Полный текст (401 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إذا كانا عامين أو خاصين، أو أحدهما عام والآخر خاص من وجه، يعني بينهما عموم وخصوص من وجه، أما إذا كان بينهما عموم وخصوص مطلق هذا ما فيه إشكال، نعم، يوفق بينهما بحمل العام على الخاص.
الإشكال فيما إذا كانا عامين متساويين في العموم أو خاصين متساويين في الخصوص، أو بينهما عموم وخصوص وجهي، هذا محل البحث، أما إذا كان أحدهما عام والآخر خاص ما فيه مشكلة؛ يحمل العام على الخاص.
الحالات الأربع التي أشار إليها المؤلف بقوله: فلا يخلو إما أن يكونا عامين: وهذه هي الحالة الأولى، أن يكونا عامين متساويين في العموم بأن يصدق كل واحد منهما على ما يصدق عليه الآخر، ومثاله: حديث بسرة بنت صفوان: ((من مس ذكره فليتوضأ)) [والحديث صحيح مخرج في السنن ومصحح عند أهل العلم]، مع حديث طلق بن علي ﵁ سئل عن الرجل يمس ذكره: أعليه الوضوء؟ قال: ((لا؛ إنما هو بضعة منك)) [مخرج أيضاً في السنن وصححه جمع وحسن آخرون، فهو أقل في الرتبة من حديث بسرة].
فإن كانا عامين: فأمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر.
نأتي إلى مثالنا: ((من مس ذكره فليتوضأ))، سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء؟ قال: ((لا)): هذا تعارض بين عامين، هل يمكن الجمع بينهما؟ هل يمكن؟ بعضهم جمع، صحيح، جمع بحمل الأمر بالوضوء على أيش؟ على أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، على الاستحباب، والصارف لهذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب الحديث الثاني، الحديث الثاني حديث طلق، فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما -شيخ الإسلام كأنه يميل إلى الجمع ويقول: إن الأمر بالوضوء على سبيل الاستحباب والصارف له حديث طلق بن علي- إن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما.
طيب، هل نلجأ إلى التوقف لعدم إمكان الجمع قبل أن ننظر في وجوه الترجيح، وقبل أن ننظر في التاريخ؟
يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، وعلى هذا يقدم القول بالنسخ -إن علم التاريخ- على التوقف، ويقدم عليهما الترجيح إن أمكن بوجه من وجوهه الكثيرة.
стр. 247
الآن لو نظرنا عرفنا مسلك شيخ الإسلام وهو التوفيق بينهما بحمل الأمر على الاستحباب، نأتي إلى الترجيح، أكثر أهل .. ، كثير من أهل العلم -لا أقول أكثر- كثير من أهل العلم رجحوا حديث بسرة، وقالوا: هو أصح، ونص على ذلك الإمام البخاري، وهو أيضاً أحوط، يرجح من جهات: الأولى: لأنه أصح، الثانية: لأنه أحوط، والثالثة: لأنه ناقل عن البراءة الأصلية.
والثاني مقرر للبراءة الأصلية، وإذا أردنا أن نعبر بعبارة أخرى نقول: مؤسس، وحديث طلق بن علي مؤكد، أيش معنى مؤسس ومؤكد؟
حديث بسرة مؤسس لحكم جديد، وحديث طلق بن علي مؤكد لحكم البراءة الأصلية، والتأسيس عند أهل العلم أولى من التأكيد.
إن نظرنا إلى الترجيح حديث بسرة أرجح، إن نظرنا إلى الجمع فقد أمكن بصنيع شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- بحمل الأمر على الاستحباب.
ننظر آخر الأمور وهو النظر في التاريخ؛ لنقول بالنسخ، أيهما أقدم؟ أيهما أقدم؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا هو هناك قرائن تدل على التاريخ، يعني طلق بن علي قدم إلى المدينة متى؟ في أول الهجرة في أول الهجرة فهو متقدم على حديث بسرة، فيكون منسوخاً بحديث بسرة.
على كل حال كل له مسلكه في التوفيق بين هذه النصوص، وكلام شيخ الإسلام يجمع الأقوال، ولا شك أن حديث بسرة أصح وأحوط.
مثل له أيضاً بحديث: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) بعد ذلك؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، ((ويظهر فيهم السمن)) الشاهد ذم من يشهد قبل أن يُستشهد، وجاء وصفه بأنه شر الشهود، وجاء أيضاً: ((ألا أخبركم بخير الشهود، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) تعارض، هذا تعارض.
جمع بينهما الأول يذم من يؤدي الشهادة قبل أن يستشهد إذا كان من له الشهادة عالم بهذه الشهادة، إذا كان صاحب الشأن -صاحب الحق- يعرف أن عندك شهادة، حينئذ لا تؤديها إلا إذا طلبت منك.
ويحمل الثاني على ما إذا لم يكن عالماً بها، وحينئذ يخشى من ضياع الحق، يخشى من ضياع الحق، إذا لم يكن صاحب الحق عالماً بالشهادة التي عندك فعليك أن تبادر بأدائها؛ لئلا يضيع الحق.
стр. 248
إن لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه، ولم يمكن الترجيح، ولم نعرف المتقدم من المتأخر حينئذ يحكم بالتوقف، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، أولى من التعبير بالتساقط، يعني التساقط بين أيش؟
بين النصوص، ويمكن أن تسقط النصوص؟
لأن هذا التعارض ليس بحقيقي، ليس بحقيقي، وإنما هو فيما يظهر للمجتهد، لذا يقول ابن حجر: "لأن خفاء الترجيح إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحال الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه".
من الأمثلة: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٣) سورة النساء]، مع قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [(٢٣) سورة النساء]، فالآية الأولى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بعمومها تشمل الأختين، والثانية: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ بعمومها تشمل ملك اليمين، الآية الأولى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ شاملة للأختين وغيرهما، لكنها خاصة بملك اليمين، والآية الثانية عامة في ملك اليمين والحرائر من الزوجات ..
стр. 249
شرح متن الورقات في أصول الفقه (١١)
تعارض الأدلة والجمع بينها - تعريف الإجماع وبيان أقسامه
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
فالآية الأولى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٣) سورة النساء] بعمومها تشمل الأختين، والثانية: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [(٢٣) سورة النساء] بعمومها تشمل ملك اليمين، الآية الأولى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ شاملة للأختين وغيرهما، لكنها خاصة بملك اليمين، والآية الثانية: عامة في ملك اليمين والحرائر من الزوجات، لكنها خاصة بالأختين، ويمكن أن يجعل هذا المثال للصورة الأخيرة، وهو العموم والخصوص الوجهي، ولذا توقف كثير من أهل العلم للتوفيق بين هاتين الآيتين، لماذا؟ حتى قال قائلهم: أحلتهما آية وحرمتهما آية، أحلتهما: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٣) سورة النساء]، وحرمتهما: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [(٢٣) سورة النساء]، وعلى كل حال يمكن يرجح التحريم؛ لأنه أحوط؛ والأبضاع الاحتياط لها مطلوب.
إن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر -كما تقدم في مبحث الأسبوع الماضي- ومثال ذلك آيتي المصابرة، وقوله ﵊: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))، والعلم بالتاريخ ((كنت نهيتكم)) فافعلوا، واضح، ومثله أيضاً ما جاء في آية المصابرة ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ﴾ [(٦٦) سورة الأنفال].
الحالة الثانية: أن يكون التعارض بين نطقين خاصين متساويين في الخصوص، ومثال ذلك: حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ أنه ﵊ صلى الظهر يوم النحر بمكة، قصة جابر، قصة أو حديث جابر في صفة حج النبي ﵊ مخرجة في الصحيح -صحيح مسلم-: "صلى الظهر يوم النحر بمكة"، وحديث ابن عمر -وهو أيضاً صحيح- أن النبي ﵊ صلاها بمنى، تعارَض نطقان وإلا فعلان؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 250
صحيح، نطقان، في حديث جابر أن النبي ﵊ صلى الظهر يوم النحر بمكة، وحديث ابن عمر أن النبي ﵊ صلاها بمنى، وكلاهما في الصحيح، يقول النووي: ووجه الجمع بينهما أنه ﵊ طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة، يعني على مقتضى ما جاء في حديث جابر في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حينما سألوه ذلك.
إن لم يمكن الجمع وعلم التاريخ فالثاني ناسخ، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [(٥٠) سورة الأحزاب]، مع قوله -جل وعلا-: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [(٥٢) سورة الأحزاب]، فالثانية لا شك أنها ناسخة للأولى، نعم؟
طالب: .... كلام النووي ... ؟
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني مثل ما كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يصلي بقومه، فيه إشكال؟ فيه مشكلة؟
طالب:. . . . . . . . .
نافلة إيه، لذا يختلفون في صلاة المفترض خلف المتنفل، يقول الناظم من الاختيارات:
وعند أبي العباس ذلك جائز ... لفعل معاذ مع صحابة أحمد
يصلي بهم نفلاً وهم ذوو فريضة ... وقد كان قد صلى الفرض خلف محمد
المقصود أن المسألة ما فيها إشكال؛ كونك تصلي فريضة، ثم تعيدها نافلة عند قومك أو معهم ما فيه إشكال، ((إذا صليتما في رحالكما))، ثم جئت والجماعة قد صلوا صلي معهم ما فيه إشكال.
إن لم يمكن الجمع ولا عرف التاريخ فالترجيح.
الترجيح: زواج النبي ﵊ بميمونة -ميمونة بنت الحارث- في الصحيح من حديثها أن النبي ﵊ تزوجها وهو حلال، ومن حديث أبي رافع كذلك، نعم؟ وأيش هو؟
طالب:. . . . . . . . .
حديث ميمونة، تزوجها النبي ﵊ وهو حلال، من حديثها ومن حديث أبي رافع، لكن ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﵊ زوجها وهو محرم، تزوجها وهو محرم".
стр. 251
هنا الترجيح، رجح أهل العلم حديث ميمونة وحديث أبي رافع على حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة صاحبة القصة -صاحبة الشأن- الإنسان يضبط ما يتعلق به أكثر من ضبطه لما يتعلق بغيره، فميمونة صاحبة الشأن لا شك أنها تضبط هذه القصة أكثر من ضبط ابن عباس، وأبو رافع كان السفير بينهما -بين النبي ﵊ وميمونة- الرسول، سفير بينهما، ورافع سفير بينهما -يعني رسول أرسله النبي ﵊ يخطبها- فالمقصود أنه له علاقة بالقصة، فحديث ميمونة وما يشهد له من حديث أبي رافع مرجح.
أوجه الترجيح كثيرة جداً، يعني يرجح أهل العلم أحياناً بأدنى مرجح؛ قد يحتاج إلى أدنى مرجح لماذا؟ لرفع التعارض بين النصوص، ولذا كثرت المرجحات عند أهل العلم.
الحازمي في (مقدمة الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار)، ذكر خمسين وجهاً من وجوه الترجيح، خمسين وجهاً من وجوه الترجيح.
وأوصلها الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- إلى المائة، لكن السيوطي حصرها في ثمانية أقسام، وجعل تحت كل قسم فروع، أقسام رئيسية؛ لتكون القسمة حاصرة يسهل يعني ضبط هذه الأقسام وهذه الأوجه بالأقسام الرئيسية، ثم ما تفرع عنها، وأحياناً نحتاج إلى الترجيح بالقشة؛ لأن الترجيح مهما كان ضعفه أولى من التوقف، على أن من أهل العلم من يستروح ويميل إلى العمل بالنصين معاً، يعمل بهذا أحياناً وبهذا أحياناً إذا خفي الترجيح، وبعضهم يتوقف، هذا إذا أمكن العمل بالنصين، أما إذا لم يمكن العمل بأن كان التعارض كلياً فإنه حينئذ لا يلجأ لمثل هذا.
إذا كان التعارض بين نطقين أحدهما عام والآخر خاص هذا ما فيه إشكال، ما في إشكال في هذه الحالة، ونؤكد على مسألة التعارض؛ لأنه قد يذكر العام ويأتي نص خاص موافق له في الحكم، هذا ما نحتاج إلى كبير عمل، ما نحتاج إلى أي عمل بالنسبة لهذا؛ لأن التنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص لعدم وجود التعارض.
стр. 252
إذا تعارض نطقان أحدهما عام والآخر خاص، يعني عموم وخصوص كلي، حينئذ يخص العام بالخاص، ولذا يقول: وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فيخصّ العام بالخاص: مثلوا لذلك بحديث ((فيما سقت السماء العشر))، ((فيما سقت السماء العشر)) [الحديث متفق عليه]: وهو عام في القليل والكثير مما تخرجه الأرض، يخصصه حديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) [وهو أيضاً متفق عليه]
من أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [(٣٨) سورة المائدة]: السارق: جنس يطلق على من أخذ من مال غيره خفية، حتى قال بعضهم: من حرز، لا يعني أن هذا الكلام .. ، أن الحرز ليس بشرط، لا، شرط، لكن قال بعضهم: إن الحرز يؤخذ من لفظ السرقة، السرقة يقولون: من مفهومها الأخذ بخفية من حرز، لكن ليس من مفهومها النصاب، فالمسروق يشمل القليل والكثير، يخصصه حديث: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)) هذا خاص لما يبلغ النصاب.
الحالة الرابعة: وهي التي تحتاج إلى مزيد بحث وعناية وانتباه، وهي فيما إذا كان التعارض بين نصين بينهما عموم وخصوص وجهي.
يقول: وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر: هذه آخر الصور، وهي أعقدها، فتحتاج إلى مزيد انتباه، نعم عرضنا لها في مناسبات كثيرة، ومثلنا لها ونظَّرنا، لكنها تحتاج إلى مزيد انتباه؛ لأنها من أعقد مسائل الأصول.
أيش يقول المؤلف؟
وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر: عندنا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [(٢٣٤) سورة البقرة]، هذا عام في كل متوفىً عنها، سواءً كانت حاملاً أو غير حامل، سواءً كانت حاملاً أو حائلاً، لكنه خاص بالمتوفى عنها.
عموم هذه الآية في شمولها كل متوفىً عنها من حامل وحائل، وخصوص هذه الآية يكمن في كون هذه المرأة متوفىً عنها لا غير.
стр. 253
مع قوله -جل وعلا-: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [(٤) سورة الطلاق]، هذه الآية عامة في كل مفارقة، سواءً كان الفراق بسبب الطلاق أو الوفاة، لكنه خاص بأولات الأحمال، ظاهر ما بين النصين من التعارض؟ ظاهر ما بينهما من العموم والخصوص؟
يعني إذا جاءك شخص قال: إن أباه توفي نعم، وترك أمه وهي حبلى، يعني لو قلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ في أحد بينتقدك؟ لأنك استدللت بنص قطعي بالآية، هذه متوفىً عنها يلزمها أن تتربص أربعة أشهر وعشراً، يعني لو لم يرد في الباب إلا هذه الآية، نعم، لكن للطرف الآخر أن يقول: لا يا أخي يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والآية الأولى تتناول كل متوفىً عنها، وهذه المذكورة في السؤال فرد من أفراد من توفي عنهن، كما أنها فرد من أفراد الآية الثانية -أولات الأحمال-؛ لأنها حبلى –حامل- ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟
يعني ليس استدلال من استدل بالآية الأولى أولى بالقبول ممن استدل بالآية الثانية، وهنا يكمن الصعوبة في مثل هذه الصورة.
تفضل أذِّن.
أقول: هذه المسألة تحتاج إلى مزيد انتباه؛ الآية الأولى تدل على أن كل متوفىً عنها تتربص أربعة أشهر وعشر ليال، وتشمل بعمومها الحامل وغير الحامل، لكنها خاصة بالمتوفى عنها، والآية الثانية تشمل كل مفارقة سواءً كانت بمفارقة أو طلاق، لكنها خاصة بأولات الأحمال.
هنا عموم وخصوص وجهي، ماذا يقول المؤلف؟
فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر: يخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر: أنا لا أستوعب مثل هذا الكلام، كيف يخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر؟
الآن التساوي من كل وجه، التساوي من كل وجه، فإذا خصصنا عموم الآية الأولى بخصوص الآية الثانية قال لنا الطرف الآخر: لا يا أخي، لماذا لا نخصص عموم الآية الثانية بخصوص الآية الأولى؟
ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ إذن نحتاج إلى أيش؟
стр. 254
مرجح خارجي من غير النصين، نحتاج إلى مرجح خارجي من غير هذين النصين؛ لأننا كوننا نرجح خصوص عموم الآية الأولى بخصوص الآية الثانية والعكس ما سوينا شيئاً، ما يمكن في مثل هذا المثال الذي بين أيدينا، إذا قال لك شخص: والله هذه زوجة متوفىً عنها وحامل، لا بد أن تمكث أربعة أشهر وعشراً؛ لأن الآية الأولى تدل على ذلك، هي متوفىً عنها لا بد أن تمكث أربعة أشهر وعشراً، يقول لك الثاني: لا، هذه ذات حمل، والله يقول: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: هذا خاص بذوات الأحمال، نقول: فيه عموم من وجه آخر، وهو أنه شامل للمتوفى عنها والمطلقات.
إذن نحتاج إلى مرجح خارجي، يعني لوجود مثل هذا التعارض قال بعضهم: المتوفى عنها الحامل تعتد بأيش؟
بأقصى الأجلين؛ لتخرج من العدة بيقين، يعني لو بعد شهر ولدت تخرج من العدة؟
على هذا الكلام ما تخرج حتى تمكث أربعة أشهر وعشراً، إذا ولدت بعد سبعة أشهر تخرج من العدة إذا أكملت أربعة أشهر وعشراً؟
لا، حتى تضع الحمل؛ قيل بذلك، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع أهل العلم على أن الحامل المتوفى عنها تخرج من العدة بأيش؟ بوضع الحمل؛ والمرجح حديث سبيعة، حديث سبيعة الأسلمية -وهو في الصحيحين- حديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته -يعني بيسير- فلما تعلت من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين للنكاح، والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشراً، قالت سبيعة: "فلما قال لي ذلك، جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي"، هذا مرجح لأيش؟
لكون الحامل المتوفى عنها كالمطلقة، فتخرج من عموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ لهذا الحديث الخاص، فاحتجنا إلى مرجح خارجي.
стр. 255
يقول ابن دقيق العيد -وهذا الكتاب الذي يشرح فيه ابن دقيق العيد العمدة خير ما يتمرن عليه طالب العلم في ربط الفروع بالأصول -يعني هذا الكتاب -صحيح فيه صعوبة، الكتاب فيه صعوبة، لكن فائدته عظمى، يعني الذي ينفق عليه وقتاً طويلاً ويفهمه، يستفيد فائدة لا تقدر؛ فيه كلام لا يوجد في المطولات، حواشي الصنعاني عليه أيضاً نافعة، لكن العبرة بكلام ابن دقيق العيد- اسمعوا ما يقول ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل أي وقت كان، وهو مذهب فقهاء الأمصار، وقال بعضهم من المتقدمين: إن عدتها أقصى الأجلين، فإن تقدم وضع الحمل على تمام أربعة أشهر وعشراً انتظرت تمامها، وإن تقدمت الأربعة الأشهر والعشر على وضع الحمل انتظرت وضع الحمل، وقيل: إن بعض المتأخرين من المالكية: اختار هذا المذهب، وهو سحنون.
وسبب الخلاف: تعارض عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية، مع قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؛ فإن كل واحدة من الآيتين عام من وجه، وخاص من وجه، فالآية الأولى: عامة في المتوفى عنهن أزواجهن، سواء كن حوامل أم لا، والثانية: عامة في أولات الأحمال، سواء كن متوفى عنهن أم لا.
ولعل هذا التعارض هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين؛ لعدم ترجيح أحدهما على الآخر: لا يمكن الترجيح، وذلك يوجب أن لا يرفع تحريم العدة السابق إلا بيقين الحل، وذلك بأقصى الأجلين، غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث -حديث سبيعة- يعني فجعلوه مرجحاً؛ فإنه تخصيص لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ مع ظهور المعنى في حصول البراءة بوضع الحمل. [هذا كلامه في هذه المسألة وهو ظاهر].
стр. 256
نأتي إلى مسائل أخرى تزيد هذه الصورة وضوحاً، تزيد هذه الصورة وضوحاً، وإن كنا بسطناها في مواضع، لكن ما يمنع أننا نعيدها للمناسبة: عندنا أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة -وأنا أعرف أن بعض الإخوان يملّ مثل هذا الكلام لكثرة ما أعدناه في مناسبات كثيرة؛ يرد في الفقه ويرد في الحديث، ويرد في كل كتاب من كتب السنة، ويرد في مثل هذا الموضع، لكن هذه مناسبته- أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة، مع ما جاء فيما يخص ذوات الأسباب.
أحاديث النهي: منها حديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا"، فذكر الأوقات الثلاثة المضيقة: "حينما تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، هذه ثلاثة أوقات، مع النهي عن الصلاة بعد طلوع الصبح إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى أن تتضيف الشمس للغروب، فالأوقات خمسة، مثل هذه الأحاديث التي تنهى عن الصلاة في هذه الأوقات معارض بمثل قوله ﵊: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) وهناك أحاديث أخرى فيها الصلاة في هذه الأوقات.
أحاديث النهي فيها عموم وفيها خصوص، أحاديث ذوات الأسباب، ونمثلها بتحية المسجد فيها عموم وخصوص، عموم وخصوص وجهي، أحاديث النهي عامة في جميع الصلوات، خاصة في هذه الأوقات، أحاديث ذوات الأسباب عمومها في الأوقات، خصوصها في الصلوات.
стр. 257
الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة ومالك وأحمد- مذهب المالكية والحنفية والحنابلة عملوا بأحاديث النهي، ومنعوا من التطوع في هذه الأوقات مهما كان سبب الحمل على ذلك –وأقول: التطوع؛ لأن الفرض خارج من الخلاف- الشافعية في مقابل الثلاثة عملوا بخصوص أحاديث ذوات الأسباب في مقابل عموم أحاديث النهي، فإذا قال الحنفي أو المالكي أو الحنبلي: أحاديث النهي خاصة، وأحاديث ذوات الأسباب عامة -وله أن يقول ذلك؛ لأن فيها عموم وخصوص- يقول له الطرف الأخر: أحاديث ذوات الأسباب خاصة، يعني في هذه الصلوات، وهي عامة في الأوقات، فليس قبول قول أحدهما بأولى بالقبول من قول الآخر؛ هما قولان متكافئان من كل وجه من حيث النصوص، العموم والخصوص وجهي، ظاهر التعارض وإلا ما هو بظاهر؟ ظاهر؟
يعني للحنفي أو الحنبلي أو المالكي أن يقول: أحاديث ذوات الأسباب عامة، وأحاديث النهي خاصة، وكلامه صحيح؛ أحاديث ذوات الأسباب عامة في الأوقات، وأحاديث النهي خاصة في هذه الأوقات، للطرف الآخر –الشافعي- يقول: العكس أحاديث النهي عامة في جميع الصلوات، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة بهذه الصلوات، وليس قول أحدهما بأولى بالقبول من الآخر، وعرفنا السبب أن العموم والخصوص وجهي، وبهذا نعرف أن من يتعرض لبحث هذه المسألة ويقول: عموم وخصوص، والخاص مقدم على العام، ويأتي يتنفل في أي وقت هذا كلام فيه ما فيه.
أقول: في الطرفين عموم وخصوص، ولا يمكن التوفيق بين هذه النصوص إلا بمرجح خارجي، يعني إذا أردنا أن نسلك ما قاله المؤلف، نخصص عموم أحدهما بخصوص الآخر، كيف نخصص عموم أحدهما؟ يمكن؟ ما يمكن، إذن لا بد من مرجح خارجي، هناك في المسألة الأولى طلبنا مرجحاً خارجياً فوجدنا حديث سبيعة.
هنا نحتاج إلى مرجح خارجي، الذين يمنعون من إيقاع النوافل في هذه الأوقات ولو كانت ذوات أسباب يقولون: الحظر مقدم على الإباحة، أنت أمرت بالصلاة إذا دخلت المسجد، لكن من الذي نهاك عن الصلاة في هذه الأوقات؟ أليس هو الذي أمرك؟
стр. 258
يقولون: الحظر مقدم على الإباحة، لا شك أن النهي ويلتحق به قواعد: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فعلى هذا نترك المحظور، وإن ترتب عليه ترك مأمور؛ لأنه في الحديث الصحيح: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه))، فلا شك أن القائل: بأن الحظر مقدم على الإباحة يوافق عليه الشافعية، وبهذا يرجح قول الأئمة الثلاثة، وهو أن الداخل إلى المسجد لا يتنفل في الأوقات الخمسة، من هذه الحيثية رجحوا بهذا بالقاعدة، بالمقابل للشافعية أن يقولوا -أن يرجحوا قولهم بقواعد أخرى- يقولون: العموم المحفوظ أولى من العموم الذي دخله الخصوص، فالعموم المحفوظ أقوى؛ لأن العموم يضعف بقدر ما يدخله من المخصصات، وعموم أحاديث ذوات الأسباب محفوظ وإن دخله خصوص أحاديث النهي، يعني نستحضر خصوص أحاديث النهي وأنه دخل عموم أحاديث ذوات الأسباب، لكن ما دخل عموم أحاديث النهي من المخصصات أكثر مما دخل عموم أحاديث ذوات الأسباب من المخصصات، فعلى هذا يبقى عموم أحاديث ذوات الأسباب أقوى من عموم أحاديث النهي، وبهذا يرجح الشافعية مذهبهم.
وما زالت المسألة من عضل المسائل، حتى قال جمع من أهل العلم: لا تدخل المسجد في أوقات النهي؛ لئلا تقع في الحرج؛ لأنك إن صليت عارضت حديث النهي، وحديث النهي صحيح، وإن جلست عارضت الأمر .. ، أو النهي عن الجلوس حتى تصلي ركعتين.
قال بعضهم: لا تدخل في أوقات النهي؛ دفعاً لهذا الحرج، وبعضهم قال: ادخل لكن لا تجلس، المسألة من عضل المسائل فيما قرره أهل العلم، ليست من السهولة بمكان بحيث يدخل الإنسان قبل غروب الشمس بخمس دقائق ويتنفل، ونفسه تطيب بهذا ومرتاح وما كأنه خالف شيئاً، بعض أهل العلم يقول: لا تدخل في هذا الوقت؛ منعاً للحرج، وبعضهم يقول: إذا دخلت لا تجلس.
قول الظاهرية في هذا غير معتبر؛ لأنهم يقولون: إذا دخلت اضطجع، فما تصير جلست ولا صليت في وقت النهي، لكنه لائق بمذهبهم.
على كل حال نعود إلى المسألة وهي تحتاج إلى مزيد مرجحات، والمرجح مع من يعمل بأحاديث النهي، وهم الجمهور، ويمنعون من الصلاة في أوقات النهي.
стр. 259
المرجِّح عرفناه، أن الحظر مقدم على الإباحة، أن تأتي بصلاة، صحيح أنك أمرت بها، لكن من الذي نهاك عن الصلاة في هذه الأوقات؟ هو الذي أمرك، والنهي أقوى من الأمر عند أهل العلم، ودليله كما ذكرنا: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، أنا لا أستطيع أن أصلي في وقت النهي؛ لأني منهي عن الصلاة في هذا الوقت، ((وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) ما في مثناوية.
للقول .. ، لمن يقول بالقول الآخر مرجحه، وهو قول معتبر عند أهل العلم، لكن ليس من السهولة بمكان أن يدخل الإنسان في أي وقت يتنفل ونفسه تطيب بذلك ومرتاح، لا.
والذي أرجحه أن أوقات النهي الموسعة الأمر فيه سعة، يعني إذا دخلت بعد صلاة الصبح تنفل، دخلت بعد صلاة العصر تنفل؛ لأنك مأمور بأن تتنفل، صحيح أنك منهي، لكن ليس مثل النهي عن الصلاة في الأوقات المضيقة؛ لأن النهي عن الصلاة في الأوقات الموسعة قرر أهل العلم كابن عبد البر وابن رجب وغيرهم أن النهي عن الصلاة في الوقتين الموسعين، نعم؛ لئلا يسترسل الإنسان فيصلي في الأوقات المضيقة، فالنهي عن الصلاة فيها من باب منع الوسائل، والنهي عن الصلاة في الأوقات المضيقة الثلاثة، وهي أشد، النهي فيها أشد؛ لأن النهي فيها عن الصلاة وعن الدفن -دفن الأموات- بينما الوقتين الموسعين الأمر فيهما أوسع؛ وقد أقر النبي ﵊ من قضى راتبة الصبح بعد صلاة الصبح، مع أنه وقت نهي.
وقضى النبي ﵊ راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فدل على أن الأمر فيه أوسع، بينما إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع هذا وقت ذروة بالنسبة للنهي، حين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول أيضاً وقت ذروة، ومثله حين تتضيف الشمس للغروب، وهي أوقات قصيرة، يعني لا تزيد على ربع ساعة في المواطن الثلاثة، يعني الإنسان يتحرى في هذه الأوقات ولا يصلي.
стр. 260
من صور هذه المسألة أو من أمثلة هذه الصورة الرابعة: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ((من بدل دينه فاقتلوه)) مع ما جاء في النهي عن قتل النساء والذرية، ((من بدل دينه فاقتلوه)) عام في الرجال والنساء؛ لأن (من) من صيغ العموم، ((من بدل دينه فاقتلوه)) عام في الرجال والنساء، خاص بمن؟ بالمرتد، خاص بالمرتد، فعمومه في الذكور والإناث، وخصوصه بالمرتدين، والنهي عن قتل النساء، عمومه في المرتدات والكوافر الأصليات، فهو عام من هذه الحيثية وخصوصه في النساء دون الرجال.
يعني إذا قال قائل: هذه امرأة مرتدة، قال: تقتل؛ ((من بدل دينه فاقتلوه)) يرد عليه بالنهي عن قتل النساء، النهي عن قتل النساء، من قال: تقتل معه دليل؛ معه عموم حديث ((من بدل دينه فاقتلوه)) ومن قال: لا تقتل معه عموم حديث النهي عن قتل النساء.
لكن خصوص ((من بدل دينه)) يتناول هذه المرأة التي ارتدت وإلا لا؟ وعموم النص الثاني النهي عن قتل النساء يتناولها أيضاً فلا تقتل، فهناك عموم وخصوص وجهي.
إذن نحتاج إلى مرجح خارجي، كيف نأتي بمرجح خارجي؟
نقول: مثل ما قلنا سابقاً: إن العموم المحفوظ أولى وأقوى من العموم المخصوص، النهي عن قتل النساء عمومه محفوظ وإلا مخصوص؟ مخصوص بأشياء كثيرة؛ المرأة إذا قتلت تقتل وإلا ما تقتل؟ تقتل مع إمكان دخولها في النهي عن قتل النساء.
المرأة المحصنة إذا زنت ترجم وإلا ما ترجم؟ ترجم مع إمكان دخولها في عموم النهي عن قتل النساء، فعموم النهي عن قتل النساء مخصوص؛ دخله مخصصات، فضعف في مقابل عموم النهي عن قتل النساء، وضعف عن عموم .. ، صار أضعف من عموم حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) وعلى هذا تقتل المرتدة وهو قول الجمهور، خلافاً للحنفية.
كم باقي على الإقامة؟
طالب:. . . . . . . . .
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 261
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وإما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على الحادثة، ونعني بالعلماء الفقهاء، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية، وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، والشرع ورد بعصمة هذه الأمة، والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان، ولا يشترط في حجيته انقراض العصر، فإن قلنا: انقراض العصر شرط.
الشيخ: على الصحيح، عندك على الصحيح؟
طالب: لا.
عندكم؟
طالب:. . . . . . . . .
ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.
فإن قلنا: انقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه، وصار من أهل الاجتهاد، ولهم على هذا القول أن يرجعوا عن ذلك الحكم، والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض، وانتشار ذلك القول أو الفعل، وسكوت الباقين عليه، وقول الواحد من الصحابة.
يكفي، يكفي بركة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: في هذا المبحث يتكلم المؤلف -رحمه الله تعالى- عن الإجماع.
والإجماع حجة شرعية عند عامة من يعتد بقوله من أهل العلم، ورتبته ثالث الأدلة بعد الكتاب والسنة، وقدمه بعضهم عليهما -على الكتاب والسنة- بعض أهل العلم -لا سميا من أهل الأصول- يقدمون الإجماع على الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع لا يحتمل نسخاً ولا تأويلاً، بخلاف النصوص من الكتاب والسنة؛ يحتمل أن تكون منسوخة كما أنها أيضاً تحتمل التأويل، والإجماع باعتباره لا بد أن يكون له مستند من الكتاب والسنة.
والحجة في الحقيقة في الأصلين، في الأصلين الذين هما الكتاب والسنة، واستمد الإجماع حجيته من دلالة الكتاب والسنة؛ فلولاً ما ورد من أدلة الكتاب والسنة على حجية الإجماع لما اعتددنا بالإجماع، فهو استمد قوته منهما، فكيف يقدم عليهما؟
الإجماع عرفه المؤلف -رحمه الله تعالى- بقوله:
стр. 262
هو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة: اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة: وخص المؤلف العلماء بالفقهاء، والحادثة خصها بالحادثة الشرعية، فالإجماع -كما هو معروف-: مصدر أجمع يجمع إجماعاً، من الرباعي أجمع يجمع إجماعاً، ويطلق ويراد به أحد معنيين:
الأول: العزم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾ [(٧١) سورة يونس]: اعزموا على أمركم، وفي الحديث: ((لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل)) الحديث: ((لا صيام لمن لم يجمع)): يعني يعزم وينوي ويعقد النية من الليل -وهذا معروف أنه في الفرض، وأما النفل فيصح من أثناء النهار على ما هو مقرر في الفقه- فيطلق ويراد به العزم كما ذكرنا، ويطلق ويراد به الاتفاق وهو المراد هنا.
تعريف المؤلف: اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة: يريد بالاتفاق هنا ما يراد في الإجماع؛ لأنه بصدد تعريفه، وهو اتفاق جميع المجتهدين من علماء هذه الأمة في عصر من العصور على حكم الحادثة الشرعية، هذا هو المراد به هنا، وإن أطلق بعضهم الاتفاق وأراد به اتفاق الأئمة الأربعة؛ لأن هذه مسائل اصطلاحية ولا مشاحة في الاصطلاح، فإذا بين العالم في مقدمة كتابه أنه إذا قال: اتفقوا -يريد بذلك الأئمة الأربعة- له ذلك على أن يبين، ولا مشاحة في الاصطلاح.
إذا نفى الخلاف فقال: بلا خلاف: الأصل أن يكون بلا خلاف بين أهل العلم، بلا نزاع: بلا نزاع بين أهل العلم، ولا نعلم في هذا خلافاً: أيضاً بين أهل العلم، لكن قد يطلق أهل العلم هذه الألفاظ: بلا خلاف: يعني في المذهب، بلا نزاع: في روايات المذهب إلى آخره، بين أتباع المذهب ..
المقصود أنه الأصل إذا أثبت الاتفاق والإجماع فالمراد به اتفاق علماء الأمة، وإذا نفي الخلاف فالمراد خلافهم، هذا هو الحقيقة في الباب، لكن إذا اصطلح أحد على غير ذلك وبين اصطلاحه فلا مشاحة حينئذ في الاصطلاح، وهو موجود نعم، موجود يقول: بلا نزاع: والمراد به بين أتباع هذا المذهب، بلا خلاف: بين روايات المذهب ولا اختلاف، هذا لا يدخل فيما معنا.
стр. 263
يطلق الإجماع ويراد به قول الأكثر، المبحوث هنا، المراد بالإجماع قول الكل، قول جميع علماء العصر، والمراد بذلك المجتهدين من الفقهاء، لكن قد يطلق الإجماع ويراد به قول الأكثر، وهذا معروف عند الإمام ابن جرير الطبري ﵀ وهذا كثير ملحوظ في تفسيره؛ لأنه يذكر الخلاف، يذكر الخلاف، يذكر قول الأكثر، ثم يذكر قول المخالف، ثم يقول: والصواب في ذلك عندنا كذا؛ لإجماع القرأة على ذلك، كيف يقول لإجماع وقد ذكر الخلاف؟ نعم، كيف يقول لإجماع القرأة لإجماع العلماء، لإجماع الفقهاء، لإجماع المفسرين، وقد ذكر الخلاف هو بنفسه؟ هو يرى أن الإجماع قول الأكثر، وهذا قول انفرد به عن غيره رحمة الله عليه.
العلماء الذين يعتنون أو يعنون بنقل الإجماع ونفي الخلاف -كابن المنذر وابن عبد البر والنووي وابن قدامة- يلهجون بذكر الإجماع بكثرة، وابن حزم له مؤلف في الإجماع، ابن المنذر له مؤلف في الإجماع.
المقصود أن هذه كلمة يلهج بها كثير من أهل العلم، مع أنها لا تُسلَّم لهم كل دعاواهم؛ قد ينقل ابن المنذر الإجماع ثم يوقف على مخالف، وقد ينقل ابن عبد البر الإجماع على مسألة مع وجود المخالف، ومثلهم .. ، أقول مثل ذلك بالنسبة لابن قدامة والنووي، والنووي -رحمة الله عليه- واسع الخطو في هذا الباب، متساهل في نقل الإجماع أكثر من غيره، فقد يذكر الإجماع وينقله في مسائل الخلاف فيها واضح -في مسائل اشتهر فيها الخلاف- سواءً كان بين العلماء عامة من مذهبه وغيره، أو الخلاف في مذهبه -مذهب الشافعي- وقد ينقل الخلاف هو، وقد ينقل الخلاف، لكن إن كان نقله للخلاف عن الظاهرية مثلاً، أو عن من لا يعتد بقوله، فلا اعتراض؛ كثيراً ما يقول: والإجماع قائم على كذا، وأجمع العلماء على كذا، وينقل قول الظاهرية، هذا لا اعتراض عليه لماذا؟ لأنه نص في شرح مسلم على أنه لا يعتد بقول داود، لماذا؟ لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد، لكن قد ينقل الإجماع والخلاف معتبر.
стр. 264
في مسائل كثيرة منها يقول ﵀: "عيادة المريض سنة بالإجماع"، مع أن الإمام البخاري ترجم في صحيحه باب وجوب عيادة المريض. وقال: "صلاة الكسوف سنة بالإجماع"، مع أن أبا عوانة في صحيحه قال: باب وجوب صلاة الكسوف، هل نقول إن مثل هذا الخلاف خفي على النووي؟ إن خفي عليه ما في صحيح أبي عوانة، لا يخفى عليه ما في صحيح البخاري ﵀ لكن هم البشر، لا بد من الغفلة، لا بد من الغفلة.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- نفى الخلاف، وقال: لا يعلم خلافاً في عدم وجوب الزكاة في البقر إذا لم تبلغ الثلاثين، والخلاف معروف بين الصحابة في العشر. والإمام مالك -رحمه الله تعالى- في الموطأ ذكر أنه لا يعلم خلافاً في مسألة رد اليمين على المدعي، والخلاف معروف بين قضاة عصره، كابن أبي ليلى وابن شبرمة.
على كل حال هم بشر، هم بشر لا يتصور أن يحيطوا بكل مسائل العلم، وبكل أقوال العلماء.
مثل هذه الاستدراكات على هؤلاء الأئمة جعلت مثل الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار يقول: هذه الدعاوى التي يدعيها بعض أهل العلم –يعني يكثرون منها، من دعاوى الإجماع- قال: كل هذا يجعل طالب العلم لا يهاب الإجماع، لا يهاب الإجماع.
على أنه على طالب العلم أن يهاب الإجماع، فإذا ذكر الإجماع، على طالب العلم أن يقف، ولا يتسرع ولا يتعجل، يبحث إن وُجِد مخالف، يبحث عن دليله، إن كان له حظ من النظر نظر فيه، وإلا فالإجماع له هيبته؛ لأنه حجة عند من يعتد بقوله من أهل العلم.
стр. 265
المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: ونعني بالعلماء الفقهاء: نعني بالعلماء الفقهاء: وعلى هذا لا يعتبر اتفاق غيرهم -والغير يشمل جميع التخصصات، وإن كانت شرعية- فلا عبرة بإجماع المفسرين، ولا عبرة بإجماع المحدثين، ولا عبرة بإجماع علماء العقيدة، كل هذا على حدِّ كلامه -رحمه الله تعالى- ونعني بالعلماء الفقهاء: نعم من كانت همته مصروفة لرواية الحديث دون درايته ولا التفقه منه، ومن كانت همته مصروفة لفهم كلام الله دون التفقه، يعني فهم المعاني وربط .. ، وتحريرها لفظياً من غير استنباط منها واستدلالاً بها، ما يبعد كلامه، لكن الفقهاء الحقيقيون هم العلماء وهم المفسرون، وهم المحدثون، نعم، ما عرف انفكاك هذه الجهات من بعضها بحيث يكون عالماً في علم، عامياً في علم إلا في العصور المتأخرة، وإلا فالأصل أن العلوم الشرعية مترابطة مترابطة؛ الفقيه على أي شيء يبني فقهه؟ على نصوص الكتاب والسنة، الفقيه إنما يبني فقهه على نصوص الكتاب والسنة.
كيف يكون فقيهاً وهو لا علاقة له ولا دراية بكلام الله ولا كيف يعتمد في الأحكام ويؤصل ويؤسس وهو لا بضاعة له من سنة رسول الله ﷺ ؟
وعلى هذا قوله: العلماء: المقصود بهم من يجمع هذه العلوم بحيث يكون فقيهاً معتمداً على نصوص الكتاب والسنة، والمراد بالعلماء المجتهدون لماذا؟
لأن المقلد لا عبرة بوفاقه ولا خلافه، المقلد لا عبرة بقوله وفاقاً ولا خلافاً؛ لأنه تابع لغيره، فضلاً عن العوام، إذا كان من يعرف المسائل الفقهية من أول باب في كتب الفقه إلى آخر باب من الطهارة إلى الإقرار، لكن تفقهه على جهة التقليد وقبول قول الغير من غير حجة، مثل هذا لا عبرة به؛ العبرة بالمقلَّد، أما المقلد لا عبرة به، ولذا نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المقلد ليس من أهل العلم؛ المقلد في حكم الناقل لقول غيره.
стр. 266
فالمراد باتفاق العلماء: العلماء المجتهدين، والمراد بعلماء العصر: علماء الزمان، قلَّ أو كثر، إجماع العلماء، إجماع طبقة من أهل العلم وجدوا في عصر واحد متقاربون في السن والتحمل والأخذ من الشيوخ -هذه طبقة- إذا انقرضوا جاء العصر الثاني، وإلا لو لم نقل بهذا قلنا: إن الأمة كلها طبقة واحدة؛ لأنها مترابطة يذهب هذا ويخلفه هذا.
يقول: على حكم الحادثة، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية: هذا المبحث وهو الاتفاق والإجماع تبحث فيه من الناحية الشرعية، يستدل به على الأحكام الشرعية، فلا يحتج به في الأحكام على الأمور العادية، الأمور العادية، لو نظرنا في إشارات المرور وجدنا الإجماع قائم في دول العالم كلها على الألوان الثلاثة، صح وإلا لا؟ نعم؟ فيه بلد يختلف عن هذا؟
طالب:. . . . . . . . .
أنا ما سافرت، ولا رحت ولا جيت، لكن هذا المستفيض، في بلد يختلف عن الألوان الثلاثة الأحمر والأصفر والأخضر؟
طالب:. . . . . . . . .
ما فيه، إذن هذا إجماع، هذا إجماع، لو جاء في بلد من البلدان شخص مسؤول عن المرور أو ملك أو شيئاً من هذا قال: والله العالم كله على هذا الترتيب، أنا اقلب الترتيب، اعكسوه، نقول: يأثم لمخالفته الإجماع؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لماذا؟ لأنه ليس من المسائل الشرعية، هذه أمور عادية اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولا يعني هذا الكلام أننا لا نلتزم بما تدل عليه هذه الإشارات؛ لأن الشخص يسمع مثل هذا الكلام ويخلط، يفهم من هذا الكلام أنه يمشي يقطع الإشارة؛ وهذه أمور عادية ولا فيها اجتماع، ولا إجماع ولا شيء، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
قد يسمع هذا الكلام ولا يوفق لفهمه، الكلام منصب على أنه لو رأى ولي أمر في بلد من البلدان أنه يغير الترتيب هذا، اللون الأخضر للوقوف، والأحمر للمشي، أو الأصفر وإلى آخره، نقول: يأثم؛ لأنه خالف الإجماع؟ لا يأثم، ومعنى هذا أنه يغير نظام هذه الأمور من قبل من تلزم طاعته.
لكن لو جاء شخص –فرد- وقال: العالم كله مجمع على أن الإشارة إذا صارت حمراء يقف، أنا ما نبغاها إلا إذا صارت خضراء، يأثم وإلا ما يأثم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 267
هذه مخالفة صريحة، وضررها ظاهر ومصلحتها ظاهرة، إذن أهل العلم يقولون: يأثم للمخالفة، وهذه مسألة وتلك مسألة أخرى.
المقصود أن الإجماع هنا يراد به الإجماع على المسائل الشرعية، والمراد بالعلماء علماء هذه الأمة، فلا يعتبر اتفاق علماء الشرائع السابقة، ولو قيل: إن الإجماع من خصائص هذه الأمة التي فيها حصول الاتفاق واتحاد الكلمة .. ، الأمم السابقة قد يتفقون على المخالفة لشرائعهم وهذا ظاهر، يتفق العلماء -إن استحقوا هذا الوصف- على مخالفة النص، أو على تحريف النص، ويتتابعون عليه، فالأمم السابقة ليست معصومة، ولذا ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- أن عشرة من النصارى اجتمعوا لبحث مسألة، اتفقوا فصدروا عن أحد عشر قولاً، هذا ذكره الحافظ بن كثير -رحمه الله تعالى- عشرة اجتمعوا لبحث مسألة فصدروا عن أحد عشر قولاً.
ومما ينبغي إضافته إلى الحد ما قرره أهل العلم من أن الإجماع المعتبر لا بد أن يكون بعد وفاة النبي ﷺ بعد وفاته ﵊؛ لأنه في حياته الدليل يحصل بسنته ﵊ من قول أو فعل أو تقرير؛ فلسنا بحاجة إلى اتفاق غيره مع قوله ﵊.
الإجماع .. ، قد يقول قائل كيف يتصور الإجماع؟
الإجماع في عصر الصحابة وقت اجتماعهم بالمدينة ممكن، وبعد تفرقهم في الأمصار صعُب تصور الإجماع، وأصعب منه من جاء بعد الصحابة، بعد انتشار العلماء في الأقطار المترامية الأطراف من شرق الأرض وغربها مع صعوبة الاتصال، ولذا أنكر بعضهم وقوع الإجماع، ولا شك أن الإجماع واقع، والدليل على ذلك حصوله في مسائل كثيرة، مسائل نقل فيها الإجماع، والنقل مطابق للواقع، النقل مطابق للواقع، كثير من المسائل التي نقل فيها الإجماع مطابق للواقع، يعني المسائل التي نقل فيها الإجماع وخرم هذا الإجماع قليلة بالنسبة للمسائل التي اختلف فيها العلماء، والناظم ﵀ ذكر مثال بعد أن عرف الإجماع بقوله:
هو اتفاق كل أهل العصر ... أي علماء الفقه دون نكر
على اعتبار حكم أمر قد حدث ... شرعاً كحرمة الصلاة بالحدث
стр. 268
إجماع: أجمع أهل العلم على تقديم الدين على الإرث، مسائل كثيرة حصل فيها الإجماع، أجمعوا على تحريم الزنا، تحريم شرب المسكر، تحريم الربا، أجمعوا على إباحة شرب الماء، إباحة أكل الخبز وما أشبه ذلك، هذه مسائل حصل فيها الإجماع ولم يخالف فيها أحد، المقصود أنه واقع واقع.
بعض أهل العلم جعل الإجماع من قبيل المستحيل؛ لا سيما بعد أن تفرق الناس، ولذا منهم من يرى أن الإجماع المعتبر إجماع الصحابة دون غيرهم.
يقول -رحمه الله تعالى-: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله – ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) والشرع ورد بعصمة هذه الأمة: الإجماع مثل ما تقدم حجة قطعية شرعية، يجب العمل به على كل مسلم، بل هو ثالث الأدلة، وعرفنا أن بعضهم بالغ حتى قدمه على النصوص؛ لأنه لا يحتمل نسخاً ولا تأويلاً بخلاف النصوص؛ لأنها تحتمل، وعرفنا أنه لو لولا النصوص لما حصل الإجماع، إذ لا بد في كل إجماع من مستند من الكتاب أو السنة، علمناه أو خفي علينا.
إذا نقل الإجماع في المسألة ولم نعرف لها دليلاً جزمنا بأن لها دليلاً ولو لم نطلع عليه، وإذا أجمع أهل العلم على ترك العمل بخبر ثابت جزمنا بأن هذا الخبر منسوخ بدليل شرعي، ولو لم نطلع عليه؛ دلنا على وجوده هذا الإجماع، فالإجماع دلنا على وجود ناسخ، وإلا كما تقدم النسخ من خصائص النصوص والإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه.
طالب:. . . . . . . . .
الاحتمال قائم، نعم، الاحتمال قائم ويتداوله الأئمة ولا ينتقدونه، نعم، ويمر على علماء الأمة، ولا في أحد يقول: لا خالف فلان، هذا يثبت إجماعاً، معنى هذا أن الأمة فرطت في دينها، والأمة معصومة من التفريط في شيء من دينها.
طالب:. . . . . . . . .
لا، وتداوله الناس، صار فيه فرصة لأن يتداوله الناس ولم يطلعوا على مخالف!!
طالب:. . . . . . . . .
إذا لم يكن له سلف يكن آثم، إذا لم يكن له سلف لا يجوز له إحداث قول جديد، نعم؟
طالب: كيف نعول قول الإمام أحمد .... ؟
يعني بعد انتشار الأمة في الأقطار في ...
طالب: هل مستند الإجماع الأول إجماع الصحابة ... ؟
стр. 269
هذه رواية في المذهب، هذه رواية في المذهب أن الإجماع المعتبر إجماع الصحابة؛ لأنهم هم الذين يمكن حصرهم وحصر أقوالهم، وأما الأمة تفرقت شذر مذر، يعني من في الأندلس كيف يتسنى له أن يطلع على أقوال علماء اليمن، أو علماء خراسان، أو ما أشبه ذلك، نعم؟
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك: يوجد بعض الإجماعات من الصحابة الأئمة على خلافها مثل يا شيخ تارك الصلاة مثل .... نقل الإجماع عن الصحابة بعض الأئمة المتقدمين المعتبرين، ولكن الأئمة على خلاف .... كيف نعوله يا شيخ؟
يعني كانوا لا يرون شيئاً تركه كفر، شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، معروف أنه إذا قيل: كانوا، المراد به الصحابة، وجود الخلاف من إمام معتبر، أو من أئمة معتبرين، نعم، وجود هذا الخلاف يدل على خلل في هذا الإجماع إما في حقيقته أو في نقله، إما في حقيقته أو في نقله، وجود مثل هذا الخلاف.
الترمذي -رحمه الله تعالى- في (علل الجامع) قال: إنه لا يوجد حديث في كتابي أجمع العلماء على ترك العمل به سوى حديثين الأول: أيش؟ الجمع، الجمع من غير سفر ولا مط، ر حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح مخرج في صحيح مسلم، الثاني: قتل الشارب، قتل المدمن في المرة الرابعة أو الخامسة في حديث معاوية وغيره، أحاديث صحيحة، أجمع العلماء على ترك العمل بها ونقل الإجماع، يعني الترمذي نقله، والنووي نقله لكن المخالف موجود؛ من أهل العلم من يرى قتل الشارب في المرة الرابعة أو الخامسة، منهم من يراه حد، شرب في الأولى يجلد، ثم يجلد، ثم يجلد، ثم .. ، ثم يقتل، نعم، وممن يرى قتله ابن حزم وجمع من أهل العلم، لكن شيخ الإسلام يرى أنه ليس بحد وإنما هو تعزير، وأيده ابن القيم؛ يرى أن قتل الشارب المدمن من باب التعزير، وأنه إذا لم يرتدع بالجلد فإنه يقتل.
على كل حال مثل هذه النقول الآن موقف أهل العلم من الأحاديث التي أجمع العلماء على ترك العمل بها، هل نقول: إن الأمة ردت على النبي ﵊ قوله؟ أو نقول إن هذا الإجماع دل على وجود ناسخ ولو لم نطلع عليه؟
стр. 270
دل على وجود ناسخ ولو لم نطلع عليه؛ لأنه لا يتصور أن الأمة ترد كذا معاندة الرسول يقول كذا، يقولون: بدنا نجمع على خلافه، فقول الرسول لا يرد إلا بقوله ﵊.
طالب:. . . . . . . . .
إيه.
طالب:. . . . . . . . .
أيش لون؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه، لكن مع ذلك نتحرى ونتثبت في الإجماع؛ الكلام على الإجماع الذي له حظ من النظر، واقع بالفعل وليس له مخالف، لا بد أن نقول: إنه .. ، هذا يجعلنا نزيد في البحث عن وجود معارض للدليل.
كلام من يقول: إن الإجماع مقدم على النصوص، يعني ما فيه إلا أنه سوء أدب في التعبير؛ يعني سوء أدب في التعبير؛ لأن الإجماع مستند على نصوص فكيف يقدم عليها.
أيضاً يهاب الإنسان أن يقول: إن الإجماع وكلام الناس مقدم على قال الله وقال رسوله، لكن إذا نظرت بعين البصيرة والواقع أنه إذا أجمع، والإجماع مستند إلى نص، صار التقديم للنص الذي اعتمد عليه الإجماع، واتفاق علماء الأمة على حكم من الأحكام يدلنا على أن النص الثاني الذي من الكتاب أو من السنة إما منسوخ أو مؤول.
طالب: ألا يشترط العلم بالناسخ؟
لا ما يشترط وين، في مثل هذه الحالة إذا أجمع أهل العلم على ترك حديث، نعم، ما يشترط العلم بالناسخ، وأيش تسوي؟ تترك الإجماع وإلا تترك النص؟
تقول: هذا الإجماع وقد اشترط للإجماع أن يعتمد على نص، ما في إجماع بدون نص، إذا لم نطلع على هذا النص الذي اعتمد عليه الإجماع نتهم أنفسنا نقول: هذا الإجماع له مستند ولو لم نطلع عليه، لقصورنا أو تقصيرنا.
طالب: يا شيخ من لم يرَ العمل بالإجماع هل يبدع أو يفسق؟
أما الإجماع اتفاق الأمة لا شك أنه حجة، يعني لا يراه مع الأدلة التي نسوقها؟! لأنهم قالوا: من الأدلة على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [(١١٥) سورة النساء]، يتبع غير سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين على قول واحد، ثم يأتي فيحدث قول جديد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 271
أنت الآن أثبِت حجيته، ثم ثبوته مرحلة ثانية، فلا تستدل ولا تحتج إلا بما ثبت.
الحديث الذي أشار إليه المؤلف: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)): أيضاً يدل على حجية الإجماع، وهو حديث مخرج عند أبي داود والترمذي ولا يسلم من مقال، لكنه له طرق تشد بعضها بعضاً، تدل على أن له أصلاً، والشرع ورد بعصمة هذه الأمة -كما قال المؤلف- للأدلة التي ذكرها ولغيرها.
يقول -رحمه الله تعالى-:
والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان: من لازم كون الإجماع حجة قطعية أن يلزم أهل العصر الثاني، مقتضاه هو العمل به، فإذا أجمع الصحابة -رضوان الله عليهم- على حكم شرعي حينئذ ليس للتابعين أن يخالفوا هذا الإجماع، بل هو حجة عليهم وعلى من بعدهم في أي عصر من العصور، وهكذا.
ثم قال: ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح: قوله: على الصحيح: يدل على أن هناك من يشترط، وإن كان مرجوحاً إلا أن هناك قول يقول باشتراط انقراض العصر.
فإن قلنا: انقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه -هذا كلام المؤلف- وصار من أهل الاجتهاد، ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم: خلاص ما دام وجد قبل انقراضهم فإنه لا ينعقد إجماعاً.
ذهب جمهور العلماء إلى عدم اشتراط انقراض العصر فينعقد الإجماع بمجرد اتفاق المجتهدين ولو كانوا أحياء، فلا تجوز حينئذ مخالفتهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع لا توجب ولا تشير، وليس فيها إشارة إلى انقراض العصر.
والإجماع .. ، ولأن الإجماع هو الاتفاق بين العلماء المجتهدين في عصر من العصور، وقد حصل، فإذا حصل هذا الاتفاق من المجتهدين كلهم فقد حصلت حقيقة الإجماع.
ذهب بعض الشافعية ورواية عن الإمام أحمد إلى أنه يشترط انقراض العصر، ووجه اشتراطه احتمال رجوع بعض المجتهدين عن رأيه، بعض المجتهدين متفق، هو في الأصل متفق مع العلماء، ثم يتبين له من أدلة المسألة ما يرجح له خلاف ما قاله أولاً، وإذا ترجح لديه خلاف ما ذهب إليه أولاًً فإنه حينئذ يؤول الأمر إلى الخلاف، وإذا وجد الخلاف فلا إجماع، لكن الراجح هو القول الأول، ولذا قال المصنف: هو الصحيح.
وفي قوله: فإن قلنا انقراض العصر شرط: بيان لثمرة الخلاف، وتتمثل في أمرين: _
стр. 272
الأول: اعتبار قول من ولد في عصر المجمعين وبلغ رتبة الاجتهاد في حياتهم أو في حياة بعضهم، فله أن يخالف ولا يعد مخالفاً للإجماع؛ لأنه لم ينعقد؛ لأنه ما انقرض العصر، ما مات جميع المجتهدين بقي بعضهم، ولد من تفقه ووصل إلى درجة الاجتهاد ثم خالفهم، ذا في الحقيقة العصر استوعب الإجماع السابق ومن لحق بهم فيما بعد ووجد منه الخلاف، هذه ثمرة الخلاف.
فإذا قلنا: إنه يشترط انقراض العصر اعتددنا بقول المخالف، وإن جاء بعدهم، يعني ممن ولد في حياتهم، وإذا قلنا بعدم الاشتراط، إذا قلنا بعدم الاشتراط لم نعتدد، نعم، وإذا قلنا بالاشتراط اعتددنا به.
الفائدة والثمرة الثانية: أن للمجمعين أن يرجعوا عن الحكم الذي أجمعوا عليه، ولا يعد ذلك نقضاً للإجماع؛ لأنه لم يستقر، ومعروف أن رجوعهم إنما هو إلى الحق، يعني المسألة مفترضة في أئمة، في علماء مجتهدين ومعول عليهم في بيان الحلال والحرام، لا يكون رجوعهم عن هوى أو تحت ضغط أو تأثير؛ هذا لا عبرة به، لكن المسألة مفترضة في علماء أئمة تجردوا للدين ولنصره وبيان ما أمروا ببيانه من الشرع، للمجمعين أن يرجعوا عن الحكم الذي أجمعوا عليه، ولا يعد ذلك نقضاً للإجماع؛ لأنه لم يستقر، وعلى القول الأول ليس لأحدهم أن يرجع بعد حصول الاتفاق.
ثم قال -رحمه الله تعالى-:
طالب: القول الثاني يكون. . . . . . . . . قد يوجد مخالف ما دام ما انقضى العصر؟
الاحتمال أنه يوجد بعدهم مخالف، على كل حال القول الصحيح أنه لا يشترط.
والإجماع يصح بقولهم: يعني بقول العلماء المجتهدين، وبفعلهم: أيضاً، وبقول البعض وبفعل البعض، وانتشار ذلك: القول وسكوت الباقين عنه -هذا كلام المؤلف- والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم، وبقول البعض، وبفعل البعض وانتشار القول أو الفعل وسكوت الباقين: عنه يعني أن الإجماع يصح بقول المجتهدين في حكم من الأحكام أنه حلال أو حرام، أو واجب أو مندوب، أو غير ذلك، وهذا هو الإجماع القولي المعتد به عند أهل العلم.
وأما الثاني وهو الذي يسمى بالإجماع السكوتي، ويكون بقول البعض أو فعل البعض، وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عليه، ويسمى الإجماع السكوتي، والعلماء يختلفون في حجيته ولزوم العمل به.
стр. 273
ذهب أكثر الشافعية والمالكية وهذه رواية عن أحمد إلى أنه إجماع، يعني فعل عالم فعلاً أو قال قولاً وانتشر ولم يخالف -وهذا كثير ما يستدل به أهل العلم- قاله فلان ولا يعرف له مخالف، فهو إجماع، يعني عند ابن قدامة كثير وعند غيره، وهذا يسمى الإجماع السكوتي.
فالقول الأول إلى أنه إجماع له حكم الإجماع النطقي؛ تنزيلاً للسكوت منزلة الرضى، لكن ألا يسكت العالم لمصلحة راجحة يراها؟ نعم، قد يسكت العالم لمصلحة يراها، لكن قد يقول قائل هذا القول: إنه إن سكت فلان ما سكت الثاني، فلا بد من قائم لله بحجة، ما يمكن أن يسكت الناس كلهم على خطأ.
منهم من يقول: هو حجة يلزم العمل به وليس بإجماع؛ لرجحان الموافقة بالسكوت على المخالفة، يعني رجحان الموافقة تجعلنا نقول: إن إصابة هذا السكوت صار غلبة ظن، وغلبة الظن موجبة للعمل، وإن لم توجب القطعية.
يقول: وليس إجماعاً؛ لأن حقيقة الإجماع لم تتحقق فيه، وقيل: ليس بحجة ولا إجماع، لماذا؟ لأن الساكت ساكت، ما يدرى أيش عنده، ولا ينسب لساكت قول.
إلى غير ذلك من الأقوال التي أوردها الشوكاني في إرشاد الفحول، أورد منها اثني عشر قولاً، إرشاد الفحول للشوكاني هنا أورد اثني عشر قولاً في هذه المسألة: القول الأول: أنه إجماع: هنا يقول: القول الأول: إنه ليس بإجماع ولا حجة قاله داود الظاهري وابنه والمرتضى وعزاه القاضي .. إلى آخره، إنه ليس بإجماع، ولا حجة.
الثاني: أنه إجماع وحجة، وبه قال جماعة من الشافعية.
والقول الثالث: إنه حجة وليس بإجماع.
والرابع: إنه إجماع بشرط انقراض العصر.
والخامس: إنه إجماع إن كان فتيا لا حكماً.
والسادس: إنه إجماع إن كان صادراً عن فتيا.
السابع: إنه إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو استباحة فرج كان إجماعاً، وإلا فهو حجة، إلى آخر الأقوال التي وصلت عنده إلى اثني عشر قولاً.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقول الواحد من الصحابة ليس حجة على غيره، على القول الجديد، وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب، والخبر ينقسم إلى: آحاد ومتواتر.
стр. 274
شرح متن الورقات في أصول الفقه (١٢)
تعريف الأخبار وأقسامها - تعريف خبر الآحاد وحكم الاحتجاج به – تعريف المسنيد والمرسل - مراسيل الصحابة والتابعين وحكمها – ألفاظ الرواية
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وقول الواحد من الصحابة ليس حجة على غيره، على القول الجديد، وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب، والخبر ينقسم إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر: ما يوجب العلم: وهو أن يرويه جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد.
والآحاد: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم؛ لاحتمال الخطأ فيه، وينقسم إلى قسمين: مرسل ومسند، فالمسند: ما اتصل إسناده، والمرسل: ما لم يتصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة، إلا مراسيل سعيد بن المسيّب؛ فإنها فتشت فوجدت مسانيد.
والعنعنة: تدخل على الأسانيد، وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني، وإن قرأ هو على الشيخ فيقول: أخبرني ولا يقول حدثني، وإن أجازه الشيخ من غير قراءة فيقول الراوي: أجازني أو أخبرني إجازة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، لما أنهى الكلام عن الإجماع، وهو من الأصول المتفق عليها، لا سيما الإجماع النطقي القولي المنضبط؛ لأن الأمة لا تجمع على ضلالة، ذكر بعد ذلك قول الصحابي، وهل يحتج به أو لا، فقال -رحمه الله تعالى-: وقول الواحد من الصحابة ليس حجة على غيره على القول الجديد: قول الصحابي لا يخلو إما أن يكون للاجتهاد والرأي فيه مجال أو لا، فإن لم يكن للاجتهاد والرأي والنظر فيه مجال فقد قرر أهل العلم أن له حكم الرفع، قرر أهل العلم أن له حكم الرفع، وحينئذ يكون حجة.
стр. 275
إذا كان للاجتهاد فيه مجال فلا يخلو إما أن يخالف هذا الصحابي من قبل غيره من الصحابة، وحينئذ يكون ليس بحجة لماذا؟؛ لأنه ليس قبول قول أحد الصحابة بأولى من قبول الصحابي الثاني، ليس قبول قول أحدهما بأولى من قول الآخر، هذا إذا عورض بمثله.
إذا قال الصحابي قولاً ولا يعرف له مخالف، إن انتشر ولم يخالَف فهو الإجماع السكوتي الذي سبق القول فيه، الشوكاني ذكر فيه أثني عشر قولاً على ما تقدم.
إذا قال الصحابي قولاً ولم ينتشر فيما يغلب على الظن لا يوجد في هذه المسألة سوى قول هذا الصحابي، ليس فيها نص مرفوع والمسألة مما للرأي فيه مجال ولم يعرف له مخالف من جنسه، فهذا محل الخلاف مما لم ينتشر، هذا محل الخلاف.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: ليس حجة على غيره على القول الجديد: يعني من قولي الشافعي، والقول الجديد عند الشافعية: هو ما قرره واعتنى به وأفتى به في مصر، بينما القول القديم هي أقوال الإمام الشافعي في العراق، والمعتمد عند الشافعية المقرر عندهم أن الفتوى على الجديد؛ لأن آخر الاجتهادين هو المعمول به عندهم إلا في مسائل يسيرة يفتون فيها على القول القديم وهي مدونة، هذه المسائل مدونة في مقدمة المجموع للنووي وفي الأشباه والنظائر للسيوطي وغيرهما، ومنظومة أيضاً.
المقصود أن الشافعي في قوله الجديد يرى أن قول الصحابي ليس بحجة، لماذا؟؛ لأن الحجة الملزمة في النصوص الشرعية -في الكتاب والسنة- والصحابي ليس بمعصوم عن الخطأ؛ الصحابي لم تضمن عصمته ليكون قوله غير قابل للنقيض للخطأ، وما دام الاحتمال قائماً -احتمال النقيض وهو الخطأ- فإنه حينئذ يكون قوله ليس بحجة، وهذا هو القول الجديد عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد، واختارها جمع من الحنابلة.
стр. 276
والقول الثاني: وهو القول القديم للإمام الشافعي ورواية عن أحمد أنه حجة، وبهذا قال جمع من أهل العلم؛ لأن الصحابة الذين عاصروا التنزيل وعاشوا مع النبي ﵊ وعرفوا المقاصد من قرب، وأثنى عليهم الله -جل وعلا- في كتابه، وأثنى عليهم النبي ﵊ في سنته هم أولى بالإصابة من غيرهم، هم أولى بالإصابة من غيرهم، والمسألة مفترضة فيما لا نص فيه، أما ما فيه نص فالعمدة النص، فإذا تجردت المسألة عن النص، فعلى القول الثاني قبول قول الصحابي أولى من اجتهاد غيره من التابعين فمن دونهم.
من أهل العلم من يرى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين؛ يستدل هؤلاء بحديث: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) إلى آخر الحديث.
وهناك قول رابع في المسألة: وهو أن الحجة في قول أبي بكر وعمر ﵄ لحديث: ((اقتدوا باللذين من بعدي)).
ويستدل أصحاب القول الثاني بما ذكرنا من أن اجتهاد الصحابي الذي عاصر التنزيل، وعرف المقاصد من قرب، وعايش النبي ﵊ قوله أولى بالإصابة من قول غيره؛ ويستدل بعضهم لهذا القول بحديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) [هذا ضعيف باتفاق الحفاظ، فلا حجة فيه].
عرفنا القول بعدم الاحتجاج بقول الصحابي بعد أن حررنا محل النزاع، عدم الاحتجاج به وهو قول الشافعي في الجديد ورواية عن الإمام أحمد.
القول الثاني: وهو الاحتجاج به فيما خلا من النصوص، في المسائل التي خلت من النصوص ولما ذكرنا، وأيضاً رواية عن الإمام أحمد، وهو القول القديم للإمام الشافعي، ونصره ابن القيم في إعلام الموقعين، وهناك من يقول: الحجة في قول الخلفاء الراشدين؛ للأمر بالأخذ بسنتهم.
ومن أهل العلم من يقصر الحجية في قول أبي بكر وعمر لقوله ﵊: ((اقتدوا باللذين من بعدي)).
المقصود أن المسألة خلافية، والأصل أن الحجة والعمدة في الدين على الكتاب والسنة، لكن إذا افترضنا مسألة ما فيها شيء من النصوص لا من الكتاب ولا السنة، وجدنا فيها قول صحابي، هل نعمل بقول هذا الصحابي؟
стр. 277
من الأصول التي يعتمد عليها الإمام أحمد اعتماد قول الصحابي، ويستدل به ويفتي بمضمونه كثيراً، وهو أيضاً مقتضى عمل الأئمة غير الإمام أحمد فإن كتب الفقه طافحة بأقوال الصحابة يعتمدون عليها ويستدلون بها.
لا شك أن الصحابة خير القرون، وهم أدرى من غيرهم في الجملة، وإن كان من النصوص ما يدل على أنه قد يوجد، قد يوجد -وهذه للتقليل- ممن يأتي بعد الصحابة من هو أوعى من بعض الصحابة، لا نقول من الصحابة كلهم، من بعض الصحابة، و ((رب مبلغ أوعى من سامع)).
لا شك أن من يعمل في مسألة فيها قول صحابي، ويقدمه على اجتهاده أنه لا يلام، المسألة مثل ما كررنا مفترضة في مسألة خالية من النصوص من الكتاب والسنة، من اقتدى بصحابي فهو على خير إن شاء الله تعالى، لكن من رد قول الصحابي وقال: الحجة بالكتاب والسنة لا يلام لا يلام؛ لأن الصحابة غير معصومين.
بعد هذا يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: الأخبار: يقول: وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب: الأخبار: جمع خبر، وعرفه المؤلف بتعريفه عند أهل البلاغة: ما يدخله الصدق والكذب، هذا في الأصل، ما يدخله الصدق والكذب لذاته، وبغض النظر عن قائله، لذاته بغض النظر عن قائله؛ فقد يكون الخبر وهو في الأصل يحتمل الصدق والكذب، لكونه صادراً عن من لا يكذب لا يحتمل إلا الصدق، كأخبار الله وأخبار نبيه ﵊ لكنها في الجملة خبر؛ لأنها تحتمل بغض النظر عن القائل.
هناك من أخبارهم لا تحتمل الصدق كمسيلمة الكذاب، ومن عرف عنه الكذب، يعني وإن كان الاحتمال قائماً، لكنه إذا رمي بالكذب على النبي ﵊ فإنه يُطرح جميع ما يرويه، وكل خبر يأتي من قبله يكون مردوداً، وعلى هذا حُكماً خبره لا يحتمل الصدق، حُكماً وإن كان الاحتمال قائم لماذا؟؛ لأن النبي ﵊ قال عن الشيطان: ((صدقك وهو كذوب))، لكن لو جاءك خبر عن شخص رمي بالكذب في الحديث، وأنت ما تدري هل صدق في هذا الحديث أو كذب، ترد الخبر، وتحكم عليه بأن الخبر موضوع؛ لأن فيه فلان وهو كذاب، أو وضاع فتعريفهم هذا بغض النظر عن القائل لذاته.
стр. 278
والخبر ينقسم إلى آحاد ومتواتر: لأن الخبر لا يخلو إما أن يكون مروياً من طريق عدد –جماعة- لا يقع التواطؤ منهم على الكذب عن مثلهم، وأسندوه إلى شيء محسوس، لا يحتمل تواطؤهم على الكذب، ولا بد أن يكون عن مثلهم في جميع طبقات الإسناد، أو يروى من طريق من لم يبلغ هذا العدد الذي رفع احتمال التواطؤ على الكذب، وإن شئت فقل: الآحاد ما لم تتوافر فيه شروط المتواتر.
فالمتواتر من التواتر وهو التتابع، من التواتر وهو التتابع، وعرفه المؤلف -رحمه الله تعالى-: هو أن يرويه جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم، وهكذا إلى أن ينتهي المخبر عنه: هكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه: لو اختل هذا الشرط في أي طبقة من طبقات الإسناد، احتمل أن يقع التواطؤ في هذه الطبقة، فلا بد أن يكون هذا الشرط، مستصحباً في جميع طبقات الإسناد؛ لنجزم بأنهم لم يتواطؤا على الكذب، ولا بد من إسناده إلى شيء محسوس، إما سماع، أو رؤيا أو مشاهدة، أو غيرهما، ولا يدخل في هذا العقليات والأمور المستنبطة ومثلها الإشاعات، فالإشاعات ولو كثر ناقلوها فإنها لا تفيد العلم، ولا يقع الجزم بصدقها ما لم تتوافر فيها الشروط.
الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- يقول: الإشاعات أو ما يشاع من الأخبار ولو كثر ناقلوه فإنه لا يفيد القطع ولو كثر الناقلون.
الآن يصدر خبر من جهة ما، ثم تتناقله وسائل الإعلام في الشرق والغرب -ألوف مؤلفة يتناقلون هذا الخبر- لكن هل يفيد التواتر؟ لا؛ لأن أصله ما استند إلى شيء محسوس، لا عن رؤيا ومشاهدة، ولا عن سماع.
стр. 279
عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل المدينة ووجد الناس حول المنبر، أهل المدينة كلهم مجتمعون حول المنبر، والنبي ﵊ معتزل نسائه في المشربة، وهو في الحديث الصحيح، أهل المدينة كلهم تناقلوا الخبر أن النبي ﵊ طلق نساءه، النبي ﵊ حصل بينه وبين نسائه ما يحصل من البشر، طلبوا منه مطالب فآلى أن يعتزل النساء شهراً، وجلس في المشربة؛ اعتزلهن، فصدر إشاعة في المدينة أن النبي ﵊ طلق نساءه، فصدَّق الناس كلهم، ليش صدقوا؟ لأنه اعتزل، خلاص جلس وحده بدون نساء، ولمدة شهر، فوافقت هذه الإشاعة بعض التصرفات التي قد يظن منها صدق هذه الإشاعة، فصدق الناس بهذا الخبر، فدخل النبي ﵊ بعد أن استأذن مراراً على .. ، دخل عمر ﵁ بعد أن استأذن مراراً فسأله: أطلقت نساءك؟ قال: ((لا))، فثبت أن هذه مجرد إشاعة ولو كثر تناقلها.
فالإشاعات لا يعتمد عليها، ولو كثر ناقلوها، ومثلها ما ينقل في مثل هذه الظروف من أخبار، وسهلت الآن، سهل ترويج الإشاعات، والناس في مثل هذه الظروف -في أوقات الفتن- تشرأب أنفسهم إلى تلقي مثل هذه الأخبار، وسرعان ما ينتشر الخبر في أقطار الأرض.
المقصود أن الإشاعات، يعني على المسلم أن يتثبت، وأهل العلم وضعوا شروطاً شديدة لمن تقبل روايته ومن ترد، فلا بد من اعتبارها، فعلينا أن نعتني بهذا الباب؛ لأن الإشاعات ضررها عظيم، ضررها عظيم، فالتثبت أمر لا بد منه.
يقول: إلى المخبر عنه، فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد: يعني المسائل العقلية التي يتوصل فيها إلى النتائج بطريق العقل الفلاسفة كلهم ألوف مؤلفة مجمعون على قدم العالم، وتلقاه عنهم من تلقاه عنهم، لكن هذه مسائل عقلية، لم تنتج لا عن مشاهدة ولا سماع، فعلى هذا لا يفيد التواتر.
أمم الأرض كلها في كتبهم -أعني من غير المسلمين- قد يجمعون على مسائل، لكنها نتيجة دراسات غير مبنية على شيء محسوس نتائج عقلية، ولذا سرعان ما تنتقض؛ يأتي جيل آخر ويدرس هذه المسألة بطريقة أخرى، وينكشف له من الأسرار والأمور ما ينسف به النظرية السابقة، فهذه مجرد نظريات.
стр. 280
والآحاد: جمع أحد، الآحاد جمع أحد، وقد سئل ثعلب -وهو إمام من أئمة اللغة معروف-: هل الآحاد جمع أحد؟ فقال: حاشا أن يكون للأحد جمع، أما أن يكون جمع الواحد فنعم، جمع الواحد فنعم.
ثعلب -رحمه الله تعالى- نظر إلى أيش؟ أيش الذي انقدح في ذهنه؟
أن الأحد اسم من أسماء الله فإذا قلنا آحاد، معناه أن فيه أحد، وأحد وأحد، والأحد من أسماء الله هذا انقدح في ذهنه ولذلك نفى: حاشا أن يكون للأحد جمع، لكن هذا صحيح؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن الشهر، كم فيه من أحد؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
أربعة أيش؟
آحاد، فالأحد من الأسماء المشتركة، ليس من الأسماء الخاصة بالله فالشهر فيه أربعة آحاد -جمع أحد- فعلى هذا نقول: الآحاد جمع أحد، والأحد والواحد معنىً واحد.
ويعرفون الآحاد -خبر الواحد- بأنه: ما اختل فيه شرط من شروط التواتر.
بعض طلاب العلم ممن عرف بالغيرة على علوم الكتاب والسنة ينفي تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وقال: إنه دخل على علوم الحديث من الأصوليين، والأصوليين تلقوه من المتكلمين، نعم، وهدف المتكلمين من تقسيم الأخبار إلى متواتر موجب للعلم القطعي الضروري، وإلى آحاد مفيد للظن لا يفيد العلم، وإن أوجب العمل، ولذا يقول: والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم: هم خشوا من الآثار واللوازم على هذا الكلام، لماذا؟؛ لأن المتكلمين رتبوا أموراً، فقالوا: ما دام خبر الواحد لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، فالعقائد لا تثبت إلا بما يوجب العلم، فجميع ما ثبت من أخبار الآحاد في باب العقائد مردود، ونفوا على ذلك كثيراً من الصفات وأموراً مما يثبت لله مما ثبت بأخبار الآحاد.
هؤلاء الغيورون -جزاهم الله خيراً عن الدين وأهله- نظروا إلى هذا اللازم، لكن هل يختلف أحد في أن الأخبار متفاوتة؛ منها ما يلزمك بتصديقه بمجرد سماعه، ومنها ما يغلب على ظنك صدقه، ومنها ما تتوقف فيه، ومنها ما يغلب على ظنك كذبه، ومنها ما تجزم بصدقه، ومنها ما تجزم بكذبه، الأخبار أيش؟
стр. 281
متفاوتة، متفاوتة وإلا لا؟ يعني ما يختلف الخبر من مجيئه من طريق واحد أو اثنين أو عشرة أو مائة؟ متفاوتة، لا يختلف في هذا أحد.
تبقى التسميات نعم، تبقى التسميات، متواتر وآحاد لم ينطق بها سلف هذه الأمة لا الصحابة ولا التابعون، لكن لو طردنا هذا الكلام نفينا كثير من الاصطلاحات العلمية في جميع العلوم الشرعية، حتى في التفسير والحديث والفقه والعقائد، نفينا جميع هذه الاصطلاحات، إذا قلنا: لا نثبت إلا ما ثبت عن الصحابة والتابعين، إذا عرفنا مأخذ هذه الكلمة، ومدلول هذه الكلمة، وما يلزم من إطلاق هذه الكلمة، واحترزنا عن هذا اللازم، واستعملت هذه الكلمة من الأئمة الموثوقين المعتبرين، لماذا لا نقول: اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح؟
شيخ الإسلام ابن تيمية -ولا يشك أحد في رسوخ قدمه في علوم الكتاب والسنة، وفي نصر السنة، وقمع البدع، والرد على المبتدعة- يقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ونخشى من اللوازم، نعم، نقسم ونعتني بهذا التقسيم، ونمثل له بالأمثلة التي مثل بها شيخ الإسلام وغيره ممن اعتنى بهذا التقسيم، ولا نلتزم باللازم، ولا نلتزم باللازم الذي لزم عليه المحظور الشرعي.
شيخ الإسلام قسم إلى متواتر وآحاد، وقسم المتواتر إلى متواتر لفظاً ومعنىً، ومتواتر معنوي -معنىً فقط- ومثل للمتواتر اللفظي بحديث: ((من كذب)) كما يمثل أهل العلم، ومثل للمتواتر المعنوي بفضائل أبي بكر وعمر، وفي كل مقام يمثل بمثال مناسب، يعني في منهاج السنة -والكتاب موضوع للدفاع عن الصحابة لا سيما أبا بكر وعمر- مثل بفضائل أبي بكر وعمر وقال: متواتر تواتراً معنوياً.
حديث المسح على الخفين تبلغ التواتر، حديث الشفاعة والحوض، هل يستطيع أحد أن يدفع تصديقها عن نفسه؟ متواترة، لكنه تواتر معنوي.
ابن الصلاح وغيره يشيرون إلى أن مثل هذا التقسيم لا يوجد عند أهل الحديث، لماذا؟
стр. 282
على سبيل الخصوص التواتر لا يوجد عند أهل الحديث، مع أنهم أثبتوا ومثلوا له، لماذا لا يوجد عند أهل الحديث، المتواتر؟؛ لأنهم ليس بحاجة إليه، الحديث يبحث في الخبر من حيث الثبوت وعدمه، علماء الحديث يبحثون عن الأخبار من حيث الثبوت وعدمه -وعدم الثبوت- خبر متواتر هل يحتمل الثبوت وعدمه؟ لا يحتمل إذن لا يبحثون.
فالمقصود أن إقرار مثل هذا التقسيم لا يلزم عليه أي محظور، والشيخ أحمد شاكر لما اعتمد هذا التقسيم ﵀ وقال بعد ذلك: ولا تنظر إلى لوازم المبتدعة فإنهم يريدون بالآحاد ويقصدون من ورائه غير ما تقصده أنت؛ لأنهم حينما يقسمون إلى متواتر وآحاد، ويقولون: الآحاد ظني يوجب العلم، لا يوجب العلم، إنما هو موجب للظن، هو موجب للعمل عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم، موجب للعمل في جميع أبواب الدين، إذا وصل إلى درجة القبول موجب للعمل عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم.
إذا أوجب العمل في جميع أبواب الدين بما في ذلك العقائد والأحكام والفضائل والتفسير والقراءات وغيرها موجب للعمل.
ننظر في مسألة العلم، ماذا يراد بالعلم؟
العلم عندهم الذي لا يحتمل النقيض، يعني خبر صادق مائة بالمائة، ما يحتمل نقيض، خلاص بلغك هذا الخبر الزم، ولا يجوز لك بحال من الأحوال أن تشكك فيه؛ لأنه لا يحتمل النقيض، إذا قلنا: هذا العلم، هذا هو العلم، والظن: الاحتمال الراجح -يعني الذي يغلب على الظن ثبوته- الظن هو الاحتمال الراجح، نأتي براو من الرواة، وليكن إمام من أئمة المسلمين مالك بن أنس نجم السنن، مالك بن أنس نجم السنن، يعني إذا نقل الإمام مالك، وجاءنا حديث من طريق الإمام مالك نحلف عليه ونجزم بأن الإمام مالك ما أخطأ ولا سها ولا غفل، نجزم بهذا؟ نعم؟
حفظ لمالك -رحمه الله تعالى- بعض الأوهام، ومادام حفظ له بعض الأوهام، وهو ما يندرج تحت الأصل المقرر في الشرع أنه غير معصوم، ومن يعرو من الخطأ والنسيان؟ ما في لا مالك ولا غير مالك، حفظ عليه بعض الأوهام، إذن إذا جاءك خبر من طريق مالك كم تعطيه نسبة؟ تعطيه مائة بالمائة؟ ألا يحتمل أنه وهم في هذا الخبر؟
стр. 283
إذن نزلت النسبة ولو واحد بالمائة، وما دام نزل عن مائة بالمائة إلى تسعة وتسعين ثمانية وتسعين، وقل في كثير من الثقات إلى تسعين إلى خمسة وثمانين، إلى ثمانين هذا ظن غالب، إذن مفيد لأيش؟ للظن.
إذا عرفنا الاصطلاحات وعرفنا ما يلزم على هذه الاصطلاحات وتنصلنا من هذه اللوازم وصار التقسيم، يحدد لنا الأنواع بدقة، ولا يلزم عليه شيء؛ لأنها اصطلاحات، ولا مشاحة في الاصطلاحات، أو في كل علم من علوم الشرع اصطلاحات يعتني به أهل ذلك العلم.
إذا قلنا: إن رأي الإمام مالك -رحمه الله تعالى- يحتمل الخطأ إذن الإمام مالك -كما هو مقرر- ليس بمعصوم، وقل مثل هذا في من دون الإمام مالك ﵀ فعلى هذا خبر الإمام مالك يفيد الظن، يفيد الظن الغالب.
يعني جاءك شخص من أوثق الناس عندك، فقال: جاء زيد، جاء زيد، تستطيع أن تحلف أن زيداً جاء، كأنك رأيته أنت؟ نعم؟ هل تستطيع أن تقول: إن فلاناً أخبرك -أوثق الناس عندك- بأن فلاناً من الناس زنى بفلانة، وهو أوثق الناس عندك هل تستطيع أن تشهد عليه، أو تحلف على أنه زنى؟!
إذن يحتمل خبره النقيض، فما أفادنا العلم اللي هو نتيجته مائة بالمائة، إذن نزل عن هذه النسبة، وهو أوثق الناس عندك، ومثلنا بنجم السنن مالك، إمام مجمع على إمامته وتحريه وتثبته.
أقول: خبر الواحد بهذا التقرير، وهو بمعرفة .. ، بعد معرفة العلم والظن، ويقابل الظن الوهم، الذي هو الاحتمال المرجوح، والاحتمال المساوي يسمونه الشك.
стр. 284
أقول: إذا استوعبنا هذا التقرير، قلنا: إن خبر الواحد لا يوجب العلم، وإنما يفيد الظن -هذا في الأصل- مع أنه موجب للعمل اتفاقاً بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم، دع عنك من يقول: إن خبر الواحد لا يقبل في العقائد من أشاعرة وغيرهم، ودع عنك من لا يحتج بخبر الواحد أصلاً كالمعتزلة، هؤلاء ما لنا بهم لازم، ما لنا بهم لازم، هؤلاء ما لنا بهم دعوة؛ لأننا لا نعتد بخلافهم، فإذا قلنا: إنه موجب للعمل في جميع أبواب الدين، وعرفنا وفرقنا بين العلم والظن، وقلنا: إنه يفيد الظن، يبقى أنه قد يفيد العلم بالقرائن، يفيد العلم بالقرائن ليش؟؛ لأن الاحتمال -احتمال الخطأ- في خبر الثقة ضعيف، ولولا هذا الاحتمال لقلنا: إنه موجب للعلم، هذا الاحتمال الضعيف إذا وجد قرينة تقابل هذا الاحتمال ارتفع هذا الاحتمال، فصار خبره موجباً للعلم، موجباً للعلم، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ﵀ في الصواعق، وابن حجر، وجمع غفير من أهل العلم، يقولون: الخبر الواحد .. ، وأيضاً ابن رجب في شرح البخاري في مواضع يقرر أن خبر الواحد إذا احتفت به قرينة يوجب العلم، أيش مفهومه؟ أنه إذا لم تحتف به قرينة فاحتمال الخطأ قائم.
من القرائن التي قررها أهل العلم -التي تحتف بخبر الواحد حتى يصل إلى درجة إفادة العلم –وعرفنا كيف ترقى خبر الواحد بالقرينة إلى أن يفيد العلم-؛ لأن الاحتمال الذي أنزله أصلاً من إفادة العلم ضعيف، فجاءت هذه القرينة فقاومت هذا الاحتمال فكأن هذا الاحتمال غير موجود، قالوا: كون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما هذه قرينة؛ لشدة تحري الشيخين وانتقائهما للمتون والأسانيد.
كون الحديث مروياً بطرق متباينة سالمة من القوادح والعلل، كون الحديث متداولاً بين الأئمة يرويه إمام عن إمام عن إمام عن إمام مالك، أحمد عن الشافعي عن مالك؛ يعني لو وهم مالك يحتمل أن يوافقه الشافعي على الوهم ويرويه عنه؟ لا يحتمل، إذا وهم مالك والشافعي يوافقهم الإمام أحمد والحديث فيه خطأ؟ لا يمكن.
إذن هذه القرائن قابلت ذلك الاحتمال فارتقى خبر الواحد إلى إفادة العلم.
يقول: ولا يوجب العلم لاحتمال الخطأ فيه، وينقسم إلى قسمين:
стр. 285
طالب:. . . . . . . . .
معنا سفر الآن، فنقف على هذا، ونكمل -إن شاء الله- الأسبوع القادم.
كم باقي على الأذان؟ جزاكم الله خيراً.
سبحانك اللهم وبحمدك .. ، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وينقسم الآحاد إلى قسمين: مرسل ومسند، فالمسند: ما اتصل إسناده، والمرسل: ما لم يتصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة، إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ فإنها فتشت فوجدت مسانيد.
والعنعنة تدخل على الأسانيد، وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني، وإن قرأ هو على الشيخ فيقول: أخبرني، ولا يقول: حدثني، وإن أجازه الشيخ من غير قراءة فيقول الراوي: أجازني، أو أخبرني إجازة.
طالب:. . . . . . . . .
طالب: من غير قراءة.
كل النسخ قراءة؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
ما في غيره، نسخ ثانية ما فيه؟
طالب:. . . . . . . . .
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تقدم الكلام في الحديث عن الأخبار، والمراد بها أعم من الأخبار المسندة المضافة إلى النبي ﵊ وغيره؛ فالخبر يشمل المرفوع إلى النبي ﵊ وما أضيف إلى غيره -هذا الأصل في الخبر- فهو أعم من الحديث، لكن الذي يهمنا هنا ما يضاف إلى النبي ﵊، تقدم الكلام في تقسيمه إلى متواتر وآحاد، وذكرنا حكم المتواتر، وأنه موجب للعلم القطعي الضروري؛ لأن السامع ملزم بتصديقه من غير نظر ولا استدلال وإن نازع بعض أهل العلم في وجوده، لكن حقيقته موجودة، والنزاع في تسميته لا يضرُّ، لا سيما وقد اعتمده من يعتد بقوله من أهل العلم، وسموه بهذا الاسم وعرفوه بالتعريف المعروف، وقسموه إلى الأقسام المعروفة، ومثله قسيمه -الآحاد- وهو ما دون المتواتر.
следующие страницы →