Полный текст (907 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
السلطان أرسلان بن السلطان عز الدين مسعود بن مودود بن أتابك زنكي بن أقسنقر الملك العادل نور الدين أبو الحاث صاحب الموصل وابن صاحبها
قال القاضي ابن خلكان: كان ملكًا شهمًا عارفًا بالأمور، وانتقل إلى مذهب الشافعي، فلم يكن في البيت الأتابكي شافعي سواه، وبنى المدرسة المعروفة بالموصل للشافعية فلم يوجد مدرسة في حسنها، وذكروا أنه كان له حرمة وهمة عالية وانفعال في فعل الخيرات.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وفي سنة سبع وست مائة أرسل صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه يخطب ابنة السلطان الملك العادل بقلعة دمشق على صداق ثلاثين ألف دينار، وكان العقد مع وكيله، ثم انكشف الأمر أنه قد مات من أيام بالموصل، وقال ابن خلكان: توفي في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وست مائة.
إلياس بن جامع بن علي أبو الفضل الإربلي الفقيه الشافعي الشاهد
ارتحل إلى بغداد فتفقه بنظاميتها وسمع الحديث وله تخاريج وتعاليق مفيدة، كان بصيرًا بصناعة الشروط، توفي ببلده في ربيع الأول سنة إحدى وست مائة وله خمسون سنة.
التقي الأعمى مدرس الأمينية بدمشق
стр. 737
كان فقيهًا بارعًا عارفًا بالمذهب نبيلًا مفتيًا جليلًا إمامًا، أثنى عليه الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وقال: توفي في ذي القعدة سنة إحدى وست مائة، وجد التقي الأعمى مشنوقًا بالمئذنة الغربية، قيل: إنه هو الذي فعل بنفسه، ودرس بعده الجمال المصري وكيل بيت المال.
ربيعة بن الحسن بن علي الفقيه الأجل مجد الدين أبو المجد الأنصاري الدمشقي الشافعي
المعروف بابن النحاس، وإليه ينسب الحمام بطريق الصالحية، تفقه على أبي سعد بن أبي عصرون، وسمع السلفي، وابن عساكر، وغيرهما، وعنه الشهاب القوصي، توفي في جمادى الآخرة سنة إحدى وست مائة.
ربيعة بن الحسن بن علي بن عبد الله بن يحيى أبو نزار الحضرمي التميمي الصنعاني الذماري
الفقيه الشافعي المذهب، الشاعر الماهر، تفقه بظفار على الفقيه محمد بن عبد الله ابن حماد وغيره، وركب البحر، ودخل بغداد، وهمذان وغيرهما من البلاد، وأقام بأصبهان مدة طويلة، وتفقه بها على الإمام أبي الفرات الشافعي، وسمع جماعة من المشايخ ببلاد شتى كالسلفي، ومعمر بن الفاخر، وأبي موسى المديني، وروى عنه الزكيان المنذري،
стр. 738
والبرزالي، والضياء، وابن خليل، والشهاب القوصي، والبلداني، قال المنذري: هو أحد من لقيته يفهم هذا اللسان، وكان عرافًا باللغة معرفة حسنة كثير التلاوة والتعبد والانفراد.
وقال عمر بن الحاجب: كان إمامًا عارفًا حافظًا ثقة أديبًا شاعرا حسن الخط ذا دين وورع، توفي في ثاني عشر جمادى الآخر سنة تسع وست مائة رحمه الله تعالى، ومن شعره ما رواه عنه الحافظ الشهاب القوصي:
ببيت لهيا بساتين مزخرفة ... كأنها سرقت من دار رضوان
أجرت جداوله ذوب اللجين على ... حصى من الدر مخلوط بعقيان
والطير تهتف في الأغصان صادحة ... كضاربات مزامير وعيدان
وبعد هذا لسان الحال قائلة ... ما أطيب العيش في أمن وإيمان
، ومنهم من يقول: هذا هو العيش إلا أنه فاني.
عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس قاضي القضاة بالديار المصرية صدر الدين أبو القاسم الماراني الفقيه الشافعي
ولد بنواحي الموصل في حدود سنة عشر وخمس مائة، وتفقه بحلب على أبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع بدمشق
стр. 739
على الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وقدم مصر في سنة بضع وستين، فاستوطنها، وسمع بها الحديث، وخرج له علي بن المفضل الحافظ أربعين حديثًا، وكان مشهورًا بالصلاح والغزو، وطلب العلم يتبرك بآثاره للمرضى، وروى عنه الحافظ المنذري، توفي في خامس رجب سنة خمس وست مائة.
عبد الوهاب ابن الأمير أبي منصور علي بن علي بن عبد الله الإمام العالم المحدث الفقيه البارع
مسند العراق وشيخها ضياء الدين أبو أحمد البغدادي الصوفي الشافعي المعروف بابن سكينة، وهي جدته أم أبيه، ولد سنة تسع عشرة وخمس مائة في شعبان، وقرأ القرآن، واشتغل بعلمه كالقراءات، والعربية ونحوها، وسمع الحديث، وقرأ الفقه على مذهب الشافعي، وعلم الخلاف على أبي منصور سعيد بن الرزاز شيخ بغداد، وكان كثير الاشتغال بالتنبيه، والمهذب، والوسيط وإذا دخل عليه الطلبة يقول: لا تزيدوا على سلام عليكم، مسألة من حرصه على المباحثة وتحرير الأحكام، وأخذ علم الحديث عن محمد بن ناصر، وصحبه ولزمه وأخذ عنه الكثير من الفوائد والعربية والغريب وغير ذلك، وطال عمر حتى رحل إليه،
وقد ذكره ابن النجار، فأطنب في شكره، والثناء عليه بالجميل من متابعة السنة، والعمل الكثير، وحفظ الأوقات أن يذهب شيء منها، إلا في عمل صالح إلى أن قال: ولقد طفت شرقًا وغربًا
стр. 740
ورأيت الأئمة والزهاد فما رأيت أكمل منه ولا أكثر عبادة، ولا أحسن سمتًا، وكان ثقة نبيلا علمًا من أعلام الدين روى عن أبيه، وعن أبي القاسم بن الحصين، وزاهر الشحامي، وخلق ولبس من جده أبي البركات خرقة التصوف سمع منه الحافظ علي بن أحمد الزيدي، والقاضي عمر بن علي، وأبو بكر الحازمي وخلق، وروى عنه بالإجازة الفخر، وأحمد بن شيبان، وآخر من روى عنه بها المسند كمال الدين عبد الرحمن بن عبد
اللطيف بن الرقام شيخ المستنصرية، عاش بعده تسعين سنة، توفي ابن سكينة ﵀ في تاسع عشر ربيع الآخر سنة سبع وست مائة، وقال الشيخ أبو شامة، وكان يومًا مشهودًا وكان من الأبدال.
عثمان بن عيسى بن درباس القاضي العلامة ضياء الدين أبو عمر الهمداني الفارابي ثم المصري
الشافعي أخو قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك، تفقه في صباه بإربل على أبي العباس الخضر بن عقيل، ثم تفقه بدمشق على القاضي أبي سعد بن أبي عصرون، وأبي البركات الخضر بن شبل الحازمي، وساد وتقدم وبرع في المذهب، وشرح المذهب للشيخ أبي إسحاق الشيرازي في عشرين مجلدًا إلى كتاب الشهادات، وشرح اللمع له في مجلدين، وكان من أعلم الشافعية، قال الحافظ
стр. 741
المنذري: توفي في ذي القعدة سنة اثنين وست مائة ﵀.
علي بن سعادة بن الجنيس الفقيه الإمام أبو الحسن الفارقي الشافعي
تفقه بتبريز، وارتحل إلى بغداد فسمع بها الحديث، وعلق الخلاف على الإمام أبي المحاسن بن بندار، وتفقه وبرع، وتقدم وأعاد بالمدرسة النظامية وولي تدريس أم الناصر وناب في القضاء، وفي تدريس النظامية، وكان من كبار الشافعية، ومات سنة ثنين وست مائة.
علي بن محمد بن جمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلم الفقيه شرف الدين أبو الحسن الدمشقي الشافعي
المعروف جده بابن بنت الشهرزوري، اشتغل وسمع الحديث من جماعة، منهم خالاه الصائن هبة الله، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر، وحدث ببغداد ومصر، وكانت له اليد الطولى في الخلاف، ومعرفة المذهب، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: درس بالأمينية، وبالزاوية، وكان عالمًا بالمذهب، والخلاف ماهرًا ثم أخرج من دمشق، ومات بحمص بعد ما أقام بها مدة وكانت وفاته في تاسع جمادى الآخرة سنة اثنين وست مائة، روى عنه الحافظ الضياء، ويوسف بن خليل، والشهاب القوصي، وقال: كان من الشام.
المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني العلامة
стр. 742
مجد الدين أبو السعادات بن الأثير الجزري ثم الموصلي كاتب الإنشاء بها الفقيه البارع العلم الشافعي
له كتاب جامع الأصول وكتاب النهاية في غريب الحديث وكتاب في شرح مسند الإمام الشافعي، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكاشف والكشاف، وتفسير الثعلبي والزمخشري، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وله ديوان رسائل، وكتاب لطيف في صناعة الكتابة، وكتاب المصطفى المختار في الأدعية والأذكار، وكتاب المختار في مناقب الأخيار وغير ذلك، وكان عليمًا بالحساب، وصناعة الكتاب، وله حرمة وافرة وأبهة، وحرمة زائدة ببلده، مولده سنة أربع وأربعين وخمس مائة بجزيرة ابن عمر، ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل فسمع بها من خطيبها يحيى بن سعدون القرطبي، ولما حج سمع ببغداد
من ابن كليب وغيره، وحدث، وانتفع الناس به، وقرأ الحديث، والفقه، والأدب، والنحو ثم اتصل بخدمة السلطان، وترقت به المنازل حتى باشر كتابة السر، وصار رئيسًا مشارًا، وكان ورعًا مهيبًا عاقلًا مهابا ذا بر وإحسان، ثم إنه حصل به نقرس أبطل حركة يديه ورجليه، وصار يحمل في محفة، فأقام بداره، وأنشأ رباطًا بقرية من قرى الموصل، ووقف أملاكه عليه، وكانت وفاته في آخر يوم من سنة ست وست مائة ﵀ وأكرمه، وأخواه ضياء الدين مصنف المثل السائر، والآخر عز الدين صاحب التاريخ، وروى عنه ولده، والشهاب القوصي، وغير واحد، وآخر من روى عنه بالإجازة الفخر بن البخاري.
стр. 743
محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان الفقيه بهاء الدين أبو عبد الله الإربلي الشافعي
أخو ركن الدين حسين، ونجم الدين عمر والد قاضي قضاة الشام شمس الدين ابن خلكان، تفقه بالموصل، وسمع بها الحديث من يحيى الثقفي، وتفقه ببغداد علي بن فضلان، وسمع من يحيى بن يونس، وابن كليب، وطائفة، وحدث، وأملى، ودرس بها بالمدرسة المظفرية، توفي سنة عشر وست مائة ﵀.
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي العلامة سلطان المتكلمين في زمانه فخر الدين أبو عبد الله القرشي البكري التيمي الطبرستاني الأصل ثم الرازي ابن خطيبها الشافعي
المفسر المتكلم، صاحب المصنفات المشهورة والفضائل الغزيرة المذكورة، اشتغل أولا على والده الإمام ضياء الدين عمرو، وهو من تلامذة محيي السنة البغوي، ثم لما مات والده قصد الكمال السمناني، فاشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الري، فاشتغل على المجد الحنبلي صاحب محمد بن يحيى الفقيه أحد تلامذة الغزالي، وأتقن علوما كثيرة، وبرز فيها، وتقدم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد، وصنف في فنون كثيرة، فمن ذلك: تفسيره المشهور، وله تفسير الفاتحة في مجلد مفرد، وله شرح الأسماء الحسنى، وله مناقب الشافعي الذي فيه من الحكايات الغرائب،
стр. 744
وقد شرح الوجيز أو أكثره، وله شرح سقط الزند،
وشرح المفصل والمحصول في أصول الفقه والمنتخب، وله الأربعون في علم الكلام، ونهاية العقول والمطالب العالية، وتأسيس التقديس، وكتاب الملخص، وشرح الإشارات في الأصول وغير ذلك من المصنفات المبتدعة، ومنها ما ذكره القاضي شمس الدين ابن خلكان، وهو كتاب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم، وقد قيل: إنه إنما صنفه لأم الملك خوارزم، وأنها أعطته على ذلك جعلا، فعمله صناعة لتمكنه في العلوم، ومنهم من أنكر أن يكون من مصنفاته، والله أعلم.
وكان له مجلس كبير للوعظ، وكان يتكلم كلامًا جيدًا، وله تمكن من الوعظ باللسانين العربي، والتركي، وكان يحضره الناس على اختلاف أصنافهم، ومذاهبهم ويجيء إلى مجلسه الأمراء والأكابر والملوك، ويحصل له مكان مجلسه رقة، ويظهر خشوعًا مات بسببه أناس كثير، جرت بينه وبين جماعة من الساسة مخاصمات، وفتن وأوذي بسببهم وأذاهم، وكان ينال منهم في مجلسه، وينالون منه، وأخرج من بعض البلدان بسببهم فيما ذكره القاضي ابن خلكان، قال: ثم عاد إلى بلده، وكان بها رجل طيب له أموال كثيرة، فحضره الموت فأوصى إلى الإمام فخر الدين، وكانت له ابنتان، ولفخر الدين ابنان فزوجهما بهما،
واتسعت الأموال على فخر الدين كثيرا، وأقبل عليه الملوك، فصارت له أرزاق دائرة، وأنعام كثيرة وصارت له جاهة وخدم وحشم، ثم أثنى عليه كثيرا، وبالغ في وصفه ومدحه، وأما الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فلم يكن مقبلًا عليه، وربما غض من شأنه، وتوسط فيه الشيخ أبو شامة وذكر أنه خلف
стр. 745
ثمانين ألف دينار، والله أعلم.
قلت: جالت أقلام فخر الدين ﵀ في فنون كثيرة من العلوم، واتسعت دائرته وتسلطن في فن الكلام خاصة حتى قيل: إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في ذلك، وله اختيارات كثيرة في كتب متعددة يرد بعضها بعضًا، ولكن الذي صنفه على طريقة أهل الكلام نهاية العقول، وهو من أجود كتبه، وكذا كتاب الأربعين، وأما المباحث الشرقية فأكثرها على طريق الحكمة، ومذهب الفلاسفة، وكتابه المطالب العالية أجمع في ذلك كله، وهي آخر ما صنف في ذلك، وبهذا لم يتمها، وبقي عليه منها بقية، ثم قيل: إنه ندم على دخوله في هذا الفن كما قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح ﵀: أخبرني القطب
الطوغاني مرتين أنه سمع الفخر الرازي يقول: ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى، ومن شعره وكلامه:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فبادوا والجبال جبال
، ثم يقول: لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم
стр. 746
أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا، ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن، اقرأ في التنزيل ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] ، وقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] واقرأ في الآيات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ، واقرأ أن الكل من الله قوله تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ، ثم
يقول: وأقول من صميم القلب من داخل الروح أني مقر بأن كل ما هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه، وهذه وصيته عند موته رحمه الله تعالى، أخبرني الشيخ الإمام كمال الدين عمر بن إلياس بن يونس المراغي، قدم علينا دمشق وكان أحد تلامذة النصير الطوسي، بقراءتي عليه بدار الحديث الأشرفية، أنا الثقفي يوسف بن أبي بكر النسائي بمصر، أنا الكمال محمود بن عمر الرازي، قال: سمعت الإمام فخر الدين يوصي تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني، يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو أول عهده بالآخرة
وآخر عهده بالدنيا، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس ويتوجه إلى مولاه كل آبق: أحمد الله تعالى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات شهاداتهم، وأحمده بالمحامد التي يستحقها عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع رب الأرباب، وصلاته على الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، وجميع عباد الله الصالحين، ثم اعلموا إخواني في الدين، وأخلائي في طلب اليقين أن
стр. 747
الناس يقولون: إن الإنسان إذا مات انقطع عمله وتعلقه عن الخلق، وهذا مخصص من وجهين: الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار سببًا للدعاء، والدعاء له
عند الله أثر.
الثاني: ما يتعلق بالأولاد وأداء الجنايات، أما الأول: فاعلموا أني كنت رجلًا محبًا للعلم، فكنت أكتب في كل شيء شيئًا، وأقف على كميته وكيفيته سواء كان حقا أو باطلًا إلا أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة أن العالم المخصوص تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة، ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلالة لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقصات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة،
والمناهج الخفية، فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم، والأزلية، والتدبير، والفعالية، فذلك هو الذي أقول به وألقى الله به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، وكل ما ورد في القرآن، والصحاح المتعين للمعنى الواحد، هو كما هو، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، فلك ما مد به قلمي أو خطر ببالي، فأستشهد وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل أو إبطال حق فافعل في ما أنا أهله، وإن علمت عني أني ما سعيت إلا في تفريد أعتقد أنه الحق،
وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي فذاك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع
стр. 748
في زلة فأغثني وارحمني واستر ذلتي وامح حوبتي، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينقص ملكه بخطأ المجرمين، وأقول: ديني متابعة الرسول محمد ﷺ ، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات أنا كنت عند حسن الظن بك عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: وأنا عند ظن عبدي بي، وأنت قلت: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] ، فهب أني ما جئت بشيء، فأنت الغني
الكريم، وأنا المحتاج اللئيم فلا تخيب رجائي ولا ترد دعائي واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت، وبعد الموت وسهل علي سكرات الموت، فإنك أرحم الراحمين.
وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السيئ فإني ما أردت إلا تكثير البحث، وشحذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله ، ثم ذكر فصلًا في الوصية بأولاده، وأطفاله إلى أن قال: وأمرت تلامذتي ومن لي عليه حق إذا أنا مت يبالغون في إخفاء موتي، ويدفنوني على شرط الشرع فإذا دفنوني قرءوا على ما قدروا عليه من القرآن، ثم يقولون: يا كريم جاءك الفقير المحتاج فأحسن إليه، وكانت وفاته بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وست مائة، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وبلغني أنه خلف من
الذهب ثمانين ألف دينار سوى الدواب والعقار، وغير ذلك وترك ولدين الأكبر منهما قد تحيد في حياة أبيه، وخدم السلطان خوارزم شاه، وقال الموفق بن أبي أصيبعة: كان ربع القامة ضخم
стр. 749
البدن كبير اللحية في صوته فخامة، وذكروا أنه كان يلحقه حالة الوعظ حال ووجد، حتى أنه قال يومًا للسلطان شهاب الدين وهو تحت منبره: يا سلطان العالم، لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي يبقى وأن مردنا إلى الله فأبكى السلطان، رحمهما الله، ومن تلامذته المشهورين مصنف الحاصل تاج الدين محمد بن الحسين الأرموي، وشمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، والقاضي شمس الدين الجوي ومحيي الدين قاضي
مزيد.
محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العلامة عماد الدين أبو حامد ابن يونس الإربلي الموصلي الفقيه الشافعي
أحد المشهورين، تفقه أولًا على والده بالموصل ثم ارتحل إلى بغداد، فاشتغل بالنظامية على السديد محمد السلماسي، وأبي المحاسن يوسف بن بندار الدمشقي، وسمع الحديث من أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي، وعبد الرحمن بن محمد الكشميهني، ثم عاد إلى الموصل، فاتصل بخدمة السلطان نور الدين أرسلان صاحبها، فحظي عنده، ونال بسبب ذلك تدريس أماكن بها، ثم ولي القضاء مدة أشهر وعزل، وكان من أصحاب مجلس الملك، وعلى يديه انتقل الملك من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رحمهما الله، وله من المصنفات كتاب المحيط جمع بين المهذب والوسيط، وشرح الوجيز، وصنف جدلا وعقيدة، قال ابن
خلكان: وكان يعمل الأدوات غير أنه لم يرزق سعادة في مصنفاته، فإنها ليست على قدر
стр. 750
فضائله، قال: وكن موسوسا لا يمس القلم إلا ويغسل يده، وكان لطيف الخلوة دمث الأخلاق، توفي بالموصل في سلخ جمادى الآخرة سنة ثمان وست مائة عن ثلاث وسبعين سنة.
نصر الله بن يوسف بن مكي بن علي الفقيه الإمام أبو الفتح ابن الفقيه الجليل أبي الحجاج الحارثي الدمشقي الشافعي المعدل المعروف بابن الإمام
تفقه على والده وعلى أبي البركات الخضر بن شبل، وسمع من نصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس، ورحل إلى بغداد، فسمع أبا الوقت وغيره، وأجاز له الفراوي، وزاهر الشحامي وغيرهما، وسمع منه يوسف بن خليل، والد خالد وأجاز للزكي عبد العظيم وغيره، ومات بدمشق في المنتصف من جمادى الآخرة سنة إحدى وست مائة.
يحيى بن الربيع بن سليمان بن حراز العلامة مجد الدين أبو علي العمري
من سلالة عمر بن الخطاب ﵁، الواسطي الشافعي، أحد أئمة المذهب، ولد بواسط في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وقرأ القراءات العشر، وأتقنها، وتفقه أولا على والده
стр. 751
الإمام أبي الفضل الربيع بن سليمان، وعلى أبي جعفر هبة الله بن البرقي، وسمع بها من أبي الكرم نصر الله بن مخلد بن الجلخت وغيره، ثم ارتحل إلى بغداد، فتفقه بالنظامية على مدرسها أبي النجيب السهروردي، وسمع بها جماعة من المحدثين كمحمد بن ناصر، وأبي الوقت، وعبد الخالق اليوسفي، ثم ارتحل بنيسابور فتفقه على الإمام محمد بن يحيى صاحب الغزالي، وبقي عنده سنتين ونصفا، وسمع منه الحديث، ومن جماعة من
مشايخ نيسابور ثم عاد إلى بغداد، فأعاد بالمدرسة النظامية على ابن فضلان.
قال الموفق عبد اللطيف: وكان أبرع من ابن فضلان، وأقوم بالمذهب وأعلم بالقرآن منه، وكان بينهما صحبة جميلة دائمة لم أر مثلها من اثنين قط، وكانت الفتيا إذا جاءت ابن فضلان لا يضع خطه عليها حتى يشاور ابن الربيع، ثم إن ابن الربيع ذهب في رسالة الديوان العزيز في سنة ثمان وتسعين إلى غزنة ثم عاد فولي تدريس النظامية، وحصل له الجاه العريض والحشمة الوافرة، وقد أسمع الكثير ببغداد وهراة وغزنة.
قال ابن الدبيثي: وكان ثقة صحيح السماع عالمًا بمذهب الشافعي وبالخلاف والحديث والتفسير كثير الفنون وقرأ بالعشرة على ابن بركات، وكان أبوه من الصالحين، ويقال: إنهم من ولد عمر بن الخطاب ﵁.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان عالمًا بالأصلين والمذهب والخلاف، عالما عارفا بالتفسير دينا صدوقًا، وروى عنه الزينبي، والحافظ الضياء، وابن خليل وآخرون، وأجاز للشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، والفخر علي، وتوفي بطريق خراسان في رسالة في ذي القعدة سنة ست وست مائة.
стр. 752
المرتبة الثانية من الطبقة التاسعة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى عشرة وست مائة إلى آخر سنة عشرين
стр. 753
إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن أبي بكر بن هبة الله بن الحسن المحدث
الحافظ البارع الفقيه المفيد تقي الدين أبو الطاهر ابن الأنماطي المصري الشافعي، سمع شيئًا كثيرًا وحصل أجزاء عديدة، وكان سهل العارية، سمع القاضي أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وأبا القاسم هبة الله بن البوصيري، وشجاع بن محمد المدلجي، وأبا عبد الله الأرماني وجماعة، وعنه ابنه أبو بكر، والزكيان المنذري، والبرزالي وغيرهم، قال ابن البخاري: اشتغل في صباه وتفقه وقرأ الأدب وسمع الكثير، ولد سنة سبعين وخمس مائة، وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، ثم حج سنة إحدى وست مائة، وقدم مع الركب وكانت له همة وافرة، وحرص وجد واجتهاد مع معرفة كاملة، وحفظ وثقة وفصاحة
وسرعة قلم، واقتدار على النظم والنثر، ولقد كان بعيد الشبيه معدوم النظير في وقته كتب عني وكتبت عنه، وقال عمر بن الحاجب: كان إماما ثقة حافظًا مبرزًا فصيحًا واسع الرواية، وعنده فقه وأدب ومعرفة بالشعر، وأخبار الناس، وكاتب السر، سألت الحافظ الضياء عنه، فقال: حافظ ثقة مفيد إلا أنه كان كثير الدعابة مع المرد، قال الضياء: بات صحيحًا فأصبح لا يقدر على الكلام أياما واتصل به حتى مات في رجب سنة تسع عشرة وست مائة.
أبو بكر ابن الأمير الكبير نجم الدين أيوب بن شاذي بن يعقوب
стр. 754
بن مروان الدويني ثم التكريني ثم الدمشقي
المولى السلطان الملك العادل سيف الدنيا والدين، والد الملوك أحد ركني البيت الأيوبي بعد أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف فاتح بيت المقدس نور الله ضريحه، ولد الملك العادل أبو بكر ببعلبك، وأبوه نائب بها في سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، وقيل: سنة أربعين ونشأ بها، فلما آل الملك إلى أخيه الناصر، صحبه وشهد معه جميع، فتوحاته، وكانت له اليد البيضاء في تلك المشاهد، وكان أخوه يعتمد عليه لسداد رأيه، واستنابه في مصر مدة ثم أعطاه حلب ثم أخذها منه لولده الظاهر غازي، وعوضه عنها الكرك وحران، ثم لما توفي الناصر جعل من بعده أولاده
الثلاثة العزيز عثمان بمصر، والأفضل علي بدمشق، والظاهر غازي بحلب، ثم لم يزل العادل يداري الوقت، ويتلطف حتى أخذ دمشق من الأفضل بمساعدة العزيز له، ثم توفي العزيز فحصل على مصر، ورام أخذ حلب من الظاهر، فبادره الظاهر بخطبة ابنته فزوجها منه، وكاسر عنه بسبب ذلك، واستوت له الممالك المصرية والشامية والشرقية، وامتدت أيامه، وفتح اليمن، فطالت أزيال رياسته وسعادته وأولاده وجواريه من نسائه وسراريه، وكان يأكل أكلا كثيرا جدا بحيث كان له دور متعدد يطبخ في كل دار مطبخ كامل، ويدور عليها، ويأكل منه، ولم يطبخ خاص لنفسه أيضًا، وكان يأكل كل ليلة بعد العشاء عند النوم
رضيعا، ورطلا من الحلو كان يعمل له كهيئة الحوارش مع ديانة متينة، وعفة عظيمة لا يعرف أنه تخطى مكروها إلى غير حلائله، وله صدقات وإيثار، ويصوم كل يوم خميس، وكان قد قسم الممالك بين بنيه وهو متفرغ
стр. 755
لنفسه في سعادته يصيف في الشام، ويشتو بمصر، مع رأي سديد وطريق حميد.
وكان شحيحا بالمال إلا في الشدائد فلا شيء عنده أهون من المال في المصارف النافعة، ويتصدق حينئذ كثيرا، وكان مؤيدا من السماء فإنه عقد له مكائد كثيرة، ويصرفها الله عنه بحوله وقوته، ومات في سابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وست مائة ظاهر دمشق المحروسة، وكان ابنه المعظم بنابلس فسار في ليلة فجاءه فصبره وأوهم أنه نائم وأمر خادما يروح عليه وحمله في محفة وأدخله القلعة، والناس يأتون المحفة يقبلون أذيالها ودفن بالقلعة وأظهر موته وعمل العزاء ثم نقل إلى تربته بمدرسته سنة تسع عشرة ﵀.
وكان له من الولد تسعة عشر ولدا وهم شمس الدين مودود والد الملك الجواد، ومات قبله، والملك الكامل محمد صاحب مصر، والمعظم عيسى صاحب الشام، والأشرف موسى صاحب حران وجلاد، وملك البلاد قبل الأشرف، والملك القاهر إبراهيم، والملك شهاب الدين غازي، والملك العزيز عثمان، والملك الأمجد حسن، ومات في حياة أبيه، والملك الحافظ رسلان، والملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك وبصرى، ثم تملك دمشق بعد إخوته وجرت له خطوب ثم أخذت منه بعد، والملك المغيث، ومات في حياة أبيه أيضًا والملك القاهر إسحاق، ومجد الدين يعقوب، وقطب الدين أحمد، وخليل، وتقي الدين عباس وكان أصغر الأولاد ولد
سنة ثلاث وست مائة وآخرهم وفاة في سنة تسع وستين وست مائة، وكان له بنات عدة زوج غالبهن لملوك الأطراف لحسنهن، ورياسة أبيهن، وسيادته بين الملوك ورتبته عند الخليفة الناصر لدين الله
стр. 756
وتعظيمه له ﵏ أجمعين.
وقد حدث الملك العادل عن الحافظ أبي طاهر السلفي، وروى عنه ابنه الملك الصالح إسماعيل والشهاب القوصي وأبو بكر بن السني.
ست الشام بنت الأمير نجم الدين أيوب أخت السلطان الناصر والعادل وشقيقة المعظم تورانشاه
كانت امرأة عظيمة القدر من بيت المال والرياسة التامة، والسيادة العامة مع ديانة عظيمة وصدقات جسيمة وصلات متصلة، وصلوات متقبلة كانت يفرق في السنة في دارها من الأكحال، والعقاقير، والأدوية على المرضى، والمحاويج بمبلغ كبير ومال كثير، ووقفت على الشافعية مدرسة بناحية الغربية ظاهر دمشق، ولها بها تربة ولزوجها، وأخيها، ووقفت عليهم دارها بدمشق، ولها بدمشق مدرسة أخرى، وأرصدت عليهما أوقافًا جزيلة الريع تقبل الله منها وأكثر أموالها ميراث من زوجها الأمير، فإنه توفي وترك قريبًا من ألف ألف دينار، وكانت وفاتها إلى ﵀ ورضوانه في سادس عشر ذي القعدة سنة ست
عشرة وست مائة.
الطاهر زكي الدين أبو العباس قاضي القضاة ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي ابن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن علي ابن قاضي القضاة المنتخب أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي الدمشقي الشافعي
ولي القضاء بدمشق مرتين، مرة قبل ابن الحرستاني، ومرة بعده، وكان معرفًا في الرياسة، ومن بيت القضاء بدمشق عالمًا محتشمًا ماضي
стр. 757
الأحكام، ونوابه في القضاء شمس الدين الشيرازي، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة، والقاضي شرف الدين ابن الموصلي الحنفي، يحكم بالطرحانية بجيرون، وكان القاضي زكي الدين يحب أهل الخير ويزور الصالحين، وكان الملك المعظم صاحب دمشق يبغضه، ولكن كان يحترمه لأجل والده السلطان الملك العادل، فلما توفي السلطان أقدم عليه وكان في نفسه منه أشياء، ولما مرضت الخاتون ست الشام عمة المعظم بعثت إلى القاضي ابن الزكي وشهوده، وأوصيت إليه وأشهد عليها
أن دارها مدرسة، فبلغ ذلك المعظم فعز عليه، وقال: تحضر إلى دار عمتي بغير إذنى وتسمع كلامها ثم أغرى عليه السلطان في قضية فلما استقر بين يديه ضربه بالمقارع، وبعث إليه بخلعة صفراء وكلومة، وبعث يقول له: إن الخليفة إذا أحب أحدًا بعث إليه من ملابسه، ونحن قد بعثنا إليك من ملابسنا، وألزمه أن يلبسها في مجلس الحكم، فبادر فلبسها، وحكم بين اثنين، ودخل منزله فمرض ومات، ويقال: إنه رمى قطعًا من كبده، وتأسف الناس لما جرى عليه ويقال: إن المعظم ندم على ما كان منه إليه، واتفق أن الشرف بن عنين حدث له بزهد وتوبة، ولزم مكانًا ينقطع فيه فبعث إليه المعظم خمرًا ونردًا
وقال: شيخ بهذا، فكتب إليه ابن عنين:
يأيها الملك المعظم سنة ... أحدثتها تبقى على الأباد
تجرى الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاء وتحقر الزهاد
، وكانت وفاة القاضي زكي الدين في الثالث والعشرين من صفر سنة سبع عشرة وست مائة.
стр. 758
عبد الله بن عمر بن عبد الله جمال الدين أبو محمد الدمشقي الشافعي قاضي اليمن
ولد بدمشق في حدود سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وسمع بالإسكندرية من السلفي وغيره، وتوجه إلى اليمن صحبة شمس الدولة تورانشاه يؤم به، وحظي عنده، وتقدم حتى ولاه قضاء اليمن، وحصل أموالًا ثم عاد إلى دمشق، فمات في ربيع الأول سنة عشرين وست مائة، وقد روى عنه الشهاب القوصي، والزين خالد، وغير واحد.
عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الإمام
مفتي المسلمين، فخر الدين أبو منصور ابن عساكر الدمشقي الشافعي، شيخ المذهب في زمانه، تفقه بالشيخ قطب الدين النيسابوري، وتزوج بابنته وسمع الحديث من عميه الحافظ الكبير أبي القاسم، والصائن، ومن حسان ابن تميم الزيات، وداود بن محمد الخالدي ومحمد بن أسعد العراقي وجماعة، وجمع بين معرفة الفقه والحديث وتقدم وساد ودرس بالجاروفية وجمع له بينها وبين تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، والتقوية بدمشق فكان يقيم هاهنا أشهرًا وهاك أشهرًا، وكان عنده بالتقوية جماعة الفضلاء حتى كان يقال لها: نظامية الشام، وكان أول من درس بالعذراوية في بيته أول ما وقفت، وكان يجلس للحديث
مكان عمه تحت النسر، ويقيم في بيته إلى جانب محراب الصحابة للتعبد والفتيا، وإفادة الطلبة، وعرض عليه
стр. 759
الملك المعظم قضاء دمشق، فامتنع وأصر على الامتناع، وألح عليه فتجهز بأهله إلى حلب، فلما بلغ الملك العادل بعث إليه، فترضاه وأجابه إلى الترك، وأشار عليهم بابن الحرستاني، فولوه ثم وقع بينه وبين العادل، لما أنكر عليه تضمين الخمور والمكوس، فلهذا لم يوله تدريس العادلية، ولم يكفه هذا حتى أخذ منه تدريس الصلاحية، والتقوية، ولم يبق معه سوى الجاروخية وقد كان ﵀ فقيه زمانه، وفارس ميدانه وسابق أقرانه، حسن السمت كثير العبادة، والذكر لا يمل الشخص من النظر
لحسن وجهه، ولطافة خلقه وأدبه وعقله، أثنى عليه غير واحد من العلماء، واجتمع على تقديمه وتفضيله غير واحد من الفقهاء، وقال الشيخ أبو المظفر: كان زاهدًا عابدًا ورعًا منقطعًا إلى العلم والعبادة حسن الأخلاق قليل الرغبة في الدنيا، توفي في عاشر رجب سنة عشرين وست مائة، وشهد جنازته خلق كثير، وجم غفير، ودفن عند قبر شيخه القطب النيسابوري قريبًا من مقبرة الصوفية، وله من العمر سبعون سنة، وذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة أنه لما حضره الموت توضأ وجعل يذكر الله تعالى، فلما أزف الرحيل تشهد وقال: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيًا، لقنني
الله حجتي وأقالني عثرتي ورحم غربتي، وقد تفقه جماعة منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمهم الله تعالى.
عبد الرحيم ابن الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور بن عبد الجبار الإمام فخر الدين أبو المظفر ابن السمعاني المروزي الشافعي
стр. 760
ولد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمس مائة، واعتنى به أبوه وسمعه ورحل به، وسمعه الكثير، وأدرك الإسناد أبا المعالي، وسمع غالب البخاري، وسنن أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصحيح أبي عوانة، وتاريخ يعقوب بن سفيان القشيري، وسمع من خلق كثير وجم غفير، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم أبو بكر الحازمي، ومات قبله، والشيخ أبو عمرو ابن الصلاح، والحافظ الضياء، والزكي البرزالي، والمحب بن النجار، وكان فقيهًا مفتيا عارفًا بالمذهب له أنس بالحديث، وخرج لنفسه أربعين حديثًا، عدم في دخول التتار إلى مرو في أواخر سنة سبع عشرة وست مائة وأوائل التي تليها.
عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد
قاضي القضاة بدمشق جمال الدين أبو القاسم ابن الحرستاني الأنصاري الخزرجي العبادي السعدي الدمشقي الفقيه العلامة الشافعي ولد سنة عشرين وخمس مائة في أحد الربيعين، وسمع الحديث من جمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلم أحد أئمة الشافعية، ونصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس خطيب دمشق، ومعالي بن هبة الله بن الحبولي، وأبي القاسم بن البن، وعلى بن أحمد بن منصور بن قيس، وجماعة كثيرين، وتفرد بالرواية عن أكثر شيوخه لطول عمره، وروى بالإجازة عن عبد الله الفراوي، وزاهر
стр. 761
الشحامي، وهبة الله السيدي، وغيرهم من مشايخ العراق استجازهم له الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن
محمد الميمي، وحدث بصحيح مسلم، ودلائل النبوة للبيهقي، وقد سمعنا ذلك من طريقة ولله الحمد.
وروى عنه الحافظ البرزالي، والضياء، وابن خليل، وابن عبد الدايم، والزكي عبد العظيم، والزين خالد، والفخر بن البخاري، وخلق كثير، ورحل في حال شبيبته إلى حلب، فتفقه بها على المحدث الفقيه أبي الحسن المرادي، وبرع في المذهب وساد فيه أقرانه، وولي القضاء نيابة بدمشق عن الإمام أبي سعد بن أبي عصرون ثم استقل بالقضاء قبل وفاته بسنتين وسبعة أشهر، وذلك بعد ما امتنع وألحوا عليه في الولاية، وكان يحكم بالمدرسة المجاهدية، وناب عنه ولده عماد الدين، ثم ابن الشيرازي، وشمس الدين ابن سني الدولة، فكان محمود السيرة عادلا ورعًا عالمًا حسن الإنصات صحيح السماع، وقال الشيخ
شهاب الدين أبو شامة: دخل أبوه من حرستان، فنزل بباب يوما وأم بمسجد الزينبي، ثم أم فيه بعده جمال الدين ابنه، ثم انتقل إلى داره بالحويرة وكان يلازم الجماعة بمقصورة الخضر، ويحدث هناك ويجتمع خلق كثير من حسن سمته وسكونه وهيبته.
حدثني الفقيه عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام: أنه لم ير أفقه منه، وعليه كان ابتداء اشتغاله، ثم صحب فخر الدين ابن عساكر، فسألته عنهما فرجح ابن الحرستاني، وقال: إنه كان يحفظ كتاب الوسيط للغزالي، قال: وكان في حال ولايته صارمًا عادلًا على طريقة السلف في لباسه وعفته، قال: وقد بلغني أنه ثبت عنده حق لامرأة على بيت المال، فحضر وكيل بيت المال الكمال المصري،
стр. 762
وأمره أن يسلم إليها هذا الحق، فاعتذر بأنه ليل ووعد إلى الغد، فقال: ما يؤمنني أن أموت الليلة، ويفوت حق هذه وألزمه بالتسليم، فسلمها، وكتب لها محضرًا بذلك، وقال أبو المظفر ابن الجوزي: كان زاهدًا
عفيفًا ورعًا نزيها لا تأخذه في الله لومة لائم، اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة في جامع دمشق في جماعة إلا إذا كان مريضا، ثم ذكر حكايات كثيرة في صرامته وإقدامه على تنفيذ الحق على رغم الملك الذي ولاه وتعذر إليه، وهو العادل بأنه ما طلب القضاء، فإن كره منه ها فليعزله، ويولي غيره فكان ذلك مما يزيد الملك فيه رغبة ﵏، وقال الحافظ زكي الدين المنذري: سمعت منه وكان مهيبًا حسن السمت مجلسه مجلس وقار وهيبة يبالغ في الإنصات إلى من يقرأ عليه، توفي في رابع ذي الحجة سنة أربع عشرة وست مائة وهو في خمس وتسعين سنة ﵀.
عبد اللطيف بن أحمد بن القاسم بن القاسم الشهرزوري القاضي أبو الحسين الموصلي القاضي بها الشافعي
من بيت العلم والقضاء والرياسة، تفقه على عمه أبي الرضا سعيد بن عبد الله، وأبي الفتح عبد الرحمن بن خداش، وسمع الحديث من أبيه، ومن محمد بن أسعد العطاردي وجماعة، وولي قضاء الموصل مرات، توفي في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وست مائة عن ثنتين وسبعين سنة.
عبد الواحد بن إسماعيل بن ظافر الإمام صائن الدين أبو
стр. 763
محمد الدمياطي الفقيه الشافعي
المتكلم، مدرس الأمينية بدمشق، كان فاضلًا بارعًا، أفاد الطلبة، وسمع الحديث من السلفي وجماعة، وحدث عنه جماعة منهم الزكيان المنذري والبرزالي، وآخرهم الفخر بن البخاري، وتوفي ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وست مائة، وقد قارب الستين رحمه الله تعالى.
المبارك بن المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان أبو بكر بن أبي طالب وجيه الدين الضرير الواسطي النحوي
شيخ النظامية في العربية والقراءة والأدب، كان بارعًا في النحو، صنف فيه وساد وتقدم، واشتغل فيه مدة، وتخرج به جماعة ببغداد، قرأ النحو على ابن الخشاب، ولزم الكمال عبد الرحمن الأنباري، وسمع الحديث من أبي زرعة بن محمد بن طاهر، ومن شعره:
زارني والليل داج بسحر ... وبلطف اللطف للقلب سحر
رام يستخفي من الواشي به ... فأتى ليلا وهل يخفى القمر
جسمه ماء ولكن قلبه ... عند شكواي إليه من حجر
، وقد ذكره ابن النجار، فأطنب في شكره ومدحه، وذكر أنه
стр. 764
كان يحفظ كل يوم كراسًا، وأما ابن الدبيثي، فقال: كان يقول الشعر، وكان هذرة، وروى عنه الزكي البرزالي، وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وتوفي في السادس والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وست مائة، وذكروا أنه كان حنبليًا، ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم إلى مذهب الإمام الشافعي ولهذا هجاه بعضهم، فقال:
من مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوذتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي ديانة ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل.
محمد بن إبراهيم بن أبي الفضل الإمام معين الدين أبو حامد السهلي الجاجرمي الشافعي
مصنف الكفاية وإيضاح الوجيز، وله طريقة في الخلاف والقواعد مشهوران به، أقام بنيسابور مدة يدرس بها، وجاجرم بليدة من نيسابور وجرجان، وقد سمع الحديث من عبد المنعم بن عبد الله الفراوي، وحدث عنه الزكي البرزالي الحافظ، وتوفي وهو كهل في حادي عشر رجب سنة ثلاث عشرة وست مائة.
محمد بن إبراهيم الخطيب شهاب الدين أبو عبد الله الغساني الحموي ويعرف بابن الجاموس
стр. 765
تفقه بحماة، وتقدم وساد، وأفاد، وقدم بيت المقدس، فحدث بالمقامات عن أبي بكر بن النقور، عن الحريري، ودخل الديار المصرية، فخطب بالجامع العتيق، وولي تدريس مشهد الحسين مدة، وكان من أكابر الشافعية بها، وتوفي في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة خمس عشرة وست مائة.
محمد بن علوان بن مهاجر بن علي بن مهاجر الإمام شرف الدين أبو المظفر الموصلي الشافعي
تفقه ببلده على أبي البركات عبد الله بن التنوخي، وبنظامية بغداد على العلامة أبي المحاسن يوسف بن بندار حتى تقدم في المذهب، وساد وعلق تعاليق وأفاد ودرس بالمدرسة التي أنشأها أبوه، وبمدارس أخرى من بيت حشمة ورياسة، وروى عن الحسين بن محمد بن سليم الموصلي، وروى عنه الزكي البرزالي، والتقي البلداني وغيرهم، وتوفي بالموصل في ثالث المحرم سنة خمس عشرة وست مائة.
محمد بن القاسم بن محمد الأمير بدر الدين الهكاري
أحد أمراء الملك المعظم، ومن رءوس المشهورة عنده، وكان سمحًا خيرًا دينًا لطيف الشمائل فيه صلاح ودين وبر بأهله وبالفقراء، بنى بالمقدس مدرسة
стр. 766
للشافعية، وكان يتمنى أن يستشهد فرزقه الله الشهادة بالطور في سنة أربع عشرة وست مائة، وحمل إلى تربته بالقدس الشريف ﵀.
المظفر بن عبد الله بن علي الحسين الإمام الفقيه تقي الدين المصري المعروف المقترح
مدرس المدرسة السلفية بالإسكندرية، له التصانيف في الفنون المتنوعة في الفقه والأصول والخلاف وتخرج به جماعة.
قال الحافظ المنذري: سمع بالإسكندرية من أبي الطاهر بن عوف، وسمعت منه، وحدث بمكة ومصر وكان كثير الإفادة منتصبًا لمن يقرأ عليه، كثير التواضع حسن الأخلاق جميل العشرة دينا متورعًا، توجه إلى الحج، فأشيع موته، فأخذت المدرسة، ثم اتفق عوده ولم ترجع إليه، فأقام بجامع مصر يقرئ واجتمع عليه جماعة، ودرس بمدرسة الشريف ثعلب، وتوفي في شعبان سنة اثنتي عشرة وست مائة.
مكي بن أبي محمد بن محمد ابن أبيه الدمشقي، ويعرف بابن الزجاجية
كان فقيهًا فاضلا بارعًا أديبًا محصلًا، نظم كتاب المهذب للشيخ أبي إسحاق في قصيدة رائية سماها البديعة في أحكام الشريعة، وامتدح الملك العادل ووزيره ابن شكر، وروى عنه شعره الشهاب القوصي، وأثنى عليه، وذكر أنه توفي كهلًا في آخر سنة خمس عشر وست مائة.
стр. 767
يحيى بن إبراهيم بن أبي تراب محمد أبو تراب الكرخي اللوزي
نسبة إلى محلة ببغداد يقال لها: اللوزية - الفقيه، تفقه على الإمام أبي الحسن محمد بن الخل، وروى عن أبي الفتح الكروخي جميع جامع الترمذي، وعن أبي الوقت جميع مسند الدارمي وحدث بهما، وروى جماعة من المشايخ وأقام بدمشق مدة، وأعاد عند العماد الكاتب، وروى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل، والشهاب القوصي وابن نقطة، وذكر أنه أصاب اختلال في آخر عمره، وذكروا حكايات تدل على أنه أصابه خرف، وضعف عقل نوع من الماخوليا، فإنه توفي في شعبان سنة أربع عشرة وست مائة عن ثمان وثمانين سنة.
يحيى بن القاسم بن مفرج بن درع بن خضر الفقيه تاج الدين أبو زكريا الثعلبي التكريتي الشافعي
تفقه على أبيه وسمع منه الحديث، ومن أبي الفتح بن البطي، وأبي النجيب السهروردي، وتفقه عليه ببغداد، وعلى أبي المحاسن بن بندار، وقرأ العربية على ابن الخشاب، وتقدم في العلم وساد وولي قضاء تكريت، ثم ولي تدريس النظامية ببغداد، وكان من كبار الشافعية في زمانه مع الصلاح والديانة والمراقبة، وتوفي عن خمس وثمانين سنة، سنة ست عشر وست مائة.
стр. 768
المرتبة الثالثة من الطبقة التاسعة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وعشرين وست مائة إلى آخر سنة ثلاثين
стр. 769
إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن سليمان القاضي الجليل بهاء الدين أبو إسحاق التنوخي المعري ثم الدمشقي الشافعي الخطيب
تفقه على الخطيب ضياء الدين الدولعي، فبرع ودرس وحدث، وروى عن أبيه، وابن صدقة الحراني والخشوعي، وله إجازة من شهدة، وكان صدوقًا فاضلًا محتشمًا أديبًا كاتبًا مترسلًا شاعرًا كثير المحفوظ مليح الإنشاء مداخلًا للدولة، وروى عنه الحافظ الزكي البرزالي، والمجد ابن الصاحب العديمي، والشهاب القوصي، وقال: كان فاضلًا مكملا وصدرا مجملا ترسل عن الملك العادل، وحصل العلوم واجتهد في طلبها، وحصل الفقه في صدر عمره مع ما تحلى به من حسن الكتابة والبلاغة، أنشدني لنفسه، وكان قد ولي قضاء المعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة فأقام بها خمس سنين:
وليت الحكم خمس هن خمس ... لعمري والصبا في العنفوان
فلم يضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
هذا، وقد تكلم فيه عمر بن الحاجب، وقال: كان فيه بذاذة وفحش، وكان قد ترك الفقه، واشتغل بغيره ولم يكن محمود السيرة،
стр. 770
كذا قال: ومات في منتصف محرم سنة ثلاثين وست مائة.
إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس الماراني الفقيه الشافعي المحدث جلال الدين أبو إسحاق المصري
سمع الكثير، وكتب الكثير، ورحل في الآفاق، وكان له شعر حسن، وتوفي وهو يطلب بين الهند واليمن في سنة ثنتين وعشرين وست مائة، وكان أبوه من كبار الشافعية، وعمه قاضي قضاة الديار المصرية.
أحمد ابن الشيخ كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الشيخ رضي الدين أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم الإمام شرف الدين أبو الفضل بن يونس
الإربلي الأصل، ثم الموصلي، شارح كتاب التنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي بالشرح المشهور، واختصر إحياء علوم الدين للغزالي، وكان يلقي الإحياء دروسًا من حفظه، قال القاضي ابن خلكان: كان إمامًا كثير المحفوظات غزير المادة من بيت الرياسة والفضل، نسج على منوال والده في التفنن في العلوم، تخرج على جماعة كثيرة، وولي التدريس بمدرسة الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل بإربل بعد والده في سنة عشر وست مائة، وكنت أحضر دروسه وأنا صغير، وما سمعت أحدًا يلقي الدروس مثله، ثم حج وقدم وأقام قليلًا، وانتقل
стр. 771
إلى الموصل سنة سبع عشرة وفوضت إليه المدرسة القاهرية، وأقام بها
يلازم الاشتغال والإفادة، إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثنتين وعشرين وست مائة عن سبع وأربعين سنة، ولقد كان من محاسن الوجوه، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، هذا كله كلام ابن خلكان، ﵀.
إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل القاضي المحدث رفيع الدين الهمذاني الأصل ثم المصري الوتري الشافعي
والد المسند شهاب الدين الأبرقوهي، ولد بمصر تقريبًا سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة ورحل وجال وسمع بدمشق وبغداد، وأقام بالبلاد الشرقية، وتزوج وولي قضاء أبرقوة مدة ثم فارقها، ورحل بولديه محمد وأحمد يسمعهما بأبرقوة، وشيراز، وبغداد، والموصل، وحران، ودمشق إلى أن استقر بمصر، فأقام بها حتى مات، قال عمر بن الحاجب: وهو أحد الرحالين، عارف بما سمع، إمام مقري حسن السيرة، وله سمت ووقار على مذهب السلف، كريم النفس حسن القراءة، قال المنذري: توفي في السابع عشر من جمادى الأول سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ﵀.
أسعد بن يحيى بن موسى ابن الشيخ بهاء الدين أبو السعادات السلمي السنجاري الفقيه الشافعي الشاعري
стр. 772
له ديوان كبير امتدح فيه الملك صلاح الدين، وخدم تقي الدين عمر صاحب حماه وأخذ جوائز كثيرة، وتفقه ببغداد على المجير وابن فضلان، ومن شعره:
وهواك ما خطر السلوك بباليه ... ولأنت أدرى في الغرام بحاله
ومتى وشى شخص إليك بأنه ... سال هواك فذاك من عذاله
أو ليس للكلف المعنى شاهد ... من حاله يغنيك عن تساله
جددت ثوب سقامه وهتكت ... ستر غرامه وصرمت حبل وصاله
يا للعجائب من أسير دأبه ... يفدى الطليق بنفسه وبماله
ريان من ماء الشبيبة والصبا ... سرقت معاطفه نظيف زلاله.
توفي آخر يوم من سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ودفن في أول سنة أربع وعشرين ﵀ وسامحه.
إسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى الأستاذ أبو الفضل البوشنجي الأصل الواسطي
стр. 773
المولد البغدادي الدار
الواعظ الأديب، الفقيه المقري، المحدث الكاتب، وهو الواعظ المشهور نجم الدين علي بن علي بن إسفنديار، قرأ القرآن، وأتقن العربية، وسمع الحديث وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، واجتهد في معرفة الكتابة وحسن الخط، فساد فيه أقرانه، وكان جيد النظم والنثر والإنشاء، وقد ولي ديوان الرسائل سنة أربع وثمانين وخمس مائة بعد أشهر، ثم ولي مشيخة رباط ثم عزل، وكان ينسب إلى شيء من التشيع.
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: وكان يلبس أيام ولايته الذهب والحرير، وذكر عنه ما يدل على غلو في الرفض والسب، وعلى إساءة أدب وجهل، فإنه قال: حكى عنه بعض عدول بغداد أنه حضر مجلسه بالكوفة فقال: لما قال النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، تغير وجه أبي بكر وعمر، فنزلت هذه الآية ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] توفي ببغداد في تاسع ربيع الأول سنة خمس وعشرين وست مائة عن سبع وثمانين سنة.
بهرام شاة بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي السلطان الأمجد مجد الدين أبو المظفر
صاحب بعلبك، حكم بها خمسين سنة، وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا مطنبًا محسنا، له ديوان مشهور وكان كريمًا ممدحًا الملك الأشرف ببعلبك حتى أخذها منه في سنة سبع وعشرين وست مائة، وأعطاها لأخيه الملك الصالح إسماعيل بن العادل، وانتقل الأمجد إلى دمشق، وابتنى له تربة إلى جانب والده بالسرف الشمالي، ووقف مدرسة على الشافعية، وانتقل إلى الله تعالى، بسبب مملوك من
стр. 774
مماليكه قتله في الليل كان مسجونا بالدار فتخلص ووصل إلى أستاذه فقتله، وقتلته الخواص، وذلك في الليلة الثانية عشر من شوال سنة ثمان وعشرين وست مائة، وذكروا أنه رآه بعض أصحابه في النوم، فقال له: ما فعل الله بك
فقال:
كنت من ذنبي على وجل ... زال عني ذلك الوجل
أمنت نفسي بوائقها ... عشت لما مت يا رجل
الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر بن زين الأمناء ويكنى بأبي البركات الدمشقي
ولد في سلخ ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمس مائة، وسمع من عميه: الحافظ أبي القاسم والضياء بن هبة الله وجماعة، وعنه جماعة منهم الزكيان المنذري، والبرزالي، والكمال بن العديم، والزين خالد، وكان شيخا جليلا نبيلا صالحا خيرا متعبدا حسن الهدي والسمت، مليح الوضع كيس المحاضرة من ثروات البلد، تفقه على جمال الأئمة أبي القاسم علي بن حسن بن الماسح، وقرأ برواية ابن عامر على ابن القاسم العمري، وتأدب على علي بن عثمان السلمي، وولي نظر الخزانة ونظر الأوقاف ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه وعبادته، وكان كثير الصلاة حتى إنه لقب بالسجاد، وقد أطنب في وصفه عمر بن
стр. 775
الحاجب
وغيره، وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان شيخا كاملا صالحًا كثير الصلاة والذكر أقعد في آخر عمره وكان يحمل في محفة إلى الجامع وإلى دار الحديث النورية ليسمع عليه، توفي في سحر يوم الجمعة سادس عشر صفر سنة سبع وعشرين وست مائة عن ثلاث وثمانين سنة وحضره خلق كثير، ودفن إلى جانب أخيه الفخر عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى.
الحسين بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الفقيه الإمام العلامة ركن الدين أبو يحيى الإربلي
درس بعدة مدارس، وكان عارفًا بالمذهب صالحًا كثير التلاوة، وسمع الحديث من يحيى الثقفي، ومات ببلده في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي الفقيه الصالح أبو محمد الهمذاني الخطيب
ولد سنة خمس وأربعين، وتفقه بالنظامية على أبي الخير القزويني، وأعاد بالنظامية للشيخ أبي طالب صاحب ابن الخل، وسمع الحديث من أبي الوقت وغيره وكان فقيهًا ورعًا إماما عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف على مذهب السلف، روى عنه ابن النجار، وعلي بن الأخضر، والجمال يحيى ابن الصيرفي، توفي في
следующие страницы →