← Адаб

Адаб · id 12856

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء المغرب والأندلس جـ 2

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (315 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بلّله قطر الندى فاغتدى ... ينفض ريشاً سندسيّ الوشاح أورقُ قد أورق من تحته ... غصن رطيب فوق حِقف رداح إن ينسكب ماء الغمام اغتذى ... وإن ... محجره الشمس فاح وإن سقته الريح راحاً لها ... مال ونام ونشوان صاح أعطافه تشبه أعطاف من ... راح فؤادي معه حيث راح وزارني طيف خيال لهم ... فألحف الليل رداء الصّباح بتّ به تحت ظلال المنى ... أشتمّ ريحاناً وأستَفّ راح سقانيَ الخمرة من ريقه ... وقام لي من برد بالأقاح يا طاعن الخيل غادة الوغى ... طاعنك النّهد فألق السّلاح فالحدق السوق إليك ارتمت ... فما عسى تغنيك بيض الصّفاح الحمد لله فإنّي امرؤ ... قد تُبْتُ إلا من وجوه الملح وقبلتي ناصر شرع العلا ... فوجهه وجه الهدى في البطاح الدّيمة الوطْفاءُ يوم النّدى ... والأسد الباسل يوم الكفاح مغالق الأرزاق من كفّه ... قد أذن الله لها بانفتاح ولم يضق دهر على أمّة ... إلا أصابوا بذراه انفساح تبصره إن هاجه صارخ ... كالحيّة انساب وكالماء ساح منها: مُوَطّأ الأكناف رطب الجنى ... مقدّم السّبق معلّى القداح من رام عن مورده مصدراً ... قالت له نعماؤه: لا براح آلاؤه بالبشر ممزوجة ... مزج الحُمَيّا بالزّلال القراح تحكي لياليه بأيّامه ... خِيلان مسك في خدود صِباح

стр. 107

ينشر يوم الفخر من نفسه ... عرضاً مصوناً ظن مالاً مباح يا مستميح المال من غارة ... وما له من كرم مستماح لك البسيطان فمن ضمّر ... تُردى ومن طير تباري الرّياح أغربة للورق في ظهرها ... أجنحة خفّاقة بالنّجاح منها في وصف النيروز: يا كوكب النيروز في بهجة ... أسنى من البدر المنير اللياح جاءت عطاياك تهادى به ... تهاديَ الغيد غداة اقتراح لو أنّ لي قوة عهد الصبا ... لم أترك النيروز دون اصطباح يوم رقيق فاتر ناظم ... كافوره فوق الرّبا والبطاح تلعب فيه كل مياسة ... ميس غصون تحت روح الرّواح في ملتوى الأرقم في جلده ... في خيلاء الخيل عند المزاح إن قعدت قلت رُبًىفي بُرىوإن مشت قامت مَهًى في مراح غيْداءُ جيداءُ لها معطف ... يرفل من ديباجه في اتّشاح إنْسيّةُ وحشيّة ركِّبَتْ ... من صورة الجدّ وشكل المزاح ساكنة في جوفها ناطق ... ينطق عنها بمعان فصاح كأنّما حليتها ألسنٌ ... تملأ سمع الدهر فيك امتداح يخدمها كلّ كميّ له ... وجه حييّ وفؤاد وقاح يجزع روع الروع صمصامه ... وحدّه يخرجه الالتماح مرهفه نار وفضفاضه ... ماء وبين الحالتين اصطلاح وقوله: تحيّيك حتى الشهب عنّي وقلّ لك ... فإنّك نور الشمس تجلي لي الحلك أكذّب ظنّي أنني لك أرتقي ... ومن ذا الذي يرقى من الفلك الفلك

стр. 108

وأعلم أني لست عندك عالماً ... أفي تلك أجرى ... لحاظي أم ملك لك الله حلاّك الضّحى من سمائه ... وختّمك الجوزاء والنّجم أنعلك وبوّأك المجد الذي في جلاله ... تبوّأت من وادي المجرة منزلك تراودك الدنيا الى ذات نفسها ... فلا دولة إلا تناديك: هِيتَ لَكْ قطعت إليك البحر أستصحب الصبا ... وأسلك حيث البرق في حفظه سلك وآمل من ذاك الحجاب رُفوعه ... لعلّي بعين الشّوق أن أتأمّلك أنا العبد أهّلْني الى البِشر والرضا ... لمن للمعالي والمكارم أهّلك أقاسمك النفس التي في جوانحي ... مقاسمك المعطيك غاية ما ملك فما اسودّ فيها من ظلام يكون لي ... وما ابيضّ فيها من ضياء يكون لك وله في المرثية: أصيب بفارسه الموكب ... وضاق على وسعه المذهب وغُيّب في طبقات الثّرى ... سنا واضح وجنى طيّب ذوت زهرة من رياض الثّرى ... وغاض بأفق العلا كوكب شباب يزفّ بريعانه ... فَرِيع لميقاته الأشْيَب وقد كان قيس بنجم الدُجى ... فلم يُدْرَ أيّهما أثْقبُ خلا الغاب من خير أشباله ... وزلّ بجارحه المَرْقَب زكت خلفاً بنجيع القلوب ... عيون بأدمعها تندب وفي أمره عجب أنّه ... بمشرقه جاءه المغرب فخفّ وشامخه ثابت ... وجفّ وريحانه مخصب وعبّسَ وهو نَدٍ مشرق ... كما ضحك العارض الأشنب سقى قبره واكفٌ ينهمي ... وظلّله وارق يرطب ولا برحت فوقه روضة ... بأزهار رحمته تعشب وفي أخويه لمن يرتجي ... غياث وغيث لمن يطلب

стр. 109

.. إنه ساعد ... ... بدا أنه يركب ومهما غدوت لنا سالماً ... فلسنا نبالي بمن يذهب ومن كنت بحراً له لم يَسَلْ ... إذا لم يَسِلْ حوله مِذْنَبُ فما ضرّ نبت زكا منسب ... لأنصاره ورقى منصب إليك بها من بيان الضمير ... حيّك الغر لها مطلب وعذراً فما لي من منطق ... يقول ولا من يد تكتب وفي الفضل ... ... محاسن ديباجها مذهب بقيت ... بقاء التي ... لسعدك تسري فما تغرب وله يشكو: رماني الدّهر من كلّ النّواحي ... فأثبت في مقاتِليَ النِّبالا وصيّرني غريباً في مكان ... به الغرباء تكتسب العِيالا وثاري ممكن عند الليالي ... ولكن قد تعذّر أن يُنالا فما أعطت نجادي شِسْعَ نعْلٍ ... ولا أدّت بسابحتي عقالا ولو كاشفت فيه لكنت صبحاً ... ولكنّي انخدعت فكنت آلا ضمير علاك يفهم عن رجائي ... فلست مؤكّداً في ذاك حالا فأنت السّتر بعد الله فوقي ... فزدني من خزائنك انسلالا أدر نظر السّيادة في حديثي ... فكم جرح بك اندمل اندمالا وكم وردتك آمالي خفافاً ... فجاءت تحمل المنن الثقالا أكلّ العالمين لك اتباع ... فإنّ الرزق حيث تميل مالا

стр. 110

ومما نقلته من قلائد العقيان: عرّج بمنعرجات واديهم عسى ... تلقاهُمُ نزلوا الكثيب الأوعسا اطلبهم حيث الرياض تفتّحت ... والريح فاحت والصباح تنفّسا مثل وجوههم نجوماً طُلَّعاً ... وتخيل الخيلان شهباً كنّسا وإذا أدت تمتّعاً بقدودهم ... فاهصر بنعمان الغصونَ الميّسا بأبي غزال منهم لم يتخذ ... إلاّ القنا من بعد قلبي منكسا لبس الحديد على لجين أديمه ... فعجبت من صبح توشح حندسا وأتى يجرّ ذوائباً وذوابلاً ... فرأيت روضاً بالصّلال تحرّسا لا ترهب السيف الصقيل بكفّه ... وارهب بعارضه العذار الأملسا رام العدى قتلي عليه فَفُتُّهم ... والنجم ليس بممكن أن يُلمسا وفللت بغيهم ففزت وهكذا ... فلّ الصحيفة خلّص المتلمّسا كابد الى العزّ الهجير ولا تكن ... في الذلّ ما بين الظلال معرّسا وإذا وصلت الى الأمير مبشّرٍ ... فاجعل بساطك في ثراه السندسا نوّع وجنّس في مناك فإنّه ... ملك تنوّع في العلا وتجنّسا وقال: نسيمك حتّامَ لا ينبري ... وطيفك حتّامَ لا يعتري أعيذك من عرض أن يكون ... وأنت الذي كنت من جوهر

стр. 111

أتذكر أيّامنا بالحمى ... وأيّامنا بذوي الأعصر ألا رأفة من وفيَّ صفيّ ... ألا عطفة من سنيّ سري رمى زُحَلٌ في أظفاره ... وحَلّ يداً عنّيَ المشتري عطارد هل لك من عودة ... فأرجع منك الى عنصري سيطلبني الملك مهما أراد ... لباس نسيج من المفخر ولو أنّ كلّ حصاة تزين ... لما جعل الفضل للجوهر وقال من قصيدة: تكرّ وشتى الخيل والرجل دونها ... فصيرتها شتّى المسالك والسّبل تخالهُمُ رجل الجراد فعندما ... دلفت لهم طاروا بأجنحة النّمل ومنها: وحسبك عند الله حسبتك التي ... دعت شدّة التّقوى الى كرم الفعل جلوت سنا الإصباح في غسق الدّجى ... وأنشأت غُرّ المزن في كلب المحل فما كنت إلا رحمة أنزلت على ... ثرى الأرض فامتدّت الى الوعر والسّهل وله يتغزل في صاحب خيلان: لحظ النّجوم بمقلتيه فراعها ... ما أبصرت من حسنه فترَدّت فتساقطت في خدّه فنظرتها ... عمداً بمقلة حاسد فاسودّت وله في صبي ناسخ: أبصرت أحمد ناسخاً فرأيت ما ... أعنى وأعيى أن يحدّ ويوصفا وكأنّما منح السماء صحيفة ... والليل حبراً والكواكب أحرفا

стр. 112

وله في غلام التحى: أبصرته قصّر في المشيه ... لما بدت في خدّه اللحيه قد كتب الشعر على خدّه ... أو كالذي مرّ على قريه وله: غناءٌ يلذّ ولا أكؤس ... تسكّن من أنفس طائشه وأعجب كيف شدا طائر ... بروض منابته عاطشه وله عندما فارق المتوكل ببطليوس: رضا المتوكّل فارقته ... فلم يرضني بعده العالم وكنت ببطلوس في جنّة ... فجئت بما جاءه آدم وله: أذكّر من لم ينس عهداً ولا ينسى ... وأبسط في أكناف سرحته النّفسا وألبسها خلقاً جديداً وأغتدي ... بظلّ غلام أغتدي معه الأنسا وألبس ريعان الشباب وطالما ... لبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا وإنّي وإياه لمزن وروضة ... يباركني سقياً وأزكو له غرسا صفا بيننا من خالص الودّ جوهر ... علونا به في نور جوهره الشّمسا

стр. 113

وما أنا إلا من علاه مكوّن ... غدوت له نوعاً وأصبح لي جنسا مكارمه مرعى الى جنب معقل ... أرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى وأورد خمساً كلّ يوم بمائه ... وكم لي دهراً قد مضى لم أرد خمسا أبا القاسم اشرب قهوة العزّ وانتقل ... ثنائي ومن فضل الكؤوس اسقني كأسا وخذ بيدي من عثرة قصرت يدي ... وكنت أخا بأس فلم تبق لي بأسا رميت لها فضفاضتي ومهنّدي ... وخطيّتي والنّبل والقوس والتّرسا ثغور المعالي قابلتك ضواحكاً ... فصل لثمها وامصص مراشفها اللعسا وأجيادها مالت عليك نواعماً ... كما مالت الأغصان فانعم بها لمسا ولا ذكر في الأفواه حاشاك إنّما ... صفاتك آيات ولعناً بها درسا إليك بها داراً تلقب أحرفاً ... وقطعة ديباج يسمّونها طرسا

стр. 114

وفضلك في الإغضاء عمّا بعثته ... فليس يَحيك الشعر من عدم الحِسّا وله من أخرى: ملك إذا عقد المعاقد للوغى ... حلّ الملوك معاقد التّيجان وإذا غدت راياته منشورة ... فالخافقان لهنّ في خفقان وقال من أخرى: إن ضعت والشعر مما قد شُهِرْتُ به ... ونال جودك أقواماً وما شعروا فأنت كالغيث إذ تسقي بصيّبه ... شوك القتاد ولا يسقى به الزّهر هذا كثير. ومنه: والحظ مثل الغيث تظمأ روضة ... موشية منه ويروى بلقع ومنه: وما أنت إلا كمثل السحاب ... يسقي النّبات ويعدو الزهر وقال من أخرى: نزل الحيا بنزوله في معهد ... لبس المسرّة ربعه المأنوس فكأنّما ماء الغمام مدامه ... وكأن ساحات الديار كؤوس بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلّة ريشه الطاووس وقال يصف قصيدة: أتيت بها تقيم العذر عني ... فقدرك مثل مقدرة اللّسان ولو وفّيت حقّك في امتداح ... لقال الشعر فيك الشّعرَتان

стр. 115

وقال من أخرى: وعمّرْتَ بالإحسان أفق مَيُرْقَة ... وبنيت فيها ما بنى الإسكندر فكأنّها بغداد أنت رشيدها ... ووزيرها وله السلامة جعفر قال أبو الصلت في الحديقة: قوله، وله السلامة في باب الحشو أوضح وأملح من قول أبي الطيب في كافور: وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّب ... يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا قال: وهو عندي أقرب الى أن يكون احتراساً، كقول طرفة: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي من أن يكون حشواً. وقال من أخرى: كأنّ علاك أفلاك وفلك ... بأرزاق البريّة جاريات كأنّ هباتها من غير وعد ... نتائج ما لهنّ مقدّمات قال: النتيجة لا تكون إلاّ عن مقدّمات أقلّها اثنان، إلا أن هذا لا يطالب بحقيقته من حيث هو شاعر. أبو الحسن جعفر بن ابراهيم بن الحاج اللرقي من مدينة يقال لها لُرْقَة، عاش بعد الخمسمائة طويلاً، وعمّر كثيراً. قال: أذوب اشتياقاً ثم يحجب شخصه ... وإنّي على ريب الزّمان لقاس وأذعر منه هيبة وهو المنى ... كما يذعر المخمور أوّل كاس

стр. 116

وقال من أبيات: من لي بطرف كأنني أبداً ... منه بغير المدام مخمور ما أصدق القائلين حين بدا ... عاشق هذا الجمال معذور وقال يخاطب غلاماً التحى: أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خَدّك لبْسَ الحِداد وقد كان ينبت نَوْر الربيع ... فقد صار ينبت شوك القتاد أبن لي متى كان بدر السّما ... ءِ يُدرَكُ بالكون أو بالفساد فهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور السّواد وكتب الى ابن لبون يتقاضاه جدْياً، من أبيات أوّلها: يا قمر المجد وبحر النّدى ... ومن غدا محيّاه هلك العدى منها: جَدْيٌ إذا استجديت فيه فما ... يمّمت إلا موضعاً للجدى يَسْوَدّ كالكفر ولكنه ... من داخل يَبْيَضّ مثل الهدى وقال: يا عجبي من بائع دينه ... بلذّة يبيع فيها مُناه وإنّما أعجب من خاسر ... يبيع أخراه بدنيا هواه

стр. 117

وقال في مخمّسة يرثي فيها ابن صمادح، ويندب الأندلس في زمن الفتنة: من لي بمجبول على ظلم البشر ... صحّف في أحكامه حاء الحور مرّ بنا يسحب أذيال الخفر ... ما أحسد الظبي له إذا نظر وأشبه الغصن له إذا خطر نهيت قدماً ناظري عن نظري ... علماً بما يجني ركوب الغرر وقلت عرّج عن سبيل الخطر ... اليوم قد عاين صدق الخبر إذ بات وقفاً بيْنَ دمع وسهر يا رُبّ أرض قد خلت قصورها ... وأصبحت آهلة قبورها يُشْغَلُ عن زائرها مزورها ... لا يأمل العودة من يطورها هيهات ذاك الورد ممنوع الصدر تَنْتَحِبُ الدّنيا على ابن معن ... كأنّها ثكلى أصيبت بابن أكرم مأمول ولا أستثني ... أثني بنُعماه ولا أثنّي والروض لا ينكر معروف المطر عهدي به والملك في ذماره ... والنصر في ما شاء من أنصاره يطلع بدر التّمّ في أزراره ... وتكمن العفّة في إزاره ويحضر السّؤْدَدُ أيّان حضر قل للنّوى جَدّ بنا انطلاق ... ما بعدت مصر ولا العِراق إذا حَدا نحوهما اشتياق ... ومن دواء الملل الفراق ومن نأى عن وطن نال وطر

стр. 118

وذكره أبو الصّلت في الحديقة قال: أبو الحسن جعفر المعروف بابن الحاج اللورقي يعاقب صديقاً له: تقلّص ظِلّ منك وازْوَرّ جانب ... وأحرز حظّي من رضاك الأجانب وأصبح طرْقاً من صفائك مشرعي ... وأيَّ صفاء لم تشبه الشّوائب رويداً فلي قلب على الخطب جامد ... ولكن على عتب الأخلاّء ذئب وأكبر ظنّي أنّ عندك غير ما ... ترجّمه تلك الظّنون الكواذب قوله: لي قلب على الخطب جامد، وعلى العتب ذائب، من قول أبي تمّام: جليدٌ على عتب الخطوب إذا التوت ... وليس على عتب الأخلاّء بالجلَدْ أرُد يدي عن عِرْضِ حُرّ ومنطقي ... وأملؤها من لِبْدَةِ الأسد الوَرْد وتمام شعر ابن الحاج: أعد نظراً في سالف العهد إنه ... لأوْكَدُ ممّا تقتضيه المناسب ولا تعقب العتبى بعتب فإنّما ... محاسنها في أن تتمّ العواقب

стр. 119

يخبّ ركابي أنّني بك هائم ... ويثني عناني أنّني لك هائب وحسبك إقراري بما أنا منكر ... وأنّي مما لست أعلم تائب وقال: تَوَقّ الموت واعلم كم عدوّ ... طواه الموت عنك وكم صديق مشَوْا قُدّامنا نسعى جميعاً ... فقد وصلوا ونحن على الطريق وله: تَعَزَّ على الدّنيا ومعروف أهلها ... إذا عُدِم المعروف من آل عبّاد نزلت بهم ضيفاً ثلاثة أشهر ... بغير قِرًى ثم ارتحلت بلا زاد وله: لي صاحب خفيت عليّ شؤونه ... حركاته مجهولة وسكونه يرتاب بالأمر الجليّ توهّماً ... فإذا تيقّن نازعته ظنونه ما زلت أحفظه على شرقي به ... كالشّيب تكرهه وأنت تصونه من قول مسلم: الشّيب كره وكره أن يفارني ... أعجب لشيء على البغضاء مودود وذكره مؤلّف قلائد العقيان، وصفه بالكرم والإحسان، والشّيم الغُرّ الحسان والتنسّك في ... ، والتمسّك بالتقوى، وقال: هو شيخ الجلالة وفتاه، ومبدأ الفضائل ومنتهاها، وأورد من شعره في

стр. 120

المحرم سنة تسع عشرة وخمسمائة ما كتبه الى ذي الوزارتين أبي بكر ابن رحيم وهو: يا دوحة ما يريمها ثمر ... وروضة كلّ نبتها زهر يا مُزْنَة ما تَغِبّ نافعة ... والمزن في طول صوبه ضرر يا منهلاً قد صفا فلا كدر ... يصدّ عن ورده ولا حظر يا عصرة الحرّ حين لا عصر ... يوجد في حادث ولا أسر برّك ذاك الخفيّ أثقلني ... وحمل ما لا أطيقه خطر فلتعفني من نداك تتبعه ... حسبك ما قد لقيت يا عمر قد ذهبت جملة الوفاء فما ... في النّاس خبر لها ولا خبر وصرت في معشر حقودهم ... تبدو إذا كلّموك أو نظروا بني رحيم ركبتمُ سنناً ... في المجد لا يُقْتَفى له أثر كلّ أفانين دهركم عجب ... وكلّ أيّام دهركم غرر ووجدت في نسخة أخرى أنّ هذه الأبيات كتبها في محرم سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وله: إذا كان يزري كلّ ضيف بضيفه ... فإنّي بضيفي حين يقدم أفرح وذاك لأنّ الضّيف يأتي برزقه ... فيأكله عندي ويمضي فيمدح وله: عجباً لمن طلب المحا ... مد وهو يمنع ما لديه ولباسط آماله ... في المجد لم يبسط يديه لم لا أحبّ الضّيف أو ... أرتاح من طرب إليه والضيف يأكل رزقه ... عندي ويشكرني عليه

стр. 121

وله طفقت تؤنِّبُني على البذل ... وتقول نِعْمَ سجيّة البخل قد أصبح البخلاء في شرف ... وبقيت في شرف وفي أزل هي شيمة ممّا جبلت به ... والطّبع ليس بممكن النّقل نشَبٌ أبدّده ويرفعني ... ...... ويستعلي وله: أسهر عيني ونام في جذل ... مدرك حظّ سعى الى أجلي دنياه موقوفة عليه فما ... يطورها طائر لذي أمل قد لُفِّقَتْ بالمحال فاجتمعت ... من خُدَعٍ جمّة ومن حيل كم محنة قد بُليت منه بها ... وهو يرى أنّها يَدٌ قِبلي وله في ذلك: أخ لي كنت آمنه غرورا ... يُسَرَّ بما أساءُ به سرورا هو السّمّ الزُّعاف لشاربيه ... وإن أبدى لك الأرْيَ المشورا ويوسعني أذًى فأزيدُ حِلْماً ... كما جُذَّ الذبال فزاد نورا وله: كل من تهوى صديقٌ مُمْحِضٌ ... لك ما لا تتّقي أو ترتجي فإذا حاولتَ نصْراً أو جَدًى ... لم تقف إلا ببابٍ مُرتَجِ

стр. 122

وله من ... في الغزل: يا مُديراً من سحر عينيه خمراً ... أنا ممّا أدرت جدّ نزيف علّل المستهام منك بوعد ... وإليك الخيار في التسْويف وله في الغزل: وبيضاء ينبو اللحظ عند التفاتها ... وهل تستطيع العين تنظر في الشمس وهبت لها نفساً عليّ كريمة ... وقد علمت أنّ الضّنانة بالنّفس أعالج منها السّخط في حالة الرّضا ... ولا أعدم الإيحاش في ساعة الأنس وله مع تفّاح أهداه: بعثت بها ولا آلوك حمداً ... هديّة ذي اصطناع واعتلاق خدود أحبّة وافين صبّاً ... وعدن على ارتماض واحتراق فحمّر بعضه خجل التلاقي ... وصفّر بعضها وجل الفراق وله في زرزور: يا ربّ أعجم صامت لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطق جون الإهب أعير فوه صفرة ... كاللّيل طرّزه وميض البارق حِكَمٌ من التدبير أعجزن الورى ... ورأى بها المخلوق لطف الخالق

стр. 123

وله: كفى حزَناً أن المشارع جمّة ... وعندي إليه غلّة وأوام ومن نكد الأيام أن يعدم الغنى ... كريم وأنّ المكثرين لئام ولده أبو محمد ذو الوزارتين. أورد له صاحب قلائد العقيان نثراً صالحاً، ولم يذكر من شعره. وأورد لوالده فيه: شعرك كالشعراء في حسنه ... يجمع بين الآسِ والضرو فاصنع به إن كنت لي طائعاً ... ما تصنع الهرّة بالخرو فدل على أنّه لا يستحق شعره الإثبات. ابن خفاجة الأندلسي هو أبو إسحاق ابراهيم بن أبي الفتح ابن خفاجة الخفاجي الأندلسي الجزيري، أنشدني ببغداد أبو الفتح نصر بن عبد الرحمان الفزاري

стр. 124

الاسكندراني قال: أجاز لي القاضي أبو محمد العثماني قال أنشدني الفقيه إبراهيم بن محمد بن المتقن بن ابراهيم اللخمي السبتي قدم علينا الاسكندرية قال: أنشدني أبو إسحاق ابراهيم ابن خفاجة لنفسه في صفة فرس أشهب محلّى: ربّ طِرف كالطَّرف سُرعة عدو ... ليس يسري سراه طيفُ الخيال إن سرى في الدجى فبعض الدراري ... أو سعى في الفلا فإحدى السعالي لست أدري إن قيل ليلة أسري ... أو تمطّيته غداة قتال أَجَنوب تقاد لي عن جنيب ... أم شَمال عِنانها بشِمالي أشهب اللون أثقلته حُليٌّ ... خبّ فيهنّ فهو ملقى الجِلال ولأبي الصّلت في وصف أشهب هذا المعنى بعينه ما أخطأه: من ألجم الصُبح بالثُّريا ... وأسرع البرق بالهلال

стр. 125

قال أمية: عمِلت هذه قبل أن أسمع بشعر ابن خفاجة. ولابن خفاجة ديوان وهو رواية العثماني عن اللخمي عنه، وذكر أنه عاش الى عصرنا القريب. وأنشدني في بغداد محمد بن عيسى اليماني: لله نورّة المُحَيّا ... تحمِل ناريّة الحُمَيّا تديرها تحت ظل دَوْح ... قد طال رِيّاً وطاب رَيّا تجسّم النّور فيه نَوْراً ... فكلّ غصن به ثُرَيّا أخذه من قول ابن سكرة الهاشمي في غلام رأى بيده قضيب لوز منوّر: غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصُن فيه لؤْلؤٌ منظوم فتحيّرت بين غُصْنَيْن في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم وأنشدني أيضاً لابن خفاجة: ومهفهَفٍ طاوي الحشا ... كالغصن يخطر إذْ خطر ملأ العيون بصورة ... تُلِيَتْ محاسنها سور فإذا دنا وإذا شدا ... وإذا سى وإذا سفر فضح المدامة والحما ... مة والغمامة والقمر

стр. 126

هذه في غاية الرّقة، رقّت وراقت، وسادت كل نظم وفاقت، ورفأت القلوب السليمة لما أصيبت فضاقت، وأعيت النفوس القوية لما أطاقت. أخذ تشبيهه بالغمامة من قول الأعشى: مرّ السحابة لا ريْثٌ ولا عجَلُ ومن شعر ابن خفاجة: كتبت وقد خَصِرَتْ راحتي ... فهل من رحيق بكأس الرحيق فقد أعوزت نارُها جملة ... فلولاك شبّهتُها بالصّديق وقال في أسود يسبح: وأسودٍ يسبحُ في لُجّة ... لا يكتُمُ الحصباءَ غُدْرانُها كأنّها في صفوها مقلة ... زرقاءُ والأسود إنسانها وللغزي في سابح أبيض: وسابح في لُجّةٍ شَقّها ... شقَّ شِهابٍ جَيْبَ ظلماء سال من اللطف ولم أستطع ... تمييزه من جملة الماء

стр. 127

ولي قصيدة في وصف بغداد نظمتها في الصبا، وزدت على معنى الغزيّ: تسبح في دِجْلَةَ غِزلانها ... سِباحة الحيتان في البحر ما مازها للّطف من مائها ... سوى سواد اللحظ والشَّعْر قال ابن خفاجة: حيّا بها ونسيمها كنسيمه ... فشربتها من كفّه في ودّه منساغة فكأنّها من ريقه ... محمرّة فكأنّها من خدّه ما أحسن قول ابن حيّوس الشامي وأجمعه للتشبيه في بيت واحد، وهو: فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه قال ابن خفاجة في غلام حسن الوجه والصوت: أمسى يقرّ لحسنه قمر الدجى ... وغدا يذوب لصوته الجُلْمود فإذا بدا فكأنّما هو يوسُفٌ ... وإذا تلا فكأنّه داوود

стр. 128

وقال: كتابي وقلبي في يديك أسير ... أقيم كما شاء الهوى وأسير ولي كل حين من نسيبي وأدمُعي ... بكلّ مكان روضة وغدير وقال في قوس: عوجاء تُعْطَف ثم تُرْسَل تارة ... فكأنّما هي حيّة تنساب وإذا انحنت والسّهم منها خارج ... فهي الهِلال انقضّ منه شهاب وقال: وعسى الليالي أن تَمُنّ بنظمنا ... عِقْداً كما كنّا عليه وأفضلا فلربّما نُثِر الجُمان تعمّداً ... ليُعاد أحسن في النظام وأجملا وهو من قول مِهْيار: عسى الله يجعلها فُرْقةً ... تعود بأكرم مستجمَع وقال ابن خفاجة: لقد نثر الأستاذ منثور عِقدنا ... وعهدي به من قبلها وهو ناظم فعدنا كبيت غيّر الكسر نظمه ... فألفاظه كُسْرٌ ومعناه قائم

стр. 129

وقال: لله نهر سال في بطحاء ... أشهى وروداً من لَمَى الحسناء وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب يحفّ بمقلة زرقاء ولربّما عاطَيْت فيه مدامة ... صفراء تخضِب أيْديَ الندماء والريح تعبث بالغصوم وقد جرى ... ذهب الأصيل على لُجَيْن الماء من أحسن ما سمعته في وقوع الشعاع على الماء وقد أوردته في موضعه قول علي ابن أبي البشر الكاتب الصّقِلّي قوله: وضوء الشمس فوق النيل باد ... كأطراف الأسنّة في الدّروع ولأبي الصّلت أميّة: إذا جمّشَتْهُ الصَّبا بالضُحى ... توهّمته زَرَداً مُذْهَبا ولابن المعتز: وتبدّى لهنّ بالنّجف المق ... فر ماء صافي الجمام عريّ فإذا صادفته ذرّة شمس ... خلته كسِّرت عليه الحُلِيُّ ولابن وكيع التنِّسيّ: غدير يدرّج أمواهه ... هبوب الشّمال ومرّ الصَّبا إذا الشمس من فوقه أشرقت ... توهّمته جوشناً مُذْهَبا ولأبي منصور في اليتيمة: قام الغلام يديرها في كفّه ... فحسبت بدر التّمّ يحمل كوكبا والبدر يجنح للأُفول كأنّه ... قد سُلّ فوق الماء سيفاً مُذهبا

стр. 130

وللقاضي أبي القاسم علي ابن فهم في اليتيمة: أحْسِنْ بدِجلة والزمان مصوّب ... والبدر في أفق السماء مغرّب فكأنّها فيه بساط أزرق ... وكأنّه فيها طِراز مُذْهَب وللتمّار الواسطي يصف ضوء القمر على دجلة، قوله: قُمْ فانتصف من صروف الدهر والنُّوَب ... واجمع بكأسك بين اللهو والطرب أما ترى الليل قد ولّت عساكره ... مهزومة وجيوش الصبح في الطلب والبدر في الأفُق الغربيّ تحسبه ... قد مَدّ جِسْراً على الشّطّين من ذهب ولمحمد السلامي: ونهر تمرح الأمواج فيه ... مِراح الخيل في رَهْج الغُبار إذا اصفرّت عليه الشمس خلنا ... نمير الماء يُمْزجُ بالعقار وقال ابن خفاجة: أقسُ على خلّك أو ساعد ... عشت بجَدّ في العلا صاعد فقد همى جفني دماً سائلاً ... حتّى لقد ساعده ساعدي

стр. 131

وقال: إياب كما آب الحسام إلى الجفن ... وعود كما عاد المنام الى الجفن وأُنْس تلاق عن توحّش فُرقة ... كما افترّ ثغر البرق عن عابس الدّجن وبشرى ورود عن بكاء تودّع ... كما راق وجه الرّوض عن واكف المُزْن وأنفس ما في الجسم عين ومسمع ... لمرءاك في حين ونجواك في أُذْنِ وقال في صفة الثلج: لله ندمان صدق بات مصطلياً ... ناراً من القدَح الملآن تستعر والأرض فِضّيّة الآفاق تحسبها ... شمطاء حاسرة قد مسّها الكِبَر بكل نجد ووهد قد أظلّ به ... روض تحلّى بنور ما له ثمر وللأقاحي ثغور فيه باسمة ... لها من الثلج ريق بارد خَصِر كأنّ في الجوّ أشجاراً منوّرةً ... هبّ النسيم عليها فهي تنتثر وقال: قُدِّسْتِ من ياقوتة حمراء ... في حقّة من دُرّة بيضاء كشقيقة في نَوْرَةٍ أو برْقة ... في مُزْنة أو جذْوَةٍ في ماء

стр. 132

وقال: لعمرِيَ لو أوضعت في منهج التقى ... لكان لنا في كل صالحة نَهْج فما يستقيم الأمر والملك جائر ... وهل يستقيم الظِّلِّ والعود معوجّ ومن هنا أورده له صاحب قلائد العقيان. وقال في وصف ورد نثر عليه نُوّار نارنج: ونديّ أنس هزّني ... هزّ الشراب من الشباب والليل وضّاح الجبي ... ن قصير أذيال الثياب فقنَصْتُ منه حمامة ... بيضاء تسنح من غراب والنّور مبتسم وخد ... دُ الورد محْطوط النّقاب يندى بأخلاق الصِّحا ... ب هناك لا بندى السحاب وكلاهما نثر كما ... نثروا القوافي بالخطاب وكأنّ كأس سُلافة ... ضحِكت إليه مع الحَباب وقال في صفته أيضاً: وصدر ناد نظمنا ... له القوافي عِقدا بمنزل قد سحبنا ... بظلّه العزّ بُردا قد طنّب المجد بيتاً ... فيه وغرّس وفدا تذكو به الشهب جمراً ... ويعبق الليل ندّا

стр. 133

وقد تأرّج نَوْر ... غضّ يخالط وردا كما تبسّم ثَغْر ... عذْب يقبّل خدّا وقال في وصف شجرة نارنج: ألا أفصح الطّير حتّى خطب ... وخفّ لنا الغصن حتّى اضطرب فمل طرباً بين ظلّ هنا ... رطيب وماء هناك انثعب وجُل في الحديقة أخت المنى ... ودِن بالمدامة أمّ الطرب وحاملة من بنات القنا ... أماليد تحمل خُضْر العذَب تنوب مورّقة عن عِذار ... وتضحك باهرة عن شنب وتندى بها في مهبّ الصَّبا ... زبَرْجَدَة أثمرت عن كثَب تفاوح أنفاسها تارة ... وطوراً تُغازلها عن كثَب فتَبْسَمُ من حالة عن رِضًى ... وتنظر آونة عن غضب وقال يتغزّل: وأهيف قام يسقي ... والسُّكر يعطف قدّه وقد ترنّح غصناً ... واحمرّت الكأس ورده وألهب السُّكر خدّاً ... أورى به الوجد زَنْده فكاد يشرب نفسي ... وكدت أشرب خدّه وقال في وردة طرأت في غير أوانها: وغريبة هشّت إليّ غريرة ... فوددت لو نسج الضّياء ظلاما طرأت عليّ مع المشيب تشوقني ... شيخاً كما كانت تشوق غلاما

стр. 134

مقبولة قبّلتها عن لوعة ... نظراً يكون إذا اعتبرت كلاما عذرت وقد أحللتها عن نشوة ... كبراً وأوسعت الزمان ملاما عبِقت وقد حنّ الربيع على الندى ... كرماً فأهداها إليّ سلاما وقال يتذكر العهد القديم مع محبوبه تحت أيكة: ألا أذكرتني العهد بالأُنس أيكة ... فأذكرتها نوح الحمام المطوَّق وأكببت أبكي بين وجد أناخ بي ... حديث وعهد للشبيبة مُخْلِق وأنشق أنفاس الرياح تعلّلاً ... فأعْدَم فيها طيب ذاك التنشُّق ولما علت وجه النهار كآبة ... ودارت به للشمس نظرة مُشفق عطفت على الأجداث أُجْهِش تارة ... وألثم طوراً تُرْبها من تشوّق وقلت لمُغْفٍ لا يهُبّ من الكرى ... وقد بتّ من وجد بليل المؤرَّق لقد صدعت أيدي الحوادث شطّنا ... فهل من تلاق بعد هذا التفرق وإن يك للخلين ثم التقاءة ... فيا ليت شعري أين أو كيف نلتقي فأعزز علينا أن تباعد بيننا ... فلم يدر ما ألْقَى ولم أدر ما لَقِي وقال يتوجّع لفقد الشباب: أما وشباب قد ترامت به النوى ... فأرسلت في أعقابه نظرة عبرى لقد ركِبت ظهر السُّرى بيَ نومة ... فأصبحت في أرض وقد بتّ في أخرى

стр. 135

فها أنا لا نفس يخفّ بها الفتى ... فيلهى ولا سمع تطور به بشرى أقلّب جفناً لا يجفّ فكلّما ... تأوّهت من شكوى تأمّلت في شَكْرى وإنّي إذا ما شقاني لحمامة ... رنين وهزّتني لبارقة ذكرى لأجمع بين الماء والنار لوعة ... فمن مقلة ريّا ومن كبد حرّى وقد خفّ خطب الشيب في جانب الرّدى ... فصارت به صُغْرى التي كانت الكبرى وقال يستطيل الليل: يا ليل وجد بنجد ... أما لطيفك مسرى وم لدمعي طليقاً ... وأنجم الليل أسرى وقد طمى بحر ليل ... لم يُعْقِب المدّ جزرا لا يعبر الطّرْف منه ... غير المجرة جسرا وقال في الشقيق: يا حبّذا والبدر يزحف بكرة ... جيشاً حريق دونه ورحيق حتى إذا ولّى وأسلم عَنْوَة ... ما شئت من سهل وذِرْوَة نيق أخذ الربيع عليه كل ثنيّة ... فبكلّ مرقبة لواء شقيق

стр. 136

وقال: حمراء نازعت الرياح رداءها ... وهْناً وزاحمت السماء بمَنْكِب ضربت سماء في دخان فوقها ... لم تدر فيها شُعلة من كوكب وتنفّست من كلّ لفحة جمرة ... باتت لها ريح الجَنوب بمرقب تذكو وراء رمادها فكأنّها ... شقراء تمرح في عَجاج أكهب والليل قد ولّى يقلّص برده ... كرّاً ويسحب ذيله في المغرب وكأنّما نجم الثّريا سحرة ... كفّ تمسح عن معاطف أشهب وقال في الأخذ بالجدّ والهزل: إنّي وإن كنت هضْبة جلَداً ... أهتزّ للحسن لوعة غُصُنا قسوت بأساً ولنت مكرمة ... لم ألتزم حالة ولا سنَنا لست أحب العهود في رجل ... تحسبه في خموده وثنا لم يكحَل السُّهد جفنه كلَفاً ... ولا طوى جسمه الغرام ضنى فلي فؤاد أرقّ من ظُبَة ... يأبى الدّنايا ويعشق الحسَنا طوراً مُنيب وتارة غزِلٌ ... يبكي الخطايا ويندُب الدِّمَنا تحمّل الى قبر الغريب مزادة ... من الدمع تندى حيث سرت وتَنْضَح

стр. 137

وطيب سلام يعْبُر البحر دونه ... فيندى وأزهار البطاح فتنفح وعرّج على قبر الحميم بنظرة ... تراه بها عني هناك وتلمح ومما أورده له أبو الصّلت أميّة في الحديقة قوله في غلام التحى: تغشّى نَوْر وجنته القَتاد ... وغطّى نُورَ صفحته السواد فما يهفو الى مرآه طرْف ... ولا يصبو لذكراه فؤاد يموت المرء ثم يعود حيّاً ... وموت الحسن ليس له معاد وقوله: كأنّنا ولديه البدر ندمان ... وعندنا لكؤوس الراح شُهبان والقُضْب مائسة والطير ساجعة ... والأرض كاسية والجوّ عُريان وقوله في أسود يسبح: وأسود يسبح في لُجّة ... لا تكتم الحصباء غُدْرانها كأنّها في شكلها مقلة ... زرقاء والأسود إنسانها

стр. 138

ووصفه صاحب قلائد العقيان بهذا الفصل وقال: مالك أعنّة المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، الراقم لبرودها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها وزفافها. تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، واتبع ذكره في الإجادة الرشاء، فشعشع القول ورَوّقَه، ومدّ في ميدان الإعجاز طلقه، فجاء نظامه أرقّ من النسيم العليل، وآنق من الروض البليل. وذكر أنّه كان في ريعان عمره ذا مجون وتهتك، وعاد في زمن كهولته ذا ورع وتنسّك، وأورد له، يندب أيام شبابه: ألا ساجل دموعي يا غمام ... وطارحني بشجوك يا حمام فقد وفّيتها ستين عاماً ... ونادتني ورائي: هل أمام وكنت ومنلُباناتي لُبَيْنى ... هناك ومن مراضعي المدام يطالعنا الصباح ببطن حَزْوى ... فيُنْكِرنا فيعرفنا الظلام وكان به البَشام مَراح أُنس ... فماذا بعدنا صنع البَشام فيا شَرْخ الشباب ألا لقاء ... يُبَلُّ به على برَح أُوام ويا ظِلّ الشباب وكنت تندى ... على أفياء سرحتك السلام ومما أورده غيره: وقال ابن خفاجة في الحمّام: أهلاً ببيت النار في منزل ... شيد لأبرار وفجّار نقصده ملتمسي لذّة ... فندخل الجنّة في النّار

стр. 139

وقال من أبيات يرثي فيها صديقاً له: تيقّن أن الله أكرم جيرة ... فأزمع عن دار الحياة رحيلا فإن أقفرت منه العيون فإنّه ... يعَوَّض منها القلوب بديلا ولم أر أُنساً قبله عاد وحشة ... وبَرْدً على الأكباد عاد غليلا ومَنْ تك أيّام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن فيه طويلا وكتب الى ابن درّاج النحوي جواباً عن كتاب كتبه إليه وجعل الجواب في ظهر الكتاب: ومعرّض لي بالهِجاء وهُجْرِه ... جاوبته عن شعره في ظهره فلئن نكن بالأمس قد لُطنا به ... فاليوم أشعاري تلوط بشعره هو من قول الآخر: وأجيب في ظهر الكتاب إذا أتى ... فيلوط خطي في الكتاب بخطّه وقال في أسود وجّهه في حاجة فأبطأ: قبّحت من أسود غبيّ ... لا يفهم الوحي حين يوحي أبطأ في سعيه فحاكى ... في حالتيه غراب نوح وقال في تفضيل أخ على أخ: تفاوت نجلاً أبي جعفر ... فمن مُتَعال ومن مستفل فهذا يمين بها أكله ... وهذا شِمالٌ بها يغتسل

стр. 140

راشد بن عريف الكاتب أورده أبو الصّلت في الحديقة. قال: جُمِّع في مجلسي نَدامى ... تحسدني فيهم النجوم فقال لي منهم ظريف ... ما لي إذا قمت لا تقوم فقلت إن قمت كلّ حين ... فإن حظّي بكم عظيم فليس عندي إذن ندامى ... بل عندي المقعِد المقيم وقال: يا حاسد الأقوام فضل يسارهم ... لا ترض رأياً لم يزل ممقوتا في المِصْر ألف فوق رزقك رزقهم ... وبه ألوف ليس يملك قوتا لو قُسِّمت أرزاقهم بسويّة ... لم تُعْطَ إلا دون مما أعطيتا أبو الحسن الشاغتني الراعي قال: إلام أمنّي النفس ما الناس دونه ... كمنخدع يأوي الى شرّ خادع قضى زمني أني له شرّ نادم ... لتقرعني عنه صنوف القوارع فإن يك ذا غيظ فإنّ بنانه ... يسيل دماً من عضّه المتتابع

стр. 141

لمحمد بن شرف: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنّني سبّابة المتندّم وله: لئن كان حظّي من زمانيَ ما أرى ... فيا شؤم ميلادي ويا شؤم طالعي ألا ربّ ليل بتّ ألبس جُنْحه ... على ظهر عزم للمفاوز قاطع ولم أكُ مثل الطيف إن رام وجهة ... مضى آخذاً إذن العيون الهواجع وهيهات إدراك المنى ووسائلي ... من الأدب المجفوّ فيها موانعي ابن معلّى البريّاني من حصن بشرق الأندلس يقال له بريّانة، قال من قصيدة: أمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتنق الصِّعاد أرى لُبْس الحداد عليك ممّا ... يشقّ على المهنّدة الحداد أبو مروان بن عيسى البلنسي قال: أدِر كأس المدامة في نَدامى ... هم من فقد دائرها عِطاش فأوطار السرور بها تُقَضّى ... وأجنحة السرور بها تُراش المنفتل قال: في خدّ أحمد خال ... يصبو إليه الخَليّ كأنّه روض ورد ... جنّانه حبشيُّ

стр. 142

أبو مروان بن غصن الحجاري قال: فديتك لا تخَفْ منّي سلوّاً ... إذا ما غيّر الشّعَرُ الصِّغارا أهيم بدنّ خَلّ كان خمراً ... وأهوى لحية كانت عِذارا أبو محمد عبد الله بن عبد البر الكاتب كاتب المعتمد، قال: لا تكثرنّ تأمّلاً ... وامْسِك عليك عِنان طرْفك فلربّما أرسلته ... فجرى الى ميدان حتفك أبو محسن بن أبي عامر الباكري قال في مصلوب: ورَأت يداه عظيم ما جنتا ... ففررن ذي شرقاً وذي غربا وأمال نحو الصدر منه فماً ... ليلوم في آرائه القلبا

стр. 143

والى هذا نظر عُمارة اليمني من أهل عصرنا في وصف مصلوب، وقد أوردته في موضعه: أراد عُلُوّ مرتبة وقدر ... فأصبح فوق جِذع وهو عال ومَدّ على صليب الجذع منه ... يميناً لا تطول الى الشمال ونكّس رأسه لعتاب قلب ... دعاه الى الغواية والضلال أبو القاسم السميسر هو أبو القاسم خلف بن فرج الألبيري المعروف بالسميسر. ذكره أبو الصّلت في الحديقة. كان كثير الهجاء وله كتاب لقّبه شفاء الأمراض في أخذ الأعراض. فمن شعره قوله: يا آكلاً كل ما اشتهاه ... وشاتم الطبّ والطبيب ثمار ما قد غرست تجني ... فانتظر السقم عن قريب يجتمع الداء كل يوم ... أغذية السوء كالذنوب

стр. 144

وله في هذا المعنى: أآكل ما تشتهي ... نُهِيتَ ولم تَنْتَهِ لأكلك ما تشتهي ... بقيت وما تشتهي وله: يا مشفقاً من خمول قوم ... ليس له عندنا خَلاق ذلّوا وكم طالما أذلّوا ... دعهم يذوقوا كما أذاقوا وله: خنتم فهنتم وكم أهنتم ... زمان كنتم بلا عيون فأنتم تحت كلّ تحت ... وأنتم دون كل دون سكنتم يا رياح عاد ... وكل ريح الى سكون وله: جاء القليل مكدّراً ... ومقتّراً مثل العصاره دُهن الحجارة جاءني ... وعجبت من دُهن الحجاره وله يهجو أبا الحسن علي العامري: جاد عن بُخلٍ عليّ ... تلك في العالم نُدْرهْ فهي كالنار اعترتها ... عصر ابراهيم قِرّهْ جاد نزراً فقبلنا ... درهم الساقط بدرهْ

стр. 145

عجب الناس وقالوا ... كيف نيلت منه ذرهْ هل رأيتم بعد موسى ... أحداً فجّر صخرهْ ابن حنظلة البطليوسي قال يمدح ابن الأفطس: زعم الناس أن حاتم طيّ ... أول في الندى وأنت الثاني كذب الناس ليس ذاك صحيحاً ... هو مرعى وليس كالسّعدان أبو الفتح عبد العزيز ابن جعفر العدوي قال: نظر الناس الى حس ... ن الذي أهوى وحزني فرأوا يوسف منه ... ورأوا يعقوب منّي أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي وهب أورده أبو الصّلت في الحديقة، قال: قالوا تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر منك مغلوبا فقلت للعلم إنني لغد ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا
следующие страницы →