← Адаб

Адаб · id 12856

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء المغرب والأندلس جـ 2

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (315 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لمحمد بن شرف: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنّني سبّابة المتندّم وله: لئن كان حظّي من زمانيَ ما أرى ... فيا شؤم ميلادي ويا شؤم طالعي ألا ربّ ليل بتّ ألبس جُنْحه ... على ظهر عزم للمفاوز قاطع ولم أكُ مثل الطيف إن رام وجهة ... مضى آخذاً إذن العيون الهواجع وهيهات إدراك المنى ووسائلي ... من الأدب المجفوّ فيها موانعي ابن معلّى البريّاني من حصن بشرق الأندلس يقال له بريّانة، قال من قصيدة: أمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتنق الصِّعاد أرى لُبْس الحداد عليك ممّا ... يشقّ على المهنّدة الحداد أبو مروان بن عيسى البلنسي قال: أدِر كأس المدامة في نَدامى ... هم من فقد دائرها عِطاش فأوطار السرور بها تُقَضّى ... وأجنحة السرور بها تُراش المنفتل قال: في خدّ أحمد خال ... يصبو إليه الخَليّ كأنّه روض ورد ... جنّانه حبشيُّ

стр. 142

أبو مروان بن غصن الحجاري قال: فديتك لا تخَفْ منّي سلوّاً ... إذا ما غيّر الشّعَرُ الصِّغارا أهيم بدنّ خَلّ كان خمراً ... وأهوى لحية كانت عِذارا أبو محمد عبد الله بن عبد البر الكاتب كاتب المعتمد، قال: لا تكثرنّ تأمّلاً ... وامْسِك عليك عِنان طرْفك فلربّما أرسلته ... فجرى الى ميدان حتفك أبو محسن بن أبي عامر الباكري قال في مصلوب: ورَأت يداه عظيم ما جنتا ... ففررن ذي شرقاً وذي غربا وأمال نحو الصدر منه فماً ... ليلوم في آرائه القلبا

стр. 143

والى هذا نظر عُمارة اليمني من أهل عصرنا في وصف مصلوب، وقد أوردته في موضعه: أراد عُلُوّ مرتبة وقدر ... فأصبح فوق جِذع وهو عال ومَدّ على صليب الجذع منه ... يميناً لا تطول الى الشمال ونكّس رأسه لعتاب قلب ... دعاه الى الغواية والضلال أبو القاسم السميسر هو أبو القاسم خلف بن فرج الألبيري المعروف بالسميسر. ذكره أبو الصّلت في الحديقة. كان كثير الهجاء وله كتاب لقّبه شفاء الأمراض في أخذ الأعراض. فمن شعره قوله: يا آكلاً كل ما اشتهاه ... وشاتم الطبّ والطبيب ثمار ما قد غرست تجني ... فانتظر السقم عن قريب يجتمع الداء كل يوم ... أغذية السوء كالذنوب

стр. 144

وله في هذا المعنى: أآكل ما تشتهي ... نُهِيتَ ولم تَنْتَهِ لأكلك ما تشتهي ... بقيت وما تشتهي وله: يا مشفقاً من خمول قوم ... ليس له عندنا خَلاق ذلّوا وكم طالما أذلّوا ... دعهم يذوقوا كما أذاقوا وله: خنتم فهنتم وكم أهنتم ... زمان كنتم بلا عيون فأنتم تحت كلّ تحت ... وأنتم دون كل دون سكنتم يا رياح عاد ... وكل ريح الى سكون وله: جاء القليل مكدّراً ... ومقتّراً مثل العصاره دُهن الحجارة جاءني ... وعجبت من دُهن الحجاره وله يهجو أبا الحسن علي العامري: جاد عن بُخلٍ عليّ ... تلك في العالم نُدْرهْ فهي كالنار اعترتها ... عصر ابراهيم قِرّهْ جاد نزراً فقبلنا ... درهم الساقط بدرهْ

стр. 145

عجب الناس وقالوا ... كيف نيلت منه ذرهْ هل رأيتم بعد موسى ... أحداً فجّر صخرهْ ابن حنظلة البطليوسي قال يمدح ابن الأفطس: زعم الناس أن حاتم طيّ ... أول في الندى وأنت الثاني كذب الناس ليس ذاك صحيحاً ... هو مرعى وليس كالسّعدان أبو الفتح عبد العزيز ابن جعفر العدوي قال: نظر الناس الى حس ... ن الذي أهوى وحزني فرأوا يوسف منه ... ورأوا يعقوب منّي أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي وهب أورده أبو الصّلت في الحديقة، قال: قالوا تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر منك مغلوبا فقلت للعلم إنني لغد ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا

стр. 146

نظيره لأبي عبد الرحمان النيلي من شعراء اليتيمة: إذا دعاك الوداع فاصبر ... لا يَروعَنّك البعاد وانتظر العود من قريب ... فإن قلب الوداع عادوا ولابن جاخ الصبّاغ في المقلوب: وتحت البراقع مقلوبه وقد مضى ذكره. وقال ابن أبي وهب: قم فاسقني والرياض لابسة ... وشياً من النور حاكه القَطْر والشمس قدعصفرت غلائلها ... والأرض تندى ثيابها الخضر والنهر مثل المجَرّ حفّ به ... من الندامى كواكِبٌ زُهْر والرّوض مثل السماء حلّ به ... من وجه من قد هويته بدْر وقال ابن أبي وهب من أبيات في النِّيلوفر: تلاقى الدجى نوماً بأجفان هاجر ... وتلقى الضحى سُهْداً بأجفان مهجور وقال: ما أنس لا أنس حمّاماً صُلِيتُ به ... من حرّ وجدي بحرّ النار أضعافا من كلّ أغيد مجدول الحشا غَنِج ... قد أتلفت صبرنا عيناه إتلافا قد كدت أحسبه من حرّه سقراً ... لو لم يطف بي من الوِلدان من طافا

стр. 147

أبو محمد الأعشى النحوي قد ذكرنا الاستشهاد في شعر ابن البين بقوله وهو: ملك إذا ادّرع الدِّلاص حسبته ... لبس الغدير وهزّ منه جدولا فحذارِ ليثاً لا يُنَهْنَه باسلاً ... تَخِذَ الصّوارم غيلَهُ والذُّبَّلا أبو زيد بن العمة قال في الشطرنج: هلمّ الى تدبير جيشين جُمِّعا ... رِخاخٌ وأفيال وجُرْدٌ سوابح تكبّرن عن حمل السلاح الى الوغى ... فأرماحها ألبابنا والقَرائِحُ أبو الفضل جعفر ابن شرف هو ولدأبي عبد الله محمد مصنّف أبكار الأفكار، توفّي في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة، قال في وصف فرس من قصيدة: لبست أعكافه ثوب الدجى ... وتجلّى خدّه بالفلق وانبرى تحسبه أجفْل عن ... لسعة أو حية أو دلق

стр. 148

وقال: أوجست في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حَلقاً في حلَقِ وقال مرة أخرى: وعصرك مثل الزمان الربي ... ع لا يهجر الشمس فيها الحمل تسامت عُلاك سموّ النجوم ... وسارت أياديك سير المثل ومن أخرى: قدمت لنصف شهر الصوم برءاً ... لما يشكو لبعدك من سقام ولما أن طلعت لنا هلالاً ... حسبنا الفطر في نصف الصيام وصرت البدر لاح فما عجبنا ... لنصف الشهر من بدر تمام فإن تمكث فطود في ثبات ... وإن ترحل فسهم في اعتزام وقال من أبيات: ألمي لفقد الدمع بعد فراقكم ... ألم الجراحة بالدم المحصور وقال وتروى لأبيه: صنم من الكافور بات معانقي ... في حُلّتين تعفف وتكرم فكرت ليلة وصله في صدّه ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم فطفِقت أمسح مقلتيّ بجسمه ... إذ عادة الكافور إمساك الدم وسنورد شعر أبي عبد الله محمد ابن شرف وكلامه. وكان معاصراً لابن رشيق عند ذكره إن شاء الله تعالى. أنشدني أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم العراق سنة سبع وخمسين وخمسمائة. قالأنشدني غير واحد لابن شرف أنه قال عند وفاته:

стр. 149

رحلت وكنت ما أعددت زاداً ... وما قصّرت عن زاد المُقيم فها أنا قد رحلت بغير شيء ... ولكنّي نزلت على كريم فما أدري أنشدنيهما لهذا ابن شرف أو لأبي عبد الله ابن شرف. وذكر لي الفقيه اليسع بن عيسى اليسع الغافقي الأندلس أن أبا الفضل جعفر بن محمد ابن شرف شيخه وهو يروي عنه. وقال أدركته سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد بلغ خمساً وتسعين سنة وتوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة وقد أناف على المائة وكان يروي العمدة لابن رشيق عنه بالإجازة، وأجاز لي روايتها عنه بالإجازة عن ابن شرف عن ابن رشيق، وأنشدني لابن شرف هذا: مطل الليل بوعد الفلق ... وتشكّى النجم طول الأرق ووصفه الفتح صاحب قلائد العقيان وقال: الأستاذ الأديب، الحكيم الناظم الناثر، الكبير المعالي والمآثر، وذكر أنه زاخر العباب، فاخر الآداب، وله يد في علم الأوائل بها خبرة الألباب، وله تصانيف منها كتابه المسمى سر البر ورجزه الملقب بنجح النصح. ومن حكمه قوله: العالم مع العلم كالناظر في البحر يستعظم منه ما يرى والغائب عنه أكثر. لولا التسويف لكثر العلم. الفاضل في الزمان السوء كالمصباح في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح. لتكن بالحال المتزائدة أغبط منك بالحال المتناهية. والقمر آخر إبداره أول إدباره. لتكن بقليلك أغبط منك

стр. 150

بكثير غيرك. فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على أقدام الحَمَلة وهي ثمان. المتلبّس بمال السلطان كالسفينة في البحر إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. التعليم فلاحة الأبدان وليست كل أرض منبتة. الحازم من أيقن فبادر وشك وروى. قول الحق من كرم العنصر كالمرآة كلما كرم حَديدُها أدّت حقائق الصفات. رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول. ليس المحروم من سأل فلم يعط، وإنما المحروم من أعْطِيَ فلم يأخُذْ. ابن آدم تذمّ أهل زمانك وأنت منهم كأنّك وحدك البريء وكلهم الجريء، كلا بل جنيت، وجني عليك فذكرت ما لديهم ونسيت ما لديك. اعلم أن الفاضل الذكي لا يرفع أمره أو يظهر قدره، كالسّراج لا تظهر أنواره أو يرفع مناره. الناقص الذي لا يبلغ الى نقصه إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه إلا بعد الغاية من حطّه. وله من رسالة: توسُّلُ الهمم، أعزّك الله، كتوسل الذمم. ورب راق بوسيلة ذي اشتياق فاستباق الى فضيلة رصد فقصد واحتشد فتحرى الرشد. ولمّا طلع بك المجد من معالمه وأينع لك الحمد في كمائمه فلاح محيّاك قمراً زاهراً، وفاحت سجاياك زهراً عاطراً، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخفّ إليك بالقلوب ارتياحها وطار إليك بالنفوس

стр. 151

جناحها، فجوامع الجوامع لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور. وقد تخيلتك نظرات العيون وتيممتك خطرات القلوب فحنت إليك حنين اليفَن الى صِباه، واهتزت اهتزاز الغصن الى صَباه. ولا غرو أن رمت إليك القلوب بأرواحها وتلقتك العيون بالتماحها فقد يرقب الصباح ويلمح القمر اللّيَاح وليس على عاشق الفضل من جناح. وكتب الى وزير: أطال الله بقاء الوزير وأعلى مرتقاه في رفعة العز ومنعة الحرز، الوزير الأجل كالمطر الجَوْد يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديْجور، وقد ألحفني من سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى. فلله أياديه ما أنزلها بكل فناء، وأسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفيّ، ووعى صوتي وهو خفيّ. فالآن أضرب بحسام اعتناؤك جرّده، وآوي الى ذمام عَلاؤك أكّده، والله بفضله يديم نعماءه، ويعلي ارتقاءه، حتى أظهر بسمائه واشتهر بأرفع أسمائه.

стр. 152

ومن شعره قوله: قامت تجر ذيول العَصْب والحَبَر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر تخطو فتولي الحَصا من حَليها نُبَذاً ... وتخلط العنبر الوردي بالعَفَر غيري يخلي بما تبديه من قلق ... في الوُشْح أو غَصَص تخفيه في الأُزُرِ لم أدر هل حنق الخلخال من غضب ... عليه أم لعب الزنار من أشر تلفّتت عن طَلَى وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نَوْر الروضة العطر إن نلت ريّاه لم أطمع بمطمعه ... لأن روض الصِّبا نَوْر بلا ثمر ما لذّ للعين نوم بعدما ذكرت ... ليلاً سمرناه بين الضال والسَّمُر تساقط الطل من فوق النحور به ... تساقط الدرّ في اللبات والثُّغَرِ ومفرَق الليل قد شابت ذوائبه ... فبِتّ أدعو له بالطول والعمر والليل يعجب والظلماء داجية ... من ساهر يتشكّى الليل بالقصر فبتُّ أجزع من ليل بواضحة ... تبدو وأبخل من روض على سحر يا من جفا فجفاني الطيف هجرك لي ... بأي عذر فعذر الطيف في السهر ذكرت بالسفح شملاً غير منصدع ... بالنائبات ونظماً غير منتثر ومنها في وصف السيف: إن قلت نارٌ أتندى النار مُلْهَبَة ... أو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر

стр. 153

ومنها في وصف الدرع: من كل ماذيّة أنثى فلا عجب ... كيف استهانت بوقع الصارم الذكر وله من أخرى أوّلها: ما الرسم من حاجة المَهْريّةِ الرُّسُمِ ... ولا مرام المطايا عند ذي أرم رُدّي شَبا اللحظ تدين الركاب فما ... بالبِيد للرّكب من هادٍ ولا علَمِ حثّي المطي وشدّي في دوائرها ... هذا أوان انقضاء الشدّ من زِيَمِ ريعت لنَبْأةِ سامي السّوط فالتفتت ... صُعْر الخدود الى سوّاقة حُطُم ثَبْتٌ على صهَوات الناجيات وقد ... أخفت سروج المطايا صولة اللُّجُم منوطة بغواشي البِيض راحته ... كأنّما اختلطت بالصارم الخَذِم بتنا نكالئ طرف العين عن سِنَة ... فالطيف يستأذن الأجفان في الحُلُم معرِّسين بأغفال البطال لنا ... تحت الوشيج مبيت الأُسد في الأجُمِ قامت تغبّطني بالحرص سالكة ... بين السبيلين لم تقعد ولم تقم ظنّت بي العجز وارتابت فخاصمها ... جور الزمان فلم تعذر ولم تلم إني وإن عزّني نيل المنى لأرى ... حرص الفتى خِلّة زيدت الى العدم فما عكفت بآمالي على وثَن ... ولا سجدت بأشعاري الى صنم أهل المناظر والألباب خالية ... لا يعدمون من الدنيا سوى الفهم نالوا الحظوظ فحازوها موفّقة ... كما تقاسمت الأيسار بالزّلَم لمّا رأيت الليالي قد طُبعن على ... جدْب الأسود وخِصْب الشاء والنعم

стр. 154

رجعت أضحك والإعوال أجدر بي ... من ميْسِر كان فيه الفوز للبَرم تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنّني صارم في كف منهزم ذهبت بالنفس لا ألْوي على نفس ... وإن دعيت به ابن المجد والكرم وللمصاع وأطراف اليراع يد ... بنت لي المجد بين السيف والقلم ومن مدائحها: وإنّ أحمد في الدنيا وإن عظمت ... لواحد مُفْرَد في عالم أمَم تهدى الملوك به من بعد ما نكصت ... كما تراجع فلّ الجيش بالعلم رحب الذّراع طويل الباع متضح ... كأنّ غرّته نار على عَلَمِ من الملوك الألى اعتادت أوائلهم ... سحب البرود ومَسْحَ المسك باللِّمَم زادت مرور الليالي بيتهم شرفاً ... كالسّيف يزداد إرهافاً على القدم تسنّموا نكبات الدهر واختلطوا ... مع الخطوب اختلاط البرء بالسقم وله من أخرى أولها: سروا ما امتطوا إلا الظلام ركائبا ... ولا اتخذوا إلا النجوم صواحبا وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى ... فبات بأطراف الأسنة شائبا وليل كطيّ المِسْح جُبْنا سواده ... كأنّا امتطينا من دجاه النوائبا خبطنا به الظلماء حتّى كأنّما ... ضربنا بأيدي العيس إبْلاً غرائبا وركب كأنّ البِيض أمست ضرائباً ... لهم وهم أمسَوا لهنّ ضرائبا إذا أوّبوا ساروا شموساً منيرة ... وإن أدلجوا أمسوا نجوماً ثواقبا

стр. 155

طوال طوال الباع والخيل تحتهم ... تخالهم فوق الجياد أهاضبا فما يحملون السُّمر إلا عوالياً ... ولا يركبون الخيل إلا سلاهِبا إذا اعتقلوا للطعن سُمْراً عواليا ... أو اتّشحوا للضرب بيضاً قواضبا وله من أخرى أولها: أرِحْ خُطاكَ فحَلْيُ النّجم قد نُهبا ... وقد قضى الشرق من وصل الدجى طربا إنّا ركبنا من الظلماء جانحة ... كأننا من دجاه نمتطي نُوَبا سلِ النّجوم هل ارتابت بصحبتنا ... لما أثرن إليهنّ القنا السُّلُبَا إذا استمرّت لمجرى النجم سالكة ... خلنا المجرّة من آثارها ندبا تهفو الركاب فتهدينا أسنّتنا ... كأنّما عارضت أطرافها الشُّهُبا وباتت الخيل يقدحن الحصا حنقاً ... حتى تضرّم ذيل الليل والتهبا تلك الفوارس لا تثنى أعنّتها ... عن وِجهة أو ينالَ السيف ما طلبا باتوا على نشوة ما هاجها طرب ... وقد أداروا لطاسات السرى نَخَبا إذا أثاروا القنا عن جُنْح مُظْلِمَةٍ ... شالوا النجوم على أطرافها عذَبا وله: خيال زارني عند الصباح ... وثغر الشرق يبسم عن أقاح وقد حشر الصباح له ونادى ... فأصغى النجم منه الى الصباح وفاض على الكواكب وهو طام ... وطار النسر مبلول الجناح وزائرة طردت لها منامي ... وقد عقد الكرى راحاً براح

стр. 156

وأدناها الهوى حتى أذلّتْ ... وباتت بين ريحان وراح تهزّ الغصن في حِقْف مَهيل ... وتفري الليل عن قمر لياح وأضناني الهوى فنَعتْ نُحولي ... وهل يُنْعى النحول على الصِّفاح وقد حمّلتُ ثِقل الحبّ ضعفي ... كحمل الخِصر للكفل الرَّداح أحنّ الى رضاك وفيه برئي ... كما حن العليل الى الصباح وقد أحللت حبك في فؤادي ... مَحَلَّ المال من أيدي الشِّحاح سأفزع في هواك لحسن صبري ... كما فزَع الجبان الى السلاح وأقتدح الرغيبة من ركاب ... بَراهُنّ السُّرى برْيَ القِداح تعنِّفُ أنْ رأت شأْوي بعيداً ... ومن يثني الجواد من الجِماح سُرًى جُبْنا به الظلماء حتى ... سبقنا البائتين الى الصباح إذا وَنَت الكواكب عن مداها ... حفزناها بأطراف الرماح ومن كان الوزير له ظهيراً ... يَسُمْ راعيه في حيّ لِقاح بحيث الرعي في أحوى أحمّ ... وحيث الوِرد في شم قَراح من القوم العزيزيّين أهل ال ... على والطَّول النسب الصُّراح أقاموا المجد في سَمْك عَليّ ... ومدّوا العزّ في أرض فَياح فيأوي كل عاف من ذراهم ... الى بيض النهى خضر البطاح وقد قام العُلى فيهم خطيباً ... وصاح الجود حيّ على الفلاح بأبنية وأعمدة طوال ... وراحات وساحات فِساح أبا بكرٍ كتمت عُلاك حِلْماً ... فنَمّ على الرُّبا طيب الفواح فكم تحيي المواليَ بامتنان ... وكم تُرْدي المعاديَ باجتياح

стр. 157

يمينٌ ملّكت رقّ المساعي ... وكفّ أُعْذِبَتْ ماء السماح وفضل لا يُنيب الى نصيح ... وجود لا يُصيخ لقول لاح وحكم أوسع الدنيا وقارا ... وقد خفقت له خَفْقَ الجناح ومنها: دعوت المتقين لخير مأوى ... وأحللت الطريد أعزّ ساح فما للفضل منها من زوال ... وما للمجد عنها من بَراح لقد أنسى زمانك كل عيد ... بعزّ ثابت وأسى مُزاحِ وذي الأيام أعياد الأيادي ... فكيف تضيفهن الى الأضاحي وله: يا منجدي والدهر يبعث حربه ... شعثاء قد لبست رداء عَجاجها لله درّك إذ بسطت الى الرضى ... نفساً تمادى الدهر في إحراجها وأرقت ماء الورد في نار الأسى ... كالراح يُكْسَر حدّها بمزاجها فيأتني تلك الغمام فبرّدت ... من غُلّة كالنّار في إنضاجها فأويت تحت ظلالها ووجدت برْ ... د نسيمها وكرعت في ثجّاجها حاولت منّي أن أطارد حاجة ... مرضت فأعيا الناسَ بابُ علاجها قل كيف تُنْعَشُ بعد طول عِثارها ... أم كيف تُفْتَحُ بعد سدّ رِتاجها وله وقد استدعي الى حضرة المتوكل فنزل الغيث عليه في طريقه إليه: صاحبنا الغيث الى الغيث ... لكنّه غيث بلا عيث سحابة تهمي حياها سرى ... لا تخلط الإعجال بالريث يا ليث غاب حسنه باهر ... والحسن لا يعرف لليث أحَلّني قربك في موضع ... يجلّ عن أينٍ وعن حيثِ

стр. 158

أبو الفضل عبد الله بن الغابر الأندلسي قال من قصيدة: كن كالزمان فقد لانت معاطفه ... ونلت منه بفضل الواثق الوطرا وما خصصت ولكن عمّ نائله ... فاستعبد الثقلين: الجنّ والبشرا عدل يمدّ رواق العزّ سيرته ... فيشمل الموطنين: البدو والحضرا وتكشف الظلم والإظلام غرته ... فيُخجل النّيرين: الشمس والقمرا ويستوي ذكره حسناً ومنظره ... فيشغل الممتعين: السمع والبصرا مرأى وخُبْراً أتانا عن جلالته ... فزكّيا الشاهدين: العين والأثرا سرّح منالي الى ساحات أنْعُمِه ... وضمّن الصادقين: الخُبْر والخَبَرا قال يهنئ بمولود في رجب: نجم تراءى في سماء الحسب ... للشُّهْب في أيامه منتسبْ وأغربَت ليلة ميلاده ... فليلة القدر أتت في رجبْ وقال: مني ومنك تدلّل وتذلّل ... والصبر عنك تعلّل وتجمّل فالعين عين ما يعين معينها ... والقلب فيك على العويل معوّل في كل جزء من جفونك صارم ... وبكل جزءٍ من فؤادي مقتل أبو عبد الله محمد بن عبادة القزاز قال يمدح ابن صمادح وخلط النسيب بالمديح: نفى الحب عن مُقلتَيَّ الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدم

стр. 159

فقد قرّ حبّك في خاطري ... كما قرّ في راحتيه الكرم وفرّ سلوّك عن فكرتي ... كما فرّ عن عرضه كل ذم فحُبّي ومفخره باقيا ... ن لا يذهبان بطول القدم فأبقى لي الحب خال وخدّ ... وأبقى له الفخر خال وعم ووجدت في قلائد العقيان شعراً لابن عبادة في المعتمد يوم العروبة مشهود له بالإجادة: وقالوا كفه جُرحت فقلنا ... أعاديه تواقعها الجراح وما أثر الجراحة ما رأيتم ... فتوهنها المناصل والرماح ولكن فاض سيل البأس منها ... ففيها من مجاريه انسياح وقد صحّت وسحّت بالأماني ... وفاض الجود منها والسّماح عبادة بن محمد بن عبادة القزّاز قال: إنما الفتح هِلال طالع ... لاح من أزراره في فلك خدّه شمس وليل شعره ... من رأى الشمس بدت في حلَك محمد بن يوسف المعروف ب ابن الرفّا البلنسي ذكره أبو الصّلت في الحديقة وقال: يوسف بن الرفا البلنسي قال في شمعة:

стр. 160

وصفراء لم تدر الهوى غير أنّها ... رثت لي وباتت تُسْعد الليل أجمعا نحولاً وسُهداً واصفراراً وحُرْقة ... وخَفْقاً وسقماً واصطباراً وأدمعا وقال من قصيدة: وإذ تنْثني حولي غصون معاطف ... تُأَطَّر من حَلْي بورْق سواجع فأرعى ثُريّا كلّ قُرْط خفوقه ... لقلبي ولكن دَرّهُ لمدامعي ولابن الرفّا أيضاً: يا ضيا الصّبح بخبت الغَبش ... أطِراز فوق خدّيك وُشِي أم رياض رنّحتها مُزنة ... وبدا الصُّدغ بها كالحنشِ لست أدري أسهام اللحظ ما ... أتّقي أم لدغ ذاك الأرقش بأبي منك قِسِيّ لم تزل ... راميات أسهماً لم تَطش رشقت قلباً خفوقاً يلتظي ... كضِرام في يدي مرتعش ربّ ليل بتّه ذا أرق ... إبر بياض أم قتاد فرشي سابحاً في لُجَج الدمع ولك ... نني أشكو غليل العطش ونجوم الليل في أسدافه ... كسيوف بأكفّ الحبش وسماء الله تبدي قمراً ... واضح الغرّة كابن القُرَشي أبو مروان عبيد الله بن سرية قرأت في رسالة أبي الصّلت أميّة وقد ذكر لنفسه شعراً وقال: هذا نظير ما أنشدنيه عبيد الله بن سريّة لنفسه:

стр. 161

راقني النّهر صفاء ... بعد تكدير صفائه كان مثل الورد غضّاً ... فهُوَ اليوم كمائه وشعر أبي الصلت: ولله مجرى النيل فيها إذا الصّبا ... أرتنا به في مرّها عسكراً مَجْرا فشطّ يهزّ السمهريّة ذُبَّلاً ... وموج يهزّ البيض هنديّة بُتْرا إذا مدّ جا كالورد غضّا وإن صفا ... حكى ماءَه لوناً ولم يعْدُه نشرا وقال عبيد الله بن سرية أيضاً: لما رأيت الغرب قد غصّ بالدجى ... وفي الشرق من ضوء الصباح دلائل توهّمت أن الغرب بحر أخوضه ... فإنّ الذي يبدو من الشرق ساحل أبو الطيب بن البزاز قال في أبي زيد المتطبّب المعروف بابن زهر، وأرورده أبو الصّلت في رسالته: قل للوبا أنت وابن زُهْر ... قد جُزْتما الحد في النِّكايه ترفّقا بالورى قليلاً ... في واحد منكما كفايه

стр. 162

أحمد بن علي الفرسقي قال يهنئ ابن صمادح بقدومه من بعض أسفاره: إيابُك ردّ الشباب القشيبا ... وأمّن مسودّه أن يشيبا تبين وتدنو كما تفعل الشم ... س حيناً طلوعاً وحيناً غروبا أبو محمد بن هند قال: لما رأيت سهام لحظك أقصدت ... قلبي وسُخطك سدّ باب رضاك لم أدر أيّ معذّبَيْك يميتني ... أسقيم جفنك أم صحيح جفاك الحصري الأعمى المريني هو أبو الحسن علي بن عبد الغني من الأندلس، صاحب تصنيفات وتأليفات وإحسان في النظم قال في غلام اسمه هارون: يا غزالاً فتن النا ... س بعينيه فُتونا أنت هاروت ولكن ... صحّفوا تاءك نونا وقال يهجو أبا العرب الصقلّي: مُعْجَب كالمتنبّي ... وهو لا يُحسن شيّا إن هذا يَحْيَوِيّ ... أوتيَ العلم صبيّا

стр. 163

وقال: كم من أخد قد كان عندي شَهْدة ... حتى بلوت المرّ من أخلاقه كالملح يُحْسَب سكّراً في لونه ... ومجسّه ويحول عند مذاقه وقال يرثي المعتضد عبّاداً أبا المعتمد: مات عبّاد ولكن ... بقي الفرع الكريم فكأنّ الميت حيّ ... غير أن الضاد ميم وقال: أقول له وقد حيّا بكأس ... لها من مِسْك راحته ختام أمن خدّيك تُعْصَر قال كلاّ ... متى عُصرت من الورد المدام وقال: وشاعر من شعراء الزمان ... يفخر عندي بالمعاني الحسان وإنّما أطيب أشعاره ... نصف خراسان أو القيروان وقال: إذا كان البياض لباس حزن ... بأندلس فذاك من الصواب ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأني قد حزِنت على شبابي وقال: مما يبغّضني في أرض أندلس ... سماع معتصم فيها ومعتضد أسماء مملكة في غير موضعها ... كالهِرّ يحكي انتفاخاً صَوْلة الأسد

стр. 164

أبو الحسن عبد الكريم ابن فضال الحلواني قال: ولما تدانَوا للرحيل وقُرِّبت ... عِتاق المطايا والرِّكاب تسير وضعت على قلبي يديّ مبادراً ... فقالوا محبّ للعناق يشير فقلت ومن لي بالعناق وإنّما ... تداركت قلبي حين كاد يطير وقال: قالوا غداً رمضان فاستعدّ تُقًى ... وتب على الصوم واهجر لذّة الكأس إنّ الهلال يُرَى حتماً فقلت لهم ... حتَمْتُمُ بشَتات بين جلاّسي فقال لي الغيم لا تحفل بقولهم ... عليّ سُتْرته فاشرب بلا بأس فقمت أعثر في ذَيْل المجون إلى ... جمع المسرّة بين الكأس والطاس وقال من قصيدة: ويختال بك الطِّرف ... كما يختال نشوان تراه وهو لا يدري ... درى أنّك سلطان وقال في العِذار: إذا كنت تهوى خدّه وهو روضة ... به الورد غضّ والأقاح مُفلَّج فزد كلَفاً منه وفرط صبابة ... وقد زيد فيه من عذارٍ بنَفْسَجُ أبو علي كاتب مؤنس قال: تقوّس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أيّ دَوْس فأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قَوامها وَتَر لقَوْسي

стр. 165

ولابن حمديس أيضاً هذا المعنى بعينه وقد أوردنا من شعره - وأوقع ما سمعته في العصا ما أُنْشِدْتُه بأصفهان لنظام الملك الوزير: بعد الثمانين ليس قوّهْ ... لهفي على قوّة الصبوّهْ كأنّني والعصا بكفي ... موسى ولكن بلا نبوّهْ وأنشدني خازن دار الكتب النظامية بأصفهان لبعض فضلاء العصر بها، وهو عزيز الشملكي، أنه دخل دار الكتب وبيده عصا، فقلت له: كبرت وضعفت. قال وقلت له: إن العصا للشيخ رجل ثالثة. فارتجل في الحال بديهة: ضَعْف جسمي لمشيبي ... لم يدع مني وقارا صار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا العصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد الوَقَّشي ذكره أبو الصّلت في الحديقة. هو من بيت كنانة من القديم الى الآن ويعيش لهم في زماننا هذا، وأحد كاتب بليغ مشهور لم يقع إليّ من كلامه شيء، وأورد له هذه الأبيات في غلام خصيّ وضيء الوجه: وفارِه يحمِله فاره ... مرّ بنا معتقلاً صَعْدَهْ سِنانها مشتمل لحظَهُ ... وقدّها منتحل قَدّه

стр. 166

قلت لنفسي حين مدّت لها ال ... آمال وامال ممتدّه لا تطمعي فيه كما الشَّعْر لا ... يطمع في تسويده خَدّه قال: هذا كالذي أنشدته لبعض أهل البلاد وهو أبو محمد بن مالك أما الغرام فقد ألحّ فزادا ... بأغنّ لا يعطي المحبّ قيادا حلَفت صحيفة خده أن لا يرى ... في صحْنها أبد الزمان مدادا قال القاضي الفاضل: وهذا كقول بعض المغاربة: إني عَلِقْتُ مُهَفْهَفاً ... كالبدر في غسَق الظُّلَم آلت صحيفة خدّه ... أن لا يخطّ بها قلم ولأبي الوليد الوقشي أيضاً: عجباً للمدام ماذا استعارت ... من سجايا معذّبي وصفاته طيب أنفاسه وطَعْم ثنايا ... هـ وسُقْم العقول من لحظاته وهي من بعد ذا عليّ حرام ... مثل تحريمه جَنى رشفاته

стр. 167

وللفقيه أبي الوليد هشام بن أحمد الوقشي أيضاً: قد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... ببديع أعمال المهندِس ماهره عُنِيَتْ بمَبْسَمِه فخطّت فوقه ... بالمسك قوساً من محيط الدائره وفي كتاب ابن بشرون المرسوم بالمختار أنشدت للوقشي في وصف رمح وأظنّه لغيره: جرى الموت في عِطْفَيْه بدءاً وعَوْدة ... كما كان يجري فيهما الماء من قبل وأصبح ميّاداً ومغرِسُه الحشا ... كما كان مُنْآداً ومنبته الرمل ناقد الكاتب قال في وصف القلم من قصيدة: لله درّك إذ ترويه ... ... من المداد وفي عدّ من الكلم الوليد حسان ابن المصيصي قال: نُسْقَى ونسجد إجلالاً لهيبته ... فنحن نشرب خمراً في مساجيد

стр. 168

وقال من أبيات وتروى لأبيبكر ابن عمّار: قَسا قلباً وسنّ عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد ابن شاطر السرقسطي قال، وعادة أهل الأندلس لبس البياض في العزاء: قد كنت لا أدري لأيّة علة ... صار البياض لباس كل مصاب حتى كساني الدهر سَحْق مُلاءَة ... بيضاء من شيبي لفقد شبابي فلذا تبيّن لي إصابة من رأى ... لُبْس البياض على نوى الأحباب أبو عامر محمد بن عبيد قال: روض إذا حثّ السحاب كؤوسه ... شرب النبات على غِناء البُلبُل عبد الصمد بن عبد الصمد قال يصف فرساً: على سابح فرد يفوت بأربع ... له أربعاً منها الصبا والشمائل من الفُتْخِ خوّار العِنان كأنّه ... مع البرق سارٍ أو مع السيل سائل

стр. 169

أبو محمد الطبيب المصري قال: أخذتَ مني غلامي ... لأيْره لا لغيره وكان غِمداً لأيْري ... فصرتَ غِمداً لأيره وأورد صاحب قلائد العقيان في حديث المعتمد أنه قام في مجلسه فأنشده: اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... بِشاذَ مَهْرٍ ودع غُمدان لليمن فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بنِ عليّ وابنِ ذي يزنِ أبو علي حسن ابن هادة قال: رأيت عند الصباح أيْراً ... مضمّخ الرأس بالرجيع فقلت من أين جئت قل لي ... فقال من فَقْحة البديع أبو الوليد البجلي قيل: قال أبو يحيى ابن الطوفان: كان أبو الوليد عندي وأنا أسقيه فناولته كأساً مترعة فقال: لأبي يحيى أياد ... قلّ فيها مُشْبهوه ملأ الطاسات حتّى ... قيل في البيت أبوه

стр. 170

من هذا الباب قول الصاحب بن عباد في مغني يعرف بابن عذاب: أقول قولاً بلا احتشام ... يفهمه كل من يعيه ابن عذاب إذا تغنّى ... فإنني منه في أبيه ولابن الحدّاد في شاعر يعرف بابن الفرّاء: وإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه أبو محمد عبد الجبار ابن حمديس الصقلّي الأصل، من أهل صقلّية، وهو أقربعصراً، وقيل مات بعد الخمسمائة. ووجدت في ديوان أبي الصلت أميّة الأندلسي أنه كتب إليه ابن حمديس الصقلي: ولو أن من عظمي يراعي ومن دمي ... مدادي ومن جلدي الى مجده طِرْسي وخاطبت بالعلياء لفظاً منقّحاً ... وخطّطت بالظلماء أجنحة الشمس لكان حقيراً في عظيم الذي له ... من الحقّ في نفس الجلال فدع نفسي ومالكة نفسي ملكت بها المنى ... وقد شرّدت عني التوحّش بالأُنس وقابلت منها كل معنى بعدّه ... يلوّح نفس الوهم في دُهْمة النِّقْس

стр. 171

كأني في روض أنزّه ناظري ... جليل معانيه يدقّ عن الحسِّ مقَلْت بعيني منه خطّ ابن مُقلة ... وفضّ على سمعي الفصاحة من قُسِّ وخِفت عليه عين سحر تصيبه ... فصيّرت تعويذي له آية الكُرسي فأجابه أبو الصلت: ولم تهد نجوى الروح منه الى الأسى ... ولكن نفخت الرّوح في ساكن الرمس وما روْضة بالحَزْن جِيدَتْ بواكف ... من المُزْن محجوب به حاجب الشمس سرى زَجِل الأكناف حتّى تحلّبتْ ... مدامعه بالرِّيِّ في تُرْبها اليَبْس تمرّ بها ريح الجنوب عليلة ... فتبعث أنفاس الحياة الى النفس بأبدع من خطّ ولفظ تداعيا ... بدا الحسن في تلك اليراعةِ والطِّرس كأني من مِيماتِه مترشّف ... حروف شفاه عاطرات اللّمى لُعْسِ بعثتَ به أُنسي وقد كان غارِباً ... فلا غرو أن أسميتُه باعِثَ الأُنس وها إنّني عارضته في رَويّةٍ ... كملتمس نَيْل الكواكب باللّمس وقرأت في مجموع لابن حمديس في المعتمد ابن عباد لما خلع وأخرج: جرى بك جَدّ بالزّمان عثور ... وجار زمان كنت منه تُجير لقد أصبحت بيض الظُّبى في غموده ... إناثاً لترك البيض وهي ذكور ولما رحلتم والندى في أكفّكم ... وقُلْقِل رَضْوَى منكم وثَبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تطير

стр. 172

وتمام الأبيات: الى اليوم لم يَذْعَرْ قطا الليل شُرَّبٌ ... يُغير بها عند الصباح مغير ولا راح من نادي المكارم بالغنى ... يقلّبه في راحتَيْهِ فقير وهذه القطعة جواب ما كتبه إليه المعتمد ابن عباد من محبسه: غريب بأقصى المشرقين أسير ... يُبَكّي عليه منبر وسرير أذلّ بني ماء السماء زمانُهم ... وذُلُّ بني ماء السماء كبير وأنشدت له ببغداد ونسب الى أبي الصّلت وصح أنها لابن حمديس: ومطَّرد الأرجاء يصقل متنه ... صَباً أوْدَعَت سرّ الهوى في ضميره جريح بأطراف الحصا كلّما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره كأن حُباباً ريع فوق حَبابِه ... فأسرع يلقي نفسه في غديره كأن الدجى خطّ المجرّة بيننا ... وقد كُلِّلت حافاته ببدوره شرِبنا على حافاته كأس خمرة ... وأقتل ما في الكأس عينا مديره قال أبو الصّلت في الحديقة: كان عبد الجبار ابن حمديس جيد السبك، حسن الأخذ، وأنا أذكر هاهنا طُرَفاً من سرقاته التي زاد فيها على المسروق منه فمن ذلك قوله يصف فرساً:

стр. 173

كأنّ له في الأذْن عينا بصيرة ... يرى اليوم أشباهاً تمرّ بها غدا أقيّد بالسيف الأوابد فوقه ... ولو مرّ في آثارهن مقيّدا أخذه من قول امرئ القيس وهو أوّل من قال قيد الأوابد: وقد أغتدي والطير في وُكناته ... بمُنْجَرد قيدِ الأوابد هيْكَل ومن قول ابن مقبل: إني أقيّد بالمأثور راحلتي ... فلا أبالي وإن كنّا على سفر وقال من قصيدة يصف إبلاً: ضربت لدى الإعناق أعناق الفلا ... بحسام ماء في حشاها مُغْمَد وهو من قول ابن المعتز: وأغمدن في الأعناق أسياف لُجّة ... مصقلّة تُفْرَى بهنّ المفاوز وقال ابن حمديس من أخرى: لم رياض حتوف فالذباب بها ... تشدوهم في الهوادي كلما اقتحموا بيض يضعن المنايا السود صارخة ... وهي الذكور التي افْتُضّت بها الغُمَم وهي من شعر أبي نصر ابن نباتة: ومن العجائب أنّ بِيض سيوفه ... تلِدُ المنايا السود وهي ذكور

стр. 174

وقال من أخرى: وجيشك هنديّ الخوافي بهزّه ... جناحي عقاب سمهريّ القوادم وهو من قول أبي الطيب المتنبي: يهزّ الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحَيْها العقاب ومن قوله أيضاً: ضمَمْت جناحيهم على القلب ضمّةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادم وقال من أخرى: وكأنّهم في السابغات صوارِمٌ ... والسابغات لهم من الأغماد ومن قول المتنبي: وسيفي لأنت السيف لا ما تسلّه ... لضرب وممّا النّصل منه لك الغِمْدُ وبيت ابن حمديس أجود لأنّه سهل وقريب مما فيه من التشبيه والترتيب. وقال من أخرى: له حملة عن فتكتين انفراجها ... كضربك من وجهين شاه الملاعب

стр. 175

من قول امرئ القيس: نطعنهم سُلْكى ومخلوجةً ... كرّك لامَيْنِ على نابِل وقال: أصَبْتُ رشادي في الغرام ولم أخط ... بثابتة الخَلْخال خافقَة القُرْط إذا مشَطَت فرْعاً تفرّع ليله ... وطال من القَيْنات فيه سُرى المشْط من قول كشاجم: ومُرَجَّل بالمشط يتعب في ... مسراه حين يحِلُّه المشْطُ وقال من أخرى: بتُّ منها مستعيداً قُبَلاً ... كان لي منها على الدّهر اقتراح وأُروّي غُلَل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القَراح من قول البحتري: وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه ... الى نَهلة من ريقها البارد العذب

стр. 176

وقال من أخرى يصف سفينة: طيّارة ولها فرخان وا عجباً ... إذ لا تزقُّهما حتى ترقّاها كأنّما البحر عَيْن وهي أسوده ... فسَبحها فيه والعَبْران جفناه وهو من قول السلامي في زورق: جرى فظننت أنّ الأرض وجه ... ودِجلة ناظر وهو السواد ومما أورده أبو الصّلت في حديقته قوله من قصيدة في مدح علي بن يحيى بن تميم: وبلدة لطمت أيدي القِلاص بنا ... منها وجوه قِفار بُرْقِعَت ظُلَما سارَيْت فيها سَراة خلتهم ركبوا ... رُبْدَ النقانق فيها أيْنُقاً رُسُما حادت بهم عن بِقاع المَحْل جامحةً ... الى بنان عليّ تَطلب الدِّيَما مملّك برواق المجد محتجب ... له تبَرَّجُ نُعْمَى تغمرُ الأمما لا يقدح العفو في تمكين قدرته ... ولا يواقع ذنباً كلّما انْتَقَما وقوله من أخرى سبق أولها: مجتمع الطعمين، في طبعه ... توقُّد البأس وفَيْض السّماح يُضحِك في الحرب ثغور الظُّبَى ... وهنّ يُبْكين عيون الجِراح

стр. 177

وقوله في مدح أبي يحيى الحسن بن عليّ بن يحيى بن تميم من قصيدة عيديّة: فَرِدِ المصلّى في جلالِ معظَّم ... ووقار مختشع وسَمْت منيب بعرمرم، ركبت لآجال العِدى ... عقبانَ جوّ فيه أسْدُ حروب عُقِدَ اللّواء به على ذي هيبة ... حالي المناسِب بالكرام حسيب والبُزْلُ تجنح بالقِباب تهادياً ... عَوْمَ السفين بشَمْأل وجنوب من كل رَهْو في المقادة مشيه ... نَقْل الخطى منه على ترتيب وكأنّما تعلو غواربها ربى ... روْضٍ بثَجّاج الحيا مهضوب ونجائب مثل القِسِيّ ضوامر ... خلقت لقطع سباسِبٍ وسُهوب ترعى الفلا بفم وترعى نَحْضَه ... من مَنْسِم بالمرو، ذي تشذيب في صفة الأعلام: ومُطِلّةٍ في الخافِقَيْنِ خوافِقٍ ... كقلوب أعداء ذوات وجيب من كلّ منشور على أفُق الوغى ... مسطوره كالمُهْرَقِ المكتوب جاءت تُتَرِّبُهُ العِتاق بركضها ... والريح تنفُضه من التتريب صُوَر خُلِقن على الموات فخُيِّلت ... فيه الحياة بسَوْرَة ووثوب وفغَرْن أفواهاً رِحاباً عُطِّلَتْ ... أشداقها من ألْسُنٍ ونُيوبِ من كل جسم يحتشي من ريحه ... روحاً يحرّك جسمه بهبوب

стр. 178

قال القاضي الفاضي هذا مليح جداً. وقد قيل في زقّ نُفِخَ: مات لما سَلَلْت منه مداما ... فأعدنا له من الريح روحا وترى بها العنقاء تنفُض سِقْطَها ... في نفنف للحائمات رحيب وصلَتْ ذرَى المهديّتين وهاجرت ... وكراً لها بالهند غير قريب كيْما تفوز ونَيْلُه فوق المنى ... من حسن وجهك عينها بنصيب وفي وصف الخيل المجنونة: وصواهلٍ مثل العواسل عَدْوُها ... أبداً لحرب عدوّك المحروب من كل ورْد ما يشابه لونه ... إلا تورّد وجنة المحبوب وكأنّما كنزت ذخيرة عتقه ... منه عُبابَ البحر في يَعْبوب أو أدْهَمٍ أحْوى الإهاب كأنّما ... صُبِغ الغُراب بلوْنه الغِرْبيبِ أرساغه درر على فيْروزج ... لان الصَّفا من وقعها لِصليب أو أشهَبٍ مثل الشّهاب ورجمه ... صافي الضّلوع أقبّ كاليَعْسوب لا فرق ما بين الصباح وبينه ... إلا بعَدْوٍ مِنه أو تقريب أو أصفر مثل النهار مغبر ... بسواد عَرْفٍ عن سواد عسيب أو أشْعَلٍ للنّار فيه شُعلة ... تُذْكى بريح منْه ذاتِ هُبوب وكأنّه مِرْداة صخر حطّه ... من عُلْو سَيْل ماج في تصويب وكأنّما سكِر الكُمَيت بلونه ... فله بمشيته اختيال طروب وكأنّ حِدّة طرفه وفؤاده ... من خَلْفِه في الأذْن والعُرْقوب

стр. 179

وقال: قم هاتها من كف ذات الوِشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح واحْلُل عرى نومك عن مقلة ... تمقل أجفاناً مِراضاً صحاح وقال من أبيات: زادت على كُحُل العيون تكحّلاً ... ويُسَمّ نِصْل السهم وهو قتول وقال أبو الصّلت في الحديقة لم أسمع في اجتماع الكحل والكحل أحسن من هذا البيت. وقال: لو كنت زائرتي لراعك منظري ... فرأيت بي ما يصنع التفريق ولحال من دمعي وحَرّ تنفسي ... بيني وبينك لُجّة وحريق وقال مما أورده أبو الصّلت في الحديقة: تخالفت النّيّات يوم تحمّلوا ... فرَكْب الى شرق وركب الى غرب وما قُدَّ قَدُّ السير بالسير بينهم ... ولكنّما المنقَدّ بينهم قلبي وقال: قضت في الصِّبا النفس أوطارها ... فأعقبها الشيب إنذارها نعم وأُجيلت قداح النوى ... عليها فقَسّمن أعشارها وراهبة غلقت دَيْرها ... فكنّا مع الليل زوّارها

стр. 180

هدانا إليها شذا قَهوة ... تُذيع لأنفك أسرارها فما فاز بالمسك إلا امرُؤ ... تيمّم دارينَ أو دارها طرحتُ بميزانها دِرْهمي ... فأجرت من الدّنِّ دينارها وقد سكّنت حركاتِ الأسى ... قيانٌ تحرّك أوتارها فهذي تغازل لي عودها ... وتلك تقبّل مِزْمارها وراقصة لقطَتْ رجلها ... حساب يد نقَرتْ طارها وساقية زرّرت كفّها ... على عنق الظبي أزرارها تدير بياقوتة درّة ... فتغمس في مائها نارها وقُضْب من الشمع مصفرّة ... تريك من النور نوّارها تقلّ الدياجي على رأسها ... فتهتك بالنّور أستارها كأنا نسلّط آجالها ... عليها فتمحق أعمارها ومنها: ذكرت صِقِليّةً والمنى ... تهيّج للنفس أوطارها فإن كنت أخرجت من جنّة ... فإني أحدّث أخبارها وقال: طرَقَتْ والليل ممدود الجناح ... مرحباً بالشمس من غير صباح سلّم الإيماء عنها خجلاً ... أوَ ما كان لها النطق مباح غادة تحمل في أجفانها ... مرضاً فيه منيّات الصِّحاح
следующие страницы →