← Тараджим

Тараджим · id 12860

طبقات الشافعيين

ابن كثير

Полный текст (907 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

شيخنا الإمام إسماعيل بن محمد يفضله على جميع من لقيناهم من أهل أصبهان وغيرها، وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: سمعت أبا الخير البستي، يقول: سمعت أبا محمد المنذري الحافظ، يقول: سألت شيخنا علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ. فقال: من؟ قلت: ابن ناصر وابن عساكر، فقال: ابن عساكر، فقلت: الحافظ أبو موسى المديني، وابن عساكر؟ فقال: ابن عساكر، فقلت: الحافظ أبو طاهر السلفي، وابن عساكر؟ فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا. قال الذهبي: معناه أنه وقر شيخه أن يصرح بابن عساكر أحفظ منه وإلا فهو أحفظ منه، وما رأى ابن عساكر مثل أبي حازم بذلك، قال: وكذلك رأيت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يميل إلى ذلك، قال: وقرأت بخط عمر بن الحاجب قال: حكى لي من أثق به أن الحافظ عبد الغني، قال: الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرف من البخاري بهم، وندم على ذلك السماع منه ندامة كلية رحمهما الله وأكرم مثواهما، وقال الحافظ أبو محمد عبد القادر الرهاوي: رأيت الحافظ السلفي، والحافظ أبا يعلى الهمذاني، والحافظ أبا موسى المديني ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ومع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية، والموضوعة ولا يبينها، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة إلا ابن ساريك، أبعده الله عن ذلك، وأي فائدة في معرفة الرجال، ولمصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلا كشف الحديث المكذوب وهتكه، وتبين أمره لئلا يروج على من لا يعلم، قلت: لقد صدق أثابه الله في هذا وبر ورشد وأنزل

стр. 667

من هذا بدرجات من يحتج بذلك مع علمه أو بجاهله فيدخل فاعل ذلك في قول القائل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم قال: وله شعر جيد عقيب مجالسه فمنه: أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا الغزل تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل فيا ليت شعري ممن أكون ... وما قدر الله لي في الأزل قال ابن الحافظ أبو محمد القاسم: توفي ﵀ في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين، وصليت عليه في الجامع، والشيخ قطب الدين في الميدان الذي يقابل المصلى، ودفن بمقبرة باب الصغير، ورأى له جماعة منامات حسنة، ورثي بقصائد ﵀ وأكرمه. ومن مصنفاته المشهورة: التاريخ الكبير ثمان مائة جزء في ثمانين مجلدا، الموافقات اثنان وسبعون جزءا، الأطراف للسنن الأربعة

стр. 668

ثمانية وأربعون، عوالي مالك أحد وثلاثون، الثاني لحديث مالك العالي وغرائب مالك عوالي سبعة مجلدات، وعوالي الثوري مجلدان، معجم شيوخه اثنا عشر مجلدا، مناقب الشبان خمسون مجلدا، فضل أصحاب الحديث أحد عشر، والسباعيات سبعة، تبيين كذب المفترى على الشيخ أبي الحسن الأشعري مجلد، ذكر ترجمة حسنة للأشعري وطبقات أصحابه إلى زمانه، وذكر اعتقاده من كتابه الإبانة وغيرها من الكتب التي صار إليها الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال، ونزوعه طريقة أهل السنة والاعتدال، ورد فيه على من رماه بالعظائم، ومن مناقبه وما يريه على الفضائل والعزائم. وبالجملة فهو كتاب نافع يحتاج إلى الوقوف عليه كل فاضل بارع، وكتاب الزهادة في ترك الشهادة مجلد، فضل المحمد مجلد، فضل عاشوراء ثلاثة أجزاء، الأربعون الطوال، الأربعون الجهادية، الأربعون البلدية، الأربعون الأبدان، كتاب الزلازل ثلاثة أجزاء كبيرة متفرقة في فضائل البلدان ومن أحاديث أهلها، وله أربع مائة مجلس، وثماني مجالس في فنون شتى وفوائد كثيرة، وخرج لشيخه جمال الإسلام مشيخة، ولجماعة من مشايخه وأصحابه تاريخ كبير، وخرج في آخر عمره لنفسه كتاب الأبدال، ولم يتمه ولو تم لجاء في نحو مائتي جزء. وقد تولي مشيخة دار الحديث النورية، وأملى على كرسي الحديث الذي بها، وله فيه مجلس مفيد ونظم نضيد في العربية وبرع فيها، إذ كان ما يمليه في خالص العنبر وتعينه وتبدله، فكان أولى من وضعت له دار الحديث، وأفضل من جلس في زمانه للإملاء والتحديث، فرحمه الله وأكرم مثواه.

стр. 669

علي بن أبي المكارم بن فتيان أبو القاسم الدمشقي الشافعي أحد الأعيان بمصر، قال الشيخ محيي الدين فيما ألحقه من التراجم على طبقات ابن الصلاح: تفقه على الإمام أبي المحاسن يوسف بن عبد الله الدمشقي مدرس النظامية ببغداد، وأعاد عنده وله معرفة بفنون، وتوفي في سنة تسع وسبعين وخمس مائة. محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين الإمام مجد الدين أبو منصور الطوسي العطاري المعروف بحفدة أحد أئمة الشافعية فقهًا وأصولًا ووعظًا، تفقه أولًا بمرو على أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، ثم انتقل إلى مرو الروذ فلازم محيي السنة وغيرهما، ثم رحل إلى بخارى واشتغل بها على بعض مشايخ الحنفية وعاد إلى أذربيجان وأجمع عليه لوعظه، وحسن كلامه، وفصاحته، وسمع أيضًا من عبد الغفار الشيروي، وأبي الفتيان الدهستاني الحافظ، وناصر بن أحمد العياضي، وعنه أبو المواهب بن صصرى، وأبو أحمد بن سكر، وعبد العزيز الأخضر وآخرون. وقال السمعاني: كتبت عنه بمرو نيسابور، وكان فقيهًا واعظًا مناظرًا جلدًا، مولده سنة ست وثمانين وأربع مائة، قال ابن خلكان:

стр. 670

ثلاث وسبعين وخمس مائة، والله أعلم. قال الذهبي: الثاني أصح. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ، فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا يُوسُفُ بْنُ رَافِعٍ الأَسَدِيُّ، قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ أَسْعَدَ، أنا مُحْيِي السُّنَّةِ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: " وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ: مَنَاخِرِهِمْ، إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل بن أبي محمد بن الشهرزوري ثم الموصلي الشافعي ولد سنة إحدى وتسعين وأربع مائة، وتفقه ببغداد على أسعد الميهني، وسمع الحديث من جده لأمه علي بن أحمد بن طوق، وأبي البركات بن خميس، وغيرهم، ونور الهدى أبي طالب الزينبي، وتولى قضاء بلدة الموصل، وكان يتردد إلى الرسلية إلى بغداد وخراسان من الأتابك زنكي، ثم قدم الشام وافدًا على الملك نور الدين، فأكرمه وأوفده رسولا من حلب إلى الديوان العزيز ببغداد ثم ولي قضاء دمشق في سنة خمس وخمسين وخمس مائة، ونظر الأوقاف، والأموال السلطانية، وغير ذلك، وتقدم عنده وهو حقيق بذلك فأحسن السيرة

стр. 671

في الظاهر والسريرة، وبنى المساجد، وعمر الجامع وحدد معالم وفتح مشاهد واستحدث الشباك الكمالي الذي يصلي فيه نواب السلطنة اليوم ويجلس فيه الحاكم الشافعي بعد الخلوة للنظر في المظالم، وصرف الصدقة جريا على عادة هذا المكان، وقد بنى القاضي كمال الدين أثابه الله مدرسة بالموصل ومدرسة بنصيبين ورباطًا بالمدينة النبوية، ووقف الهامة على الحنابلة، وله غير ذلك من المعروف والبر والقرب. قال أبو محمد القاسم ابن عساكر: ولي قضاء دمشق سنة خمس وخمسين، وكان يتكلم في الأصول كلامًا حسنًا، وكان أديبًا شاعرًا ظريفًا فكه المجلس، ووقف وقوفًا كثيرة، وكان خبيرًا بالسياسة وتدبير الملك، وقال القاضي ابن خلكان: ولي قضاء دمشق وترقى إلى درجة الوزارة، وحكم في البلاد الشامية واستناب ولده محيي الدين في الحكم بحلب، وتمكن في الأيام النورية تمكينًا بالغًا، فلما تملك السلطان صلاح الدين أقره على ما كان عليه، وله أوقاف كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وعظمت رياسته ونال ما لم ينله أحد من التقدم، وذكر سبط ابن الجوزي: أن الصلاح، صلاح الدين، لما دخل دمشق سنة سبعين وتلقاه العامة ونثروا عليه الذهب والدراهم، فرح بذلك ونزل في دار أبيه بدار العشر، وتأخر عنه فتح القلعة أيامًا فمشى بنفسه إلى دار القاضي كمال الدين، فأبرع له القاضي وخرج لتلقيه بالرحب والإجلال وقال: يا سيدنا، طب نفسا، وقر عينا، فالأمر أمرك، والبلد بلدك، فكان هذا مما رفع منزلة القاضي عند الناس، وأحسن الملك بتواضعه إليهم أيضًا، وقد ذكره الشيخ أبو الفرج في منتظمه، وأثنى عليه وقال: كان رئيس أهل بيته، ولاه نور الدين القضاء ثم استوزره وأورده رسولًا إلى بغداد، فذكرته

стр. 672

أنه كتب قصة إلى المقتفي وكتب في أعلاها: محمد بن عبد الله الرسول، فكتب المقتفى: ﷺ قلت: وقد روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه القاسم بن صصرى، والشيخ موفق الدين بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، وأبو محمد بن الأخضر، وآخرون، وكانت وفاته في يوم الخميس سادس المحرم سنة ثنتين وسبعين وخمس مائة، ودفن بقاسيون، وقد رثاه ولده القاضي محيي الدين قاضي حلب بقصيدته التي أولها: ألموا بسفحي قاسيون وسلموا على ... جدث بادي السنا وترحموا وأدوا إليه عن كئيب تحية ... مكلفكم أهداها القلب والفم. ومما يؤثر من شعر القاضي كمال الدين ﵀: وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا ... بجسمي من داء الصبابة ألوان فقالوا وكل معظم بعض ما رأى ... أصابتك عين قلت إن وأجفان. قوله: إن في لغة نعم أو بمعناها، كما روي عن عبد الله بن الزبير أن رجلا قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك فقال له: إن وصاحبها. محمد بن عبد العزيز ابن الفقيه أبو عبد الله الإربلي الشافعي

стр. 673

معيد النظامية، كان بارعًا في المذهب، قال ابن النجار: بلغني أنه أتى الشام فمات بها في حدود سنة ثمان وخمس مائة، ومن شعره: رويدك فالدنيا الدنية ... كم دنت مكروهها من أهلها وصحابها لقد فاق في الآفاق كل موفق ... أفاق بها من سكره وصحا بها فسل جامع الأموال فيها بحرصه ... أخلفها من بعده أم سرى بها هي الآل فاحذرها وذرها لأهلها ... وما الآل إلا لمعة من سرابها وكم أسد ساد البرايا ببره ولو ... نابها خطب إذا ما ونى بها فأصبح فيها عبرة لأولي النهى ... بمخلبها قد مزقته ونابها. محمد بن عبد الكريم بن الفضل أبو الفضل القزويني الرافعي والد الشارح المشهور، تفقه ببلده على ملكداد ابن العربي، وأبي علي بن شافعي، وأبي سليمان الزهري، وسمع منهم الحديث، ثم

стр. 674

قدم بغداد، فتفقه على أبي منصور سعد ابن الرزاز بالنظامية، وسمع منه، ومن سعد الخير ومحمد بن طراد الزينبي وغيرهم، ثم رحل إلى نيسابور، فتفقه على محمد بن يحيى تلميذ الغزالي فبرع عليه وحصل المذهب، وسمع بها من أبي عبد الله الفراوي، وعبد الخالق ابن الشحامي، ثم عاد إلى وطنه ودرس الفقه، وروى الحديث، وأخذ عنه ولده الإمام أبو الفضل الرافعي ﵀، توفي في رمضان سنة ثمانين وخمس مائة وهو في عشر السبعين. محمد بن الحسن بن الحسين بن أبي الضياء الخطيب أبو عبد الله البعلبكي ثم المصري نشأ بمصر وقرأ بها الأدب، وسمع بدمشق من ابن عساكر وغيره، ودخل بغداد فاشتغل بها، وسمع بها من أبي زرعة، وابن البطي، ثم عاد إلى مصر فاتصل بالسلطان صلاح الدين، وولاه خطابة مصر، وهو أول من خطب بها لبني العباس، وبعثه بذلك السلطان صلاح الدين رسولا إلى بغداد، وأثنى عليه القاضي الفاضل في رسالته بذلك، وكانت وفاته بدمشق في سنة ثنتين وسبعين وخمس مائة، ولم يكمل الأربعين ﵀. محمد بن هبة الله بن عبد الله السديد الدين السلماسي الفقيه الشافعي

стр. 675

قال ابن خلكان: هو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، وقصده الناس واشتغلوا عليه، وخرج من تلامذته علماء ومدرسون منهم العماد محمد، والكمال موسى ابنا يونس الموصليان، والشريف محمد بن علوان بن مهاجر، وكان مسددًا في الفتوى، وأعاد في نظامية بغداد وأتقن عدة فنون، وتوفي في شعبان سنة أربع وسبعين وخمس مائة. مسعود بن محمد بن مسعود قطب الدين النيسابوري أبو المعالي الطريثيثي الفقيه الشافعي نزيل دمشق مولده سنة مات الغزالي سنة خمس وخمس مائة، أخذ عن والده علم الأدب، ثم رحل إلى مرو، فتفقه على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن المروزي، وتفقه بنيسابور على ابن يحيى، وبرع في المذهب ودرس في نظامية نيسابور نيابة، وورد بغداد، فوعظ بها، فحصل له قبول تام، ثم ورد دمشق سنة أربعين فأقبل عليه أهلها لدينه وعلمه وتفننه، درس بالمجاهدية وبالزاوية الغزالية بعد نصر الله المصيصي، ثم رحل إلى حلب فدرس بالمدرستين النورية والأسدية، ثم مضى إلى همذان وولي بها التدريس مدة ثم عاد إلى دمشق، وعاد إلى تدريس الغزالية والخاروخية وتفرد برئاسة المذهب، وحصل على قبول جيد في الوعظ، وكان متوددًا حسن الأخلاق جيد النظر فصيحا بلغيا كثير التودد فقيهًا نحريرًا، فانتفع به الناس، وحضر بعض مجالسه الملك نور الدين، فجعل يتكلم ويناديه في كلامه: يا محمود كما كان يخاطبه البرهان البلخي، فأنفذ

стр. 676

إليه الحاجب يقول: لا تخاطب الملك، وقيل لنور الدين بعد ذلك فقال: كان البلخي إذا قال: يا محمود تقشعر كل شعرة في جسدي، وهذا إذا قال هذا يقسو قلبي، حكاه البسط الجوزي، وقد سمع الحديث من هبة الله السيدي وعبد الجبار البيهقي، وحدث عنه ابن حمويه وجماعة، وأجاز للبهاء والضياء المقدسيين، مات سنة ثمان وسبعين وخمس مائة ودفن بمقبرة له أنشأها عند مقابر الصوفية، وبنى مسجدًا على الصخرات التي بمقبرة طاحون الميدان، ووقف كتبه ﵀. هبة الله بن أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن البخاري أبو المظفر ابن عمر القاضي أبي طالب كان بارعًا في علم مذهب الشافعي وفي الكلام، ولاه الخليفة الناصر لدين الله نيابة الوزارة، فمكث فيها أقل من سنة، ومات في محرم سنة ثمانين وخمس مائة. هبة الله بن محمد بن هبة الله بن مميل أبو محمد بن أبي نصر الشيرازي ثم البغدادي ولد بها، ثم الدمشقي استوطنها، كان مولده ببغداد سنة خمس مائة وقدم دمشق سنة ثلاثين، وولي إمامة مشهد علي بالجامع،

стр. 677

وفوض إليه عقد الأنكحة، وكان دينًا حسن الطريقة عدلًا فاضلًا صوفيا واعظًا، وسمع ببغداد أبا علي بن نبهان، ومحمد بن الحسن بن باكر الفارسي، وجماعة، وعنه ابنه القاضي أبو نصر الذي بعده، وابن ابنه أبو المعالي أحمد بن محمد، وأبو المواهب بن صصرى وآخرون، توفي سنة ثمان وسبعين وخمس مائة. هبة الله بن يحيى بن الحسن أبو جعفر بن البوقي الواسطي العطار الفقيه الشافعي كان عارفًا بالمذهب والخلاف والفرائض، تفقه على الشيخ أبي علي الفارقي، وبرع في المذهب، وناظر واستنفد به الوزير عون الدين بن هبيرة إلى بغداد، فحدث بها وسمع بها أبا بكر الأنصاري، وسمع أيضًا من أبي نعيم الحمادي وأبي نعيم بن زيرب وخميس الجوزي، وعنه ابن الأخضر وأبو إسحاق الكاشفردي وجماعة، ومات ببلده واسط في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وخمس مائة وله ثلاث وثمانون سنة. يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي ثم البغدادي أخو سليمان وعلي، ووالد الموفق عبد اللطيف، صحب الشيخ نجيب الدين السهروردي، وتفقه عليه وسمع أبا القاسم بن السمرقندي، وأبا منصور بن خيرون، وخلقا وسمع منه ابنه، وتوفي في محرم سنة ست وسبعين وخمس مائة عن إحدى وستين سنة.

стр. 678

يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد الإمام رضي الدين أبو الفضل الموصلي الشافعي والد بني يونس المواصلة الشافعية، وابناه لصلبه كمال الدين موسى، وعماد الدين محمد مشهوران كبيران، مولده بإربل سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وتفقه بها على الحسين بن نصر بن خميس الجهني، وسمع منه كثيرا من حديثه، ثم انحدر إلى بغداد، فتفقه على أبي منصور بن سعيد بن محمد الرزاز، ثم رجع إلى الموصل وسكنها، وأقبل عليه متوليها، ودرس وأفتى وناظر وانتفع به جماعة من الفقهاء، وتوفي في محرم سنة تسع وسبعين وخمس مائة.

стр. 679

المرتبة الرابعة من الطبقة الثامنة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وثمانين وخمس مائة إلى آخر سنة تسعين

стр. 680

إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم أبو الفضل الجنزوي الأصل من مدن إيران وجنزة بني أذربيجان وأرمينية، ثم الدمشقي الدار والمولد، الفقيه الشافعي الشروطي، كان يشهد على باب الجامع بدمشق بصيرًا بكتابة الشروط، وله عناية بعلم الفقه والحديث، تفقه على جمال الإسلام، ونصر الله الميهني، وسمع الحديث منهما، ومن هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن منيس، ويحيى بن بطريق وجماعة. ورحل إلى بغداد مرات، فسمع بها من جماعة آخرين بالأنبار وغيرهما، وعنه عمر بن علي القرشي، وأبو المواهب بن صصرى، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، ويوسف بن خليل، والعماد بن عبد الهادي، والزين بن عبد الدايم وجماعة، توفي في سلخ جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وخمس مائة عن تسعين سنة. أحمد بن إسماعيل بن يوسف رضي الدين أبو الخير الطلقاني القزويني الفقيه العلامة في مذهب الشافعي، وفي الوعظ، مولده سنة ثنتي عشرة وخمس مائة بقزوين، وتفقه على أبي بكر ملكداد بن علي العربي، ثم ارتحل إلى نيسابور، فتفقه بها على محمد بن يحيى حتى برع في المذهب،

стр. 681

وساد وتقدم وصار رئيس الأصحاب، وقدم بغداد بها وحصل له قبول تام في العامة والخاصة، وكان يتكلم يومًا وابن الجوزي يومًا، ويحضر مجالسهما أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله من وراء الأستار، وتحضر الخلائق والأمم، وكان فصيحًا بليغًا مفوها حلو المنطق حسن السمت كثير العبادة والصيام والتلاوة كثير الذكر قليل المأكل، وقد ولي تدريس النظامية ببغداد سنة تسع وستين إلى سنة ثمانين ثم عاد إلى بلده. قال ابن النجار: وكان رئيس أصحاب الشافعي إمامًا في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ وحدث بالكتب الكبار بصحيح البخاري ومسلم، ومسند إسحاق بن راهويه، وتاريخ نيسابور، والسنن الكبرى للبيقهى، ودلائل النبوة، والبعث والنشور له أيضًا، وأملى مجالس كثيرة، وسمع الكثير من أبيه، ومن أبي عبد الله الفراوي، وزاهر الشحامي، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وجماعة ببغداد والطايران وغير ذلك من البلاد، وحدث عنه ابن الدبيثي وأثنى عليه، والموفق عبد اللطيف، وبالغ في وصفه ومدحه أبو البقاء إسماعيل بن محمد المؤدب البغدادي حدث عنه بمسند إسحاق وغيرهم، قال ابن الدبيثي: وزكي الدين المنذري، توفي سنة تسعين وخمس مائة، وقال ابن النجار عن ولده أبي المناقب محمد بن أحمد بن إسماعيل: إن أباه توفي في محرم سنة تسع وثمانين وخمس مائة، فالله أعلم. أحمد بن عبد الله فخر الدين أبو العباس بن النويرة الفقيه الشافعي الواعظ

стр. 682

قدم دمشق، فوعظ بها وبمصر، وحصل له قبول تام لحلاوة إيراده، توفي في شوال سنة تسعين وخمس مائة. الحسن ابن الإمام أبي جعفر هبة الله بن يحيى بن إبراهيم بن الحسن بن أحمد الفقيه أبو علي الواسطي الشافعي المعدل المعروف بابن البوقي ولد سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، وتفقه على أبيه، وبرع في المذهب، وتقدم وسمع من أبي الكرم نصر الله بن محمد بن مجلد، وأبي عبد الله محمد بن علي الجلاني، وسعد بن عبد الكريم الغندجاني، وببغداد من الوزير أبي الظفر بن هبيرة، وأبي الفتح بن البطي وجماعة. وعنه أبو عبد الله المديني كان إليه الفتاوى بواسط، وتوفي في سادس شعبان سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. الحسن بن حمزة بن الحسين بن حبيش البهراني الحبيشي القضاعي الحموي قاضيها أمين الدين أبو القاسم الشافعي أحد الكرماء الأجواد، وكان الملك صلاح الدين يكرمه ويجله ويحترمه، وكان هذا الرجل يضيف الخاص والعام ولا يقبل من أحد برًا ولا شيئًا، مات سنة سبع وثمانين وخمس مائة.

стр. 683

الحسين بن عبد الله بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي الحموي ابن خطيبها الفقيه الشافعي ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وسمع بدمشق من أبي المظفر الفلكي وأبي الحسن علي بن سليمان المرادي والضياء بن هبة الله وجماعة، وكان قد عزم على الدخول إلى المغرب، فركب البحر، فوقع في أسر الفرنج، فمكث عندهم مدة، وولد له هنالك ثم سلمه الله، فخرج ومعه ابنه عز الدين عبد الله، فدخل إسكندرية، وأسمعه من السلفي الكبير، وله شعر جيد رائق، ثم كانت وفاته شهادة على عكا مع الملك صلاح الدين في سنة خمس وثمانين وخمس مائة رحمه الله تعالى. عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى مهذب الدين أبو الفرج ابن الدهان الموصلي الفقيه الشافعي الشاعر له ديوان، ويعرف أيضًا بابن الحمصي، وكان مجموع الفضائل متفننا، وقد ورد على الملك صلاح الدين، فأكرمه وأحسن إليه، وقال جمال الدين القفطي قدم الشام، وصحب أبا سعد بن أبي عصرون، وكان يكرم درسه، ثم إنه ولي التدريس بحمص وتوفي بها في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمس مائة.

стр. 684

عبد الله بن بري بن عبد الجبار العلامة أبو محمد بن أبي الوحش المقدسي الأصل المصري النحوي الشافعي قرأ النحو على أبي بكر محمد بن عبد الملك النحوي، وسمع الحديث من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبي العباس ابن الخطيئة وغيرهم، وتصدر بجامع مصر للاشتغال بالعربية، ورحل إليه الطلبة، وتخرج به جماعة، وانفرد بهذا الشأن، وقد تصدر جماعة من تلامذته في حياته، ومن أشهرهم أبو موسى عيسى بن ملاحم الحرولي صاحب القانون، وقال القفطي: كان عالمًا بكتاب سيبويه وعلله وفيما فيه من الشواهد، وكان لا يرسل كتاب إلى ملك للآفاق حتى يعرض عليه ليتصحفه، وكان ينسب إليه تغف مع هذا، وروى عنه الحافظ علي بن المفضل، والشيخ أبو عمر المقدسي، والفقيه نجم الدين عبد الله بن نجم بن ماس صاحب ديوان الجواهر والبراهين الحميري، قال الموفق عبد اللطيف: كان أبو موسى شيخًا محققًا صحفيًا ساذج الطباع، أبله في أمور الدنيا، فيه تغفل عجيب، يستبعد من سمعه أن يجتمع في رجل متقن للعلم، فمن ذلك أنه كان يلبس الثياب الفاخرة، ويأخذ في كمه العنب والبيض والحطب، وربما وجد منزله مغلقا، فرمى بالبيض من الطاقة إلى الداخل، ويمطر من العنب على قدمه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: العجيب إنما تمطر من الصحو، وكان يتكلم ملحونًا، ولا يتكلف ويلتزم من يخالطه بإعراب، مولده سنة تسع وتسعين وأربع مائة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة، ذكر

стр. 685

ابن الصلاح أنه رأى مولده هذا بخطه، وأرخ وفاته أيضًا بهذا، وذكر أن له تعليقًا على صحاح الجوهري مجلدات مفيدة ﵀. عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران الإمام أبو حامد القزويني الفقيه الشافعي رحل إلى نيسابور، فتفقه على الإمام محمد بن يحيى، وتفقه ببغداد على الإمام أبي المحاسن يوسف بن بندار الدمشقي، وسمع الحديث من محمد بن ناصر الحافظ، وأبي الفضل الأرموي وجماعة وحدث بقزوين، وتوفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهر بن أبي عصرون بن أبي السري قاضي القضاة شرف الدين التميمي، ثم الموصلي، ثم الدمشقي أحد الشافعية في زمانه وقضاتهم الأخيار، مولده سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، تفقه أولًا على القاضي المرتضى بن الشهرزوري، وأبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي، وتوجه إلى واسط، فتفقه أيضًا على الشيخ أبي علي الفارقي، وبرع عنده وعلق ببغداد عن أسعد الميهني، وأخذ الأصول عن أبي الفتح أحمد بن علي بن برهان، ودرس النحو على أبي الحسن بن دبيس، وأبي دلف، وقرأ ببغداد بالسبع على

стр. 686

أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع، والعشرة على أبي بكر المزرفي، ودعوان، وسبط الخياط، وسمع الحديث من أبي القاسم بن الحصين، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبي البركات بن البخاري وغيرهم، ثم عاد إلى بلده بالموصل، فدرس بها في سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، ثم أقام بسنجار مدة، ودخل حلب في سنة خمس وأربعين ودرس بها، وأقبل عليها ملكها نور الدين، فلما انتقل نور الدين إلى دمشق في سنة تسع وأربعين، واستصحبه معه، وولاه تدريس الغزالية، وولي نظر الأوقاف، ثم ارتحل إلى حلب، وولى قضاء سنجار وحران وديار ربيعة، وتفقه عليه هناك جماعة، ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين أيام الملك صلاح الدين، فمال إلى ولاية القضاء عوضا عن الضياء بن الكمال الشهرزوري وعزل الضياء، ووليها القاضي شرف الدين، واستنيب له الأوجد داود، والقاضي محيي الدين بن الزكي بمرسوم سلطاني، فصارا كبيرين كالمعلمين، ولما كان في سنة سبع وسبعين أضر القاضي شرف الدين، وصنف جزءا في جواز ولاية القضاء للأعمى ونصر ذلك، وهو أحد الوجهين في المذهب، فبادر السلطان صلاح الدين أيده الله تعالى، فولى القضاء ولده القاضي ابن أبي عصرون، ولم يزل الواحد خيرًا وإحسانا جزاه الله خيرًا. قال الشيخ الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي ﵀: كان ابن أبي عصرون إمام أصحاب الشافعي في عصره، وكان يذكر التدريس في زاوية الدولني، ويصلي صلاة حسنة الركوع والسجود وذكر من نسبه، وأنه طريقة السلف ﵀، قال: وقد سمعت أنا وأخي الشيخ أبو عمر منه، قلت: وروى عنه أيضًا أبو القاسم بن صصرى

стр. 687

وأبو نصر الشيرازي، وخلق كثير، آخرهم موتا العماد أبو بكر بن عبد الله بن النحاس، ومن أكبر تلاميذه في الفقه الفخر أبو منصور ابن عساكر، ومن تصانيفه (الانتصار) في أربع مجلدات، (صفوة المذاهب في نهاية المطلب) في سبع مجلدات، (فوائد المهذب) في مجلدين، (التنبيه في معرفة الأحكام) مجلد، (المرشد) مجلدان، (الذريعة في معرفة الشريعة) ، (التيسير في الخلاف) ، (مآخذ النظر) ، (مختصر الفرائض) ، (الإرشاد) في نصر المذاهب، ولم يكمله وقد بنى له نور الدين مدرسة بحلب، وأخرى بدمشق وبها قبره، وهو مشهور، وكانت وفاته في الحادي عشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمس مائة ﵀. ومن شعره: كل ما جمع إلى الشتات يصير ... أي صفو ما شانه تكدير أنت في اللهو والأماني مقيم ... والمنايا في كل وقت تسير والذي غره بلوغ الأمان ... بسراب وخلب مغرور ويك يا نفس أخلصي إن ربي ... بالذي أخفت الصدور بصير ، وله أيضًا: أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ... تمر بي الموتى تهز نعوشها وما أنا إلا منهم غير أن لي ... بقايا ليال في الزمان أعيشها. عبد الرحمن بن علي بن المسلم بن الحسين الفقيه أبو

стр. 688

محمد اللخمي الدمشقي الخرقي الشافعي معيد الأمينية جمال الإسلام، وروى عنه، وعن نصر الله المصيصي، وطاهر بن سهل الفقيه، وعبد الرحمن بن حمزة، وعلي بن أحمد بن قيس، والحسين بن حمزة الشعري وغيرهم، وروى عن ابن الموازيني لشيخه أي بمجرد قوله ابن الأنماطي: وعنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، ويوسف بن خليل، وخطيب مردى وجماعة، قال عمر بن الحاجب: كان فقيهًا عدلًا صالحًا يقرأ كل يوم وليلة ختمة وذكر غيره، وأنه أضر في آخر عمره وأقعد أيضًا، وحكى أنه احتاج مرة إلى الوضوء، وكان ليلًا وليس عنده أحد، قال: فبينما أنا أفكر في هذا إذا بنور من السماء قد دخل البيت، فبصرت بالماء، فتوضأت لبعض أصحابه، واستكتمه ذلك فلم يحدث به إلا بعد وفاته، وكانت وفاته ﵀ في ذي القعدة في سنة سبع وثمانين وخمس مائة ﵀. عبد المحمود بن أحمد بن علي الفقيه أبو محمد الواسطي الشافعي تفقه ببلده على أبي جعفر هبة الله بن البوقي، وسمع بالكوفة من أبي العباس بن ناقة، وبالبصرة من المبارك بن محمد المواقيتي،

стр. 689

وبمكة من المبارك بن علي الطباخ، ودرس وأفتى، ومات كهلًا في ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمس مائة بواسط ﵀. عبد الواحد بن علي ابن القدوة أبي عبد الله محمد بن حمويه وأبي الجويني الحيراباذي الفقيه الشافعي الصوفي سمع من وجيه الشحامي، وببغداد من أبي الوقت، وبهمذان من شهردار بن شيرويه وغيرهم، وعنه الحافظ علي بن المفضل، والتاج بن أبي جعفر وآخرون، مات سنة ثمان وقيل: تسع وثمانين وخمس مائة عن نحو ستين سنة. الملك المظفر تقي الدين عمر ابن الأمير نور الدين شاهنشاه بن نجم الدين أيوب صاحب حماة، ووالد ملوكها، كان بطلا شجاعًا فارسًا مقدامًا وسيفًا مسلطا على الأعداء، وركنا من أركان البيت الأيوبي، وكان من أكبر أنصار عمه الملك صلاح الدين وأعيان أعوانه، استنابه عمه صلاح الدين على مملكة الديار المصرية، فلما مرض الملك صلاح الدين بالشام، وثقل في المرض، طمعت نفس الملك المظفر بملك الديار المصرية، فلما عوفي السلطان بعث طلبه من مصر، فتمنع ووقعت وحشة بينهما ثم سعى في الصلح الفقيه عيسى المكاري أحد

стр. 690

الأمراء الصلاحية حتى انتظم الحال، وآل إلى الاعتدال، فتفرج الملك المظفر في ملك حماة، وأعطاه مع ذلك المعرة، وسليمة، وميافارقين، وحران، والرها، وكان محبًا للعلماء، وله فضيلة، وعنده أدب جيد وشعر حسن، وبنى للشافعية بدمشق مدرسة مشهورة بهم، وقد روى الحديث عن الحافظ السلفي، والفقيه إسماعيل بن عوف، وروى عنه شيئًا من شعره، وتوفي وهو محاصر مناز كرد من أعمال أرمينية في تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانين وخمس مائة، ونقل إلى حماة فدفن بها ﵀، ففجع به الملك صلاح الدين، لأنه كان شجاعًا عظيمًا وقرر ولده الملك المنصور ناصر الدين محمد على مملكة حماة والمعرة وسليمة فقط، واستمر لولده من بعده مملكة حماة إلى زماننا هذا. عيسى بن محمد بن عيسى الأمير العالم الفقيه أبو محمد الهكاري الشافعي أحد أمراء الدولة الصلاحية اشتغل قديمًا على الإمام أبي القاسم بن البزري شيخ الشافعية بها، واشتغل بحلب بالمدرسة الرحاحية ثم اتصل بخدمة الأمير أسد الدين شيركوه، وصار إمامه في الصلوات وتوجه معه إلى مصر، وكان من أكبر الأعوان على تمليك صلاح الدين الديار المصرية هو والطواشي بهاء الدين قراقوش، وقد سمع الحافظ السلفي، وأبا القاسم ابن عساكر، وحدث بقيسارية،

стр. 691

فسمع منه القاضي محمد بن علي الأنصاري وغيره وكان له دلال على الملك صلاح الدين كثيرًا، يدخل عليه ومعه القصص الكثيرة، فيقضيها له، وقد حصل له في وقت أنه أسرته الفرنج، وفدي بستين ألف دينار، وكانت وفاته في المحرم على علة سنة ثمان وثمانين وخمس مائة ﵀. قاسم بن إبراهيم المقدسي ثم المقري الشافعي الشيخ الصالح، وسمع من علي بن إبراهيم بن صولة، وعبد الغني بن طاهر الزعفراني، والفرضي، وعنه علي بن المفضل وغيره، وتوفي في ثالث المحرم سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. قاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الإمام الحافظ العلامة الضرير أبو القاسم الرعيني الأندلسي الشاطبي المقرئ الشهير صاحب القصيدة الموسومة بحرز الأماني، ولم يلحق فيها ولا سبق إلى مثلها، وكان مقيما بالديار المصرية، وقرأ عليه الأعيان والأكابر، وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمس مائة، وقد جاوز الخمسين سنة بيسير، ألحقه النواوي فيما استدركه على ابن الصلاح. المبارك بن المبارك أبو طالب الكرخي الفقيه الشافعي

стр. 692

أحد المبرزين تفقه بابن الخل وصحبه مدة وعرف به، وسمع الحديث من أبي القاسم بن الحصين، وأبي بكر الأنصاري، وبرع في المذهب، وساد وكتب الخط المنسوب، وأدب ولدي أمير المؤمنين الناصر لدين الله، فصار له وجاهة عظيمة ببغداد إلى أن ولي تدريس النظامية في سنة إحدى وثمانين بعد أبي الخير القزويني، وتفقه به جماعة، وكتب عنه أبو بكر الحازمي وغيره، وقال الموفق عبد اللطيف: كان ذا علم وعمل وعفاف ونسك وورع، وكان ناعم العيش يقوم على نفسه وبدنه قياما حكيما، رأيته يلقي الدروس، فسمعت منه فصاحة رائعة، فقلت: ما أفصح هذا الرجل، فقال شيخنا ابن عبيد النحوي: كان أبوه عوادًا، وكان هو معي في المكتب، وضرب بالعود، وأجاد وتحذق فيه حتى شهدوا له أنه في طبقة معبد، ثم أنف واشتغل بالخط حتى شهدوا له أنه أكتب من ابن البواب ولا سيما في الطومار والثلث، ثم أنف منه واشتغل بالفقه فصار كما ترى، وعلم ولدي الناصر لدين الله فأصلح مراتبه، وتوفي في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمس مائة وله اثنان وثمانون سنة ﵀. محمد بن إسماعيل بن عبيدة بن ودعة البغدادي الفقيه أبو عبد الله ابن البقال الشافعي معيد النظامية، كان بارعًا في المذهب والخلاف، اخترمته المنية شابًا سنة ثمان وثمانين وخمس مائة.

стр. 693

محمد بن الحسن بن محمد بن زرقان الفقيه أبو عبد الله الشافعي تلميذ أبي الحسن محمد بن الخل، وقد أعاد لأبي طالب محمد بن محمد الكرخي، وشهد على قاضي القضاة أبي طالب بن البخاري، وناب عنه أيضًا في القضاء، وسمع من أبي الوقت، ومات بنواحي هراة سنة تسعين وخمس مائة. محمد بن عبد الله ابن الفقيه مجلى بن الحسين بن علي بن الحارث الأرملي الأصل المصري القاضي أبو عبد الله الشافعي ويعرف بحسنون، ناب في الحكم بالديار المصرية نحوًا من عشرين سنة، وهو والد القاضي أبي عبد الله، وجده مجلى ولي عقد الأنكحة بالرملة، سمع من أبي الفتح سلطان بن إبراهيم الفقيه، وأبي صادق، وابن رفاعة، مات سنة تسع وثمانين وخمس مائة. محمد بن عبد الواحد بن العدل أبي غالب محمد بن علي الفقيه ابن جعفر ابن الصباغ البغدادي الشافعي تفقه على سعيد ابن الرزاز، وولي قضاء حريم دار الخلافة، فلم

стр. 694

تحمد سيرته، فعزل وناب في التدريس بالنظامية، وقد سمع الحديث من أبي السعادات بن المتوكل، وأبي القاسم بن الحصبي، وأجاز له ابن بيان الرزاز، وعنه سعيد بن هبة الله، وعمر بن علي القرشي وغيرهما، توفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة عن سبع وسبعين سنة. محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد الحافظ الكبير أبو موسى المديني الأصبهاني أحد الأعلام، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمس مائة، وتخرج بالإمام إسماعيل بن محمد التيمي، وأخذ عنه المذهب وعلوم الحديث، وقد عرض عليه علومه للحاكم من حفظه، وسمع منه، ومن غانم النرحي وأبي علي الحداد، ومحمد بن أحمد العدياني، وتميم بن علي الواعظ، وعبد الكريم بن علي بن فوروجة، وعبد الواحد بن محمد الدشنج، وعثمان بن عبد الرحيم الليبكي النيسابوري، وعلي بن عبد الله النيسابوري الواعظ، عن ابن مسرور، وسمع من جماعة أخرى كثيرين ببلده وببغداد وبهمذان، وصنف التصانيف المليحة المفيدة المشهورة منها المطولات في مجلدين، وتتمة معرف الصحابة ذيل به على كتاب أبي نعيم الحافظ، وله كتاب اسمه الغريبين، وكتاب عوالي التابعين وغير ذلك من الكتب النافعة، وكان حافظا واسع الدائرة جم العلوم، قال أبو سعد السمعاني: كتبت عنه، وسمعت منه، وهو

стр. 695

ثقة صدوق، وقال ابن الذهبي: عاش حتى صار أوحد وقته وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا، وروى عنه جماعة كثيرون منهم الحفاظ الأربعة، أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، وعبد الغني المقدسي وبه تخرج، وانتفع، وعبد القادر الرهاوي، ومحمد بن مكي، والناصح بن الحنبلي، وأبو نجيح محمد بن معاوية مقرئ أصبهان. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: حصل له من المسموعات بأصبهان حاجته ما لم يحصل لأحد في زمانه فيما أعلم، وانضم إلى كثرة مسموعاته الحفظ والإتقان، وله التصانيف التي أربى فيها على تصانيف بعض من تقدمه مع الثقة فيما يقول، وتعففه الذي لم نره لأحد من حفاظ الحديث في زماننا، له شيء يستمد به، ولا يقبل من أحد شيئًا قط، ثم ذكر حكايات تدل على هذا الورع والزهد التام، والفراغ المطلق عما في أيدي الناس والتواضع، والقرب من الناس بحيث كان يعلم الصبيان القرآن في الألواح، ويرسل المبتدئين، ولا يدع أحدًا يمشي معه، توفي ﵀ في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمس مائة، وقد رأى بعض الصالحين ليلة مات الحافظ أبو موسى المديني أن رسول الله ﷺ قد مات، ومثل هذا إنما يرمي لكبار العلماء. محمد بن أبي منصور المبارك بن محمد بن محمد بن الخطيب أبو المعالي

стр. 696

قاضي المدائن، وابن قاضيها، روى عن أبي الوقت وله شعر، وتوفي سنة ثنتين وثمانين وخمس مائة. محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي قاضي القضاة محيي الدين أبو حامد ابن قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري قاضي حلب تفقه عن أبي سعيد بن الرزاز ببغداد، ثم ناب في الحكم عن أبيه بدمشق، ثم ولي قضاء حلب، ثم ولي قضاء الموصل، ودرس بها بمدرسة أبيه، وبالنظامية بها، وتمكن عند ملكها عز الدين مسعود بن زنكي واستولى على أموره، وكان جوادًا سريًا، وقد سمع الحديث من عم أبيه أبي بكر محمد بن القاسم، وكتب عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الأنصاري، قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: قيل: إنه أطلق في بعض رسائله إلى بغداد على الفقهاء والأدباء والشعراء عشرة آلاف دينار أميرية، ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريمًا على دينارين فما دونهما بل يوفيهما عنه، ولما ولي الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين غاية التمكين، وفوض إليه تدبير مملكة حلب، ثم فارق حلب سنة ثلاث وسبعين، وتوجه رسولا إلى الخليفة غير مرة، ويحكى عنه رياسة ضخمة ومكارم كبيرة، قال: وأنشدني له بعض الأصحاب في جرادة:

стр. 697

لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبيتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم ، وله أيضًا: قامت بإثبات الصفات أدلة ... قصمت ظهور أئمة التعطيل وطلائع التنزيه لما أقبلت ... هزمت ذوي التشبيه والتمثيل فالحق ما صرنا إليه جميعنا ... بأدلة الأخبار والتنزيل من لم يكن بالشرع مقتديا فقد ... ألقاه فرط الجهل في التضليل ، توفي ﵀ في رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمس مائة بالموصل، عن ثنتين وستين سنة. محمد بن منجح بن عبد الله أبو شجاع الفقيه الشافعي الصوفي الواعظ تفقه على الأستاذ أبي القاسم البزري بالجزيرة، وببغداد على عبد الله بن أبي بكر الشاشي، وسمع من قاضي المرستان، وأجاز له محمد بن طاهر، ثم قدم دمشق، وتولى قضاء بعلبك، ثم عاد إلى بغداد،

стр. 698

وتوفي بها في ثامن عشر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وخمس مائة عن ست وسبعين سنة، ومن شعره: سلام على وادي الغضا ما تناوحت ... على ضفتيه شمأل وجنوب أحمل أنفاس الخزامى تحية ... إذا آن منها بالعشي هبوب لعمري إن شطت بنا غربة النوى ... وحالت صروف دوننا وخطوب وما كل رمل جئته رمل عالج ... وما كل ما قد عمت فيه سروب رعى الله هذا الدهر كل محاسني ... لديه وإن أكثرتهن ذنوب ، وذكروا أنه في دعابة وظروف، قيل: إنه لما ورد واسط وطاب لهم وعظه، وسألوه أن يذكر لهم يومين في الأسبوع فأجابهم إلى ذلك، وجعل كل ما غير لهم يوما يعتذرون بشغل الغذاء إلى أن انتهت الجمعة فقال: لو علمت هذا كنت جئت معي بيوم آخر من بغداد. محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن الشيخ نجم الدين أبو البركات الخبوشاني وخبوشان قرية من قرى نيسابور، الفقيه الصوفي الزاهد

стр. 699

الورع المتقشف أحد الآمرين بالمعروف القائمين به الصادعين بالحق، قال ابن خلكان: كان فقيهًا ورعًا تفقه بنيسابور على محمد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه المحيط حتى قيل: إنه عدم الكتاب، فأملاه من خاطره، وله كتاب تحقيق المحيط في ستة عشر مجلدًا، قال: وكان السلطان صلاح الدين يقربه ويعتقد في علمه ودينه، وعمل له المدرسة المجاورة لضريح الشافعي، قال: ورأيت جماعة من أصحابه وكانوا يصفون فضله ودينه وأنه كان سليم الباطن، وقال المنذري: كان مولده في رجب سنة عشر وخمس مائة، وحدث عن أبي الأسعد هبة الرحمن بن القشيري، وقدم مصر سنة خمس وستين، فأم بالمسجد المعروف به بالقاهرة على باب الجوانية مدة ثم تحول إلى تربة الشافعي، وشغل بعمارتها وعمارة المدرسة إلى جانبها، فأقام بها مدة طويلة، وأفتى ووضع في المذهب كتابًا مشهورًا، وقال الموفق عبد اللطيف: كان فقيهًا صوفيًا سكن خانقاه السميساطي بدمشق، وكانت له معرفة بنجم الدين أيوب، وأخيه أسد الدين، وكان قشفا في العيش بائسا في الدين، وكان يقول: أصعد إلى مصر وأزيل مالك بن عبيد اليهودي، فلما صعد أسد الدين منعه، ونزل بمسجد وصرح بثلث أهل القصر وجعل لشيخه منهم، فحاروا فيه، وأرسلوا إليه بمال عظيم نحوا من أربعة آلاف دينار فرده إليه الذي جاءوا به ولم يأخذه صرفه، وما ازداد إلا شدة وغلظة، وهو الذي جرأ صلاح الدين على الخطبة لبني العباس، فانتظم ذلك ولله الحمد، وذكروا أن الملك صلاح الدين كان شديد التعظيم له، وأنه كان يأمره وينهاه بعنف ولا يباليه، حتى أنه كان يزوره ويعظمه، وقد زار القاضي الفاضل الشافعي مرة، فوجد الخبوشاني في

стр. 700

الدرس، فجلس معه على سرير التدريس، وكان حييًا فاستدبر القاضي الفاضل ببعض بدنه فصاح به قم استدبرت الإمام، فقال القاضي: أنا وإن استدبرته بقالبي فإني مستقبله بقلبي، قال: قم قم ما تعبدنا بهذا، فقام خجلا وهو لا يعقل. وذكر أن الملك العزيز بن الناصر صلاح الدين زاره، فصافحه ثم استدعى بماء ليغسل يده من مصافحته، وقال: لعل علمًا بك لا تحترزون من صيانة اللجام من البول والنجاسة، فقال له الملك: فاغسل وجهك أيضًا فإنك مسسته بيدك ففعل أيضًا، فغسل يديه ووجهه، ولهذا كان إذا ركب حماره، يوطئ تحته بألبسة حتى لا يناله عرق ولا شيء، وكان إذا مر به أي راكب ضربه حتى نزل، فكانوا يتحامونه، حتى إنه مر به الطبيب المعروف بابن سوعة فتحامق الطبيب أن ينزل فضربه بالمقرعة، فأبدر عينيه وذهبت هذرًا، وكان مع هذه الشدة والقوة في غاية الصلابة والتقشف والزهد والتورع، لم يأكل من مال الملوك لقمة، ولا أخذ من ريع المدرسة، فلسًا ولا جامكية ولا شيئًا، ولكن كان له من أهل بلده تاجر بمصر، فكان يأكل من ماله، وكان قليل الرزق، ولما توفي في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمس مائة كفن في كسائه الذي جاء معه من خبوشان. محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن حازم الحافظ أبو بكر الحازمي الهمذاني

стр. 701

مؤلف الناسخ والمنسوخ وغيره، مولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مائة، فسمع بهمذان من أبي الوقت حضورًا ومن شهردار بن شيرويه، وأبي زرعة محمد بن طاهر، ومعمر بن الفاخر وخلق. ورحل وجال وسمع ببلاد شتى: بخارى، والشام، وحران، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وواسط، والموصل وغيرها من البلدان، وتخرج بالحافظ أبي موسى المديني، وكان أبو موسى يقول: هو أحفظ من عبد الغني المقدسي، وما رأيت شابًا أحفظ منه، قال ابن المديني: وقدم بغداد واستوطنها، وتفقه بها على مذهب الشافعي، وجالس علماءها، وتميز وفهم وصار من أحفظ الناس للحديث، وأسانيده ورجاله مع زهد وتعبد ورياضة، وذكر أنه صنف في علم الحديث عدة مصنفات، وأملى في عدة مجالس، وسمعت منه ومعه، وكان كثير المحفوظ حلو المذاكرة تغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام، وأملى طرق الأحاديث التي في كتاب المهذب لأبي إسحاق وأسندها، ولم يتمه، قلت: قد سلك بعده في هذا الحافظ أبو الفضل محمد بن عسكر بن اللحية، وأتم الكتاب، وهو مفيد جدًا وسنذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر النجار: كان أبو بكر الحازمي من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث، ومعانيه ورجاله، وكتب الناسخ والمنسوخ، وكتاب عجالة المبتدى في الأنساب، والمؤتلف والمختلف في أسماء البلدان , وأسند الأحاديث التي في المذهب، وأملى بواسط مجالس، وكان ثقة حجة نبيلًا زاهدًا عابدًا ورعًا ملازمًا للخلوة والتصنيف ونشر العلم، أدركه أجله وهو شاب، فتوفي في الثامن والعشرين من

стр. 702

جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمس مائة عن خمس وثلاثين ﵀، وذكره ابن الصلاح مختصرًا ولم يؤرخ وفاته. محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي الرجاء الأستاذ أبو طالب التميمي الأصبهاني المعروف بالقاضي صاحب الطريقة في الخلاف كان من كبار الأئمة من تلامذة محمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وكان له في الوعظ اليد البيضاء، وكان ذا فنون كثيرة وعلوم غزيرة، تفقه به جماعة من أهل أصبهان، وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمس مائة. مشرف بن المؤيد بن علي أثير الدين أبو المحاسن الهمذاني الأرنوي أخذ من جد شرف الدين الأبرقوي الشافعي البزاز، ويعرف بابن الحاجب، سمع من هبة الله بن الفرج ابن أخت الطويل، وأبو الفتوح الطائي، وبدمشق من ابن المظفر الفلكي، ودخل مصر فاستوطنها وسمع بها من أبي الحسن ابن بنت أبي سعد وغيرهم، وحدث بمصر، وتوفي بها في ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وخمس مائة. موسى بن عبد الله بن هلوات أبو عمران الجذامي البابلي المصري الفقيه الشافعي المقري الضرير

стр. 703

تفقه على القاضي المجلي بن جميع المخزومي، وقرأ على أبي محمد بن إبراهيم الكراني، وعلي بن عبد الرحمن بن نفطويه، وسمع الحديث من منجب المرشي، وعنه ابنه حرمي، وجماعة، توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وخمس مائة. يحيى بن حبش بن الشهاب السهروردي هكذا نسبه القاضي شمس الدين ابن خلكان، وقال: كان شافعي المذهب، وقرأ الحكمة والأصول على حجة الدين الجيلي شيخ الفخر الشيرازي بمراغة، وله في النظم والنثر أشياء، وكان يتهم بانحلال العقيدة، والتعطيل، ويعتد بمذهب الحكماء المتقدمين، اشتهر ذلك عنه، وأفتى علماء حلب بإباحة دمه، وكان أشدهم عليه شمس الدين، وزين الدين ابنا جهبل، قال: وكان أصحابه يلقبونه بالمؤيد، قال ابن خلكان: قال السيف الآمدي: اجتمعت بالسهروردي بحلب، فرأيته كثير العلم قليل العقل، قال لي: لا بد أن أملك الأرض، رأيت كأني قد شربت ماء البحر، فقلت: هذا يكون اشتهار العلم، وما يناسب هذا فرأيته لا يرجع، ولما أن تحقق هلاك نفسه، قال: أرى قدمي أراق دمي وهان دمي فهان دمي. قال ابن خلكان: حبسه الملك الظاهر ثم خنقه في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمس مائة. وقال بهاء الدين ابن شداد: قتل ثم صلب أياما، قال: وأخرج من الحبس ميتا في سلخ سنة سبع وثمانين وخمس مائة، وقال بهاء الدين: فتفرق عنه أصحابه، وكان اسمه عمر، وكان أوحد في العلوم الحكمية جامعا

стр. 704

لفنون الفلسفة بارعا في أصول الفقه، مفرط الذكاء فصيح الركان، كأنه لم يناظر أحدًا إلا أربى عليه، وكان علمه من أكثر عقله، قال فخر الدين المارديني: ما أدل هذا الشاب وأفصحه إلا أني أخشى عليه لكثرة نهوله، وانبهاره هلاكه، وذكر أن الفقهاء لما قربه الملك الظاهر غازي صاحب حلب قاموا عليه، وكتبوا إلى الملك الناصر صلاح الدين أنه يخشى أن يفسد عقيدة ولده غازي، فكتب صلاح الدين إلى ولده الظاهر غازي بخط القاضي الفاضل أنه لا بد من قتله، ولا سبيل إلى أن يطلق ولا ينفى بوجه، فلما لم يبق إلا قتله، اختار هو أن يترك في بيته حتى يموت جوعا، ففعل به ذلك في أواخر سنة ست وثمانين، وعاش ستا وثلاثين سنة، قلت: إنما ذكرته في الطبقات ليعرف حاله، وليفرق بينه وبين الشيخ شهاب الدين السهروردي شيخ الصوفية، وأحد الصالحين الآتي ذكره في الطبقة التاسعة، وله من المصنفات التلويحات اللوحية والعرشية، وكتاب هياكل النور، وكتاب المعارج، وكتاب حكمة الإشراق، وكتاب المطارحات، وكتاب اللمحة وغير ذلك من الكتب المشتملة على الفلسفة، وعلم الأوائل التي ساقها، قدر الله بسببها إلى قتله، وجعله مثلة بين الناس يرتدع به من كان على طريقته، ومنهجه، ولو أنه اقتفى بالآثار النبوية والأخبار المصطفوية المنقولة بالسند الصحيح عن خير البرية لأحسن من هذه البلية ولرفع يوم القيامة إلى الجنة العلية، ولكن كان ما وقع به مقدورًا، وكان على جبينه مسطورا. الملك الناصر صلاح الدين يوسف فاتح بيت المقدس، وباني الآثار الحسنة، وناصر الدين أسكنه الله تعالى الجنة بمنه وكرمه يوسف بن الأمير نجم الدين أبي المظفر أيوب بن شادي بن مروان بن يعقوب الديلي. الملك الناصر صلاح الدين الذي فتح بيت المقدس من أيدي

стр. 705

الكفرة اللئام، ومن عبدة الصلبان والأوثان، بيض الله وجهه وأعلى درجته في منازل الجنان، كان مولده بتكريت وأبوه متولي قلعتها سنة ثنتين وثلاثين وخمس مائة، ثم قدموا حلب، فكانوا تحت كنف الأتابكي زنكي ملكها والد نور الدين الشهيد، وتربى صلاح الدين يوسف في خدمة عمه أسد الدين شيركوه وباشر والده نجم الدين أيوب نيابة بعلبك، ثم لما تملك نور الدين بعد أبيه سنة إحدى وأربعين، وترعرع صلاح الدين في أتابكية دمشق، وكان فيه إذ ذاك لعب وشرب، فلما دخل مع عمه إلى الديار المصرية لنجدة العاضد بسفارة شاور الوزير، وكان من أمورهم ما هو مبسوط في غير هذا الموضع وقيل شاور المذكور، استوزر العاضد أسد الدين شيركوه، فلم يلبث فيها إلا قريبًا من شهرين حتى مات، فتولى صلاح الدين يوسف الوزارة بمصر للعاضد، وعاهد الله وتاب مما كان فيه وأناب، وسعى في الإصلاح وسداد الأمور، وأمر الخطباء بذكر الخليفة العباسي أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، ففعل ذلك بعد العاضد، ثم قدمه عليه في الذكر، ثم أمر بترك ذكر العاضد ففهم العاضد إيلافه وذهابه، فعاجل نفسه وتحسى سُمًّا حتى مات، وزال بموته ملك الفاطميين عن الديار المصرية وغيرها من البلاد ولله الحمد، قال الشاعر: توفي العاضد المدعى ... فما يفتح دريدعه فما وعصر فرعونها انقضى ... وإلى يوسفها في الأمور محتكما فلما كان ذلك مكن الله تعالى وله الحمد الملك صلاح الدين
следующие страницы →