← Тараджим

Тараджим · id 12860

طبقات الشافعيين

ابن كثير

Полный текст (907 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أفعالهم، وها أنا ذا تائب من الاعتزال، معتقد الرد على المعتزلة، مبينا لفضائحهم، ثم شرع في الرد عليهم، والتصنيف على خلافهم، ودخل بغداد، وأخذ من زكريا الساجي أحد أئمة الحديث والفقه، وعن أبي خليفة الجمحي، وسهل بن سريج، ومحمد بن يعقوب، وعبد الرحمن بن خلف الضبي البصريين، وروى عنهم كثيرا في تفسيره، وصنف في حال اعتزاله، بعد رجوعه عن اعتزاله الموجز، وهو ثلاث مجلدات، كتاب مفيد في الرد على الجهمية والمعتزلة، ومقالات الإسلاميين، وكتاب الإبانة. وقال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف، في الرد على الملحدة، وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة، وهو بصري سكن بغداد إلى أن توفي بها، وكان يجلس في أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه في جامع المنصور، وقد جمع الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر له ترجمة حسنة، ورد على من تعرض لأبي الحسن الأشعري بالطعن، وذكر فضائله، ومصنفاته، وإكبابه على العلم، ومتابعته في كتبه المذكورة للسنة، وانتصاره لها، وذبه عنها، وممن أخذ عن الشيخ أبي الحسن الأشعري: ابن مجاهد، وزاهر بن أحمد، وأبو الحسن الباهلي، وأبو الحسن عبد العزيز بن محمد بن إسحاق الطبري، وأبو الحسن علي بن أحمد بن مهدي الطبري، وأبو جعفر الأشعري النقاش، وبندار بن الحسن الصوفي، وغيرهم. قال بندار، خادم الأشعري: كانت غلة أبي الحسن من ضيعة وسمعته، يقول: كنت أنا فِي جنب أبي الحسن الأشعري. كقطرة فِي جنب بحر،

стр. 212

وقال القاضي الباقلاني: أحسن أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن الأشعري، قلت: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري، ﵀، ثلاثة أحوال، أولها: حال الاعتزال، التي رجع عنها لا محالة، والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الجبرية كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك، والحال الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف، ولا تشبيه، جريا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا، وشرحه القاضي الباقلاني، ونقلها أبو القاسم ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني، وإمام الحرمين، وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدمين، في أواخر أقوالهم، والله أعلم. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا علي الدقاق، يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه، يقول: مات الأشعري، ورأسه في حجري، وكان يقول شيئا في حال نزعه من داخل حلقه، فأدنيت إليه رأسي، وكان يقول: لعن الله المعتزلة، موهوا وحرفوا. وقال الحافظ أبو حازم العبدوي: سمعت زاهر بن أحمد، يقول: لما حضر أبو الحسن الأشعري في داري ببغداد أتيته، فقال: اشهد علي، أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وهذا كله لاختلاف العبارات. قلت: مولد أبي الحسن الأشعري، ﵀، سنة ستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين ومائتين، والأول أشهر، قال الأستاذ أبو بكر بن فورك، والحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب، وأبو محمد بن حزم: ومات سنة أربع وعشرين وثلاث مائة. وقال غيرهم: سنة ثلاثين , وقيل: سنة نيف وثلاثين وثلاث مائة، وقيل: سنة عشرين،

стр. 213

وقفها جدهم بلال بن أبي بردة على عقبه، وكانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، وقال أبو بكر الصيرفي، أحد أئمة الشافعية: كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم، حتى أشهر الله الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم، وقال أبو عمر الزردجاهي: سمعت أبا سهل الصعلوكي، يقول: حضرنا مع الأشعري مجلس علوي بالبصرة، فناظر أبو الحسن المعتزلة، وكانوا كثيرا حتى أتى على الكل فهزمهم، كلما انقطع واحد أخذ الآخر حتى انقطعوا، فعدنا في المجلس الثاني فما عاد أحد، فقال بين يدي العلوي: يا غلام اكتب على الباب، فَرُّوا، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: سمعت أبا عبد الله بن حسناء، يقول: دخلت البصرة وكنت أطلب أبا الحسن، فإذا هو في مجلس يناظر، وثَمَّ جماعة من المعتزلة، فكانوا يتكلمون، فإذا سكتوا وأنهوا كلامهم قال كذا وكذا، قلت: كذا وكذا، والجواب كذا وكذا، إلى أن يجيب الكل فلما قام تبعته، فقلت: كم لسان لك؟ وكم أذن لك؟ وكم عين لك؟ فضحك. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: قرأت بخط علي بن بقي المصري المحدث، في رسالة كتب فيها أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي جوابا، لعلي بن أحمد بن إسماعيل البغدادي المعتزلي، حتى ذكر الأشعري، ونسبه إلى ما هو منه برئ، فقال أبو محمد بن أبي زيد في حق الأشعري: هو رجل مشهور أنه يرد على أهل البدع، وعلى القدرية الجهمية متمسك بالسنن، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: كنت في جنب أبي الحسن الباهلي كقطرة في جنب البحر،

стр. 214

والأول أشهر، والله أعلم. وقد أطنب الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر، ﵀، في ترجمة الأشعري، وبالغ وأفاد فجمع مجلدا في ذلك، وذكر من ينسب إلى مذهبه من العلماء من بعده، فذكر عامتهم من الشافعية، وهذا هو الذي حملني على ذكره في طبقات الشافعية، ليعرف زمانه وفضله ومحله، والله يرحمه آمين، وأيضا فإنه أخذ العلم عن زكريا ابن يحيى الساجي، وقد تقدم ذكره في أصحاب الشافعي، وجالس الشيخ أبا إسحاق المروزي أيام الجمعات، قاله الخطيب البغدادي، وحكى الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، وهو أحد أئمة الشافعية، عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، أنه كان يقرأ على أبي إسحاق الفقه , وهو يقرأ على أبي الحسن الكلام، والله أعلم. قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ الْكَبِيرِ بَقِيَّةِ السَّلَفِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْحَجَّاجِ يُوسُفَ ابْنِ الزَّكِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْمِزِّيِّ، ﵀، فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِ مِائَةٍ: أنا الإِمَامُ تَاجُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ابْنُ الْقَاضِي الإِمَامِ الْعَلامَةِ شِهَابِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ ابْنِ الْقَاضِي شِهَابِ الدِّينِ أَبِي الْفَضَائِلِ الْمُطَهِّرِ ابْنِ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ أَبِي سَعْدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ التَّمِيمِيُّ الْمَوْصِلِيُّ الشَّافِعِيُّ، يُقْرِئُنِي عَلَيْهِ: أَخْبَرَتْنَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ الْمُؤَيَّدِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّعِيرِيِّ، إِجَازَةً، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ، إِجَازَةً أَيْضًا، أنا الشَّيْخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَسْعَدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: ذُكِرَ مَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ إِمَامِنَا أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيِّ، أنا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَلِي عَنْهُ إِجَازَةٌ، ثنا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عُمَرَ الْمَالِكِيُّ قَاضِي إِصْطَخْرَ، قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، ثنا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ بِبَغْدَادَ، فِي مَسْجِدِ أَبِي

стр. 215

إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، ثنا بُنْدَارٌ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ ، قَالَ: «السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ» ، ورواه البخاري، عن آدم بن أبي إياس، عن عبد الرحمن بن أبي ذئب بإسناده نحوه وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِي أُعْطِيتُهَا» وبه قال: ثنا زكريا الساجي، ثنا ابن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن إسماعيل السدي، عن عبد خير، على ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] ، قال: فاتحة الكتاب، وَبِالإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَسْعَدَ بْنِ مَسْعُودٍ الْعُتْبِيِّ، قَالَ: أنا الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: ثنا الإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعِجْلِيُّ: أنا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ، ثنا سُفْيَانُ، أنا الْعَلاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ: " قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ، قَالَ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، قَالَ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» . إِلَى آخِرِهِ، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري من طريق العلاء به وبه إلى العتبي، قال: أنا الإمام أبو منصور البغدادي، قال: سمعت عبد الله

стр. 216

بن محمود بن طاهر الصوفي، يقول: رأيت أبا الحسن الأشعري في مسجد البصرة، وقد أبهت المعتزلة في المناظرة، فقال له بعض الحاضرين: قد عرفنا تبحرك في علم الكلام، فإني أسألك عن مسألة ظاهرة في الفقه، فقال: سل عما شئت، فقال: ما تقول في الصلاة بغير فاتحة الكتاب؟ فقال: ثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثنا عبد الجبار، ثنا سفيان، حدثني الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ثم قال الأشعري: وثنا زكريا، ثنا بندار، ثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، حدثني أبو عثمان، عن أبي هريرة، ﵁، قال: أمرني رسول الله، ﷺ ، أن أنادي بالمدينة: أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، قال: فسكت السائل، ولم يقل شيئا، أما الحديث الأول من هذين الحديثين، فهو مخرج في الصحيحين، من حديث الزهري، وأما الثاني: فرواه أبو داود من حديث يحيى بن سعيد القطان، بإسناده عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال لي رسول الله، ﷺ : «اخرج فناد في المدينة، أنه لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد» علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي القاضي أبو عبيد بن حربويه قاضي مصر أحد أصحاب الوجوه المشهورين، سمع الحديث من أحمد بن المقدم العجلي، والحسن بن عرفة، والحسن بن محمد الزعفراني، وزيد بن أخزم،

стр. 217

ويوسف بن موسى، وعنه: وأبو بكر ابن المقري، وأبو عمر بن حيويه، وعمر بن شاهين، وجماعة. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: هو قاضي مصر، أقام بها طويلا، وكان شيئا عجيبا ما رأينا مثله، ولا قبله، ولا بعده، وكان تفقه على مذهب أبي ثور، واستعفى من القضاء، فعزل سنة إحدى عشرة وثلاث مائة، فذهب وأقام ببغداد وكان ثقة ثبتا، وقال البرقاني: ذكرته للدارقطني، فذكر من جلالته وفضله، وقال: حدث عنه النسائي في الصحيح، ولم يحصل منه حرف، وقد كتبت الحديث قبل موته بخمس سنين. وقال ابن زولاق في تاريخ القضاة بمصر: إنه كان عالما بالاختلاف، والمعاني، والقياس، عارفا بعلم القرآن والحديث، فصيحا عاقلا عفيفا، قَوَّالا بالحق، سمحا متعصبا، وكان قد ولي قضاء واسط قبل مصر، وذكر أن أمير مصر تكين كان يأتي إلى مجلس القاضي أبي عبيد، فلا يقوم له القاضي عن أمره له في ذلك، وإذا جاء القاضي إلى مجلس الأمير تكين قام له ومشى خطوات، وذكر أنه ولي قضاء مصر ثماني عشرة سنة من ثلاث وتسعين إلى سنة إحدى عشرة، وكان في وجهه جدري، ولم يكن منظره بذلك، ولكن كان من فحول الرجال، وكان رزقه في كل شهر مائة وعشرين دينارا، قال: وهو آخر قاض ركب إليه الأمير، وكان يقول: ما يقلد إلا عصبي، أو غبي، وجميع أحكامه بمصر باختياراته، وكان أولا يذهب إلى قول أبي ثور، وكان يورث ذوى الأرحام، وذكر عنه حكايات تدل على عقل تام، وعفاف وكرم، وقال أبو بكر بن الحداد: سمعت أبا عبيد القاضي، يقول: ما لي وللقضاء لو أقتصر على الوراقة، ما كان حظي بالردي، قال الخطيب

стр. 218

البغدادي: توفي في صفر سنة تسع عشرة وثلاث مائة، وصلى عليه أبو سعيد الإصطخري، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مختصرا، قال ومنهم: القاضي أبو عبيد بن حربويه، مات سنة سبع عشرة وثلاث مائة، ولم يزد على هذا، ومن مفرداته: أنه هو، وإبراهيم بن جابر من الأصحاب، أول من حدد القلتين بخمس مائة رطل، وتبعهما جمهور الأصحاب، ومنها: أنه منع من جواز تعجيل الزكاة، حكاه عنه الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والمحاملي في المجموع، وهو في الروضة أيضا، ومنها: أنه جوز لمن عليه كفارة الظهار بالصيام، أن يصوم رمضان بنية رمضان وعن الكفارة، ويصوم معه شهرا، وقد أجازه، وهذا غريب جدا، وخلاف الجمهور، ومنها: أنه ألزم من أخرج جناحا إلى الطريق، أن يكون بحيث يمر تحته الفارس ناصبا رمحه، والجمهور يقولون: يكفيه أن يمر تحته المحمل والكثبة. محمد بن إبراهيم بن المنذر أبو بكر النيسابوري الفقيه نزيل مكة، أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدي بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام، ككتاب الإجماع والإشراف في معرفة الخلاف، وكتاب الأوسط، والتفسير، وغير ذلك من المصنفات، وكان على نهاية في معرفة الحديث وخلاف العلماء، له اختيار برأيه وكان مجتهدا لا يقلد أحدا، وسمع الحديث من

стр. 219

محمد بن ميمون، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، وعنه: أبو بكر ابن المقري، ومحمد بن يحيى ابن عساكر الدمياطي، والحسن بن علي بن شعبان، وأخوه الحسين وآخرون، وقد ذكره في طبقات الشافعية: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأرخ وفاته سنة تسع، أو عشر وثلاث مائة، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا ليس بشيء؛ لأن ابن عمار لقيه سنة ستة عشرة وثلاث مائة. قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ، ﵀، أنا الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ: أنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ بْنُ كَامِلِ بْنِ سَالِمٍ السَّرُوجِيُّ الْمُعَبِّرُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سُبَيْعٍ، أنا الإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْمِصِّيصِيُّ، ثنا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيُّ، أنا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الصَّقَلِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأحرانِيُّ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْرَانَ الصَّيْرَفِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيُّ، ﵀، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَضَى عَنْ يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَخَرَجَ إِلَى الصَّفَا، هذا قطعة من الحديث الطويل في المناسك، وهو ما تفرد بإخراجه مسلم دون البخاري محمد بن إدريس بن الأسود التجيبي مولاهم أبو عبد الله المصري، ويعرف ببقرة يونس لكثرة صحبته يونس بن عبد الأعلى، وجواره له، روى عنه، وعنه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات، قال ابن يونس: توفي في جمادى

стр. 220

الآخرة سنة تسع وثلاث مائة. محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم أبو العباس السراج النيسابوري الحافظ محدث خراسان وسيدها، رأى محمد بن يحيى الذهلي، وسمع من إسحاق بن راهويه، وداود بن رشيد، وقتيبة، ومحمد بن عمرو زنيج، وأبي كريب، وخلق، ومن أهل الطبقة التي بعدهم، فروى عنه: البخاري، ومسلم في غير الصحيحين، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي الدنيا، وهم من شيوخه، وخلق آخرون، منهم: أبو العباس بن عقيدة، وأبو حاتم بن حبان البستي، وأبو عمر بن حمدان، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو إسحاق المزكي، وآخرهم موتا: أبو الحسين الخفاف. قال الغمام أبو سهل الصعلوكي: ثنا أبو العباس محمد بن إسحاق، الأوحد في وقته، الأكمل في ورعه، وقال أيضا: كنا نقول: السراج كالسِّراج، وقال إسحاق للمزكي: سمعته، يقول: ختمت عن رسول الله، ﷺ ، اثنتي عشرة ألف ختمة، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية. وقال محمد بن أحمد الدقاق: رأيته يضحي في كل أسبوع، أو أسبوعين، أضحية عن رسول الله، ﷺ ، ثم يصيح بأصحاب الحديث فيأكلون، وذكر الحاكم أنه كان شديد المناظرة اللحنفية، وكان لا يسمع أحدا من أولاد الكرامية، وينكر على من يقول بخلق القرآن أشد الإنكار، وقال أبو عمرو بن بجيد: رأيت السراج

стр. 221

يركب حماره، وعباس المستملي بين يديه، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، يقول: يا عباس غير كذا واكسر كذا، وقال أبو عبد الله بن الأخرم: استعان بي السراج في التخريج على صحيح مسلم، فكنت أتخير من كثرة حديثه، وحسن أصوله، وكان إذا وجد حديثا عاليا في الباب، يقول: لا بد من أن نكتب هذا، فأقول: ليس من شرط صاحبنا، فيقول فينفعني في هذا الحديث الواحد، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ﵀، في طبقات الشافعية في ترجمة السراج هذا: توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة بنيسابور، احتج في مسنده بالجهر بالبسملة، ولم يذكر سنده، قال الحاكم: سمعت محمد بن عمر ابن قتادة، يقول: رأيت محمد بن إسحاق بن خزيمة، يقبل وجه أبي العباس السراج. محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ إمام الأئمة، سمع الحديث من إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد الرازي، ولم يحدث عنهما لصغره، وتفقه على الربيع، والمزني، وكان جديرا أن يذكر في الطبقة الثانية، ولكن تأخرت وفاته بعد الثلاث مائة، وروى الحديث عن: محمود بن غيلان، ومحمد بن أبان المستملى، وإسحاق بن موسى الخطمي، وعلي بن حجر،

стр. 222

وأحمد بن منيع، ويونس بن عبد الأعلى، وخلق، وروى عنه خلق منهم: البخاري، ومسلم في غير الصحيحين، وشيخه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وإبراهيم بن أبي طالب، وهؤلاء أكبر منه، وأبو علي النيسابوري، وإسحاق بن سعد النسوي، وأبو عمرو بن حمدان، وحفيده محمد بن المفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقال: سمعت جدي، يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولا، حتى آذن لك فاستظهرت القرآن، فقال: امكث حتى تصلي بالختمة، فمكثت، فلما عدنا أذن لي، فخرجت إلى مرو، فسمعت بها من محمد بن هشام، فنعى إلينا قتيبة، قال: وكان جدي لا يدخر شيئا جهده، بل ينفقه على أهل العلم، وكان لا يعرف الوزن ولا يميز بين العشرة والعشرين. وقال أبو أحمد: حسبتك سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة، يحكى عن علي بن حشرم، عن إسحاق بن راهوية، أنه قال: أحفظ سبعين ألف حديث، فقلت: لابن خزيمة: فكم يحفظ الشيخ؟ فضربني على رأسي، وقال: ما أكثر فضولك! ثم قال: يا بني ما كتبت سوادا في بياض، إلا وأنا أعرفه، وقال أبو علي

стр. 223

الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة، وقال أبو حاتم بن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح، وزياداتها حتى كأنها بين عينيه، إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وقد سئل عن ابن خزيمة، فقال: ويحكم هو، يسأل عنا، ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به. وقال الدارقطني: كان ابن خزيمة إماما ثبتا، معدوم النظير، وقال أبو علي الحسين بن محمد الحافظ: لم أر مثل محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقال أبو العباس بن سريج: كان ابن خزيمة، يستخرج النكت من حديث رسول الله، ﷺ ، بالمنقاش، وقال الزاهد أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحربي: إن الله ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة، بمكان أبي بكر محمد بن إسحاق، قال: وحدثنا ابن خزيمة، قال: كنت إذا أردت أن أصنف الشيء، دخلت الصلاة مستخيرا، حتى يفتح لي فيها ثم أبتدئ التصنيف. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: وَسُئِلَ: مِنْ أَيْنَ أُوتِيتَ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» . وَإِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ مَاءَ زَمْزَمَ؛ سَأَلْتُ اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا وقال أبو بكر محمد بن سهل الطوسي: سمعت الربيع بن سليمان، وقال لنا: هل تعرفون ابن خزيمة؟ قلنا: نعم، قال: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا، وقال محمد بن إسماعيل البكري، سمعت ابن خزيمة يقول: حضرت مجلس المزني يوما، وسئل عن شبه العمد، وقال السائل: إن الله وصف في كتابه القتل صنفين، عمدا، وخطأ، فلم قلتم: إنه على ثلاثة أصناف؟ وتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني، فقلت لمناظره: قد روى هذا الحديث أيضا أيوب، وخالد الحذاء، فقال لي: فمن عقبة بن أوس، قلت: بصري روى عنه ابن سيرين مع جلالته، فقلت للمزني: أنت تناظر، أو هذا؟ قال: إذا جاء الحديث فهو مناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا. وقال الحاكم النيسابوري: سمعت أبا

стр. 224

سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، سمعت ابن خزيمة، يقول: القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن شيئا من وحيه، وتنزيله مخلوق، أو يقول: إن أفعاله تعالى مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، فهو جهمي، وقال: من نظر في كتبي بأن له أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني، فقد عرف الخلق أنه لم يصنف أحد في التوحيد، والقدر، وأصول العلم، مثل تصنيفي، قال الحاكم: وفضائل ابن خزيمة عندي مجموعة في أوراق، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المساند، والمسائل أكثر من مائة جزء، وله فقه حديث بريرة في ثلاثة أجزاء. وقال أبو زكريا العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس لأحد مع رسول الله، ﷺ ، قول إذا صح الخبر عنه، ومولده في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي في ثاني ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاث مائة، وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: مات سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة، قال: وكان يقال له: إمام الأئمة، وجمع بين الفقه، والحديث، وذكر مناظرته مع المزني، ثم قال: وحكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: ما قلدت أحدا منذ بلغت ست عشرة سنة. محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو جعفر الطبري الإمام العالم، صاحب التصانيف العظيمة، والتفسير الشهير الكبير البحر في علوم القرآن، أصله من أهل طبرستان، وطوف الأقاليم في

стр. 225

طلب العلم، وقرأ القرآن على سليمان بن عبد الرحمن الطلحي صاحب خلاد، وسمع الحروف من يونس بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وجماعة، وصنف كتابا حسنا في القراءات، فأخذ عن: مجاهد، ومحمد بن أحمد الدجواني، وعبد الرحمن بن أبي هاشم، وسمع الحديث من أحمد بن منيع، وإسحاق بن إسرائيل، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ومحمد بن حميد، وأبي كريب محمد بن العلاء، وهناد بن السري، ويونس بن عبد الأعلى، وخلق، وحدث عنه: أبو شعيب الحراني، وهو أكبر منه سنا، وأعلى إسنادا، وأبو القاسم الطبراني، وأبو عمرو بن حمدان، وخلق. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها، وسقيمها، ناسخها، ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرا بأيام الناس، وأخبارهم، له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم، وكتاب التفسير الذي لم يصنف مثله، وكتاب تهذيب الآثار لم أر مثله في معناه لكن لم يتمه، وله في الأصول والفروع، كتب كثيرة، واختار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه، قال الخطيب: وسمعت علي بن عبيد الله اللغوي، يقول: مكث ابن جرير أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة، وقال صاحبه أبو محمد الفرغاني: حَسَبَتْ تلامذته ما صنف، وقسطوه على عمره منذ احتلم إلى أن مات، فصار لكل يوم أربعة عشرة ورقة، قال الفرغاني: وكان ابن جرير ممن لا تأخذه في

стр. 226

الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى، والشناعات، من جاهل، وحاسد، وملحد، فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته بما كان يرد عليه من حصة خلفها له أبوه، بطبرستان يسيرة، قال الفرغاني: ورحل ابن جرير لما ترعرع من آمل، وسمح له أبوه في السفر، وكان طول حياته يفد إليه بالشيء بعد الشيء، إلى البلدان، فسمعته، يقول: أبطأت عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمي القميص فبعتهما. قال الفرغاني: وحدثني هارون بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو جعفر الطبري: أظهرت مذهب الشافعي، واقتديت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه مني ابن يسار الأحول شيخ ابن سريج، قال الفرغاني: فلما اتسع علمه، أدَّاه بحثه واجتهاده إلى ما اختاره في كتبه، قال: وكتب إلى المراغي، أن الخاقاني لما تولى الوزارة، وجه إلى الطبري بمال كثير، فأبى أن يقبله، وعرض عليه القضاء، فامتنع فعاتبه أصحابه، وقالوا: لك في هذا ثواب، وتحيى سنة قد درست، وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم فانتهرهم , وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه، قال: وكتب إلى المراغي يذكر، أن المكتفي قال للحسن بن العباس: إني أريد أن أوقف وقفا، تجتمع أقاويل العلماء على صحته، ويسلم من الخلاف، قال: فأحضر ابن جرير فأملى عليهم كتابا لذلك، فأخرجت له جائزة سنية فأبى أن يقبله، فقيل له: لا بد من جائزة، أو قضاء حاجة، فقال: نعم الحاجة أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم إلى الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة فتقدم بذلك، وعظم في نفوسهم، قال الفرغاني: وأرسل إليه العباس بن الحسن

стр. 227

الوزير قد أحببت أن أنظر في الفقه، وسأله أن يعمل له مختصرا، فعمل له كتاب الخفيف، وأنفذه فأرسل ألف دينار فلم يقبلها، فقيل له: تصدق بها، فلم يفعل، وذكر عبيد الله بن أحمد السمسار، وغيره، أن أبا جعفر بن جرير الطبري، قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا، قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أراد أن يملى التفسير، قال لهم كذلك، ثم أملاه بنحو من التاريخ، وقال الفرغاني: تم من كتبه كتاب التفسير، وكتاب القراءات، والعدد والتنزيل، وتم له كتاب اختلاف العلماء، وتم له كتاب التاريخ إلى عصره، وتم كتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين إلى شيوخه، وتم له كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو مذهبه الذي اختاره، وَجَوَّدَهُ، واحتج له، وهو ثلاثة وثمانون كتابا، وكتاب الخفيف وهو مختصر، وكتاب التبصير في أصول الدين، وابتدأ بتصنيف كتاب تهذيب الآثار، وهو من عجائب كتبه، وابتدأ بما رواه أبو بكر الصديق، ﵁، مما صح عنه، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، وما فيه من الفقه والسنن، واختلاف العلماء، وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، فتم منه مسند العشرة، وأهل البيت والموالي، ﵃، ومن مسند ابن عباس، ﵄، قطعة كبيرة فمات قبل تمامه، وابتدأ بكتاب البسيط فخرج منه، كتاب الطهارة في نحو ألف وخمس مائة ورقة، وخرج منه أكثر كتاب الصلاة، وخرج منه آداب الحكام، وكتاب المحاضر، والسجلات، وغير ذلك، ولما بلغه أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير خم عمل كتاب الفضائل، فبدأ

стр. 228

بفضل الخلفاء الراشدين، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم، واحتج لتصحيحه، وقال محمد بن علي بن سهل الإمام: سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم، فقال: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى إيش هو؟ فقال ابن صالح: مبتدع، فقال ابن جرير: مبتدع مبتدع هذا يقتل، وقال حسينك بن علي النيسابوري: أول سألني ابن خزيمة، فقال: كَتَبْتَ عن محمد بن جرير؟ قلت: لا، قال: وَلِمَ؟ قلت: لأنه كان لا يظهر، وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه، فقال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم، وسمعت منه، وقال ابن بالويه، سمعت ابن خزيمة، يقول: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة، وقال الشيخ أبو حامد شيخ الشافعية: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير، لم يكن كثيرا، قلت: كان قد وقع بينه وبين الحنابلة، أظنه بسبب مسألة اللفظ، واتهم بالتشيع وطلبوا عقد مناظرة بينهم وبينه، فجاء ابن جرير، ﵀، لذلك، ولم يجئ منهم أحد، وقد بالغ الحنابلة في هذه المسألة، وتعصبوا لها كثيرا، واعتقدوا أن القول بها يقضي إلى القول بخلق القرآن، وليس كما زعموا، فإن الحق لا يحتاط بالباطل، والله أعلم، قال ابن كامل: توفي ابن جرير ﵀ عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاث مائة عن ست وثمانين سنة، ودفن في داره برحبة يعقوب، ولم يغير شيبه، وكان الغالب عليه السواد في رأسه، ولحيته، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين نحيف الجسم، مديد القامة، فصيحا، واجتمع عليه من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وَصُلِّيَ على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من

стр. 229

أهل الدين والأدب، فمن ذلك قول أبي سعيد ابن الأعرابي، رحمه الله تعالى: حدث مفظع، وخطب جليل ... دق في مثله اصطبار الصبور قام ناعي العلوم أجمع لما ... قام ناعي محمد بن جرير وذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات الشافعية، فقال: ومنهم: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، مات بمكة سنة تسع، أو عشر وثلاث مائة، وصنف في اختلاف العلماء كتبا لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق، والمخالف، قال الشيخ، ﵀: ولا أعلم عمن أخذ الفقه، هذا لفظه. أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، مِنْ لَفْظِهِ، أنا شَيْخُ الإِسْلامِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ، وَفَخْرُ الدِّينِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ سَمَاعًا، قَالُوا: أنا أَبُو حَفْصٍ ابْنُ طَبَرْزَدَ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أنا أَبُو حَفْصٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ الْكَاتِبُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنِي بِشْرٌ، هُوَ ابْنُ دِحْيَةَ، ثنا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: «مَنْ خُتِمَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ محمد بن جعفر بن خازم أبو جعفر الجرجاني الخازمي الفقيه الشافعي صاحب ابن سريج أحد الأئمة، هكذا ترجمه شيخنا أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، ولم يزد.

стр. 230

محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية أبو بكر الأزدي البصري نزيل بغداد، تنقل في جزائر البحر، وفارس، وطلب الأدب واللغة، وكان أبوه من رؤساء زمانه، وكان أبو بكر رأسا في اللغة والشعر، وله الشعر الحسن، والتصانيف المفيدة، كالجمهرة، والأمالي، وغير ذلك، وحدث عن أبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرقاشي، وابن أخي الأصمعي، وغيرهم، وعنه: أبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن شاذان، وأبو الفرج صاحب الأغاني، وأبو عبيد الله المرزباني، وأبو العباس إسماعيل بن ميكال، وغيرهم، قال أحمد بن يوسف الأزرق: ما رأيت أحفظ من ابن دريد، وما رأيته قرئ عليه ديوان قط، إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له، قال: وكان ابن دريد واسع الحفظ جدا، وله قصيدة طنانة يمدح بها الشافعي، وعلومه، ﵁: قلت: قد تقدمت القصيدة في ترجمة الشافعي، ولهذا ذكرناه في الشافعية، وحكى الخطيب البغدادي، عن أبي بكر الأسدي، قال: كان يقال: ابن دريد أعلم الشعراء، أو أشعر العلماء، قالوا: وأول شعر قاله: ثوب الشباب على اليوم بهجته ... فسوف تنزعه عني يد الكبر أنا ابن عشرين لا زادت ولا نقصت ... إن ابن عشرين من شيب على خطر

стр. 231

وله القصيدة المشهورة المقصورة وسببها؛ أن عبد الله بن ميكال أمير الأهواز للمقتدر، بعث إليه ليؤدب ولده إسماعيل، فعمل في ذلك القصيدة المذكورة، فوصله هو وأخوه أبو العباس بجوائز، من ذلك ثلاث مائة دينار من مال الصبي وحده، فلهذا يقول: إن ابن ميكال الأمير انتاشني ... من بعدما كنت كالشيء اللقا ومد ضبعي أبو العباس من ... بعد انتقاص الذرع والباع الوزى نفسي الفداء لأميري، ومن ... تحت السماء لأميري الفدا وقد عُمِّرَ ابن دريد طويلا، وكان مع ذلك يتناول الخمر، سامحه الله، قال أبو حفص بن شاهين: كنا ندخل على ابن دريد، فنستحيي مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب، وقد جاوز التسعين. وقال أبو منصور الأزهري: دخلت عليه فرأيته سكران فلم أعد إليه، وذكره الحافظ أبو الحسن الدارقطني، فقال: تكلموا فيه، مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، ودفن هو، وأبو هاشم بن أبي علي الجبائي معا في يوم واحد، بمقبرة الخيزران، فقيل: مات علم الكلام واللغة جمعيا. محمد بن الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري أبو عبد الله

стр. 232

سمع أباه، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهارون بن سعيد الأيلي، وعنه: إبراهيم بن علي التمار، ومحمد بن محمد الحلبي، وأبو بكر ابن المقري، وغيرهم، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثلاث مائة. محمد بن شعيب بن إبراهيم العجلي أبو الحسن البيهقي مفتي الشافعية، أحد المذكورين بالفصاحة، والبراعة، تفقه ببغداد على ابن سريج، وسمع داود بن الحسن البيهقي، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، وأخذ عنه الفقه: أبو الوليد حسان بن محمد، ﵀. محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو عبد الله الجرجاني الشافعي قال جعفر المستغفري: كان كبش الشافعية في وقته، وكان فقيها مناظرا. محمد بن عبد الله بن أحمد ابن القاضي أبو عبد الله البيضاوي قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تفقه على الداركي،

стр. 233

وحضرت مجلسه وعلقت عنه، وكان ورعا حافظا للمذهب، والخلاف موقفا في الفتاوى، قال الخطيب: وحدث شيئا يسيرا عن أبي بكر بن مالك القطيعي، وغيره، وكتبت عنه، وكان ثقة صدوقا، دينا سديدا. قال: ومات فجأة ليلة الجمعة الرابع عشر من رجب سنة أربع وعشرين وأربع مائة، ودفن بمقبرة باب حرب، ﵀. ثم حكى عنه قوله، فيمن رأي نجاسة في ثوبه ثم خفيت: عليه أنه يجتهد فيغسل منه ما غلب على ظنه، ولا يجب عليه غسله كله، خلافا للجمهور. محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو العباس الدغولي السرخسي الفقيه الإمام الحافظ شيخ أهل خراسان في زمانه صاحب المسند المشهور، وأحد علماء الشافعية، روى عن: محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الرحمن بن بشر، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وطبقتهم بنيسابور والعراق، وعنه: أبو علي الحافظ، وأبو بكر الجوزقي، وغيرهم، قال الإمام أبو بكر بن خزيمة: ما رأيت مثله، وكذا قال الحافظ أبو أحمد بن عدي وغيره، وقال محمد بن العباس: قال لي أبو العباس الدغولي: أربع مجلدات لا تفارقني في السفر، والحضر: كتاب المزني، وكتاب العين، والتاريخ للبخاري، وكليلة ودمنة. وقال أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه: قيل لأبي العباس الدغولي: لم لا تقنت في صلاة الفجر؟ فقال: لراحة الجسد، ومداراة الأهل والود، وسنة أهل البلد، مات سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.

стр. 234

محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفي مولاهم الدمشقي أبو زرعة قاضي دمشق , وكان قبل ذلك على قضاء مصر لأحمد بن طولون مدة ثماني سنين، أولها من سنة أربع وثمانين ومائتين، وكان جده يهوديا فأسلم، وجرت له فصول مع أبي أحمد الموفق لما خلعه، وولى أحمد بن طولون، ثم ظفر به أبو أحمد الموفق في جماعة من أصحابه، فسألهم: من الذي ابتدر بالخلع فشرع القاضي أبو زرعة في الاعتذار، وحلف بالطلاق، والعتق، والنذر بصدقة المال، ما كان في هؤلاء القوم أحد قال ذلك، فأطلقهم وصدق، فإنه لم يقل ذلك الكلام أحد غيره، وهذا يدل على فهمه، وعلمه، وتصرفه، ﵀. وذكر ابن زولاق في تاريخ قضاة مصر، أنه ولي قضاء مصر في سنة أربع وثمانين، قال: وكان يذهب إلى قول الشافعي، ﵁، ويوالي عليه، ويصانع، وكان عفيفا شديد التوقف في إنفاذ الأحكام، وله مال كثير، وضياع كبار في الشام، قال: وكان كريما يهب الخصوم الضعفاء، والمساكين، وكان يهب لمن حفظ مختصر المزني مائة دينار، وهو الذي أدخل مذهب الشافعي دمشق، وحكم به القضاة، وكان الغالب عليها: مذهب الأوزاعي، قال: وكان أكولا يأكل سل مشمش، ويأكل سل تين، مات سنة ثلاثين وثلاث مائة.

стр. 235

محمد بن الفضل بن عبد الله بن مخلد أبو ذر التميمي الجرجاني الفقيه رئيس جرجان في زمانه، كانت داره مجمع الفضلاء، رحل، وسمع أبا إسماعيل الترمذي، وبكر بن سهل الدمياطي، وحفص بن عمر شيخه، والحسن بن جرير الصوري، وغيره، وعنه: إبراهيم بن محمد بن سهل، وأحمد بن أبي عمران، وأسهم عم حمزة السهمي، وغيرهم. محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم أبو الطيب بن سلمة الضبي البغدادي الفقيه الشافعي تفقه على ابن سريج، وكان موصوفا بفرط الذكاء، وله وجه في المذهب، وقد صنف كتبا عدة، ومات شابا، ﵀، سنة ثماني وثلاث مائة، ومن مفرداته: تكفير تارك الصلاة، وأن الولي إذا أذن للسفيه في عقد النكاح لم يصح كما لو أذن للصبي، وقال الخطيب البغدادي: كان من كبار الفقهاء ومتقدميهم، وقال: إنه درس على ابن سريج، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وكان يعرف النسب في الفضل والأدب، وقالوا: صاحب كتاب ضياء القلوب، وغيره من الكتب، وجده سلمة بن عاصم صاحب الفراء، وشيخ ثعلب.

стр. 236

محمد بن يوسف بن محمد أبو ذر البخاري قاضي القضاة بخراسان قال الحاكم: كان ينتحل مذهب أهل الحديث، ويذب عن السنة وأهلها، وسمع من البخاري، وأقرانه، وحدث، وفي مجلسه: ابن خزيمة، وأبو العباس السراج، توفي سنة أربع عشرة وثلاث مائة، وهو والد الشيخ الصالح أبي الحسن بن أبي ذر، رحمهما الله تعالى. منصور بن إسماعيل أبو الحسن التميمي المصري الضرير الفقيه الشافعي الشاعر قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر: كان فهما، حاذقا، صنف مختصرات في الفقه في مذهب الشافعي، وكان شعرا، مجودا، خبيث اللسان في الهجو، يظهر في شعره التشيع، وكان جنديا قبل أن يعمى، وقال القضاعي أصله: من رأس عين، وكان فقيها، متصرفا في كل علم، شاعرا مجودا، لم يكن في زمانه مثله، توفي سنة ست وثلاث مائة، لا في سنة ثلاث، وقال القاضي ابن خلكان: له مصنفات مليحة في المذهب، وله شعر سائر وهو القائل: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله

стр. 237

من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه طويله وذكره ابن زولاق في ترجمة أبي عبيد بن حربويه، وأنه وقع بينهما بسبب مسألة واقع طويل، وقال الشيخ أبو إسحاق: ومنهم: أبو الحسن منصور بن إسماعيل التميمي المصري، مات قبل العشرين وثلاث مائة، وكان أعمى، وأخذ الفقه عن أصحاب الشافعي، وأصحاب أصحابه، وله مصنفات في المذهب مليحة، منها والمستعمل، والمسافر، والهداية، وغيرها من الكتب، وله شعر مليح، وهو القائل: عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة الإسفراييني مصنف الصحيح، أخذ من أصحاب الشافعي، ﵁، إنما أخرناه إلى الطبقة الثالثة لتأخر وفاته، ويقال: إنه أول من أدخل مذهب الشافعي إلى إسفرايين، وهو تلميذ الربيع، والمزني، وروى الحديث عن: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، وخلق من أهل العراق، وخراسان، والحجاز،

стр. 238

واليمن، والشام، والثغور، والجزائر، وفارس، وأصبهان، ومصر، وطوف هذه البلدان كلها، في طلب الحديث، وعلو الإسناد، عنه: ابنه أبو مصعب محمد، وأحمد بن علي الرازي الحافظ، وأبو علي النيسابوري، وأبو القاسم الطبراني، وابن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وخلق، وآخر من روى عنه: ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني. قال الحاكم: هو من علماء الحديث، وأثباتهم، سمعت ابنه محمدا، يقول: أنه توفي في سنة ست عشرة وثلاث مائة، قال الشيخ أبو إسحاق بعد ذكر طبقة ابن سريج، ونظرائه، ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى، أكبرهم أصحاب أبي العباس: منهم: أبو الطيب بن سلمة البغدادي، وكان عالما جليلا، ومنهم: أبو حفص بن الوكيل الباشامي مات ببغداد بعد العشرة، ومنهم: أبو بكر أحمد بن عمر الخفاف، وله كتاب الخصال.

стр. 239

المرتبة الثانية من الطبقة الثالثة من أصحاب الشافعي، ﵁، من أول سنة ست وعشرين وثلاث مائة إلى آخر سنة خمسين

стр. 240

عبد الله بن أحمد بن يوسف المعروف بأبي القاسم البردعي أسند له الحافظ أبو الحسن الدارقطني قصيدة يمدح فيها الإمام الشافعي، ﵁، منها: دع ذكر أيام الشباب والنهى ... واذكر إماما نشرت أعلامه في الشرق والغرب وما بينهما ... محكما مقبولة أحكامه حبر قريش وهو في ذروتها ... إذا علا مجد له سنامه يشارك النبي في محتده ... إذا اعتزي موصولة أرحامه وصي به النبي في مقاله ... وحثه فلازم ذمامه محمد صلى عليه ربنا ... معز دين الله بل قوامه أن قريشا قدموها أبدا ... فمن أبى بوده احترامه تعلموا منها العلوم إنه ... يملأ أطباق الثري علامه علما وفقها فاستمع مقاله ... يا ذا الذي يعجبه خصامه يا صاح غير الشافعي هل ترى ... منها عليما قد سمي كلامه ثم ذكر كتب الشافعي، ﵁، وأصحابه، فذكر منهم: أحمد بن حنبل، إلى أن قال: لله در الشافعي، إنه لما اعتلى علامه خدامه.

стр. 241

إبراهيم بن أحمد بن إسحاق أبو إسحاق المروزي أحد أئمة المذهب، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، ثم انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وصنف كتبا كثيرة، وأقام ببغداد مدة طويلة يفتي ويدرس، وانتفع به أهلها، وصار له تلامذة كبار، كأبي زيد المروزي، وأبي حامد المروزي، ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر، فتوفي بها في تاسع رجب، وقيل: في حادي عشرة سنة أربعين وثلاث مائة، ودفن عند ضريح الشافعي، رحمهما الله، قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: انتهت إليه الرياسة في العلم ببغداد. وشرح المختصر، وصنف الأصول، وأخذ عنه الأئمة، وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد وخرج إلى مصر، ومات بها سنة أربعين وثلاث مائة. وقال الخطيب البغدادي: وهو أحد الأئمة من فقهاء الشافعيين، شرح المهذب ولخصه، وأقام ببغداد دهرا طويلا، يدرس ويفتي، وأنجب من أصحابه خلقا كثيرا، وإليه ينسب درب المروزي الذي في قطيعة الربيع، ثم انتقل في آخره عمره إلى مصر، فأدركه أجله بها، فمات سنة أربعين وثلاث مائة، ودفن إلى جانب ضريح الشافعي، رحمهما الله. أحمد بن أبي أحمد الطبري أبو العباس ابن القاص أحد أئمة المذهب أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، وتفقه عليه أهل طبرستان، وله كتاب

стр. 242

المفتاح، وأدب القاضي، والمواقيت، والتلخيص الذي شرحه أبو عبد الله الحسين الإسماعيلي، ثم القفال، ثم صاحبه أبو علي السنجي، وغيرهم، وله جزء في الكلام على حديث أبي عمير، وشرح حديث أبي خليفة، وكانت وفاته بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة، وقد أرخ وفاته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات قال: وكان من أئمة أصحابنا، صنف المصنفات الكثيرة، ثم ذكر ما تقدم، قال: وتمثلت فيه بقول الشاعر: عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم قلت: تكلم أبو العباس على الخصائص، وفرع فيها، وذكر مسائل وافقه عليها، وتبعه الحافظ أبو بكر البيهقي في السنن الكبير، فذكر ما ورد من الأحاديث في ذلك مرتبا على ترتيب أبي العباس بن القاص، وقد أفرد للخصائص كلاما مفردا في آخر مختصر سيرة رسول الله، ﷺ ، ونقحت ما ورد في ذلك من الآثار، ولله الحمد والمنة. قال ابن السمعاني: وإنما قيل لأبيه القاص؛ لأنه دخل بلد الديلم فقص على الناس، ورغبهم في الجهاد، وقادهم إلى الغزاة، ودخل بلاد الروم غازيا، فبينما هو يقص لحقه وجد وغشية، فمات ﵀. أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد أبو بكر النيسابوري، المعروف بالصبغي أحد أئمة الشافعية، رأي أبا حاتم الرازي، وسأله عن مسألة في ميراث

стр. 243

أبيه، وسمع: إسماعيل بن قتيبة، والفضل بن محمد الشعراني، ومحمد بن أيوب، ويعقوب بن يوسف القزويني، وببغداد: إسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة، وبالبصرة: هشام بن علي، وبمكة: علي بن عبد العزيز، وعنه خلق كثير منهم: حمزة بن محمد الترمذي , وأبو علي الحافظ، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، وقال: وكان يخلف ابن خزيمة في الفتوى، بضع عشرة سنة في الجامع وغيره، قال: وقد أقام يفتي نيفا وخمسين سنة من عمره، لم يؤخذ عليه في فتاويه مسألة وهم فيها، وقد سمعته وهو يخاطب فقيها، فقال: حدثونا عن سليمان بن حرب، فقال: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا وأنبأنا؟ فقال: يا هذا لست أشم من كلامك رائحة الإيمان، فلا يحل لك أن تدخل داري، ثم هجره حتى مات، وله الكتب المطولة، مثل: كتاب المبسوط، وكتاب الأسماء والصفات، وكتاب الإيمان والقدر، وكتاب فضل الخلفاء الأربعة، وكتاب الرؤية، وكتاب الأحكام، وكتاب الإمامة، وقال: وكان يرى أن الرجل إذا أتى، والإمام راكع أنه لا يعتد بتلك الركعة، وروى ذلك عن ابن أبي هريرة، ﵁، وجماعة من التابعين، وصنف فيه مصنفا، وحكى الحاكم: أنه كان حسن الصلاة، وأنه كان إذا أذن المؤذن يدعو بين الأذان والإقامة ويبكي، وربما ضرب برأسه الحائط حتى يخشى أن يدمي رأسه، وأنه لم يقطع صلاة الليل في سفر، ولا حضر، وكان في صباه يشتغل بعلم الفروسية، ثم اشتغل بالعلم، وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائتين، ومات في شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة، رحمه الله تعالى.

стр. 244

أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، ﵀، قِرَاءَةً مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أنا الْمَشَايِخُ الثَّلاثَةُ؛ الإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ، وَعِزُّ الدِّينِ أَبُو إِلْيَاسَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْفَارُوقِيُّ الشَّافِعِيُّ، خَطِيبُ دِمَشْقَ، وَشَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصُّوفِيُّ، قَالُوا: أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ كَرَمِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الدِّينَوَرِيُّ، بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْمِهيَنِيِّ، قِرَاءَةً عَلَيْهَا بِبَغْدَادَ، قَالَتْ: أنا الرَّئِيسُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ الإِسْفَرَايِينِيُّ، بِإِسْفَرَايِينَ، أنا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، بِنَيْسَابُورَ، أنا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الإِمَامُ، هُوَ: الصِّبْغِيُّ، قَالَ: أنا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، نُقِصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمِزِّيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ بِهِ أحمد بن الحسين بن سهل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية، أصحاب الوجوه، والمصنفات الباهرة الأنيقة، تفقه على أبي العباس بن سريج، وله اختيارات غريبة، منها: أن الكلب الأسود، لا يحل ما صاده، كمذهب الإمام أحمد، مات تقريبا في

стр. 245

حدود سنة خمسين وثلاث مائة. أحمد بن علي بن بيغجور أبو بكر بن الإخشيد المتكلم المعتزلي قال أبو محمد بن حزم: كان أحد أركان المعتزلة، وكان أبوه من أبناء ملوك فرغانة من الأتراك، وقد ولي أبوه الثغور، وكان أبو بكر يتفقه للشافعي، قال: وقد رأيت له في بعض كتبه، يقول: التوبة هي الندم فقط، وإن لم ينو مع ذلك ترك المراجعة لتلك الكبيرة، قال: وهذا أشنع ما يكون من قول المرجئة، لأن كل مسلم نادم على ما يفعله من الكبائر، قلت: الظاهر، والله أعلم، إنما حمل أبا بكر على مقالته هذه ما ورد في بعض الأحاديث: الندم توبة، ولم يصح سنده، والذي عليه الأئمة أن التوبة النصوح فيما بين العبد وبين الله تعالى، أن يقلع عن الذنب وأن يندم على ما مضى، وأن يعزم على ألا يعود فيما يستقبل، وإن كان بين العبد وبين الله العباد فأن يبرأ إليهم، والله أعلم. ذكر الخطيب البغدادي: أنه ارتحل إلى أبي خليفة، وسمع: من أبي مسلم الكجي، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وأخذ عنه: القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن عمرو النيسابور المعتزلي، الملقب بالبيضي، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورأيت له كتابا كاملا في نقل القرآن، وقد روى فيه عن جماعة، وبحث بحوثا جيدة، عاش ستا وخمسين سنة، ومات سنة ست وعشرين وثلاث مائة.

стр. 246

أحمد بن محمد بن سليمان أبو الطيب الحنفي الصعلوكي أحد أئمة الشافعية، وحفاظ الحديث واللغة، وهو عم الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، روى الحديث عن محمد بن يحيى الذهلي، وعلي بن الحسن بن أبي عيسى الدارابجردي، ومحمد بن عبد الوهاب، وبالري: علي بن الجنيد، ومحمد بن أيوب، وببغداد عبد الله ابن الإمام أحمد، وعنه: ابن أخيه الأستاذ أبو عبد الله بن الأخرم، ثم أمسك عن الحديث آخر عمره، قال الحاكم: فكنا نراه حسرة، وقد سمعت منه حديثا في المذاكرة، توفي في رجب سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة. أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن عبدة التميمي أبو الحسن السليطي المزكي قال الحاكم: كان من أهل نيسابور، ومن المتقدمين في الكتابة والأدب، وتفقه على مذهب الشافعي، ﵁، وقلد التزكية باتفاق من الفريقين، وسمع الحديث من ابن خزيمة، وأبي العباس بن السراج، وأقرانهما، ولم يحدث حتى توفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة. أحمد بن منصور بن عيسى أبو حامد الطوسي المزكي الحافظ الفقيه الأديب

стр. 247

سمع ابن شيرويه وطبقته، وقال الحاكم: قَلَّ ما رأيت في المشايخ أجمع منه، وتوفي سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، ذكره ابن الصلاح. حسان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عنبسة بن عبد الرحمن بن عتبة بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الأستاذ أبو الوليد الفقيه أحد أئمة الشافعية، درس على ابن سريج، وروى عن أحمد بن الحسن الصوفي، وغيره ببغداد، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن نعيم بنيسابور، والحسن بن سفيان، بنسا، وخلق سواه، روى عنه: القاضي أبو بكر الحيري، وأبو طاهر بن محمش، وأبو الفضل أحمد بن محمد السهلي الصفار، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: كان إمام أهل الحديث بخراسان، وأزهد من رأيت من العلماء، وأعبدهم، وله كتاب على صحيح مسلم، وكتاب على مذهب الشافعي، ﵁، وله اختيارات غريبة، منها: أن من كرر قراءة الفاتحة في الصلاة، بطلت صلاته، كما لو كرر ركنا فعليا، عزاه إليه إمام الحرمين، ونقله صاحب العدة، عن ابن خيران، وأبي يحيى البلخي أيضا، وهذا غريب، وإن كان قد حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن القديم، واختار: أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم، وادعى أنه المذهب، ويحلف على ذلك، يعني: لصحة الحديث فيه، وذهب إلى أنه كان يقنت في الوتر جميع شهر رمضان، ووافقه أبو عبد الله الزبيري، وأبو

стр. 248

الفضل بن عبدان، وأبو منصور بن مهران، وذهب إلى جواز الصلاة على قبر النبي، ﷺ ، فرادى، نقله ابن المنذر، وقال الحاكم: سمعت أبا الوليد، سمعت الحسن بن سفيان، سمعت حرملة، يقول: سئل الشافعي، ﵁، عن رجل وضع في فمه تمرة، فقال لامرأته: إن أكلتها فأنت طالق، وإن طرحتها فأنت طالق، فقال الشافعي: يأكل نصفها، ويطرح نصفها، قال أبو الوليد: سمع من أبي العباس بن سريج هذه الحكاية، وبني عليها باقي تفريعات الطلاق، قال الحاكم: أرانا أبو الوليد نقش خاتمه، الله ثقة، حسان بن محمد، وقال: أرانا عبد الملك بن محمد بن عدي نقش خاتمه، الله ثقة، عبد الملك بن محمد، وقال: أرانا الربيع نقش خاتمه، الله ثقة، الربيع بن سليمان، وقال: كان نقش خاتم الشافعي، ﵁، الله ثقة، محمد بن إدريس، توفي في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، عن اثنتين وسبعين سنة، ﵀، ويقع حديثه في السنن الكبير للبيهقي عن الحاكم عنه كثيرا. الحسن بن أحمد بن يزيد أبو سعيد الإصطخري شيخ الشافعية ببغداد، ومحتسبها، ومن أكابر أصحاب الوجوه في المذهب، روى الحديث عن: أحمد بن منصور الرمادي، وحفص بن عمرو الربالي، وحنبل بن إسحاق، وسعدان بن نصر، وعنه: الدارقطني، وابن المظفر، وابن شاهين، وغيره، وكان ورعا، دينا، زاهدا، قيل: إن قميصه، وعمامته، وطيلسانه، وسراويله، كان كله من شقة واحدة، وقال أبو إسحاق المروزي: لما دخلت بغداد، لم يكن بها من يستحق أن يدرس عليه، إلا ابن سريج، وأبو سعيد الإصطخري، رحمهما

стр. 249

الله، قال القاضي أبو الطيب: حكي عن الداركي، أنه قال: ما كان أبو إسحاق المروزي يفتي بحضرة الإصطخري، إلا بإذنه، وقال الخطيب البغدادي: ولي قضاء قم، وقد ولي حسبة بغداد فأحرق مكان الملاهي، وكان ورعا، زاهدا، متقللا من الدنيا، وله تصانيف مفيدة منها، كتاب أدب القضاء، ليس لأحد مثله. وقال غيره: استقضاه المقتدر على سجستان، واستفتاه في الصابئين، فأفتاه بقتلهم، فبذلوا أموالا جزيلة حتى رد عنهم القتل، مات الإصطخري ﵀ في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وقد جاوز الثمانين. وقال الشيخ أبو إسحاق: كان قاضي قم، ولي حسبة بغداد، وكان ورعا، زاهدا، متقللا، ولد في سنة أربع وأربعين ومائتين، ومات سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وقال غيره: كان مولده سنة ثنتين، وصنف كتابا حسنا في أدب القضاء. قلت: ومن مفرداته الغريبة: انتقاض الوضوء بمس الأمرد، والتنفل على الدابة في الحضر، وكان هو يفعله ببغداد. الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدمشقي أبو علي الشافعي راوي كتاب الأم عن الربيع بن سليمان، وسمع بمصر مكان ابن قتيبة، وحدث عن إسماعيل الصائغ، وصالح ابن الإمام أحمد، والعباس بن الوليد البيروتي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم، وقرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، روى عنه: عبد المنعم بن غلبون، وأبو بكر ابن المقري، وتمام الرازي، وأبو بكر ابن أبي الحديد، وخلق، قال عبد العزيز الكناني: كان ثقة، نبيلا، تقيا، حافظا

стр. 250

لمذهب الشافعي، ومات في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وقال غيره: كان مولده سنة ثنتين وأربعين ومائتين، قال الحافظ ابن عساكر: وكان إماما بمسجد باب الجابية. الحسن بن الحسين القاضي أبو علي بن أبي هريرة البغدادي أحد أئمة الشافعية، من أصحاب الوجوه، تفقه بأبي العباس بن سريج، والشيخ أبي إسحاق المروزي، وصنف شرح المزني، وعلق على الشرح أبو علي الطبري، وروى عنه: الحافظ أبو الحسن الدارقطني، وغيره، اختصر الخطيب البغدادي ترجمته في التاريخ جدا، ولم يزد على هذا، مات سنة خمس وأربعين وثلاث مائة. وقال الشيخ أبو إسحاق: ومنهم: القاضي أبو علي بن أبي هريرة البغدادي، درس علي أبي العباس بن سريج، ثم علي أبي إسحاق، وشرح المزني، وعلق على الشرح أبو علي الطبري، ودرس ببغداد، ومات سنة خمس وأربعين وثلاث مائة. الحسين بن علي أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله، ولقد أطنب في ترجمته في تاريخه، ومدحه بكثرة المصنفات، والحفظ، والمذاكرة، سمع النسائي، وأبا يعلى الموصلي، سمع منه وكتبه عنه، وسمع هو وأبو العباس بن سريج من
следующие страницы →