← Тараджим

Тараджим · id 12860

طبقات الشافعيين

ابن كثير

Полный текст (907 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

المرتبة الثانية من الطبقة العاشرة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وستين وست مائة إلى آخر سنة سبعين

стр. 842

إبراهيم بن عيسى ضياء الدين أبو إسحاق المرادي الأندلسي ثم المصري الفقيه الإمام، الحافظ المتقن المحقق الضابط، الزاهد الورع. قال الشيخ محيي الدين النووي: ولم تر عيني في وقته مثله، وكان ﵀ بارعًا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما الصحيحان، ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية، حسن المذاكرة فيها، وكان عندي من كبار السالكين في طرائق الحقائق، حسن التسليم، صحبته نحو عشر سنين لم أر منه شيئًا يكره، وكان من السماحة بمحل عال على قدر وجده، وأما الشفقة على المسلمين ونصحهم فقل نظيره فيهما، توفي بمصر في أوائل سنة ثمان وستين وست مائة، جزاه الله عني خيرًا، وجمعني وإياه مع سائر أصحابنا في دار كرامته بفضله ومنه، وهذا مما ألحقه النووي في طبقات ابن الصلاح رحمهما الله تعالى. أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن رافع قاضي القضاة كمال الدين أبو العباس، وأبو بكر ابن قاضي القضاة زين الدين ابن المحدث الإمام الزاهد أبي محمد ابن الأستاذ الأسدي الحلبي الشافعي، ولد سنة إحدى عشرة وست مائة، وسمع

стр. 843

حضورًا من جده أبي محمد بن علوان، والافتخار الهاشمي، وثابت بن مشرف، وابن روزبة وغيرهم، واشتغل في المذهب، وبرع في العلوم والحديث، وأفتى ودرس، وتولى قضاء القضاة بحلب بعد أبيه في الدولة الناصرية، وكان ذا وجاهة، ومكانة عند الملك الناصر صاحبها، فلما خربت حلب أيام الطاغية هولاكو لعنه الله كان من جملة من أصيب بماله وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ارتحل إلى الديار المصرية، وفوض إليه تدريس المعزية بمصر، والهكاوية بالقاهرة، وكان صدرًا معظمًا وافر الحرمة، مجموع الفضائل، صاحب رئاسة وأفضال وسؤدد، وتواضع، وسمعوا عليه بالديار المصرية، واستفادوا به وأحسن إليهم، وكان الحافظ الدمياطي يدعو له كثيرًا لما أسدى إليه من الإحسان، فلما رجعت الممالك الحلبية، وطابت البلاد واستقرت الدولة في أول السلطنة الظاهرية رسم للقاضي كمال الدين بقضاء البلاد الحلبية على ما كان الإمام عليه، فعاد إليها وحكم بها إلى أن توفي في منتصف شوال سنة ثنتين وستين وست مائة. الأمير الكبير ناصر الدين أبو المعالي حسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري كان ذا جلالة ومهابة وحرمة ظاهرة، وإقطاعات كبيرة وافرة، وكان بطلا شجاعًا كريمًا عادلًا حازمًا رئيسًا كثير البر، وهو الذي سعى

стр. 844

في تملك الناصر صاحب حلب لدمشق المحروسة، وكان أبوه شمس الدين من أجل الأمراء وابن عمه، هو واقف المارستاني الصالحي، وأما هو فوقف المدرسة القيمرية الكبيرة بسوق الختمين على الشافعية، وهي من أحسن المدارس وأكبرهن، وهي مطروقة ومصلى للناس، فرحمه الله وأكرمه، توفي وهو مرابط بالساحل قبالة الفرنج في ربيع الأول سنة خمس وستين وست مائة رحمه الله تعالى. خالد بن يوسف بن سعد بن الحسين بن مفرج بن بكار الحافظ المفيد زين الدين أبو البقاء النابلسي ثم الدمشقي، ولد بنابلس سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وقدم دمشق فنشأ بها واشتغل في الحديث والفقه والأغلب عليه الحديث، وسمع من البهاء ابن عساكر، وحنبل، وابن طبرزد وعدة، ورحل إلى بغداد، فسمع بها من الحسين بن يوسف، وأبي محمد بن الأخضر، وابن مينا وطبقتهم، وأقام في النظامية، وكان يشتغل هو والبادرائي واقف المدرسة، ثم رجع الزين خالد إلى دمشق فاستوطنها، وكتب وحصل الأجزاء، وكان دينًا فاضلًا ذكيًا عارفًا باللغة العربية وأسماء الرجال، وكان يحب المزاح حسن النادرة، وكان الملك الناصر صاحب دمشق يحبه ويجله ويحسن إليه ويستحلي نادرته، سمع منه الشيخ محيي الدين النووي، والشيخ تاج الدين الفراوي، وأخوه الخطيب شرف الدين الفراوي، وقاضي القضاة

стр. 845

تقي الدين ابن دقيق العيد وخلق، وباشر مشيخة الحديث بدار الحديث النووية، وبالمدرسة العزية البرانية، ومن حسن كلامه أن رجلًا من الشيعة قال له: أنت تقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما هو معصوم، فقال له: ما أخفيك شيئًا، أبو بكر الصديق عندنا أفضل من علي، ولم يكن معصوما. وحضر مرة عند الملك الناصر فقام ساعة يمتدح السلطان فأطنب، فقام الزين خالد فخلع عليه سراويله فضحك السلطان، وقال: ما حملك على هذا؟ فقال: ما وجدت معي ما لا أحتاج إليه إلا اللباس، فأعجب السلطان منه ذلك، ووصله بجائزة ﵏، توفي سلخ جمادى الأول سنة اثنتين وستين وست مائة. سلار بن الحسن بن عمر بن سعيد الإمام العلامة مفتي الشام ومعيده كمال الدين أبو الفضائل الإربلي الشافعي، شيخ الأصحاب ومفيد الطلاب، تفقه بالإمام أبي عمرو ابن الصلاح حتى برع في المذهب، وتقدم وساد واحتاج الناس إليه، وكان عليه مدار الفتوى بدمشق مدة طويلة، وكان معيدًا بالبادرائية، عينه بها واقفها نجم الدين البادرائي ﵀، فباشرها منذ درس فيها إلى أن توفي يفيد ويعيد ويصنف ويعلق ويؤلف ويجمع، وينشر المذهب، وقد اختصر البحر للروياني في مجلدات عنده هي بخط يده، وهو تعليق حسن، وجمع في هذا المختصر شيئًا كثيرًا وبحرًا غزيرًا وانتفع به جماعة من الأصحاب منهم الشيخ الإمام العلامة محيي الدين

стр. 846

النووي ﵀، وأثنى عليه ثناء حسنًا، توفي وقد نيف على السبعين بالبادرائية في الليلة الخامسة من جمادى الآخرة سنة سبعين وست مائة، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. عبد الله بن أبي طالب بن مهنى المفتي تاج الدين أبو بكر الإسكندراني ثم الدمشقي الشافعي تفقه على الفخر ابن عساكر حتى برع في المذهب وساد وأفتى ودرس، وسمع الحديث من حنبل بن علي الرصافي وأبي الفضل سعد بن طاهر المردفاني، وروى عنه الشيخ تاج الدين، وأخوه الخطيب شرف الدين الفراويان، وغيرهما، وتوفي بدمشق في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وست مائة. عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون المتنوعة شهاب الدين أبو القاسم المقدسي الشافعي المقرئ النحوي، المحدث المعروف بأبي شامة لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، ولد بدمشق سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وختم القرآن، وله دون عشر سنين، ثم أتقن القراءة على البخاري، وله ست عشرة سنة، وسمع صحيح البخاري من داود بن

стр. 847

ملاعب، وأحمد بن عبد الله العطار، وسمع مسند الشافعي، والدعاء للمحاملي من الشيخ موفق الدين ابن قدامة، ورحل إلى ديار مصر فسمع بها، ثم عزم وهم في سماع الحديث، وله بضع وثلاثون سنة، فقرأ بنفسه وسمع أولاده وكتب الكثير من العلوم، وله خط جيد متقن، وكان قد أتقن الفقه، وبرع فيه وفي النحو والقراءات، وصنف كتبًا جمة فمن ذلك كتاب البسملة في مجلد كبير نصر فيه المذهب وجمع وحشد، وكتاب المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ ، ومجلد في حديث المبعث، ومجلد في حديث الإسراء، وكتاب ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري، والباعث على إنكار البدع والحوادث، وكتاب كشف حال بني عبيد، وكتاب الروضتين في الدولتين النورية، والصلاحية وذيل عليها تذييلا حسنًا إلى زمانه، واختصر تاريخ دمشق لابن عساكر في خمسة عشر مجلدًا ضخمة ثم اختصره في خمسة مجلدات، وكتاب الأصول في الأصول، وكتاب السواك، وشرح الشاطبية وهو في غاية الجودة، ومفردات القراء، ونظم مفضل الزمخشري، وله مقدمة في العربية، وشرح القصائد النبوية للسخاوي في مجلد، وكتاب الرد إلى الأمر الأول وغير ذلك من الفوائد الكثيرة والفرائد الغزيرة التي هي لكنوز العلم منيرة، وكان فيه مع هذه الفضائل والفنون تواضع وأطراح بالكلية حتى إنه ذكر أنه كان ربما ضمن البساتين، وركب من أحمال الفاكهة، وكان معه من الوظائف مشيخة الإقراء بأم الصالح، ثم ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد ابن الحرستاني سنة اثنتين وستين، وذكر أنه وخطه الشيب ابن خمس وعشرين سنة، وقد قرأ عليه شرح الشاطبية الخطيب شرف الدين

стр. 848

الفراوي، والشيخ برهان الدين الإسكندري، وأخذ عنه علم القراءة الشيخ شهاب الدين الكفري، والشهاب أحمد بن اللبان، وشيخنا زين الدين أبو بكر بن يوسف المزي، وجماعة ذكر رحمه الله تعالى أنه جرت له محنة في سابع جمادى الآخرة سنة خمس وستين وست مائة بداره بطواحين الأشنان، وهو أنه دخل عليه رجلان جليلان في صورة مستفتيين فحصلا عنده في المنزل، ثم تناولاه ضربًا إلى أن عيل صبره، ولم يغثه أحد، ولكن ألهمه الله الصبر واللطف، وقيل له: اجتمع بولاة الأمر، فقلت: أنا قد فوضت أمري إلى الله وهو يكفينا، وقلت في ذلك: قلت لمن قال ألا تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل يقيض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق ويشفي الغليل إذا توكلنا عليه كفى ... فحسبنا الله ونعم الوكيل ، ثم توفي ﵀ في تاسع رمضان من عامه، ودفن بمقابر باب الفراديس، رحمه الله تعالى. عبد الرحيم ابن الإمام رضي الدين محمد العلامة عماد الدين محمد بن يونس ابن منعة الفقيه المحقق العلامة تاج الدين أبو القاسم الموصلي الشافعي

стр. 849

مصنف التعجيز في اختصار الوجيز، كان من بيت الفقه والعلم بالموصل، وتولى قضاء الجانب الغربي ببغداد، قال ابن خلكان: وتوفي ببغداد سنة سبعين وست مائة، وقال غيره: سنة إحدى وسبعين وست مائة، وقد جاوز السبعين، رحمه الله تعالى. عبد العزيز ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف الإمام العلامة شيخ الشيوخ شرف الدين أبو محمد الأنصاري الأوسي الدمشقي ثم الحموي الشافعي الأديب الصاحب ابن قاضي حماة ويعرف بابن الرفا، ولد بدمشق سنة ست وثمانين وخمس مائة، وسمع الحديث من أبيه ورحل به، فسمعه جزء ابن عرفة ابن أبي كليب، ومسند الإمام أحمد من عبد الله بن أبي المجد الحربي، وسمع من أبي اليمن الكندي، وقرأ عليه كتبًا كثيرة من الأدب، وتخرج به واشتغل في الفقه، فبرع فيه وفي علوم الحديث، وأقام مدة ببعلبك ثم بدمشق ثم بحماة، وكان صدرًا كبيرًا معظما نبيلًا وافر الحرمة كبير القدر، حدث بحران عرفة قريبًا من ستين سنة، وببلاد شتى، وقرئ عليه المسند مرات، من جملة من قرأه عليه الخطيب شرف الدين الفراوي، وسمع عليه أيضا الحافظ الدمياطي، والقاضي بدر الدين بن جماعة، وأبو العباس بن الظاهري، وأبو الحسن اليونيني، وشيخنا أبو عبد الله بن الرزاز، وتوفي في ثامن رمضان سنة اثنتين وستين وست مائة، ومن شعره وفيه مجازفة:

стр. 850

شرحت لوجدي في محبتكم صدرا ... وصبرني صحبي فلم استطع صبرا وقلت لعزالي ألم تعرفوا الهوا ... لقد جيتموا شيئًا بعد لكم شكرا لعمري لقد طاوعت زيدا لوعتي ... عليكم وما طاوعت زيدا ولا عمرا خليلي ها سقط اللوى قد بدا لنا ... فلا تقطعاه بل قفا نبك من ذكرا فيا يوسف الحسن الذي من عقله ... من بكرتي قلت يا بشرا بدا فاسترق العالمين جماله ... فمن أجل هذا حل بالنحس أن بشرا لقد حل من فكري بواد مقدس ... ليقتبس من قلبي الكليم به جمرا راجح كربي قبره من لحاظه ... فأرسلت دمعا حرم النور والصبرا

стр. 851

عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني ابن أبي الفضل بن علي الإمام العالم القاضي خطيب الشام، وشيخ دار الحديث عماد الدين أبو الفضائل الخزرجي الدمشقي الشافع ابن الحرستاني، ولد في سابع رجب سنة سبع وسبعين وخمس مائة بدمشق، وسمع من والده قاضي القضاة كمال الدين، ومن ابن الخشوعي، والبهاء ابن عساكر، وابن طبرزد، وحنبل، وغيرهم، روى عنه الحافظ الدمياطي، والبرهان الإسكندري، وابن الخباز، وشيخنا ابن الرواز وجماعة كثيرون، واشتغل على أبيه في المذهب، وبرع وتقدم وأفتى وناظر ودرس وناب عن أبيه في الحكم مدة ثم عزل، ودرس بالغزالية مدة وباشر الخطابة مدة، وكان من كبار الأئمة وشيوخ العلم مع التواضع والديانة وحسن السمت، ولما توفي الشيخ تقي الدين ابن الصلاح رحمه الله تعالى سنة ثلاث وأربعين وست مائة كما تقدم، ولي الخطيب عماد الدين الحرستاني مشيخة دار الحديث الأشرفية، فباشرها إلى أن توفي سنة خمس وستين، كما سيأتي، فوليها الشيخ محيي الدين النووي إلى أن مات سنة ست وسبعين وست مائة، كما سيأتي، فوليها الشيخ زين الدين الفارقي، وبعده الشيخ صدر الدين بن الوكيل، ومن بعده الشيخ كمال الدين السركشي إلى أن توفي سنة ثماني عشرة وسبع مائة، وقد وليها في أثناء مدته شيخنا الإمام كمال الدين ابن الزملكاني مدة يسيرة، ثم رجعت إلى ابن السركشي، ثم وليها كفؤها شيخنا الإمام الحافظ الحجة المجتهد شيخ المحدثين، وبحر الفوائد أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد

стр. 852

الرحمن بن يوسف المزي فسح الله في أجله، وختم له بصالح عمله آمين. عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي قاضي القضاة تاج الدين أبو محمد ابن بنت الأعز الشافعي أحد القضاة الأجواد القائمين بحدود الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يراعي أحدًا ولا يقبل شاهدًا مربيًا، ولا يراعي جاهلًا، وحصل له رئاسة عظيمة في الدولة الظاهرية بحيث إنه باشر القضاء مع الوزارة مع نظر الدواوين، وتدريس الشافعي وغير ذلك من المناصب، وما ذاك إلا بحسن ظنهم بأمانته وديانته، وكان ينبه على الصاحب بهاء الدين ابن الحنا، ويعمل عليه ويحضر بحثه ابن الحنا، فلا يمكنه ذلك لتمكنه من الملك، وكان ابن الجني يود لو دخل القاضي تاج الدين إلى منزله، فلم يتفق له ذلك فمرض فعاده الناس وجاءه عائدًا، فلما رآه ابن الجني وثب من الفراش ونزل من الإيوان، فلما رآه القاضي قال: إنما جئنا لنعودك، لأنه بلغني أنه في مرض شديد، وأنت قائم سلام عليكم، ثم رد ولم يزد على ذلك، توفي القاضي ابن بنت الأعز رحمه الله تعالى في السابع والعشرين من رجب سنة خمس وستين وست مائة. وكان مولده سنة أربع وست مائة، وقيل: سنة أربع عشرة وست مائة، وكانت له جنازة مشهورة، وهو والد قاضي القضاة صدر الدين عمر، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن وبرز أيضًا.

стр. 853

الفتح بن موسى بن حماد بن عبد الله بن علي الفقيه نجم الدين أبو نصر الجزيري الأصل القصري الشافعي ولد بالجزيرة الخضراء من بلاد المغرب سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، ونشأ بقصر كنانة واشتغل هناك بالنحو، وسمع الجزولية على مصنفها، وورد دمشق سنة عشر وست مائة وأخذ عن الكندي، واشتغل بمذهب الشافعي، ودرس علم الكلام على الآمدي بحماة، ونظم المفصل في النحو للزمخشري، وكتاب السيرة لابن هشام في اثني عشر ألف بيت، رأيته، ونظم الإشارات لابن سينا وله عدة مصنفات، وكان من فضلاء زمانه، ودرس مدة برأس العين بمدرسة ابن المشطوب، ثم ارتحل إلى مصر، فدرس بالفائزية بأسيوط ثم ولي قضاءها، وبها توفي في رابع جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وست مائة ﵀. يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم بن الوليد وقد رفع الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه في نسبه فقال: بعد القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان

стр. 854

بن عفان، والله أعلم بصحة ذلك، وقد أنكر شيخنا الحافظ الذهبي صحة هذا، وقال: لم يذكره ابن عساكر مع أنهم أجداده لأمه، ولا رأينا في شيء من التواريخ، ولا الأوقات المقدمة، فالله أعلم، قاضي القضاة محيي الدين أبو الفضل ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي ابن القاضي أبي الفضل القرشي ومنهم من يقولون: الأموي أيضًا، الدمشقي الشافعي، ولد في الخامس والعشرين في شعبان سنة ست وتسعين وخمس مائة، وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندي، وابن الحرستاني وجماعة، واشتغل في المذهب على الشيخ فخر الدين ابن عساكر، وبرع في المذهب، وساد وتقدم لرئاسة بيته في دمشق، ونسبه العريق، وقد ولي القضاء بدمشق، وخلع عليه خلعة سوداء مذهبة، وقرئ تقليده تحت السر وهي عليه وإلى جانبه نائب هلاوو، ابنان وامرأته الخاتون حاضرة جالسة بين زوجها، وبين القاضي المذكور، ذكر ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة، ونثر الذهب على الناس لما قرئ اسم الملك الأصغر هلاوو، ندب منه هفوات في أفعاله وأقواله مع شدة تعظيمه لمحيي الدين عربي وكتبه، محافظة على الحركات بمقتضى السير في صناعة التنجيم بحيث إنه دخل على بنت سناء الملك صلاة الظهر بمقتضى الطالع، فقدر الله أنها ماتت بعد أيام، لأنها أسقيت ما يغيب عقلها ليتمكن العريس من الدخول بها فماتت فجأة، والله غالب على أمره. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ثم برع ابن الزكي في جر الأشياء إليه وإلى أولاده مع عدم الأهلية، فأضاف

стр. 855

إلى نفسه وأقاربه العذراوية والناصرية والفلكية والركنية والقيمرية والكلاسة، وانتزع الصالحية، وسلمها إلى العماد بن العربي، وانتزع الأمينية من علم الدين القاسم وسلمها إلى ولده عيسى، وانتزع السونائية من الفخر النقشوالي، وسلمها إلى الكمال بن النجار، وانتزع الربوة من محمد اليمن، وسلمها إلى الشهاب محمود بن زين القضاة، وولى ابنه عيسى مشيخة الشيوخ، ونيابته أخيه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن حنش تدريس الرواحية والشامية البرانية، وعمل هذا كله في مدة مقام التتار بدمشق، فلما جاء الإسلام، ورجع الأمر إلى نصابه بذل الأموال الجزيلة في إبقائه على المنصب والتدريس، فاستمر على ذلك شهرًا ثم عزل وألزم بالمسير إلى الديار المصرية صحبة السلطان المملك المظفر قطز، فلما استأمر الملك الظاهر أمر بعزله، وولى القضاء نجم الدين أبا بكر ابن القاضي صدر الدين سني الدولة قضاء الشام، وألزم ابن الزكي بالمقام بالديار المصرية بعد ذلك، فلم يزل بها إلى أن توفي في رابع عشر رجب سنة ثمان وستين وست مائة، ودفن بسفح المقطم، وترك أحد عشر ولدًا، ومنهم: علاء الدين أبو العباس أحمد، وقاضي القضاة بهاء الدين يوسف، وزكي الدين حسين، وشرف الدين إبراهيم، وعز الدين عبد العزيز، وتقي الدين عبد الكريم، وكمال الدين عبد الرحمن، وزينب، وست الحسن، وعائشة، وفاطمة، وقد ذكر الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه أنه نسب إلى تفضيل علي على عثمان، وهذا غريب جدًا، وإنما اقتدى في ذلك بشيخه ابن عربي، ومن شعره في ذلك بقوله:

стр. 856

أدين بما دان الرضي ولا أرى ... سواه وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خليلي حيا لا عذرت ... ساء بني حرب هنالك مشهدي. يوسف بن الحسين بن علي ابن قاضي القضاة بدر الدين أبو المحاسن السنجاري الشافعي الزرزاري كان صدرًا محتشمًا وجوادًا ممدحًا مقدمًا في العلماء بتلك البلاد، إمام الملك الأشرف موسى، وهو مباشر مملكته بتلك الناحية، وكان خطيبًا عنده مقربًا لديه، فلما انتقل الأشراف إلى مملكة دمشق نقله إلى قضاء بعلبك والبقاع والزبداني، وكان له نواب في بعضها، يكتب في استخلافه قاضي القضاة، وكان له عمل عظيم وخيل ومماليك كالوزراء والأكابر، ثم عاد إلى بلاده سنجار، فخدم الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الكامل ابن العادل خدمة كبيرة، فلما صار الملك الصالح إلى مملكة الديار المصرية وفد عليه القاضي بدر الدين، فأكرمه إكرامًا زائدًا، وولاه قضاء القضاة بالديار المصرية، وكان من جملة نوابه بالقاهرة شمس الدين ابن خلكان، ودرس بالصالحية، وزر في وقت بمصر مدة، ولم يزل في ازدياد، مع ما ينسب إليه من أكل الرشا من النواب المتحاكمين وغيرهم، إلى أول الدولة الظاهرية، فعزله ولزم بيته محترما مكرمًا معظمًا ذا ثروة ظاهرة كثيرة، قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة حتى توفي في رجب سنة ثلاث وستين وست مائة عن خمس وثمانين سنة، سامحه الله.

стр. 857

المرتبة الثالثة من الطبقة العاشرة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وسبعين وست مائة إلى آخر سنة ثمانين وست مائة

стр. 858

آقوش بن عبد الله الأمير الكبير جمال الدين النجيبي الصالحي النجمي نائب السلطنة المعظمة بدمشق وأعمالها، مولده في حدود سنة عشر وست مائة، وأول تأميره في الدولة الصلاحية النجمية، أعتقه مولاه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأمره، وولاه الاستاذارية، وكان يعتمد عليه لعقله وجزالة رأيه، ولما تسلطن الظاهر ولاه أولا استاذارتيه، ثم استنابه بدمشق تسع وستين ووقف في عيونها المدرسة النجيبية على الشافعية، وكانت دار الوزير صفي الدين ابن مرزوق، فاشتراها منه في المصادرة، وجعلها مدرسة أثابه الله، ثم عزله عن دمشق بعز الدين إيدمر، فانتقل إلى القاهرة المحروسة، وأقام بها معززًا مكرمًا موقرا معظمًا، ثم أصابه الفالج قريبًا من أربع سنين، ولما اشتد مرضه عاده السلطان الملك السعيد، وكان كبير الصدقة والبر محبا للعلماء والفقراء شافعي المذهب، حسن الاعتقاد، قليل الأدب، يكره الشكاوى والمرافعات، حسن الشكل، جهوري الصوت ممتعًا بكثرة الأكل، ولم يرزق ولدا قط وله أوقاف على الحرمين وخانقاه في دمشق، ووقف على عتقائه وغيرهم، وكانت وفاته ﵀ في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مائة، ودفن بمصر نور الله ضريحه، ولما توفي وقعت الحوطة على تركته، والأوقاف التي وقعها، فلما فصل هذا من هذا في الدريس النحيبية في ذي القعدة من السنة المذكورة، فكان أول من درس بها قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان، وذلك بعد عوده إلى القضاء في المرة الثانية كما سيأتي في ترجمته، إن شاء الله تعالى.

стр. 859

طه بن إبراهيم بن أبي بكر ابن الشيخ كمال الدين أبو محمد الإربلي الفقيه الشافعي الأديب ولد بإربل وانتقل إلى مصر شابا، وسمع من محمد بن عماد، وروى عنه الحافظ شرف الدين الدمياطي وجماعة، وانتفع به خلق، ورووا عنه من شعره، وتوفي وقد نيف على الثمانين في جمادى الأول سنة سبع وسبعين وست مائة بمصر، وهو من الأفراد. عبد الله بن الحسين بن علي ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبو محمد الكردي الوزرائي الإربلي الشافعي كان بارعا عارفا بالمذهب خبيرا، بصيرا بعلم القراءات، وهو والد شيخنا الإمام قاضي القضاة شهاب الدين أبي المجد أيده الله تعالى وسدده، أم بالتربة الظاهرية وبالمدرسة القميرية ودرس بالكلاسة، وكان حسن الأخلاق جيد الديانة ذا زهد وتعبد وحسن سمت، سمع الحديث من الحافظ يوسف بن خليل، وتوفي في ذي القعدة سنة سبع وبعين وست مائة. علي بن محمود بن علي القاضي العلامة شمس الدين أبو الحسن الشهرزوري الكردي الشافعي

стр. 860

أول من درس بالقميرية حين بناها الأمير ناصر الدين القميري، وجعل تدريسها له ولأولاده من بعده ممن له أهلية، فدرس بها بعده ولده الصلاح، وقد ناب الشيخ شمس الدين في الحكم عن القاضي ابن خلكان، وكان بارعا فاضلا دينا جيد النقل عارفا بالمذهب، له مشاركة في علوم، وقد تكلم في مجلس الملك الظاهر حين عقد بسبب الغوطة، فقال: الماء والكلأ والمرعى لله لا تملك، وكل من بيده ملك فهو له، فبهت السلطان بكلامه وانفصل الحال على ذلك، توفي ﵀ بالقميرية في شوال سنة خمس وسبعين. عمر بن بندار بن عمر قاضي القضاة كمال الدين أبو حفص التفليسي الشافعي ولد ببلده سنة ثنتين وست مائة تقريبًا وبرع في المذهب، وساد وتقدم، وورد دمشق، فلزم الشيخ أبا عمرو ابن الصلاح، وسمع من ابن اللتي، وولي نيابة الحكم، فأحسن إلى الناس ثم لما قدم هلاوو ولاه قضاء الشام والجزيرة والموصل، وكان معظمًا عندهم لا يخالفونه في شيء، فأحسن أيضًا إلى الناس، ولم يظهر عنه مظلمة ظلم ولا شيء أخذه، بل يسعى في حقن الدماء، ثم ذهب القاضي محيي الدين ابن الزكي، فتولى الحكم بدمشق، وعزله وأخذوا منه تدريس العادلية وولوه قضاء حلب، ثم عزلوه وألزموه بالسير إلى الديار المصرية، فأقام بها يفيد الناس إلى أن توفي سنة ثنتين وسبعين وست مائة في ربيع الأول منها رحمه الله تعالى.

стр. 861

عمر بن عبد الوهاب بن خلف قاضي القضاة صدر الدين ابن قاضي القضاة تاج الدين العلامي المصري الشافعي ابن بنت الأعز، كان فقيهًا عارفًا بالمذهب يسلك طريقة والده في التحري والصلابة، وله معرفة بالعربية وفيه دين وتعبد، سمع الحديث من الزكي المنذري، وغيره، وولي قضاء الديار المصرية، ودرس بأماكن، وكان وافر الحرمة له مهابة وجلالة، عديم المزاح بارًا بالفقهاء كثير الصدقة والبر، وتوفي يوم عاشوراء من محرم سنة ثمانين وست مائة عن خمس وخمسين سنة، ﵀. محمد بن أحمد بن هبة الله بن الحسن قاضي القضاة شمس الدين أبو بكر ابن قاضي القضاة صدر الدين أبي العباس ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات الدمشقي الشافعي ناب عن والده، ثم ولي القضاء بدمشق عند كسرة التتار عند عين جالوت فبقي سنة ثم عزل بابن خلكان، ونقل إلى مصر وصودر، ثم أعيد إلى قضاء دمشق، فمكث أيامًا عقب زوال دولة سنقر الأشقر ولم تتم ولايته، وقد ولي قضاء حلب قبل ذلك، ودرس بأماكن كثيرة وكان موصوفًا بكثرة النقل وجودته وصحته عالي الهمة مشكور الأحكام،

стр. 862

كثير الهيبة، وحدث عن ابن القاسم بن صصرى، وابن ماسوية وغيرهما، توفي في ثامن المحرم سنة ثمانين وست مائة عن سبعين سنة، ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. محمد بن رزين بن الحسين بن رزين بن موسى بن عيسى بن موسى بن نصر الله قاضي القضاة مفتي الإسلام تقي الدين أبو عبد الله العامري الحموي الشافعي ولد بحماة، وحفظ من التنبيه، ثم انتقل بحفظ الوسيط كله، وحفظ المفصل أيضًا، ورحل إلى حلب ثم عاد إلى بلده، فتصدر للإقراء والاشتغال، وله ثماني عشرة سنة ثم حفظ المستصفى للغزالي ﵀، وكتابي عمرو بن الحاجب في الأصول والنحو، ونظر في التفسير وبرع فيه، وشارك في الحديث والمعاني والبيان والمنطق والخلاف، وقدم دمشق فلازم ابن الصلاح وأم بدار الحديث، وقرأ على السخاوي، وسمع الحديث منهما ومن جماعة، وأفتى بدمشق هذه الأيام، ثم ولي وكالة بيت المال في الدولة الناصرية وتدريس الشامية البرانية، ثم انتقل إلى الديار المصرية، فظهرت فضائله واشتغل عليه الطلبة في أيام الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأعاد بالشافعية، ثم ولي تدريس الظاهرية، ثم ولي القضاء وتدريس الشافعي، وعدة جهات، وامتنع من أخذ الجامكية على القضاء دينا ورعًا، وكان يقصد بالفتاوى من النواحي، وتخرج به جماعة منهم

стр. 863

تلميذه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وحدث عنه أيضًا، والحافظ شرف الدين الدمياطي، وجماعة من المصريين، وكن حميد السيرة جميل الذكر ﵀ توفي في ثالث رجب سنة ثمانين وست مائة. محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك العلامة الأوحد شيخ النحاة جمال الدين أبو عبد الله الطائي الجياني نزيل دمشق الشافعي، ولد سنة ست مائة، وسمع بدمشق من مكرم، وأبي صادق الحسن بن الصباح وأبي الحسن السخاوي وغيرهم، وأخذ العربية عن غير واحد، وجالس ابن عمرون بحلب، وتصدر للإقرار بها، وتقدم وساد في فني النحو والقراءات وحصل منهما شيئًا كبيرًا، وأربى على كثير ممن تقدمه في هذا الشأن مع الدين والصدق وحسن السمت وكثرة النوافل وكمال العقل والوقار والتودد، وأقام بدمشق مدة شيخا بالتربة، العادلية وبجامع دمشق وانتفع به الطلبة وأكابر الفضلاء، وتوفي في ثامن عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وست مائة، وله من المصنفات تسهيل الفوائد، والكافية الشافية وشرحها، والألفية وأشياء كثيرة، وممن روى عنه ولده الإمام بدر الدين، والنعمان بن جعران، وابن أبي الفتح، والشيخ علاء الدين بن العطار وجماعة، ﵏. محمد بن عبد القادر بن ناصر بن الخضر بن علي القاضي شهاب الدين الأنصاري الشافعي ويعرف بابن العالمة

стр. 864

كان من الفضلاء الأدباء والفقهاء، رحل في طلب العلم، وولي قضاء بلد الخليل ﵇، وكانت أمه عالمة كبيرة القدر تحفظ القرآن، وتعرف شيئًا من الفقه والخطب، وتعرف بدهن اللوز، وقد قامت في عزاء الملك العادل، فقالت، فأحسنت، ولولدها أشعار مليحة، روى عنه ولده قاضي القضاة زين الدين قاضي حلب، ولد سنة ست مائة وتوفي في سنة اثنتين وسبعين وست مائة ﵀. نصور بن سليم بن منصور بن فتوح الإمام المحدث الفقيه وجيه الدين أبو المظفر الهمداني الإسكندراني الشافعي محتسب الثغر مدرس الإسكندرية، له مصنفات في فنون من الحديث والتاريخ وأسماء الرجال والفقه، وخرج لنفسه أربعين حديثا عن أربعين شيخا في أربعين بلدا، وتوفي في الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث وسبعين وست مائة. يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين محمد بن جمعة بن حرام الشيخ الإمام العلامة محيي الدين أبو زكريا الحزامي النووي الحافظ الفقيه الشافعي

стр. 865

النبيل، محرر المذهب ومهذبه وضابطه ومرتبه، أحد العباد والعلماء الزهاد، ولد في العشر الأواسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مائة، ونشأ ببلده نوى، وكان يتوسم فيه النجابة من صغره، وقرأ بها القرآن، وقدم دمشق في سنة تسع وأربعين، وقرأ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع المهذب في بقية السنة، ولزم شيخه الكمال إسحاق بن أحمد المغربي، وأعاد عنده الجماعة، ومكث قريبًا من سنتين لا يضع جنبه إلى الأرض، وإنما يتقوت بجراية الرواحية التي هو مقيم بها، وحج مع والده في سنة إحدى وخمسين وست مائة من شهر رجب، وحم من أول ليلة خرجوا من نوى إلى يوم عرفة، قال والده: وما تأوه ولا تضجر، ثم عاد إلى دمشق، ولازم شيخه الكمال إسحاق بن أحمد، وكان يقرأ في اليوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا درسين في الوسيط، ودرسا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في صحيح مسلم، ودرسًا في أصول الفقه، تارة في اللمع لأبي إسحاق وتارة في المنتخب للرازي، ودرسًا في أصول الدين. قال: وكنت أعلق ما يتعلق بذلك من الفوائد، قال: وعزمت مرة على الاشتغال بالطب، فاشتريت القانون لأقرأه فأظلم على قلبي وبقيت أيامًا لا أشتغل بشيء، ففكرت فإذا من القانون فبعته في الحال، وأخذ العلم عن جماعة من الشيوخ، وبورك له في وقته ﵀ وتقبل منه وقد سمع الحديث من جماعة أيضًا منهم الرضي بن برهان الدين سمع عليه جميع صحيح مسلم، والشيخ شمس الدين ابن أبي عمرو ابن الشيخ عماد الدين ابن الحرستاني، وإسماعيل بن أبي اليسر، وسمع صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني، وشرح السنة ومسند الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وأشياء كثيرة، ومصنفات عديدة كبيرة. وأخذ علم

стр. 866

الحديث من الزين خالد، وكان يقرأ عليه الكمال الحافظ عبد الغني، وشرح صحيح مسلم، وأكثر صحيح البخاري على الشيخ أبي إسحاق بن عيسى المرادي وعلمه أصول الفقه على القاضي أبي الفتح التفليسي، وتفقه على الكمالين إسحاق المغربي وسلار الأيلي، والإمام شمس الدين عبد الرحمن بن نوح، وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي، وقد تفقه به وروى عنه جماعة من أئمة الفقهاء والحفاظ منهم القاضي صدر الدين الداراني، وشيخنا الإمام العلامة علاء الدين بن العطار، وجمع له سيرة، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، وشيخنا القاضي محيي الدين الزرعي، وشيخنا شهاب الدين الأرندي وشيخنا أمين الدين سالم بن أبي الدرو، وآخر من بقي من أعيان الفقهاء من أصحاب شيخنا القاضي الإمام شمس الدين ابن النسيب قاضي القضاة بحلب أيده الله تعالى، وخلق سواهم كثيرة وجم غفير. وقد انتفع بتصانيفه وتعاليقه أهل المذهب، منها: كتاب الروضة اختصر فيها شرح الرافعي وزاد فيها تصحيحات واختيارات حسان، وشرح ربع المهذب بكتابه المجموع سلك فيه طريقة وسطة حسنة مهذبة سهلة جامعة لأشتات الفضائل، وعيون المسائل، ومجامع الدلائل، ومذاهب العلماء، ومفردات الفقهاء وتحرير الألفاظ، ومسالك الأئمة الحفاظ، وبيان صحة الحديث من سقمه، ومشهوره من مكتمله. وبالجملة فهو كتاب ما رأيت على منواله لأحد من المتأخرين ولا حذا على مثاله متأخر من المصنفين، ومن ذلك: شرح مسلم، جمع فيه مشروحات من تقدم من المغاربة وغيرهم، وزاد فيه ونقص، وكتاب تهذيب الأسماء واللغات، وكتاب المنهاج في الفقه اختصر فيه المحرر وزاد فيه ونقص، وكتاب الإرشاد، وكتاب التقريب والتيسير، وكتاب البيان في آداب حملة القرآن، وكتاب

стр. 867

المناسك، وكتاب الرياض، وكتاب الأذكار، وكتاب الأربعين، وقد سمعناه على شيخنا المزي، وغير ذلك من الفوائد، وله كتاب طبقات الشافعية اختصر فيه كتاب ابن الصلاح، وزاد عليه أسماء نبه على ذيل في كتابه مع أنهما لم يستوعبا أسماء الأصحاب، ولا النصف من ذلك، وهذا هو الذي جرأني على جمع هذا الديوان، وبالله المستعان. وقد كان ﵀ على جانب كبير من العلم والزهد والتقشف والاقتصاد في العيش والصبر على خشونته، والورع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه، ولا قبله بدهر طويل، فكان لا يدخل الحمام، ولا يأكل من فواكه دمشق لما في بساتينها من الشبه في ضمانها والحيلة فيه، صرح بذلك، وكان لا يأكل إلا أكلة واحدة في اليوم والليلة بعد عشاء الأخيرة ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولا يشرب المبرد، ولم يتزوج قط، وكان قليل النوم، كثير السهر في العبادة والتلاوة والذكر والتصنيف، وكان أمارًا بالمعروف نهاء عن المنكر يواجه الأمراء والكبار والملوك بذلك ويصدع بالحق، وقام على الملك الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بستانها فرد عليهم ذلك، ووقى الله شرها بعد أن غضب السلطان، وأراد البطش به، ثم بعد ذلك أحبه وعظمه حتى كان يقول: أنا أفزع منه. وقد ولي الشيخ محيي الدين مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد الشيخ شهاب الدين أبي شامة سنة خمس وستين إلى أن توفي، ولم يتناول من معلومها فلسًا، ولم يقبل لأحد هدية إلا نادرًا وإنما كان يتقوت مما يأتيه من أبيه من نوى كعك وفطير، وكان يلبس ثوبًا حرانيا وعمامة سنجانية، وكان لا يؤبه له بين الناس وعليه سكينة

стр. 868

ووقار، ﵀، قال الشيخ علاء الدين بن العطار: سافر الشيخ إلى نوى وزار القدس والخليل وعاد إلى نوى وتمرض عند أبيه إلى أن توفي ليلة أربع وعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مائة، ودفن بنوى، وصلوا عليه بدمشق يوم الجمعة ﵀ وإيانا، ورثاه غير واحد من الشعراء بِمَرَاثٍ جَمَّةٍ.

стр. 869

المرتبة الرابعة من الطبقة العاشرة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من أول سنة إحدى وثمانين وست مائة إلى آخر سنة تسعين

стр. 870

أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر الفقيه الإمام أمين الدين أبو العباس ابن الأشتري الحلبي ثم الدمشقي الشافعي كان ممن جمع من العلم والعمل والإمامة والإنابة والديانة التامة بحيث إن الشيخ محيي الدين النووي ﵀ كان إذا جاء شاب يقرأ عليه يرشده إلى القراءة على أمين الدين الأشتري لعلمه بدينه وعفته، روى الحديث عن أبي محمد بن علوان، والموفق عبد اللطيف، والقاضي أبي المحاسن بن شداد بن روزبة وجماعة، وروى عنه ابن عبد الجبار، والشيخ علاء الدين بن العطار، والحافظ أبو الحجاج المزي، وقال: كان ممن جمع من العلم والعمل، إمامًا عارفًا بالمذهب ورعًا كثير التلاوة بارز العدالة كبير القدر مقبلًا على شأنه، وكان يقرئ الفقه، وله اعتناء بالحديث، وتوفي بدمشق فجأة في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وست مائة، ﵀. أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي ولد بإربل سنة ثمان وست مائة، وسمع بها صحيح البخاري من أبي جعفر بن هبة الله بن مكرم الصوف، وأجاز له المؤيد

стр. 871

الطوسي، وعبد العزيز، وزينب الشعرية، وغيرهم، وارتحل إلى الموصل، فاشتغل بها على الكمال بن يونس، ثم قدم حلب، فأخذ عن القاضي بهاء الدين بن شداد، ثم قدم دمشق، ثم صار إلى الديار المصرية، فتأهل بها وناب في الحكم عن القاضي بدر الدين بن السنجاري، ثم قدم الشام على قضائها مستقلًا بالأمور، وذلك في سنة تسع وخمسين، ثم أضيف إليه من المذاهب الثلاثة من كل قاضي، وذلك في سنة أربع وستين، واستمر في الحكم إلى سنة تسع وستين، فعزل بالقاضي عز الدين ابن الصائغ فصار إلى الديار المصرية، واستمر معزولًا سبع سنين، ثم أعيد إلى قضاء دمشق وعزله ابن الصائغ، ودخل ابن خلكان دمشق في أول سنة سبع وسبعين، وتلقاه نائب السلطنة، وأعيان البلد، وكان يومًا مشهودًا، قل أن رئي قاض مثله، وأنشأ ابن مصعب في ذلك: رأيت أهل الشام طرا ... ما فيهم قط غير راض نالهم الخير بعد شر ... فالوقت بسط بلا انقباض وعوضوا فرحة بحزن ... مذ أنصف الدهر في التقاضي فسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاضي فكلهم شاكر وشاك ... بحال مستقبل وماض

стр. 872

، وهذا وإنما قاله الشاعر بحسب حاله، وإلا فكل من القاضيين من خيار عباد الله الصلحاء، وكان ابن خلكان، ﵀، عالمًا بارعًا عارفًا بالمذهب وفنونه سديد الفتاوى، جيد القريحة كريمًا وقورًا رئيسًا عارفًا بأيام الناس حسن الذاكرة، حلو المجالسة بصيرًا بالشعر، جميل الأخلاق، له كتاب وفيات الأعيان من أحسن ما صنف في ذلك، ولما سلطن سنقر الأشقر بدمشق في أول الدولة المنصورة، وتلقب بالملك الكامل، وبايعه القضاة والأعيان ثم جاء الأمير علم الدين الحلبي وحاصر دمشق وأخرج منها سنقر الأشقر واسترجع البلد، عزل خلقًا من أرباب المناصب ورسم على القاضي ابن خلكان في الخنانقاه النجيبية وعزله، وولى القاضي نجم الدين ابن سني الدولة، ولزمه بالانتقال من المدرسة العادلية، وألح عليه فأكرى جمالًا لينتقل إلى الصالحية، فورد المرسوم السلطاني بالعفو عمن بايع سنقر الأشقر، واستقرارهم على مناصبهم، ومعاملة القاضي بالإكرام، والاحترام ثم عزل بعد ذلك بالقاضي ابن الصائغ المرة الثانية، واستمر معزولًا وبيده الأمينية والنجيبية إلى أن توفي يوم السبت عشية السادس والعشرين من رجب سنة إحدى وثمانين وست مائة بالمدرسة النجيبية بإيوانها وشيعه خلق كثير، وقد روى عنه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وبه تخرج، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، ومؤرخ الشام الحافظ علم الدين البرزالي وخلق، ومن شعر القاضي شمس الدين ابن خلكان، رحمه الله تعالى: أي ليل على المحب أطاله ... سائق الظعن يوم زم جماله

стр. 873

يزجر العيس طارقا يقطع ... المهمة عسفا سهوله ورماله يسأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله هذه سنة المحبين تتلى ... على كل منزل لا محاله يا خليلي إذا أتيت إلى الجزع ... وعاينت روضة وتلاله قف به ناشدا فؤادي فلي ... ثم فؤاد أخشى عليه ضلاله رنا علي الكثيب بيت أغض ... الطرف عنه ومهابه وجلاله حوله فتية تهز من الخوف ... عليه ذوابلا عساله كل من جئته لا سأل عنه ... أظهر الغي غيرة وتباله منزل حقه على قديم في ... زمان الصبا وعصر البطالة يا عريب الحمى أعذروني ... فإني ما تجنبت أرضكم عن ملاله لي مذ غبتمو عن العين نار ... ليس تخبوا وأدمع هطالة

стр. 874

فصلونا إن شئتم أو فصدوا ... لا عدمناكم على كل حاله. عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء العلامة شيخ المذهب على الإطلاق في زمانه، مفتي الفرق، أحد المجتهدين، فقيه الشام تاج الدين أبو محمد الفزاري البدري المصري الأصل الدمشقي الشافعي، ويلقب بالفركاح، نحيف في رجليه، ولد في ربيع الأول من سنة أربع وعشرين وست مائة، وسمع صحيح البخاري من الزبيدي، وسمع من أبانا وغيره، وسمع أيضًا من مكرم بن أبي الصفر، وابن الصلاح والسنجاري وخلق، وقد خرج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة عن مائة شيخ في عشرة أجزاء، فسمعها عليه جماعة من الأعيان منهم ابنه شيخنا الإمام العلامة برهان الدين، والشيخ الإمام العلامة أبو العباس تقي الدين ابن تيمية، والحافظ الجهبذ أبو الحجاج المزي، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى، والشيخ علاء الدين بن العطار، وعلاء الدين المقدسي، وزكي الدين زكي وآخرون، وتخرج في الفقه أولًا على الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، والشيخ عز الدين ابن عبد السلام، فبرع في المذهب سريعًا، وتقدم وساد وتصدر للاشتغال، وهو ابن بضع وعشرين سنة، ودرس في سنة ثمان وأربعين، وأفتى وهو ابن ثلاثين سنة، وأعاد في المدرسة الناصرية الجوانية أول ما بنيت، ودرس في المجاهدية ثم تركها، وولي البادرانية في سنة ست وسبعين، واقتصر

стр. 875

عليها وعلى مرتب له في الجامع. وكان فيه كرم زائد، ومواساة وأخلاق جميلة، وعشرة صديقة، فقير النفس رحيب الصدر، له عبارة حسنة جزيلة فصيحة وخطابة بليغة الفوائد الجمة والفنون المهمة، والمصنفات البديعة عالي الهمة كثير الاشتغال والمطالعة، مداوما على الاشتغال في جميع حالاته، وكان محببا إلى النفوس موقرا عندهم لديانته وعفته وفوائده وكرمه وعلمه ورياسته وعقله وفضله وتواضعه ونصحه للمسلمين، ومن جملة مصنفاته كتاب الإقليد علقه على أبواب التنبيه من نظر فيه علم محل الرجل من العلم وأين وصل إليه من مراتبه في تصويره وتعبيره وشهومته وعلو قدره، وكان ﵀، لطيف الطبع يميل إلى السماع، ويحضره ويرخص فيه، ورأيت في ذلك شيئًا قد تكلم عليه أباحه بشروط الشأن في حصول تلك الشروط في زماننا اليوم، وله اختيارات في المذهب كثيرة، مشى على أكثرها ولده من بعده، رحمهما الله، وللشيخ ﵀ فضائل كثيرة ومحاسن غزيرة، وله شعر جيد فمنه: يا كريم الآباء والأجداد ... وسعيد الإصدار والإيراد كنت سعدا لنا بوعد كريم ... لا تكن في وفائه كسعاد ، وقد تخرج به جماعة كثيرون، وأمم لا يحصون من قضاة، وقضاة قضاة، وعلماء، وفقهاء، وسادة، وقادة رءوس، ورؤساء، وأئمة وكبراء، وكان له فنون في الشرعيات من فقه وحديث وتفسير وعلوم الإسلام الشافعية، فرحمه الله، ونور ضريحه، توفي ضحى يوم الاثنين خامس جمادى

стр. 876

الآخرة سنة تسعين وست مائة عن ست وستين سنة، ودفن بمقبرة باب الصغير، وشيعه خلق كثير، وجم غفير، وتأسف الناس عليه وحزنوا حزنا كبير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان القاضي نجم الدين الجهني بن البارزي الحموي الشافعي قاضي القضاة بحماة ووالد قاضيها المعمر شرف الدين، فسح الله في أجله وختم له بصالح عمله، كان فقيهًا أصوليًا فاضلًا بارعًا إمامًا شاعرًا مطبعا مطيعًا، له معرفة جيدة بالمعقول ومشاركة في الفنون، وسمع الحديث من ابن رواحة، وموسى بن الشيخ عبد القدر الجيلي، وعنه ابنه العلامة شرف الدين، والحافظ أبو العباس بن الظاهري، وولده أبو عمر، وعثمان وجماعة، وكان مشكور السيرة، محبا للفقراء، وافر الديانة، ظاهر الصيانة، درس وأفتى وأفاد وتخرج به جماعة، وصار له تلامذة في المذهب، وعزل عن القضاء قبل موته بسنوات، وتوفي وهو آم بيت الله العتيق بتبوك في ذي القعدة سنة ثلاث ثمانين وست مائة، ونقل إلى المدينة المنورة النبوية، ومن شعره رحمه الله تعالى. إذا شمت من تلقاء أرضكم برقا ... فلا أضلعي تهدأ ولا أدمعي ترقا

стр. 877

وإن ناح فوق البان ورقاء حمائم ... سحيرا فنوحي في الدجى علم الورقا فرقوا القلب في ضرام غرامه ... حريق وأجفان بأدمعها غرقا سميري من سعد خذا نحو أرضهم ... ولا تستبعدا نحوها الطرقا وعوجا على أفق توشح شيحه ... بطيب الشذا المسكي أكرم به أفقا فإن به المعنى الذي بترابه ... وذكراه يستشفى لقلبي ويسترقا ومن دونه عرب يرون نفوس من ... يلوذ بمغناهم حلالا لهم طلقا بأيديهم بيض بها الموت أحمر ... وسم لدى هيجانهم تحمل الذرقا وقولا محب بالشآم غدا لقي ... لفرقة قلب بالحجاز غدا ملقى تعلقكم في عنفوان شبابه ... ولم يسل عن ذاك الغرام وقد أنقى وكان يمني النفس بالقول فاغتدى ... بلا أمل إذ لا يؤمل أن يبقى عليكم سلام الله أما ودادكم ... فباق وأما البعد عنكم فما أبقى ،

стр. 878

ثم امتدح النبي ﷺ وذكر جنابه الشريف ووصفه، وذكر فضل الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وله في القلم: ومثقف الحظ يحكي فعل سم ... الخط إلا أن هذا أصغر في رأسه المسود أن أجروه ... في المبيض للأعداء موت أحمر. عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي بن علي القاضي الخطيب المفتي جمال الدين أبو محمد الربعي الدمشقي الشافعي كان بارعًا فاضلًا عارفًا بالمذهب، خطب بدمشق، وناب في القضاء ثم ترك النيابة، واقتصر على الخطابة، وكان للناس فيه اعتقد لدينه وسكونه، سمع من ابن صباح، وابن الزبيدي وابن اللتي وجماعة، وقد خرج له الحافظ الرباني مشيخة سمعها منه الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وقاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم الحنبلي، مات في سلخ جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وست مائة عن سبع وسبعين سنة، وازدحم الناس على نعشه، ﵀.

стр. 879

علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الإمام علاء الدين أبو الحسن ابن الإمام كمال الدين أبي المكارم ابن خطيب زملكان الأنصاري السماكي والد العلامة كمال الدين ابن الزملكاني كان إمامًا جليلًا نبيلًا، حسن الشكل، وافر الحرمة، درس بالأمينية، وتوفي وقد نيف على الخمسين في ربيع الأول سنة تسعين وست مائة. عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن أبي الكاتب العلامة رشيد الدين أبو حفص الربعي الفارقي الشافعي مدرس الظاهرية، كانت له اليد الطولى في التفسير والمعاني والبيان والبديع واللغة والنحو، وانتهت إليه رياسة الأدب في زمانه، ومن قبل ذلك، وامتدح السخاوي ومدحه السخاوي، وله مشاركات جيدة في فنون كثيرة، وباع في الفقه والأصول والطب، خدم في ديوان الإنشاء مدة، ووزر في بعض الدول، وأفتى وناظر ودرس في الناصرية مدة، ثم انتقل إلى تدريس الظاهرية، وألف مقدمتين في النحو كبرى وصغرى، وكان حسن الخط حلو المذاكرة ظريف النادرة كيسًا فطنًا سمع الحديث، وروى عنه من شعره الحافظ الدمياطي،

стр. 880

والمزي والبرزالي وجماعة، وجد مخنوقًا ببيت مدرسته في رابع المحرم من سنة تسع وثمانين وست مائة، وقد أخذ ذهبه ﵀، وقد كان له شعر رائق فمنه: مر النسيم على الروض البسيم فما ... شككت أن سليمى حلت السلما ولاح برق على أعلى الثنية لي ... فخلت برق الثنايا لاح وابتسما مفتي الحبيبة رواد السحاب فكم ... ظمئت فيك وكم رويت فيك ظما به عهدت الهوى حلوا ومن لنا ... للهو حلوا وذاك الشمل ملتئما والدار دانية والدهر في غسل ... عما يزيد وفي طرف الرقيب عما والشمس تطلع من ثغر وتغرب في ... شعر ويجلو سنا إشراقها الظلما وظبية من ظباء الإنس ما اقتنصت ... ولا استباح لها حرف الرماد حما وطفاء حاجبها قوس وناظرها ... سهم إذا ما دنا طرف إليه رما وجفنها فيه خمر وهو منكسر ... والخمر في القدح المكسور ما علما وقدها ناضر لكنه نضر ... حلو الخبا ثمر التفاح والفما
следующие страницы →