Полный текст (401 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والكلام هذا يجر -كيفية الاستدلال بها، والاستفادة منها- يجر إلى معرفة المستفيد منها والمجتهد، المجتهد له أوصاف وله شروط، وليس لكل أحدٍ أن يجتهد، نعم، إذا تأهل الإنسان بالشروط التي ذكرها أهل العلم المستمدة من الشرع، فإن له -بل عليه- أن يجتهد، أما إذا لم يتأهل صار فرضه تقليد من تبرأ ذمته بتقليده؛ ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل].
ونحن نشاهد كثرة من يدعي الاجتهاد في هذه الأوقات، لا شك أن مثل هذا غرور وتلبيس من الشيطان، وفيه ما هو ردة فعل لقرونٍ مضت من قفل باب الاجتهاد، والآن فتح الاجتهاد على مصراعيه؛ تجد من يحفظ شيئاً ولو يسيراً من العلم تجده يتكلم في عضل المسائل، تجد المبتدئ -بل بعض العامة- يجرؤ على إفتاء الناس وتوجيههم، والمبتدئ في حكم العامي، وكثير من المبتدئين -ومن يظن أنه تعلم وهو ما عرف إلا الشيء اليسير- تجده يتصدى لإفتاء الناس وتوجيههم لما يعرف وما لا يعرف، وهذا الأمر خطير جداً؛ لأنه ينصب نفسه موقعاً عن الله وحكماً بين عباده بالدعوى، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [٦٠) سورة الزمر] أيش معنى كذبوا على الله؟
الذي يفتي بلا علم يكذب على الله؛ يدخل دخولاً أولياً في هذه الآية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] نص في الموضوع، فإذا ربطنا بين الآيتين عرفنا خطورة الإفتاء بغير علم، وعندنا من تقوم بهم الحاجة -ولله الحمد-من أهل العلم الراسخين المحققين.
وبالمقابل تقاعس المتأهل وتأخره عن نفع الناس في هذا المجال لا يجوز؛ وهو كتم للعلم، بل يتعيّن على من تأهل لإفتاء الناس أن يفتيهم، ولا يجوز له أن يتأخر والحاجة قائمة.
стр. 72
وبعض الناس لا يتحرى إذا أراد أن يسأل، لا يبحث عمن تبرأ ذمته بتقليده، والله يقول: ﴿اسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، بل يتجه كثير من الناس لسؤال بعض المفتونين؛ بحثاً عن الرخص، والإنسان إذا بحث عن الرخصة في هذه المسألة، والرخصة في تلك المسألة، والرخصة في المسألة الثالثة والرابعة والعاشرة خرج من دينه؛ لأن الدين تكاليف، فإذا كان الدين كله رخص ما صار هناك دين، ما صار هناك تكليف، والله المستعان.
هذه الأمور الثلاثة -طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستفيد منها- هذه هي أصول الفقه، هذا ما قاله كثير من الشراح، وكأن الأوضح مما ذكر أن يراد بأصول الفقه: أدلة الفقه الإجمالية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل في هذه الأدلة؛ نأخذ الكتاب مجملاً وكيف نستفيد منه، حجة بالإجماع، لكن كيف نستفيد من هذا الكتاب، السنة حجة إجماعاً، الإجماع القياس وهكذا -على الخلاف فيه- المقصود أن كيف نستفيد من هذه الأدلة الإجمالية، وبيان حال من يستفيد منها.
يقول الناظم رحمه الله تعالى:
أما أصول الفقه معنىً بالنظر ... للفن في تعريفه فالمعتبر
في ذاك طرق الفقه أعني المجملة ... كالأمر أو كالنهي لا المفصلة
وكيف يستدل بالأصول ... والعالم الذي هو الأصولي
ثم ذكر أبواب الفقه على سبيل الإجمال، أبواب أصول الفقه ذكرها إجمالاً، ثم تحدث عنها بالتفصيل واحداً تلو الآخر على نفس الترتيب الإجمالي، وهذا أشرنا سابقاً إلى أنه يعرف بأيش؟
باللف والنشر المرتب، فسرد هذه الأبواب سرداً أشبه ما يكون بالفهرس من الأبواب التي يريد أن يتحدث عنها، وعدتها عشرون باباً على سبيل الإجمال ثم تكلم عنها بالتفصيل الملائم لهذا المختصر، وليس المراد به التفصيل المبسوط الذي يوجد في المطولات، لا، هو تفصيل نسبي ملائم لهذا المختصر ومناسب لإدراك المبتدئين، وإن كانت الأوراق فيها كثير ممن يقول: إنهم لا يفهمون بعض هذا الكلام الذي يذكر في الكتاب، هو لا شك أن الأفهام متفاوتة، ولولا ضيق الوقت لزدنا في التوضيح، لكن مع الإجمال في التوضيح يمكن ما نأخذ ولا نصف الكتاب، والله المستعان.
стр. 73
ثم شرع -رحمه الله تعالى- يفصل ما أجمله، وينشر ما لفّه، فقال: فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف: والكلام مصدر، أو قل: اسم مصدر من تكلم يتكلم تكلماً وكلاماً، ويختلف المراد به من فنٍ إلى آخر -المراد بالكلام- فالمراد به عن اللغويين: كل ما يلفظ به، سواء كان مفيداً أو غير مفيد، يسمى كلاماً، سواء كان مركباً أو غير مركب، فإذا قلت: زيد، كلام،، زيد قائم كلام، ديز عكس زيد -مقلوب زيد- كلام، كل ما يلفظ به كلام، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، فكلام النائم كلام، كلام بعض الطيور كلام، هذا من حيث الأصل في اللغة.
وعند النحويين: هو اللفظ المركب المفيد فائدة يحسن السكوت عليها، فالكلام المفرد، الكلمة المفردة ليست بكلام، والكلام غير المفيد (إن قام زيد) هذا ليس بكلام وإن كان مركباً من ثلاث كلمات، والكلام غير المقصود ليس بكلام عند النحويين.
وعند الفقهاء: ما اشتمل على حرفين فصاعداً، وهو الذي يبطلون به الصلاة، ولذا يقولون: إن بان حرفان من الكلمة بطلت الصلاة، والمقصود به الكلام الذي لا يحتاج إليه.
والكلام جمع كلمة، والكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، وفي الألفية -في ألفية ابن مالك-:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... واسم وفعل ثم حرف الكلم
واحده كلمة والقول عم ... وكلمة بها كلام قد يؤم
أي: قد يقصد.
وأقل ما يترتب الكلام منه اسمان: نحو: زيد قائم. أو اسم وفعل: مثل: قام زيد، أو ضُرب زيد، أو فعل وحرف: نحو: ما قام، ومثل هذا أثبته بعضهم كالمصنف، ولم يعدّ الضمير الراجع في (قام) -الراجع إلى المتحدث عنه مثلاً- لعدم ظهوره؛ هو يعد الكلمات الموجودة أمامه، أما المستتر فهو لا يعده، وعليه جرى المصنف، والجمهور على عده كلمة، فالضمير المستتر في حكم الضمير المتصل.
أو اسم وحرف: وذلك في النداء نحو: يا زيد، وإن كان المعنى: أدعو زيداً، لكن في الصورة حرف -حرف نداء- وإن كان معنى هذا الحرف، معنى الفعل: أدعو.
стр. 74
يقول العبادي في شرحه: وقضية تعبيره بأقل أن الكلام قد يتركب من أكثر مما ذكر؛ لأنه أقل ما يتركب منه الكلام ما ذكر، وقضية ما ذكر -مفهوم الأقل- أن هناك أكثر، فهل نستطيع أن نسمي الجمل كلاماً؟ جمل نسميها كلاماً؟ يقول: قد يتركب من أكثر ما ذكر، كجملتين وكفعلٍ واسمين أو ثلاثة أو أربعة، وعليه جمع كابن هشام، لكنه خلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، أيش معنى هذا الكلام؟
قالوا: فهموا من كلام المصنف أن أقل ما يتركب منه الكلام ما ذكر، أن الكلام قد يتركب من أكثر مما ذكر، وهذا مفهوم العبارة، وهذا عليه جمع، يعني إذا ركب كلام من جمل متعددة -جملتين فأكثر- يسمى كلاماً، نعم؟
قد يقول قائل: كيف ينازعون في مثل هذا وعليه جمع كابن هشام، لكنه خلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، قد يقول قائل: كيف ينازعون في مثل هذا؟ يعني إذا كان: (زيد قائم) كلام فإذا قلت: زيد قائم وقاعد أو قارئ، زيد قائم .. ، أو زيد قاعد وقارئ، هاتان جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، والعطف على نية تكرار العامل -كما يقول أهل العلم- كيف يختلفون؟ يقول: وخلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، أنه لا يسمى كلاماً أصلاً؟
طالب:. . . . . . . . .
أيش يقول؟
طالب:. . . . . . . . .
أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن عرفنا أنه إذا اشتمل على جملة اسم وفعل، أو اسم وحرف، أو فعل وحرف هذا كلام، وهذا أقل الكلام، هذا أقل الكلام، مفهومه أنه إذا تركب من جملتين أو من ثلاث كلمات -اسم وفعل وحرف، أو فعل واسمين أو ثلاثة أسماء أو أربعة- لا يسمى كلاماً عند بعضهم، والمفهوم من كلام المصنف أنه يسمى كلاماً.
على كل حال ما الفائدة المرتبة على هذا الخلاف؟
طالب:. . . . . . . . .
في فائدة تترتب على هذا الخلاف؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني إذا حلف أن لا يتكلم، أو أن لا يصدر منه كلام، فجاء بكلامٍ طويل يصير تكلم وإلا ما تكلم؟
على ما عليه الجمع -كابن هشام وما يفهم من كلام المؤلف- كلاماً، لكن إذا حلف لا يتكلم بكلامٍ طويل، كلام مركب من جمل؟ على مقتضى عبارة ابن الحاجب أنه ما تكلم.
стр. 75
إذا قال لزوجته: إن تكلمت بكلام فأنت طالق، أو قال لعبده: إن تكلمت بكلام فأنت حر، فتكلم بكلامٍ كبير ما جاب جملة واحدة، أو نقول: هي تطلق بالجملة الأولى، وهو يعتق بالجملة الأولى، ويحنث في الجملة الأولى وما عدا ذلك قدر زائد على الكلام؟ نعم؟
يقول الناظم:
أقل ما منه الكلام ركبوا ... اسمان أو اسم وفعل كـ_ (اركبوا)
كذاك من فعلٍ وحرف وجدا ... وجاء من اسم وحرفٍ في النداء
ثم قال -رحمه الله تعالى- في بيان أقسام الكلام: والكلام ينقسم إلى أمرٍ ونهيٍ وخبرٍ واستخبار وينقسم أيضاً إلى تمنّ وعرض وقسم: يريد المصنف أن الكلام من حيث دلالته ينقسم إلى أمر: وهو ما يدل على طلب الفعل نحو: صلِّ، ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء]، ونهي: وهو ما يدل على طلب الترك، نحو: لا تغتب، وخبر: وهو ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته نحو: جاء زيد، وما جاء عمرو، ويقابل الخبر الإنشاء، ولم يذكره المؤلف بلفظه ذكر أقسامه، الإنشاء: وهو ما لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ويدخل فيه الأمر والنهي والتمني والاستفهام والعرض، وذكرها المؤلف، واستخبار: وهو الاستفهام نحو: هل قام زيد؟ فيجاب بـ (نعم) أو (لا). وينقسم أيضاً إلى تمنٍّ: وهو طلب ما لا طمع فيه:
ألا ليت الشباب يعود يوماً ... . . . . . . . . .
ليت أمس يرجع، أو يعود: ما لا طمع فيه، أو فيه طمع، لكنه مع عسرٍ شديد، كقول منقطع الرجاء الذي لا يثبت على الراحلة ولا يستطيع أن يسافر مثلاً: ليتني أحج.
وعرض: وهو الطلب برفق وهدوء، وهو المصدَّر بـ (ألَا): ألا تنزل عندنا، والعرض يناسب بعض الناس الذين يهابون، فإذا كنت تهاب شخصاً ولا تستطيع أن تأمره أو تصر على أمره بشيءٍ -ولو على جهة الإكرام- ومثله -بل من باب الأدب- إذا أراد الطالب تنبيه شيخٍ على خطأٍ وقع فيه، يأتي بصيغة العرض: ألا يكون المعنى كذا؟ أو يقول: ما رأيكم بكذا، أو: ألا يكون مراد فلان بكذا كذا، وهكذا.
стр. 76
ومثله: المحتضر حينما يعرض عليه تعرض عليه كلمة التوحيد؛ لأنه يخشى منه أن ينطق بكلمةٍ يخرج بها من دينه وهو في وضعٍ لا يناسب الشدة في الكلام، فيعرض عليه الكلام عرضاً برفق: يا فلان ألا تقول: لا إله إلا الله -برفق ولين- قل: لا إله إلا الله.
وبالمناسبة أبو زرعة الرازي -الذي أشرنا إليه قريباً- لما حضرته الوفاة هابوا أن يلقّنوه وهو في حال النزع -رحمة الله عليه- هابوا أن يلقّنوه، فاجتهد بعضهم فجاء بحديث التلقين وقلب إسناده، قلب الإسناد والشيخ في النزع- رحمة الله عليه- فصحح الإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله .. )) ففاضت روحه -رحمة الله عليه- فمثل هؤلاء وفي مثل هذا الظرف يهاب الإنسان ولا يتكلم بكلامٍ قوي يخشى منه الضرر. وقَسَم: وهو الحلف نحو: والله لأفعلن كذا.
يقول الناظم:
وقسم الكلام للإخبار ... والأمر والنهي والاستخبار
ثم الكلام ثانياً قد انقسم ... إلى تمنٍّ ولعرض وقسم
هنا قال: والكلام ينقسم إلى أمرٍ ونهي وخبر واستخبار وينقسم أيضاً: لماذا لم يسق الكلام مساقاً واحداً فقال: والكلام ينقسم إلى أمرٍ ونهي وخبر واستخبار وتمنٍّ وعرض وقسم؟ ثم قال: وينقسم أيضاً؟
يقول شارح النظم، من شارح النظم؟
عبد الحميد قُدس يقول: إنما أعاد الفعل بقوله:
ثم الكلام ثانياً قد انقسم ... إلى تمنٍّ. . . . . . . . . الخ
مع أن ما قبله وما بعده تقسيم واحد، فكان ينبغي أن يقتصر على قوله: وإلى تمنّ .. الخ؛ إشارةً إلى أن منهم من اقتصر على تقسيمه إلى ما تقدم، وأنه يزاد عليه انقسامه أيضاً إلى هذه المذكورات، يعني بعضهم حصر القسمة في الأربعة الأولى، فيؤتى بالمحصور، ثم يزاد عليه ما ينبغي زيادته.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: نعم اقرأ.
стр. 77
ومن وجهٍ آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة، والمجاز ما تجوز عن موضوعه، والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية، والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة، فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [(١١) سورة الشورى]، والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [(٨٢) سورة يوسف]، والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان، والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [(٧٧) سورة الكهف].
يقول -رحمه الله تعالى-:
ومن وجهٍ آخر ينقسم الكلام إلى حقيقةٍ ومجاز: ثم عرف الحقيقة بتعريفين، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطِبة أو المخاطَبة: يجوز هذا وذاك، على ما سيأتي.
والمجاز ما تجوّز به عن موضوعه: فلما ذكر أقسام الكلام باعتبار دلالته قسم الكلام باعتبار استعماله، وذكر أن الكلام من هذه الحيثية ينقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز.
واختلف العلماء في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، فأثبته بعض العلماء واشتهر وانتشر عند كثير من المتأخرين ولم يفرقوا في ذلك بين النصوص الشرعية وغيرها من الكلام العادي، ونفاه عن القرآن قوم وأثبتوه فيما عدا القرآن كابن خويز منداد من المالكية وابن القاص من الشافعية، وهو قول أهل الظاهر، يقولون بالمجاز في غير القرآن، وأما القرآن فلا مجاز فيه.
ونفاه مطلقاً في القرآن والسنة وفي الكلام العادي آخرون كأبي إسحاق الاسفراييني وأبي علي الفارسي، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وسمى المجاز طاغوت.
ورد الأمين الشنقيطي -رحمة الله عليه- على من يقول بالمجاز بكلام طويل في مذكرته الأصولية وفي رسالةٍ خاصة في ذلك.
وبيّن شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- أن هذا التقسيم مخترع حادث بعد القرون المفضلة؛ لم يتكلم به أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة ولا علماء اللغة، ما تكلم به أحد.
هل نقول هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح؛ كغيره من التقسيمات الموجودة في العلوم الأخرى؟
стр. 78
الظاهر أن القول بالمجاز إنما هو .. ، إنما أحدثه المبتدعة؛ ليتوصلوا به إلى نفي صفات الله بادعاء أنها مجاز.
من أقوى ما يستدل به على إنكار المجاز أنه يجوز نفيه، وليس في النصوص ما يجوز نفيه، أيش معنى هذا الكلام؟ المجاز يجوز نفيه، وليس في النصوص الشرعية ما يجوز نفيه؟
إذا جاء رجل شجاع فقال واحد من الناس: جاء أسد، لقائلٍ أن يقول: كذبت، ما جاء أسد، أليس له ذلك؟
نعم، ما جاء أسد؛ لأن حقيقة الأسد حيوان مفترس، فإذا كان يجوز نفيه فليس في النصوص ما يجوز نفيه، لكنهم أطلقوا الأسد على الشجاع، فهل نقول: إنه مجاز؟ وهذا في غير النصوص ونلتزم بلازمه أنه وإن جاز نفيه نقول به كما يقول بعضهم، أو نقول: إنه استعمال حقيقي، الأسد كما يطلق على الحيوان المفترس يطلق على الرجل الشجاع؟
على كل حال الكلام في المجاز فصله ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (الصواعق) وشدد في النكير على من أثبته، ولا شك أنه باب ولج منه المبتدعة فأنكروا صفات الله بسببه، ولا شك أن الأثر المترتب عليه شديد.
بعد ذلك عرف الحقيقة بأنها ما بقي في الاستعمال على موضوعه: ما بقي: أي اللفظ الباقي في الاستعمال على موضوعه، أي الذي وضع له، وضعه له المتخاطبون -أهل اللغة- على موضوعه اللغوي كما هو المتبادر من اللفظ -من ذكر الوضع-.
وقيل في تعريف الحقيقة: ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة: وإن لم يبق على موضوعه كالصلاة بالهيئة المخصوصة المعروفة لدى المسلمين، فإنه لم يبقَ على موضوعه اللغوي وهو الدعاء، والدابة لذات الأربع كالجمل والحمار وغيرهما فإنه لم يبق على موضوعه -وهو كل ما يدب على الأرض- عندنا الحقائق كم؟
ثلاث، الحقائق ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية، على التعريف الأول الحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه: الحقيقة واحدة ولا تتعدد، وما عداها كله من قبيل المجاز، وعلى التعريف الثاني: ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة: تتسع دائرة الحقائق فتكون ثلاثاً، فإذا قيل: جاء أسد، فبدلاً من أن يقال: هذا مجاز، يقال: اصطلح المخاطبة عليه، فيكون حقيقة عرفية.
стр. 79
الصلاة المعروفة لدى المسلمين، المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم ذات الركوع والسجود: هذه حقيقة، لكنها حقيقة شرعية، وإن كانت الحقيقة اللغوية للصلاة الدعاء، والفرق بين الحقائق اللغوية مع الشرعية يختلف أهل العلم في ذلك، هل هي من باب النقل التام للكلمة من حقيقتها اللغوية إلى حقيقتها الشرعية، أو نقول: إنها هي الحقيقة اللغوية وزيد عليها؟ هل نقول: إن حقيقة الصلاة لغةً غير حقيقة الصلاة شرعاً، أو نقول: إن الحقيقة الشرعية هي الحقيقة اللغوية وزاد عليها الشرع أشياء؟ وقل مثلها: الزكاة والصيام والحج والإيمان وغير ذلك من الحقائق الشرعية؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني زيد على الحقيقة اللغوية، وكأن هذا ما يفهِمه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
على التعريف الأول لا يدخل في الحقيقة سوى اللغوية، وعلى التعريف الثاني تدخل جميع الحقائق الثلاث، اللغوية والشرعية والعرفية.
قوله: من المخاطبة: وهو بكسر الطاء، أي الجماعة المتخاطبة بذلك اللفظ، ويجوز فتح الطاء –المخاطَبة- وهو التخاطب؛ لا مانع أن يقول: بين المخاطَبة، أيش؟
ما استعمل عليه .. ، أو ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة: يعني من التخاطب ولا مانع من ذلك. ثم عرف المجاز بأنه: ما تجوّز: أي تعدي به عن موضوعه، وهذا التعريف للمجاز يقابل التعريف الأول للحقيقة، وعلى الثاني يكون معنى المجاز: ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطِبة.
ثم ذكر أقسام الحقيقة الثلاث: والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية: هذا يمشي على تعريفه للحقيقة؟ يمشي وإلا ما يمشي؟
هذا التعريف الثاني الذي صدره بصيغة التمريض؛ لأنه قال: والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية: فهذا جارٍ على التعريف الثاني، ومعلوم أن أهل العلم إذا جزموا بشيء ثم أتبعوه بقولٍ آخر ممرَّض -يعني مصدر بصيغة التمريض- أن اختيارهم ما جزموا به، اختيارهم ما جزموا به، وعلى هذا الذي يختاره إمام الحرمين في تعريف الحقيقة هو الأول؛ لأنه صدر الثاني بصيغة التمريض قيل، فكيف يقول: والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية وهو مناسب للثاني المُصدَّر بصيغة التمريض؟
стр. 80
لأنه على التعريف الأول تنحصر الحقيقة باللغوية فقط، وعلى التعريف الثاني يتسع أمر الحقائق وتتنوع إلى ثلاثة أنواع.
الحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية: والحقيقة اللغوية: ما وضعه أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس، والشرعية: التي وضعها الشارع كالصلاة -العبادة المخصوصة- والعرفية: ما وضعها أهل العرف سواء كان العرف عاماً أو خاصاً، والعرف العام: ما تعارف عيه الناس على جميع مستوياتهم وطبقاتهم كالدابة لذات الأربع، وهي في أصل اللغة -حقيقة الدابة اللغوية-: كل ما يدب على وجه الأرض، حقيقتها العرفية في عرف عامة الناس ذوات الأربع، ومثله ما تعارف عليه أهل العرف الخاص -ما اصطلح عليه أهل العرف الخاص- هذه حقائق، كالفاعل عند النحاة، الفاعل عند النحاة حقيقة عرفية، الباب عند أهل العلم -في الكتب - يقولون باب؛ الحقيقة الأصلية للباب اللغوية: ما يدخل ويخرج منه، مثل هذا الباب وذلك الباب وغيرها من الأبواب، هذه حقيقة الباب، ما يدخل وما يخرج منه، لكن الباب في كتب أهل العلم حقيقة عرفية، نعم، لو تقول لشخص عامي: اقرأ الباب، يعرف يقرأ الباب؟ أيش يبى يسوي؟ ماذا يصنع؟ يظنك تقول: اقرع الباب؛ ما يعرف أن هناك باب غير الباب المعروف، لكن هذا عرف عند أهل العلم، وهذا كما تقدم جارٍ على التعريف الثاني للحقيقة، وأما على التعريف الأول فالحقيقة خاصة باللغوية.
وثالثاً إلى مجازٍ وإلى ... حقيقة وحدها ما استعملا
من ذاك في موضوعه وقيل ما ... يجري خطاباً في اصطلاحٍ قدما
أقسامها ثلاثة شرعي ... واللغوي الوضع والعرفي
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أنواع المجاز فقال: والمجاز إما أن يكون بزيادةٍ أو نقصان أو نقل أو استعارة: ثم مثّل للزيادة بقوله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [(١١) سورة الشورى]، والنقصان مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [(٨٢) سورة يوسف]، والمجاز بالنقل: كالغائط فيما يخرج من الإنسان، والمجاز بالاستعارة قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [(٧٧) سورة الكهف].
стр. 81
لما عرف الحقيقة والمجاز وذكر أقسام الحقيقة، أردف ذلك بأنواع المجاز، وذكر أربعةً من أنواعه وهي: المجاز بالزيادة، ومثل له بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: وزعموا أن الكاف هنا زائدة، ومنهم من يتأدب مع القرآن المصون عن الزيادة والنقصان فيقول: صلة، أيش معنى صلة؟
هي زائدة، يعني من حيث الإعراب لا محل لها كصلة الموصول، يشبهون هذه الأمور الزائدة بصلة الموصول الذي لا محل له من الإعراب، زعموا أن الكاف زائدة؛ إذ لو لم تكن زائدة لكانت بمعنى مثل، فيكون التقدير ليس مثل مثله شيئاً، يقولون: وهذا باطل؛ لأنه يلزم منه إثبات المثل لله ؛ إذا قيل: ليس مثل مثله: أثبتنا مثل المثل -على كلامهم- والصحيح أنها ليست بزائدة وإنما ذكرت للتأكيد، فإذا انتفى مثل المثل فانتفاء المثل من باب أولى.
إذا قلت: زيد ما لمثله مثيل، من باب أولى .. ، مثله الذي يشبهه من بعض الوجوه ليس له مثيل، إذن مثله المطابق له من كل وجه من باب أولى.
وشخص رأى مع آخر ثوباً فقال له: اشتر لي مثل هذا الثوب، فاشترى له الثوب نفسه، فرده، قال: أنا قلت لك: اشتر لي مثل هذا الثوب، ما قلت لك اشتر لي هذا الثوب، فتخاصما عند شريح، فألزمه بأخذ الثوب، وقال: ليس شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه.
وهنا نقول: الصحيح أنها ليست بزائدة، وإنما ذكرت للتأكيد، فإذا انتفى مثل المثل فانتفاء المثل من باب أولى؛ مبالغة في نفي المثل.
ثم مثَّل للزيادة بالنقصان بقوله -جل وعلا-: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، قالوا: المراد أهل القرية؛ إذ القرية لا يمكن سؤالها، والصحيح أنه لا حذف؛ فالمراد بالقرية الأبنية بأهلها، القرية: الأبنية -العمران- بأهله، ولا يطلق على العمران مفرداً قرية، فالأهل جزء من القرية، وعلى افتراض أن المراد بالقرية الأبنية سؤالها ممكن، سؤال القرية ذاتها ممكن، كيف؟
فيكون جوابها بلسان الحال؛ يعني ألا يمكن أن تخاطب داراً خربة فتقول: أين أهلك؟ أين أربابك؟ أين من بناك؟ أين من عمرك؟ نعم، ألا يمكن؟ ألم يسأل علي ﵁ القبور؟! والله المستعان.
على كل حال الجواب في مثل هذا يكون بلسان الحال وإن لم يكن بلسان المقال.
стр. 82
ثم مثّل للمجاز بالنقل بكلمة: الغائط، إذ الأصل في الكلمة أنها وضعت للمكان المطمئن فيقصده من أراد قضاء الحاجة؛ ليستتر فيه، فأطلقت على الخارج نفسه من الإنسان، والصحيح أن الغائط حقيقة عرفية، وحينئذٍ لا مجاز.
والمجاز بالاستعارة مثّل له بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، حيث أضاف الإرادة إلى الجدار فشبّه ميله إلى السقوط، شبه ميله إلى السقوط بإرادة السقوط، التي هي من صفات الحي دون الجماد، والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة، والصحيح أنه ليس من المجاز؛ فإرادة كل شيءٍ بحسبه، إرادة كل شيء بحسبه، إرادة المخلوق تختلف عن إرادة الجماد، كما أن إرادة الخالق تختلف عن إرادة المخلوق، إرادة كل شيءٍ بحسبه.
ومعلوم أن بحث مثل هذه الأشياء في الحقيقة والمجاز مجالها ومحلها كتب البلاغة في علم البيان، وتذكر في كتب الأصول؛ لأنها تبحث في دلالات الألفاظ، وهي من أهم المباحث في الأصول.
على كل حال المسألة في الحقيقة والمجاز مسألة طويلة الذيول، والخلاف فيها كبير بين أهل العلم، والذي عليه جمع من أهل التحقيق نفي المجاز، وممن ينفي المجاز شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
من أراد الاطلاع على المسألة بخصها فليرجع إلى (الصواعق) لابن القيم، ورسالة للشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ في منع جواز المجاز، وله أيضاً إجابة عن هذه المسائل أو هذه الأمثلة بخصوصها، له إجابة عنها في مذكرته الأصولية، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 83
شرح متن الورقات (٥)
هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة - تعريف النهي ومقتضاه وصيغه -تعريف العام
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يسأل: يقول في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [(٨٢) سورة يوسف]، ذكرتم في الإجابة عنها أن القرية قد تسأل، ويكون جوابها بلسان الحال .. ؟
وذكرنا أن القرية تطلق ويراد بها العمران بساكنيه، وحينئذٍ يسأل من يمكن سؤاله ويرجى جوابه، وعلى سبيل التنزل، إذا قلنا: إن المراد بالقرية هي العمران فقط، فقد حصل أن علي بن أبي طالب ﵁ سأل القبور، سأل القبور وأهل القبور: "ماذا عندكم؟ أما ما عندنا فهو كذا وكذا"، وقد كان جوابها بلسان الحال، وهنا يقول: ولسان الحال أليس من المجاز؟
نقول: لا، ليس من المجاز؛ بل هو من الحقائق العرفية، حقيقة عرفية.
ذكرتُ أن الأسئلة التي لا علاقة لها بالكتاب تحال إلى الشيخ حفظه الله.
هذا يسأل .. ، وهذا سؤال له علاقة بالأصول وهو الترادف بين الكلمات، الترادف مثل: قعد وجلس، هل نقول: إن معنى الكلمتين واحد تماماً بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر -بين قعد وجلس-؟
من أهل العلم من يقول ذلك، يوجد في اللغة كلمات مترادفة، لكن المحققين من اللغويين وعلماء الشرع يثبتون أن هناك فروق بين الكلمات -فروق دقيقة جداً- وكتاب الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري أكبر مثال على ذلك، يأتي بالكلمتين التين يظن بهما الترادف فيبيّن ما بينهما من فروقٍ دقيقة، فعلى سبيل المثال: الصنف والضرب والنوع والقِسْم، بينها فروق في غاية الدقة، وهناك أيضاً ما بين القعود والجلوس، هناك أيضاً ما بين القيام والوقوف، وهكذا من الفروق.
يقول: هذا يريد حكم الإسبال وبيان حرمته؟
الإسبال: جاء الوعيد الشديد على من جرّ ثوبه، وأن ما كان أسفل من الكعبين ففي النار، وهذا له حكم، ومن جر ثوبه خيلاء له حكم، ويقول بعض الناس: إن ((ما كان من أسفل الكعبين .. )) هذا مطلق، و ((من جر ثوبه خيلاء .. )) هذا مقيّد، والمطلق يحمل على المقيد؟ نقول: لا.
стр. 84
نقول: نعم يحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا في الحكم، وهنا اختلاف في الحكم؛ لأن مجرد جر الثوب له حكم وهو في النار -نسأل الله العافية- وأما جرّه خيلاء له حكم آخر أشد من الحكم الأول، وحينئذٍ في مثل هذه الصورة لا يحمل المطلق على المقيد.
ولو أدركنا في الكتاب شرح الإطلاق والتقييد لبيّنا ذلك بياناً يكفي -إن شاء الله تعالى- لأن للمقيد مع المطلق صوراً أربعاً، إما أن يتحدا في الحكم والسبب، أو يختلفا في الحكم والسبب، أو يختلفا في الحكم دون السبب، أو العكس، أربع صور، ولكل واحدةٍ منها حكمها.
يقول: المحظور يثاب على تركه ويعاقب على فعله، سؤالي: نحن في كل وقت تاركون، هل نجد الثواب مثلاً في هذا الوقت، نحن تاركون السرقة مثلاً؟
إذا تركت المحظور فلا تخلو إما أن تكون تركته عجزاً عنه، أو تكون تركته خشية لله أو تركته غفلةً وذهولاً، ولكل واحد من هذه الصور حكمها، لكن المسلم إذا استصحب أنه ممتثل لأمر الله وأنه منتهٍ عما حرمه الله عليه، وأنه لو أتيحت له فرصة للسرقة مثلاً ما سرق -نوى ذلك وبيّت ذلك- يثاب عليه -إن شاء الله- ولو عزب عن ذهنه.
هذه أسئلة كثيرة عن المجاز، وهل يدخل في الصفات أو لا يدخل؟ لكن ...
يقول: ما رأيكم في تحية المسجد وقت النهي، وهل الأمر مقدم أم النهي في النصوص إذا تعارضت؟
هذه مسألة مهمة جداً، ويقع فيها كثير من الناس، ويحتاج إليها في مثل هذا الوقت؛ لأنه وقت نهي، كثير من الناس يصلي في وقت النهي دون تردد كأن المسألة محسومة، وهذه المسألة من عضل المسائل، وليس الخلاف فيها كما يتصوره بعض الناس أنه من باب العموم والخصوص والخاص مقدم على العام، لا؛ فإذا قال الشافعي مثلاً: "إن أحاديث النهي عامة وأحاديث ذوات الأسباب خاصة".
لغيره أن يقول من الحنفية والمالكية والحنابلة أن يقولوا العكس: "أحاديث ذوات الأسباب عامة وأحاديث النهي خاصة".
إذا قال الشافعي: "أحاديث النهي عامة في جميع الأوقات، وأحاديث ذوات الأسباب خاصة بهذه الصلوات"، للطرف المقابل أن يقول العكس: "أحاديث ذوات الأسباب عامة في جميع الأوقات، وأحاديث النهي خاصة بهذه الأوقات"، وليس قول أحدهما بأولى من القبول من قول الآخر.
стр. 85
والصواب أن التعارض في هذه النصوص من باب العموم والخصوص الوجهي، ولذا فهذه المسألة من عضل المسائل، حتى قال بعض أهل العلم: لا تدخل المسجد في هذه الأوقات؛ لأنه لم يستطع الترجيح.
كيف كان العموم والخصوص وجهياً؟
لارتباط هذه المسألة بما نحن فيه من الأصول أحاديث النهي عامة في جميع الصلوات، خاصة بهذه الأوقات، وأحاديث ذوات الأسباب عامة في جميع الأوقات خاصة بهذه الصلوات، ولا يمكن الترجيح بين النصوص الواردة في هذا وذاك لذاتها؛ لأن النصوص متكافئة، فيطلب مرجح خارجي.
فالذين يقولون: نرجح أحاديث ذوات الأسباب، قالوا: لأن عمومها محفوظ ما دخله تخصيص، وعرفنا أن أحاديث النهي مخصصة لهذا العموم في هذه الأوقات، وأحاديث النهي عمومها غير محفوظ، دخله من المخصصات الكثير، فتُرجح أحاديث ذوات الأسباب على أحاديث النهي.
والذي يلوح لي أن تحية المسجد -وما أشبهها- في الوقتين الموسعين الأمر فيهما سعة، وأما في الأوقات المضيقة الثلاثة التي جاءت في حديث عقبة: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا": ترجح فيها أحاديث النهي؛ لأن النهي عنها لذاتها -لذات الأوقات- وأما النهي عن الصلاة في الوقتين الموسعين فهو من باب منع الوسائل؛ لئلا يمتد الأمر بهذا المصلي فيصلي في الأوقات المضيقة.
فعلى هذا من دخل في مثل هذا الوقت والشمس بيضاء نقية وصلى ركعتين لا ينكر عليه، ولو جلس عملاً بأحاديث النهي لا ينكر عليه.
وتوقف كثير من أهل العلم؛ من أهل العلم من قال: إذا دخل في وقت النهي لا يجلس يستمر واقفاً، ومنهم من قال: لا يدخل المسجد في أوقات النهي، لكن ما جاء في الوقتين الموسعين أخف مما جاء في الأوقات الثلاثة المضيقة، علماً بأن الأوقات المضيقة أمرها يسير، لا يزيد على ربع ساعة، إذا كانت الشمس بيضاء نقية لا بأس صلِّ، بعد صلاة الصبح تصلي إذا دخلت المسجد؛ لأن الوقت موسع، أما عند طلوع الشمس وعند غروبها وحين يقوم قائم الظهيرة فلا، والله المستعان.
يقول: وهل الأمر مقدم أم النهي في النصوص إذا تعارضت؟
стр. 86
معروف قول الأكثر: تقديم النهي على الأمر؛ ((إذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه))، محسوم، أما ((إذا أمرتكم فأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم))، وهذا قول الأكثر.
شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- يرى العكس -أن الأمر مقدم ومخالفة الأمر أعظم من ارتكاب المحظور- ويستدل بأن معصية آدم ارتكاب محظور، ومعصية إبليس مخالفة أمر، ومعصية إبليس أعظم.
لكن ما الذي خفف معصية آدم، وما الذي جعل معصية إبليس عظيمة؟
ما صاحب المعصيتين من غرور واستكبار واستنكاف من إبليس، ومن ندم واستصغار من آدم ﵇.
وعلى كل حال في مثل هذه المسألة لا يجاب بقولٍ مطلق، بل يرجع فيه إلى مقدار هذا الأمر وعظم هذا الأمر المتروك المقرون بالنهي، كما أنه ينظر فيه إلى عظم ارتكاب المحظور بالنسبة للمأمور.
فلو تصورنا شخصاً مطالباً بصلاة الجماعة، وفي طريقه إلى المسجد نساء متبرجات، نقول يلزمك حضور صلاة الجماعة، وغض بصرك، لكن هو مطالب بصلاة الجمعة في المسجد وفي طريقه بغي، ومن وراء هذا البغي ظالم يجبر الناس على مقارفة الفاحشة معها؟ نقول: ترك المأمور أو ارتكاب المحظور؟
طالب:. . . . . . . . .
ترك المأمور أسهل من ارتكاب المحظور، وعلى هذا كل مسألة تقدر بقدرها، فلا يقال بحكمٍ عام مطَّرد في مثل هذا، بل ينظر إلى كل مسألتين متقابلتين من هذا النوع على حده.
يقول هذا -مع أن الوقت طال بنا، وما كنت أنوي أن أجيب عن مثل هذه الأسئلة بحضور شيوخنا لكن .. - هذا يقول: أعشق المناظرات -في أشياء له ارتباط بما مرّ بنا- أعشق المناظرات والجدال لا للعناد، وإنما لقول كلمة الحق، مع علمي بأن المراء العقيم من يتركه يكون قد ضمن له الرسول ﷺ الجنة، ما هي نصيحتكم؟
أولاً: المجادلة مجادلة الخصوم بالحق بالتي هي أحسن مطلب شرعي، مناظرة الكفار بالتي هي أحسن -بالرفق واللين- طلباً للحق وبحثاً عنه، هذا لا شك أنه أسلوب من أساليب الدعوة، هذا مطلوب، وهذا الأسلوب موجود في النصوص من الكتاب والسنة، لكن الجدال لذاته، والمراء لإظهار العلم -لكي يقول الناس: هذا يحسن كذا- فيه ما في غيره من أبواب العلم.
стр. 87
أيضاً لو تعلم من غير جدالٍ ولا مراء؛ ليقال: عالم، صار من أول من تسعّر بهم النار -نسأل الله العافية- أيضاً الجدال الذي لا جدوى من وراءه هذا مذموم، فمن يؤتى الجدل الذي لا فائدة فيه وتميل إليه نفسه لا شك أنه دليل على حرمان العلم والعمل معاً، والله المستعان.
فإذا كانت لديك هذه الملكة فعليك أن تنميها بالأدلة لا بالمعقولات، لا أن تعتمد على الجدل العقلي، نعم هناك آداب للبحث والمناظرة -مراعاة عند أهل العلم- تؤخذ، لكن العمدة الأدلة وفهم السلف لهذه الأدلة، فإذا دخلت في هذا الباب بنيةٍ صالحة وقصدك الحق ملغياً حظوظ النفس، فإنك مأجور إن شاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين ﵀:
والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، والصيغة الدالة عليه (افعل)، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه، ولا يقتضي التكرار -على الصحيح- إلا إذا دلَّ الدليل على قصد التكرار، ولا يقتضى الفور، والأمر بإيجاد الفعل أمر به ..
يكفي ..
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
والأمر استدعاء الفعل: الأمر الذي هو أحد شقي التكليف؛ التكليف إما بأمرٍ أو بنهي، على خلافٍ في التخيير، الذي مقتضاه الإباحة هل هو تكليف أم لا، الأمر عرفه المؤلف بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه: فيخرج بقوله استدعاء الفعل النهي لماذا؟ لأنه استدعاء للترك، كما أنه يخرج به المباح؛ لأنه ليس استدعاء أصلاً، لا فعلاً ولا تركاً.
وقوله: بالقول: يخرج به ما دلّ على طلب الفعل من غير قول كالإشارة، ونصب العلامة، والكتابة، والقرائن المفهمة.
الآن إذا قال الأب لابنه: اذهب، هذا أيش؟ أمر، من الإشارات المفهمة إذا قال الأب لابنه: ... -أيش معناه؟ اذهب، يعني بدون نطق، لو قال لولده باليد هكذا، هل يسمى أمراً أو لا يسمى أمراً على مقتضى كلام المؤلف؟ لا يسمى أمراً.
стр. 88
لو كتب له ورقة -كتابة- لا يسمى أمراً؛ لأنه خصه بالقول، والقول هو ما يتلفظ به –الملفوظ- فلا تدخل الإشارة ولا تدخل الكتابة ولا تدخل القرائن -القرائن المفهمة- ولا يدخل أيضاً في ذلك نصب العلامة، إذا كان للوالد طريقة أنه إذا نزل من مشربته أو غرفته اقتضى ذلك أن يخرج معه الأولاد إلى الصلاة مثلاً أو إلى العمل، هذه قاعدته المطَّردة، هل معنى هذا أنه إذا نزل وتخلف واحد منهم أن يكون قد عصى لمجرد نزوله؟ هذا وإن تضمن الأمر لكنه بالفعل لا بالقول، فهل يأثم من خالف الأمر المفهوم من الإشارة، وهل يأثم من خالف الأمر المكتوب؟
هو لا شك أن دائرة الإخبار أوسع من دائرة القول والتحديث، فإذا قال الرجل لعبيده: من حدثني بكذا فهو حر، من أخبره بكتابة لا يعتق، من أخبره بإشارة لا يعتق، من أخبره بعلامة لا يعتق، بعلامة ولو كانت مفهمة، ولو قال الرجل لعبيده: من أخبرني بكذا فهو حر عتق إذا وجد أي شيءٍ من هذه الأمور، سواء كان بالقول أو بالكتابة أو بالإشارة أو نصب العلامة المفهمة، هذا مقتضى قول المؤلف، لكن هل هو جامع؟ دقيق؟ مخرج لما ذكر؟ يعني لو كتب الأب، أو ولي الأمر أصدر أمر كتابة بدون القول، يلزمه قوله أو لا يلزم كتابة؟
نعم، يلزم، إلا على قوله، لو قال الأب لابنه هكذا وهو يفهم، اذهب، ثم جلس -المسألة مفترضة في شخص يفهم هذه الإشارة، والذي لا يفهم ما يلزم ولا بالقول، الذي لا يفهم، المراد من القول لا .. كما سيأتي.
فلا شك أن الأمر يحصل بالقول والكتابة والإشارة المفهمة، فإذا قال الأب لابنه هكذا يعني اذهب فلم يذهب يكون عاصياً.
وقوله: ممن هو دونه: يخرج به الطلب من المساوي والأعلى، فلا يسمى أمراً إذا زيد مساوٍ لعمرو، قال له: اذهب فاشتر لي، يسمى أمراً أو التماساً؟
يسمونه التماس، وإن كان بصيغة الأمر.
إذا الابن طلب من أبيه أن يشتري له شيئاً، اشتر لي قلماً، اشتر لي كراسةً، اشتر لي كذا، اشتر لي كتاباً، هل هذا يسمى أمراً؟ لا يسمى أمراً، يسمونه سؤال مثل هذا.
стр. 89
إذا قال الله لعباده: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [(٤٣) سورة البقرة]، هذا أمر، لكن إذا قال العباد لربهم: ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [(١٤٧) سورة آل عمران]: ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾: صيغة أمر، لكن هل هذا أمر؟!
هذا دعاء.
على سبيل الوجوب: يخرج به الندب والإباحة، يخرج به الندب والإباحة على ما سيأتي في الأمر بعد الحظر هل يقتضي الإباحة أو لا؟ يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
والصيغة الدالة على الأمر (افعل): مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء]، ومثل هذه الصيغة اسم فعل الأمر، مثل: هاك، بمعنى خذ، نعم، هاك بمعنى خذ.
هاك حروف الجر وهي من إلى ... حتى خلا. . . . . . . . .
يعني خذ هذه الحروف التي تدل على الأمر.
والمصدر النائب عن الفعل -عن فعل الأمر-: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [(٢٣) سورة الإسراء]، يعني أحسنوا إحساناً.
والمضارع المقرون بلام الأمر: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [(٢٨٢) سورة البقرة]، فاللام لام الأمر.
ومثل الصيغة التصريح بلفظ الأمر لا بصيغته، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء]: هذا تصريح بلفظ الأمر، وهو مقتضٍ للوجوب كالأمر، كما في قوله ﵊: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))، والآمر هنا هو الله .
لكن إذا قال الصحابي: "أمرنا رسول الله ﷺ .. "، هل يساوي صيغة افعل؟ "أمرنا رسول الله ﷺ "؟
إذا قال الصحابي: "أمرنا رسول الله ﷺ ": فهذا مرفوع بلا خلاف؛ لذكر النبي ﵊ ولا يتأتى فيه الخلاف في مثل قول الصحابي: أمرنا أو نهينا على ما سيأتي.
هو مرفوع قطعاً، لكن هل قول الصحابي: "أمرنا رسول الله ﷺ "، مثل قوله ﵊: افعلوا كذا؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني: "أمرنا أن ننزل الناس منازله"، هل هو مثل قوله ﵊: ((أنزلوا الناس منازلهم))، وجاء الحديث بهذا وهذا؟
стр. 90
الجمهور على ذلك -على أنه لا فرق- يعني تعبير الصحابي عن صيغة الأمر والنهي بلفظهما لا يختلف عند جماهير أهل العلم، خلافاً لداود الظاهري وبعض المتكلمين، قالوا: لا يقتضي الأمر ولا يقتضي النهي حتى ينقل لنا اللفظ النبوي؛ لسنا مطالبين بألفاظ الصحابة وفهوم الصحابة -على كلامهم- لأن الصحابي قد يسمع كلاماً يظنه أمراً أو نهياً وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهيٍ.
نقول: لا، هذا القول مرذول؛ لأنه إذا لم يعرف السلف من الصحابة الذين عاصروا النبي ﵊ وفهموا مقاصده، ومقاصد الشرع، إذا لم يفهموا مدلولات الألفاظ النبوية من يفهمه؟
نعم، في قوله ﵊: ((رُبَّ مبلّغٍ أوعى من سامع))، لكن (رُبَّ): حرف تقليل، ولا يتصور أن الصحابي يقول: "أمرنا رسول الله ﷺ ومراده ﵊ النهي، أبداً؛ فالصحابة فهمهم مقدم على فهم غيرهم، فقول داود الظاهري وبعض المتكلمين في هذه المسألة مرذول، لا حظَّ له من النظر، أما إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا، فالخلاف في رفعه معروف عند أهل العلم.
"أُمِرْنَا": هل يتصور أن يقول الصحابي: "أمرنا" في مسألةٍ شرعية والآمر غير النبي ﵊؟ ولذا جماهير أهل العلم على أن الآمر هو النبي ﵊ وهو الناهي في المسائل الشرعية، فهو مرفوع، خلافاً لأبي بكر الإسماعيلي والكرخي وغيرهما الذين قالوا: هو موقوف.
قول الصحابي من السنة أو ... نحو أمرنا حكمه الرفع ولو
بعد النبي قاله بأعصُر ... على الصحيح وهو قول الأكثر
على كل حال الذي جرنا إلى هذا كله التصريح بلفظ الأمر.
مثل التصريح بلفظ الأمر، التصريح بالفرض: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر"، أو بالوجوب أو بالكتب: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة]: معناه فُرض، وهذا دال على الوجوب.
стр. 91
وقوله: والأمر بما يدل عليه من الصيغ: سواء كان بصيغة (افعل) أو اسم فعل الأمر، أو المضارع المقرون بلام الأمر، أو ما جاء بلفظ الأمر وما ألحق به، عند الإطلاق وعدم التقييد والتجرد عن القرينة الصارفة التي تصرفه عن الوجوب تحمل عليه -أي على الوجوب- نحو: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ [(٧٢) سورة الأنعام].
لهذا يقول عامة أهل العلم: الأصل في الأمر الوجوب، ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور]، فالوعيد مرتب على مخالفة الأمر، فدل على أن أمره ﵊ للوجوب؛ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [(٦٣) سورة النور].
ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله ﵊: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء))، أو ((عند كل صلاة)): ولا شك أن أمر الاستحباب ثابت وباق إنما المرتفع لوجود المشقة هو أمر الوجوب، أما أمر الاستحباب فهو ثابت.
قد يقول قائل: نجد الأوامر الصريحة وهي محمولة عند جمهور أهل العلم على الاستحباب، ولا نقف على صارف -هذا كثير في كتب أهل العلم- الجمهور حمله على الندب ويقول الظاهرية على الأصل بالوجوب، فما موقف طالب العلم في مثل هذا؟ هل يقول بقول الظاهرية ولو خالفهم الأئمة الأربعة وأتباعهم؟
стр. 92
وقفتَ على مسألة في كتابٍ من الكتب التي تعنى بذكر الخلاف، أو عندك أمر للنبي ﵊ وفي الشروح حمله الجمهور على الندب، وقال بالوجوب الظاهرية، أو وقفت على نهيٍ حمله الجمهور على الكراهة، والتحريم لا يقول به إلا الظاهرية، هذه المسألة تواجه طلاب العلم كثيراً، فمثلاً الأئمة الأربعة وأتابعهم في جهة، والظاهرية في جهة؛ الظاهرية معهم الأصل، وهو أن الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم، والجمهور حمل .. ، تبحث عن صارف ما تجد، فهل تقول بالوجوب بناءً على الأصل ولو لم يقل به إلا الظاهرية، أو تتهم نفسك بالقصور أو بالتقصير عن البحث عن صارف فتقول بما قال به الجمهور ولو خالفت الأصل؟ المسألة كبيرة والأمثلة عليها كثيرة.
هاه، ألا يواجهكم مثل هذا؟
كثير هذا، تجد أمراً وإلا نهياً يقول الظاهرية بالتحريم أو بالوجوب والجمهور على الندب، بما في ذلكم الأئمة الأربعة.
نقول: لا عبرة بقول أحد مع قوله ﵊ والأمر للوجوب والنهي للتحريم، ولو لم يقل به إلا الظاهرية؟ أو نقول بقول الجمهور ونتهم أنفسنا بالتقصير في البحث عن الصارف؟ والمسألة مفترضة في شخصٍ من أهل النظر، لديه أهلية النظر؟
ها يا إخوان؟
المسألة مبنية على الاعتداد بقول الظاهرية، هل يعتد بقول الظاهرية في مسائل الخلاف والاتفاق أو لا يعتد بهم؟
النووي صرح في مواضع من كتبه أنه لا عبرة بقول الظاهرية، ولا يعتد بقول داود، يقول في شرح مسلم في الجزء الرابع عشر (١٤) صفحة تسعة وعشرين (٢٩): "ولا يعتد بقول داود لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد".
стр. 93
ومن أهل العلم من يرى أن قول الظاهرية معتبر ومعتد به بل من أولى من يعتد بهم؛ لاهتمامهم بالنصوص، ولا شك أن المسألة إذا كان عمدتها الدليل -الدليل بمنطوقه- لا شك أن الظاهرية من أولى من يعتد بهم، لكن إذا كانت عمدة المسألة أقيسة أو مفاهيم فالظاهرية لا عبرة بقولهم ولا بخلافهم؛ لأنهم لا يرون شيئاً من ذلك. على كل حال نعود إلى المسألة، كانت المسألة مشكلة عندي جداً أن يكون الأئمة الأربعة وأتباعهم كلهم في جهة والظاهرية في جهة، والظاهرية معهم الأصل، نعم أحياناً الإنسان يتهم نفسه في البحث، لكن إذا استقصى ولا وجد شيئاً ماذا يصنع؟ ما وجد صارف؟
طالب:. . . . . . . . .
يتبع الظاهرية.
طالب:. . . . . . . . .
لو لم يقل به أحد يتبع الأصل ولا الظاهرية؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، إذا لم يقل به أحد فهو إجماع.
طالب:. . . . . . . . .
أنا أقول: إذا لم يقل به أحد فالمسألة محسومة –إجماع- لكن إذا وجد من يقول به ممن يخرج عن المذاهب الأربعة وأتباعهم، دعنا من كلام شيخ الإسلام -إمام معتبر ومن أهل الاستقراء والاطلاع هذه مسألة- لكن أهل الظاهر الذين عندهم مخالفة في الأصول لجماهير الأمة؟
طالب:. . . . . . . . .
يأخذ بالأحوط، يعني يعمل بالوجوب في نفسه ولا يلزم به الناس، أو يقول بالتحريم ويفتي بذلك نفسه، ويكف نفسه ويمتنع ولم لم يفتِ به الناس، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا شك أن الاحتياط مطلوب، لكن الاحتياط إذا أدى إلى ارتكاب محظور أو ترك مأمور فالاحتياط في هذا: الاحتياط، وقد يوجد في بعض الصور.
طالب:. . . . . . . . .
نتعبد لله بأيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم بما تدين الله به أنت، لكن المسألة مفترضة في شخص من أهل النظر، هل يقول: كون الأئمة الأربعة وأتباعهم على مدى قرون كلهم تواطؤوا ولم يوجد من يخالفهم إلا أهل الظاهر، هذا قرينة، وأن هناك صارف ولو لم أطلع عليه، ويتهم نفسه في ذلك، أو يقول: أنا ما عليَّ من أحد، لا أئمة أربعة ولا غيرهم؛ أنا عندي نص، أعمل بالنص ولو لم ... نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يتوقف.
طالب: .... غير العبادات ....
وأيش وجه التفريق بين .. الدين واحد؟
стр. 94
طالب: قال بعضهم عند التوافق يكون في غير العبادات. . . . . . . . .
[كاتبوهم]، [أشهدوا]، في أبواب الآداب الجماهير يحملونها على الاستحباب.
طالب:. . . . . . . . .
ترى الناس. . . . . . . . . صوتك.
طالب:. . . . . . . . .
وهذا هو الأصل إذا كان من أهل النظر لا يسوغ له أن يقلد.
طالب: يعني يبقى على الأصل؟
يبقى على الأصل نعم.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، أنا سألت الشيخ عبد العزيز -رحمة الله عليه- عن هذه المسألة فقال: "يعمل بالدليل ولو لم يقل به إلا الظاهرية"، ولا زالت المسألة مشكلة عندي؛ لأن للأئمة أقدار في نفسي.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه، أنا أقول: هذه الوقفة أوجدها أيش؟ القصور أو التقصير عن البحث عن صارف، قد يكون الصارف في كتابٍ ما وقفت عليه، مثل ما قالوا: لو وجد حديث صحيح صريح عمل الأئمة بخلافه -أجمع العلماء على ترك العمل به- يقولون لا يعمل به. لماذا؟
لوجود ناسخ لهذا الخبر ولو لم نقف عليه.
وقوله: إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب: نحو: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [(٢٨٢) سورة البقرة]، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [(٣٣) سورة النور]؛ لأن المقام يقتضي عدم الوجوب في مثل هذه المعاملات، والنبي ﵊ باع ولم يشهد، فعُلم أن الأمر للندب.
قوله: أو الإباحة: كالأمر بعد الحظر، في مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [(١٠) سورة الجمعة]، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [(٢) سورة المائدة]: للمنع من البيع بعد النداء يوم الجمعة في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [(٩) سورة الجمعة].
وفي مثل قوله -جل وعلا-: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [(٩٦) سورة المائدة]، والذي يختاره بعض المحققين أن الأمر بعد الحظر يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، الأمر بعد الحظر يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 95
هو الذي يختاره بعض المحققين، واختاره ممن اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ونسبه الطوفي في البلبل إلى الأكثرين، ومال إليه -بل رجحه- الشنقيطي رحمة الله عليه.
طالب:. . . . . . . . .
الحظر إنما وجد لعارض، الحظر وجد لعارض، فإذا زال هذا العارض رجع الحكم إلى ما كان عليه قبل هذا الحظر، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [(٩٦) سورة المائدة]، انتهى الإحرام، وحل من إحرامه نقول: حل له الصيد، لكن إن كان الصيد بالنسبة له حلالاً -قبل الإحرام مباحاً- نقول: الصيد حينئذٍ مباح، إن كان الاصطياد والصيد واجباً لضرورته إلى هذا الاصطياد صار الصيد في حكمه واجباً؛ إن لم يصد مات، نقول: يجب عليه أن يصطاد.
إذا كان الصيد في حقه مكروهاً أو محرماً، يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، إذا كان يصطاد هذه الطيور لا لمأكله وإنما هواية، لا يجوز له أن يصطاد، إذا كانت مجرد هواية لا لمأكله؛ وقد جاء النهي عن قتل الحيوان إلا لمأكله، هل يقتل حيوان كذا من غير فائدة؟
قوله: ولا يقتضي التكرار -على الصحيح- إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار: يعني أن صيغة الأمر (افعل) لا تقتضي تكرار الفعل، صيغة الأمر (افعل) لا تقتضي تكرار الفعل، بل إذا فعله المكلف مرة واحدة خرج من عهدته وبرئت ذمته وتم امتثاله؛ لأن الأصل براءة الذمة مما زاد على المرة، يعني لذات الأمر لا لأمرٍ خارج، وهناك أدلة تدل على التكرار يعمل بالتكرار.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]: يعني من صلى على النبي ﵊ في عمره مرة واحدة نقول: برئت ذمته وامتثل الأمر، أو نقول يكرر كلما ذكر ﵊؟
للنصوص الواردة في ذلك يكرر، فإذا دل الدليل على التكرار فهو المتعين.
﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء]، ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [(٤٣) سورة البقرة]: الأمر بالصلاة، إيتاء الزكاة، دل الدليل على أنها تتكرر متى وجدت الأسباب التي ربطت بها، بخلاف الحج مثلاً دل على الدليل على عدم التكرار، وهكذا.
стр. 96
أما الصيغة لذاتها فإنها لا تقتضي التكرار، وقال بعضهم: إنها لا تقتضي التكرار ولا عدم التكرار؛ هي تقتضي وجوب الفعل والتكرار وعدمه هذا من أدلةٍ أخرى.
قوله: ولا تقتضي الفور: أي أن صيغة الأمر لا تقتضي الفور -يعني ولا التراخي إلا بدليل- صيغة الأمر لا تقتضي الفور، نعم، إذا ضاق الوقت وخرج الوقت الذي حدد لهذا العمل، فلا بد من الفور، لا بد من المبادرة. لو قال الأب لابنه بعد صلاة العشاء مثلاً: اشتر خبزاً.
خبز لإيش؟ للعشاء أو للفطور؟
قال: للفطور.
الآن يذهب ليشتري أو الوقت فيه سعة؟
الوقت فيه سعة، فلا يقتضي الفور حينئذٍ؛ لأن المقصود إيجاد الفعل من غير اختصاصٍ بالزمن الأول أو الثاني.
المقصود أنه لا ينتهي الوقت المحدد له، مثل: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء]: أي لزوالها، أقم صلاة الظهر لدلوك الشمس -لزوالها- هل يعني هذا أنك تقيم الصلاة بمجرد الزوال، أو الوقت موسع كما دل عليه الدليل إلى مصير ظل كل شيءٍ مثله؟
المراد بالدلوك أيش؟ هاه؟ دلوك الشمس: زوالها، وقيل له الدلوك لماذا؟ لماذا قيل له الدلوك؟ لماذا قيل للزوال دلوك؟
قالوا: لأن الناظر إلى الشمس في هذا الوقت تؤلمه عينه فيحتاج إلى دلك لهذا، هكذا قالوا.
المقصود أن الصيغة لا تقتضي الفور إلا إذا دل الدليل على ذلك، مثل: ((تعجلوا الحج) على خلافٍ فيه هل هو واجب على الفور أو على التراخي، وأقوال أهل العلم في بابه مبسوطة.
وقال بعضهم: إنه يقتضي الفور، وهذا قول المالكية، وهو أيضاً قول معتبر عند الحنابلة؛ للأمر بالمسارعة والمسابقة: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران]، ﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ [(٤٨) سورة المائدة]، ولا شك أنه أحوط وأبرأ للذمة، لكن الإلزام يحتاج إلى نصٍ قاطع، قال في قرة العين: "وهو مقتضى قول كل من قال إنه يقتضي التكرار".
يقول الناظم: باب الأمر:
وحده استدعاء فعل واجب ... بالقول ممن كان دون الطالب
بصيغة افعل فالوجوب حققا ... حيث القرينة انتفت وأطلقا
لا مع دليل دلنا شرعاً ... على إباحة في الفعل أو ندبٍ فلا
بل صرفه عن الوجوب حتما ... بحمله على المراد منهما
стр. 97
ولم يجب فوراً ولا تكرارا ... إن لم يرد ما يقتضي التكرارا
نعم سم:
والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها، وإذا فُعِل يخرج المأمور عن العهدة.
نعم، الأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة: أمر بالسترة أمر بتحصيل الماء، أمر بقصد المسجد؛ لأداء صلاة الجماعة وهكذا.
وإذا فُعل خرج المأمور عن العهدة: يعني أن الأمر بالشيء أمر به على سبيل الغاية، وأمر بما لا يتم إلا به على سبيل الوسيلة، فالأمر بالصلاة أمر بالطهارة؛ لأنها لا تصح بدونها، سواء كان المأمور به واجباً كما ذكر أو مستحباً كغسل الجمعة عند جمهور أهل العلم -الأمر به على سبيل الندب عند الجمهور- وهو أمر لا يتم إلا بإحضار الماء وتسخينه أو تبريده، إذا كان استعماله لا يتم إلا بذلك، وإيجاب الجماعة في المسجد إيجاب للذهاب إليها، وإيجاب أداء الشهادة إيجاب للذهاب إلى المحكمة وهكذا، وهذا بخلاف الوجوب، يعني ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن ما لا يتم الوجوب إلا به هل هو واجب أو لا؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؛ ليس مما كلف به الإنسان؛ يعني الزكاة لا يتم وجوبها إلا بتحصيل النصاب، لا يتم وجوبها إلا بتحصيل النصاب، هل نقول: على كل مسلم أن يسعى لتحصيل النصاب من أجل أن يزكي؟
لا يجب عليه ذلك، لكن حصل عنده النصاب ووجبت عليه الزكاة، لكنه لا يجد فقيراً إلا بالمسير إليه، يذهب إليه؛ لا يتم وجوب إخراج الزكاة الواجبة عليه إلا بذلك، وفرق بين ما لا يتم الواجب إلا به، وبين ما لا يتم الوجوب إلا به.
وإذا فُعِل: بالبناء للمجهول أي المأمور به حذف الفاعل للعلم به، إذا فعله المكلف خرج المأمور -هذا المكلف- عن عهدة الأمر وبرئت ذمته فلا يطالب به مرةً أخرى؛ إذا فعل على وجهٍ مجزئ مسقط للطلب صحيح تترتب آثاره عليه فإنه لا يطالب به مرةً أخرى، وهذا معنى كونه صحيحاً مسقطاً للطلب.
стр. 98
ولا تلازم بين الصحة والقبول؛ قد يصح العمل ولا يقبل، لا تلازم بين الصحة والقبول؛ إذ قد يصح العمل باستيفاء شروطه وأركانه ولا يكون مقبولاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة]، فالفساق أعمالهم صحيحة وإلا باطلة؟ أعمال الفساق صحيحة وإلا باطلة؟
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: أعمالهم صحيحة، بمعنى أنهم لا يطالبون بها مرةً ثانية، نشوف شخصاً حليقاً وإلا مسبلاً وإلا مرتكبَ محرم صلى، نقول له: لا أعد صلاتك؛ لأن الله .. ، إنما يتقبل الله من المتقين؟!
نقول: صلاتك صحيحة ومجزئة عن الطلب، ونفي القبول هنا المراد به نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر))، لا يقبل الله .. أو ((من أتى عرافاً لم تقبل صلاة أربعين يوماً)): قالوا هذا نفي الثواب المرتب على هذه العبادة، وليس معنى هذا أنهم يؤمرون بإعادتها إذا جاءوا بها على الوجه المشروع.
لكن قد يرد نفي القبول ويراد به نفي الصحة: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ))، نقول: صلاته صحيحة، والثواب المرتب عليها .. ؟! لا لا، هنا المراد به نفي الصحة، لماذا؟ لأن الوضوء شرط للصلاة.
((لا يقبل الله صلاة حائض ٍ إلا بخمار)) كذلك؛ السترة بالنسبة للمرأة اللائقة بها شرط لصحة الصلاة، كما أن سترة الرجل اللائقة به شرط لصحتها.
فإذا جيء بالمأمور مستوفياً الشروط والأركان والواجبات أجزأ وسقط الطلب وترتبت عليه آثاره، أما إذا اختل شرط أو ركن مع القدرة عليه لم يصح، بل تجب الإعادة ولم يسقط به الطلب، وإذا اختل واجب ففي الصلاة مثلاً إن كان عمداً لم تصح وإن كان سهواً جبر بسجود السهو، وفي الحج يجبر بدم سواء كان عمداً أو سهواً، كن الفرق بين المتعمد وغيره أن المتعمد آثم مع إلزامه بالجابر وغير المتعمد معذور.
والأمر بالفعل المهم المنحتم ... أمر به وبالذي به يتم
كالأمر بالصلاة أمر بالوضوء ... وكل شيءٍ للصلاة يفرض
وحيث ما إن جيء بالمطلوب ... يخرج به عن عهدة الوجوب
стр. 99
يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب، والكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [(٤٢ - ٤٣) سورة المدثر].
الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل:
يقول المؤلف: يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، والساهي والصبي والمجنون: الواو هذه عاطفة، أو استئنافية؟
استئنافية؛ والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب: هذه الترجمة المراد بها من يتناوله خطاب التكليف بالأمر والنهي ومن لا يتناوله.
قال في قرة العين: "قال ما لا يدخل"، ترجمة: الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل، "قال: ما لا يدخل تنبيهاً على أن من لم يدخل في خطاب التكليف ليس في حكم ذوي العقول"، لماذا؟
لأن العقل هو مناط التكليف، فعبّر بـ (ما) التي هي في الأصل لغير العاقل تشبيهاً لهؤلاء بغير العقلاء.
لو أخر الناظم هذه الترجمة بعد مبحث النهي لأحسن؛ لأنها متعلقة بالأمر والنهي معاً، فتقديمها على النهي كما فعل المصنف مفضول.
يدخل في خطاب الله تعالى التكليفي المؤمنون المكلفون البالغون، من ذكرٍ وأنثى من الأحرار والعبيد في الجملة، فيدخل الإناث في خطاب الذكور بحكم التبع؛ لأن النساء شقائق الرجال، يقول الله عن مريم ﵍: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم]، فإذا عُبِّر عنها بجمع الذكور على سبيل الاستقلال فدخولها معهم على سبيل التبعية من باب أولى.
وأما الساهي -وهو الغافل- وفي حكمه الناسي فلا يكلف؛ لأن من شرط التكليف فهم الخطاب لما كلف به، وهذا لا يتم إلا بالانتباه، وأما الصبي فهو غير مكلف سواء كان مميزاً أو غير مميز ما لم يبلغ سن التكليف، وأمره بالعبادات قبل التكليف من باب التمرين على العبادة؛ لحديث: ((رفع القلم عن ثلاثة)): وفيهم: ((والصبي حتى يبلغ))، ومثله المجنون للحديث المذكور، ولما ذكرنا من أن مناط التكليف هو العقل، والمجنون لا يعقل.
стр. 100
وأما وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون فهو ليس من باب التكليف بل هو من باب ربط الأسباب بالمسببات، وهو حكم وضعي وليس بحكم تكليفي.
ويؤمر الساهي ومثله النائم -بعد ذهاب الوصف المقتضي للعذر- بقضاء ما فات من الصلاة وضمان ما أتلف من الأموال؛ لوجود سبب ذلك وهو الإتلاف ودخول الوقت.
المغمى عليه: هل هو في حكم المجنون أو في حكم النائم؟
يعني شخص أدخل العناية المركزة لا يعي، هل يؤمر بالقضاء إذا أفاق؛ باعتبار أنه في حكم النائم، أو لا يؤمر بالقضاء باعتبار أنه في حكم المجنون؛ زال عقله؟؟
طالب:. . . . . . . . .
أيوه، والحد الفاصل؟
طالب:. . . . . . . . .
مطلقاً؟ يعني لو أغمي عليه يوم وليلة نقول: حكم المجنون؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني يعفى عما كان في مقدار النوم؟ أو نقول: ما كان في مقدار النوم حكمه حكم النوم فيؤمر بالقضاء وما زاد على ذلك حكمه حكم الجنون؟
طالب:. . . . . . . . .
ارتفع عقله.
طالب:. . . . . . . . .
يعني مثل زوال العقل بالسبب، كشرب الخمر ونحوه، يعني زوال العقل بالتسبب، شخص شرب ما يزيل عقله هذا معاقبةً له يؤمر، هذا قصدك؟
طالب:. . . . . . . . .
هو فاقد العقل بلا شك، ولو نبه لا ينتبه بخلاف النائم، فهو بالجنون أشبه، لكن يبقى أن هناك قضايا حصلت في عهد الصحابة، وجعلوا الثلاثة الأيام هي الحد الفاصل، إذا كان الإغماء ثلاثة أيام فأقل أمر بالقضاء؛ لأن مثل هذا القضاء لا يشق، وألحقوه بالنائم، أما إذا زاد الإغماء عن ثلاثة أيام فهو في حكم الجنون وحينئذٍ لا يؤمر بالقضاء.
ومن زال عقله بسببه -كشرب الخمر مثلاً- فالمسألة خلافية بين أهل العلم، إذا زال عقله بسببه -بسبب منه-فكثير من أهل العلم يقولون: هو مطالب، لمَ يطالب به؟
стр. 101
لأنه هو المتسبب، وليس للإنسان أن يسعى لإسقاط التكاليف، ولذا لو سافر شخص من أجل أن يفطر في رمضان، السفر عذر شرعي، لكن لو سافر من أجل أن يسقط التكليف ما عذر ولا جاز له الفطور، لا يجوز له الإفطار في مثل هذه الصورة، فإذا كان زوال العقل بسببه فإنه حينئذٍ لا يصرف عنه التكليف، ويطالب بكل ما ترك، وتقام عليه الحدود إذا ارتكب ما يقتضي الحد، إذا زنا السكران، قتل السكران، سرق السكران، وهكذا.
ومن أهل العلم من يقول: إن عليه إثم الشرب وليس عليه ما يطالب به العقلاء؛ لأنه في هذه الحالة ليس بعاقل والعقل مناط التكليف.
لكن لا شك أن مطالبته بجميع آثار فعله يردعه عن الإقدام على هذا الفعل، أما بالنسبة لما يتعلق بحقوق الآدميين فهو محل اتفاق مطالب بذلك، وهذا ليس من باب الحكم التكليفي، ليس من باب الحكم التكليفي، إنما هو من باب ربط الأسباب بالمسببات كالصبي والمجنون.
إذا أتلف السكران يلزم بما أتلف، لكن إذا وقع منه ما يوجب الحد فهو محل الخلاف، وفي قصة ماعز: النبي ﵊ قال: ((أشربت خمراً؟ استنكهوه)).
على كل حال المسألة خلافية ومعاقبته قال بها جمع من الصحابة -ترتيب جميع الآثار المترتبة على سكره- قال به جمع من الصحابة؛ ردعاً له، ولئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى إسقاط التكاليف.
المسألة الأخيرة نعم.
والكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [(٤٢ - ٤٣) سورة المدثر]، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده.
مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به -وهو الإسلام- القول بذلك هو الذي جرى عليه المصنف وهو قول جمهور أهل العلم، الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبما لا يتم به ذلك، ما لا يتم إلا به هو الإسلام والإيمان؛ لأن الإسلام والإيمان شرط لصحة هذه الأعمال، فالجمهور على أنهم مخاطبون بالفروع.
стр. 102
والأدلة على ذلك كثيرة، ومن أوضح الأدلة قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [(٤٢ - ٤٣) سورة المدثر]: أول ما بدؤوا به فرع من فروع الشريعة، إضافةً إلى دخولهم في عموم الأوامر والنواهي، لا سيما فيما يُصدَّر بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [(٢١) سورة البقرة].
هم مطالبون أيضاً بما لا يتم ذلك إلا به -كالإسلام إجماعاً- هذا قول جمهور أهل العلم، والقول الثاني: أنهم غير مطالبين بشيء من ذلك -وهو قول الحنفية- ما لم يوجد شرط القبول، وأي معنىً للمطالبة -بمطالبة الكافر للصلاة- إذا كانت لا تصح منه إذا صلى، ولا يؤمر بقضائها إذا أسلم؟
الآن صلاة الكافر فقدت شرطاً من شروط القبول، وهو نية التقرب، والنية شرط لصحة العبادة، ولذا لا نستطيع أن نأمر بالأصل مع عدم الوسيلة، لا نستطيع أن نأمر بالمشروط مع عدم وجود الشرط، لكن يرد على قولهم هذا أننا لا نستطيع أن نأمر بالصلاة غير المتوضئ، فلا نستطيع أن نأمر شخصاً وهو غير متوضئ أن نقول له: صلِّ، بل لا بد أن نقول له: توضأ قبل ذلك، ثم نأمره بالصلاة، وهذا غير وارد.
والقول الثالث: أنهم مطالبون بالنواهي دون الأوامر؛ لأن كفهم عن ارتكاب المحرمات لا يحتاج إلى نية، متوقفة على الإيمان؛ لأنه ترك بخلاف أمرهم بالواجبات فلا؛ لأنها لا تصح بدون نية، والمرجح عند عامة أهل العلم القول الأول -قول الجمهور-؛ لقوة أدلتهم.
القول الثاني: دليلهم أنها لا تصح في حال كفره ولا يطالب بها إذا أسلم، إذن ما الفائدة من قولهم بالتكليف؟ نقول: مخاطبتهم بها، لا يعني أنها تصح بدون الإسلام؛ لقوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [(٥٤) سورة التوبة]، بل زيادة في عقوبتهم في الآخرة، يعاقبون عليها في الآخرة، وكونهم لا يؤمرون بقضائها إذا أسلموا؛ ترغيباً لهم في الإسلام، قال الله -جل وعلا-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [(٣٨) سورة الأنفال].
стр. 103
في قوله ﵊: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))، فهل في هذا ما يدل على إباحتها لهم؟
نكمله غداً إن شاء الله تعالى، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدرس التالي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الأسئلة كثيرة جداً، وهذا آخر درس -كما تعلمون- والكتاب بقيت فيه بقية كبيرة، ولا يمكن إكمال الكتاب بحال بمثل هذه الطريقة حتى ولا في دورةٍ لاحقة -فيما يغلب على الظن- لكنها جرت العادة أننا إذا بقي علينا شيء من كتاب أننا نكلمه ضمن دروسنا في المسجد، ونخصص له يوماً مستقلاً ويحضر أصحاب التسجيل ويسجلون ويبث على الانترنت.
سوف يبث بإذن الله مغرب الثلاثاء من كل أسبوع بدءاً من الأسبوع الثاني في الدراسة، يعني مع بداية الدروس في المسجد، ونخصص له المغرب يوم الثلاثاء -إن شاء الله تعالى- والذي يريد أن يتابع ممن هو بعيد، فعلى موقع لايف إسلام أو .. وأيش اسمه؟
طالب: البث الإسلامي.
نعم، البث الإسلامي ويسمونه لايف، المقصود أن دروسنا كلها تبث على هذا، ومنها تكملة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
يقول: هذا أكثر من سؤال فيه طلب الفرق بين الإجماع والاتفاق؟
الأصل أن لا فرق، ويراد بهاتين الكلمتين نفي الخلاف، إذا قيل: لا خلاف، أو اتفق العلماء، أو أجمعوا على كذا هذا الأصل، لكن يبقى أن لبعض أهل العلم اصطلاحات خاصة، فإذا قال: أجمعوا غير قوله: اتفقوا، صاحب الإفصاح هو ممن ينقل الاتفاق ويريد به اتفاق الأئمة الأربعة، وأما إذا أطلق الإجماع فمرادهم به إجماع جميع المجتهدين من علماء الأمة، جميع المجتهدين، هذا قول عامة أهل العلم.
أبو جعفر بن جرير الطبري يرى أن الإجماع قول الأكثر، لذا تراه في تفسيره يقول: واختلف العلماء في كذا، إما في قراءة آية، يذكر الخلاف، أو في حكم مستنبط من الآية يذكر الخلاف، يقول: اختلفوا في كذا، ثم يذكر قول الأكثر ويذكر من خالف، ثم يقول: والصواب في ذلك عندنا كذا؛ لإجماع القراءة على ذلك، أو لإجماع العلماء على ذلك، وهو بنفسه ساق الخلاف.
стр. 104
على كل حال مسائل الإجماع والاختلاف فيها مصنفات، أما الاتفاق فهو أقل عند بعض أهل العلم مما في الإجماع، وهو نفي الخلاف؛ الأصل فيه أنه مثل نقل الإجماع، أو مثل نقل الاتفاق، إلا أنه يبقى أنه مقرون بعلم الناقل، نفي الخلاف حسب علمه، فيكون حينئذٍ أقل من التصريح بالإجماع.
وقد وقع من كبار الأئمة شيء من هذا، الإمام مالك يقول: "لا أعلم أحداً قال برد اليمين"، مع أن قضاة عصره ابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولون به.
والإمام الشافعي ﵀ يقول: "لا أعلم أحداً قال بوجوب الزكاة في أقل من ثلاثين من البقر"، مع أن القول معروف عن عثمان وابن عباس في العشر.
المقصود أن مثل هذا مرده إلى علم الناقل، أما الإجماع فلا يكاد يصرّح به أحد إلا وهو لا يعرف مخالفاً، اللهم إلا إذا كان ممن يتساهل في نقل الإجماع، يتساهل في نقل الإجماع كالنووي مثلاً، متساهل في نقل الإجماع؛ ادعى الإجماع في مسائل كثيرة الخلاف فيها معروف، بل قد يسوق الخلاف بنفسه، وهذا هو ما جعل الشوكاني يقول: "ونقل هذه الإجماعات تجعل طالب العلم لا يهاب الإجماع".
وعلى كل حال الإحاطة بقول جميع المجتهدين فيه عسر، والله المستعان.
رسالة طويلة جداً تحتاج في قراءتها إلى وقت؛ يمكن أكثر من عشرين سطر ..
على كل حال لو صاحبها يتصل ويجاب بالهاتف أو يحضر للإجابة؛ لأنها تأخذ وقتاً طويلاً.
يقول: الكفار مخاطبون .. ، -هذا من سيرلانكا- يقول: الكفار مخاطبون بفروع الشرع، على هذه القاعدة هل يمكن للمسلم فتح المطاعم نهاراً في رمضان في بلاد الكفار؟
إذا قلنا: إنهم مخاطبون وآثمون بأكلهم في نهار رمضان، فتقديم وتيسير الطعام لهم تعاوناً معهم على الإثم والعدوان، فلا يجوز تقديم الطعام لهم.
وهل يمكن للمسلم إطعام الخادمات الكافرات نهاراً؟
أولاً: إدخال الكافرات في بيوت المسلمين خطر محض، وهذه المسألة مفترضة في غير هذه البلاد التي أمر النبي ﵊ بإخراج الكفار منها، وأنها لا يجتمع فيها دينان، فإدخال الكفار في بيوت المسلمين ضرر محض، وإطلاعهم على عورات المسلمين أشد ضرراً، وعلى كل حال على المسلم أن يتقيَ الله في مثل هذه الأمور، والله المستعان.
стр. 105
وهذا أمر ابتلي به الناس، رغم كثرة المشاكل والمصائب من الخدم والسائقين؛ تاهوا بعض الناس، ووقوع الكوارث، والناس يسمعون ويصدقون ما يقع لا ينكرون، لكن إذا خوطب الشخص في مثل هذا التساهل يأبى إلا أن يكون هو العبرة بدلاً من أن يعتبر بغيره، والله المستعان.
يقول: صار همّ بعض الشباب الكلام في العلماء والتجريح وتتبع عثراتهم، حتى أنهم يطلقون على البعض أنه كذا أو كذا؟
المقصود أن على المسلم أن يحرص على عمله، وأهم ما على الإنسان نفسه، وما يخلصها وينجيها، ويترك الكلام في الآخرين؛ فأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وهذا ملاحظ، بعض الناس إذا اختلفت معه في وجهة نظر انقلبت جميع الحسنات سيئات، ولا يقبل منك صرفاً ولا عدلاً.
يا أخي هذه وجهة نظر، يمكن هو المصيب وأنت المخطئ، ويبقى أن الإسلام -ولله الحمد- فيه شيء من السعة وفيه مجال للاجتهاد، إلا ما وردت فيه النصوص، والإنسان مأجور على اجتهاده ولو أخطأ ولله الحمد، وهذا من سعة رحمة الله .
فالمسلم عليه أن يحرص على المحافظة على أعماله الصالحة التي سعى في جمعها، ولا يكون مفلساً، فالمفلس من يأتي بأعمال في روايةٍ: ((كالجبال، صلاة وصيام وصدقة وبر وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، ثم يوزعها -يعطي فلان وفلان وفلان وعلان- فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا انتهت الحسنات يضاف إليه من سيئاتهم))، نسأل الله السلامة، والحديث في الصحيح، والله المستعان.
على كل حال أعراض المسلمين -كما قرر أهل العلم- حفرة من حفر النار، فليتق الله طالب العلم على وجه الخصوص، ولا يجعل نفسه حكماً على العباد.
والجرح والتعديل بالنسبة للرواة على خلاف الأصل؛ لأن الأصل المنع، لكن العلماء أجازوه -بل أوجبوه- للضرورة الداعية إليه، فلولا الجرح والتعديل لم يعرف الصحيح من الضعيف، لكن ما الداعي إلى أن يقال: فلان وفلان وفلان؟
لا مانع أن ينبه الإنسان على الخطأ، وأن يقال: فعله كذا خطأ، منهج شيخ الإسلام ﵀ التشديد على البدع وأهلها، والرد على المبتدعة بقوة، وتفنيد أقوالهم، لكن إذا جاء للأشخاص وهم متلبسون بهذه البدع التمس لكثير منهم الأعذار.
стр. 106
فرق بين أن تتكلم عن الفكرة وأنها مخالفة للشرع بدليل كذا وكذا، إذا كان في أدلة، أما إذا كانت وجهات نظر فتبيّن رأيك ولا تفرضه على أحد، والله المستعان.
يقول: هل لكم دروس في الأصول؟
كان لنا درس في شرح مختصر الروضة في يوم الاثنين مع الروض المربع.
في أي مسجد؟
يقولون له: مسجد أبا الخيل في حي السلام، المقصود أن الجدول موجود في كثير من الأماكن، ومنشور بالانترنت وغيره، ومعلق في كثيرٍ من المساجد.
يقول: هل يصح تنبيه الساهي حال ارتكابه يعني محظوراً، فمثلاً إذا كان صائماً في رمضان وجده شخص يأكل أو يشرب؟
نعم، يلزمه أن ينبهه؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى، ومثله إذا وجد شخصاً يعبث بلحيته، أو يفعل شيئاً محرماً وهو ساهي ينبهه.
يقول: لا شك في فضل طلب العلم وأهله، ولكن ما رأيكم بمن يقوم للدرس بعد الصلاة قبل الأذكار؟
بعض من يتصدر لتعليم الناس يفعل هذا فيقوم بعد الصلاة مباشرةً؛ لكي يضمن بقاء الناس في أماكنهم ويعرفون أنه في درس، وهذا في الغالب يكون في الكلمات القصيرة التي تقال بعد الصلوات؛ لئلا ينصرف الناس، وهذه وجهة نظر، هذا خير وهذا خير، لكن الدروس الثابتة المعروفة التي جاء الناس من أجلها، العبادات المرتبة بوقت والتي يفوت وقتها مقدمة على الأمور المطلقة، فلا بد من الإتيان بجميع الأذكار المتعلقة بالصلاة ثم البدء بالدرس.
هذا يسأل عن الدروس التي تدرس في المسجد، أين وصلتم فيها؟
المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ بعض الكتب من عشر سنين أين وصلنا، والله المستعان، على كل حال الجدول موجود ومعلق في المساجد وهو أيضاً منشور في الانترنت.
هذا يقول: خاص لا يفتحه غيركم: رجل عنده قوة وشجاعة وذكاء، وعنده أيضاً إقبال في طلب العلم وفقه في المسائل فهل الأفضل في حقه الجهاد أو طلب العلم؟
стр. 107
على كل حال، الكل خير، والجهاد إذا تعيّن لا يعدله شيء، أما إذا لم يتعيّن فطلب العلم أمر مهم، إذ به يعرف كيف يؤدي العبادة المسقطة للطلب، الموصلة إلى مرضات الله . وأجوبة النبي ﵊ عن سؤالٍ واحد -هو أفضل الأعمال- جاءت متفاوتة من شخصٍ إلى آخر، فيسأل ﵊ عن أفضل الأعمال، فيجيب بجواب، ويسأله آخر يجيبه بجوابٍ آخر، يسأله ثالث وهكذا؛ وسبب ذلك اختلاف أحوال السائلين، فإذا كان الشخص لديه قوة وشجاعة وإقدام، وفي النواحي الأخرى فيه ضعف، في إدراكه وفهمه وحفظه أقل نقول: الجهاد، وإذا كان العكس: شخص عنده قوة في الحفظ وفي الفهم ولديه استعداد لتحمل العلم وفي بدنه شيء من الضعف نقول: عليك بطلب العلم؛ هذا أفضل الأعمال، إذا كان لا هذا ولا ذاك نوجهه إلى النفع الآخر الخاص أو العام المتعدي أو اللازم، وعلى كل حال الأمور تقدّر بقدرها، فأما الجهاد إذا تعيّن، بأن دهم العدو البلد، أو استنفره الإمام أو حضر الصف، فإنه حينئذٍ لا يعدل عنه إلى غيره، والله المستعان.
يقول: ما الفرق بين كلٍ من العام والخاص والمطلق والمقيد؟ والعموم والخصوص؟
هذه هي المسائل التي نبحثها الآن، لكن قد لا يدرك السائل جواب هذا السؤال؛ لأنه قد يكون في دروسٍ لاحقة، نقول: العام والخاص، والمطلق والمقيد، العام: يأتي ذكره أنه ما يشمل شيئين فصاعداً، وأما الخاص: فهو يشمل شيئاً واحداً أو أشياء محصورة.
والمطلق: إذا عرفنا الفرق بين العموم والإطلاق والتقييد والتخصيص انحل لنا كثير من الإشكالات، فالتخصيص: تقليل لأفراد العام والتقييد: تقليل لأوصاف المطلق، وهذا سيأتي كله -إن شاء الله تعالى- بأمثلته وصوره.
شخص سرق من أموال الناس قبل بلوغه، فهل يردها بعد بلوغه؟
نعم، يلزمه ردها؛ لأن هذا ليس من باب التكليف نقول هو ما كلف، هو من باب ربط الأسباب بالمسببات، وجنايات الصبي والمجنون مضنونة.
ذكرتم أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ... تعريف الركن؟
стр. 108
الركن مثل ما سمعنا من كلام الشيخ -حفظه الله- أنه جانب الشيء الأقوى، والفرق بين الشرط والركن أن الشرط خارج الماهية، بينما الركن داخل الماهية، ونوضح ذلك بالمثال: تكبيرة الإحرام عند الجمهور ركن وعند الحنفية شرط، الفرق بين القولين تصح بدون تكبيرة الإحرام عند الجمهور؟ لا؛ لأنها ركن، تصح بدون تكبيرة الإحرام عند الحنفية؟ لا؛ لأنها شرط، تسقط مع السهو؟ لا تسقط، لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، تسقط بالنسيان لا؛ لأن النسيان لا ينزل المعدوم منزلة الموجود كما هو مقرر عند أهل العلم، بينما العكس صحيح، ينزل الموجود منزلة المعدوم، إذن ما الفرق بين قول الحنفية وقول الجمهور؟
طالب:. . . . . . . . .
خارج الماهية، أيش يترتب على هذا؟ هل معنى هذا أنك تكبر الإحرام في بيتك وتجي تصلي مع الناس مثل ما تتوضأ في بيتك؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، طيب وأيش الفرق؟
طالب: خلاف لفظي؟
خلاف لفظي ما فيه فائدة، نعم؟
أيش رأيك في من كبر وهو حامل نجاسة؟ نفترض أن هذه متنجسة، وقال: الله أكبر، ووضعها مع نهاية التكبير، صلاته صحيحة وإلا باطلة؟
طالب:. . . . . . . . .
صحيحة عند الحنفية لماذا؟ لأنه حمل النجاسة خارج الصلاة، بينما عند الجمهور صلاته باطلة؛ لأن حمله النجاسة داخل الصلاة، والمسائل المرتبة على هذا كثيرة، والوقت ما يسمح ببسط أكثر من هذا.
اللهم صل على محمد.
سم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين ﵀:
والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، ويدل على فساد المنهي عنه، وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين.
وأما العام: فهو ما عمّ شيئين فصاعداً من غير حصر، وألفاظه أربعة: الاسم المعرف بالألف واللام، واسم الجمع المعرف باللام، والأسماء المبهمة كـ (من) فيمن يعقل، و (ما) فيما لا يعقل، و (أيّ) في الجميع، و (أين) في المكان، و (متى) في الزمان، و (ما) في الاستفهام والجزاء وغيره، و (لا) في النكرات، والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه.
стр. 109
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول -رحمه الله تعالى-:
والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده: اختلف العلماء في هذه المسألة -في الأمر بالشيء- هل هو عين النهي عن ضده؟ بعد اتفاقهم أن صيغة النهي شيء، وصيغة الأمر شيء مختلف تماماً عنه، فـ (قم) غير (لا تقعد) تماماً؛ فهذا شيء وهذا شيء، لكن هل هو عين النهي عن ضده، هل إذا قيل لك: (قم) هل هو عين النهي عن القعود أو هو غيره؟ أو هو من مقتضياته ومستلزماته؟
المسألة خلافية، فالأمر بالحركة هل هو عين الكف عن ضده -وهو السكون- أو لا؟ الأمر بالثبات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ [(٤٥) سورة الأنفال]، هل هو عين النهي عن الفرار؟
يعني لو لم يرد النهي عن الفرار، وأنه من الموبقات، نستفيد النهي من الفرار في هذا اللفظ أو من لفظ الآية، أو هو مما يستلزمه امتثال الأمر في الآية؟
والصواب أن الأمر بالشيء ليس هو عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه؛ لأن طلب الشيء طلب له بعينه وطلب لما لا يتم إلا به، فلا يتم الثبات المأمور به إلا بعدم الفرار وهكذا، وهذا الذي قرره شيخ الإسلام وابن القيم ورجحه الشنقيطي ﵀.
والنهي عن الشيء: -عكس هذه المسألة- قرر المصنف بأنه أمر بضده، قال: والنهي عن الشيء أمر بضده: وهذا إذا لم يكن له إلا ضد واحد، وهو نظير ما تقدم في الأمر بالشيء في المسألة السابقة.
نقول: إنه من مقتضياته مستلزماته، إذا لم يكن له إلا ضد واحد، وإذا كان له أضداد متعددة فالنهي عنه أمر لجميع أضداده أو بواحدٍ من أضداده؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، هو أمر بأحد أضداده؛ النهي عن القيام، إذا قيل: لا تقم، هل معنى هذا أنك لا بد أن تقعد؟ أو يسوغ لك أن تضطجع؟ إذا قيل لك: لا تقم، يحصل الامتثال بأحد الأضداد، كذا وإلا لا؟
стр. 110
المقصود أنك لا تفعل ما نهيتَ عنه، فأنت مأمور بأحد أضداده الذي يتم به الامتثال، ((إذا دخل أحدكم فلا يجلس))، ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)): الجلوس له ضد واحد أو أضداد؟ يعني إن استمر قائماً يدخل في النهي وإلا ما يدخل؟ إذا اضطجع؟ إذا دخل المسجد يضطجع، الرسول يقول: "لا تجلس"، أنا ما جلست؟ نعم، يدخل؟!
نعم، إذا دخل المسجد واضطجع عند الظاهرية معروف رأيهم أنه أيش؟ له أن يضطجع؛ لأنه منهي عن الجلوس ما نهي عن الاضطجاع؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، نقول: الاضطجاع جلوس وزيادة، بل هو من باب أولى، يقال: مقياس الأولى، أو نقول: مفهوم الموافقة؟
طالب:. . . . . . . . .
جلوس وزيادة، فهو من باب قياس الأولى، هذا الذي عليه الأكثر، لكن عرفنا رأي الظاهرية أنه منهي عن الجلوس وما عداه له ذلك.
والمسألة -مسألة فعل ذوات الأسباب-ومعارضتها تحتمل درس كامل يا إخوان، لا تحسبون أنه من السهولة بمكان بحيث يجاب عنها بدقيقة أو دقيقتين أو خمس دقائق؟ لا.
تحتاج إلى بسط؛ لأنها مشكلة عند كثير من أهل العلم بل هي من عضل المسائل، وكثير ممن ينتسب إلى العلم من طلابه يتساهلون في هذا، خاص وعام، والخاص مقدم على العام، حتى نجد من يدخل قبيل الغروب بدقيقة أو دقيقتين فيصلي، يعني الأمر عنده من السهولة بحيث صار خاصاً وعاماً وانتهى الإشكال، والله المستعان.
ففي قوله ﵊: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)): هذا نهي عن الجلوس إلى الغاية المذكورة وهي الصلاة، فهل المراد به استمرار القيام أو يكفي الاضطجاع، كما يقول الظاهرية؟ لكن المراد شغل البقعة بالصلاة؟ ولذا تحصل الصلاة بأي صلاة إذا كانت بالعدد المذكور، يعني لو جاء شخص بعد صلاة العشاء وقال: الرسول ﵊ يقول: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))، أنا أصلي ركعة واحدة وتراً، أو ثلاث ركعات، يتم الامتثال وإلا ما يتم؟ يتم وإلا ما يتم؟ بركعة واحدة يتم؟ والرسول يقول: حتى يصلي ركعتين؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف يتم؟
طالب:. . . . . . . . .
следующие страницы →