Полный текст (801 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَلا يُعْلِنُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، جِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ، وَنَبِيُّ اللَّهِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، يَقْتَدِي النَّاسُ بِنَبِيِّهِمْ، وَيَقْتَدِي نَبِيُّ اللَّهِ بِجِبْرِيلَ.
ثُمَّ خَلَّى عَنْهُمْ، حَتَّى إِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَأَظْلَمَ الْعِشَاءُ نُودِيَ فِيهِمُ: الصَّلاةَ جَامِعَةً.
فَاجْتَمَعُوا، فَصَلَّى بِهِمُ الْعِشَاءَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُعْلِنُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَلا يُعْلِنُ فِي الآخِرَتَيْنِ، جِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ، وَنَبِيُّ اللَّهِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، يَقْتَدِي النَّاسُ بِنَبِيِّهِمْ، وَيَقْتَدِي نَبِيُّ اللَّهِ بِجِبْرِيلَ.
ثُمَّ بَاتَ النَّاسُ وَلا يَدْرُونَ أَيُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لا.
حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نُودِيَ فِيهِمُ: الصَّلاةَ جَامِعَةً.
فَاجْتَمَعُوا.
فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ أَطَالَهُمَا وَأَعْلَنَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ، جِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّ اللَّهِ، وَنَبِيُّ اللَّهِ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، يَقْتَدِي النَّاسُ بِنَبِيِّهِمْ، وَيَقْتَدِي نَبِيُّ اللَّهِ بِجِبْرِيلَ.
- الْمُعَلَّى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: دُلُوكُهَا غُرُوبُهَا.
- الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: وَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ لَمِيقَاتُ هَذِهِ الصَّلاةِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: فَدُلُوكُهَا حِينَ تَغِيبُ فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَسَقُ اللَّيْلِ: مَجِيءُ اللَّيْلِ وَالصَّلاةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قَالَ يَحْيَى: وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ زَوَالُهَا، هُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ، يَعْنِي وَقْتَ صَلاةِ الظُّهْرِ فِيمَا حَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: قَالَ السُّدِّيُّ، وَكَانَ يُعَالِجُ التَّفْسِيرَ: لَوْ كَانَ دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوَالَهَا لَكَانَتِ الصَّلاةُ فِيمَا بَيْنَ زَوَالِهَا إِلَى أَنْ تَغِيبَ.
وَكَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْجَبَ إِلَى الْمَسْعُودِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ قَتَادَةُ: وَهِيَ صَلاةُ الصُّبْحِ.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ، يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَعِنْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ فِيمَا
- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ: " فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ
стр. 107
عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ".
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ: يَجْتَمِعُ الْحَرَسَانِ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ: مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُحدَّثُ أَنَّ عِنْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ يَجْتَمِعُ الْحَرَسَانِ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ: حَرَسُ اللَّيْلِ، وَحَرَسُ النَّهَارِ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
- الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: يَتَدَارَكُ الْحَرَسَانِ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ.
وَقَالَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ لَكَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النَّافِلَةُ: الْفَضْلُ.
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ عَلَى النَّبِيِّ فَرِيضَةٌ، وَهِيَ لِلنَّاسِ تَطَوُّعٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَقُمِ النَّبِيُّ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَوْنٍ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا شَغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
- حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: النَّافِلَةُ لا تَكُونُ إِلا لِلنَّبِيِّ.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ فَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ مَغْفُورًا لَهُ، وَإِذَا قَامَ يُصَلِّي كَانَتْ لَهُ فَضِيلَةً.
فَقِيلَ لَهُ: نَافِلَةً؟ فَقَالَ: إِنَّمَا النَّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.
стр. 108
قَالَ: سَيَبْعَثُكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا: الشَّفَاعَةَ.
- يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ حُفَاةً، عُرَاةً، كَمَا خُلِقُوا، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ حَتَّى يُلْجِمَهُمُ الْعَرَقُ، وَلا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ، قَالَ: فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى مُحَمَّدٌ ﷺ ، يَا مُحَمَّدُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ،
وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، وَعَلَى عَرْشِكَ اسْتَوَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اشْفَعْ، قَالَ: فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: إِذَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، فَبَقِيَتْ زُمْرَةٌ مِنْ آخِرِ زُمَرِ الْجَنَّةِ وَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ لَمَّا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ بِإِيمَانِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَجَ كَهَيْئَةِ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ كَرَكْضِ الْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ سَعْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ زَحْفًا عَلَى قَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ نُورِهِ، إِنْ قَامَ لَمْ يَرَهُ
وَإِنْ جَلَسَ نَظَرَ إِلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهُوَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] فَذَلِكَ حِينَ تَقُولُ لَهُمْ آخِرُ زُمْرَةٍ مِنْ زُمَرِ النَّارِ: أَمَّا نَحْنُ فَأُخِذْنَا بِمَا فِي قُلُوبِنَا مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، فَمَا نَفَعَكُمْ أَنْتُمْ تَوْحِيدُكُمْ رَبَّكُمْ؟ قَالَ: وَقَدْ بَلَغَتِ النَّارُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ.
- وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ» .
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّهَا لا تُصِيبُ وُجُوهَهُمْ لِمَكَانِ السُّجُودِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَيَصْرُخُونَ عِنْدَ ذَلِكَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَسْعَوْنَ،
стр. 109
أَوْ قَالَ: يَمْشُونَ إِلَى آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أُنَاسٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حُبِسُوا مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَقُولُ آدَمُ: إِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ خَطِيئَةً فَأَسْتَحْيِي أَنْ أُكَلِّمَ رَبِّي، فَعَلَيْكُمْ بِنُوحٍ.
فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَرُدُّهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
ثُمَّ يَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَرُدُّهُمْ إِلَى مُوسَى.
ثُمَّ يَأْتُونَ مُوسَى فَيَرُدُّهُمْ إِلَى عِيسَى.
ثُمَّ يَأْتُونَ عِيسَى فَيَرُدُّهُمْ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ لَهُ، فَيَنْطَلِقُ نَبِيُّ اللَّهِ فَيَأْتِي رَبَّ الْعِزَّةِ فَيَسْجُدُ لَهُ حَتَّى يَأْمُرَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهُ عَنْ مَا يُرِيدُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ: رَبِّ، أُنَاسٌ مِنْ عِبَادِكَ أَصْحَابُ ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ يُعَيِّرُهُمْ أَهْلُ النَّارِ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: وَعِزَّتِي لأُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا.
فَيُخْرِجُهُمْ وَقَدِ احْتَرَقُوا، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ثُمَّ يُنْضَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يُنْبِتُوا، تَنْبُتُ أَجْسَادُهُمْ وَلُحُومُهُمْ، ثُمَّ يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمَّوْنَ الْجُهَنَّمِيِّينَ.
فَيُغْبَطُ....
عِنْدَ ذَلِكَ الأَوَّلُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالآخِرُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
- صَاحِبٌ لَهُ، عَنْ جُبَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: يَأْمُرُ اللَّهُ ﵎ بِالصِّرَاطِ، فَيُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ، فَيَمُرُّ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ زُمَرًا، أَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، ثُمَّ كَأَسْرَعِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَمُرُّ الرَّجُلُ سَعْيًا، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ مَشْيًا، حَتَّى يَكُونَ آخِرَهُمْ رَجُلٌ يَتَلَبَّطُ عَلَى بَطْنِهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لِمَ
أَبْطَأْتَ بِي؟ فَيَقُولُ: لَمْ أُبْطِئْ بِكَ، إِنَّمَا أَبْطَأَ بِكَ عَمَلُكَ.
قَالَ: ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يَقُومُ خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى.
قَالَ أَبُو الزَّعْرَاءِ: لا أَدْرِي أَيَّهُمَا، قَالَ: ثُمَّ يَقُومُ نَبِيُّكُمْ رَابِعًا لا يَشْفَعُ أَحَدٌ بَعْدَهُ فِيمَا يُشَفَّعُ فِيهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] ، يَعْنِي: مُدْخَلَهُ الْمَدِينَةَ حِينَ هَاجَرَ إِلَيْهَا.
أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ.
﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]
стр. 110
تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: مُخْرَجُ صِدْقٍ أَيْ: إِلَى قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ.
وَقَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَيُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] الْجَنَّةَ ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُمْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أَلا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ سُلْطَانًا نَصِيرًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَلِحُدُودِهِ وَلِفَرَائِضِهِ وَلإِقَامَةِ الدِّينِ.
وقَالَ مجاهد: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] حُجَّةً بَيِّنَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [الإسراء: ٨١] وَهُوَ الْقُرْآنُ.
﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وَهُوَ إِبْلِيسُ.
وَهَذَا تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
قَالَ: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وَالزَّهُوقُ: الدَّاحِضُ الذَّاهِبُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٨٢] يُنَزِّلُ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] كُلَّمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ كَذَّبُوا بِهِ فَازْدَادُوا فِيهِ خَسَارًا إِلَى خَسَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإسراء: ٨٣] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكَ، أَعْطَيْنَاهُ السَّعَةَ وَالْعَافِيَةَ.
﴿أَعْرَضَ﴾ [الإسراء: ٨٣] عَنِ اللَّهِ.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَبَاعَدَ مِنَّا.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [الإسراء: ٨٣] الأَمْرَاضُ وَالشَّدَائِدُ.
﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] قَالَ قَتَادَةُ: يَئِسَ وَقَنَطَ.
стр. 111
قَالَ يَحْيَى: يَقُولُ: يَئِسَ أَنْ يُفْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ وَلا حِسْبَةٌ وَلا رَجَاءٌ.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: عَلَى نَاحِيَتِهِ وَمَا يَنْوِي، أَيِ: الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ وَالْكَافِرُ عَلَى كُفْرِهِ.
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٨٤] ، أَيْ: فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَهْدَى سَبِيلا مِنَ الْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]
يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ لَقُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعَثُوا رُسُلا إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوا الْيَهُودَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصَفُوا لَهُمْ نَعْتَهُ وَقَوْلَهُ، ثُمَّ ائْتُونَا فَأَخْبِرُونَا.
فَانْطَلَقُوا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا بِهَا عُلَمَاءَ الْيَهُودِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ قَدِ اجْتَمَعُوا فِيهَا لِعِيدٍ لَهُمْ، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ وَنَعَتُوا لَهُمْ نَعْتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ: إِنَّ هَذَا لَنَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي نَتَحَدَّثُ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثُهُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ.
فَقَالَتْ لَهُمْ رُسُلُ قُرَيْشٍ: إِنَّهُ فَقِيرٌ، عَائِلٌ، يَتِيمٌ، لَمْ يَتْبَعْهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ أَحَدٌ وَلا مِنْ ذَوِي الأَسْنَانِ.
فَضَحِكَ الْحَبْرُ وَقَالَ كَذَلِكَ نَجِدُهُ.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُ قُرَيْشٍ: فَإِنَّهُ يَقُولُ قَوْلا عَظِيمًا، يَدْعُو إِلَى الرَّحْمَنِ، وَيَقُولُ: إِنَّ الَّذِي بِالْيَمَامَةِ السَّاحِرُ الْكَذَّابُ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ.
فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: اذْهَبُوا فَسَلُوا صَاحِبَكُمْ عَنْ خِلالٍ ثَلاثٍ، فَإِنَّ الَّذِي بِالْيَمَامَةِ قَدْ عَجَزَ عَنْهُنَّ.
فَأَمَّا اثْنَتَانِ مِنَ الثَّلاثِ فَإِنَّهُ لا يَعْلَمُهُمَا إِلا نَبِيٌّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِمَا فَقَدْ صَدَقَ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا أَحَدٌ.
فَقَالَتْ لَهُمْ رُسُلُ قُرَيْشٍ: أَخْبِرُونَا بِهِنَّ.
فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: سَلُوهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ.
فَقَصُّوا عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُمْ.
وَسَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَحَدَّثُوهُمْ بِأَمْرِهِ.
وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ فِيهِ بِشَيْءٍ فَهُوَ كَاذِبٌ.
стр. 112
فَرَجَعَتْ رُسُلُ قُرَيْشٍ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ فَلَقِيَهُمْ، فَقَالُوا: يَابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّا سَائِلُوكَ عَنْ خِلالٍ ثَلاثٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهِنَّ فَأَنْتَ صَادِقٌ وَإِلا فَلا تَذْكُرَنَّ آلِهَتَنَا بِشَيْءٍ.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: «وَمَا هُنَّ؟» .
قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا عَنْهُمْ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا عَنْهُ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ، وَأَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: أَنْظِرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُحْدِثُ إِلَيَّ فِيهِ رَبِّي.
قَالُوا: فَإِنَّا نَاظِرُوكَ فِيهِ ثَلاثًا.
فَمَكَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَاسْتَبْشَرَ بِهِ النَّبِيُّ وَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، قَدْ رَأَيْتَ مَا سَأَلَ عَنْهُ قَوْمِي ثُمَّ لَمْ تَأْتِنِي» ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَإِذَا شَاءَ رَبُّكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ
الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
ثُمَّ قَالَ لَهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] فَذَكَرَ قِصَّتَهُمْ.
قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] فَذَكَرَ قِصَّتَهُ.
ثُمَّ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا فِي آخِرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالُوا: مَاذَا أَحْدَثَ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الَّذِي سَأَلْنَاكَ عَنْهُ؟ فَقَصَّهُ عَلَيْهِمْ.
فَعَجِبُوا، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُصَدِّقُوهُ.
- هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ الرُّوحَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ كَفَّ عَنْ تَفْسِيرِهَا.
وَأَحْسَبُ أَنَّ هِشَامًا أَوْ غَيْرَهُ ذَكَرَ أَنَّ قَتَادَةَ فَسَّرَهَا مَرَّةً ثُمَّ كَفَّ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الرُّوحُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ الإِنْسَانِ وَجَسَدُهُ عَلَى صُورَةِ الْمَلائِكَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي عم يَتَسَاءَلُونَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] ، يَعْنِي ذَلِكَ الْمَلَكَ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَتَحْتَ الْعَرْشِ، وَهُوَ حَافِظٌ عَلَى الْمَلائِكَةِ يَقُومُ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ صَفًّا وَاحِدًا وَالْمَلائِكَةُ صَفٌّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ، يَعْنِي ذَلِكَ الْمَلَكَ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ
أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا.
стр. 113
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ أَنَّ الرُّوحَ الْقُرْآنُ.
قَالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] مِنْ وَحْيِ رَبِّي ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، أَيْ: إِنَّ عِلْمَكُمُ الَّذِي أَتَاكُمُ اللَّهُ قَلِيلٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ.
وَبَلَغَنِي عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ التَّابِعِينَ قَالَ: الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَهُمْ أَيْدٍ وَأَرْجُلٌ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَقِيَتِ الْيَهُودُ نَبِيَّ اللَّهِ فَتَعَنَّتُوهُ وَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَعَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، أَيِ: الْيَهُودَ.
- مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
الآيَاتُ الْخَمْسُ ".
قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ، يَعْنِي الْقُرْآنَ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٨٦] وَلِيًّا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ.
﴿إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٨٧] فِيهَا إِضْمَارٌ، يَقُولُ: وَإِنَّمَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.
﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] يَقُولُ: أَعْطَاكَ النُّبُوَّةَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ.
- حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيُسْرَيَنَّ عَلَى الْقُرْآنِ لَيْلَةً، فَلا تَبْقَى مِنْهُ آية فِي قَلْبِ رَجُلٍ وَلا مُصْحَفٍ إِلا رُفِعَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، أَيْ: عَوِينًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٨٩] ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ.
﴿فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ﴿٨٩﴾ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٨٩-٩٠] لَنْ نُصَدِّقَكَ.
﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ، أي: عُيُونًا بِبَلَدِنَا هَذَا.
стр. 114
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا﴾ [الإسراء: ٩١] خِلالَ تِلْكَ الْجَنَّةِ.
﴿تَفْجِيرًا ﴿٩١﴾ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩١-٩٢] قِطَعًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وَقَالَ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ [الطور: ٤٤] وَالْكِسَفُ: الْقِطْعَةُ ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] .
تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ، قَالَ: بَلَغَنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ حِينَ اجْتَمَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَسَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ بَعْضَ أَمْوَاتِهِمْ، وَيُسَخِّرَ لَهُمُ الرِّيحَ، أَوْ يُسَيِّرَ لَهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِمَّا أَرَادُوا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا
تَسْتَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَفْعَلَ بِقَوْمِكَ بَعْضَ مَا سَأَلُوكَ، فَوَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ لا أُومِنُ لَكَ، أَيْ: لا أُصَدِّقُكَ أَبَدًا حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا: عُيُونًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا﴾ [الإسراء: ٩١] يَقُولُ: بَيْنَهَا.
﴿تَفْجِيرًا ﴿٩١﴾ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩١-٩٢] قِطَعًا.
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ نُعَايِنُهُمْ مُعَايَنَةً.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَبِيلا: عَلَى حِدَّتِهَا.
قَالَ يَحْيَى: وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
стр. 115
قَالَ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] وَالزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: ﴿أَوْ تَرْقَى﴾ [الإسراء: ٩٣] تَصْعَدُ.
﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] لِصُعُودِكَ.
﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِنَ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ: إِنِّي أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا، وَتَجِيءُ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ كَتَبَهُ، ثُمَّ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ أُؤْمِنُ لَكَ، يَقُولُ أُصَدِّقُكَ أَمْ لا.
قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا تَصْبَحُ عِنْدَ رَأْسِهِ صَحِيفَةٌ مَوْضُوعَةٌ يَقْرَؤُهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] خَاصَّةٌ نُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّبَاعِكَ.
قَالَ: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِنْ ذَهَبٍ ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] أَيْضًا، فَإِنَّ السَّحَرَةَ قَدْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَأْخُذُ بِأَعْيُنِ النَّاسِ، ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنَّا بِعَيْنِهِ: مِنَ اللَّهِ إِلَى فُلانِ بْنِ فُلانٍ، وَفُلانِ بْنِ فُلانٍ وَفُلانِ بْنِ فُلانٍ، أَنْ آمِنْ بِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ رَسُولِي.
أَظُنُّهُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] ، يَعْنِي: كِتَابًا مِنَ اللَّهِ.
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] هَلْ كَانَتِ الرُّسُلُ تَأْتِي بِهَذَا فِيمَا مَضَى، أَنْ تَأْتِيَ بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ؟ كَلا أَنْتُمْ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ بِكُمْ هَذَا.
فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ، لَنْ نُصَدِّقَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ [الإسراء: ٩٤] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤] عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
وَهَذَا الاسْتِفْهَامُ عَلَى إِنْكَارٍ مِنْهُمْ.
أَيْ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا فَلَوْ كَانَ مِنَ الْمَلائِكَةِ لآمَنَّا بِهِ.
стр. 116
قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ﴾ [الإسراء: ٩٥] مَعَهُ.
﴿فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥] قَدِ اطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، أَيْ: هِيَ مَسْكَنُهُمْ.
﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥] وَلَكِنْ فِيهَا بَشَرٌ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الإسراء: ٩٦] أَنِّي رَسُولُهُ.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] .
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧] وَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُضِلَّهُ.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الإسراء: ٩٧] وَقَالَ يَحْيَى: أَوْلِيَاءٌ مِنْ دُونِهِ، يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
قَالَ: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] إِمَّا عُمْيًا: فَعَمُوا فِي النَّارِ حِينَ دَخَلُوهَا فَلَمْ يُبْصِرُوا فِيهَا شَيْئًا، وَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُهَا.
وَبُكْمًا: خُرْسًا، انْقَطَعَ كَلامُهُمْ حِينَ قَالَ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَصُمًّا: ذَهَبَ الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ بِسَمْعِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ مَعَهُ شَيْئًا.
وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] .
قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] وَخُبُوُّهَا أَنَّهَا تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ: الْجِلْدَ، وَالْعَظْمَ، وَالشَّعْرَ، وَالْبَشَرَ، وَالأَحْشَاءَ، حَتَّى تَهْجِمَ عَلَى الْفُؤَادِ، فَلا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ تَأْكُلَ أَفْئِدَتَهُمْ، فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَى الْفُؤَادِ خَبَتْ، سَكَنَتْ فَلَمْ تَشْعُرْ بِهِمْ وَتَرَكَتْ فُؤَادَهُ تَصِيحُ، ثُمَّ يُجَدَّدُ خَلْقُهُمْ فَيَعُودُ فَتَأْكُلُهُمْ.
فَلا يَزَالُونَ كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] .
وَقَالَ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] كُلَّمَا طُفِئَتْ أُسْعِرَتْ.
стр. 117
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَائِنٍ، يُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٩٩] وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
فَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَاللَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُوَ ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩] ، يَعْنِي: الْبَعْثَ.
وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .
قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٩٩] لا شَكَّ فِيهِ، الْقِيَامَةَ.
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ [الإسراء: ٩٩] الْمُشْرِكُونَ.
﴿إِلا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] بِالْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] .
قَالَ: ﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] قَالَ قَتَادَةُ: خَشْيَةَ الْفَاقَةِ.
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] بَخِيلا، يَقْتُرُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
يُخْبِرُ أَنَّهُمْ بُخَلاءُ أَشِحَّاءُ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بَخِيلا، مَسِيكًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: يَدَهُ، وَعَصَاهُ، وَالطُّوفَانَ، وَالْجَرَادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفَادِعَ، وَالدَّمَ، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] .
الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١] يَقُولُ لِلنَّبِيِّ: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١] مُوسَى.
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴿١٠١﴾ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ١٠١-١٠٢] ، يَعْنِي: الآيَاتِ.
стр. 118
﴿إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] حُجَجٌ.
قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ يَا فِرْعَوْنَ.
وَهَذَا مَقْرَأُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْعَامَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وَقَرَأَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ عَنْهُ، قَالَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، مُوسَى يَقُولُهُ.
أَيْ: قَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ الآيَاتِ ﴿إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] .
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] المعَلَى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «مَحْسُورًا» ، أَيْ: يَدْعُو بِالْحَسْرَةِ وَالثُّبُورِ فِي النَّارِ.
قَالَ يَحْيَى: الدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالْهَلاكِ.
قَالَ: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] وَيْلا وَهَلاكًا.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ، أَيْ: مُهْلِكًا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] مَلْعُونًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٣] أَنْ يُخْرِجَهُمْ.
﴿مِنَ الأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٣] أَرْضِ مِصْرَ، تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَقْتُلُهُمْ، يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِالْقَتْلِ.
﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ﴿١٠٣﴾ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ١٠٣-١٠٤] الْقِيَامَةُ.
﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٤] ، يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِرْعَوْنَ، وَقَوْمَهُ.
стр. 119
﴿لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] جَمِيعًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] الْقُرْآنَ.
﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] بِالْجَنَّةِ.
﴿وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] تُنْذِرُ النَّاسَ.
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] ، مَنْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ قَالَ: فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْحَلالِ وَالْحَرَامِ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا مُثَقَّلَةً فَرَّقْنَاهُ.
قَالَ: فَرَّقَهُ اللَّهُ؛ فَأَنْزَلَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَعَامًا بَعْدَ عَامٍ، حَتَّى بَلَغَ بِهِ مَا أَرَادَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُكْثٌ: عَلَى تَرَسُّلٍ فِي قُرَيْشٍ.
- هَمَّامٌ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ نُجُومًا: ثَلاثَ آيَاتٍ، وَأَرْبَعَ وَخَمْسَ آيَاتٍ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] .
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، يَقُولُ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] قَبْلَ الْقُرْآنِ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الْقُرْآنُ.
﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] لِلْوُجُوهِ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
стр. 120
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا ﴿١٠٨﴾ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿١٠٩﴾ ﴾ [الإسراء: ١٠٨-١٠٩] وَالْخُشُوعُ: الْخَوْفُ الثَّابِتُ فِي الْقَلْبِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: أَمَّا اللَّهُ فَنَعْرِفُهُ، وَأَمَّا الرَّحْمَنُ فَلا نَعْرِفُهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] .
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَيْ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ الرَّحْمَنُ.
قَالَ: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: هِيَ بِلِسَانِ كَلْبٍ.
يَقُولُ: تَدْعُوا أَيَّ الاسْمَيْنِ دَعَوْتُمُوهُ بِهِ.
﴿فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وَقَالَ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] أَبُو الأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ اسْمَانِ مَمْنُوعَانِ، لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَنْتَحِلَهُمَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذْ هُوَ بِمَكَّةَ كَانَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ وَرَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ صَوْتَهُ فَآذَوْهُ، وَإِنْ خَفَضَ صَوْتَهُ لَمْ يُسْمِعْ مَنْ خَلْفَهُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَبْتَغِيَ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي حَدِيثِ الأَعْمَشِ: حَتَّى لا يَسْمَعَكَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوكَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ صَوْتَهُ رَمَوْهُ بِكُلِّ خَبَثٍ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَغُضَّ مِنْ صَوْتِهِ وَأَنْ يَقْتَصِدَ فِي صَلاتِهِ، وَكَانَ يُقَالُ: مَا أَسْمَعْتَ أُذُنَيْكَ فَلَيْسَ تَخَافُتٌ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي
стр. 121
الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ الصَّلاةِ سِرًّا، وَمِنْهَا جَهْرًا، فَلا تَجْهَرْ فِيمَا تُسِرُّ فِيهِ، وَلا تُسِرَّ فِيمَا تَجْهَرُ فِيهِ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا.
قَالَ يَحْيَى: هِيَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: أَيْ تَجْهَرْ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَتُسِرَّ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ.
- عُثْمَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ يُخْفِي صَوْتَهُ، وَسَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يُجْهِرُ صَوْتَهُ، وَسَمِعَ بِلالا وَهُوَ يَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: لِمَ تُخْفِي صَوْتَكَ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أُنَاجِي لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ.
وَقَالَ لِعُمَرَ: لِمَ تُجْهِرُ صَوْتَكَ؟ قَالَ: أُرْضِي الرَّحْمَنَ، وَأُرْغِمُ الشَّيْطَانَ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ.
قَالَ: صَدَقْتَ.
وَقَالَ لِبِلالٍ: لِمَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: أَخْلِطُ طَيِّبًا بِطَيِّبٍ قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ، وَأَمَرَ عُمَرَ أَنْ يُخْفِضَ مِنْ صَوْتِهِ، وَأَمَرَ بِلالا إِذَا أَخَذَ فِي سُورَةٍ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
قَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] يَتَكَثَّرُ بِهِ مِنَ الْقِلَّةِ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] خَلَقَ مَعَهُ شَيْئًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] يَتَعَزَّزُ بِهِ.
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُعَلِّمُهَا الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ مِنْ أَهْلِهِ.
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] ، قَالَ: لَمْ يَكْنُ لَهُ حَلِيفٌ وَلا نَاصِرٌ مِنْ خَلْقِهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَاحِبٌ يَتَعَزَّزُ بِهِ مِنْ ذُلٍّ.
стр. 122
حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: فُتِحَتِ التَّوْرَاةُ بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] ، وَخُتِمَتْ بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .
- الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ بِإِلَهٍ اسْتَحْدَثَنَاهُ، وَلا بِرَبٍّ يَبِيدُ ذِكْرُهُ، وَلا مَلِيكٍ مَعَهُ شُرَكَاءُ يَقْضُونَ مَعَهُ، وَلا كَانَ قَبْلَكَ إِلَهٌ نَدْعُوهُ وَنَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، وَلا أَعَانَكَ عَلَى خَلْقِنَا أَحَدٌ فَنَشُكَّ فِيكَ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، اغْفِرْ لِي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ.
стр. 123
الكهف
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْكَهْفِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [سورة الكهف: ١] حَمِدَ نَفْسَهُ، وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ.
﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الكهف: ١] مُحَمَّدٍ.
﴿الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] الْقُرْآنَ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴿١﴾ قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١-٢] فِيهَا تَقْدِيمٌ.
يَقُولُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: أَنْزَلَهُ قَيِّمًا لا عِوَجَ فِيهِ وَلا اخْتِلافَ.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] عَذَابًا شَدِيدًا.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ عِنْدِهِ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢] عِنْدَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] .
قَوْلُهُ: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ [الكهف: ٣] فِي ذَلِكَ الثَّوَابِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ.
﴿أَبَدًا ﴿٣﴾ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف: ٣-٥] أَنَّ
стр. 124
لِلَّهِ وَلَدًا.
﴿وَلا لآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] قَبْلَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشِّرْكِ.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] هِيَ عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَمَلٌ فِي بَابِ كَانَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُهَا بِالرَّفْعِ: كَلِمَةٌ، يَقُولُ: كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَنْ قَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا.
قَالَ: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] قَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] قَاتِلٌ نَفْسَكَ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالْعَامَّةِ.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] ...
﴿أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ، أَيْ: حُزْنًا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَيْ: حُزْنًا عَلَيْهِمْ ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف: ٦] ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
أَيْ: فَلا تَفْعَلْ.
فِيهَا تَقْدِيمٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ، أَيْ: غَضَبًا.
قَالَ يَحْيَى: مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أَغْضَبُونَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَسَفًا، جَزَعًا.
ذَكَرَهُ عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] لِنَخْتَبِرَهُمْ.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] أَيُّهُمْ أَطْوَعُ لِلَّهِ، وَقَدْ عَلِمَ مَا هُمْ فَاعِلُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ [الكهف: ٨] مَا عَلَى الأَرْضِ.
﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] وَالْجُرُزُ هَاهُنَا: الْخَرَابُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلا بِنَاءٌ.
стр. 125
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: بَلْقَعًا.
قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] الْيَابِسَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة: ٢٧] .
قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ [الكهف: ٩] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: أَفَحَسِبْتَ.
﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ قَدْ كَانَ فِي آيَاتِنَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: هُوَ عَجَبٌ.
قَالَ يَحْيَى: مَعْنَى تَفْسِيرِ قَتَادَةَ يَقُولُ: لَيْسَ هُمْ أَعْجَبُ آيَاتِنَا.
وَالْكَهْفُ: كَهْفُ الْجَبَلِ.
وَالرَّقِيمُ: الْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
قَالَ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا﴾ [الكهف: ١٠] أَعْطِنَا.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ [الكهف: ١٠] مِنْ عِنْدِكَ.
﴿رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠] ، يَعْنِي: رِزْقًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] كَانُوا قَوْمًا قَدْ آمَنُوا، فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَإِنَّ قَوْمَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَخَشَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْقَتْلَ.
قَالَ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴿١١﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴿١٢﴾ ﴾ [الكهف: ١١-١٢] الْمُنْتَهَى الَّذِي بُعِثُوا فِيهِ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عِلْمٌ لا لِكَافِرِهِمْ وَلا لِمُؤْمِنِهِمْ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] ، عَدَدًا، أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا لَبِثُوا.
قَالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] خَبَرَهُمْ بِالْحَقِّ.
стр. 126
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ، يَعْنِي: إِيمَانًا.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤] بِالإِيمَانِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] جَوْرًا، أَيْ: كَذِبًا.
وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ.
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا﴾ [الكهف: ١٥] هَلا.
﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ﴾ [الكهف: ١٥] بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ فِي هَذَا الْحَرْفِ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.
وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ: عُذْرٌ بَيِّنٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: أَيْ: بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ.
قَالَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥] ، أَيْ: لا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ فِي تَفسِيرِ الْحَسَنِ.
قَالَ: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦] ، أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ سِوَى اللَّهِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَهَذَا تَفْسِيرُهَا.
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] ، يَعْنِي: فَانْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الكهف: ١٦] ، يَعْنِي: يَبْسُطُ لَكُمْ رَبُّكُمْ.
﴿مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] .
قَالَ: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧] تَعْدِلُ عَنْ كَهْفِهِمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمِيلُ.
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] وقَالَ قَتَادَةُ: تَدَعُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] ، يَقُولُ:
стр. 127
تَدَعُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لا تَدْخُلُ الشَّمْسُ كَهْفَهُمْ عَلَى حَالٍ.
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَيْ فِي قَضَاءٍ مِنَ الْكَهْفِ.
وَتِلْكَ آيَةٌ.
قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾ ﴾ [الكهف: ١٧-١٧] .
قَالَ: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] مُفَتَّحَةٌ أَعْيُنُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: ذَاكَ فِي رَقْدَتِهِمُ الأُولَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا.
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَبُو عِيَاضٍ: لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ تَقْلِيبَتَانِ.
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: بِفِنَاءِ الْكَهْفِ.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] لِحَالِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وَكَانُوا دَخَلُوا الْكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ.
قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةٌ، فَقَالُوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فَرَدُّوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
فـ ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩] ، أَيْ: بِدَرَاهِمِكُمْ هَذِهِ.
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وَكَانَتْ مَعَهُمْ دَارَهِمُ.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَيُّهَا أَحَلُّ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ كَانَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِمْ مَا لا يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَهُ.
стр. 128
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَطْيَبُ.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ﴾ [الكهف: ١٩] لا يُعْلِمَنَّ.
﴿بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ١٩-٢٠] يَقْتُلُوكُمْ بِالْحِجَارَةِ.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠] فِي الْكُفْرِ.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] إِنْ فَعَلْتُمْ.
قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] قَالَ قَتَادَةُ: أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ، عَلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ، أَطْلَعْنَا أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي أَحْيَاهُمُ اللَّهُ فِيهِ وَلَيْسَ بِحَيَاةِ النُّشُورِ.
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١] كَانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ قَدْ بَادَتْ وَخُلِقَتْ بَعْدَهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا عَلَى الإِسْلامِ.
ثُمَّ إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْبَعْثِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُبْعَثُ النَّاسُ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَهَؤُلاءِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَانَ الْمَلِكُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُبْعَثُ الأَرْوَاحُ بِغَيْرِ أَجْسَادٍ فَكَفَرُوا، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ.
فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ آيَةً لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] رُوحُ كُلِّ شَيْءٍ فِي جَسَدِهِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
فَلَمَّا بَعَثَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ صَاحِبَهُمْ بِالدَّرَاهِمِ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ بِهَا طَعَامًا وَهُمْ
стр. 129
يَرَوْنَ أَنَّهَا تِلْكَ الأُمَّةُ الْمُشْرِكَةُ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْهُمْ، فَأَمَرُوا صَاحِبَهُمْ أَنْ يَتَلَطَّفَ وَلا يُشْعِرَ بِهِمْ أَحَدًا.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالرُّومِ يُقَالُ لَهَا: فسوس، فَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ؛ لِيَشْتَرِيَ بِهَا الطَّعَامَ، اسْتُنْكِرَتِ الدَّرَاهِمُ وَأُخِذَ، فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا الدَّرَاهِمُ دَرَاهِمُ الْمَلِكِ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ.
فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ وَجَدَ كَنْزًا.
فَلَمَّا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعَذَّبَ أَطْلَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ.
فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَعْلَمَكُمْ أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ.
فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَالنَّاسُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، وَتَقَدَّمُ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَرَآهُمْ وَرَأَوْهُ مَاتُوا؛ لأَنَّهُمْ قَدْ كَانَتْ أَتَتْ عَلَيْهِمْ آجَالُهُمْ.
فَقَالَ الْقَوْمُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ؟ ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١] فـ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُؤْمِنُوهُمْ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا بَنِي الأَكْفَاءِ وَالرُّقَبَاءِ، مُلُوكِ الرُّومِ، رَزَقَهُمُ اللَّهُ الإِسْلامَ فَفَرُّوا بِدِينِهِمُ، اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ.
فَلَبِثُوا دَهْرًا طَوِيلا حَتَّى هَلَكَتْ أُمَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ.
وَكَانَ مَلِكُهُمْ مُسْلِمًا، فَاخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يُبْعَثُ الأَرْوَاحُ وَالْجَسَدُ مَعًا، وَقَالَ قَائِلُونَ: يُبْعَثُ الرُّوحُ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الأَرْضُ وَلا يَكُونُ شَيْئًا.
فَشَقَّ عَلَى مَلِكِهِمُ اخْتِلافُهُمْ، فَانْطَلَقَ فَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَقَعَدَ عَلَى الرَّمَادِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ، فَقَالَ: رَبِّ إِنَّكَ قَدْ تَرَى اخْتِلافَ هَؤُلاءِ فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ آيَةً تُبَيِّنُ لَهُمْ.
فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ، فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَجَعَلَ يُنْكِرُ الْوُجُوهَ وَيَعْرِفُ الطُّرُقَ وَرَأَى الإِيمَانَ فِي الْمَدِينَةِ ظَاهِرًا.
فَانْطَلَقَ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْ طَعَامِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الْوَرِقَ أَنْكَرَهَا.
قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَلَيْسَ مَلِكُكُمْ فُلانًا؟ قَالَ: لا، بَلْ مَلِكُنَا فُلانٌ.
فَلَمْ يَزَالا بَيْنَهُمَا حَتَّى
стр. 130
رَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَأَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْكَهْفِ بِحَدِيثِهِ وَأَمَرَهُ.
فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي النَّاسِ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّكُمُ اخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَةً وَبَيَّنَ لَكُمُ الَّذِي اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَهَذَا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ فُلانٍ، يَعْنِي مَلِكَهُمُ الَّذِي مَضَى، فَقَالَ صَاحِبُ الْكَهْفِ: انْطَلِقُوا إِلَى أَصْحَابِي.
فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَرَكِبَ مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: دَعُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أَصْحَابِي.
فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ وَأَبْصَرُوهُ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ.
فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَجْسَادٌ لا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لا أَرْوَاحَ فِيهَا.
فَقَالَ الْمَلِكُ: هَذِهِ آيَةٌ بَعَثَهَا اللَّهُ لَكُمْ.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] مُلُوكُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] قَالَ اللَّهُ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ [الكهف: ٢٢] سَيَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ قَذْفًا بِالْغَيْبِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: رَمْيًا بِقَوْلِ الظَّنِّ.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: إِلا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ، كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
قَالَ: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] يَقُولُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: فَلا تُمَارِ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] إِلا بِمَا أَخْبَرْتُكَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وقَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: حَسْبُكَ مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِهِمْ.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ.
﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢] مِنَ الْيَهُودِ.
يَقُولُ: لا تَسَلْ عَنْهُمْ مِنَ الْيَهُودِ أَحَدًا.
وَهُمُ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُمْ لِيُعَنِّتُوهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] يَقُولُ إِلا أَنْ تَسْتَثْنِيَ.
стр. 131
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: «أُخْبِرُكُمْ عَنْهُمْ غَدًا» ، فَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قَالَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إِذَا نَسِيتَ الاسْتِثْنَاءَ.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] وَمَتَى مَا ذَكَرَ الَّذِي حَلَفَ فَلْيَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأَنَّ اللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الاسْتِثْنَاءِ بِشَيْءٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى بَعْدَ مَا تَكَلَّمَ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الاسْتِثْنَاءِ، مَتَى مَا اسْتَثْنَى فَالْكَفَّارَةُ لازِمَةٌ لَهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْمَأْثَمُ حَيْثُ اسْتَثْنَى؛ لأَنَّهُ كَانَ رَكِبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ تَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الاسْتِثْنَاءِ، أَيْ: لا يَقُولُ: إِنِّي أَفْعَلُ حَتَّى يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا يَقُولُ: لا أَفْعَلُ حَتَّى يَقُولَ:
إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
عَمَّارٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أُمِرَ أَلا يَقُولَ لِشَيْءٍ فِي الْغَيْبِ: إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا دُونَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ، إِلا أَنْ يَنْسَى الاسْتِثْنَاءَ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إِذَا ذَكَرَهُ.
فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ فَلا ثُنْيَا لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ نَاسٍ لِلاسْتِثْنَاءِ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، تَكَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ مَا لَمْ يَقُمْ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ".
حَدَّثَنِي مُحِلٌّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَيْسَ الاسْتِثْنَاءُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَجْهَرَ بِهِ كَمَا
стр. 132
تَجْهَرُ بِالْيَمِينِ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ فِي قَلْبِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِ لِسَانُهُ.
الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ، الإِطْلاقُ أَوْ عِتَاقٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ [الكهف: ٢٥] ثُمَّ أَخْبَرَ مَا تِلْكَ الثَّلاثُ مِائَةٍ، فَقَالَ: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] ، أَيْ: تِسْعَ سِنِينَ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ، رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكَلامِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ....
وَيَقُولُونَ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] قَالَ قَتَادَةُ: فَرَدَّ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] ، يَقُولُ: مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: أَفْقِهْ بِهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لا أَحَدَ أَبْصَرَ مِنَ اللَّهِ وَلا أَسْمَعَ مِنَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] وَهِيَ تُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
يَقُولُونَ: وَلا تُشْرِكْ يَا مُحَمَّدُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، يَقُولُ: حَتَّى تَجْعَلَهُ مَعَهُ شَرِيكًا فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَأُمُورِهِ.
وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ يَقُولُ: وَلا يُشْرِكُ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] لا يَحْكُمُ فِي الآخِرَةِ بِخِلافِ مَا قَالَ فِي الدُّنْيَا.
هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] قَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]
стр. 133
قَالَ قَتَادَةُ: وَلِيًّا وَلا مَوْلًى.
قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] قَالَ قَتَادَةُ: وَهُمَا الصَّلاتَانِ: صَلاةُ الْفَجْرِ وَصَلاةُ الْعَصْرِ.
وَإِنَّمَا فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ.
نَزَلَتْ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَبِلالٍ، وَصُهَيْبٍ، وَخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ نُجَالِسَكَ فَاطْرُدْ عَنَّا هَؤُلاءِ الْقَوْمِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ [الكهف: ٢٨] مُحَقّرَةً لَهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]
الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] ، قَالَ: فِي الصَّلاةِ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَصْبِرُ نَفْسِي مَعَهُ» ، أَوْ قَالَ: «مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ» .
- أَشْعَثُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِذِكْرِ اللَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ خَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمِنْ إِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا» .
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 134
وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ أَمْسَكَ، وَرُئِيَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ النَّبِيَّ أَحَقُّ بِالْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «حَدَّثَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً
مُحَرَّرِينَ» .
- الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨] ، يَعْنِي: شَهْوَتَهُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] ضَيَاعًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ.
وَقَالَ: كَانَ مُقَصِّرًا مُضَيِّعًا وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] ، يَعْنِي: ضَيَّعْتُ وَقَصَّرْتُ.
قَالَ يَحْيَى: وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١] .
قَالَ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَهُوَ الْقُرْآنُ.
قَالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] هَذَا وَعِيدٌ.
أَيْ: مَنْ آمَنَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ.
قَالَ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] أَعْدَدْنَا.
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ [الكهف: ٢٩] لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] سُورُهَا.
وَلَهَا عُمُدٌ، فَإِذَا مُدَّتْ تِلْكَ الْعُمُدُ أُطْبِقَتْ عَلَى أَهْلِهَا، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَإِذَا قَالَ
стр. 135
ذَلِكَ أُطْبِقَتْ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾ ﴾ [الهمزة: ٨-٩] .
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ هُدِيَتْ لَهُ سِقَايَةُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأَمَرَ بِخُدُودٍ فَخُدَّتْ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا مِنْ جَزْلِ الْحَطَبِ، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا تِلْكَ السِّقَايَةَ، حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَامَّاعَتْ، قَالَ لِغُلامِهِ: ادْعُ مَنْ بِحَضْرَتِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
فَدَعَا رَهْطًا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبَهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَبِ وَهَذِهِ الْفِضَّةِ حِينَ أَزْبَدَ وَامَّاعَ.
عُثْمَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: الْمُهْلُ: الْقَيْحُ وَالدَّمُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] يَحْرِقُ الْوُجُوهَ إِذَا أَهْوَى لِيَشْرَبَهُ.
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] قَالَ قَتَادَةُ: مَنْزِلا وَمَأْوًى، يَعْنِي النَّارَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] مُجْتَمَعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَاءَتْ﴾ [الكهف: ٢٩] بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَأْوَى هِيَ.
وَهَذَا وَعِيدٌ لِمَنْ كَفَرَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ بِوَعْدِهِ لِمَنْ آمَنَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ﴿٣٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف: ٣٠-٣١] قَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 136
قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] ابْنُ لَهِيعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَوْ بَدَا إِسْوَارُهُ لَغَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ» .
وَأَخْبَرَنِي بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَحَدٌ إِلا وَفِي يَدِهِ ثَلاثَةُ أَسْوِرَةٍ: إِسْوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ.
قَالَ: وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر: ٣٣] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] .
قَوْلُهُ: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَمَّا السُّنْدُسُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ.
قَالَ يَحْيَى: السُّنْدُسُ الَّذِي قَالَ عِكْرِمَةُ يُعْمَلُ بِالسُّوسِ، وَهُوَ الْخَزُّ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: وَأَمَّا الإِسْتَبْرَقُ: فَالدِّيبَاجُ الْغَلِيظُ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: هِيَ بْالْفَارِسِيَّةِ اسْتَبْرَهْ.
- قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: عَلَى السُّرِرِ فِي الْحِجَالِ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا أَيْضًا مَزْمُولَةٌ بِقُضْبَانِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَرْمُولَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.
وَحَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: يُعَانِقُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ قَدْرَ عُمُرِ الدُّنْيَا كُلِّهِ لا يَمَلُّهَا وَلا تَمَلُّهُ.
- وَبَلَغَنِي عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
стр. 137
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَنَعَّمُ فِي تكاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ عَامًا» .
- وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَّكِئُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَوْجَتِهِ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، ثُمَّ يَتَّكِئُ عَلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَلَهَا أَلْفُ بَابٍ وَلَهُ فِيهَا سَبْعُ مِائَةِ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] مَنْزِلا وَمَأْوًى، يَعْنِي: الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٢-٣٣] أَطْعَمَتْ ثَمَرَتَهَا.
قَالَ: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴿قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ: وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئًا.
﴾ وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا ﴿ [الكهف: ٣٣] بَيْنَهُمَا نَهْرًا.
﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴿ [الكهف: ٣٤] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ثُمْرٌ وَهُوَ الأَصْلُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنَ الْمَالِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
وَثَمَرٌ وَهِيَ الثَّمَرَةُ.
﴾ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ ﴿ [الكهف: ٣٤] بَلَغَنَا أَنَّهُمَا كَانَا أَخَوَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرِثَا عَنْ أَبِيهِمَا مَالا فَاقْتَسَمَاهُ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ.
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ مُؤْمِنًا فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَقَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ كَافِرًا فَاتَّخَذَ بِهَا الأَرَضِينَ وَالْجِنَانَ وَالدُّورَ وَالرَّقِيقَ وَتَزَوَّجَ.
فَاحْتَاجَ الْمُؤْمِنُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ.
فَجَاءَ إِلَى أَخِيهِ يَزُورُهُ وَيَتَعَرَّضُ لِمَعْرُوفِهِ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: فَأَيْنَ مَا وَرِثْتَ؟ قَالَ: أَقْرَضْتُهُ رَبِّي، وَقَدَّمْتُهُ لِنَفْسِي.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: لَكِنِّي اتَّخَذْتُ بِهِ لِنَفْسِي وَلِوَلَدِي مَا قَدْ رَأَيْتَ.
стр. 138
قَالَ اللَّهُ:﴾ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴿ [الكهف: ٣٤] وَالْمُحَاوَرَةُ: مُرَاجَعَةُ الْكَلامِ.
﴾ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿ [الكهف: ٣٤] أَكْثَرُ رِجَالا وَنَاصِرًا.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴿ [الكهف: ٣٥] ، يَعْنِي: بِشِرْكِهِ.
﴾ قَالَ مَا أَظُنُّ ﴿ [الكهف: ٣٥] مَا أُوقِنُ.
﴾ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿ [الكهف: ٣٥] ، أَيْ: تَفْنَى هَذِهِ أَبَدًا.
تَفْسِيرُ الْحَسَنِ لَيْسَ يَعْنِي أَنَّهَا لا تَفْنَى فَتَذْهَبُ وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَعِيشُ فِيهِ حَتَّى يَأْكُلَهَا حَيَاتَهُ، كَقَوْلِهِ:﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿ [الهمزة: ٣] ، أَيْ: يَحْسَبُ أَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي مَالِهِ حَتَّى يَأْكُلَهُ.
﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴿ [الكهف: ٣٦] وَمَا أُوقِنُ أَنَّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ.
يَجْحَدُ بِالْبَعْثِ.
﴾ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا ﴿ [الكهف: ٣٦] مِنْ جَنَّتِي.
﴾ مُنْقَلَبًا ﴿ [الكهف: ٣٦] فِي الآخِرَةِ إِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كَقَوْلِهِ:﴾ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ﴿ [فصلت: ٥٠] الْجَنَّةُ إِنْ كَانَتْ جَنَّةٌ، أَيْ وَلَكِنْ لَيْسَ جَنَّةٌ وَلا مَرَدٌّ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ: لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلَبًا، يَعْنِي: الْجَنَّتَيْنِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعٍ جَنَّةٌ وَفِي مَوْضِعٍ جَنَّتَانِ.
قَالَ:﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴿ [الكهف: ٣٥] وَقَالَ:﴾ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴿ [الكهف: ٣٢] فَهِيَ جَنَّةٌ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَصَارَتْ جَنَّتَيْنِ، وَهِيَ جَنَّةٌ، وَهِيَ جَنَّتَانِ.
﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ﴿ [الكهف: ٣٧] الْمُؤْمِنُ.
﴾ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ﴿ [الكهف: ٣٧] يَعْنِي أَوَّلَ خَلْقِ الإِنْسَانِ، يَعْنِي آدَمَ.
﴾ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلا ﴿ [الكهف: ٣٧-٣٩] فَهَلا.
﴾ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ﴿ [الكهف: ٣٩] .
стр. 139
ثُمَّ قَالَ:﴾ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ ﴿ [الكهف: ٣٩-٤٠] فِي الآخِرَةِ.
﴾ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ ﴿ [الكهف: ٤٠] نَارًا مِنَ السَّمَاءِ، أَيْ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ، وَهِيَ النَّارُ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ:﴾ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿ [الكهف: ٤٠] لا نَبَاتَ فِيهَا، وَالصَّعِيدُ الزَّلَقُ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ: الزَّلَقُ، التُّرَابُ الَّذِي لا نَبَاتَ فِيهِ.
وَفِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَكْ فِيهَا شَيْءٌ.
قَالَ:﴾ أَوْ يُصْبِحَ ﴿ [الكهف: ٤١] ، يَعْنِي: أَوْ يَصِيرُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴾ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴿ [الكهف: ٤١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الأَرْضِ.
﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿ [الكهف: ٤١] قَدْ غَارَ فِي الأَرْضِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَالْغَوْرُ الَّذِي لا تَنَالُهُ الدِّلاءُ.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿ [الكهف: ٤٢] مِنَ اللَّيْلِ.
﴾ فَأَصْبَحَ ﴿ [الكهف: ٤٢] مِنَ الْغَدِ قَائِمًا.
﴾ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴿ [الكهف: ٤٢] يُسَفِّقُ كَفَّيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَضْرِبُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى نَدَامَةً.
﴾ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴿ [الكهف: ٤٢] وَقَالَ قَتَادَةُ: تَلَهُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ:﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿ [الكهف: ٤٢] مِثْلُ قَوْلِهِ:﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴿ [الكهف: ٣٤] : ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
قَالَ:﴾ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴿ [الكهف: ٤٢] قَالَ الْحَسَنُ: عُرُوشُهَا: التُّرَابُ، قَدْ ذَهَبَ مَا فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ.
стр. 140
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَقْلُوبَةٌ عَلَى رُءُوسِهَا.
﴾ وَيَقُولُ ﴿ [الكهف: ٤٢] فِي الآخِرَةِ.
﴾ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي ﴿ [الكهف: ٤٢] فِي الدُّنْيَا.
أَحَدًا.
قَالَ اللَّهُ:﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ﴿ [الكهف: ٤٣] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: عَشِيرَةٌ.
﴾ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿ [الكهف: ٤٣] يَمْنَعُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
﴾ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿ [الكهف: ٤٣] مُمْتَنِعًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ:﴾ هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ﴿ [الكهف: ٤٤] فِي الآخِرَةِ.
هُنَالِكَ يَتَوَلَّى اللَّهُ كُلَّ عَبْدٍ، لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ إِلا تَوَلَّى اللَّهُ، فَلا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي وِلايَةَ الدِّينِ.
هِيَ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَهُ.
وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِرَفْعِ الْحَقِّ، وَالآخَرُ بِجَرِّهِ.
فَمَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ يَقُولُ: هُنَاكَ الْوِلايَةُ الْحَقُّ لِلَّهِ، فِيهَا تَقْدِيمٌ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ يَقُولُ: لِلَّهِ الْحَقِّ.
وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
﴾ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴿ [الكهف: ٤٤] خَيْرُ مَنْ أَثَابَ وَخَيْرٌ ثَوَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأَوْثَانِ لِمَنْ عَبَدَهَا.
﴾ وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴿ [الكهف: ٤٤] وَخَيْرُ مَنْ أَثَابَ.
قَوْلُهُ:﴾ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ﴿ [الكهف: ٤٥] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَالَ:﴾ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴿ [الكهف: ٤٥] هَشَّمَتْهُ الرِّيَاحُ فَأَذْهَبَتْهُ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا ذَاهِبَةٌ زَائِلَةٌ كَمَا ذَهَبَ ذَلِكَ النَّبَاتُ بَعْدَ بَهْجَتِهِ وَحُسْنِهِ.
﴾ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿ [الكهف: ٤٥] قديرًا.
стр. 141
قَوْلُهُ:﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ [الكهف: ٤٦] الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
- حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْحَمِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هِيَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُهَا جَمِيعًا.
هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] عَاقِبَةً.
﴿وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ [الكهف: ٤٦] خَيْرُ مَا يَأْمَلُ الْعِبَادُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُثَابُوهُ فِي الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] مُسْتَوِيَةً.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاءٌ وَلا شَجَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: لَيْسَ عَلَيْهَا خَمَرٌ وَلا غَيَايَةٌ.
قَالَ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧] ، يَعْنِي: وَجَمَعْنَاهُمْ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] أُحْضِرُوا فَلَمْ يَغِبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] صُفُوفًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَفًّا، يَعْنِي: جَمِيعًا.
- مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: " يَسُرُّكُمْ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: يَسُرُّكُمْ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَقَالَ: النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ وَأَنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ".
- الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ الأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهَا فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الثَّلاثَةُ، وَرَأَيْتُ
стр. 142
النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الْعِصَابَةُ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الرَّجُلانِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ الْوَاحِدُ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ لا يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِهِ أَحَدٌ، فَاهْتَمَمْتُ بِأُمَّتِي فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي.
قَالَ: انْظُرْ هَاهُنَا.
فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الأُفُقُ سَادٍّ.
قَالَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: انْظُرْ هَاهُنَا.
فَنَظَرْتُ فَإِذَا شِعَابُ مَكَّةَ وَظِرَابُهَا مَوَاشٍ نَاسًا.
قَالَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ.
قَالَ: وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ: مَا تَرَوْنَ هَؤُلاءِ؟ هَؤُلاءِ قَوْمٌ يُولَدُونَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، لَمْ يُدْرِكُوا الْجَاهِلِيَّةَ وَلا جَهْلَهَا وَلا ضَلالَتَهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا تَقُولُونَ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: بَلْ هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: «يُعْرَفُ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ حِسَابًا فَذَلِكَ الْهَالِكُ» .
- هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا آخِذٌ بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي مِنْهُ الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرُئِيَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُ يُنَادِي الأَشْهَادَ ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، أَيْ: غُلْفًا غَيْرُ مُخَتَّنِينَ.
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٤٨] يَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ.
стр. 143
﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨] أَنْ لَنْ تُبْعَثُوا.
- وَبَلَغَنَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا يَحْتَشِمُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: «هُمْ أَشْغَلُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ» .
حَدَّثَنِي الأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا سَوْأَتَاهْ لَكِ يَا ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «النَّاسُ يَوْمَئِذٍ أَشْغَلُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ» .
قَالَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: ٤٩] مَا كَانَتْ تَكْتُبُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] الْمُشْرِكِينَ.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] أَيْ: خَائِفِينَ.
﴿مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] فِي كُتُبِهِمْ.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] قَالَ الْحَسَنُ: وَهُوَ أَوَّلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ مِنَ الإِنْسِ وَهُوَ أَوَّلُ الإِنْسِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ قَبِيلٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُقَالُ لَهُ الْجِنُّ.
قَالَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ.
وَكَانَ عَلَى خَزَانَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي قَوْلِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: جَنَّ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ.
قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: أَنْحَاهُ اللَّهُ إِلَى نَسَبِهِ.
قَالَ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] عَصَى أَمْرَ رَبِّهِ عَنِ السُّجُودِ لآدَمَ، تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَكَفَرَ وَاسْتَكْبَرَ.
قَالَ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠] ، يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى الشِّرْكِ.
﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]
стр. 144
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] مَا اسْتَبْدَلُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ إِذْ أَطَاعُوا إِبْلِيسَ فَبِئْسَ ذَلِكَ لَهُمْ بَدَلا.
قَوْلُهُ: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أَيْ: مَا أَشْهَدْتُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ ادَّعَوْا أَنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ؟ ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] أَعْوَانًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: مَا كُنْتُ لأَتَوَلَّى الْمُضَلِّينَ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: الْمُضِلُّونَ: الشَّيَاطِينُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَوْبِقًا، مُهْلِكًا.
يَقُولُ: جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَصْلَهُمُ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا مُهْلِكًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٌ فُرِّقَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلالَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْبَقْنَاهُمْ: أَدْخَلْنَاهُمُ النَّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾ [الكهف: ٥٣] الْمُشْرِكُونَ.
﴿النَّارَ فَظَنُّوا﴾ [الكهف: ٥٣] فَعَلِمُوا.
﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] إِلَى غَيْرِهَا.
стр. 145
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤] ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩] .
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] يَعْنِي: الْكَافِرَ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ.
- الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ: «قُمْ صَلِّهِ» .
قَالَ: فَقَالَ كَذَا وَكَذَا وَتَمَطَّى وَقَالَ: إِنَّمَا نُصَلِّي مَا قُدِّرَ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] ".
- أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: «قُمْ صَلِّهِ» .
فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا نُصَلِّي هَكَذَا عَلَى مَا قُدِّرَ لِي.
فَمَضَى نَبِيُّ اللَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] ".
قَوْلُه: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥] أَيْ: مِنْ شِرْكِهِمْ.
﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] مَا عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ الأُمَمَ السَّالِفَةَ.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ [الكهف: ٥٥] عِيَانًا.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَجْأَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] بِالْجَنَّةِ.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] مِنَ النَّارِ.
وَيُبَشِّرُونَهُمْ أَيْضًا بِالرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْجَنَّةِ إِنْ آمَنُوا.
وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَيُنْذِرُونَهُمُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ عَذَابِ الآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
قَوْلُهُ: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ [الكهف: ٥٦] لِيُذْهِبُوا.
﴿بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] فِيمَا يَظُنُّونَ وَلا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٦-٥٧] يَقُولُهُ عَلَى الاسْتِفْهَامِ.
وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ.
следующие страницы →