خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ إِلا الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ مَخْلُوطَيْنِ.
قَالَ:
стр. 600
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي مَالُ يَتِيمٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ خَمْرًا أَفَتَأْذَنْ لِي أَنْ أَبِيعَهُ، فَأَرُدَّ عَلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ؟ .
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» .
وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ
وفي حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «فإن اللَّه لعن الخمر وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها» .
وثبت عَنْهُ، أنه قَالَ ﷺ : «من شرب الخمر فِي الدُّنْيَا ولم يتب
стр. 601
منها حرمها فِي الآخرة فلم يسقها»
باب ذكر مَا يتخذ منه الخمر
٢٢٤ - نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالا: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حِبَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، " نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسٍ: التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ "، حَدِيثُ إِسْحَاقَ.
стр. 602
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَبَةِ "
باب ذكر تحريم مَا أسكر من الأشربة كلها
٢٢٥ - نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: نا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ» .
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»
باب ذكر تحريم مَا أسكر كثيره
٢٢٦ - نا عَلاقُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: نا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ
стр. 603
بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ»
وقد روينا هذا المعنى عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قَالَ: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو
стр. 604
عبيد، وأبو ثور، وقد ثبت أن عمر بن الْخَطَّابِ وجد من رجل ريح شراب فجلده الحد تاما، وأمر ابن مسعود أن يجلد رجلا وجد منه ريح الخمر.
وقد حرم اللَّه الخمر فِي كتابه وعلى لسان نبيه ﵇، ولم تبق الأخبار التي ذكرناها فِي تحريم الخمر مقالة لقائل، وَلا تأويلا لمتأول وقد ذكرنا أخبارا
стр. 605
واهية، احتج بها بعض من خالفنا من أهل الكوفة، وقد ذكرنا عللها وما يدخل عليهم فيها فِي كتاب الأشربة.
وإذا طبخ العصير فذهب منه الثلثان وبقي الثلث لم يسكر، وهو إذا كَانَ كذلك من الأشربة المباحة، وكل مَا أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام للأخبار التي ذكرناها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
باب ذكر اتخاذ الخمر خلا
٢٢٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: نا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ فِي حِجْرِهِ أَيْتَامٌ وَكَانَ
стр. 606
لَهُمْ مُوَيْلٌ فَاشْتَرَى لَهُمْ بِهَا خَمْرًا، فَلَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ أَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَجْعَلُهُ خَلا؟ قَالَ: «لا» .
فَأَهْرَاقَهُ
وفي تركه أن يأذن لأبي طلحة فِي اتخاذ الخمر خلا مع نهيه عن إضاعة المال بيان عَلَى أن لا سبيل أن يتخذ من الخمر خلا، لأن اليتيم يحرم تضييع ماله، ودل الحديث عَلَى أنها ليست بمال يوجد السبيل إِلَى التمسك به وحفظه.
الفقاع شربه مباح، لأنه ليس من الشراب الذي يسكر كثيره، ويقال: إنه يفسد إذا ترك، والأشياء عَلَى الإباحة إلا أن تأتي حجة بتحريم شيء، فيجب تحريم مَا جاءت به الحجة.
стр. 607
كتاب قتال أهل البغي
قَالَ اللَّه جل ذكره: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إِلَى قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] .
٢٢٨ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا عَارِمٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: نا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ ابْنَ أُبَيٍّ.
فَانْطَلَقَ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ: " إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ ".
فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ، وَبِالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، وَهُوَ لَفْظُ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى
стр. 608
إذا اعتزلت جماعة من الرعية إمام المسلمين، ومنعوه حقا من الحقوق ولم يعتلوا فِيهِ بعلة يجب عَلَى الإمام النظر فِيهِ، ودعاهم الإمام إِلَى الخروج مما يجب عليهم، فلم يقبلوا منه فحق عَلَى إمام المسلمين حربهم وجهادهم لأجل الحق الذي وجب عليهم، وحق الرعية تنالهم مع إمامهم إذا استعان الإمام بهم، كما فعل أبو بكر الصديق بمن منع الزكاة، فإنه قَالَ: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال» .
وتأول قول النَّبِيّ ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قَالَ لا إله إلا اللَّه عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم عَلَى اللَّه» .
فرأى أن الزكاة من الحقوق الذي ذكره النَّبِيّ ﷺ ، وفي حديث رواه الحسن، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا
стр. 609
لا إله إلا اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذَلِكَ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عَلَى اللَّه» .
يقال: إن أبا بكر الصديق قاتل الذين منعوا الصدقة، وقاتل قوما كفروا بعد إسلامهم، وقد أجمع الناس عَلَى أن قتال الكفار يجب، وَلا يجوز أن يظن بعمر أنه شك فِي قتال الكفار، إنما وقف عن قتال من منع الزكاة إِلَى أن شرح اللَّه صدره للذي شرح لَهُ صدر أبي بكر، وَلا نعلم أحدا فِي الوقت الذي رأى عمر مثل رأي أبي بكر من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، امتنع من قتالهم فهذا مع دلائل سنن رَسُول اللَّهِ ﷺ ، كالإجماع من المهاجرين والأنصار.
стр. 610
فأما علي بن أبي طالب فقد بلغه عن القوم الذين قاتلهم كلام قبل أن يقتلوا عبد الله بن خباب فلم يقاتلهم، فلما قتلوه استحل قتالهم فقتلهم.
وقد روينا عن علي، أنه قَالَ: إن النَّبِيّ ﷺ «أمر بقتالهم» .
стр. 611
٢٢٩ - نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةً، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَاللَّهِ لأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ، وَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " سَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
باب ذكر قتل الخوارج إذ هم شر الخلق والخليقة
٢٣٠ - نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،
стр. 612
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» .
قَالَ سُلَيْمَانُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي، أَنَّهُ قَالَ: «سِيمَاهُمُ الْحَلْقُ» .
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا أَعْجَبَكَ مِنْ هَذَا أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
باب ذكر السيرة فِي قتال أهل البغي
روينا عن علي بن أبي طالب، أنه قَالَ يوم الجمل: " لا تقتلوا مدبرا، وَلا تذففوا عَلَى جريح، وَلا تقتلوا أحدا صبرا، وَلا تتبع مدبرا.
وروينا عن عمار بن
стр. 613
ياسر أنه قَالَ بعد مَا فرغ علي من أصحاب الجمل: «لا تقتلوا مدبرًا، وَلا تذففوا عَلَى جريح، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» .
وما أصاب أهل التأويل الذين نصبوا إمامًا وقاتلوا عَلَى التأويل من دم ومال، وجرح عَلَى التأويل ثم ظهر عليهم لم يطالبوا بشيء من ذَلِكَ إذا أصابوه عَلَى وجه التأويل، روينا عن الزُّهْرِيّ، أنه قَالَ: أدركت الفتنة الأولى أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فكانت فيها دماء وأموال، فلم يقتص فيها من دم وَلا مال وَلا جرح أصيب إن شاء اللَّه بوجه التأويل إلا أن يؤخذ مال رجل بعينه فيدفع إِلَى صاحبه.
стр. 614
وبهذا قَالَ الشَّافِعِيّ، والكوفي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أصحابنا.
فأما قتال أهل البغي فيجب رد مَا كَانَ فِي أيدي الناس عَلَى أربابها منهم، لأن عليا أوقف رثة أهل النهروان فِي الرحبة، فَقَالَ: من عرف شيئا فليأخذه.
قَالَ: فبقيت قدر قريبا من شهرين، ثم جَاءَ رجل فأخذها، أو قَالَ: ثم جَاءَ صاحبها فأخذها.
وإذا اقتتل رجلان من الفئتين، فقتل أحدهما صاحبه، وهو وارثه غير عامد لقتله، وإنما أصابه عَلَى معنى الدعاء إِلَى الحق، فأحسن مَا قيل فِي هذا أن يرثه كما يرثه إذا أمره الإمام بإقامة حد عليه وهو وارثه، فيرثه إذا مات من أقام الحد عليه، وإذا قتل الرجل فِي المعركة من أي الفئتين قتل صلي عليه فِي قول الأوزاعي، وهو أحسن مَا قيل فِيهِ، لأن الصلاة سنة عَلَى جميع المسلمين إلا من استثناه الرسول ﵇ ممن قتله الْمُشْرِكُونَ فِي المعركة.
стр. 615
وينفذ من قضاء قاضي أهل البغي مَا ينفذ من قضاء قاضي أهل العدل لا فرق بينهما فيما ينفذ من قضاياهما، وَلا يرد وينفذ من شهاداتهم مَا ينفذ من شهادات أهل العدل إلا أن يعرف أن بعضهم يستحل أن يشهد شهادة الزور، فيرد ذَلِكَ، لأن شهادات الزور يجب ردها ممن شهد بها، والأحكام جارية بين الفريقين فِي البيوع، والنكاح، والطلاق، والجراح، والديات يقتص لبعضهم من بعض.
وإذا قاتلت الْمَرْأَة من أهل البغي منهم أو العبد، والغلام المراهق فهو مثلهم، يقتلون مقبلين، ويوقف عن قتلهم إذا أدبروا.
وأمان العبد المسلم جائز لأهل البغي، ولأهل الحرب، وكذلك أمان الْمَرْأَة بين المسلمين، وقد ذكرت ذَلِكَ فِي كتاب الجهاد.
وإذا غزا أهل البغي المشركين مع الإمام فهم كأهل العدل فِي جميع الأحكام، إلا أن الذي يلي قسم الخمس والقيام به وتفريقه عَلَى من يجب أن يفرق عليه إمام أهل العدل.
فأما فِي غير ذَلِكَ فلا فرق بينهم فِي شيء من أبواب الأسلاب، والأنفال، والسهام، يساوى بين جميعهم فِيهِ، وقد كَانَ ابن عمر، وسلمة
стр. 616
بن الأكوع يريان أن مَا قبضه الخوارج من زكاة المسلمين يجزئ عنهم، وهذا عَلَى مذهب الشَّافِعِيّ، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل وبه نقول.
باب ذكر الحال التي يجب عَلَى المرء القتال فِيهِ فِي أيام الفتن والحال التي توقف عن القتال فِيهِ ويجب كف اليد واللسان فِيهِ
إذا بايع الناس إمامًا وصحت لَهُ البيعة والخلافة فخرج رجل ممن بايعه فقتله فعلى الناس معونة إمامهم، وقتل من خرج عليه لأخبار ثبتت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيها، فهذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني أن يفترق الناس فرقتين يعقد كل فريق منهما لرجل منهم الخلافة، ويمتنع كل فريق منهما بجماعة يكثر عددهم، ويشكل أمرهم، فعلى الناس عند ذَلِكَ الوقوف عن القتال مع أحد الطائفتين إذا أشكل أمرهما للأخبار التي جاءت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفعل ذَلِكَ جماعة من أصحابه بعده.
وقد ذكرت ذَلِكَ فِي الكتاب الذي اختصرت عَنْهُ هذا الكتاب، وأنا ذاكر فِي كل باب من هذين البابين بعض الأخبار المذكورة فِي ذَلِكَ.
باب ذكر الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرتهما
٢٣١ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: نا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: نا الأَحْوَصُ
стр. 617
بْنُ جَوَّابٍ، قَالَ: نا يُونُسُ يَعْنِي: ابْنَ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: إِنِّي لأَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا شَيْخٌ يُحَدِّثُهُمْ وَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: «وَمَنْ أَعْطَى إِمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمْرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ خَالَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَاجْلِدُوا رَأْسَهُ» .
فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي
стр. 618
٢٣٢ - نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمْنَانِيُّ، قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا شُعْبَةُ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: نا شُعْبَةُ، قَالَ: نا زِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ» .
وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ «أَلا مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَأَمْرُهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»
стр. 619
باب ذكر الوجه الذي يجب عَلَى الناس الوقوف عن القتال فِيهِ وطلب السلامة والعزلة
٢٣٣ - نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنِ الْمُشْعِثِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ» .
قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ.
قَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بِالدَّمِ؟» قُلْتُ: مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ.
قَالَ: «عَلَيْكَ مَنْ أَنْتَ مِنْهُ» .
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلا آخُذُ سَيْفِي فَأَضَعُهُ عَلَى عَاتِقِي؟ قَالَ: «شَارَكْتَ إِذًا» .
قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «تَلْزَمُ بَيْتَكَ» .
قَالَ: قُلْتُ: إِنْ دُخِلَ عَلَيَّ.
قَالَ: «إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ»
стр. 620
باب ذكر الحث عَلَى لزوم المنازل أيام الفتن واعتزال الناس وما فِي ذَلِكَ من السلامة فِي كل وقت
٢٣٤ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا عَفَّانُ، قَالَ: نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: نا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» .
قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ ، قَالَ: «كُونُوا أَحْلاسَ بُيُوتِكُمْ»
وممن اعتزل من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ أيام الفتن، ورأى الاعتزال فِي الفتن سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى
стр. 621
الأشعري، وابن عباس، ومحمد بن
стр. 622
مسلمة، وأهبان بن صيفي.
وروينا عن
стр. 623
ابن مسعود، أنه قَالَ: يَا بني، اتق ربك وليسعك بيتك، وابك من ذكر خطيئتك، واملك عليك لسانك، والأخبار فِي هذا الباب تكثر وهي مذكورة فِي غير هذا المكان.
باب ذكر الساحر والساحرة
إذا أقر الرجل طائعا أنه سحر بكلام يكون ذَلِكَ الكلام كفرا وجب قتله إن لم يتب، لقول النَّبِيّ ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: بكفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس ".
ولو أنكر وثبتت عليه بينة ووصفت البينة عَنْهُ كلاما يكون كفرا فكذلك، وإذا أوجبنا قتله فتاب قبلت توبته، لقول اللَّه جل ذكره: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
وإن كَانَ الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كَانَ أحدث فِي المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كَانَ عمد ذَلِكَ، وإن كَانَ ذَلِكَ مما لا قصاص فِيهِ، ففيه دية ذَلِكَ.
وقد اختلف أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ فيما يجب عَلَى الساحر، فممن رأى منهم قتل الساحر: عمر بن الْخَطَّابِ، وابن
стр. 624
عمر، وجندب بن عبد الله، وحفصة بنت عمر، وقيس بن سعد، وهذا
стр. 625
مذهب عثمان بن عَفَّانَ، لأنه أنكر عَلَى حفصة قتلها الساحرة، لأنها قتلتها دون السلطان.
وممن رأى قتل الساحر والساحرة عَلَى نحو مَا ذكرناه: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد روينا عن عائشة: أنها باعت الساحرة، ويحتمل أن تكون الساحرة التي سحرت عائشة فباعتها لم يكن سحرها كفرا، فلا يكون ذَلِكَ خلافا لما قاله أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وقد روينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «حد الساحر ضربه بالسيف» .
وفي إسناده مقال.
стр. 626
باب أحكام تارك الصلاة
٢٣٥ - نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: نا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ إِلا تَرْكُ الصَّلاةِ»
стр. 627
روينا عن بريدة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» .
وروينا عَنْهُ أنه قَالَ: «من ترك صلاة العصر متعمدا أحبط اللَّه عمله» .
وقال رَسُول اللَّهِ ﷺ : «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» .
стр. 628
وثبت أن عمر بن الْخَطَّابِ، قَالَ: «لا حظ فِي الإسلام لمن ترك الصلاة» .
وقال ابن مسعود: «من لم يصل فلا دين لَهُ» .
وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه قَالَ: «من لم يصل فهو كافر» .
وروينا معنى ذَلِكَ عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء.
وقد اختلف أهل العلم فيما يجب عَلَى من ترك صلاة متعمدا حَتَّى يخرج وقتها لغير عذر: فقالت طائفة: هو كافر هذا قول: النخعي، وأيوب السختياني، وابن المبارك،
стр. 629
وأحمد، وإسحاق، قَالَ أحمد: لا يكفر أحد بذنب إلا تارك الصلاة عمدا، فإن ترك صلاة إِلَى أن يدخل وقت صلاة أخرى يستتاب ثلاثا، وبه قَالَ: سُلَيْمَان بن داود، وأبو حية، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وقالت طائفة: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، هذا قول: مكحول، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي، وفيه قول ثالث قاله الزُّهْرِيّ: قَالَ: إن كَانَ إنما تركها ابتدع دينا غير الإسلام قتل، وإن كَانَ إنما هو فاسق ضرب ضربا مبرحا، وسجن، قَالَ النعمان: يضرب ويحبس حَتَّى يصلي.
стр. 630
احتجت الفرقة التي بدأنا بذكرها بالأخبار الثابتة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «ليس بين العبد والكفر أو الشرك إِلَى ترك الصلاة» .
احتج بذلك إِسْحَاق بن راهويه، واحتج غيره أو هو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا غزا قوما لم يغز عليهم حَتَّى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وبآيات من كتاب اللَّه، من ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] ، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وما أشبه ذَلِكَ.
وذكروا آيات كثيرة تركت ذكرها للاختصار.
واحتج بعض من أمر بضربه وسجنه بأن هذا أقل مَا قيل فأوجبنا ذَلِكَ، ووقفنا عن إيجاب القتل عليه، لأن فِيهِ اختلافا، وفي قول النَّبِيّ ﷺ : " لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: بكفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل به "، فتارك الصلاة لم يأت بواحدة من الثلاث فيحل به إهراق دمه، ويقال لمن خالفنا: ليت شعري من أي الثلاث تارك الصلاة غير جاحد، فيلزم به اسم الكفر، وَلا ترك الصلاة استنكافا وَلا معاندة، فيستوجب به القتل.
وجعلوا تكفير النَّبِيّ ﷺ تارك الصلاة كتكفيره بذنوب مذكورة فِي الأخبار، كقوله: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» .
وكقوله:
стр. 631
«لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
وكقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أَبِيهِ فقد كفر» .
قالوا: فإذا لم يكن بعض من ذكرنا كافرا مرتدا يجب استتابته وقتله عَلَى الكفر إن لم يتب، وكذلك الأخبار التي جاءت فِي إكفار تارك الصلاة، وسائر الحجج مذكورة فِي كتاب أحكام تارك الصلاة.
стр. 632
كتاب القسمة
سن رَسُول اللَّهِ ﷺ قسم الغنائم ببدر بين أصحابه.
٢٣٦ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبَانٍ، قَالَ: نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: نا هُشَيْمٍ، قَالَ: نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلا فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا» .
فَأَمَّا الْمَشْيَخَةُ فَثَبَتُوا تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَأَمَّا الشَّبَابُ فَتَسَارَعُوا فِي الْقَتْلِ وَالْغَنَائِمِ، قَالَتِ الْمَشْيَخَةُ لِلشَّبَابِ: أَشْرِكُونَا مَعَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا لَكُمْ رِدْءًا، وَلَوْ كَانَ مِنْكُمْ شَيْئًا لَجَأْتُمْ إِلَيْنَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] وَقَسَمَ الْغَنَائِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ
وقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ غنائم خيبر الأرضين والنخل والحصون وغير ذَلِكَ من أموالهم، وقسم هوازن يوم حنين بين أصحابه، وقسم عبد الله
стр. 633
بن جحش مَا غنمه، وعزل الرسول ﷺ خمس العير، فأنزل اللَّه تعالى عَلَى رسوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، وقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ الأعبد الستة الذين أعتقهم المريض بالقرعة، فأخرج سهم العتق وسهم الرقة، ويحتمل أن يكون كانت قيمتهم سواء، أو يكون قيمة الاثنين اللذين أعتقهما شيء وقيمة الأربعة مثل ذَلِكَ.
وأجمع من يحفظ عَنْهُ من علماء الأمصار من أهل المدينة وأهل الكوفة، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي عَلَى أن الرباع أو الأرض إذا كانت بين شركاء، واحتملت القسم من غير ضرر يلحقهم فِيهِ، وأجمعوا عَلَى قسمة أن القسم فِي ذَلِكَ يجب بينهم إذا ثبتت البينة عَلَى أصول أملاكهم.
باب ذكر مَا يجب قسمه بين الشركاء وما لا يجوز قسمه
أمر اللَّه بحفظ الأموال، وقال جل ذكره: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي
стр. 634
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] ، روينا عن ابن عباس، قَالَ: يقول اللَّه سبحانه لا تعمد إِلَى مالك، وما خولك اللَّه وجعله معيشة لك فتعطيه امرأتك أو ابنتك، ثم تضطر إِلَى مَا فِي أيديهم، ولكن أمسك عليك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم فِي كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.
فمن الأموال التي ملكها اللَّه عباده، العقر والعروض، والرقيق والذهب والفضة، والمواشي أشرك بينهم فيها بأشرية ومواريث وغنائم، وأمرهم بإصلاحها، ونهاهم أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نهى عن إضاعة المال» .
٢٣٧ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: نا عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَرَّادٌ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سِمَعْتَهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنِ الْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقِمَارُ، لأَنَّ فِيهِ تَلَفَ الأَمْوَالِ.
وَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَعَنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ، وَبَيْعِ الْيَتِيمِ» لأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَلا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ
стр. 635
عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِتْلافَ أَمْوَالِهِمْ، وَأَمَرَ بِحِفْظِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى حَتَّى يَبْلُغُوا النِّكَاحَ، وَيُؤْنَسَ مِنْهُمُ الرُّشْدُ
وأجمع أهل العلم عَلَى أن لؤلؤة لو كانت بين جماعة فأراد بعضهم أخذ حظه منها أن تقطع بينهم أو تكسر أنهم ممنوعون من ذَلِكَ، لأن فِي قطعها أو كسرها تلفًا لأموالهم وفسادًا لَهُ، وكذلك السفينة، والسيف، والمصحف، والدرع والنجيب من الإبل، والجفنة، والمائدة، والصحفة، والصندوق، والسرير، والباب، والنعل، والقوس وما أشبه ذَلِكَ، لأن فِي قسمه ضررًا وتلفًا لأموالهم ونقصا عليهم، وقد نهى اللَّه تعالى عن الضرر فَقَالَ: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وليس الإضرار من أخلاق الصالحين والمتقين، وروينا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أنه قَالَ: «من ضار أضر اللَّه به» .
٢٣٨ - نا نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: نا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ
следующие страницы →