Полный текст (907 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
إلى الموصل سنة سبع عشرة وفوضت إليه المدرسة القاهرية، وأقام بها
يلازم الاشتغال والإفادة، إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثنتين وعشرين وست مائة عن سبع وأربعين سنة، ولقد كان من محاسن الوجوه، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، هذا كله كلام ابن خلكان، ﵀.
إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل القاضي المحدث رفيع الدين الهمذاني الأصل ثم المصري الوتري الشافعي
والد المسند شهاب الدين الأبرقوهي، ولد بمصر تقريبًا سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة ورحل وجال وسمع بدمشق وبغداد، وأقام بالبلاد الشرقية، وتزوج وولي قضاء أبرقوة مدة ثم فارقها، ورحل بولديه محمد وأحمد يسمعهما بأبرقوة، وشيراز، وبغداد، والموصل، وحران، ودمشق إلى أن استقر بمصر، فأقام بها حتى مات، قال عمر بن الحاجب: وهو أحد الرحالين، عارف بما سمع، إمام مقري حسن السيرة، وله سمت ووقار على مذهب السلف، كريم النفس حسن القراءة، قال المنذري: توفي في السابع عشر من جمادى الأول سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ﵀.
أسعد بن يحيى بن موسى ابن الشيخ بهاء الدين أبو السعادات السلمي السنجاري الفقيه الشافعي الشاعري
стр. 772
له ديوان كبير امتدح فيه الملك صلاح الدين، وخدم تقي الدين عمر صاحب حماه وأخذ جوائز كثيرة، وتفقه ببغداد على المجير وابن فضلان، ومن شعره:
وهواك ما خطر السلوك بباليه ... ولأنت أدرى في الغرام بحاله
ومتى وشى شخص إليك بأنه ... سال هواك فذاك من عذاله
أو ليس للكلف المعنى شاهد ... من حاله يغنيك عن تساله
جددت ثوب سقامه وهتكت ... ستر غرامه وصرمت حبل وصاله
يا للعجائب من أسير دأبه ... يفدى الطليق بنفسه وبماله
ريان من ماء الشبيبة والصبا ... سرقت معاطفه نظيف زلاله.
توفي آخر يوم من سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ودفن في أول سنة أربع وعشرين ﵀ وسامحه.
إسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى الأستاذ أبو الفضل البوشنجي الأصل الواسطي
стр. 773
المولد البغدادي الدار
الواعظ الأديب، الفقيه المقري، المحدث الكاتب، وهو الواعظ المشهور نجم الدين علي بن علي بن إسفنديار، قرأ القرآن، وأتقن العربية، وسمع الحديث وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، واجتهد في معرفة الكتابة وحسن الخط، فساد فيه أقرانه، وكان جيد النظم والنثر والإنشاء، وقد ولي ديوان الرسائل سنة أربع وثمانين وخمس مائة بعد أشهر، ثم ولي مشيخة رباط ثم عزل، وكان ينسب إلى شيء من التشيع.
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: وكان يلبس أيام ولايته الذهب والحرير، وذكر عنه ما يدل على غلو في الرفض والسب، وعلى إساءة أدب وجهل، فإنه قال: حكى عنه بعض عدول بغداد أنه حضر مجلسه بالكوفة فقال: لما قال النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، تغير وجه أبي بكر وعمر، فنزلت هذه الآية ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] توفي ببغداد في تاسع ربيع الأول سنة خمس وعشرين وست مائة عن سبع وثمانين سنة.
بهرام شاة بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي السلطان الأمجد مجد الدين أبو المظفر
صاحب بعلبك، حكم بها خمسين سنة، وكان فاضلًا أديبًا شاعرًا مطنبًا محسنا، له ديوان مشهور وكان كريمًا ممدحًا الملك الأشرف ببعلبك حتى أخذها منه في سنة سبع وعشرين وست مائة، وأعطاها لأخيه الملك الصالح إسماعيل بن العادل، وانتقل الأمجد إلى دمشق، وابتنى له تربة إلى جانب والده بالسرف الشمالي، ووقف مدرسة على الشافعية، وانتقل إلى الله تعالى، بسبب مملوك من
стр. 774
مماليكه قتله في الليل كان مسجونا بالدار فتخلص ووصل إلى أستاذه فقتله، وقتلته الخواص، وذلك في الليلة الثانية عشر من شوال سنة ثمان وعشرين وست مائة، وذكروا أنه رآه بعض أصحابه في النوم، فقال له: ما فعل الله بك
فقال:
كنت من ذنبي على وجل ... زال عني ذلك الوجل
أمنت نفسي بوائقها ... عشت لما مت يا رجل
الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر بن زين الأمناء ويكنى بأبي البركات الدمشقي
ولد في سلخ ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمس مائة، وسمع من عميه: الحافظ أبي القاسم والضياء بن هبة الله وجماعة، وعنه جماعة منهم الزكيان المنذري، والبرزالي، والكمال بن العديم، والزين خالد، وكان شيخا جليلا نبيلا صالحا خيرا متعبدا حسن الهدي والسمت، مليح الوضع كيس المحاضرة من ثروات البلد، تفقه على جمال الأئمة أبي القاسم علي بن حسن بن الماسح، وقرأ برواية ابن عامر على ابن القاسم العمري، وتأدب على علي بن عثمان السلمي، وولي نظر الخزانة ونظر الأوقاف ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه وعبادته، وكان كثير الصلاة حتى إنه لقب بالسجاد، وقد أطنب في وصفه عمر بن
стр. 775
الحاجب
وغيره، وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان شيخا كاملا صالحًا كثير الصلاة والذكر أقعد في آخر عمره وكان يحمل في محفة إلى الجامع وإلى دار الحديث النورية ليسمع عليه، توفي في سحر يوم الجمعة سادس عشر صفر سنة سبع وعشرين وست مائة عن ثلاث وثمانين سنة وحضره خلق كثير، ودفن إلى جانب أخيه الفخر عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى.
الحسين بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الفقيه الإمام العلامة ركن الدين أبو يحيى الإربلي
درس بعدة مدارس، وكان عارفًا بالمذهب صالحًا كثير التلاوة، وسمع الحديث من يحيى الثقفي، ومات ببلده في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي الفقيه الصالح أبو محمد الهمذاني الخطيب
ولد سنة خمس وأربعين، وتفقه بالنظامية على أبي الخير القزويني، وأعاد بالنظامية للشيخ أبي طالب صاحب ابن الخل، وسمع الحديث من أبي الوقت وغيره وكان فقيهًا ورعًا إماما عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف على مذهب السلف، روى عنه ابن النجار، وعلي بن الأخضر، والجمال يحيى ابن الصيرفي، توفي في
стр. 776
حادي عشر شعبان سنة اثنين وعشرين وست مائة.
عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله أبو محمد الأسدي الحلبي
الزاهد المعروف بابن الأستاذ، أحد الفقهاء الشافعية والمحدثين، وهو والد قاضي القضاة زين الدين عبد الله ابن الأستاذ، وقاضي القضاة جمال الدين محمد، سمع الحديث ببلده وببغداد، وغيرهما من البلاد، وكان فيه خير وصلاح وديانة وعناية بالحديث، وروى عنه الحافظ ضياء المقدسي، والزكي البرزالي، والصاحب كمال الدين ابن العديم وجماعة، توفي في عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وست مائة عن تسعين سنة ﵀.
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن العلامة إمام الدين أبو القاسم القزويني
الرافعي نسبة إلى رافعان بلدة من أعمال قزوين، قاله النووي، وقيل: نسبة إلى رافع بن خديج، وقيل: إلى أبي رافع مولى النبي ﷺ فالله أعلم، وهو صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور، الذي هو خزانة علم أئمة مذهب الشافعي المبرزين للنظار، وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه وحاز قصب السبق،
стр. 777
فلا يدرك شأوه إلا من وضع يديه حيث وضع قدمه، ولا يكشف عجاج غباره إلا من سار معه في مساره، ولا ينال تحقيقه إلا من سلك طريقه، فرحمة الله عليه، الذي أجاد وأفاد، ودقق وحقق، وحرر وقرر وزين،
وصنف وألف، وجمع وحشد، وأسس وأكد، ومهد وأطنب، وبين المشهور والغريب والبعيد والقريب والصحيح والمستقيم والضعيف والسقيم وما عليه الأكثرون، وما ندر بالمذهب به الأقلون، والمنصوص والمخرج، والخالص من الحسن والمهرج، هذا وله غيره من المصنفات المهمة والفوائد الجمة مثل: اختصار هذا بل الفتح العزيز، وشرح مسند الشافعي، أحد أئمة التبريز مع الرياسة، والصيانة، والسيادة والأمانة، والاعتناء بالتفسير، والفقه، والحديث، والإملاء، والإفادة، والتحديث، وقد أجاز له أبو زرعة المقدسي، وسمع منه الحافظ زكي الدين المنذري بالمدينة النبوية.
وقال الشيخ أبو زكريا النووي: كان من الصالحين المتمكين، وكانت له كرامات كثيرة ظاهرة، وقال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: توفي في أواخر سنة ثلاث، أو أواخر سنة أربع وعشرين وست مائة بقزوين، رحمه الله تعالى.
وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان: توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وست مائة، سمع الرافعي الحديث من أبيه حضورا إلى سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، وكانت لأبيه رحلة وقرأ بنفسه عليه سنة تسع وستين، وعلى أبي بكر عبد الله بن إبراهيم بن عبد الملك، وروى في أماليه عن أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن
стр. 778
محمد الطالقاني، وأبي سليمان أحمد بن حسنويه، وأبي نصر حامد بن محمود بن علي الماوراء النهري الخطيب، وأبي العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الهمذاني الحافظ، وأبي بكر عبد الله بن إبراهيم بن عبد الملك المذكور، وأبي حامد عبد الله بن أبي الفتوح بن عثمان العمراني القزويني الفقيه،
وعبد العزيز بن الخليل بن أحمد الخليلي، وأبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن مامونة الرازي، وأبي بكر محمد بن أبي طالب الضرير المقرئ، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي، وبإجازته من أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، وروى عنه ابنه الإمام عزيز الدين محمد، والحافظ زكي الدين المنذري في معجمه، وأبو الثناء محمود الطاوسي.
قَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ الْجَلِيلِ الْمُعَمَّرِ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ رَئِيسِ الْمُؤَذِّنِينَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ بُرْهَانِ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعِرَاقِيِّ، أنا أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُودُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ النَّاصِحِ الْقَزْوِينِيُّ الصُّوفِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا إِمَامُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، إِجَازَةً، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْكَرَمِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، أَخْبَرَكُمْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ
الشَّاهِدُ، ثنا الْفَضْلُ الْكِنْدِيُّ، ثنا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، ثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، ثنا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ.
وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
стр. 779
وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ زُرَيْقٍ، ثَلاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
عبد اللطيف ابن الفقيه أبي العز يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد العلامة موفق الدين أبو محمد الموصلي الأصل البغدادي المنشأ
الفقيه الشافعي النحوي اللغوي المتكلم الطبيب المؤرخ المحدث الأديب البارع، وكان يعرف قديما بابن اللبان ويلقب بالمطجن، لقبه بذلك التاج الكندي لدمامة خلقه ونحافة جسمه وصغر وجهه، تفقه ببغداد على أبي القاسم بن فضلان، وسمع الحديث من جماعة من المشايخ فمن ذلك مسند الشافعي، وابن ماجه من أبي زرعة المقدسي، وصحيح الإسماعيلي، والمدخل إليه من يحيى بن ثابت، وسمع الكثير من ابن البطي، وابن النقور وجماعة، وعنه خلق منهم الزكيان المنذري والبرزالي، وابن النجار، والشهاب القوصي، وحدث بالشام، ومصر، والعراق، وبلدان شتى، وحفظ كتبًا جم، وصنف مصنفات عديدة فمن محفوظاته
الفصيح، والمقامات واللمع، وأدب الكاتب لابن قتيبة ومشكل القرآن وغريبه، والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي وغير ذلك، ومن مصنفاته شرح مقدمة ابن باب شاد، وشرح بانت سعاد، وشرح المقامات، وكتاب الجامع الكبير في المنطق
стр. 780
والطبيعي والإلهي في عشر مجلدات، والرد على الفخر الرازي في تفسير قل هو الله أحد، وغير ذلك من المصنفات الكبيرة المتعددة في الفنون المتنوعة، وكان يبغض الشهاب السهروردي، ويزعم أن ما له من القواعد والتعاليق التي لا يعتد بها ما هو خير من كلام السهرودي، وله كتاب في الرد على اليهود والنصارى.
ومن كلامه قال: ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول اقتداء بسيرة النبي ﷺ وتتبع أفعاله وأحواله اقتفاء آثاره، وتشبه به ما أمكنك، وإذا وقفت على سيرته في مطمعه، ومشربه، وملبسه، ومنامه، ويقظته، وتمرضه، وتطببه، وتمتعه، وتطيبه، ومعاملته مع ربه ومع أزواجه وأصحابه وأعدائه، وفعلت اليسير من ذلك، فأنت السعيد كل السعيد، قال: ومن لم يتحمل ألم التعليم، لم يذق لذة العلم، ومن لم يكدح لم يفلح، وإذا خلوت من التعليم والتفكير، فحرك لسانك بذكر الله وتسبيحه وخاص عند النوم، وإذا حدث لك فرح بالدنيا، فاذكر الموت وسرعة الزوال وأصناف المبغضات، وإذا أحزنك
أمر فاسترجع وإذا اعترتك غفلة فاستغفر، واجعل الموت نصب عينيك، والعلم والتقى زادك إلى الآخرة، وإذا أردت أن تعصى الله فاطلب مكانًا لا يراك فيه، وعليك أن تجعل باطنك خيرًا من ظاهرك، فإن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وشره إن ستره فباطنه مكشوف لله، والله مكشفه لعباده، واعلم أن للدين عقبة وعزمًا ينادي على صاحبه، ونورا وضيا يشرف عليه، ويدل عليه، فحامل المسك لا يخفى مكانه، قال أيضًا: ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا أويت إلى منامك، وتنظر ما اكتسبت في يومك من حسنة، فتشكر الله عليها، وما
стр. 781
اكتسبت من سيئة تستغفر منها، وتقلع عنها وترتب في نفسك ما تعمله
في غدك من الحسنات وتسأل الله الإعانة على ذلك.
وهذا كلام حسن جيد يدل على فصاحة قائله وفضائله وسيادته وسعادته وديانته وأمانته واطلاعه، ولهذا أثنى عليه غير واحد من الحفاظ والأئمة من المتأخرين، وحط منه القاضي جمال الدين السيوطي في تاريخ النحاة، والظاهر أن في كلامه تحاملًا والله أعلم، ولد الموفق لطف الله به في أحد الربيعين سنة سبع وخمسين وخمس مائة، وتوفي ببغداد في ثاني المحرم سنة ثمان وعشرين وست مائة وصلى عليه الشيخ شهاب الدين السهروردي، ﵀.
علي بن الخطاب بن مقلد الفقيه المقري أبو الحسن الواسطي المحدثي والمحدث من قرى واسط الشافعي الضرير
تفقه على أبي القاسم يحيى بن فضلان شيخ بغداد وبرع في المذهب والخلاف ودرس، وأعاد وأفاد وأفتى، وكان قيما يعلم العربية والقراءات، وأقبلت عليه الدنيا حتى صار من جلساء الإمام المستنصر بالله، وسمع الحديث من أبي الفتح بن شاتيل وجماعة، وتوفي في سنة ثمان وعشرين وست مائة عن سبع وستين سنة.
علي بن منصور بن عبد الله أبو الحسن اللغوي
стр. 782
كان يحفظ المجمل لابن فارس، وكتاب إصلاح المنطق وأشياء كثيرة، وكان سريع الحفظ، وكان مقيما بالنظامية إلى أن توفي ولم يتأهل قط، توفي سنة ثنتين وعشرين وست مائة عن بضع وسبعين سنة.
علي بن يوسف بن عبد الله بن بندار زين الدين أبو الحسن المصري
قاضي القضاة بها، وقد أقام قبل ذلك بدمشق، وأصلهم من بغداد، وكان أبوه أحد الأعلام ببغداد، تفقه على أبيه ثم سافر وقد برع في المذهب، وكان محتشما رئيسا، فقيها متواضعا خيرًا حسن الأخلاق محبًا لأهل العلم، سمع مسند الإمام الشافعي من أبي زرعة المقدسي، وعنه ابنه أبو العباس أحمد، والحافظ زكي الدين البرزالي، والأبرقوهي وغيرهم، توفي بالقاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنين وعشرين وست مائة عن سبع وستين سنة، ﵀.
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر فخر الدين أبو عبد الله الفارسي الشيرازي الخبري الفيروزابادي نزيل مصر الشافعي الصوفي المحقق في الطريقة
سمع الحديث من السلفي، وابن عساكر وغيرهما، وسمع منه الزكيان المنذري والبرزالي، وشهاب الدين الأبرقوهي، وجماعة
стр. 783
وآخرهم علي بن القيم، وكان فاضلًا له مصنفات كثيرة منها كتاب مطية النقل وعطية العقل في الأصول والكلام، وغير ذلك من المصنفات، وكان فاضلًا بارعًا فصيحًا بليغًا متكلمًا، قال عمر بن الحاجب: كانت له معاملات ورياضات ومقامات، إلا أنه كان بذيء اللسان كثير الوقيعة في الناس لمن عرف ومن لا يعرف كثير الجرأة لا يفكر فيما يقول، وعنده دعابة في غالب الوقت، وكذا قال ابن نقطة أيضًا، وذكر أنه بنى زاوية بالقرافة بمعبد ذي النون، وتوفي بها في ذي القعدة سنة
ثنتين وعشرين وست مائة ودفن بزاويته.
محمد بن عمر بن يوسف بن محمد بن بهروز الفقيه أبو بكر ابن الشيخ أبي حفص البغدادي الشافعي المقري الخياط سبط محمد بن نصر الشعار
المحدث، سمع حضورًا من جده ومن صالح بن الرحلة وشهده وجماعة، وروى ابن النجار في تاريخه تفقه بحماة وقال: كان مدرسا بها وخطيبا بليغا قال: وهو صدوق متدين ذكر لي أنه تفقه على أبي طالب غلام ابن الخل، وحفظ عنه تعليقه، وقرأ عليه المهذب، وتعليقة الشريف ثم تفقه على علي بن علي الفارقي شيخنا، وخرج من بغداد سنة ثنتين وسبعين وخمس مائة فوصل إلى حمص، ثم عاد إلى المعرة، فأقام بها عشرين سنة يدرس ثم تحول إلى حماة ودرس بها، ذكره شيخنا الذهبي فيمن توفي في حدود سنة ثلاثين وست مائة.
стр. 784
محمد ابن الفقيه أبي منصور فتح بن محمد بن خلف السعدي
الفقيه زين الدين أبو عبد الله الدمياطي الشافعي الكاتب في ديوان الإنشاء للملك الكامل، سمعه أبوه من الحافظ السلفي وعدة، وكتب الخط المنسوب على فخر الكتاب حتى فضل عليه في حسن الكتابة، وحدث بدمشق، وكان حسن الأخلاق، فيه دين وخير، وعنه الزكي المنذري وابن البرزالي، وابن الأنماطي، مات في رابع صفر سنة إحدى وعشرين وست مائة ﵀.
محمد بن أبي الفرج بن أبي المعالي الشيخ فخر الدين أبو المعالي الموصلي البغدادي المقرئ الشافعي
معيد النظامية، قدم بغداد سنة ثنتين وسبعين وخمس مائة، فتفقه بها معيد النظامية، قدم بغداد سن ثنتين وسبعين وخمس مائة، فتفقه بها على يحيى بن سعدون القرطي، وسمع الحديث منه ومن خطيب الموصل، وقرأ العربية على الكمال عبد الرحمن الأنباري، قال ابن النجار: كانت له معرفة تامة بوجوه القراءات وعللها وطرقها وله في ذلك مصنفات، وكان فقيهًا فاضلًا حسن الكلام في مسائل الخلاف، ويعرف النحو معرفة حسنة، وكان كيسًا متوددًا.
محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل أبو الفضائل الرافعي القزويني
стр. 785
نزيل بغداد، أخو العلامة أبي القاسم الرافعي الشارح، تفقه على أبي القاسم بن فضلان، سمع الحديث من أبيه وأجاز له ابن البطي ورحل إلى أصبهان والري وأذربيجان والعراق، وسمع من أبي السعادات نصر الله الغزار، ومحمد بن يونس، وابن الجوزي، واستوطن بغداد، وولي مشارفة أوقاف النظامية، وكان فيه ديانة وأمانة وتواضع وتودد وحسن خلق، كتب الكثير مع ضعف خطه من التفسير والحديث والفقه، وكان له معرفة جيدة في الحديث، قال ابن النجار: كان يذاكرني بأشياء، وله فهم حسن ومعرفة، توفي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وست مائة، وقد قارب التسعين ﵀.
مظفر بن عبد القاهر بن الحسن بن علي بن القاسم القاضي حجة الدين أبو منصور ابن القاضي أبو علي الشهرزوري الموصلي الحاكم بها الشافعي
كان رئيسًا سريا محتشما، تولى الحكم بالموصل مدة، وركب في الرسلية إلى بغداد وإلى الشام، وكان الثناء عليه جميلا، سمع الحديث من أبي أحمد بن سكينة وابن الأخضر، وتوفي ببلده في رجب سنة ثلاث وعشرين وست مائة عن خمس وستين سنة، وقد أضر في آخر عمره.
المعافى بن إسماعيل بن أبي الحسين بن أبي السنان الفقيه أبو محمد بن أبي الحدوس الموصلي الشافعي
стр. 786
كان فاضلا بارعا، درس وأفتى وناظر، وكان مليح الشكل والبزة، وله كتاب أنس المنقطعين، وكتاب الموجز في الذكر، وسمع الحديث من سليمان بن خميس، ومسلم بن علي السنجي، وعنه الزكي البرزالي، المحبب العديم، والخضر بن عبدان الكاتب، وهو آخر من حدث عنه، توفي بالموصل في شعبان أو في رمضان سنة ثلاثين وست مائة عن تسع وسبعين سنة، ﵀.
هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن رواحة الأنصاري الحموي المعدل زكي الدين
أحد التجار الكثيرين الأموال، وإنما عرف بابن رواحة، لأنه ابن أخت الشيخ أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن رواحة المتقدم ذكره، بنى مدرسة بدمشق ومثلها بحلب على الفقهاء الشافعية، وكان أوصى أن يدفن بمدرسته التي بدمشق إذا مات في البيت الذي في الإيوان، فلما مات أراد أهله ذلك، فمنعهم الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، رحمه الله تعالى، وكان إذ ذاك مدرسها، لأنه لم يشرطه في أصل الوقف، والله أعلم، وقد حدث عن أبي الفرج بن كليب، وتوفي في رجب سنة ثنتين وعشرين وست مائة.
همام بن راجي بن سرايا بن ناصر بن داود جلال الدين أبو العزائم المصري الشافعي
стр. 787
خطيب جامع الصالح هو وأولاده، قرأ العربية على ابن بري، وارتحل إلى العراق، فتفقه على الشيخين ببغداد المجير وابن فضلان، وسمع الحديث من عبد المنعم بن كليب، وعبد الواحد بن علي بن حمويه، وقرأ الأصول بمصر على أبي منصور ظافر بن الحسين، ودرس وأفتى وصنف في الأصول والخلاف والمذهب، وروى عنه الزكي المنذري والأبرقوهي، ومات في ربيع الأول سنة ثلاثين وست مائة عن سبع وسبعين سنة.
يحيى بن عبد الله بن يحيى الإمام أبو الحسين الأنصاري الشافعي المصري النحوي
تلميذ العلامة عبد الله بن بري لزمه مدة طويلة، وبرع في اللغة والنحو وتصدر بالجامع العتيق، وكان مشهورا بحسن التعليم، وتخرج به جماعة، وروى عنه الزكي عبد العظيم المنذري، وأرخ وفاته بذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مائة.
يونس بن بدران بن فيروز بن صاعد بن عالي بن محمد بن علي قاضي القضاة جمال الدين المصري الشافعي
كان ينتسب إلى قريش، وكان يكنى بأبي محمد، وأبي الوليد، وأبي الفضائل، أبي الفرج، ولد تقريبًا في سنة خمسين وخمس مائة، سمع السلفي وغيره، وعنه الحافظ الزكي البرزالي، والشهاب القوصي،
стр. 788
وعمر بن الحاجب، وقال: كان يشارك في علوم كثيرة، وكان وكيلا لبيت المال، فلم يحسن السيرة قبل القضاء، قلت: قبل شأنه إمام الملك العادل واعتنى به الصاحب ابن شكر وبعثوه رسولا إلى الخلافة غير مرة، فعظم ودرس في الأمينية بعد التقي الضرير، وباشر وكالة بيت المال، ثم ولي القضاء بالشام وولي تدريس العادلية أيام المعظم، وألقى بها التفسير كاملًا دروسًا واختصر كتاب الإمام الشافعي، وصنف
فرائض.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان في ولايته عفيفا في نفسه نزيها مهيبا ملازما لمجلس الحكم بالجامع وغيره.
وكان ينقم عليه أنه إذا ثبت عنده دراية أمر بالمصلحة مع بيت المال، ونقم عليه ولايته ولده التاج محمد نيابة الحكم مع السيرة غير المستقيمة، قال: وتكلموا في انتسابه إلى قريش، قال: وولي القضاء بعده والتدريس بالعاملية القاضي شمس الدين بن الحولي، وتوفي في أواخر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وست مائة، ودفن بمجلس بقاعته قبلي الخضروات إلى جانب المدرسة الصدرية الحنبلية من المشرق، قال الحافظ الضياء: وقليل من الخلق كان يترحم عليه، قلت: ليس في ترجمته ما يغير خواطر الناس عليه إلا ما ذكر من أمره بالمصالحة لبيت المال، والله أعلم.
стр. 789
المرتبة الرابعة من الطبقة التاسعة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وثلاثين وست مائة إلى آخر سنة أربعين
стр. 790
أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس الخويي الشافعي.
ولد ببلدة خوى، وهي من مدن أذربيجان سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة ودخل خراسان، وقرأ بها الأصول على الفخر الرازي، وقبل: بل عن صاحبه القطب المصري، وقرأ الجدل على علاء الدين الطوسي، وسمع الحديث من المؤيد الطوسي، وبدمشق من ابن الزبيدي وابن صباح، وتولى قضاء القضاة بالشام، فحدث بسيبويه، وكان فقيهًا إمامًا فاضلًا مناظرًا متكلمًا بصيرًا بالطب والحكم مع دين وصلاح وصلاة وصيام، وسمع منه ابنه قاضي القضاة شهاب الدين بن محمد الخويي وتاج الدين بن أبي جعفر، وعمر بن الحاجب، والجمال بن الصابوني وغيرهم، وله كتاب في الأصول وكتاب فيه رموز حكمية، وكتاب في النحو، وكتاب
في العروض، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة:
أحمد بن الخليل أرشده الله ... كما أرشد الخليل بن أحمد
ذاك مستخرج العروض وهذا ... مظهر السر منه والعود أحمد
، توفي ﵀ بحمى الدق في سابع شعبان سنة سبع وثلاثين وست مائة، ودفن بقاسيون.
стр. 791
أحمد بن علي بن ثابت الإمام أبو العباس الواسطي الشافعي الفرضي
تلميذ أبي طالب المبارك صاحب الخل، كان أستاذًا في الفرائض، له فيه المصنفات والتلامذة، وتوفي في رجب سنة إحدى وثلاثين وست مائة عن ست وسبعين سنة.
أحمد ابن الشهاب محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى القاضي العلامة نجم الدين أبو العباس المقدسي الحنبلي ثم الشافعي
ولد ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، واشتغل في مذهب الإمام أحمد بن حنبل على الشمس أحمد بن عبد الواحد البخاري والد الشيخ الفخر، وقرأ المقنع على الشيخ موفق الدين سنة ثلاث عشرة، وكتب له كتابة حسنة بليغة لم يكتبها لغيره، ودرس بمدرسة الشيخ أبي عمر، ﵀، وسافر إلى بغداد وله سبع عشرة سنة، صحبه الشيخ الضياء فسمع من ابن الجوزي وغيره، ورحل إلى همذان فأخذ عن الركن الطاوسي الأصول، ولازمه مدة حتى صار معيده، وسمع بها من أبي العز عبد الباقي بن عثمان الهمذاني وغيره، ثم سافر هو وأخوه إبراهيم إلى بخارى، واشتغلا بها مدة وبرع هو في علم الخلاف،
وصار له صيت بتلك البلاد ومنزلة رفيعة، ثم اشتغل في
стр. 792
مذهب الإمام الشافعي بالفقه ثم عاد إلى دمشق، وله جلاله ومكانه، وكان يحفظ الجمع بين الصحيحين للحميدي، قاله الحافظ الضياء والمنذري، وكان يقوم الليل ويداوم على صلاة الضحى صلاة حسنة، وكان لا يترك الاشتغال ليلا ونهارًا ويطالع كثيرا ويشتغل، قال العز بن الحاجب: كان إماما ورعا معظما لفضله ودينه، عديم النظير في فنه، بالغ في طلب العلم وكان وافر الحظ من الخلاف، وكان سليم الباطن ذا سمت ووقار وتعبد.
قلت: وله كتاب ظريف في الخلاف مجلدا، وكتاب الفصول والفروق وكتاب الدلائل الأنيقة في غير ذلك من الفوائد الجمة، قال الحافظ الضياء: لما تولى المدرسة العذراوية رآه القاضي صدر الدين ابن سليمان الحنفي ﵀، في النوم، كان الإمام أحمد يدرس فيها فيسر به، قال: ودرس بالصارمية التي إلى جانبها، ودرس بأم الصالح إسماعيل، وبالشامية البرانية، ومات وهو مدرس العذراوية، وقال شيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي: ناب في القضاء عن الكمال المصري، وعن القاضي شمس الدين ابن سني الدولة، والقاضي شمس الدين الخويي، والقاضي عماد الدين الحرستاني الخطيب، وعن القاضي الرفيع حتى
مات، وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان يعرف بالحنبلي، وكان فاضلًا دينًا وكان بارعًا في علم الخلاف وفقه الطريقة، حافظًا للجمع بين الصحيحين للحميدي، وقرأت وفاته بخط الحافظ الضياء يوم الجمعة خامس شوال سنة ثمان وثلاثين وست مائة.
стр. 793
سليمان بن مظفر بن غانم الإمام رضي الدين أبو داود الجيلي الشافعي
تفقه بنظامية بغداد، وأفتى ودرس وناظر وبرع في المذهب، وصارت له تلامذة وأصحاب، وفيه ديانة وتعفف، وعرض عليه القضاء ببغداد فامتنع، وكذا عرض عليه مشيخة الرباط الكبيرة فامتنع، وقال القاضي ابن خلكان: وكان من أكابر فضلاء عصره، صنف كتابًا في الفقه يدخل في خمسة عشر مجلدًا، وعرضت عليه المناصب فلم يفعل، وكان دينا ملازمًا لبيته محافظًا على وقته، توفي وقد نيف على الستين، في ثاني ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
عبد الحميد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان القاضي أبو بكر الهمذاني الشافعي
وأمه عاتكة بنت الحافظ أبي العلاء الهمذاني، ولد سنة أربع وستين وخمس مائة، وسمع جده لأمه المذكور وشهده، وابن شاتيل وغيرهم، وتفقه ببغداد، وأعاد بالنظامية وناب في القضاء بالجانب الغربي عن أخيه أبي الحسن علي بن عبد الرشيد، وكان صالحًا ورعًا دينًا زاهدًا على طريقة السلف كثير المحفوظ، وقدم دمشق، وحدث بها في سنة إحدى وعشرين وست مائة، ونزل بالغزالية من الجامع، ثم
стр. 794
عاد إلى بغداد وولي قضاء الجانب الشرقي، وكان محمود السيرة، وروى عنه جماعة منهم الخطيب عز الدين الفارومي، والكمال بن الشربيني، والخطيب عبد الحق بن عبد الله بن إسماعيل، وغيرهم، وأجاز جماعة منهم
شيخنا أبو نصر محمد بن محمد بن الشيرازي، وشيختنا ست الفقهاء بنت الواسطي، توفي في سابع شوال سنة سبع وثلاثين وست مائة.
عبد الرحمن بن مقبل بن الحسين بن علي بن مقبل العلامة قاضي القضاة عماد الدين أبو المعالي الواسطي الشافعي
قرأ القرآن والقراءات وتفقه على ابن البوقي، والمجير بن فضلان، وابن الربيع، وبرع في المذهب، وأفتى ودرس وناب في القضاء عن أبي صالح الجميل، ثم اشتغل بقضاء القضاة في سنة أربع وعشرين وست مائة، ودرس بالمستنصرية، ثم عزل عن ذلك كله، ولزم بيته يتعبد ويتنسك، ثم باشر مشيخة رباط المرزبانية في سنة خمس وثلاثين إلى أن مات في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وست مائة عن سبعين سنة.
علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي سيف الدين الآمدي
شيخ المتكلمين في زمانه، ومصنف الأحكام، ولد بآمد بعد
стр. 795
الخمسين وخمس مائة، وقرأ بها القراءات على الشيخ محمد الصفار، ثم ارتحل إلى بغداد وقرأ الهداية أولًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، واشتغل عليه في الخلاف، وبرع فيه وحفظ طريقة الشريف، ثم تحول شافعيًا، وصحب أبا القاسم بن فضلان، واشتغل عليه في الخلاف ونظر في طريقة أسعد الميهني، وتفنن في علم النظر والكلام والحكمة، وصنف في ذلك كتبًا مشهورة، دخل مصر وتصدر بالجامع الظاهري للاشتغال في العقليات وغير ذلك وأعاد بمدرسة الشافعي، ثم قاموا عليه ونسبوه إلى سوء العقيدة.
قال القاضي ابن خلكان: وضعوا خطوطهم بما يستباح الدم، فخرج مستخفيًا إلى الشام، ونزل حماة مدة وصنف في الأصلين، والحكمة والمنطق والخلاف، وكل ذلك من تصانيفه المشهورة الإحكام في أصول الأحكام، وإنكار الأفكار، ودقائق الحقائق، ومنتهى السؤال في علم الأصول، وطريقة في الخلاف، وغير ذلك، ثم قدم دمشق في اثنتين وثمانين وخمس مائة، وأقام بها مدة ثم ولاه الملك المعظم ابن العادل تدريس العزيزية، فلما ولي أخوه الملك الأشرف موسى عزله عنها، ونادى في المدارس من ذكر غير التفسير والحديث والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف الآمدي خاملًا في بيته إلى أن توفي
في صفر سنة إحدى وثلاثين وست مائة، ودفن بتربته بقاسيون.
قال أبو المظفر ابن الجوزي: وكان يظهر منه رقة قلب وسرعة دمعة، ولم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين، وعلم الكلام، قلت: وقد حدث بغريب الحديث عن ابن شاتيل، ومن تلاميذه: القاضي
стр. 796
صدر الدين ابن سني الدولة، والقاضي محيي الدين ابن الزكي.
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمويه الشيخ شهاب الدين أبو حفص وأبو نصر وأبو القاسم وأبو عبد الله القرشي التيمي البكري السهروردي
شيخ شيوخ العارفين بالعراق في زمانه، وصاحب عوارف المعارف في بيان طرائق القوم، ولد في رجب سنة تسع وثلاثين وخمس مائة ببلده سهرورد، فلما كان عمره ستة أشهر قتل أبوه ﵀، ونشأ الشيخ شهاب الدين في حجر عمه أبي النجيب عبد القاهر، وأخذ عنه التصوف والوعظ وعلم الحديث والفقه، وصحب أيضًا الشيخ عبد القادر والشيخ أبا محمد بن عبد البصري، وسمع الحديث أيضًا من أبي زرعة المقدسي، ومعمر بن الفاخر، ويحيى بن ثابت وغيرهم، وله مشيخة في جزء لطيف، وروى عنه جماعة منهم: ابن الدبيثي، وابن نقطة، والضياء، والزكي البرزالي، وابن النجار، والقوصي، والعز الفاروقي، والشهاب
الأبرقوهي.
قال ابن الدبيثي: كان له في الطريقة قدم ثابت ولسان ناطق، وولي عدة ربط الصوفية، ونفذ رسولًا إلى عدة جهات.
وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق في وقته، صاحب مجاهدة وإيثار وطريقة حميدة ومروءة تامة، وأوراد على كبر سنة.
стр. 797
وقال ابن النجار: كان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين، ودعاء الخلق إلى الله تعالى، قرأ الفقه والخلاف والعربية، وسمع الحديث ثم انقطع ولازم بيته وداوم الصوم والذكر والعبادة إلى أن خطر له عند علو سنه أن يظهر للناس ويتكلم عليهم، فعقد مجلس الوعظ بمدرسة عمه على دجلة، وحضر عنده خلق عظيم، وأظهر له قبول من الخاص والعام واشتهر اسمه وقصد من الأقطار، وظهرت بركات أنفاسه في توبة العصاة، ورأى من الجاه والحرمة عند الملوك ما لم يره أحد، ونفذ رسولًا إلى ملوك البلدان، قلت: وحصل له أموال فلم يتملك منها شيئًا ومات ولم يترك كفنًا، رحمه
الله، وكانت وفاته في أول ليلة من محرم سنة ثنتين وثلاثين وست مائة ببغداد، ومن حسن الكلام ما جرى بينه وبين الملك الأشرف موسى بن العادل رحمهما الله فيما حكاه الأحرف، قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: يا مولانا تتبعت جميع النسخ بكتاب الشفاء لابن سينا من الخزائن فحرقتها، ثم ذكر في أثناء كلامه أنه حصل لأهل بغداد في هذه السنة مرض شديد كثير، فقلت: وكيف لا وقد أذهبت عنهم الشفاء وهذا يدل على لطافة طبع السلطان وذكائه وقدرته على التعبير وديانة الشيخ، رحمهما الله.
عمر بن محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه العلامة الرئيس عماد الدين
شيخ الشيوخ أبو الفتح ابن شيخ الشيوخ صدر الدين
стр. 798
الحسن ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتح المشهور بابن حمويه الحموي الجويني الأصل، الدمشقي المولد والوفاة، ولد في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمس مائة بمصر، واشتغل بها، وسمع الحديث من عدة مشايخ وأسمع بدمشق والقاهرة، وتولى مناصب والده بعد وفاته التدريس بالشافعي، ومشهد الحسين، ومشيخة سعيد السعداء، وكان صدرًا كبيرًا رئيسًا نبيلًا معظمًا في الدولة له نفوذ وكلمة ورأى متبع، وهو الذي قام في قضية الملك الجواد في تملك دمشق بعد الكامل، فانتظم أمر الجواد بمساعدته، ثم شرع في نقض ما أبرمه عن ممالأة العادل ابن
الكامل صاحب مصر، وبعثه إليه العادل إلى دمشق ليعزله عنها ففطن الجواد لذلك، وتنبه له ولم يزل حتى قتله، بأن سلط عليه فداوية فقتلوه، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وفي السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وست مائة نفر ثلاثة على عماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ داخل قلعة دمشق، فقتله أحدهم، وكان من بيت التصوف والإمرة من أعيان المتعصبين لمذهب الأشعري، قلت: حضر جنازته بشر كثير، ودفن في تربة سعد الدين بن حمويه بقاسيون ﵀، ومن شعره:
ولما حضرنا والنفوس كأنها ... لفرط اتحاد بيننا جوهر فرد
وقام لنا ساق يدير مع الرحا ... كئوس اقتراب ما لشاربها خد
فيا رب لا تجعل حراما لحلالها ... فيصبح حدا من تناولها البعد.
стр. 799
محمد ابن السلطان الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي أبو المظفر وأبو المعالي صاحب مصر
مولده سنة خمس أو ست وسبعين وخمس مائة، ولما أخذ أبوه الديار المصرية بعد الملك العزيز أعطاها له فحكم فيها في حياة أبيه وبعد وفاته بأربعين سنة، وكان شهمًا عاقلًا لبيبا محبًا للعلماء، بنى دار الحديث الكاملية بمصر، وعقد قبة عظيمة على ضريح الشافعي ﵀، ووقف أشياء كثيرة على البر والصلات وكان عادلًا في أحكامه وقضاياه مع عسف وجبروت، اشتكى عليه مهتار أن أستاذه استخدمه ستة أشهر ولم يعطه أجره، فأنزل أستاذه عن فرسه وألبسه أثواب المهتار، وأمر المهتار فلبس ثياب الجندي ورسم أن يخدمه الجندي ستة أشهر كما خدمه المهتار، وكان مع ذلك قد ضيق على الفرنج وأذلهم
برا وبحرًا، وأقام بدمياط مرابطًا نحوًا من ثلاث سنين وفي ذلك يقول البهاء زهير:
بك اهتز عطف الدين في حلل النصر ... وردت على أعقابها بلد الكفر
وأقسم أن ذاقت بني الأصفر الكرى ... لما حكمت إلا بأعلامك الصفر
ثلاثة أعوام أقمت وأشهر ... تجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو
وليلة نفر العدو رأيتها ... بكثرة من أديته ليلة النحر
فيا ليلة قد شرف الله قدرها ... فلا غزو أن سميتها ليلة النحر
стр. 800
، ولما بلغة موت أخيه السلطان الملك الأشرف موسى صاحب دمشق ركب وجاء فأخذها فنزل قلعتها فأصابه زكام، وتولد منه داء وبقي بعد أن دخلها سنتين، ومات إلى رحمة الله تعالى في الحادي والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وست مائة، ودفن بالقلعة في تابوت ثم حول إلى تربته سنة سبع وثلاثين، وتربته مشهورة شمالي جامع دمشق شرقي خانقاه السمسطانية لها شباك كبير، وباب إلى الحائط الشمالي من الجامع.
محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي القاسم بن صدقة بن حفص قاضي القضاة بالديار المصرية شرف الدين أبو المكارم ابن القاضي الرشيد أبي الحسن ابن القاضي أبي الحديق الصفراوي الإسكندراني ثم المصري الشافعي ويعرف بابن عين الدولة
من بيت علم وقضاء، وحكم بالإسكندرية بين أعمامه وأقربائه ثمانية أنفس، ولد بالإسكندرية في سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وقدم القاهرة في سنة ثلاث وسبعين، فكتب لقاضي القضاة صدر الدين بن درباس ثم ناب عنه في القضاء سنة أربع وثمانين، وناب أيضًا عن قاضي القضاة ابن أبي عصرون، وعن غيرهما أيضًا ثم استقل بقضاء الديار المصرية وبعض الشامية سنة سبع عشرة وست مائة.
стр. 801
قال المنذري: وكان عالمًا بالأحكام الشرعية مطلعًا على غوامضها، وكتب الخط الجيد وله نظم ونثر، وكان يحفظ من شعر المتقدمين والمتأخرين جملة، وتوفي في تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وست مائة ومن شعره:
وُلِّيتُ القضاء وَلَيْتَ القضاء ... لم يك شيئًا توليته
فأوقعني في القضاء والقضاة ... وما كنت قديما تمنيته.
محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين بن زيد جمال الدين أبو عبد الله التغلبي الأرقمي الدولعي ثم الدمشقي خطيبها الشافعي
ولد سنة خمس وخمسين وخمس مائة، وورد دمشق شابا، فتفقه على عمه ضياء الدين الدولعي، خطيب دمشق، وسمع منه، ومن محمد بن علي بن صدقة الحريمي وغيره، وولي الخطابة بعد عمه، وطالت مدته في المنصب، وولي تدريس الغزالية مدة، وكان له ناموس وسمت حسن، مفخم كلامه، روى عنه الجلال ابن الصابوني، والمجد ابن الحلوانية وغيرهما، ومات ﵀، في رابع عشر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وست مائة، ودفن في المدرسة التي أنشأها بجيرون.
стр. 802
محمد بن أبي المعالي سعيد بن يحيى بن علي بن الحجاج بن محمد الحافظ الكبير أبو عبد الله الدبيثي ثم الواسطي الشافعي المعدل ببغداد
ولد في رجب سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، سمع بواسط وبغداد وغيرهما من البلاد على جماعة من علماء الحديث النقاد، وقرأ القرآن والعربية والفقه، وتقدم وساد، وعلق الأصول والخلاف، وعني بالحديث ورجاله، وصنف كتابًا في تاريخ واسط، وذيل على مذيل السمعاني وأسمعهما، وله معرفة بالأدب والشعر، وقد أثنى على حفظه وذهنه واستحضاره الحافظ الضياء المقدسي، وابن نقطة وابن النجار، ورووا عنه، وكذا روى عنه الزكي البرزالي، والجمال الشرفي وعز الدين الفاروقي، وغيرهم، من شعره:
إذا اختار كل الناس في الدين مذهبا ... وصوبه رأيا وحققه فعلًا
فإني أرى علم الحديث وأهله ... أحق اتباعًا بل أسدهم نبلا
لتركهمو فيه القياس وكونهم ... يرضون ما قال الرسول وما أملا
قال ابن النجار: أضر في آخر عمره، وتوفي ببغداد في ثامن ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وست مائة.
стр. 803
محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن محمد بن بندار بن مميل القاضي شمس الدين الدمشقي أبو نصر الشيرازي الدمشقي الشافعي
تفقه على قطب الشيرازي، وأبي سعد بن أبي عصرون، وسمع الحافظ أبا القاسم ابن عساكر، فروى عنه وعن أخيه الضياء ابن عساكر، ومن أبي يعلى بن الحبولي، والخطيب أبي البركات، والخضر بن سهل الحارثي وخلق، وأجاز له أبو الوقت السجزي، ونصر بن سيار الهروي وجماعة، وتفرد بمشايخ ومرويات، وعنه جماعة منهم الجمال ابن الصابوني، وأبو الحسين بن الشولي ومحمد بن أبي الزكي الصقلي، تفرد عنه حضورًا، سنجابي حفيده أبو نصر محمد بن محمد، والبهاء أبو القاسم محمد بن مظفر ابن عساكر، رحمهما الله، وكان ساكنًا وقورًا مليح الشكل يصرف عامة أوقاته في نشر العلم، وقد ولي بالقدس الشريف، ثم
ولي تدريس العمادية بدمشق، وتركها ودرس بالشامية البرانية، ثم ولي قضاء دمشق بعد عزل العماد ابن الحرستاني سنة إحدى وثلاثين، وكان عادلًا في حكمة منصفًا، ومات في ثاني جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وست مائة.
محمد بن يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله قاضي القضاة محيي الدين أبو عبد الله بن فضلان
تفقه على والده العلامة أبي القاسم بن فضلان، وبرع في
стр. 804
المذهب وساد وناظر، ورحل إلى خراسان، وناظر علماءها وتقدم، وكان رئيسًا كريمًا جوادًا حسن الأخلاق، باشر تدريس النظامية ببغداد، وفي سنة تسع عشرة وست مائة ولاه الخليفة الناصر لدين الله قضاء القضاة ببغداد، فلما ولي ولده الظاهر سنة اثنتين وعشرين عزله بعد شهر، فلزم بيته ثمانية أشهر في فقر وفاقة، لأنه لم يكن يدخل شيئًا، ثم ولي نظر البيمارستان، وعزل بعد ستة أشهر، ثم ولي ديوان الجوالي، ثم ولي مدرسة أم الخليفة الناصر لدين الله، وذهب رسولًا إلى الروم، وولي تدريس المستنصرية في رجب، فباشرها إلى شوال من عام
إذ توفي، وذلك سنة إحدى وثلاثين وست مائة عن ثلاث وستين سنة، فاجتمع الناس لجنازته وكان أمرًا عظيمًا، وحملوه وازدحموا على نعشه، ﵀، سمع الحديث من أصحاب ابن بيان، وأبي طالب الزينبي.
محمد بن يحيى بن مظفر بن علي بن نعيم القاضي العالم أبو بكر البغدادي المعروف بابن الحبير الشافعي
تفقه أولًا على مذهب الإمام أحمد علي بن المثنى، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي على المجير وغيره، فبرع فيه ونال منه منالًا كبيرًا، وصار بصيرًا بدقائقه دينا خيرًا كثير التلاوة والحج صاحب ليل وتهجد، وكانت له يد طولى في الجدل والمناظرة، وناب في القضاء عن أبي عبد الله بن فضلان، ثم ولي تدريس النظامية في سنة ست وعشرين وست مائة، وقد سمع الحديث من شهدة، وعبد الله بن عبد الصمد السلمي، ومحمد بن نسيم العيسوني، وشيخه أبي الفتح بن المثنى وغيره، توفي في سابع شوال سنة تسع وثلاثين وست مائة.
أَنْبَأَنِي شَيْخُنَا الْمُعَمَّرُ
стр. 805
بَهَاءُ الدِّينِ الْقَاسِمُ بْنُ عَسَاكِرَ، أنا ابْنُ الْحُبَيْرِ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ، أنا طِرَادٌ، أنا هِلالٌ، أنا ابْنُ عَبَّاسٍ الْقَطَّانُ، أنا أَبُو الأَشْعَثِ، أنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلا أَتَى الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ، ﷺ ، يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: " أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فَقُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ "
موسى السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى الملقب بشاهرين ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي
ولد بالقصر سنة ست وسبعين وخمس مائة، ونشأ بها، فلما آل الملك إلى أبيه أعطاه أول شيء القدس، ثم أعطاه حران والرها، وتملك خلاط، وهي قصبة أرمينية، ولقد لقب شاهرين، وهو علم لكل من تملكها، ثم تملك دمشق وصار إليها في سنة عشرين وست مائة، وأخذها من ابن أخيه الناصر داود ابن المعظم، فأحسن إلى أهلها، ووقف الأوقاف الكثيرة، من ذلك جامع التوبة بالعقبية، وكان حانة وخمارة ودار قمار، فهدها وبناها جامعا حسنا يذكر فيه اسم الله تعالى ويعبد ويوحد فيه، وجعل خطابته للشافعية، وبنى جامع جراح وجعله للشافعية، وجامع المرء جدده، وكذا مسجد أبي الدرداء بالقلعة بالمنصورة، وكذا
مسجد باب النصر، وجامع بيت الأبار، وبنى دار الحديث الأشرفية المشهورة وجعل تدريسها للشافعية، وكان أول من وليها الشيخ الإمام العلامة أبو عمرو ابن الصلاح، رحمه الله تعالى، وبنى للحنابلة دار حديث بالسفح، ووقف على الصيانة شرقي الجامع
стр. 806
المظفري وكان فيه بر ووقار وإحسان إلى العلماء وحسن ظن بالفقراء، وكريما عفيفا سعيدا مليح الشكل، لم تكسر له راية قط، حر الذيل ظاهر بلا خلاف شهما شجاعا معطى، لكنه كان يكثر من شرب الخمر سامحه الله، وكان سوق الشعراء أيضًا عنده في نفاق، وكان باب القلعة لا يغلق في شهر رمضان ويخرج منها صحون الحلوى إلى أماكن الفقراء، وكان ذكيا
فطنا يشارك في أشياء بذهنه وكانت له دار السعادة داخل باب النصر والدهشة بالنيرب، وصفه بقراط، وقد سمع صحيح البخاري عنده داخل القلعة على الزبيدي، وهو الذي استدعاه من بغداد إلى دمشق وأحسن إليه وأكرم مورده ومصدره، وحكايته وترجمته يطول استقصاؤها، مرض سامحه الله تعالى في رجب مرضين مختلفين دمامل في رأسه، وبواسير في مقعده وتزايد به ذاك حتى كانت الجراح تخرج بعض عظام في رأسه، وهو يحمد الله ويسبحه، فطالت علته إلى المحرم، وتصدق في مرضه بأشياء كثيرة وأعتق مائتي مملوك ومائتي جارية، ولما يئس من نفسه قال لوزيره ابن جرير: في أي شيء تكفنوني، فما بقي لي قوة تحملني
أكثر من غد، فقال: عندنا في الخزانة تصافي، فقال: حاش لله أن أكفن من الخزانة، ثم نظر إلى ابن موسك الوزير وقال: قم فأحضر كفني فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف ففتحه وإذا فيه خرق من آثار الفقراء طاقيات قوم صالحين، وفي ذلك إزار عتيق يساوي نصف درهم أو نحوه فقال: هذا يكون على جسدي ألقى به حر جهنم، فإن صاحبه كان من الأبدال، وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس سنة خمس وثلاثين وست مائة، وكان آخر كلامه، لا إله إلا الله، وكان ذلك اليوم
стр. 807
يوما مشهودا وحزنا شديدا على أهل البلد، وأغلقت فيه الأسواق، ولبس غلمانه البلاسات، وجاء نساؤهم يندبن على باب القلعة، وكان موته
أمرا هائلا، ودفن بالقلعة حتى فرغ من تربته التي بالكلاسة بعد أربعة أشهر، ثم نقل إليها، رحمه الله تعالى، وذكر بعض الصالحين أنه رآه بعد موته وعليه ثياب خضر، وهو يطير مع الأولياء، فقلت: إيش تعمل مع هؤلاء وأنت كنت تفعل وتصنع؟ فتبسم وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل عندكم، والروح التي كانت تحب هؤلاء صارت معهم، قلت: مصداقه في الحديث الصحيح: «المرء مع من أحب» .
موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العلامة كمال الدين أبو الفتح الموصلي الشافعي
أحد المتبحرين في العلوم المتنوعة، قيل: إنه كان يتقن أربعة عشر علما، تفقه بالنظامية على معيدها السديد السلماسي في الخلاف والأصول والعربية، وبالموصل على يحيى بن سعدون، وببغداد على الكمال عبد الرحمن الأنباري، وتميز وبرع في العلم ورجع إلى الموصل، فأقبل على الدرس والاشتغال حتى اشتهر اسمه وبعد صيته، ورحل إليه الطلبة وتزاحموا عليه، قال القاضي ابن خلكان: كان يقرأ عليه الحنفيون كتبهم، وكان يحل الجامع الكبير حلا حسنا، قال: وكان يقرأ عليه أهل الكتاب التوراة والإنجيل، فيقرون أنهم لم يسمعوا بمثل تفسيره لهما، قال: وكان إذا خاض معه ذو فن توهم
стр. 808
أنه لا يحسن غير
ذلك الفن، وبالغ في ترجمته والثناء عليه وعلى تحصيله وجودة فهمه واتساع علمه.
وحكي عن بعضهم: أنه كان يفضله على الغزالي في تفننه، قال: وكان شيخنا تقي الدين ابن الصلاح يبالغ في الثناء عليه ويعظمه، فقيل له يوما: من شيخه؟ فقال: هذا الرجل، خلقه الله عالما لا يقال: على من اشتغل، فإنه أكبر من هذا إلى أن قال ابن خلكان: وكان، سامحه الله، يتهم في دينه بكون العلوم العقلية غالبة عليه، وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء: هو علامة زمانه وواحد أوانه قدوة العلماء وأوحد الحكماء، أتقن الحكمة، أعنى الفلسفة، وتميز في سائر العلوم، وكان يقري العلوم بأسرها، وله مصنفات في نهاية الجودة، ولم يزل مقيما بالموصل، وقيل: إنه كان يعرف علم
الكيمياء، وله كتاب تفسير القرآن، وشرح التنبيه، ومفردات ألفاظ القانون، وكتاب في الأصول، وكتاب عيون المنطق، وكتاب لغز في الحكمة، وكتاب في النجوم، قال ابن خلكان: توفي بالموصل في أربع عشر من شعبان سنة تسع وثلاثين وست مائة، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وسمى القاضي ابن خلكان ولده بكمال الدين موسى على اسمه، قال: وكان بين مولديهما مائة سنة محررا رحمهما الله.
يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن صدقة قاضي القضاة شمس الدين أبو البركات ابن سني الدولة الدمشقي الشافعي
والد قاضي القضاة صدر الدين أحمد، وتعرف بنيهم بأولاد
стр. 809
الخياط الشاعر المشهور، ولد سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وتفقه على ابن سعدان، والقطب النيسابوري، والشرف بن الشهرزوري وغيرهم، وسمع معه ولده من الخشوعي، وكان إماما بارعا فاضلا جليلا مهيبا، ولي القضاء بالشام، فحمدت سيرته وحدث بالقدس وغيره، وروى عنه الشرف والفخر ابنا عساكر، والمجد بن الحلوانية وغيرهم، وتوفي، خامس ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وست مائة رحمه الله تعالى.
يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن شداد بن محمد بن عتاب قاضي القضاة بهاء الدين بن شداد أبو العريم أبو المحاسن الأسدي الحلبي
الموصلي المولد والمنشأ، ثم الحاكم بحلب وأعمالها وناظر أوقافها، ولد في ليلة العاشر في رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، وحفظ القرآن، واشتغل بالعربية والقراءات على أبي بكر بن يحيى بن سعدون القرطبي، ولازمه مدة كبيرة، وأخذ عنه شيئا كثيرا، وسمع صحيح مسلم والوسيط للواحدي على سراج الدين محمد بن علي الجبائي، وسمع مسند الشافعي وسنن أبي داود والترمذي وصحيح أبي عوانة ومسند أبي يعلى على فخر الدين أبي الرضي أسعد بن الشهرزوري، وسمع من شهدة وجماعة كثيرين ببغداد وغيرها من البلاد، وتفقه وتفنن، وأفاد وأعاد بالنظامية ببغداد، وحدث بمصر ودمشق وحلب، وروى عنه ابنه
المجد والكمال العديمي، والزكي المنذري، والشهاب القوصي، والأبرقوهي وبالإجازة قاضي القضاة تقي الدين سليمان الحنبلي،
стр. 810
وشيخنا أبو نصر محمد بن محمد بن الشيرازي وجماعة.
قال عمر بن الحاجب: كان ثقة حجة عارفا بأمور الدين، اشتهر اسمه وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه، دبر أمور الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه، قلت: أعاده في النظامية في حدود سنة سبعين وخمس مائة، ثم انحدر إلى الموصل، ودرس بمدرسة الكمال الشهرزوري ثم حج سنة ثلاث وثمانين وعاد على طريق الشام لزيارة بيت المقدس، وبعث إليه الملك صلاح الدين فحضر عنده فاشتد إكرام صلاح الدين له، وقرأ عليه شيئًا من الحديث بنفسه، وصنف له القاضي بهاء الدين كتابا في فضيلة الجهاد، فحظي عند الملك، وولاه قضاء العسكر مع قضاء بيت المقدس، ولم
يزل ملازما للسلطان إلى أن توفي، وهو عنده وصار الملك إلى ولده الظاهر بحلب فاستدعاه إليها وولاه قضاءها، ونظر أوقافها، وأجزل له رزقه وأعطاه وأقطعه أرضا تفل شيئًا جزيلا، ولم يكن له نسل ولا قرابة فكان ما يحصل له موفر عنده، فبنى به مدرسة وإلى جانبها دار حديث بينهما تربة له، وقصده الطلبة للدين والدنيا، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره، وارتفاع منزلته.
وصنف من الكتب دلائل الأحكام في مجلدين، والموجز الباهر في الفقه، وكتاب ملجأ الحكام في الأقضية مجلدين، وكتاب سيرة صلاح الدين أجاد فيه وأفاد، وممن أخذ عنه واشتغل عليه ولازمه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ وقد طول ترجمته في وفيات الأعيان، وذكر أن صاحب إربل كتب إلى ابن شداد كتابا بالوصاة به، وما ضنه، فأكرمها حسب الإمكان وحكى عنه القاضي ابن خلكان قال: لما كنا بالنظامية اجتمع أربعة من الفقهاء أو خمسة على شوب حب البلادر، فاستعملوا
следующие страницы →