Полный текст (907 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
المظفري وكان فيه بر ووقار وإحسان إلى العلماء وحسن ظن بالفقراء، وكريما عفيفا سعيدا مليح الشكل، لم تكسر له راية قط، حر الذيل ظاهر بلا خلاف شهما شجاعا معطى، لكنه كان يكثر من شرب الخمر سامحه الله، وكان سوق الشعراء أيضًا عنده في نفاق، وكان باب القلعة لا يغلق في شهر رمضان ويخرج منها صحون الحلوى إلى أماكن الفقراء، وكان ذكيا
فطنا يشارك في أشياء بذهنه وكانت له دار السعادة داخل باب النصر والدهشة بالنيرب، وصفه بقراط، وقد سمع صحيح البخاري عنده داخل القلعة على الزبيدي، وهو الذي استدعاه من بغداد إلى دمشق وأحسن إليه وأكرم مورده ومصدره، وحكايته وترجمته يطول استقصاؤها، مرض سامحه الله تعالى في رجب مرضين مختلفين دمامل في رأسه، وبواسير في مقعده وتزايد به ذاك حتى كانت الجراح تخرج بعض عظام في رأسه، وهو يحمد الله ويسبحه، فطالت علته إلى المحرم، وتصدق في مرضه بأشياء كثيرة وأعتق مائتي مملوك ومائتي جارية، ولما يئس من نفسه قال لوزيره ابن جرير: في أي شيء تكفنوني، فما بقي لي قوة تحملني
أكثر من غد، فقال: عندنا في الخزانة تصافي، فقال: حاش لله أن أكفن من الخزانة، ثم نظر إلى ابن موسك الوزير وقال: قم فأحضر كفني فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف ففتحه وإذا فيه خرق من آثار الفقراء طاقيات قوم صالحين، وفي ذلك إزار عتيق يساوي نصف درهم أو نحوه فقال: هذا يكون على جسدي ألقى به حر جهنم، فإن صاحبه كان من الأبدال، وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس سنة خمس وثلاثين وست مائة، وكان آخر كلامه، لا إله إلا الله، وكان ذلك اليوم
стр. 807
يوما مشهودا وحزنا شديدا على أهل البلد، وأغلقت فيه الأسواق، ولبس غلمانه البلاسات، وجاء نساؤهم يندبن على باب القلعة، وكان موته
أمرا هائلا، ودفن بالقلعة حتى فرغ من تربته التي بالكلاسة بعد أربعة أشهر، ثم نقل إليها، رحمه الله تعالى، وذكر بعض الصالحين أنه رآه بعد موته وعليه ثياب خضر، وهو يطير مع الأولياء، فقلت: إيش تعمل مع هؤلاء وأنت كنت تفعل وتصنع؟ فتبسم وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل عندكم، والروح التي كانت تحب هؤلاء صارت معهم، قلت: مصداقه في الحديث الصحيح: «المرء مع من أحب» .
موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العلامة كمال الدين أبو الفتح الموصلي الشافعي
أحد المتبحرين في العلوم المتنوعة، قيل: إنه كان يتقن أربعة عشر علما، تفقه بالنظامية على معيدها السديد السلماسي في الخلاف والأصول والعربية، وبالموصل على يحيى بن سعدون، وببغداد على الكمال عبد الرحمن الأنباري، وتميز وبرع في العلم ورجع إلى الموصل، فأقبل على الدرس والاشتغال حتى اشتهر اسمه وبعد صيته، ورحل إليه الطلبة وتزاحموا عليه، قال القاضي ابن خلكان: كان يقرأ عليه الحنفيون كتبهم، وكان يحل الجامع الكبير حلا حسنا، قال: وكان يقرأ عليه أهل الكتاب التوراة والإنجيل، فيقرون أنهم لم يسمعوا بمثل تفسيره لهما، قال: وكان إذا خاض معه ذو فن توهم
стр. 808
أنه لا يحسن غير
ذلك الفن، وبالغ في ترجمته والثناء عليه وعلى تحصيله وجودة فهمه واتساع علمه.
وحكي عن بعضهم: أنه كان يفضله على الغزالي في تفننه، قال: وكان شيخنا تقي الدين ابن الصلاح يبالغ في الثناء عليه ويعظمه، فقيل له يوما: من شيخه؟ فقال: هذا الرجل، خلقه الله عالما لا يقال: على من اشتغل، فإنه أكبر من هذا إلى أن قال ابن خلكان: وكان، سامحه الله، يتهم في دينه بكون العلوم العقلية غالبة عليه، وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء: هو علامة زمانه وواحد أوانه قدوة العلماء وأوحد الحكماء، أتقن الحكمة، أعنى الفلسفة، وتميز في سائر العلوم، وكان يقري العلوم بأسرها، وله مصنفات في نهاية الجودة، ولم يزل مقيما بالموصل، وقيل: إنه كان يعرف علم
الكيمياء، وله كتاب تفسير القرآن، وشرح التنبيه، ومفردات ألفاظ القانون، وكتاب في الأصول، وكتاب عيون المنطق، وكتاب لغز في الحكمة، وكتاب في النجوم، قال ابن خلكان: توفي بالموصل في أربع عشر من شعبان سنة تسع وثلاثين وست مائة، وكان مولده سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وسمى القاضي ابن خلكان ولده بكمال الدين موسى على اسمه، قال: وكان بين مولديهما مائة سنة محررا رحمهما الله.
يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن صدقة قاضي القضاة شمس الدين أبو البركات ابن سني الدولة الدمشقي الشافعي
والد قاضي القضاة صدر الدين أحمد، وتعرف بنيهم بأولاد
стр. 809
الخياط الشاعر المشهور، ولد سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وتفقه على ابن سعدان، والقطب النيسابوري، والشرف بن الشهرزوري وغيرهم، وسمع معه ولده من الخشوعي، وكان إماما بارعا فاضلا جليلا مهيبا، ولي القضاء بالشام، فحمدت سيرته وحدث بالقدس وغيره، وروى عنه الشرف والفخر ابنا عساكر، والمجد بن الحلوانية وغيرهم، وتوفي، خامس ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وست مائة رحمه الله تعالى.
يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن شداد بن محمد بن عتاب قاضي القضاة بهاء الدين بن شداد أبو العريم أبو المحاسن الأسدي الحلبي
الموصلي المولد والمنشأ، ثم الحاكم بحلب وأعمالها وناظر أوقافها، ولد في ليلة العاشر في رمضان سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، وحفظ القرآن، واشتغل بالعربية والقراءات على أبي بكر بن يحيى بن سعدون القرطبي، ولازمه مدة كبيرة، وأخذ عنه شيئا كثيرا، وسمع صحيح مسلم والوسيط للواحدي على سراج الدين محمد بن علي الجبائي، وسمع مسند الشافعي وسنن أبي داود والترمذي وصحيح أبي عوانة ومسند أبي يعلى على فخر الدين أبي الرضي أسعد بن الشهرزوري، وسمع من شهدة وجماعة كثيرين ببغداد وغيرها من البلاد، وتفقه وتفنن، وأفاد وأعاد بالنظامية ببغداد، وحدث بمصر ودمشق وحلب، وروى عنه ابنه
المجد والكمال العديمي، والزكي المنذري، والشهاب القوصي، والأبرقوهي وبالإجازة قاضي القضاة تقي الدين سليمان الحنبلي،
стр. 810
وشيخنا أبو نصر محمد بن محمد بن الشيرازي وجماعة.
قال عمر بن الحاجب: كان ثقة حجة عارفا بأمور الدين، اشتهر اسمه وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه، دبر أمور الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه، قلت: أعاده في النظامية في حدود سنة سبعين وخمس مائة، ثم انحدر إلى الموصل، ودرس بمدرسة الكمال الشهرزوري ثم حج سنة ثلاث وثمانين وعاد على طريق الشام لزيارة بيت المقدس، وبعث إليه الملك صلاح الدين فحضر عنده فاشتد إكرام صلاح الدين له، وقرأ عليه شيئًا من الحديث بنفسه، وصنف له القاضي بهاء الدين كتابا في فضيلة الجهاد، فحظي عند الملك، وولاه قضاء العسكر مع قضاء بيت المقدس، ولم
يزل ملازما للسلطان إلى أن توفي، وهو عنده وصار الملك إلى ولده الظاهر بحلب فاستدعاه إليها وولاه قضاءها، ونظر أوقافها، وأجزل له رزقه وأعطاه وأقطعه أرضا تفل شيئًا جزيلا، ولم يكن له نسل ولا قرابة فكان ما يحصل له موفر عنده، فبنى به مدرسة وإلى جانبها دار حديث بينهما تربة له، وقصده الطلبة للدين والدنيا، وعظم شأن الفقهاء في زمانه لعظم قدره، وارتفاع منزلته.
وصنف من الكتب دلائل الأحكام في مجلدين، والموجز الباهر في الفقه، وكتاب ملجأ الحكام في الأقضية مجلدين، وكتاب سيرة صلاح الدين أجاد فيه وأفاد، وممن أخذ عنه واشتغل عليه ولازمه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ وقد طول ترجمته في وفيات الأعيان، وذكر أن صاحب إربل كتب إلى ابن شداد كتابا بالوصاة به، وما ضنه، فأكرمها حسب الإمكان وحكى عنه القاضي ابن خلكان قال: لما كنا بالنظامية اجتمع أربعة من الفقهاء أو خمسة على شوب حب البلادر، فاستعملوا
стр. 811
منه قدرا وصفه لهم الطبيب، فجنوا وتمزقوا وخرجوا على وجوههم، فلما كان بعد أيام إذا أحدهم قد جاء وهو عريان مكشوف
العورة وعليه بقيار كبير، وعذبة طويلة تضرب إلى كعبه، فاجتمع عليه الفقهاء يسألونه كيف الحال؟ فقال: لا شيء إلا أن أصحابي شربوا البلادر فجنوا، وأما أنا فلم يصبني شيء، وهو مصم وهم يضحكون منه، قال القاضي ابن خلكان: ولم يزل أمره منتظما في ولايته ونفوذ تصرفاته إلى أن راح في الرسلية إلى مصر لإحضار ابنه الكمال لزوجها العزيز، فرجع وقد انتقضت الأمور واشتغل السلطان عنه بغيره فلزم بيته على ولاية القضاء، وظهر عليه أثر الهرم وخرف فكان ينشد:
من يتمن العمر فليدرع ... صبرا على فقد أحبائه
ومن يعمر يلق في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه
قال: ومرض أياما قلائل، ومات يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وست مائة بحلب رحمه الله تعالى.
стр. 812
المرتبة الخامس من الطبقة التاسعة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وأربعين وست مائة إلى آخر سنة خمسين
стр. 813
أحمد بن عبد الرحيم بن علي القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل
كان صدرًا رئيسا محتشمًا معظمًا وزير الملك العادل أبي بكر، فلما مات عرضت عليه الوزارة فلم يقبل، وأقبل على طلب الحديث، سماعه والتفقه والتدريس بمدرسة أبيه، وكان مجموع الفضائل كثير الإحسان إلى المحدثين، وقف عليه وظيفة بالكلاسة شيخًا وقارئًا وعشرة محدثين، وشرط أن يكونوا من الشافعية، ووقف خزانة عظيمة فيها كتب نفيسة، وذكر هذا الكندي أنه سمع القاضي الصاحب شرف الدين بن فضل الله أن الكامل بعثه رسولًا إلى بغداد وظهرت من حشمته وصدقاته ما بهرهم، وجمع ما تصدق به وأحسن به إلى أهلها مع جوائز الخليفة له، فبلغ سنة عشرين ألف دينار، مات سنة ثلاث وأربعين وست مائة
عن سبعين سنة، ﵀.
أحمد بن كشاسب بن علي بن أحمد الإمام كمال الدين أبو العباس الذماري الفقيه الشافعي الصوفي
صاحب المصنفات، روى الزبيدي، وأخذ عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وقال: هو آخر من أخذت عنه المذهب في صباي، وكان فقيهًا صالحًا متضلعًا من نقل وجوه المذهب وفهم معانيه، وكان كثير الحج والخير، ووقف كتبه، توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وست مائة.
стр. 814
إسحاق بن أحمد الشيخ كمال الدين المغربي
أحد مشايخ الشافعية وأعيانهم، كان إمامًا عالمًا فاضلًا مقيمًا بالرواحية أعاد بها على الشيخ تقي الدين ابن الصلاح عشرين سنة، وأفاد الطلبة، وقد أخذ عنه جماعة كثيرون من الكبار، وممن قرأ عليه الشيخ محيي الدين النووي، وكان في إيثار وبر وصدقة وزهد وتصنيف، قيل: إنه كان يتصدق بثلث جامكيته، وينسخ في كل رمضان ختمة ويوقفها، مرض بالإسهال مدة أربعين، يومًا ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى في ثامن عشر ذي القعدة سنة خمسين وست مائة بالرواحية، ودفن إلى جانب الشيخ تقي الدين ابن الصلاح بالصوفية، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وكان زاهدًا متواضعًا مؤثرًا ﵀
تعالى.
عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل القاضي رفيع الدين أبو حامد الجيلي الشافعي
كان فقيهًا بارعًا متكلمًا مناظرًا عارفًا بالفلسفة، وأقوال الأوائل، وشرح الإشارات لابن سينا شرحًا جيدًا، اشتغل بالمدرسة العذراوية مدة، وكان فقيهًا في عدة مدارس الشافعية والعذراوية والفلكية، وكان بينه وبين أمين الدين أبي الحسن علي ابن غزال المشرف بالإسلام عن السامرية الكاتب الصالح إسماعيل صحبة أكيدة، وصحبة وعشرة، وأمين الدين هذا هو الذي بنى المدرسة الأمينية ببعلبك أيام كان الصالح
стр. 815
إسماعيل صاحبها، فسعى للقاضي الرفيع في قضاء بعلبك، فكان عندهم بها مدة، فلما انتقل الصالح إسماعيل إلى ملك دمشق، واستوزر أمين الدين هذا المذكور نقل القاضي الرفيع إلى قضاء
دمشق بعد موت قاضي القضاة شمس الدين الخويي المتقدم ذكره فسار هذا القاضي ابن الرفيع سيرة فاسدة، حمله عليها قلة دينه وسوء عقيدته من إثبات المحاضر الفاسدة، وقبول شهود الزور المستعملين عنده والدعاوى الباطلة على أرباب الأموال، وأكل أموال الأوقاف واليتامى والرشا، وغير ذلك من الوجوه الباطلة، وذلك عما لاقاه من الوزير الأمين بل الخئون هذا مع أن القاضي كثير استعمال الشرب المحرم المجمع عليه، وحضوره إلى صلاة الجمعة وهو سكران وداره كلها خمارة أو حانة، فلما عمت به المصيبة وتفاخم الأمر، واشتهر الخطب أزاح الله الكربة وأراح البلد بأن أوقع بينه وبين الوزير،
وأراد كل منهما هلاك الآخر ودماره، فبادر الوزير فشعث عليه عند الصالح فقال له: هذا أنت جئت به وأنت تفضل، به فعند ذلك طلبه طلبا عنيفا وسلمه إلى المقدمين من بني صبيح وغيرهم من أهل البقاع وأمرهم أن يذهبوا به، فهلكوه فيقال: إنهم ألقوه من شاهق في تلك البلاد، وقيل: إنه صلى ركعتين قبل ذلك، والله أعلم.
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وفي ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وست مائة قبض على أعوان الرفيع الجيلي الظلمة الأرجاس، وكبيرهم الموفق حسين الواسطي بن الرواس وسجنوهم وعذبوهم بالضرب والعصر والمصادرة، ولم يزل ابن الرواسي في العذاب والحبس إلى أن توفي جمادى الأولى سنة اثنين وأربعين وست مائة، قال: وفي ثاني عشر ذي الحجة، أخرج الرفيع من داره وحبس بالمقدمية، قال: ثم
стр. 816
أخرج ليلا وذهب به فسجن بمغارة من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره، وذكروا أنه توفي، ومنهم من يقول: ألقي من شاهق، وقيل: خذق، وولي بعده القاضي محيي الدين ابن الزكي، قلت: وأعطوا ابن الزكي مع القضاء من
مدارس الرفيع تدريس العذراوية، وأعطوا الشامية البرانية لتقي الدين صهر ابن الخولي، والأمينية لابن عبد الكافي، قلت: ومن أوابد الرفيع أن رجلًا مات وترك مائة ألف وله من الورثة ابنة فلم يعطها فلسًا، ومنها أنه استعار من الناس أربعين طبقًا ليبعث فيها هدية لصاحب حمص، فلم يرد منا واحدًا ومنها أنه كان يستدعي ذا المال الجزيل فيدعي عليه مدع مسهل بألف دينار مثلًا أو أكثر من ذلك فيهب الرجل من ذلك وينكر، فيقول المدعي: لي بينة، فيقول: أحضر بينتك فيحضر مستعملين، فيشهدون بالمبلغ المدعى به، فيحكم الحاكم على المدعي عليه بذلك، ثم ينفصل عليه، ويقول: صالح غريمك ويرسم
عليه، فيأخذ الشهود نصيبهم، والباقي للحاكم، فيرسل إلى الوزير قسطه من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبركة هذه الأحكام نقصت الأنهار حتى كان نهر بورا إذا كان عليه سياق، لا يصل إلى طاحون تغرى، وحكر القاضي الرفيع النساء من دخول الجامع، وقال ما هو أعظم من الحرمين، فكثر النساء بالجامع، واتفق ليلة نصف، فعظم الخطب وكثرت المفاسد بينهن، وأما صاحبه الشيخ الأمين وزير العادل، فإنه كان سامريا باطنيًا أولًا فأظهر الإسلام وصار وزير الملك، فإنه بقي إلى سنة ثمان وأربعين، فأخرج من السجن وشنق بالديار المصرية، وأخذت حواصله، فبلغت ثلاثة آلاف ألف دينار.
стр. 817
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر الإمام العلامة مفتي الإسلام تقي الدين أبو عمر ابن الإمام البارع أبي القاسم صلاح الدين النصري الكردي الشهرزوري الشافعي
تفقه على والده، وكان والده شيخ تلك الناحية، وجمع بين طرفي المذهب قبل أن يخضر شاربه، وساد وتفقه ثم ارتحل إلى الموصل، فتفقه على العماد بن يونس ولازمه حتى أعاد له ودخل إلى بغداد وطاف البلاد، وسمع من خلق كثير، وجم غفير ببغداد والموصل وهمذان ونيسابور ومرو وحران وغير ذلك، ودخل الشام مرتين، فالمرة الثانية سنة ثلاثين، وولي تدريس دار الحديث، وهو أول من درس بها ثم ولي تدريس الشامية الجوانية، وكان إمامًا بارعًا حجة متبحرًا في العلوم الدينية، بصيرًا بالمذهب وأصوله وفروعه، له يد طولى في العربية والحديث والتفسير مع عبادة وتهجد وورع ونسك وتعبد وملازمة للخير
على طريق السلف في الاعتقاد، يكره طرائق الفلسفة والمنطق يغض منها ولا يمكن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعه في ذلك، له فتاوى سديدة، وآراء رشيدة ما عدا فتياه الثانية في استحباب صلاة الرغائب، وله إشكالات على الوسيط ومؤاخذات حسنة، وفوائد جمة وتعاليق حسنة وعلوم الحديث الذي اقتبسه من علوم الحديث للحاكم وزاد عليه، وله كتاب في طبقات الشافعية اختصره الشيخ محيي الدين
стр. 818
النووي رحمهما الله، واستدرك عليه من جماعة وليس ما جمعناه وافيًا بالمقصود، لأنه فاته جماعة لم يذكرهم فذلك الذي جرأني على جمع هذه التعليقة في ذلك وبالله الثقة وعليه التكلان، فمن مشاهير شيوخه
ابن طبرزد، والمؤيد الطوسي، وابن سكينة، وزينب الشعرية، ومنصور الفراوي، والشيخ الموفق زين الأمناء والفخر ابنا عساكر، وممن تفقه عليه وروى عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة، والإمام تقي الدين بن رزين قاضي الديار المصرية، والعلامة شمس الدين ابن خلكان قاضي البلاد الشامية، والكمال سلار والكمال إسحاق وشيخنا النووي، وروى عنه من النبلاء ابنه محمد وصهره فخر الدين عمر بن يحيى الكرخي، والشيخ الإمام تاج الدين الفروي، وأخوه الخطيب شرف الدين، والشيخ زين الدين الفارقي، وآخر من حدث عنه القاضي أحمد بن علي الجيلي، وشيخنا الشهاب أحمد بن العفيف، ﵏، وانتقل إلى
رحمة الله تعالى في سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وست مائة، والبلد محاصر بالخوارزمية، فشهد جنازته جم غفير، وعدد كبير في الجامع وحمل على الرءوس، وصلى عليه ثانيًا داخل باب الفرج، ثم خرج به نفر يسير نحو العشرة، ورجع الناس بسب الحصار، ودفن غربي مقبرة الصوفية، وقبره مشهور هناك يزار رحمه الله تعالى، وعاش ستًا وستين سنة.
علي بن محمد بن عبد الصمد الشيخ علم الدين أبو الحسن الهمداني السخاوي المصري
стр. 819
شيخ العربية والقراء والفقهاء في زمانه بدمشق، سمع بالثغر من السلفي وجماعة، وبدمشق من أبي طبرزد، وحنبل، والكندي، وأخذ عنه علم العربية، وأكثر عن الإمام أبي القاسم الشاطبي، وقرأ عليه وانتفع به حتى فاق أهل زمانه في القراءات والعربية والتفسير، وكان يفتتح على مذهب الإمام الشافعي، وله حلقة للأمراء بجامع دمشق عند قبر زكريا، وهو يفتتح القراءة بتربة أم الصالح، وله تفسير في أربع مجلدات، وله غير ذلك في فنون القراءة وانتفع به جماعة كثير من الطلبة وغيرهم، وأثنى عليه أئمة كالعماد الكاتب، والقاضي شمس الدين ابن خلكان، والشيخ شهاب الدين أبي شامة فإنه قال: وفي
ثاني عشر جمادى الآخرة توفي شيخنا علم الدين علامة زمانه، وشيخ أوانه بمنزله بالتربة الصالحية، ودفن بقاسيون وكان على جنازته هيبة وجلالة وأصاب منه علوما جمة كالقراءات، والتفسير وفنون العربية، صحبته من شعبان سنة أربع عشرة وست مائة إلى أن مات، وهو عني راض، ومن شعره رحمه الله تعالى:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى ... ونترك الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه أتلقاهم
قيل أليس العفو من شأنهم ... لا سيما عمن ترجاهم.
стр. 820
علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي الإمام العلامة بهاء الدين أبو الحسن اللخمي المصري الشافعي الخطيب
ابن بنت أبي الفوارس الحميري، ولد يوم عيد الأضحى سنة تسع وخمسين وخمس مائة بمصر، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، ورحل به أبوه إلى دمشق، فسمعه من الحافظ ابن عساكر صحيح البخاري وفاته اليسير، ورحل معه إلى بغداد فقرأ بها القراءات العشر، واشتغل بمذهب الشافعي على قاضي القضاة أبي سعد بن أبي عصرون، وقرأ عليه القراءات العشر أيضًا، وسمع عليه المهذب، وقد سمعه ابن أبي عصرون من الشيخ أبي علي الفارقي عن المصنف، وسمع عليه الوسيط للواحدي رحمه الله تعالى، والوجيز أيضًا، والوقف والابتداء لابن الأنباري، ومعالم السنن للخطابي وغير ذلك، وقد عظمه ابن أبي عصرون وألبسه
طيلسانا ليميزه بذلك، وكتب له: لما ثبت عندي علم الولد الفقيه الإمام بهاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضائل وفقه الله لدينه وعدالته رأيت تمييزه من بين أبناء جنسه وتشريفه بالطيلسان، والله يرزقه القيام بحقه، وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وقد تفقه أيضًا بمصر على أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي، والشهاب محمد بن محمود الطوسي، وقرأ بالقراءات أيضًا على أبي القاسم الشاطبي، وسمع منه الموطأ، وسمع أيضًا على السلفي، وشهدة، وجماعة، وروى عنه: الزكيان البرزالي، والمنذري،
стр. 821
وابن النجار، وشرف الدين الدمياطي، وابن دقيق العيد، والقاضي تقي الدين سليمان
المقدسي، وأجاز لغير واحد من مشايخي ولله الحمد، وتوفي عن تسعين سنة في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وست مائة، ﵀.
عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن الفقيه الإمام كمال الدين أبو هاشم بن العجمي الحلبي
من بيت حشمة ورئاسة، تفقه على طاهر بن جميل، وسمع الحديث من يحيى الثقفي ودرس وأفتى، ويقال: إنه درس المهذب من حفظه خمسًا وعشرين مرة، وكان شديد الوسواس في الطهارة، ولم يزل كذلك حتى كان سبب هلاكه، وهو أنه دخل الحمام فدخل الجرارة ليستحم فيها فضاق نفسه وضعفت قواه، ومات ﵀ في حادي عشر رجب سنة اثنتين وأربعين وست مائة، وقد جاوز الثمانين.
محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن ظفر القاضي شمس الدين أبو عبد الله العلوي الحسيني الأرموي ثم المصري
نقيب الأشراف بها، وأحد أئمة الشافعية ويعرف بقاضي العسكر، تفقه على شيخ الشيوخ صدر الدين أبي الحسن بن حمويه،
стр. 822
وصحبه مدة وبرع في المذهب وساد وتقدم بعلمه وشرفه، ودرس بمدرسة ابن مدين النجار بمصر، وولي نقابة الأشراف وكان له يد طولى في الأصول، والنظر، وسمع الحديث من فاطمة بنت سعد الخير، وحدث عن الدمياطي وغيره، وتوفي في ثالث عشر شوال سنة خمسين وست مائة.
محمد بن عبد الكافي بن علي بن موسى القاضي شمس الدين أبو عبد الله وأبو بكر الربعي الصقلي ثم الدمشقي
أحد أعيان أصحاب الشافعي في زمانه، أخو النجم علي والرضي عبد الملك، اشتغل وحصل وسمع الحديث ودرس بالأمينية، وقد ولي في وقت قضاء حمص، وناب القضاء بدمشق، وتوفي ﵀، في تاسع عشر ذي الحجة سنة تسع وأربعين وست مائة عن تسع وستين سنة، سمع الأمير أسامة بن منقذ، وغيره، وروى عنه ابن الحلوانية، والمجد بن العديم والحافظ شرف الدين الدمياطي، وغيرهم.
محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن الحافظ الكبير محب الدين أبو عبد الله بن النجار
صاحب التاريخ الشهير الذي ذيل به على تاريخ بغداد للخطيب، واستدرك عليه فجاء في نحو ثلاثين مجلدًا، وكان شافعي المذهب له مناقب الشافعي، وفوائد كثيرة جمة منها كتاب القمر المنير في المسند الكبير
стр. 823
جمع كل صحابي وما رواه، وكتاب كنزل الأنام في السنن والأحكام، وكتاب الكمال في معرفة الرجال، وكتاب المتفق والمفترق، وكتاب المؤتلف والمختلف، وكتاب فيه معجم له اشتمل على نحو من ثلاثة آلاف شيخ، وغير ذلك من الفوائد الجمة والمقاصد المهمة، ولد سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، وأول سماعه وهو ابن عشر، وطلب بنفسه وهو ابن خمس عشرة، فقرأ على ابن الجوزي، والمبارك بن المعطوس،
وعبد المنعم بن كليب، ومحمد ابن يونس، وذاكر ابن كامل، ورحل رحلة عظيمة إلى الشام ومصر والحجاز وأصبهان وحران ومرو وهراة ونيسابور، ولقي أبا روح الهروي، وعن الشمس الفقيه، وزينب الشعرية، والمؤيد الطوسي، وداود بن معمر، والكندي، وأبي القاسم ابن الحرستاني، ثم المبارك، وكتب عمن دب ودرج، وعمن نزل وعرج، وعني بهذا الشأن عناية بالغة، وكتب الكثير وجمع، وروى عنه الكمال الصابوني، والعز الفاروثي، وابن بليان، وبالإجازة التقى سليمان، وغيرهم،
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ: أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ، أنا عَبْدُ الْمُعِزِّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّارِحُ، قَالَ شَيْخُنَا: وَأنا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمُعِزِّ، أنا يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، أنا أَبُو نَصْرٍ النَّجَّارُ، أنا حَمَّادٌ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ؛ أَلْجَمَهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»
стр. 824
محمد بن ثاماور بن عبد الملك قاضي القضاة بالديار المصرية أفضل الدين أبو عبد الله الخونجي الشافعي
ولد سنة سبعين وخمس مائة، وطلب وحصل وبالغ في علوم الأوائل حتى تفرد برياسة ذلك في زمانه، واتفق له ولاية القضاء بالديار المصرية، والتدريس بالصالحية، وأفتى وناظر وصنف الموجز في المنطق، والجمل، وكشف الأسرار، وغير ذلك في المنطق والطب.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كان حكيما منطقيا، وكان قاضي قضاة مصر، ومات في خامس رمضان سنة ست وأربعين وست مائة، وقد رثاه تلميذه العز حسن محمد الضرير الفيلسوف فقال:
مضى أفضل الدنيا فلم يبق فاضل ... ومات بموت الخونجي الفضائل
فيأيها الحبر الذي جاء آخرا ... فحل لنا ما لم تحل الأوائل.
стр. 825
الطبقة العاشرة من أصحاب الشافعي ﵁ المرتبة الأولى منها من أول سنة إحدى وخمسين وست مائة إلى آخر سنة ستين
стр. 826
أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن صدقة ابن الخياط قاضي القضاة صدر الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين ابن أبي البركات التغلبي الدمشقي الشافعي ابن سني الدولة
كان جده الحسن بن يحيى بن سني الدولة، أحد كتاب الإنشاء لملك دمشق، قبل نور الدين الشهيد، وكان ذا مال وثروة، وولد قاضي القضاة صدر الدين سنة سبعين وخمس مائة، وسمع الحديث من ابن طبرزد، والكندي، والخطيب الدولعي، ونشأ في صيانة وديانة ورياسة، ودرس في سنة خمس عشرة وست مائة، وأفتى بعد ذلك وناب في القضاء عن أبيه سنة ست وعشرين، ثم ولي وكالة بيت المال، ثم اشتغل بمنصب القضاء مدة ثم عزل، واستمر على تدريس الإقبالية والجاروخية، وكان محمود الأيام جميل السيرة، ووقف أوقافًا كثيرة على ذريته، ولما قدم هولاكو البلاد الحلبية سافر سني الدولة، والقاضي محيي الدين بن
الزكي إليه، فخدعه ابن الزكي، لأنه كان أدرى منه فولوه القضاء، ورجع ابن سني الدولة بلا شيء، فتمرض في الطريق ودخل بعلبك في محفة، فبقي بها يومين، ومات في عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وست مائة عن ثمان وستين سنة، وقد روى عنه جماعة منهم: القاضي تقي الدين سليمان، والخطيب شرف الدين الفراوي، وابن النجار، وشيخنا ابن الزراد، والحافظ شرف الدين الدمياطي، وقال: خرجت له معجمًا فأجازني بملبوس نفيس، وكان يتفقدني ويحسن إلي.
стр. 827
إسماعيل بن حامد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي المرجا بن الموصلي بن محمد بن علي بن إبراهيم بن نفيس الصدر المحترم شهاب الدين أبو المحامد وأبو الطاهر وأبو العرب الأنصاري الخزرجي القوصي ثم الدمشقي الشافعي
ولد بقوص سنة أربع وسبعين وخمس مائة، وسمع ببلده، وقرأ القراءات، ثم قدم مصر سنة تسعين، وسمع بها أيضًا، واجتمع بالقاضي الفاضل، وسمع منه بيتين فقط، ثم ارتحل إلى دمشق فسمع بها من الخشوعي، والقاسم ابن عساكر، والعماد الكاتب، وابن طبرزد وجماعة، وخرج لنفسه معجمًا ضخمًا فيه فوائد وعجائب وغرائب وغلط أيضًا، واتصل بالوزير ابن شكر فحظي عنده ونفذه رسولًا إلى البلدان ثم ولاه وكالة بيت المال بالشام، وصارت له وجاهة وحشمة وتقدم عند الملوك، وكان ذا هيئة حسنة وسيادة وبزة مرتفعة وبغلة وطيلسان محبك لا يفارقه ودرس بمدرسته التي وقفها بجامع دمشق، وكان ذا فضل وفضيلة
مفوها فصيحًا حافظًا للأشعار، وقد امتدحه جماعة وأخذوا جوائزه، وروى عنه الواسطي وابن الحلوانية وجماعة، وتوفي في سابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وست مائة.
إسماعيل بن أبي البركات هبة الله بن أبي الرضا بن سعيد بن
стр. 828
هبة الله بن محمد عماد الدين أبو المجد بن باطيش الموصلي
أحد علماء الشافعية بتلك البلاد، ودخل بغداد فتفقه بها وسمع الحديث من ابن الجوزي، وابن سكينة وجماعة، وسمع بحلب ودمشق، وصنف كتابًا في طبقات الشافعية، وكتاب المغني في شرح ألفاظ المهذب، وكتاب مشتبه النسبة وله تعاليق ومجاميع في أسماء الرجال، وصناعة الحديث مع براعة في الفقه جيدة، والأصول، وتقدم، وقد درس بالنورية التي بحلب وتخرج به جماعة، وروى عنه الدمياطي، وابن الظاهري وجماعة، وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وست مائة، وقد جاوز الثمانين.
داود بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل الخطيب عماد الدين أبو المعالي أبو سليمان الزبيدي المقدسي ثم الدمشقي الشافعي
خطيب بيت الآبار وابن خطيبها، سمع الخشوعي، وابن طبرزد، وحنبل، وجماعة وعنه: الدمياطي، والشيخ زين الدين الفاروقي، والفخر ابن عساكر، وجماعة، وكان دينا فصيحا مهيبًا فقيهًا ولي خطابة دمشق، وتدريس الغزالية بعد انفصال الشيخ عز الدين بن عبد السلام دمشق، ثم عزل بعد ست سنين ورجع خطابة بلده، ومات في حادي عشر شعبان سنة ست وخمسين وست مائة، وله ستون سنة، وتأسف الناس عليه.
стр. 829
صقر بن يحيى بن سالم بن عيسى بن صقر الإمام المفتي المعمر ضياء الدين أبو المظفر وأبو محمد الكلبي الحلبي
شيخها ومفيدها ومفتيها الشافعي، كان بارعًا إمامًا في مذهب الشافعي، وسمع الحديث من يحيى بن محمود الثقفي، والخشوعي، وحنبل، وابن طبرزد، وعنه: أخوه أبو إسحاق إبراهيم، والدمياطي، وابن الظاهري، والكمال إسحاق وجماعة، وكان موصوفًا بالديانة والعلم، توفي وقد أضر في آخر عمره في سابع صفر سنة ثلاث وخمسين وست مائة بحلب، ﵀.
عبد الله بن أبي الوفا محمد بن الحسن بن عبد الله بن عثمان الإمام نجم الدين أبو محمد البادرائي
أحد رؤساء الشافعية وعلمائهم، ولد سنة أربع وتسعين وخمس مائة، واشتغل حتى برع في المذهب، وتقدم وساد حتى ولي تدريس النظامية ببغداد، وصارت له وجاهة ورياسة عند الخلفاء، وبعثوه رسولا إلى الآفاق، وقد سمع الحديث من أبي منصور، وسعيد بن محمد الرزاز، وعبد العزيز بن رامين، وسعيد بن هبة الله الصباغ وجماعة، وحدث بدمشق وبحلب وبمصر وبغداد وغيرها من البلاد، وبنى بدمشق مدرسة كبيرة للشافعية من أحسن المدارس وكانت قبل ذلك دارًا تعرف بدار أسامة، اشتراها البادرائي من الملك الناصر داود بن المعظم، فبناها مدرسة وشرط على فقهائها العربية، وألا يكون الفقيه في غيرها من
المدارس، وما ذاك والله أعلم إلا لتوفير همة الفقيه على الطلب والاشتغال، وإلا فلو استشعر أن الطالب
стр. 830
لا يصده ولا يرده راد، لما ألجأهم إلى ذلك، سامحه الله وغفر له، وقد كان ﵀ فقيهًا عالمًا متواضعًا حسن الأخلاق، ولم يمت حتى أجبروه على ولاية القضاء، فقبله عن كره فباشر خمسة عشر يومًا، ثم جاءته المنية في أول ذي القعدة سنة أربع وخمسين وست مائة، ولما وصل الخبر إلى دمشق عمل عزاؤه بمدرسته في ثامن عشر ذي الحجة من السنة، وحضره الشيخ شهاب الدين أبو شامة.
عبد الحميد بن عيسى بن عمويه بن يوسف بن خليل العلامة شمس الدين أبو محمد الخسروشاهي
قرية بقرب تبريز، الفقيه المتكلم الشافعي، أخذ علم الكلام عن فخر الدين أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري، فبرع وتفنن في علوم متعددة، ودرس وناظر وقد اختصر المهذب في الفقه، والشفاء لابن سينا، وله غير ذلك، وله تشكيكيات وإيرادات وأسئلة استجاز بعضها، وقد سمع الحديث من المؤيد الطوسي، واشتغل عليه الخطيب زين الدين بن المرحل الشافعي، وروى عنه أبو محمد الدمياطي، وقد أقام مدة بمدينة الكرك عند صاحبها الملك الناصر داود المعظم، ثم انتقل إلى دمشق، ومات في الخامس والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين وست مائة، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثمان وخمس مائة،
﵀.
عبد الرحمن بن نوح بن محمد ابن الإمام شمس الدين التركماني الفقيه الشافعي
стр. 831
تلميذ الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، وكان بصيرا بالمذهب عارفا به، ولي تدريس الرواحية ونظرها مدة ثم نزل عن ذلك لولده ناصر الدين المقدسي، قالوا: ولم يكن أهلا لذلك، وهو الذي صار إلى ما صار، وجرى له ما جرى من الشنق والشهرة وغير ذلك، وهو أخو الشيخ بهاء الدين المقدسي، توفي والدهما عبد الرحمن بن نوح في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وست مائة عن تسعين سنة، ﵀.
عبد الرحيم بن نصر بن يوسف الإمام الزاهد المحدث القاضي صدر الدين أبو محمد البعلبكي القاضي بها
قال الشيخ قطب الدين: كان فقيهًا عالمًا زاهدًا جوادا كثير البر مقتصدا في ملبسه ولم يفنى دأبه، وكان يقوم الليل ويكثر الصوم، ويحمل العجين إلى الفرن، ويشتري حاجته، وله حرمة وافرة، وكان يخلع عليه بطيلسان دون من تقدم من القضاة، تفقه على الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، وسمع التاج الكندي، والشيخ الموفق، وصحب الشيخ عبد الله اليونيني وغيرهم، توفي ﵀ في الركعة الثالثة من صلاة الظهر تاسع ذي القعدة سنة ست وخمسين وست مائة، وكانت له أحوال، ومكاشفات، وقد رثاه شرف الدين بقوله:
لفقدك صدر الدين أضحت صدورنا ... تضيق وجاز الوجد غاية قدره
стр. 832
ومن كان ذا قلب على الدين منطو ... تفتت أشجانا على فقد صدره.
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن الشيخ الإمام العلامة وحيد عصره عز الدين أبو محمد السلمي الدمشقي ثم المغربي
شيخ الشافعية، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمس مائة، وتفقه على الفخر ابن عساكر، وبرع في المذهب، وفاق فيه الأقران والأضراب، وجمع من فنون العلوم العجب العجاب من التفسير والحديث والفقه والعربية والأصول، واختلاف المذاهب والعلماء، وأقوال الناس ومآخذهم حتى قيل: إنه بلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنف المصنفات المفيدة، واختار وأفتى بالأقوال السديدة، وقد سمع الحديث من ابن طبرزد، والقاسم ابن عساكر، وحنبل، وأبي القاسم ابن الحرستاني وغيرهم، وعنه الشيخ شرف الدين الدمياطي، وخرج له أربعين حديثا عوالي، والقاضي تقي الدين بن دقيق العيد،
ورحل إلى بغداد سنة سبع وسبعين وخمس مائة، فأقام بها أشهرًا، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وقد ولي الخطابة بدمشق بعد الذيلعي، فأزال أشياء كثيرة من بدع الخطباء، ولم يلبس سودًا ولا سجع خطبة بل كان يقولها مسترسلًا، واجتنب الثناء على الملوك، بل كان يدعو لهم، وأبطل صلاة الرغائب والنصف، فوقع بينه وبين شيخ دار الحديث الإمام أبي عمرو ابن الصلاح بسبب ذلك، وبرز الشيخ عز الدين في إصابة الحق، ولم
стр. 833
يكن يؤذن بين يديه يوم الجمعة إلا مؤذن واحد، وكان المؤذنون يقولون بعد المكتوبة الآية في الأمر بالصلاة على النبي ﷺ ، فأرشدهم أن يقولوا: لا
إله إلا الله، وحده لا شريك له، الحديث في صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير، ولحديث المغيرة في الصحيح.
ولما سلم الملك الصالح إسماعيل بن العادل قلعة السقيف صدف للفرنج، فساء ذلك المسلمين، فنال منه الشيخ عز الدين على المنبر، ولم يدع له، فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه، ثم أطلقه فبرح إلى الديار المصرية هو والشيخ كمال الدين بن الحاجب، فتلقاه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، وأكرمه واحترمه، واتفق موت قاضي القضاة شرف الدين عين الدولة، فولى السلطان مكانه القاضي بدر الدين السخاوي، وفوض قضاء مصر والوجه القبلي إلى الشيخ عز الدين مع خطابة جامع مصر، فقام بالمنصب أتم قيام، وتمكن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اتفق أن بعض الأمراء بنى مكانًا
للطبلخاناه على سطح مسجد، فأنكر ذلك الشيخ عز الدين، وذهب بنفسه فأضربه وعلم أن هذا يشق على الوزير، فحكم بفسق الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فلما بلغ ذلك حاشية الملك شق عليهم، وأشاروا على الملك أن يعزله عن الخطابة لئلا يتعرض لسب الملك على المنبر، فعزله ولزم بيته يشغل الناس ويدرس، وذكروا أنه لما مرض مرض الموت بعث إليه الملك الظاهر يقول له: من في أولادك يصلح لوظائفك؟ فأرسل: ليس فيهم من يصلح لشيء منها فأعجب السلطان ذلك، ولهذا لما مات حضر جنازته بنفسه والعالم من الخاصة والعامة، وكان يومًا مشهودًا، وكان ذلك
стр. 834
في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين ﵀
تعالى، قلت: له تفسير حسن في مجلدين، واختصار النهاية وليس هو كإمامته، والقواعد الكبرى تدل على فضيلة تامة، والكلام على الأسماء الحسنى مفيد، وكتاب الصلاة فيه اختيارات كثيرة اتباعًا للحديث، والقواعد الصغرى، وفتاوى كبيرة وغير ذلك، ورأيت بخط قاضي القضاة علاء الدين القونوي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ سئل عن الرجل بماذا يستحق الجامكية في مذهب الشافعي، أعلى اعتقاده المذهب أم على معرفته له؟ فأفتى أنه يستحق ذلك على معرفته له، ونشره إياه، وإن كان لا يعتقد بعض المسائل، أو كما قال، وقال الشيخ قطب الدين القوسني: كان رحمه الله تعالى مع شدته فيه
حسن مناظرة بالنوادر، والأشعار، وكان يحضر السماع، ويرفض، ويتواجد، هكذا قال.
عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد الحافظ زكي الدين أبو محمد المنذري الشامي ثم المصري الشافعي
ولد في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة بمصر، وقرأ القرآن، وأتقن القراءات، وبرع في العربية والفقه، والفقه على أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي، سمع الحديث من محمد بن سعيد المأموني، وربيعة اليمني الحافظ، والحافظ علي بن المفضل، وبه تخرج وسمع بمكة ودمشق وحران والرها والإسكندرية، وخرج لنفسه معجمًا
стр. 835
مفيدًا، وعنه: الحافظ الدمياطي، والقاضي تقي الدين بن دقيق العيد، والعلم الدويداري وخلق، ودرس بالجامع الظاهري، ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وانقطع بها عشرين سنة يصنف ويفيد، وتخرج به العلماء في فنون من العلم، وكان عديم النظير في زمانه في معرفة الحديث على
اختلافه وفنونه، عالمًا بصحيحه، وسقيمه، ومعلوله، وطرقه، متبحرًا في أحكامه، ومعانيه، ومشكله، واختلاف ألفاظه وغريبه وإعرابه، وكان إمامًا حجة ثقة ثبتًا ورعا مُتَحَرٍّ فيما يرويه.
قال الحافظ الدمياطي: توفي في رابع ذي القعدة سنة ست وخمسين وست مائة، وشيعه خلق كثير، ورثاه جماعة بقصائد رحمه الله تعالى.
عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف العلامة كمال الدين أبو المكارم بن خطيب زملكا الأنصاري السماكي
من سلالة أبي دجانة سماك بن خرشة، كان أحد الفضلاء في زمانه، والمبرزين في علم المعاني، والبيان، والنظم الحسن، والمشاركين في فنون كثيرة، وولي قضاء صرخد، والتدريس ببعلبك، ذكره الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وأثنى عليه فقال: كان خيرًا متميزًا في علوم متعددة، قلت: وهو جد شيخنا العلامة كمال الدين محمد بن علي عبد الواحد الزملكاني، توفي بدمشق في محرم سنة إحدى وخمسين وست مائة.
стр. 836
محمد بن الحسين تاج الدين الأرموي مدرس الشرفية ببغداد
أحد تلاميذ الفخر الرازي، كان بارعًا في العقليات وغيرها، وكان له مماليك ترك بخوائص وسراري، وله حشمة، وثروة، ووجاهة وفيه تواضع ورياسة، توفي سنة ثلاث وخمسين وست مائة.
محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشيخ كمال الدين أبو سالم القرشي العدوي النصيبي الشافعي
أحد الصدور، والرؤساء المعظمين، وكان فقيهًا بارعًا عارفًا بالمذهب، والأصول، والخلاف، ترسل عن الملوك وساد وتقدم وأقام بدمشق بالمدرسة الأمينية، وفي سنة ثمان وأربعين وست مائة عينه الملك الناصر للوزارة، وكتب تقليده بذلك، فبعث يعتذر إلى السلطان، ويتنصل من ذلك، فلم يقبل منه، فتولاها يومين، ثم انسل خفية وترك الأموال والموجود، ولبس ثوبا قطنا، وذهب فلم يدر أين ذهب، وقد سمع الحديث بنيسابور من المؤيد الطوسي وزينب الشعرية، وحدث ببلاد كثيرة، وروى عنه: الشيخ شرف الدين الدمياطي، والمجد العديمي، وابن الحلوانية، وجمال الدين ابن الخوجي، وشهاب الدين المقرئ الحنفي
وجماعة، وقد نسب إلى الاشتغال بعلم الحروف والأوقاف، وأنه يستخرج من ذلك أشياء من المغيبات، وقيل: إنه رجع عنه، فالله أعلم،
стр. 837
توفي بحلب في السابع والعشرين من رجب سنة اثنتين وخمسين وست مائة.
محمود بن أحمد بن محمد بن بختيان العلامة قاضي القضاة أبو الثناء الزنجاني الشافعي
درس وأفتى وناظر، وكان من بحور العلم، وولي قضاء القضاة بالعراق مدة، ثم عزل، وهو والد قاضي القضاة عز الدين أحمد، وقد سمع الحديث من عبيد الله بن محمد الشاذلي، واستشهد بسيف التتار سنة ست وخمسين وست مائة، عن تسع وسبعين سنة.
مظفر بن أبي بكر محمد بن إلياس بن عبد الرحمن بن علي بن أحمد الرئيس الصدر نجم الدين أبو غالب بن الشيرجي الأنصاري الشافعي
ناظم الجامع، ومحتسب البلد كابنه شرف الدين عيسى، وابن ابنه شرف الدين، وكان وكيل بيت المال، أيضا ومدرس العصرونية مع ديانة وأمانة وعلم، سمع الحديث من ابن طبرزد، والخشوعي، وحنبل، وجماعة، وعنه: الدمياطي، والزين الفارقي، وشيخنا شمس الدين بن الدراد الصالحي الحنبلي وجماعة، توفي آخر يوم من سنة سبع وخمسين وست مائة عن سبعين سنة، ﵀.
стр. 838
يوسف ابن السلطان الملك الصالح صلاح الدين ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي صاحب حلب
ولد بقلعتها سنة سبع وعشرين وست مائة، وبويع بالملك بها بعد موت أبيه سنة أربع وثلاثين، وهو ابن سبع سنين، وقام بتدبير الممالك الأتابكية بعد مشاورته جدته الخاتون صفية بنت الملك العادل، فلما مات سنة أربعين، وقد ترعرع استبد، ولما كان في سنة ثمان وأربعين واختلف بما قيل للسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب القاهرة ودمشق بعد موته ساق إلى دمشق، فأخذها منهم لاشتغالهم عنها، ثم صار إلى مصر ليأخذها، فمانعوه وقاتلوه وكسروه، فرجع إلى دمشق واقتصر عليها، وعلى الممالك الحلبية، وكان محببا إلى الرعايا جوادا كريما ممدحا يحب العلماء والصالحين ويحاضرهم، ويحفظ
شعرا كثيرا وملحا ونوادر، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربع مائة رأس غنم سوى الدجاج والطيور، ونفقته على سماطه كل يوم عشرون ألفا، وكانت الرعية مغتبطين به، لكرمه وجوده، وسماحة مع لعب فيه، وإقبال منه على الملاهي والعشيرات، ووقف على الشافعية مدرسة حسنة داخل باب الفراديس بدمشق، وحضر بها الدرس وخلع يومئذ خلعا كثيرة، وذلك في سنة أربع وخمسين وست مائة، ثم بنى بالجبل رباطا وتأنق في بنائه إلى الغاية، ووقف عليها أوقافا جيدة، وبنى دار الطعم إلى جوار الرتحلبية بالشعبة، وكان حسن الشكل مليح القدر، طري الشباب أحول، عليه أبهة المملكة،
стр. 839
من بيت عريق في السلطنة، ولما
استحوذ هولاكو - لعنه الله - على بغداد، وملك البلاد ساق إلى البلاد الحلبية، فأخذها وقتل أهلها يوهم الملك الناصر كثيرا، وركب في جيشه وهرب إلى الديار المصرية، فتمزق جيشه وتراجعوا، ولم يبق إلا في نفر يسير فرجع هو أيضا بعد أن بلغ قطب على وادي موسى، وجاءت رسل التتار بالفرمان، والأمان لأهل دمشق، فاستحوذوا عليها، واستنابوا بها كتبغالوبن، وكان كافرا فاجرا يميل إلى دين النصرانية، وبعثوا وراء الناصر، فاقتبضوه في تلك البلاد بعد أن سافروا وراءه أياما في البراري فرجعوا، وهو معهم كالأسير فمروا به على دمشق، ونزل بظاهر البلد، تحت الرسيم والهوان، وذهبوا به
ومروا به على حلب، وقد تغيرت معالمها ورسومها وخرب سورها ومتعلقها، وقد أمكنوا بها، فاستعبر عند ذلك باكيا، وقال:
يعز علينا أن نرى ريعكم يبلى ... وكانت به آيات حسنكم تتلى.
لما قدموا به على هولاكو أكرمه واحترمه، وقد كان هولاكو يتوهم من جيوش الشام ومصر، وكان قد جمع رعبا من الناصر، فلما هرب أمامه استهان به وحقره، وبقي عنده الناصر كالأسير إلا أنه يعامله معاملة الملوك الأسراء، فلما التقى الجمعان الجيش المصري المؤيد المظفري مع الفريق المخزول التتري عند عين جالوت فأعز الله الإسلام وأهله وكسر جيش الكفر ورجاله، وقتل اللعين كتبغالوبن استشاط الطاغية هولاكو غضبا حين علم أن جيشه لن يعجز الله في الأرض هربا استحضر الملك الناصر وأظهر حدته فيه، ورماه بسهام
стр. 840
فلم يخطئه، ويقال: بل أمر بشجرتين من جور فجمع أعاليها وربط كل منهما إليه
شق منه، ثم أرسلهما فتفسخ ﵀ وسامحه، وذلك في سنة تسع وخمسين وست مائة، فمات عن إحدى وثلاثين سنة وشيء، عوضه الله الجنة آمين.
стр. 841
المرتبة الثانية من الطبقة العاشرة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وستين وست مائة إلى آخر سنة سبعين
стр. 842
إبراهيم بن عيسى ضياء الدين أبو إسحاق المرادي الأندلسي ثم المصري
الفقيه الإمام، الحافظ المتقن المحقق الضابط، الزاهد الورع.
قال الشيخ محيي الدين النووي: ولم تر عيني في وقته مثله، وكان ﵀ بارعًا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما الصحيحان، ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية، حسن المذاكرة فيها، وكان عندي من كبار السالكين في طرائق الحقائق، حسن التسليم، صحبته نحو عشر سنين لم أر منه شيئًا يكره، وكان من السماحة بمحل عال على قدر وجده، وأما الشفقة على المسلمين ونصحهم فقل نظيره فيهما، توفي بمصر في أوائل سنة ثمان وستين وست مائة، جزاه الله عني خيرًا، وجمعني وإياه مع سائر أصحابنا في دار كرامته بفضله ومنه، وهذا مما ألحقه النووي في طبقات ابن الصلاح
رحمهما الله تعالى.
أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن رافع
قاضي القضاة كمال الدين أبو العباس، وأبو بكر ابن قاضي القضاة زين الدين ابن المحدث الإمام الزاهد أبي محمد ابن الأستاذ الأسدي الحلبي الشافعي، ولد سنة إحدى عشرة وست مائة، وسمع
стр. 843
حضورًا من جده أبي محمد بن علوان، والافتخار الهاشمي، وثابت بن مشرف، وابن روزبة وغيرهم، واشتغل في المذهب، وبرع في العلوم والحديث، وأفتى ودرس، وتولى قضاء القضاة بحلب بعد أبيه في الدولة الناصرية، وكان ذا وجاهة، ومكانة عند الملك الناصر صاحبها، فلما خربت حلب أيام الطاغية هولاكو لعنه الله كان من جملة من أصيب بماله وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ارتحل إلى الديار المصرية، وفوض
إليه تدريس المعزية بمصر، والهكاوية بالقاهرة، وكان صدرًا معظمًا وافر الحرمة، مجموع الفضائل، صاحب رئاسة وأفضال وسؤدد، وتواضع، وسمعوا عليه بالديار المصرية، واستفادوا به وأحسن إليهم، وكان الحافظ الدمياطي يدعو له كثيرًا لما أسدى إليه من الإحسان، فلما رجعت الممالك الحلبية، وطابت البلاد واستقرت الدولة في أول السلطنة الظاهرية رسم للقاضي كمال الدين بقضاء البلاد الحلبية على ما كان الإمام عليه، فعاد إليها وحكم بها إلى أن توفي في منتصف شوال سنة ثنتين وستين وست مائة.
الأمير الكبير ناصر الدين أبو المعالي حسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري
كان ذا جلالة ومهابة وحرمة ظاهرة، وإقطاعات كبيرة وافرة، وكان بطلا شجاعًا كريمًا عادلًا حازمًا رئيسًا كثير البر، وهو الذي سعى
стр. 844
في تملك الناصر صاحب حلب لدمشق المحروسة، وكان أبوه شمس الدين من أجل الأمراء وابن عمه، هو واقف المارستاني الصالحي، وأما هو فوقف المدرسة القيمرية الكبيرة بسوق الختمين على الشافعية، وهي من أحسن المدارس وأكبرهن، وهي مطروقة ومصلى للناس، فرحمه الله وأكرمه، توفي وهو مرابط بالساحل قبالة الفرنج في ربيع الأول سنة خمس وستين وست مائة رحمه الله تعالى.
خالد بن يوسف بن سعد بن الحسين بن مفرج بن بكار الحافظ المفيد زين الدين أبو البقاء النابلسي
ثم الدمشقي، ولد بنابلس سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وقدم دمشق فنشأ بها واشتغل في الحديث والفقه والأغلب عليه الحديث، وسمع من البهاء ابن عساكر، وحنبل، وابن طبرزد وعدة، ورحل إلى بغداد، فسمع بها من الحسين بن يوسف، وأبي محمد بن الأخضر، وابن مينا وطبقتهم، وأقام في النظامية، وكان يشتغل هو والبادرائي واقف المدرسة، ثم رجع الزين خالد إلى دمشق فاستوطنها، وكتب وحصل الأجزاء، وكان دينًا فاضلًا ذكيًا عارفًا باللغة العربية وأسماء الرجال، وكان يحب المزاح حسن النادرة، وكان الملك الناصر صاحب دمشق يحبه ويجله ويحسن إليه ويستحلي نادرته، سمع منه الشيخ محيي الدين
النووي، والشيخ تاج الدين الفراوي، وأخوه الخطيب شرف الدين الفراوي، وقاضي القضاة
стр. 845
تقي الدين ابن دقيق العيد وخلق، وباشر مشيخة الحديث بدار الحديث النووية، وبالمدرسة العزية البرانية، ومن حسن كلامه أن رجلًا من الشيعة قال له: أنت تقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما هو معصوم، فقال له: ما أخفيك شيئًا، أبو بكر الصديق عندنا أفضل من علي، ولم يكن معصوما.
وحضر مرة عند الملك الناصر فقام ساعة يمتدح السلطان فأطنب، فقام الزين خالد فخلع عليه سراويله فضحك السلطان، وقال: ما حملك على هذا؟ فقال: ما وجدت معي ما لا أحتاج إليه إلا اللباس، فأعجب السلطان منه ذلك، ووصله بجائزة ﵏، توفي سلخ جمادى الأول سنة اثنتين وستين وست مائة.
سلار بن الحسن بن عمر بن سعيد الإمام العلامة مفتي الشام ومعيده كمال الدين
أبو الفضائل الإربلي الشافعي، شيخ الأصحاب ومفيد الطلاب، تفقه بالإمام أبي عمرو ابن الصلاح حتى برع في المذهب، وتقدم وساد واحتاج الناس إليه، وكان عليه مدار الفتوى بدمشق مدة طويلة، وكان معيدًا بالبادرائية، عينه بها واقفها نجم الدين البادرائي ﵀، فباشرها منذ درس فيها إلى أن توفي يفيد ويعيد ويصنف ويعلق ويؤلف ويجمع، وينشر المذهب، وقد اختصر البحر للروياني في مجلدات عنده هي بخط يده، وهو تعليق حسن، وجمع في هذا المختصر شيئًا كثيرًا وبحرًا غزيرًا وانتفع به جماعة من الأصحاب منهم الشيخ الإمام العلامة محيي الدين
следующие страницы →