Полный текст (315 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فأجابه علي ابن أبي البشر:
وعيشك مع علمي بأنّك تمزح ... لقد نالني من ذاك وجد مبرّح
ووالله ما فارقت أمرك ساعة ... وما لي عما ترتضي متزحزح
وإني على قرب المزار وبعده ... حليف اشتياق ليس ينأى فيبرح
فلا عيش لي إلا بظلّك يجتنى ... ولا لهو لي إلا بزندك يقدح
وما كان إلا ما تحقّقت علمه ... على أنّني منه الى الغدر أجنح
ولكنّني من بعد ذا لابك الأذى ... حليف ضنى أمسي به ثم أصبح
فأجابه أبو سليمان الكاتب:
عتاب المحب ليس في الود يقدح ... أكان مجدّاً فيه أم كان يمزح
ووالله ما لي يوم بعد لذّة ... ولا لي نشاط والمسرّة تسنح
فمن لي أن أعصى إذا ما هجرتني ... وهل يمكننّي في البِعاد التّسمّح
أبا حسن إنّي بودّك واثق ... فلا قادح بيني وبينك يقدح
ويا ليت لي شكواك أحمل ثقلها ... وتمسي مُعافَى من أذاها وتصبح
وقد جاءني وعد علقت بذيله ... فحققه لي فالعين نحوك تطمح
стр. 212
أبو بكر يحيى بن بقيّ القرطبي الأندلسي
الشاعر، توفي سنة أربعين وخمسمائة. أنشدني عبد الله المغربي قال أنشدني أبو عبد الله ابن مطرّز المغربي لابن بقي قطعة استحسنت هذا البيت فيها وهو:
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على فراش خافق
وتمام القطعة:
بأبي غزال، غازلته مقلتي ... بين العذيب، وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوى ... فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجّة ... ومن النّجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا أخذت به سنة الكرى ... زحزحته عنّي وكان معانقي
стр. 213
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عهده ... قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفاً ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وأورده عثمان ابن بشرون المهدوي في كتابه المختار، وذكر أنه ذو النظم الرائق المليح، وإن جلّ شعره في التوشيح، وله ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة، ومثلها قصائد ومقطعات منقّحة. أورد لابن بقي هذه القصيدة مصححة:
منازل لك يا سلمي بذي ضال ... هيّجن لاعج أوصابي وبلبالي
تعاقرتها الليالي بعد قاطنها ... بماجنين لها ساف وهطّال
هنّ المنازل قد أودت معالمها ... وبدّلت من برود سحق أسْمال
وإن عهدت بها الآرام كامنة ... لله ما هاجني من رسمها البالي
كالوشم في أذرع كالوحي في صحف ... كالحبل في حلل، أفضت لإحلال
لم يبق مما يهيج الشوق باقية ... إلا تلوّم عشاق بأطلال
стр. 214
حقاً سلوت ولم تحفظ عهودهم ... وإنما ذاك فعل الخائن السالي
هلا حننت الى ربع أقمت به ... مع الكواكب في تجرير أذيال
وكم قضيت مع الحسناء في أرب ... الدهر قد نام عنا نوم إغفال
تضمنا حيث لا يدري الرقيب بنا ... زنجية بالدراري جيدها حالي
كأنما البدر إذا عمّ البلادَ سنا ... ملك تطلع من إيوانِه العالي
فرقعة الأرض قد أبدت مساحتها ... شهب أفاضت زواياها بأشكال
ليت الغزال الذي وافى المساء به ... كانت إقامته من غير ترحال
وليت مكتوبة الظلماء ما محيت ... له بماء من الأشباح سيّال
يا مشفقاً من سقام كنت ألبسه ... أنا جنيت على نفسي وأولى لي
هي الصبابة إلا أنّها مرض ... لا قرّب الله منه يوم إبلالي
стр. 215
بيض الكواعب لا بيض القواضب لي ... فمن لصبّ مشوق رهن بلبال
دع الكماة لدَى الهيجاء بينهم ... رجم الأسنّة وارجمني بخلخال
وإن تساقوا كؤوس الموت عن حنق ... فسقِّني الريَّ من صهباء جريال
ما لي وللهمّ ليس الهم من أربي ... أنا الغني بنفسي ليس بالمال
وقد وثقت على العلات من زمني ... أن سوف ينسخ إدباري بإقبالي
أما وتبريز بختي في السيادة لا ... بكيتُ دهريَ من حط وإخمال
أليس في الأرض للطاوي مسارحها ... مندوحة بين إملال وإقبال
قالوا تغربت عن أقطار أندلس ... ومن يقيم على هون وإقلال
ما لي وإيطانها داراً وقد سئمت ... من المقام بها خيلي وأحمالي
نفضت فيها من العيش الهنيّ يدي ... وهل يعيش كريم بين بخّال
стр. 216
وكم لئيم تجافي بي فصلت به ... إذ غرّه اللين من مسّي وتسهالي
لم ينجه أحد مني وقد كثرت ... له القصائد عن أبيات أعوال
اليوم أهللت من سلمى الى قمر ... يجلو الظلام الذي استولى على حالي
حسبي به من أبيّ الدهر مبتغض ... أرمي به الدهر رءّاباً لأبال
لا بالقنوط إذا ما الدهر أسحته ... ولا بمستكثر في الخصب مُحْتال
له من المجد أخلاق معشّقة ... من يسل عنه فإني لست بالسالي
مشبّه الناس في الفضل المبين به ... شتان ما بين صلصال وسلسال
يا من تظلّم في أيامه فغدا ... يرعى العشيم ويستسقي من الآل
إن شئت قطف الأقاحي من حدائقها ... فارم العقود على وجناء شملال
ففي يد ابن عليّ ما تؤمله ... سحاب جود كفانا كل إمحال
كأنّما الضيف إذ يحتل ساحته ... في روضة من رياض الحسن محلال
стр. 217
كم نلت منه بلا منّ ولا عدة ... من المكارم ما لم يجر في بالي
ما كنت في مدحه إذ هزه كلمي ... إلا كما شعف المهوة الطالي
أقالني من عثاري آخذاً بيدي ... ندب به أورقت أغصان آمالي
ولم تفق نفسه حتى تملكني ... بالمسترقين من بِرّ وإجمال
حملت أثقال نأي الدهر معترفاً ... إن الكريم لحمّال لأثقال
فخذ مديحاً أبا بكر يعنّ الى ... زهر النجوم ويَلقاها بإخجال
من أجل تشريفكم بالجود أرض سلا ... مات الحسود بنيران الهوى صال
سلا: بلد في المغرب.
فأصبحت من تحلّيها بسؤددكم ... كالقود أعلمته من بعد إغفال
وقد ورثت عن القاضي أبيك علا ... أضحى قسيمك فيها صنوك الغالي
وكلكم سيد يُنْمَى الى نفر ... شمّ الأنوفِ كفاة غير أكفال
стр. 218
تنافسوا في معاليهم كأنّهم ... كعوب رمح من الخطيّ عسّال
يا أيّها الدهر أغمد كل ذي شطب ... فلا سبيل الى تضييق أوصالي
إنّي استجرت بميمون نقيبته ... ماضي العزيم كريم العم والخال
إذا بدا لك في نادي عشيرته ... أبصرت أروع هوناً غير مختال
إذا جرى الذكر في حلم وفي كرم ... فما أملّ به من ضرب أمثال
أهدي له من قريضي كل شاردة ... رمح لأعزل أو حلي لمعطال
وحاش لله أن أرضى به بدلاً ... والمرء ما بين تعويض وإبدال
أو أن أكون وأيدي العيس توضع بي ... إلا الى قصده نصي وإرقالي
أما الصيام فقد قضّيت لازمه ... ولم تكله لتضييع وإهمال
وإن لوى رمضان من سروركم ... وعدا فمنجزه إقبال شوّال
ما أبتغي بهلال الفطر أرقبه ... أنت الهلال الذي يُلقى بإهلال
стр. 219
وذكره صاحب قلائد العقيان وحكى أنه بلي من الزمان بالحدثان، ومن الحظ بالحرمان، وأورد من شعره قوله:
وقالوا ألا تبكي وتلك مطيّهم ... على الشّهب يحملن الأوانس كالدمى
لئن نفدت مني الدموع تغامزوا ... وقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهدي ... إذا ما بكى القمريّ قالوا ترنما
وقوله:
عندي حشاشة نفس في سبيل ردى ... إن شنتها اليوم لم أمطل بها لغد
وكيف أقوى على السلوان عنك وقد ... ربيت حبك حتى شب في خلدي
خذها وهات ولا تمزج فتفسدها ... الماء في النار شيء غير مطرد
стр. 220
وقوله:
أكلّ بني الآداب مثلي ضائع ... فأجعل ظلمي أسوة في المظالم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها ... على عربيّ ضاع بين أعاجم
قوله من قصيدة:
وضيّعني قومي لأني لسانهم ... إذا أفحم الأقوام عند التكلم
وطالبني دهري لأني دنته ... وإني فيه غرة فوق أدهم
وقوله:
وفتية لبسوا الأدراع تحسبها ... سلخ الأراقم إلا أنها رسب
إذا الغدير كسا أعطافهم حلقاً ... طفا من البيض في هاماتهم حبب
وقوله:
أما ترى الليل قد أدهبته شمعاً ... مثل الكواكب بانت حوله حرسا
من كل ناشرة فرعاً له شعب ... عند القيام وإسبال إذا نكسا
стр. 221
تطغى إذا نهنهوها من سجيتها ... كالماء إن دفعوا في صدره انسجما
وقوله:
يا أقتل الناس ألحاظاً وأطيبهم ... ريقاً، متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهي الشمس طالعة ... ورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي يجحّده ... في خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجحد أني عبد مملكة ... مرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت به ... من فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
وقوله من قصيدة يشكو أهل المغرب وقد ذم عندهم مثواه وصفرت من نائلهم يداه:
أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حراً أبي النّفس لم أقم
وظلت أبكي بكم عذراً لعلكم ... تستيقظون وقد نمتم عن الكرم
стр. 222
فلا حديقتكم يجنى لها ثمر ... ولا سماؤكم تنهلّ بالديم
لا رزق لي عندكم لكن سأطلبه ... في الأرض إن كانت الأرزاق بالقسم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس ... جئت العراق فقامت لي على قدم
إن كان سهماً فلا تنمي رميّته ... أو كان سيفاً فمسلول على البهم
ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفت ... وحرفة وكلت بالقعدد البرم
لا يكسر الله متن الرّمح إن به ... نيل العلى وأتاح الكسر للقلم
ولا أراق دماً من باسل بطل ... ومات كل أديب غبطة بدم
أوغلت بالمغرب الأقصى وأعجزني ... نيل الرّغائب حتى أبت بالندم
ومنها:
وساقط نال من عرضي فقلت له ... إليك عنّي فليس السبّ من شيمي
أعرضت عنه ولو أنّي عرضت له ... سقيته حمة الأفعى من الكلم
وقوله من قصيدة:
لا ينفذ العزم إلا أن تنفّذه ... والسيف يكهم إلا في يد البطل
تهويمة في بساط البيد يهجعها ... أشهى إليه من التهويم في الكلل
стр. 223
ونَوبةٍ من صهيل الخيل يسمعها ... بالرّمل أطرب ألحاناً من الرمل
يا كوكباً يغرق العافون في دفع ... منه ويحترق الأعداء في شعل
لا يدرك الناس لو راموا ولو جهدوا ... بالريث بعض الذي أدركت بالعجل
стр. 224
جماعة من شعراء الأندلس العصريين
стр. 225
أوردهم ابن بشرون الصقلي المهدوي ونقلته من خطّه في مصنفه
ابن الوضّاح المرسي المعروف ب
البقيرة
وصفه بالآداب البارعة، والعلوم الجامعة، والكتابة الرائقة، والإجادة الرائعة، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو طرير الشبا، طريّ الشباب، نضير العود، نمير الشراب. قال أنشدني له محمد بن محمد اليثربي أنه أنشده لنفسه بقرطبة:
هل تذكرون غريباً عاده طرب ... من ذكركم وجفا أجفانه الوسن
أخفى لواعجه والدمع يفضحها ... فقد تساوى لديه السر والعلن
يا ويلتي كيف يبقى في جوانحه ... فؤاده وهو بالأطلال مرتهن
هل شاق صحبي ما قد شاقني سحراً ... ورقاء قد شفّها أو شفني شجن
فبت أشكو وباتت فوق أيكتها ... وبات يهفو ارتياحاً تحتها الغصن
يا هل أجالس أقواماً أحبهم ... كنا وكانوا على عهد وقد ظعنوا
ما للركائب ما تهدي لنا خبراً ... سدّت مسالكها أم صمّت الأذن
أسائل البرق هل وافى بربعكم ... وهل أناخ عليه الوابل الهتن
إن كان عادكمُ عيدٌ فربّ فتى ... بالشوق قد عاده من أجلكم حزن
قد أفردته الليالي عن أحبته ... فبات يشدوكم مما جنى الزمن
بمَ التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن
стр. 226
وقوله في الفراق:
حرام على عينيّ أن تطعم الكرى ... الى أن يعود الحي ملتئم الشعب
وكيف تنام العين بعد رحيلهم ... وقد رحل القلب المشوق مع الركب
يقولون: سلّ القلب بعد فراقهم ... فقلت: وهل قلب فيسلو عن الحب
أبو بكر محمد المرسي
ذكر أنّ أصله من إشبيلية وتهذبه بمرسية فعرف بها ونسب إليها. هو شبل عرين أسود إشبيلية لكنه غاب عن الغاب، وألقى مرساه بمرسية. وحكى ابن بشرون في كتابه، من سبب اغترابه أنه قبل أن يكتسي عذاره، ويُقْرَن بالنفسج بهاره، وبالليل نهاره، حضر في مجلس أنس أنيق نواره، وأشرقت أنواره، وغنّت أطياره، وراقت أزهاره، ودارت على الشرب عقاره، فتقدم أحدهم إليه ليَجْتَنيَ ورده، وهمّ ليجني عليه، فصدّه وردّه، ثم قبّله، وسامه ما أبى أن يفعله، ثم أخرج سكيناً فلم يخطئ بها مقتله، فيا لها من قبله، تقومت بقتله، ولذة أفضت الى ذله، فلما رفع الى قاضي البلد، أقر بالقتل وهو ماضي الجلد، وذكر الواقعة وأظهر له ما خفي فسجن شهر ثم أخرج ونفي. وذكر أن شعره خفيف الروح، متمكّن القوافي، ناهض في جو التجويد بالقوادم والخوافي، وله يد في التوشيح قوية، وكلم بالمعاني البديعة موشية، وأورد في النّحول من شعره:
стр. 227
نحولي شذّ عن باب النعوت ... فجسمي دون خيط العنكبوت
تفهّم منطقي إذ لا تراني ... فلي صوت أرض من السكوت
فألف مثل خلقي دون فلس ... وبعض الفلس طول الدهر قوتي
أبو بكر أحمد بن الجنان المرسي
الشاعر. وصفه بتدفق الطبع، وتأنق الصنع، وبلاغة الترصيع والتجويد، وبراعة التقطيع والتقصيد. وأورد له هذه القصيدة في مدح القاضي أبي بكر بن أسد الشاطبي:
ألا طرقتنا في الدجى ربة الخدر ... وقد جنحت في الأفق أجنحة النسر
ومالت الى الغرْبِ الثريا كأنّها ... مطار حمام رام نهضاً الى وكر
فهبت مع الفجر النعامى فجررت ... ذيولاً على الغيطان عاطرة النشر
لويت بها من معطفيّ صبابة ... كما لوت الصهباء أعطاف ذي السكر
فمن مبلغي والدار بالقوم غربة ... شطون، وصدق القول أجدر بالحر
عن الروض بالروحاء كيف نسيمه ... وهل جاده بعدي ملث من القطر
وهل حل قلبي في معاهد زينب ... بذات النقا أم راح في ذلك السفر
وما وسن الأجفان غرّ أصابه ... من القيظ لفح فاستظل بذي سدر
يقطع ترجيع النّغام كأنّه ... أنين محب شفّه ألم الهجر
بأحسن منها يوم أومت بلحظة ... وجادت برطب الدر من منطق نزر
стр. 228
في وصف البرق:
وممّا شجا نفسي تألق بارق ... يقدّ جلابيب الدجنّة إذ يسري
مليح إذا ما اهتاج قلت صفيحة ... من الهند أو رجم من الأنجم الزهر
ينوء به مستمطر ذو هيادب ... كما نهضت بدن الحجيج الى النّحر
الى كم أطيع القلب في طلب الصبا ... وأجهد نفسي في هوى البيض والسمر
سأثني عنان الشعر عن سبل الهوى ... الى مدحة القاضي الأجل أبي بكر
فتى أنهض الإسلام في سبل الهدى ... وصير طيّ المَعْلُواتِ الى النشر
وشيّد أركان الديانة فاغتدت ... تزاحم أشباح النعائم والنسر
حفيظ على ذات الإلاه ودينه ... مليء بما يرضيه في السر والجهر
يكشّف إظلام الخطوب بهديه ... كما صدعت جنح الدجى غرة الفجر
ويخدم أنحاء المعالي برأيه ... فيجمع بين النفع فيهنّ والضر
تحدث عن آثاره فتية السرى ... كما حدثوا في المحل عن سبل القطر
به نظمت للمجد أفراد عقده ... وتوجت الأيام كالغادة البكر
فناهيك من عقد تحلى به العلى ... وناهيك من تاج على مفرق الدهر
ألست الذي فرّجت كل عماية ... كما انفرجت سحم الغمام عن البدر
وإنّك من قوم لهم تعقد الحُبا ... وتعقد آباط المحبسة الضمر
لهم عنفوان الماء في كلّ منهل ... وإن نظرت خزر القبائل عن شزر
أسود الشرى والمرقلون الى الردى ... بحور الندى والجابرون من الفقر
في وصف القلم:
وأصفر مصقول الأديم أجلته ... فريعت متون البيض والذبل السمر
إذا استنطقت يمناك منه مُفَوّهاً ... أجاب بما تثنى به نُوَبُ الدهر
стр. 229
وإن خضبت أعلاه مجة حبره ... قضى بالحبور الجم عن ذلك الحبر
إليك أبا بكر بعثت عقيلة ... وما أن لها إلا قبولك من مهر
ولست كمن يبغي نوال ممدح ... ولو نولتني الشِّعْرَيَيْنِ يد الشعر
ودونكها غراء أما نسيمها ... فكالروض يندى أو كعنبرة السحر
بقيت مكين العزّ مقتبل العلا ... فسيح المدى سامي المراتب والذكر
وله:
خليلي من وادي اليمامة خبّرا ... هل البان في أرجائه يتأوّد
وهل سرحة القاع المريع جنابه ... تصيح إذا غنى الحمام المغرّد
وما هي إلا للوداع مواقف ... يراق بها دمع ويفنى تجلّد
فيا راكب الوجناء هل أنت مبلغ ... ديار سليمى ما أقول وأنشد
متى يلتقي جسم برامة متهم ... وجسم بأكناف العقيقين منجد
المخزومي الأعمى الغرناطي
وصفه الحكيم يحيى وقال: رأيته وهو نذل هجاء. وصفه بالإجادة في الهجاء والإغارة على الأعراض، والإصابة فيها الى الأغراض، وكان مهيب الصولة، مرهوب الجولة، مخصوصاً بالتحايا والتحف، والهدايا والطرف، وكانت وفاته في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وله في ابن أبي الخصال الكاتب:
طويس الشؤم يا ابن أبي الخصال ... لقد نكّبت عن كرم الخصال
ترغّب في النقائص والمخازي ... وتزهد في المكارم والمعالي
стр. 230
نُكِحْتَ حَزَوّراً وسلكت طفلاً ... ولم تقلع وشيبك في اكتهال
ففي وجعاك آثار الفياشي ... كما في البئر آثار الحبال
وقال:
ابن وحيد له طباع ... وقد تشين الفتى طباعه
إن ذكروا فيشلا لديه ... يرشح من جانبيه قاعه
وللمخزومي الأعمى أيضاً في هجو بعض......:
خلا نجل إبراهيم ليلاً بعرسه ... فجامعها في ساعة الدّبران
فجاءت به مأبون أشوه خلقة ... كريم عجان لا كريم بنان
وتزورّ إحدى مقلتيه لأختها ... كأنّهما عنزان تنتطحان
وما وقع المأبون من حِرِ أمّه ... الى الأرض إلا فوق رأس ختان
أبو جعفر ابن سلام الشاطبي
ذكر أنّه لم يسمع به إلا من محمد بن محمد القرطبي المعروف بابن اليثربي وأنشد له:
يا سرحة قد كان فيها مسرحي ... من تحت أغصان لها وفروع
يتهافت العشاق بين ظلالها ... ما بين مكلوم وبين صريع
стр. 231
قد عجت فيها حيث عاج بنو الهوى ... وربعت منها في رسوم ربوع
وبنفسي الرشأ الذي ودعته ... والنفس تأبى وقفة التوديع
ألصقت خدي في الوداع بخدّه ... وخلطت منه بالدموع دموعي
أبعدته من غيرة عن ناظري ... وجعلته بالحب بين ضلوعي
لما أشارت للوداع بكفها ... خضب النوى أطرافها بنجيع
ولقد طربت الى الفرات وماؤه ... متسلسل قد حيك حوك دروع
والشمس من هول المطالع تتّقي ... فرقاً وترتعد ارتعاد مروع
قد حشرجت فبدا كليلاً طرفها ... فكأنّها ألمت غداة نزوع
فشعاعها بشعاعها وغروبها ... بغروبها وطلوعها بطلوع
стр. 232
الأرقم السلمي
أورد له:
يا ذا الذي يخشى سوى من حكمه ... ما بين كاف الأمر منه ونونه
لا تخش إن الله كاف عبده ... أيخوّفونك بالذي من دونه
أبو بكر الملقّب بالقمندر
أورد له في وصف المرية:
قالوا المريّة صفها ... فقلت جبْلٌ وشيحُ
قالوا أفيها معاش ... فقلت إن هب ريح
وله في المعنى:
قالوا المرية عدن ... فقلت إذ ذاك إيه
كأنّها طست تبر ... ويبصق الدم فيه
أبو بكر محمد المعروف بالأبيض
توفي بعد سنة ثلاثين وخمسمائة. أورد له في أبي محمد الزبير صاحب مدينة قرطبة من الملثمة:
стр. 233
يا سائلي عن زبير أين مسكنه ... هيهات تطلب شمساً ما لها وضح
لا تطلبنّ زبيراً في مساكنه ... واسأل عرابة عنه حين يصطبح
نشوان يكرع في فرج وفي قدح ... والملك تحت لبان العود مطرح
يا ضيعة الجيش لن يبقى لهم سبَدٌ ... أودى السماع ببيت المال والقدح
والهندنية في حلي وفي حُلَلٍ ... بها يتم المنى واللهو والفرح
وهذا الزبير قتل في سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. استشهد في حرب الفرنج في موضع يقال له وادي الدروع:
ولأبي بكر ابن الأبيض:
يا خير مغن وأولاها بعارفة ... شكراً لنعماء عنها الدهر قد نفسا
ليهنك الفارس الميمون طائره ... لله أنت لقد أوليته قبسا
أصاخت الخيل آذاناً لصرخته ... واهتزّ كلّ هزبر عندما عطسا
تعلم الركض أيام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا
تعشق الدرع إذ شدت لفائفه ... وأنكر المهد لما أبصر الفرسا
стр. 234
محمد بن محمد يعرف بابن اليثربي
القرطبي. معظم ما يذكره ابن بشرون في المختار من الأندلسيين يرويه عنه ويذكر أنه لقيه في مدينة صقلية وقد صنف لمتملكها رجار الإفرنجي في مسالك الأرض وممالكها كتاباً كبيراً سماه نزهة المشتاق في مخترق الآفاق، ثم ألّف بعده لولده غليوم صاحب صقلية كتاباً في المعنى أكبر منه سماه روض الأنس ونزهة النفس. ووصف ابن بشرون بتوليد المعاني في الشعر وتجويدها، وتوطيد المباني في السحر وتشييدها، لا سيما في توشية التوشيح، وتوشيع نظمه المليح، فإنّه حاذق زمانه، وسابق ميدانه، وهو قريب في عصرنا هذا. وقد أورد من شعره ما يروع ويروق، ويضوع ويفوق، ويطرب ويشوق، ويحسد عقوده وسعوده العقيان والعيوق، ويصف مزجه ووهجه الرحيق والحريق. فمن ذلك قوله:
وزائر زار في الظلماء إذ هجعت ... عين الرقيب ولم يشعر بنا بشر
فقلت أهلاً وسهلاً قال من دهش ... دعني من القول إنّي خائف حذر
فقلت لا خوف إن الحي قد رقدوا ... والليل محلولك الأرجاء معتكر
ثم اعتنقنا كغصني بانة وفمي ... بين الترائب أشكو وهو معتذر
حتى إذا نمّ واشي الفجر قام وقد ... خاف الفضيحة مغتاظاً له ضجر
وقال لما اعتنقنا للوداع وقد ... رأى التياعي ودمعي مسبل همر
стр. 235
لا تَبْكِ عيناك بعدي سوف يضحكها ... مني اقتراب وزورات لنا أخَر
ثم افترقنا ولو أعطى الخيار به ... لما افترقنا ولكن عاقنا القدر
وقوله:
كم ليلة جمعتنا دار بارقة ... في عصبة من ذوي الأخطار والرتب
حيتهم الراح في ثوب معصفرة ... وقلدت جيدها عقداً من الحبب
بتنا بها والرحيق الصرف تصرعنا ... بين الجداول والأنهار والعشب
حتى أتى الصبح في جيش النهار وقد ... ولت عساكر ليل جدّ في الهرب
قمنا حيارى ندير الكأس ثانية ... بقهوة ترتمي للمزج باللهب
الى عشاء نهار عيب آخره ... بفرقة سلبتنا بردة الطرب
وقوله من أخرى:
بأبي الذي أذكى الجوانح نارا ... وفّى فوافى في الظلام وزارا
متحملاً من صرف راح نمة ... صفراء يخطف نورها الأبصارا
ناولته كأساً فظل يشجها ... متمززاً لمذاقها إطهارا
ثم استمر يسيغها وكأنّه ... ينوي العتاب ويؤثر الإسرارا
حتى إذا لوت المدام بعقله ... وسطا به والي الخمار وجارا
نبذ الوقار وقام يثني طرفه ... غضباً وأعلن بالعتاب جهارا
ما زال يسقيني مدامة عتبه ... حتى سكرت وما شربت عقارا
ونوى المسير فلم تجبه لسيره ... قدم وقيده الخمار عثارا
قبلت أخمص نعله وصددته ... عما أراد من المسير وحارا
стр. 236
منها:
حتى إذا ما الليل شمر ذيله ... وغدا الصباح يضاحك الأنوارا
نبهته من نومه وكأنّه ... شمس تجلّت للعيون نهارا
أعلمته ما كان منه بسكره ... فأتى الجحود ولازم الإنكارا
وأجاب يمزح عند آخر قوله ... من حبّ ذلّ ومن تعزّز جارا
وقوله في لزوم ما لا يلزم:
أفدي التي زارت وجنح الدجى ... منسدل تخطو بنا ساريه
أثقلها المشي فلاحت لنا ... كأنّها في ذاتها ساريه
قلت لها أمزح: من أنت ذي ... قالت أنا جئتك من ساريه
فبت مسروراً بها ليلتي ... والجوّ صاف ما به ساريه
وقوله في الزهد:
أرى كل يوم للمقيمين رحلة ... ولا شك أنّي فيهم سوف أرحل
وليس معي زاد أعد لرحلتي ... ولا لي عذر عندما أنا أسأل
وعندي ذنوب لا أقوم بعدِّها ... يقلّ لها وزن الجبال وتثقل
وليس سوى عفو الإله فإنّه ... كريم له عند الرجوع التفضّل
الأسعد ابن بليطة الشاعر الأندلسي
ذكر أنّه شاعر الأندلس، وأديبها ومصقعها وخطيبها، ووصفه بانفجار عيون الأدب بخاطره، والغوص في بحر المعاني الأبكار واستخراج جواهره،
стр. 237
والنفث في عقد السجر بنكته ونوادره، ومعظم أشعاره في بني صمادح ملوك المرية، وأنه كان سمح البديهة والرويّة، ولم يمت حتى نيف على التسعين، ونزف برشائها من ركية العمر ماءها المعين، وقد أورد من شعره ما يناسب نسيبه النسيم ويماثل مزاجه التسنيم.
فمن ذلك قوله:
دع دمي بالدمع يمزج ... والهوى بالنفس يلهج
ربّت الحزن لقلبي ... ربة الصدغ المصولج
ودجى الفرع على صب ... ح الجبين المتبلج
والقضيب المتثنّي ... والكثيب المترجرج
أحسني يا عمرة الحس ... ن فقتلي بك يسمج
وقوله:
عج بذي الأيْكتين عج ... وهج الأدهمين هج
وصل الوخد نحو من ... ترك الوجد يعتلج
وارق نجد الغوير واه ... بط على دوحة الأرج
والتمس روضة المحا ... سن في روضه البهج
فعسى أن ترى نوي ... رة والعين تختلج
وعسى غمّة الفؤا ... د بمرأى تنفرج
فدوائي بها دوا ... ئي فقل لي متى الفرج
قمر في دقائق ... من ضميري وفي درج
أيها المعرض الذي ... بات رحماه مرتج
فنهاري به ظلا ... م وليلي به حجج
стр. 238
أجملن أيها الجمي ... ل فاعراضكم سمج
وترفق بمهجة ... هي من أنفس المهج
وتحرّج فقتلنا ... في أناجيلكم حرج
فبعيسى بن مريم ... وبما فيكم نهج
والصليب الذي علي ... هـ على زعمكم عرج
وبتثليثك الذي ... ليس بالعقل يزدوج
وفصوحاتك التي ... بك تزهى وتبتهج
يوم يأتون بالدوا ... جن والصلب والسرج
والسواقين في الأنا ... شيد كالطير في الهزج
وبأجفانك التي ... هي للسحر والدعج
وبخدين كالعقي ... ق وصدغين كالسبج
وبثغر وددت لو ... ثلج الصدر بالفلج
وبأعطافك التي ... طوت الخصر فاندمج
وبزنّارك الشحي ... ح وخلخالك الحرج
عطفة عطفة على ... مستهام بكم لهج
دينه في هواكم ... دون أمت ولا عوج
قل لمن لجّ في الملا ... م وتَهْيامُنا ألج
كيف أسطيع ترك من ... هو بالنّفس ممتزج
فالهوى في نويرة ... غرق العين في لجج
وفؤادي الى نوي ... رة ما دمت منزعج
وقوله:
ليل حبي فيك داج ... فاجعل الوصل سراجي
فبمنآك اكترابي ... وبلقياك ابتهاجي
стр. 239
وبقلبي نار شجو ... وكذاك البعد شاج
وهوى العشاق يرجو ... وهوانا غير راج
واحتياج الناس شتّى ... ولكم كل احتياجي
والهوى حين ومن ين ... ج فإنّي غير ناج
وقوله:
بنفسي من دهري إذا غاب ليلة ... محيّاه حيّاه الإلاه سراجها
إذا رمت عنه الصبر عزّ مرامه ... وإن لمت فيه النفس زاد لجاجها
وكيف بقلبي أن يسكن لوعة ... أبى الشوق إلا أن يدوم اهتياجها
وقوله من قصيدة في صفة الديك:
وقام لنا ينعي الدجى وشقيقه ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا
إذا صاح أصغى سمعه لندائه ... وبادر ضرباً من قوادمه الإبطا
ومهما أطابت نفسه قام صارخاً ... على خيزران نيط من ظفره خرطا
كأنّ أنوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كفّ مارية القرطا
стр. 240
ومنها في العذار:
أرى صورة المسواك في حمرة اللهى ... وشاربك المخضرّ بالمسك قد خطّا
عسى قُزَحٌ قبّلته فإخاله ... على الشّفة اللمياء قد جاء مختطّا
توهّم عطف الصّدغ نوناً بخدّها ... فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا
وقوله:
من لمشتد لوعتي بانفراج ... ولممتدّ كربتي بابتهاج
من مجيري من أجوَر الناس حكماً ... وعَذيري من داء صعب العلاج
يجمح القلب فيه أي جماح ... وتلج الدموع أي لجاج
فضلوعي كالجاحم المتلظّي ... ودموعي كالوابل الثّجاج
برشا القصر لا رشا القَفْرِ أصبحْ ... ت ويومي شبيه ليلي داج
وجفوني من فقده في ظلام ... وبتخييل طرفه في سراج
قمر للقنا لديه نجوم ... ولمجرى الجياد ليل عجاج
وقوله:
بنيت للمنى لعل وليْت ... ولشكوى الغرام كيت وكيْت
فبماذا تعللي من معلّ ... مؤيس من جنابه ما ارتجيت
قد شجاني جفاؤه وبراني ... وطواني من حبّه ما طويت
فيخال العذول أني حي ... وأنا من هوى نويرة ميت
стр. 241
فهي ظبي له فؤادي كناس ... وهي شمس لها ضلوعي بيت
فرعى الله بالغوير مقيماً ... لا يراعي من حبّه ما رعيت
عجباً للجمال دلّه لبّي ... بعدما طعت للهوى فارعويت
فبقصر اللوى رأيت محباً ... سلب اللب منه ما قد رأيت
أسفر الصبح منه إذ سفر النق ... ب فأجلى تصبري ما اجتليت
وكميت الصبا تميل بعيني ... هـ وعطفيه لا العقار الكميت
ليتني ما رميت أسهم لحظي ... ففؤادي أصبت حين رميت
لذّ لي ما جنيت من وجنتيه ... وعلى ناظري جنا ما جنيت
ومنها:
واتباع الهوى ضلال وإنّي ... لو تهدّيت للسلوّ اهتديت
أيها المبعدي ونفسي لديه ... هات نفسي فيا لها منك هيت
وقوله:
قلبي في ذات الأثيلات ... رهين لوعات وروعات
فعرسا من عقدات اللوى ... بالهضبات الزهريّات
وعرّجا يا فتيي عامر ... بالفتيات العيساويات
فإن بي للروم رئمية ... تكنس ما بين الكنيسات
أهيم فيها والهوى ضلة ... بين صواميع وبيعات
وفي ظباء البدو من يزدري ... بالظبيات الحضريات
أفصح وحدي يوم فصح لهم ... بين الأريطى والدويحات
стр. 242
وقد أتوا منه الى موعد ... واجتمعوا فيه لميقات
بموقف بين يدي أسقف ... ممسك مصباح ومنساة
وكل قس مظهر للتقى ... بآي إنصات وإخبات
وعينه تسرح في عِينِهمْ ... كالذئب يبغي فرس نعجات
وأي مرء سالم من هوى ... وقد رأى تلك الظبيات
فمن خدود قمريات ... على قدود غصينات
وقد جلوا صحف أناجيلهم ... بحسن ألحان وأصوات
والشمس شمس الحسن من بينهم ... تحت غمامات لثامات
وناظري مختلس لمحها ... ولمحها يضرم لوعاتي
ففي الحشا نار نويرية ... صليها منذ سنيات
لا تنطفي وقتاً فكم رمتها ... بل تلتظي في كل أوقات
فحي عنّي رشأ المنحنى ... وإن أبى رجع تحيات
قوله:
نأت باصطباري مثلها يصل النأيا ... ولم ترع مني هائماً يدمن الرعيا
وفي الجنة الالفاف للحسن جنة ... تلازم أنهار الدموع بها جريا
وفي شرع التثليث فرد محاسن ... تنزل شرع الحب من طرفه وحيا
وأذهل نفسي في هوى عيسوية ... بها ضلت النفس الحنيفية الهديا
غزالية المرأى هلالية الرنا ... منارية المجلى نوارية اللقيا
رمتنا بألحاظ تلذ سهامها ... فيا ليتها في القلب لم ترم الرميا
ومن لجفوني بالتماح نويرة ... فتاة هي المردى لنفسي والمحيا
стр. 243
سبتني على عهد من السلم بيننا ... ولو أنّها حرب لكانت هي السَّبْيا
فقد صاد ليثَ الغاب ظبيُ كنيسة ... فاعجب به ليثاً وأعجب به ظبيا
ومن أشعاره في الأوصاف والتشبيهات قوله في وصف الياسمين والنارنج معاً:
قد أعجز الياسمين حسناً ... فويق نارنجه صفاتي
كأنّه لؤلؤ نظيم ... فوق ثديّ مزعفرات
أو كفراش اللجين صيغت ... على كرات مذهبات
وقوله:
وروضة غنّاء أزهارها ... معلنة أسحار هاروت
رَوْحاءُ في ضفّتي جدول ... كأنّه أزرق ياقوت
والكأس تجري منه في زورق ... كأنّها البِرْجِيسُ في الحوت
وقوله في الخمر:
أشرقت في الكؤوس هذي المدام ... وأنارت حتّى أنار الظلام
فاسقنيها مسنة إن تمشت ... في عظام المسنّ فهو غلام
فبها للسرور فيك احْتِلالٌ ... وبها للهموم عنها انهزام
ولابن بلّيطة:
سكران لا أدري وقد وافى بها ... أمن الملاحة أم من الجريال
تتنفّس الصهباء في لهواته ... كتنفّس الريحان في الآصال
وكأنّما الخِيلانُ في وجناته ... ساعات هجر لا زمان وصال
стр. 244
وقوله:
جرت بمسك الدّجى كافورة السَّحَر ... فغاب إلاّ بقايا منه في الطُّور
صبح يفيض وشخص الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجيّ في نهر
قد حار بينهما عن برزخ قمر ... يلوح كالشّنف بين الخدّ والشَّعر
وقال في مجدور الوجه:
من رأى الورد تحت قطر نداه ... لم يعب فوق وجنتي جدريّا
أنا شمس أردت في الأرض شيئاً ... فنثرت النجوم فوقي حُليّا
وقوله ينسب الى غيره:
لبسوا من الزرد المضاعف نسجه ... ما قد طفا للبيض فيه حباب
صفٌّ لحاشية الرّداء يؤمه ... صفّ القنا فكأنّه هدّاب
وإليه ينظر قول ابن خفاجة:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب يحفّ بمقلة زرقاء
وقوله في تهيّب المحبوب:
ألا بأبي رشأ مرّ بي ... وكنت الى لمحه شيّقا
فمادت بي الأرض من هيبة ... فكاد ذمائي أن يزهقا
كأني موسى دعا ربّه ... فألزمه الروع أن يصعقا
وقوله في العناق:
ألا بأبي ليلة أسمحت ... بوصل لذيذ الجنى والمذاق
فبتّ وجسمي بها لاصق ... عناقاً لصوق السها بالعناق
стр. 245
أبو عبد الله محمد بن عثمان
المعروف بابن الحداد من شعراء المغرب المتأخّرين. سألت القاضي الفاضل عنه، وقوله حجة، فقال: كان في الصمادحية وهو أديب فاضل وله القصيدتان المهموزتان وكل واحدة أكثر من مائة بيت وليس في العرب أشعر منه. ووجدت له في مجموع من قصيدة في ابن صمادح الفهري:
لعلّك للوادي المقدّس شاطئ ... فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ
ولي في السّرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافئ
لذلك ما حنت ركابي وحمحم ... عرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني أو لعلها ... الى الوخد من نيران وجدي لواجئ
стр. 246
رويداً فذا وادي لبيني وإنّه ... لورد لباناتي وإني لظامئ
ويا حبّذا من آل لبنى مواطن ... ويا حبّذا من أرض لبنى مواطئ
ميادين تهيامي ومسرح خاطري ... فللشوق غايات بها ومبادئ
فلا تحسبوا غيداً حوتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمنتها جآجئ
محا ملّة السلوان مبعث حسنها ... فكل الى دين الصبابة صابئ
وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم ... دموع هوام والجروح مآفئ
وداريت إعتاباً ودارأت عاتباً ... فلم يغني أني مُدارٍ مُدارئ
ولازمت سمت الصمت لا عن فدامة ... ولي منطق للسمع والقلب مالئ
ومنه:
ولولا حلى الدين ابن معن محمد ... لما برحت أصدافهن اللآلئ
стр. 247
لآلئ إلا أن ذهني غائض ... وعلمي دأماء ونطقي شاطئ
ولولاه كانت كالنسيء وخاطري ... لها كفُقَيم للمحرم ناسئ
هو الحبّ لم أخرجه إلا لمجده ... ومثلي لا علاق النفاسة خابِئُ
كأنّ علاه دولة أموية ... وما ناب من خطب عمير وضابئي
وإن يمسس العاصين قرحك آنفاً ... فأيدي الوغى عما قليل توالئ
عسوا فعصوا مستنصرين بخاذل ... وأخذل أخذ الحين ما منه لاجئ
وشهب القنا كالنقب والنقع ساطع ... هناء وأيدي المقربَات هوانئ
يعود تخضيب النصول وإن رأى ... نصولخضاب فالدمء برايئُ
وله:
أربرب بالكثيب الورد أم نشأ ... ومعصر في اللثام الورد أم رشأ
стр. 248
وباعث الوجد سحر منك أم حور ... وقاتل الصبّ عمدٌ منك أم خطأ
وقد هوت بهوى نفسي مها سبأ ... وهل درت مضر من تيمت سبأ
كأن قلبي سليمان وهدهده ... لحظي وبلقيس لبنى والهوى النبأ
فاعجب لهم وتروا نفسي وما شعروا ... ولا دروا من بعيني ريمهم وجأوا
جلالة لسليمان وملتمح ... ليوسف يوم للنسوان متّكأ
ومنها:
تحيد عن أفقك الأملاك مجفلة ... ولا تُحَوّمُ حيث اللقوة الحدأ
وما صوارمهم إبلاً وقد سرحوا ... وليس إفرندها عرا وقد هنئوا
وله:
هم في فؤادك خيموا أو قوضوا ... ومنى جفونك أقبلوا أو أعرضوا
وهم رضاك من الزمان وأهله ... سخطوا كما زعمت وشاتك أم رضوا
أهواهم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض
стр. 249
ينهى النهى عنهم ويأمرني الهوى ... والنفس تعرض والمنى تتعرض
وفويق ذاك الماء من شهب القنا ... جثث ومن حصر الصوارم عرمض
ومنها بيت أنشدنيه القاضي الفاضل:
الناس أغربة إذا قايستهم ... وأخو المصافاة الغراب الأبيض
وقال:
واصل أخاك وإن أتاك بمنكر ... فخلوص شيء قلّما يتمكّن
ولكل حسن آفة موجودة ... إن السراج على سناه يدخن
وقال من قصيدة في تشبيه الرمح والنبل:
والسّمر من قلب القلوب مواتح ... وكأنّها موصولة الأشطان
والنّبل في حلق الدلاص كأنّها ... وبل الحيا في مائج الغدران
وقال من قصيدة:
أما أنها الأعلام من هضباتها ... فكيف تكف العين عن عبراتها
دراني وإذراء الدموع لعله ... يسكن ما قد هاج من ذكراتها
فقد عبقت ريح النعامى كأنّها ... سلام سليمى فاح من نفحاتها
وتيماء للقلب المتيم منزل ... فعوجا بتسليم على سلماتها
стр. 250
مشاعر تهيام وكعبة فتنة ... فؤادي من حجاجها ودعاتها
فكم صافحتني في مناها يد المنى ... وكم هبّ عرف اللهو في عرفاتها
عهدت بها أصنام حسن عهدنني ... هوى عبد عزّاها وعبد مناتها
وقال:
أهل بأشواقي إليها وأتّقي ... شرائعها في الحب حق تقاتها
فتى البأس والجود اللذين تباريا ... الى غاية حازا له قصَباتها
تدين يداه دين كعب وحاتم ... فحتم عليها الدهر وصل صلاتها
يجاهد في ذات الندى بيت مالها ... ولا جيش إلا من أكف عفاتها
إذا البِدَرُ انثالت عليهم تخالها ... بأيدي مواليها رؤوس عداتها
وقال من قصيدة:
تكاد تغني إذا شاهدت معتركاً ... عن أن يسل حسام أو يُسال دَم
بلحظة منك تثني القِرن منعقراً ... كأن لحظك فيه صارم خذم
أقدمت حيث الكماة الشّوس محجمة ... وجدت حيث المنايا السود تزدحم
وما احتدى الموت نفساً من نفوسهم ... إلا وسيفك كعب الجود أو هرم
منها في وصف هام المصلبين:
وقد تلم بها الغربان واقفة ... كأنّها فوق مخلوقاتها لمم
следующие страницы →