Полный текст (315 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقال من أخرى يصف سفينة:
طيّارة ولها فرخان وا عجباً ... إذ لا تزقُّهما حتى ترقّاها
كأنّما البحر عَيْن وهي أسوده ... فسَبحها فيه والعَبْران جفناه
وهو من قول السلامي في زورق:
جرى فظننت أنّ الأرض وجه ... ودِجلة ناظر وهو السواد
ومما أورده أبو الصّلت في حديقته قوله من قصيدة في مدح علي بن يحيى بن تميم:
وبلدة لطمت أيدي القِلاص بنا ... منها وجوه قِفار بُرْقِعَت ظُلَما
سارَيْت فيها سَراة خلتهم ركبوا ... رُبْدَ النقانق فيها أيْنُقاً رُسُما
حادت بهم عن بِقاع المَحْل جامحةً ... الى بنان عليّ تَطلب الدِّيَما
مملّك برواق المجد محتجب ... له تبَرَّجُ نُعْمَى تغمرُ الأمما
لا يقدح العفو في تمكين قدرته ... ولا يواقع ذنباً كلّما انْتَقَما
وقوله من أخرى سبق أولها:
مجتمع الطعمين، في طبعه ... توقُّد البأس وفَيْض السّماح
يُضحِك في الحرب ثغور الظُّبَى ... وهنّ يُبْكين عيون الجِراح
стр. 177
وقوله في مدح أبي يحيى الحسن بن عليّ بن يحيى بن تميم من قصيدة عيديّة:
فَرِدِ المصلّى في جلالِ معظَّم ... ووقار مختشع وسَمْت منيب
بعرمرم، ركبت لآجال العِدى ... عقبانَ جوّ فيه أسْدُ حروب
عُقِدَ اللّواء به على ذي هيبة ... حالي المناسِب بالكرام حسيب
والبُزْلُ تجنح بالقِباب تهادياً ... عَوْمَ السفين بشَمْأل وجنوب
من كل رَهْو في المقادة مشيه ... نَقْل الخطى منه على ترتيب
وكأنّما تعلو غواربها ربى ... روْضٍ بثَجّاج الحيا مهضوب
ونجائب مثل القِسِيّ ضوامر ... خلقت لقطع سباسِبٍ وسُهوب
ترعى الفلا بفم وترعى نَحْضَه ... من مَنْسِم بالمرو، ذي تشذيب
في صفة الأعلام:
ومُطِلّةٍ في الخافِقَيْنِ خوافِقٍ ... كقلوب أعداء ذوات وجيب
من كلّ منشور على أفُق الوغى ... مسطوره كالمُهْرَقِ المكتوب
جاءت تُتَرِّبُهُ العِتاق بركضها ... والريح تنفُضه من التتريب
صُوَر خُلِقن على الموات فخُيِّلت ... فيه الحياة بسَوْرَة ووثوب
وفغَرْن أفواهاً رِحاباً عُطِّلَتْ ... أشداقها من ألْسُنٍ ونُيوبِ
من كل جسم يحتشي من ريحه ... روحاً يحرّك جسمه بهبوب
стр. 178
قال القاضي الفاضي هذا مليح جداً. وقد قيل في زقّ نُفِخَ:
مات لما سَلَلْت منه مداما ... فأعدنا له من الريح روحا
وترى بها العنقاء تنفُض سِقْطَها ... في نفنف للحائمات رحيب
وصلَتْ ذرَى المهديّتين وهاجرت ... وكراً لها بالهند غير قريب
كيْما تفوز ونَيْلُه فوق المنى ... من حسن وجهك عينها بنصيب
وفي وصف الخيل المجنونة:
وصواهلٍ مثل العواسل عَدْوُها ... أبداً لحرب عدوّك المحروب
من كل ورْد ما يشابه لونه ... إلا تورّد وجنة المحبوب
وكأنّما كنزت ذخيرة عتقه ... منه عُبابَ البحر في يَعْبوب
أو أدْهَمٍ أحْوى الإهاب كأنّما ... صُبِغ الغُراب بلوْنه الغِرْبيبِ
أرساغه درر على فيْروزج ... لان الصَّفا من وقعها لِصليب
أو أشهَبٍ مثل الشّهاب ورجمه ... صافي الضّلوع أقبّ كاليَعْسوب
لا فرق ما بين الصباح وبينه ... إلا بعَدْوٍ مِنه أو تقريب
أو أصفر مثل النهار مغبر ... بسواد عَرْفٍ عن سواد عسيب
أو أشْعَلٍ للنّار فيه شُعلة ... تُذْكى بريح منْه ذاتِ هُبوب
وكأنّه مِرْداة صخر حطّه ... من عُلْو سَيْل ماج في تصويب
وكأنّما سكِر الكُمَيت بلونه ... فله بمشيته اختيال طروب
وكأنّ حِدّة طرفه وفؤاده ... من خَلْفِه في الأذْن والعُرْقوب
стр. 179
وقال:
قم هاتها من كف ذات الوِشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
واحْلُل عرى نومك عن مقلة ... تمقل أجفاناً مِراضاً صحاح
وقال من أبيات:
زادت على كُحُل العيون تكحّلاً ... ويُسَمّ نِصْل السهم وهو قتول
وقال أبو الصّلت في الحديقة لم أسمع في اجتماع الكحل والكحل أحسن من هذا البيت. وقال:
لو كنت زائرتي لراعك منظري ... فرأيت بي ما يصنع التفريق
ولحال من دمعي وحَرّ تنفسي ... بيني وبينك لُجّة وحريق
وقال مما أورده أبو الصّلت في الحديقة:
تخالفت النّيّات يوم تحمّلوا ... فرَكْب الى شرق وركب الى غرب
وما قُدَّ قَدُّ السير بالسير بينهم ... ولكنّما المنقَدّ بينهم قلبي
وقال:
قضت في الصِّبا النفس أوطارها ... فأعقبها الشيب إنذارها
نعم وأُجيلت قداح النوى ... عليها فقَسّمن أعشارها
وراهبة غلقت دَيْرها ... فكنّا مع الليل زوّارها
стр. 180
هدانا إليها شذا قَهوة ... تُذيع لأنفك أسرارها
فما فاز بالمسك إلا امرُؤ ... تيمّم دارينَ أو دارها
طرحتُ بميزانها دِرْهمي ... فأجرت من الدّنِّ دينارها
وقد سكّنت حركاتِ الأسى ... قيانٌ تحرّك أوتارها
فهذي تغازل لي عودها ... وتلك تقبّل مِزْمارها
وراقصة لقطَتْ رجلها ... حساب يد نقَرتْ طارها
وساقية زرّرت كفّها ... على عنق الظبي أزرارها
تدير بياقوتة درّة ... فتغمس في مائها نارها
وقُضْب من الشمع مصفرّة ... تريك من النور نوّارها
تقلّ الدياجي على رأسها ... فتهتك بالنّور أستارها
كأنا نسلّط آجالها ... عليها فتمحق أعمارها
ومنها:
ذكرت صِقِليّةً والمنى ... تهيّج للنفس أوطارها
فإن كنت أخرجت من جنّة ... فإني أحدّث أخبارها
وقال:
طرَقَتْ والليل ممدود الجناح ... مرحباً بالشمس من غير صباح
سلّم الإيماء عنها خجلاً ... أوَ ما كان لها النطق مباح
غادة تحمل في أجفانها ... مرضاً فيه منيّات الصِّحاح
стр. 181
بتّ منها مستعيداً قُبَلاً ... كان لي منها على الدهر اقتراح
ألثم الدرّ حصى ينبع لي ... بزلال ناقعاً فيه التياح
وأُرَوّي غُلَل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القَراح
باعتناق ما اعتنقناه خنًى ... والتزام ما التزمناه سفاح
ما على من صاد في النوم له ... شرك الحلُم مهَاة من جُناح
همت بالغيد فلو كنت الصِّبا ... لم يكن منّي عنهنّ براح
ورددت الشيب عنها جاهداً ... بكلام السِّلم أو كَلْم الكفاح
علِّل النفس برَيْحان وراح ... وأطِع ساقيها واعص اللواح
وأدِر حمراء يسْري لطفُها ... سُكْرُها من شمسها في كل صاح
لا يغُرّنّك منها خجل ... إنّما تبديه عن خدّ وَقاح
واعْلُها بالماء تعلم منهما ... أنّ بين الماء والنار اصطلاح
وإذا الخمر حماها صِرفها ... ترك المزج حِماها مستباح
خلني أفني شبابي مرِحاً ... لا يُرَدُّ المُهْر عن طبع المراح
وانتظر للحِلم مني كرّة ... كم فساد كان عقباه صلاح
فالقضيب اهتزّ والبدر بدا ... والكثيب ارتجّ والعنبر فاح
والثريّا رجع الجوّ بها ... كابن ماء ضم للوكر جناح
فكأنّ الغرب منها ناشق ... باقة من ياسمين أو أقاح
стр. 182
وكأن الصبح ذا الأنوار من ... ظلَمَ الليل على الظِّلمان صاح
ثَقّل الراحة من كاساتها ... برَداح من يد الخَوْد الرَّداح
في حديق غرس الغيث به ... غدِق الأرواح مَوْشيَّ البطاح
تعقِد الطّرف أزاهيرُ به ... ثمّ تعطيه أزاهير صراح
أرضَع الغيم لِباناً بانَه ... فتربّت فيه قامات المِلاح
من شعر ابن سنان الخفاجي:
نشأت للحُسْنِ فيهم مزنة ... أنبتت في كل حِقْف غصنا
كلّ غصن تعتري أعطافه ... رَعْدَة النشوان من كأس اصطباح
لابس صبغة ورد كلّما ... ودّعت في طرَف اليوم بَراح
فكأنّ التُّرب مِسك أذْفَرٌ ... وكأن الطّلّ كافورُ رَباح
وكأنّ الروض رشّت زهرَه ... بمياه الورد أفواه الرياح
أفلا تغنم عيشاً يقتضي ... سيره عنك غدوٌّ ورواح
وإذا فارقت ريعان الصِّبا ... فالليالي بأمانيك شِحاح
وقال في الشيب والعصا:
ولي عصا من طريق الذمّ أحمدها ... بها أقدّم في تأخيرها قدمي
كأنّها وهي في كفي أهشٌ بها ... على ثمانين عاماً لا على غنمي
كأنني قوس رام وهي لي وتر ... أرمي عليه رمِيّ الشيب والهرم
стр. 183
في الأصل قوس عام أملح منه للمكربل العسقلاني:
قوّس الدهر قامتي ... فاتّخذت العصا وتر
ولده محمد ابن حمديس
ذكره ابن بشرون في المختار وذكر أنّه أشعر من والده عبد الجبار وأورده في شعراء الغرب الأوسط ووصفه في الشعر بحسن النمط وأورد له بائية اخترت منها أبياتاً سوية. فمنها:
وإن مردّ الهيّنات الى الألى ... حَوَوْا بك حُلْو العيش محضاً لأعذب
وما صدّني عن أن أزورك جفوَة ... ولكنْ حياء مسني وتهيّب
ومن الهناء بالصوم والعيد:
ليَهْنِئْكَ شهر الصوم لا زلت مُدْرَكاً ... بأمثاله تأتي عليه وتذهب
صلات كفيه رحمة ومَشوبة ... وصومك رضوان به وتقرّب
لأوليته في الله أحسن صحبة ... ولا زلت تدعى محسناً تُصحب
وصمت به عن كل إثم ومَحْرَم ... صيام الورى أن يأكلوه ويشربوا
الى أن لقِيت العيد بالجِدّ في التقى ... وغيرك بالأيام يلهو ويلعب
стр. 184
أبو الطيب الأزدي
قال وذكر ابن شرف إنهما له في كتابه أبكار الأفكار:
قلم قلّم أظفار العِدى ... فهو كالإصبع مقصوص الظُّفُر
أشْبَه الحيّة حتى أنّه ... كلّما عمّر في الأيدي قصُر
أبو مروان عبد الملك ابن أغلب الشاطبي
قال:
يا مُعْطِشي كم أصيح وا عطشي ... إلى الرُّضاب الشهيّ من بَرَدك
لَيْتَ كما قد سكَنت في خلَدي ... لو أنّني خاطر على خلَدِك
إن كنت لا ترتضي بلثم فمي ... فإنني أرتضي بلثم يدِك
بُرْد بن أحمد بن بُرْد
قال:
اسمَع لعبدك شعرا ... وإن أردت فسحرا
وما تخيّرت لفظاً ... لكن تخيّرت دُرّا
نظمته لك عِقْداً ... فوافق العِقد نَحْرا
أبو الحسن اليسع بن اليسع
قال:
راموا ملامي فكان إغراء ... وذمّ حبّي فكان إطْراء
لو علم العاذلون ما خبري ... لانقلبت فيه لامهم راء
стр. 185
وقال:
لمّا قدِمت وعندي ... شطر من الشوق واف
قدّمت قلبي قبلي ... فصُنْه حتى أُوافي
عبد الحميد بن عبد الحميد البرجي
برجة حصن من نواحي المَرِيّة. قال:
أرِح متْن المُهنَّد والجواد ... فقد تعِباً بجِدّك في الجهاد
قضَيت بعزمة حقّ العوالي ... فقضّ براحة حق الهوادي
ابن معرّف المنجّم
قال:
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كُهّان
لا طَرْفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دَوْرَةٌ إلا لها شان
أبو الحسن البَلَنْسي
قال:
وجرى النسيم معطَّراً فكأنّما ... أهدت إليك سلامها أسماء
وبدت ذُكاء مع العشِيّ كأنّما ... خلعت عليها بُرْدَها الصهباء
стр. 186
أبو طالب عبد الجبّار المعروف بالمتنبّي
من شعراء الأندلس وجدت كنيته في تاريخ الأندلسيين بمصر: أبا طالب. ووجدت في مجموع ابن الصيرفي المصري كنيته أبا الوليد. وعاش بعد سنة خمسمائة فإنه ذكر علي بن يوسف بن تاشفين وهو أمير المسلمين في أرجوزته المحتوية على فنون من العلوم والمحيطة بتاريخ الدول. وكان موت علي بن يوسف بن تاشفين في سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وكانت ولايته عند وفاة أبيه أمير المسلمين، سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
ومن أرجوزته ما أورده في التاريخ قوله:
لما رأى أعلام أهل قرطبه ... أنّ الأمور عندهم مضطربه
وعُدِمَتْ شاكلة للطاعه ... استَعْمَلَتْ آراءَها الجماعه
فقدّموا الشيخ من آل جَهْوَر ... المكتنى بالحزم والتدبّر
стр. 187
ثمّ ابنه أبا الوليد بعده ... وكان يحدو في السَّداد قصده
فجاهرت بجَوْرها الجهاوره ... وكل قُطر حلّ فيه الفاقره
من كلّ مُنتَزٍ بها وثائر ... وعادل من كل عدل جائر
بالثّغر الأعلى ثار فيه منذر ... ثم ابن هُود بعد مِمّا يذكر
وابن يعيش ثار في طُلَيْطُلة ... ثم ابن ذي النون تصفّى الملك له
стр. 188
وثار في حِمْصٍ بنو عبّاد ... والحرب والفتون في ازدياد
وشاع عن هِشامٍ المؤَيِّد ... بأنّه حيّ ولمّا يُلْحَد
وأنّه جاء من الحجاز ... واحتلّ في حِمْصٍ على المجاز
وقال عبّاد به فصدّقوا ... بأنّه حيٌ لديه يرزق
فنسبوا دعوته طِلَّسْما ... وقد محا الممات منه والرّسما
فعبدوه مدّة أعواما ... إذ عَدِموا الألباب والأحلاما
ثم نعاه بعد ذا عبّاد ... من بعد ما طاعت له البلاد
وثار في غَرْناطة حبّوس ... ثم ابنه من بعده باديس
стр. 189
وآل مَعْن ملكوا المَرِيّه ... بسيرة محمودة مرضيّه
ذكرهمُ في غير ما قصيد ... يشرق مثل النحر بالفريد
وثار في شرق البلاد الفِتْيان ... العامِريّون ومنهم خَيْران
ثم زُهَيْر والفتى لبيب ... ومنهم مُجاهد اللبيب
سلطانه رَسا بمرسى دانيه ... ثم غَزا حتّى الى سردانيه
ثم أقامت هذه الصقالبه ... لابن أبي عامرهم بشاطبه
стр. 190
وجُلّ ما ملَكه بَلَنْسِيَهْ ... وثار آل طاهر بمُرْسِيَهْ
وبلد البونْت لآل قاسم ... وهو حتى الآن فيه حاكم
وابن رزين جاره بالسّهله ... أُمهِل أيضاً ثَمّ كُلّ المُهْلَه
ثم تمادت هذه الطوائف ... تخلُفهم من آلِهم خوالف
وبعد عشرة أبيات في وصف الحال، يذكر دولة لمتونة وخبر وقعة الزلاقة:
وإذ أراد الله نصر الدين ... استصرخ الناس ابن تاشِفين
стр. 191
فجاءهم كالصُّح في إثْر غَسَق ... مبتدراً كالماء ينفي في رَنَق
وافى أبو يعقوب كالعقاب ... فجرّد السيف عن القِراب
وواصل السير الى الزلاّقه ... وساقه ليومها ما ساقه
لله درّ مثلها من وقْعه ... قامت بنصر الدين يوم الجمعه
وثلّ للشرك هناك عَرْشَهْ ... لم يُغْنِ عنه يومه إذْفونْشَهْ
فوجب الخلع لذي الجماعه ... وصرّحوا ليوسفٍ بالطاعه
فاتّصل الأمر على النظام ... وامتدّ ظلّ الله للإسلام
ثمّ ولِي عليٌّ ابن يوسُفِ ... مُقْتَدياً حكم أبيه يقتفي
ومن شعر عبد الجبّار المتنبي قوله:
أهديت مُشْبه قَدِّك الميّاس ... غُصْناً نضيراً ناعماً من آسِ
فكأنّما تحكيه في حركاته ... وكأنّما يحكيك في الأنفاس
وقال:
بعوض جعلْنَ دَمي نُهْزَةً ... وغَنّيْنَني بضروب حِسان
كأنّ عُروقيَ أوتارهنّ ... وجسمي رَباب وهنّ القِيان
стр. 192
أبو عبد الله محمد بن عائشة البلنسي
قال:
ودَوْحة قد بدت سماء ... تطلع أنوارها نجوما
هبّ نسيم الصَّبا عليها ... فخِلتُها أُرسِلت رجوما
ومن شعره أيضاً:
لله ليل بات في جنحه ... طوع يدي من مهجتي في يديه
رأيته أسهر أيامه ... ولم أزل أسهر شوقاً إليه
عاطيته صفراء مشمولة ... كأنّها تعصر من وجنتيه
لله قول القائل:
أمن خديك تعصر قال كلا ... متى عصرت من الورد المدام
ولابن عائشة قوله، وهو مما أبدع فيه وزاد على من تقدم:
إذا كنت تهوى وجهه وهو روضة ... بها نرجس غض وورد سميرج
فزد كلفاً فيه وفرط صبابة ... فقد زاد فيه من عذار بنفسج
стр. 193
أكثر هذه الأسماء، علّقتها من تعليق أبي القاسم بن منجب المصري وذكرت في كل شيء ما وقع لي وأضفت إليه ما سمعته. وفي التعليق: ومن الطارئين على الأندلس:
أبو الحسين الفكيك
هو أقدم عصراً ولم يلحق سنة خمسمائة. قال من قصيدة في بعض ملوك الأندلس وهو الملقب بالمقتدر:
لعزّك ذلت ملوك البشر ... وعفّرت تيجانهم في العفر
وأصبحت أخطرهم بالقنا ... وأركبهم لجواد الخطر
سهرت وناموا على المأثرات ... فما لهم في المعالي أثر
وجلّيت في حيث صلى الملوك ... فكلٌ بذيل المنى قد عثر
بدور تجرد سيف الندى ... وتغمده في رؤوس البدر
وأنتم ملوك إذا شاجروا ... أظلتهم من قناهم شجر
وقال:
غنّى حسامك في أرجاء قرطبة ... صوتاً أباد العدى والليل معتكر
حيث الدماء مدام والقنا زهر ... والقوم صرعى بكأس الحتف قد سكروا
стр. 194
ومما ينسب إليه:
ووعدتني وعداً حسبتك صادقاً ... فجعلت من طمعي أجيء وأذهب
وإذا اجتمع أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب
وكان مشهوراً بالهجاء. وله في الشريف فخر الدولة النقيب، وفي رقبته غدّة:
بلع الأمانة فهي في حلقومه ... لا ترتقي صعداً ولا تتنزّل
وقال في الوزير البابلي وقد احترقت تَرْقوتُه وصارت رقبته تسيل:
إن الوزير أبا علي لم يزل ... للنيل لا لوزارة مخلوق
مخلوق مرفوع جعله خبر إنّ أي أن الوزير مخلوق لم يزل لكذا لا لكذا:
وأنه صنم الجماد إذا مشى ... وعذاره في خدّه محلوق
يمشي كما يمشي العلوق وخلفه ... بالدار بكه يلعب المحروق
وقال في ناصر الدولة حسين ابن حمدان وكانت يده شلاّء:
стр. 195
لئن غلطت بأن مدحتك راجياً ... جدواك مع علمي بأنك باخل
فالدولة الغراء قد غلطت بأن ... سمتك ناصرَها وأنت الخذل
إن تمّ أمرك مع يد لك أصبحت ... شلاء فالأمثال شيء باطل
وأنشدني بعض الأصدقاء أبياتاً في طبيب مزوق بمصر، قال هي لابن الفكيك المصري ولم أعرف غير أبي الحسين الفكيك وهي:
قل للطبيب الديلمي وإن غدا ... فيالطب ربّ تنطس وجراح
يَمّمت طبك جاهلاً بأصوله ... فغدوت كالساري بلا مصباح
وحكمت في المرضى برأي مزوق ... فتركتهم صوراً بلا أرواح
أبو العرب
مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي ولد بصقلية في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة وخرج عنها لما تغلب الروم عليها في سنة أربع وستين وأربعمئة قاصداً المعتمد محمد بن عباد. قال أبو القاسم علي منجب في تعليقه: وبلغني في سنة سبع وخمسمائة أنه حي بالأندلس. قال من قصيدة مدح بها المعتمد أول ما لقيه في سنة خمس وستين وأربعمائة:
أحَادِيَنا هذا الربيع فخيّم ... وأمنية المرتاد والمتيمم
وحط به عن ناجيات كأنّها ... قسيٌّ رمت منا البلاد بأسهم
стр. 196
ومنها:
يشاهد أسرار الزمان جلية ... بفطنة مدلول البصيرة ملهم
أياد أبانت عنه وهي صوامت ... وربّ مبين ليس بالمتكلّم
فلا الغرض الأقصى عليه بعازِبٍ ... بعيد ولا المعتاص عنه بمبهم
وقال:
تخشى بوادِرُه والحلم حاجزها ... أنّ السّيوف لتخشى وهي في القرب
ويضرب الذكر صفحاً عن مواهبه ... كأنّه لم يجُد يوماً ولم يهب
أولها:
اهجر رشادك في وصل ابنة العنب ... ولا تعقّنّ أمر اللهو واللعب
متّع شبابك واستمتع بجدّته ... فهو الحبيب إذا ما بان لم يؤب
من ضيّع اللهو في بدء الشباب طوى ... كشحاً على أسف لم يغن في العقب
والحلم قيدٌ فدعه واخْطُ في مرح ... والجد داء فداو النفس باللعب
والهمّ للنفس شيطان يوسوسها ... فاقذفه من أنجم الصهباء بالشهب
لله درّه لقد أجاد:
بكر حَصَانٌ إذا ما الماء واقعها ... أبدت لنا زبداً في سورة الغضب
كادت تطير نفاراً حين نافسها ... لولا الشباك التي صيغَتْ من الحبب
стр. 197
هذا معنى بديع. وقال:
وما لحظت عيناي في الدهر قبله ... فريداً أرى كل الورى منه وحده
ومن معجزات المجد والفضل أنّني ... أشاهد منه الضد ينصر ضده
دنا كرماً لما تباعد رفعة ... دنو الغمام المستهل وبعده
أقرت به هام الأعادي فحالفت ... قلوباً عرفن الحق واعتدن جحده
وقال:
أبهى المناظر في عيني وأحسنها ... كأس بكف رخيم الدل سحّار
كأنّه إذ يسقّي سادة زهراً ... نجم يوزع نجماً بين أقمار
وقال:
كأنّ فجاج الأرض يمناك إن يسر ... بها خائف تجمع عليه الأناملا
فأنّى يفرّ المرء عنك بجُرْمِه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا
ليس يخرج هذا في الجودة عن قول النابغة الذبياني:
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال:
لم لقوا جيشك المنصور منتظماً ... ظلت رؤوسهم بالبيض تنتثر
أولغت شبلك في الهيجا دماءهم ... حتى تورد منه الناب والظفر
إنّ الدماء لمكروه مغبّتها ... لكنّها عند آساد الهدى هدر
стр. 198
وقال:
وإنّي لأستشفي بطيف مسلّم ... يبلّ غليلي باللقاء ويبرد
وما خاف طيف في الزيارة رِقْبَةً ... ولكن رقيب الطيف طرف مسهّد
وهل في ضمير الدهر للقرب عودة ... فتغني كما كنا أم الصبر أعود
ليالي ترضينا الليالي كأنّها ... إلينا بإهداء المنى تتردد
همام يجر الجيش جماً عديدُه ... لأرض الأعادي زائر متعمد
كأنّ الضحى يعتل منه فيكتسي ... شُحوباً وعين الشمس تُقْذَى وترمد
فقل هو ليل في الظّهيرة مظلم ... وقل هو بحر في البسيطة مزبد
كأنّ الردى فيه تضل نفوسهم ... فيهديه من صوت القواضب منشد
نجوت فعمري مستجد وإنّما ... نجاة الفتى بعد المخافة مولد
وأحسنت الأيام حتى كأنّما ... تنافس في الإحسان يومي والغد
وقال:
عرفت فودعت الصبا والغوانيا ... وقلت لدعي الحلم لبيك داعيا
فما يزدهيني دل كل غَريرةٍ ... تزيّن للكهل الحليم التصابيا
ولكن قصرت العين عن كل منظر ... فما أرسلت لحظاً على القلب جانيا
غضوب لدين الله في كل موطن ... يعاف الرضى حتى يرى الدين راضيا
ألا إنني لما عددتك أولاً ... ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
استثنيت هاهنا عددت ثانيا، لا من الاستثناء الذي هو إخراج بعض من كل. وقال:
إلى مَ اتّباعي للأماني الكواذب ... وهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهم ولي عزمان عزم مشرق ... وآخر يُغْري همتي بالمغارب
стр. 199
نسخة يثني همتي للمغارب:
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ... تشق على أخفافها والغوارب
عليّ لآمالي اضطراب مؤمل ... ولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنّه ... وإن خدعت أسبابه شرّ صاحب
ويا وطني إن بنت عنّي فإنّني ... سأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلّها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
وهذا من قول ابن المعتز:
إذا كنت في الناس ذا ثروة ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورة ... تخبّر أنّك من آدم
وكقول الآخر:
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهمُ آدم والأم حوّاء
رجعنا الى القصيدة:
وما ضاق عنّي في البسيطة جانب ... وإن جل إلا اعتضت منه بجانب
إذا كنت ذا هم فكن ذا عزيمة ... فما غائب نال النجاح بغائب
ابن كاتب كرامة القيرواني
وجدت في تعليق بعض المصريين: أنشد الفقيه أبو عبد الله محمد بن عذرة القيرواني لابن كاتب كرامة القيرواني:
ولقد قطعت الليل في دعة ... من غير تأثيم ولا ذنب
بأعزّ من بصري على بصري ... وأحبّ من قلبي الى قلبي
стр. 200
ابن شرف
أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني وأظنه والد جعفر وقد أوردنا شعره.
هو أقدم عصراً من الذين أوردناهم وكان في عصر ابن رشيق والجميع متقاربو العصر. طالعت مصنف محمد ابن شرف الموسوم بأبكار الأفكار ومن منثور كلامه فيه: أذى البراغيث إذا البَرّ أغِيث - بريءَ عليلٌ بَرانا، وأثرى فقيرٌ ثرانا، وتاريخ ذلك انصرام بآخر، وقد بلغت القلوب الحناجر، بحمّارة احمرّت لها خضرة السماء، واغبرّت مرآة الماء، حتّى انهلّ طالع وسميّ، وتلاه تابع وليّ، دنا فأسفّ، ووكف فما كفّ، فما فَتِئ ثرثاراً قَطْرُهْ، مجوباً شمسه وبدره، حتى إذا جاء ركيّه بالطام، وخيف إعظام الاطام، وقال حوض الأرض لماتح المزن حسبي، قد ملأت وطبي، رفع حجاب السماء، وغيض طاغي الماء، وأطلق طلق الهواء، من عقال الظلماء، وجلّيت عروس الشمس، معتذرة من مغيبها بالأمس، وطفقت ترشف ريق الغدران حتى جفت عبراتها، وتعانق أعناق الغدران حتى خفت حسراتها، فعندها مزق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن درّ البرّ في أصداف ترابها، فلا وأبي الأيام ما مرّت بهن عاسِرة، إلا والقيعان مسندسة، والآكام مطرّسة، قد تجدد الشمل، وتفسح الأمل، وحمل الشمس الحمل، وظهرت تباشير النهاية، في شمائل البداية، فرجاؤنا في التمام، أخْذاً بقول أبي تمام:
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا
стр. 201
فخف من أعباء الهموم ما آد، واطمأن قلب القانط وما كاد، فسبحان مطفئ نيران الجدب الحامية، بمياه الخصب الهامية، وتعالى كاشف تلك الكروب، وآسي تلك الندوب.
من فصل في وصف زرع برد: كان زرعاً يرجى ليوم الحصاد، منتظراً فيه آخر صاد، فأكلته ثغو الغما، قبل ثغور الأنام.
وله يستهدي عمامة: قد اقترحت تاج الملابس، وسماء اللابس، والنازلة بأشرف الحلة مكاناً، وأعلى المحلة بنياناً، ولك بإنفاذها من الثناء، مثل مكانها من البناء.
وله على لسان محبوس: قد حكمت بسجن الأشباح، وهي سجون الأرواح، فامنن على ما شئت منهما بالسراح. فالحبس نزاع الأرواح، والعقلة أخت القتلة، وكلاهما فقد، ومهر للخطوب ونقد، وإنما بينهما نفس متصاعد، وأجل متباعد، فالحق منهما ما أجلت، بما عجلت، وقد أخرنا طلب الدين، الى يوم الدين.
وعلى لسان محبوس أيضاً: لان لنا القوم وخشنت، ورقوا وغلظت، فأصلحت نقمتك ما أبْطرته نعمة سواك، وأدبت غلظتك من يُسحب عن هوى غير هواك، فإطلاق بامتنان، وتسريح بإحسان، أو نزل من حميم، وتصلية جحيم.
ومن منثور كلامه في أبكار الأفكار: لما فنى عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس، لاحت بروق الثغور
стр. 202
اللوامع، وخلخلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.
أخرى: شربنا وقد سحبت أذيال السحب، وضُمِّختْ ترائب الترب، وبكت عين المزن، من غير حزن، مطلنا القيظ بالراح، الى برد الرواح، وعملنا بالمصير، الى الليل القصير، فسألنا غريم النوم، النظرة الى ضحى اليوم، فأجابنا، ولم يهتك حجابنا.
وله في وصف نعيم العيش: ضمّ القدّ المجرد، ولثم الخد المورد، وفقدان المراقب، ونسيان العواقب.
في القرابة: الوجيه بين أقاربه، كالوادي بين مذانبه، يجذبن ماءه، ويطلبن إظماءه.
في العداوة: كم قاطعك، من راضعك، وقابحك، من مالحك، ونافقك، من وافقك، وناصبك، من صاحبك، وحادّك، من وادّك.
في الجود والبخل: الجود، أنصر من الجنود، من بخل بماله، سمح بعرض آله.
في أنواع شتى:
إذا انضمّ جناح الطيش، تم صلاح العيش. ما أحسن، إلا لَسِن. لا كرم، لمن حرم، كيف ينجز، من يعجز. إيّاك وإخلاف العِدَهْ، مع
стр. 203
إسعاف الجِدَهْ، إياك والطعام، مع الطغام، كثرة الأيْمان، من قلة الإيمان، احذر الكريم إذا افتقر، واللئيم إذا قدر.
احذر التقي إذا أنكر، والذكي إذا فكّر، قد ينجز المطول، ويوجز المطيل، المطل أحد المنعين، واليأس أحد الصنفين، العشق أحد الرقين، والسلو أحد العتقين، رفث الكلام أحد السفاحين، وموالاة القبل أحد الناكحين، جميل الرد أحد الجودين، وبقاء الذكر أحد الخلودين، طول الخمول أحد القبرين، وبقاء الثناء أحدالعمرين، بئس النّصير، التقصير، المتجاسر خاسر، الباذل، كثير العاذل، الكريم، كثير الغريم. لا رياضة للأحداث، على الأحداث. أول العقد، وواسطة العقد. من كثُر هُجْرُه، وجب هجره، من كرمت خصاله، وجب وصاله، عيبه عيوب، وذنوبه ذنوب، سحابة صيف، وزيارة طيف، عشرة الصّغار، صَغار، حيث ما حل، عقد وحلّ، وأين ما نزل، ولّى وعزل، المستلئم، أحزم من المستسلم، غرس الإحن، يثمر المحن، نسيم الريح، نسيب الروح، الوسيلة جناح النجاح، ربّ عين إذا رَنَتْ زَنَتْ، إن ظمئت فريقك وِردي، وإن شربت فخدّك وَردي، إذا انحلت عقد السماء، انتظم عقد الندماء. جمالي جمال الغصن بثمره، والأفق بقمره.
ومن أشعاره بيتان لا يختلط فيهما حرف بحرف:
ودرّة نارت ودرّت داري ... لا درّ درّي إنّ درّي داري
ولا روى راو أداه ولا ... ودّت ودادي إنّ زرّي زار
стр. 204
وقال:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب
والكأس كاسية القميص كأنّها ... لوناً وقدّاً معصم مخضوب
مشروبة للّبّ شاربة وما ... شيء سواها شارب مشروب
منّي إليه ومن يديه الى يدي ... كالشمس تطلع بيننا وتغيب
وقال:
خليل النفس لا تخل الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا
وجاهر في المدامة من ترائي ... فما فوق البسيطة من يُداجَى
أمط عنا الكرى والليل ساج ... ودعنا نلبس الظلماء ساجا
وهات على اهتمام الروح راحاً ... تعيد هموم أنفسنا افتراجا
إذا مرّيخها اتّقد احمرارا ... صببنا المشتري فيها مزاجا
وله:
إنْ تلقك الغربة في معشر ... تظافروا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
وله في مثله:
يا ثاوياً في معشر ... قد اصطلى بنارهم
فما بقيت جارهم ... وفي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم
стр. 205
وله:
سأبغي على الدنيا بصولة محرب ... وإلا على الأخرى بوصلة محراب
ولا خير في عيش يكون قوامه ... بمنحة مكذوب ومدحة كذّاب
وله في عود:
يا عود من أيّة الأشجار أنت فلا ... جفا ثراها ولا أغصانه الماء
غنّى القيان عليه وهي يابسة ... بعد الحمام زماناً وهي خضراء
وله في مثله:
سقى الله أرضاً أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنّى عليها الطير وهي رطيبة ... وغنّى عليها الناس والعود يابس
وله في متجسّس:
وناصب نحو أفواه الورى أذناً ... كالقُعب يلقط منهم كلما سقطا
تراه يلتقط الأخبار مجتهداً ... حتّى إذا ما وعاها زقّ ما لقطا
ومن شعره في الألغاز قوله في ميزان البنّاء:
ومعلّق بذؤابة في رأسه ... من غير ذنب بل له إحسان
ما زال يسأله معذّب جسمه ... فيجيبه وجوابه تبيان
فيقول ملت كذا وعجت كذا ولم ... يَعْدُ الصواب وما لديه لسان
стр. 206
وقال في مكمدة الثياب وأرزبتها:
ومضروبة في ظهرها حين تكتسي ... فإن نزعت عنها كساها فلا ضرب
وذات ابنة ما إن تزال تعقّها ... وتضربها حتّى يرقّ لها القلب
وما تشتكي منها العقوق ولا الأذى ... وبينهما مع ذا وذا الحب والقرب
وقال في الحبل الذي تنشر عليه الثياب للغسيل:
ما ضئيل له الهواء مقيل ... مكتس يومه وفي الليل عار
وترى فوقه صنوف ثياب ... وهو ذو فاقة حليف افتقار
تعتليه الكسى ثقالاً ويُلقي ... ها خفافاً في أخريات النهار
أبو علي الحسن ابن رشيق
وحيث ذكرنا ابن شرف، وليس من غرض الكتاب، فنذكر لمعة من شعر ابن رشيق وكانا في زمان المعزّ بن باديس بالقيروان وبالمهدية في سنة نيف وأربعين وأربعمائة.
قال من قصيدة:
إذا لذّة لم يبق إلا ادّكارها ... فحسبي من اللّذات ذكري لها حسبي
وما اللهو إلا حلم يقظان صادق ... وقد يحلم النّوّام بالصدق والكذب
стр. 207
ومنها:
فقل لصروف الدهر ضرِّي أو انفعي ... فإنّي من مثوى علي على قرب
هو المء أما جاره فهو آمن ... وأما العدى والمال منه ففي رعب
متى يدعه الراجي لدفع ملمّة ... تجاوبه منصور اليدين على الخطب
وقال:
ورب ساق لنا مليح ... لحظي على وجهه حبيس
بدر ولكنّه قريب ... ظبي ولكنّه أنيس
إن لم يكن قدّه قضيباً ... فما لأعطافه تميس
وقال:
من ذا يعالج عنّي ما أعالجه ... من حرّ شوق أذاب القلب لاعجه
ومن يكن لرسيس الشوق داخله ... يكن لفرط الضنى والسقم خارجه
كادت خلاخل من أهوى تبوح به ... سرّاً وغصّت بما فيها دمالجه
ومنها:
فهاك من محكمات القول معلمة ... بالشعر فيك وشرّ الشعر ساذجه
فإن حولك قوماً زاد شعرهم ... في البرد حتّى أصاب النّاس فالجه
стр. 208
وقال:
أحبّ أخي وإن أعرضت عنه ... وقلّ على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطي راض ... كما قطّبت في وجه المدام
وربّ تقطّب من غير بغض ... وبغض كان من تحت ابتسام
وقال:
معتقة يعلو الحباب جيوبها ... فتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لمديرها ... فجادت له من عسجد ببنان
وقال في مرثية المعز بن باديس:
لكل حيّ وإن طال المدى هلك ... لا عزّ مملكة يبقى ولا ملك
ومنها:
لحادث منه في أفواهنا خرس ... عن الحديث وفي أسماعنا سكك
يهاب حاكيه صدقاً يبوح به ... فكيف ظنك بالحاكين لو أفكوا
أودى المعزّ الذي كانت بموضعه ... وباسمه جنبات الأرض تمتسك
فالصوت في صحن ذاك القصر مرتفع ... والستر عن باب ذاك البهو منتهك
مضى فقيداً وأبقى في خزائنه ... هام الملوك وما أدراك ما ملكوا
فهل يزول حداد الليل عن أفق ... وهل يكون لصبح بعده ضحك
وقال من قصيدة في القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي:
أرى الناس من ضدين صيغت طباعهم ... فظاهرهم ماء وباطنهم نار
وإن ابن عبد الله قاضي عصره ... لأفضل من يثنى عليه ويختار
стр. 209
كريم أراد الله إتمام فضله ... فأخلاقه أرض وجدواه أمطار
له بدهات حين لا ينطق الورى ... ورأي إذا ما استعجز السيف بتّار
ولم أرَ بحراً قطّ يدعى بجعفر ... سواه وإلاّ فالجعافر أنهار
كنت قد نظمت من قصيدة ببغداد قبل أن أسمع بهذا الشعر واعتقدت أني ابتكرت المعنى:
وأعجب منه كيف سمي جعفراً ... وراحته بحر الندى يردونه
وقال:
ألا ساعة يمحو بها الدهر ذنبه ... فقد طال ما أشكو وما أتبرّم
فلم أر مثلي بين عينيه جنة ... وبين حشاه والتراقي جهنّم
عبد الله السمسطي
كان معاصر أبي الصّلت بالمهدية، وممدوحهما واحد. قال من قصيدة في مدح يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب المهدية وهي:
وإن لأبكاري عليك تبرجاً ... وحق لها إذ حسن قدّك يجتلي
وحيث بفضل البحتري توكّلا ... على ملك أعلى من المتوكّل
وقد أبطل في القول فما بلغ درجة المتوكل أحد:
وأشعرت شعري أن مدحك فرضُه ... فلم يبق فيه حصّة للتنقّل
وكدت وإني إن أمِرْتُ لَفاعِلٌ ... أحرّم ألفاظ الهوى والتغزّل
стр. 210
الأمير تاج الدّولة جعفر
ابن الأمير ثقة الدولة ملك صقلية: وجدت في تعليق المصريين، وقد كتب في سنة سبع وعشرين وخمسمائة أحسن ما سمع لأهل عصرنا من الارتجال قول هذا الأمير وقد رأى غلامين على أحدهما ثوب ديباج أحمر وعلى الآخر ثوب ديباج أسود، فقال:
أرى بدرين قد طلعا ... على غصنين في نسق
وفي ثوبين قد صبغا ... صباغ الخد والحدق
فهذا الشمس في شفق ... وهذا البدر في غسق
أبو سليمان بن هبة الله الكاتب
كتب الى أبي الحسن علي بن عبد الرحمان ابن أبي البشر الأنصاري الصقلّي:
فديتك ما هذا القلى والتجنب ... فإن تك ذا عتب فإنّي معتب
وإن تكن الأخرى فعد لي إلى الرضا ... فودّك لي من بارد الماء أعذب
وإن اصطباري عنك صعب مرامه ... ولا سيما في حين نلهو ونلعب
стр. 211
فأجابه علي ابن أبي البشر:
وعيشك مع علمي بأنّك تمزح ... لقد نالني من ذاك وجد مبرّح
ووالله ما فارقت أمرك ساعة ... وما لي عما ترتضي متزحزح
وإني على قرب المزار وبعده ... حليف اشتياق ليس ينأى فيبرح
فلا عيش لي إلا بظلّك يجتنى ... ولا لهو لي إلا بزندك يقدح
وما كان إلا ما تحقّقت علمه ... على أنّني منه الى الغدر أجنح
ولكنّني من بعد ذا لابك الأذى ... حليف ضنى أمسي به ثم أصبح
فأجابه أبو سليمان الكاتب:
عتاب المحب ليس في الود يقدح ... أكان مجدّاً فيه أم كان يمزح
ووالله ما لي يوم بعد لذّة ... ولا لي نشاط والمسرّة تسنح
فمن لي أن أعصى إذا ما هجرتني ... وهل يمكننّي في البِعاد التّسمّح
أبا حسن إنّي بودّك واثق ... فلا قادح بيني وبينك يقدح
ويا ليت لي شكواك أحمل ثقلها ... وتمسي مُعافَى من أذاها وتصبح
وقد جاءني وعد علقت بذيله ... فحققه لي فالعين نحوك تطمح
стр. 212
أبو بكر يحيى بن بقيّ القرطبي الأندلسي
الشاعر، توفي سنة أربعين وخمسمائة. أنشدني عبد الله المغربي قال أنشدني أبو عبد الله ابن مطرّز المغربي لابن بقي قطعة استحسنت هذا البيت فيها وهو:
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على فراش خافق
وتمام القطعة:
بأبي غزال، غازلته مقلتي ... بين العذيب، وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوى ... فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجّة ... ومن النّجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا أخذت به سنة الكرى ... زحزحته عنّي وكان معانقي
стр. 213
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عهده ... قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفاً ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وأورده عثمان ابن بشرون المهدوي في كتابه المختار، وذكر أنه ذو النظم الرائق المليح، وإن جلّ شعره في التوشيح، وله ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة، ومثلها قصائد ومقطعات منقّحة. أورد لابن بقي هذه القصيدة مصححة:
منازل لك يا سلمي بذي ضال ... هيّجن لاعج أوصابي وبلبالي
تعاقرتها الليالي بعد قاطنها ... بماجنين لها ساف وهطّال
هنّ المنازل قد أودت معالمها ... وبدّلت من برود سحق أسْمال
وإن عهدت بها الآرام كامنة ... لله ما هاجني من رسمها البالي
كالوشم في أذرع كالوحي في صحف ... كالحبل في حلل، أفضت لإحلال
لم يبق مما يهيج الشوق باقية ... إلا تلوّم عشاق بأطلال
стр. 214
حقاً سلوت ولم تحفظ عهودهم ... وإنما ذاك فعل الخائن السالي
هلا حننت الى ربع أقمت به ... مع الكواكب في تجرير أذيال
وكم قضيت مع الحسناء في أرب ... الدهر قد نام عنا نوم إغفال
تضمنا حيث لا يدري الرقيب بنا ... زنجية بالدراري جيدها حالي
كأنما البدر إذا عمّ البلادَ سنا ... ملك تطلع من إيوانِه العالي
فرقعة الأرض قد أبدت مساحتها ... شهب أفاضت زواياها بأشكال
ليت الغزال الذي وافى المساء به ... كانت إقامته من غير ترحال
وليت مكتوبة الظلماء ما محيت ... له بماء من الأشباح سيّال
يا مشفقاً من سقام كنت ألبسه ... أنا جنيت على نفسي وأولى لي
هي الصبابة إلا أنّها مرض ... لا قرّب الله منه يوم إبلالي
стр. 215
بيض الكواعب لا بيض القواضب لي ... فمن لصبّ مشوق رهن بلبال
دع الكماة لدَى الهيجاء بينهم ... رجم الأسنّة وارجمني بخلخال
وإن تساقوا كؤوس الموت عن حنق ... فسقِّني الريَّ من صهباء جريال
ما لي وللهمّ ليس الهم من أربي ... أنا الغني بنفسي ليس بالمال
وقد وثقت على العلات من زمني ... أن سوف ينسخ إدباري بإقبالي
أما وتبريز بختي في السيادة لا ... بكيتُ دهريَ من حط وإخمال
أليس في الأرض للطاوي مسارحها ... مندوحة بين إملال وإقبال
قالوا تغربت عن أقطار أندلس ... ومن يقيم على هون وإقلال
ما لي وإيطانها داراً وقد سئمت ... من المقام بها خيلي وأحمالي
نفضت فيها من العيش الهنيّ يدي ... وهل يعيش كريم بين بخّال
следующие страницы →