← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حسن، وأقل من خمسٍ لا يرمي أحد، وأحبُّ إليَّ سبعٌ» (١)؛ لما روى سعد ﵁ (٢): قال: «رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول: رميت بستٍّ، وبعضنا يقول: رميت بسبعٍ، فلم يَعِبْ ذلك بعضنا على بعض» رواه الأثرم (٣). وعنه: أن استيفاء السَّبع شرطٌ (٤)؛ لأن النبي ﷺ رمى بسبعٍ، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٥). (٦) فعلى هذه الرواية (إن أخَلَّ بحصاةٍ من الأولى لم يصِحَّ رمي الثانية، فإن لم يعلم من أي الجمار تركها، حَسَبها من الأولى، ليسقط الفرض بيقين) (٧). (فإن أخَّر الرَّمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه) وقد ترك السنَّة، ولا شيء عليه. (لكنَّه يقدِّم بالنية) رَمْيَ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث؛ لأن أيام التشريق كلها وقتٌ للرمي فجاز تأخيره إلى آخر وقته كتأخير الوقوف بعرفة

стр. 1052

إلى الليل، وإنما وجب الترتيب بالنية؛ لأنها عباداتٌ يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها، فوجب مع فعلها مجموعةً كالصلوات. [١١٧٣/ ٤٤] مسألة: (وإن أخَّره عن أيام التشريق، أو ترك المبيت بمِنًى في لياليها، فعليه دم)؛ لأنه ترك نسكًا واجبًا. (١) (وفي حصاة أو ليلةٍ واحدةٍ ما في حلق شعرةٍ)، وقد مضى دليله في محظورات الإحرام (٢). (٣) [١١٧٤/ ٤٥] مسألة: (وليس على أهل سقاية الحاج والرعاء مبيتٌ بمِنًى)؛ لحديث ابن عمر ﵁ في الرخصة للعباس (٤)، وقال عاصم بن عدي ﵁ (٥): «رخَّصَ رسول الله ﷺ لرعاء الإبل أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما» (٦) حديثٌ

стр. 1053

صحيحٌ، ولأنهم يشتغلون بالرعاية واستقاء الماء فرخص لهم لذلك. وكل ذي عذرٍ من مرضٍ، أو خوفٍ على نفسه أو ماله، كالرعاء في هذا؛ لأنهم في معناهم. لكن (إن غربت الشمس عليهم بمِنًى لزم الرعاةَ البيتوتةُ دون أهل السقاية)؛ لأن الرعاة رعيهم بالنهار، فلا حاجة لهم إلى الخروج ليلًا، فهم كالمريض تسقط عنه الجمعة، وإن حضرها وجبت عليه، وأهل السقاية يسقون في الليل فلم يلزمهم المبيت. [١١٧٥/ ٤٦] مسألة: (ويخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبةً يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم)؛ لما روي عن رجلين من بني بكر قالا: «رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته» أخرجه أبو داود (١)، ولأن بالناس حاجةً إلى أن يعلمهم ذلك، فشرعت الخطبة فيه كيوم عرفة. [١١٧٦/ ٤٧] مسألة: (فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس، فإن غَرَبَتْ وهو بها لزمه المبيت والرمي من الغد)، وذلك أنه إذا رمى اليوم الثاني فأحب أن ينفر نَفَر قبل غروب الشمس، وسقط عنه المبيت تلك الليلة والرمي بعدها، وإن غربت وهو في مِنًى لزمته البيتوتة والرمي من الغد بعد الزوال؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، واليوم اسم لبياض النهار. [١١٧٧/ ٤٨] مسألة: (فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف، إذا فرغ من جميع أموره)؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال:

стр. 1054

«أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» متفق عليه (١)، ويجعل الطواف في آخر أمره ليكون آخر عهده بالبيت. (فإن ودَّع واشتغل في تجارةٍ أو إقامة لزمه إعادته)؛ للخبر، وإن صلى في طريقه أو اشترى شيئًا لم يُعِدْه؛ لأن هذا لا يخرجه عن كونه وداعًا. [١١٧٨/ ٤٩] مسألة: (ومن أَخَّرَ طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع)؛ لأنه يحصل به المقصود منه، فأجزأ عنه كما أجزأ طواف العمرة عن طواف القدوم، وصلاة الفرض عن تحية المسجد. (٢) [١١٧٩/ ٥٠] مسألة: (فإن خرج قبل الوداع رجع إليه) ما كان قريبًا يمكنه الرجوع؛ لأنه أمكنه الإتيان به من غير مشقةٍ، فلزمه كما لو كان بمكة. [١١٨٠/ ٥١] مسألة: (وإن لم يمكنه الرجوع فعليه دمٌ، إلا الحائضَ والنفساء لا وداع عليهما)؛ لقول ابن عباس ﵁: «أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» متفق عليه (٣)، والنفساء في معناها. (٤) [١١٨١/ ٥٢] مسألة: (وإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن

стр. 1055

والباب، فيلتزمه ويلصق به صدره ووجهه، ويدعو الله تعالى)؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطها بسطًا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله (١). قال بعض أصحابنا: (ويقول في دعائه: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسَيَّرتَني في بلادك حتى بَلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رَضِيتَ عني فازدد عني رضا، وإلا فَمُنَّ الآن (٢) قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحِبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خير الدنيا والآخرة، إنك على كل شيءٍ قدير، ويدعو بما أحب، ثم يصلي على النبي ﷺ ، إلا أن المرأة إذا كانت حائضًا لم تدخل المسجد، ووقفت على بابه فدعت بذلك)؛ لأن الجُنب ممنوع من دخول المسجد بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] والحائض في معناه.

стр. 1056

قال أحمد ﵀: «إذا ودَّع البيت يقوم عند الباب إذا خرج ويدعو، فإذا ولىَّ لا يقف ولا يلتفت ولا يقوم، فإن التفت رجع فودع» (١). وروى حنبل في مناسكه عن المهاجر (٢) قال: «قلت لجابر بن عبد الله ﵁: الرجل يطوف بالبيت ويصلي، فإذا انصرف خرج ثم استقبل البيت فقام؟ فقال: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصارى!» (٣)، قال أحمد: «أكره ذلك». (فإذا فرغ من الحجِّ استحب له زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه ﵄، قال أحمد في رواية عبد الله: «عن يزيد بن قسيط (٤) عن أبي هريرة

стр. 1057

أن رسول ﷺ قال: «ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇» (١) (٢). ويروى عن العُتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداءُ لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم

стр. 1058

فقال: يا عتبي اِلْحَقِ الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له (١). (٢) ثم تأتي القبر، فتولي ظهرك القبلة، وتستقبل وسطه، وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت

стр. 1059

لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة، وعَبَدْتَ الله حتى قبضك إليه، فصلى الله عليك كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى. اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه المقام الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد - كما يصلي عليه في التشهد -، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٦٤]، وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي مستشفعًا بك إلى ربي، فأسألك يا رب أن تغفر لي كما غفرت لمن أتاه في حياته، اللهم أدخلني في شفاعته، واجعله أول الشافعين، وأكرم الأولين، وأنجح السائلين. ثم تَقَدم قليلًا وقل: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر بن الخطاب، السلام عليكما يا صاحبَي رسول الله ورحمة الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك ﷺ ، ومن حَرَمِ مسجدك، يا أرحم الراحمين. (١) ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي ﷺ ، ولا يُقَبِّلُه، قال أحمد:

стр. 1060

«ما أعرف هذا» (١)، قال أحمد: «رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يَمَسُّون قبر النبي ﷺ ، يقومون من ناحيةٍ فيسلمون» (٢)، قال أبو عبد الله: «وهكذا كان ابن عمر يفعل (٣)» (٤). قال: «أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه [ابراهيم بن] عبد الرحمن بن عبد القاريُّ (٥) أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد رسول الله ﷺ من المنبر ثم يضعها على وجهه (٦)» (٧).

стр. 1061

فصلٌ في صفة العمرة (من كان في الحرم خرج إلى الحلِّ فأحرم منه، والأفضل أن يحرم من التنعيم)؛ لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمِر عائشة ﵂ من التنعيم (١). [١١٨٢/ ٥٣] مسألة: (فإن أحرم من الحرم لم يَجُزْ، وينعقد، وعليه دمٌ)؛ لأنه أحرم من دون ميقاته، فلزمه الدم كما لو جاوز الميقات غير مُحرمٍ ثم أحرم من دونه. (ثم يطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حلَّ)؛ لأن هذه أفعال العمرة، فحلَّ بأفعالها كما يحل من الحج بتمام أفعاله. (وهل يَحِلُّ قبل الحلق أو التقصير؟ على روايتين:)، أصلهما: هل الحلق والتقصير نسكٌ أو ليس بنسكٍ؟ وقد مضى توجيههما (٢). فإن قلنا إنه نسكٌ لم يَحِلَّ قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسكٍ حلَّ قبله كاللُّبس والطيب. (٣) [١١٨٣/ ٥٤] مسألة: (وتجزئ عمرة القارن، والعمرة من التنعيم، عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين)؛ لأنها عمرةٌ صحيحةٌ فأجزأت كعمرة التمتع، وفي سنن سعيد قال هشام (٤): «فكان أبي يقول: قضى الله

стр. 1062

حجها وعمرتها، ولم يكن في شيءٍ من ذلك صيام ولا هدي» (١). وعنه: لا تجزئه (٢)؛ لأنها ليست بعمرةٍ تامةٍ؛ لأن عمرة القارن لا يطوف لها، وعمرة التنعيم إنما هي من ثلاثة أميال. (٣) وثوابها على قدر نفقتها، كذلك روي عن النبي ﷺ (٤)، وفي سنن سعيد فقالت عائشة ﵂: «له من الأجر على قدر نفقته ومسيره» (٥). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «والله ما كانت عمرة، إنها كانت زيارة» (٦)، وإذا لم تكن تامةً لم تُجزه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال عمر بن الخطاب ﵁: «إتمامهما أن يفصل

стр. 1063

بينهما، فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج» (١)، وهو قول الحسن وعطاء (٢)، قال علي ﵁: «إتمامهما أن تأتي بهما من دون دويرة أهلك» (٣). (أركان الحج: الوقوف بعرفة)؛ لقوله ﵇: «الحج عرفة» رواه الترمذي (٤)، ولأن ركن الشيء لا يتم إلا به، ولو فاته الوقوف فاته الحج. (وطواف الزيارة)؛ لأن الله قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولأنه فعلٌ لا يخرج من العبادة إلا به، فكان ركنًا كالسلام في الصلاة. (وعنه: أن الأركان أربعة: الوقوف، والطواف، والإحرام، والسعي (٥) أما الإحرام فلأنه عبارة عن نية الحج فلا يتم بدونها؛ لقوله:

стр. 1064

«الأعمال بالنية» (١)، وكسائر العبادات. وأما السعي فلأنه قد روي عن عائشة أنها قالت: «لعمري ما أتم الله حجَّ من لم يطف بهما» (٢) تعني: الصفا والمروة، ولأن النبي ﷺ : «أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت ويسعوا بين الصفا والمروة» رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵁ (٣). (وعنه: أنه سنة (٤) (٥)؛ لهذا الخبر (٦). (٧)

стр. 1065

(وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة، إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمِنًى، والرمي، والحلاق، وطواف الوداع، وقد مضت أدلة ذلك في مواضعها، وما عدا هذا سننٌ). (وأركان العمرة: الطواف، وفي الإحرام والسعي روايتان) على ما

стр. 1066

ذكرنا في الحج. (١) (وواجباتها: الحلاق في إحدى الروايتين)، بناءً على الحلاق في الحج (٢). (فمن ترك ركنًا لم يتم نسكه إلا به)؛ لأن ركن العبادة ما لا يتم إلا به. (ومن ترك واجبًا فعليه دمٌ)؛ لأنه ترك الواجب من واجبات الحج المختصة به فأوجب الدم كالحلاق، ولقول ابن عباس ﵁: «من ترك نسكًا فعليه دم» (٣). (ومن ترك سنةً فلا شيء عليه)؛ لأنها ليست واجبةً، فلا يجب جبرها كسنن سائر العبادات. * * *

стр. 1067

باب الفوات والإحصار [١١٨٤/ ١] مسألة: (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج، ويتحلل بطواف وسعي)؛ لما روى جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْعٍ» رواه الأثرم (١). وعليه أن يتَحلَّلَ بأفعال العمرة، وهي طوافٌ وسعيٌ وتقصيرٌ (٢)؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃ (٣)، قال عمر

стр. 1068

﵁ لأبي أيوب ﵁ حين فاته الحج: «اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت» (١). وقال ابن أبي موسى: «يمضي في حجٍّ فاسدٍ» (٢) يعني: أنه يلزمه المبيت والرمي. والصحيح الأول؛ لقول الصحابة ﵃، ولأن المبيت تبعٌ للوقوف فيسقط بسقوطه. (وعنه: ينقلب إحرامه بعمرةٍ (٣)؛ لحديث عمر ﵁ (٤). (٥)

стр. 1069

(ويجب عليه القضاء)؛ لأنه حجٌّ لزمه إتمامه، فليزمه قضاؤه كحجة الإسلام، ويلزمه القضاء على الفور؛ لذلك. (وعنه: لا قضاء عليه إن كانت نفلًا (١) (٢)؛ لأنه تطوعٌ، فلا يجب عليه قضاؤه كسائر التَّطوعات، وإن كانت فرضًا فعلها بالوجوب السابق قياسًا على سائر العبادات. والمذهب الأول؛ لأنه قول الصحابة المسمَّيْنَ ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، ولأن الحجَّ يلزم بالشروع فيلزم قضاؤه كالمنذور بخلاف غيره. (٣) وتجزئه عن الحجة الواجبة بلا خلاف (٤)؛ لأن الحجة لو تمت لأجزأت عن الواجبة فكذلك قضاؤها؛ لأنه يقوم مقام الأداء. [١١٨٥/ ٢] مسألة: (وهل يلزمه هديٌ؟ على روايتين: إحداهما: يلزمه، والأخرى: لا يلزمه (٥)، لأنه لو لزمه هديٌ لزم المحصرَ هديانِ

стр. 1070

بالفوات والإحصار. والصحيح الأول؛ لأنه قول الصحابة المسمَّين، ولأنه حلَّ من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هديٌ كالمحصر. (١) (ويخرجه في سَنَةِ القضاء)؛ لما روى سليمان بن يسار: «أن هبار بن الأسود (٢) حجَّ من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر: انطلق إلى البيت فطف به سبعًا، وإن كان معك هديةٌ فانحرها، ثم إذا كان عامٌ قابلٌ فاحجج، وإن وجدت سعةً فأهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعت إن شاء الله» رواه الأثرم (٣). (وإن قلنا لا قضاء عليه ذبحه في عامه). وإن عدم الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع؛ للخبر (٤). [١١٨٦/ ٣] مسألة: (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك)؛ لأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء فيشق. (وإن أخطاء بعضهم فقد فاته الحج)؛ لأنه لتفريطه، وقد روي أن عمر ﵁ قال لهبار: «ما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم يوم

стр. 1071

عرفة» (١)، فلم يعذر بذلك. [١١٨٧/ ٤] مسألة: (ومن أحرم فحصره عدوٌّ (٢) من المسلمين فمنعه المضيَّ فالأفضل التحلُّلُ وترك قتاله؛ لأن التحلُّلَ أسهل من قتال المسلمين، وإن أراد قتاله لم يجز إلا أن يبدأ بالقتال؛ لأن النبي ﷺ لم يقاتل الذين حصروه (٣). وإن كان مشركًا يغلب على ظن المحرم الظفر استحب القتال؛ ليجمع بين الجهاد والحج، وإن غَلَبَ على ظنِّه خلاف ذلك استحب الانصراف صيانةً للمسلمين عن التَّغرير. ثم إن وجد طريقًا آمنًا لم يجز له التَّحلل، قَرُب أم بَعُد؛ لأنه قادرٌ على أداء نسكه فأشبه من لم يحصر، فإن كان لا يصل إلا بعد الفوات مضى وتحلَّلَ بعمرةٍ. (فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيام ثم حَلَّ)؛ لأنه دمٌ واجبٌ للإحرام فكان له بدلٌ ينتقل إليه كدم التَّمتع. (٤) ولا يَحل إلا بعد الصيام، كما لا يحل إلا بعد الهدي، (ولو نوى التَّحلل قبله لم يحلَّ)، وكان على إحرامه حتى يذبح أو يصوم؛ لأنه أقيم ههنا مقام أفعال الحج.

стр. 1072

[١١٨٨/ ٥] مسألة: (وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان:) إحداهما: لا قضاء عليه. وعنه: يجب عليه القضاء (١)، لأن النبي ﷺ قضى عمرة الحديبية، وسميت الثانية عمرة القضية، ولأنه حلَّ من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كمن فاته الحج. ووجه الأولى أنه تطوُّع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، كما لو دخل في الصوم يعتقده واجبًا فلم يكن، وأما الخبر (٢) فإن الذين صُدّوا كانوا ألفًا وأربعمئة، والذين اعتمروا معه في القضاء كانوا نفرًا يسيرًا، ولم يأمر الباقين بالقضاء، والقضية: الصلح الذي جرى بينهم، وهو غير القضاء، ويفارق الفوات فإنه بتفريطه. (٣) [١١٨٩/ ٦] مسألة: (فإن صُدَّ عن عرفة دون البيت تحلَّلَ بعمرةٍ ولا شيء عليه)؛ لأن له ذلك من غير حصرٍ فمعه أولى. وعنه: لا يجوز له التحلُّلُ، بل يقيم على إحرامه حتى يفوته الحج ثم يَحل بعمرة (٤)؛ لأنه إنما جاز له التحلُّلُ بعمرةٍ في موضعٍ يمكنه الحجُّ من

стр. 1073

عامه ليصير متمتعًا، وهذا ممنوعٌ من الحجِّ فلا يمكنه أن يصير متمتعًا. (١) [١١٩٠/ ٧] مسألة: (ومن أحصر بمرضٍ أو ذهاب نفقةٍ) ففيه روايتان: إحداهما: (له التحلُّلُ)؛ لعموم الآية، ولأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من كُسر أو عَرَجَ فقد حلَّ، وعليه حَجةٌ أخرى» رواه النسائي (٢)، ولأنه محصرٌ فأشبه من حصره العدو. والثانية: ليس له التحلُّلُ؛ لأن ابن عباس وابن عمر ﵄ قالا: «لا حصر إلا حصر العدو» (٣)، ولأنه لا يستفيد بالحِل الانتقالَ من حاله والتَّخلص من الأذى به، بخلاف حصر العدو. (٤) (وإن فاته الحج تحلَّلَ بعمرةٍ (٥) كمن فاته الوقوف بعرفة.

стр. 1074

[١١٩١/ ٨] مسألة: (ومن شَرَطَ في ابتداء إحرامه أنْ مَحِلِّي حيث حبستَني، فله التحلُّلُ بجميع ذلك ولا شيء عليه)؛ لأن ضُباعةَ ﵂ قالت: «يا رسول الله إني أريد الحج، فكيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك، ومَحِلّي من الأرض حيث تحبسُني، فإن لكِ على ربكِ ما استَثْنَيتِ» رواه مسلم (١). (٢) * * *

стр. 1075

باب الهدي والأضاحي (والأفضل فيهما الإبل، ثم البقر، ثم الغنم)، ويستحب لمن أتى مكة أن يُهدي هديًا؛ لأن النبي ﷺ أهدى في حجته مئة بدنة، رواه البخاري (١). ويستحب استسمانها واستحسانها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، قال ابن عباس ﵁: «هو الاستسمان والاستحسان والاستعظام» (٢). وأفضل الهدي والأضاحي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم؛ لأن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بدنةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرنَ، ومن راح في الرابعة فكأنما قرَّب دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضةً» متفق عليه (٣). [١١٩٢/ ١] مسألة: (والذكر والأنثى سواء)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]؛ ولم يقل ذكرًا

стр. 1076

ولا أنثى، ولأنه قد ثبت أن النبي ﷺ «أهدى جملًا لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ من فضة (١) رواه ابن ماجه (٢)، ولأن القصد اللَّحم، ولحم الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب، فيتساويان. [١١٩٣/ ٢] مسألة: (ولا يجزئ إلا الجَذَعُ من الضَّأن، والثَّنِيُّ مما سواه)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تذبحوا إلا مسنةً، فإن عسر عليكم فاذبحوا الجَذعَ من الضَّأن» (٣)، وقال أبو بردة بن نيار ﵁: «عندي جذعةٌ من المعز هي أحب إليَّ من شاتين فهل تجزئ عني؟ قال: نعم، ولا تجزئ عن أحد بعدك» متفق عليه (٤)، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: «كنا نضحي مع رسول الله ﷺ بالجذع من الضأن» (٥)، قال إبراهيم الحربي: «إنما يُجزئ الجَذَع من الضَّأن لأنه يَنْزو فيُلْقِح (٦)، فإذا كان من المَعز لم يُلقِح حتى يكون ثَنيًّا» (٧). [١١٩٤/ ٣] مسألة: (والجذع من الضأن: ما له ستَّةُ أشهرٍ ودخل في السابع، وثَنِيُّ المعز: ما له سنة ودخل في الثانية، والبقرة: إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل: إذا كان لها خمس سنين ودخلت في

стр. 1077

السادسة (١)، قال الأصمعي (٢) وأبو زيد الأنصاري (٣): «إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني» (٤)، ونرى إنه إنما سمي ثَنِيًّا لإلقائه ثَنِيَّته. فأما البقر فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تذبحوا إلا مسنة» (٥)، [والمسنة:] (٦) البقر التي لها سنتان. وقال وكيع: «الجذع من الضأن يكون ابن سبعةٍ أو ستة أشهرٍ» (٧)، قال الخرقي: «وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف تعرفون الضَّأن إذا أجذع؟ قال: لا تزال الصّوفة قائمةً على ظهره ما دام حَمَلًا، فإذا نامت الصّوفة على ظهره عُلم أنه قد أجذع» (٨).

стр. 1078

[١١٩٥/ ٤] مسألة: (وتجزئ الشاة عن واحدٍ)؛ لما روى أبو أيوب ﵁ قال: «كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون الناس» حديثٌ صحيحٌ (١)، وفي مسلم عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ ضحى بكبشٍ» (٢)، وحديثها مطولٌ معروفٌ، وفي النسائي عن أبي سعيد ﵁: «أن النبي ﷺ ضحى بكبش أقرن فحيل» (٣). [١١٩٦/ ٥] مسألة: (وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعةٍ)، روي ذلك عن علي (٤) وابن عمر (٥) وعائشة (٦) وأبي مسعود (٧) وابن عباس ﵃ (٨)

стр. 1079

والشافعي (١) وأصحاب الرأي (٢). وعن ابن عمر: «لا تجزئ نفس واحدة عن سبعة» (٣)، وهي مذهب مالك (٤) وعن سعيد بن المسيب: «الجزور عن عشرة، والبقرة عن سبعة» (٥)؛ لما روى رافع بن خديج ﵁: «أن النبي ﷺ قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير» متفق عليه (٦)، وعن ابن عباس ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فحضر الأضحى، فاشتركنا في الجزور عن عشرة، والبقرة عن

стр. 1080

سبعة» رواه ابن ماجه (١). ولنا: ما روى جابر ﵁ قال: «نحرنا بالحديبية مع النبي ﷺ البدنه عن سبعة، والبقرة عن سبعة» (٢)، وهذا أصَحُّ من حديث ابن عباس ﵁، وقال جابر ﵁: «كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها» رواه مسلم والأثرم (٣)، وأما حديث رافع فهو في القسمة لا في الأضحيَّة. (٤) إذا ثبت هذا (فسواءٌ كان المشتركون) من أهل بيتٍ أو لم يكونوا، متطوعين أو مفترضين، أو كان (بعضهم يريد القربة والباقون يريدون اللَّحم)؛ لأن كل إنسانٍ منهم إنما يجزئ عنه نصيبه فلا يضره منه غيره في غيره. [١١٩٧/ ٦] مسألة: (ولا يجزئ فيهما (٥) العَوراء البيِّنُ عَوَرها (٦)، ولا العَجفاء التي لا تُنْقي (٧)، ولا العَرجاء البين ظَلْعُها (٨)، ولا المريضة

стр. 1081

البيِّن مرضها)؛ لما روى البراء ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ فقال: أربع لا تجوز في الأضاحيّ: العوراء البين عَوَرُها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظَلْعُها، والعَجفاء التي لا تُنقي» رواه أبو داود (١). ومعنى العوراء البيِّن عورها: التي انخسفت عينها وذهبت؛ لأنها قد ذهبت عينها، والعين عضو مستطاب. فأما البياض على عينها فلا يمنع التضحية بها؛ لأن ذلك لا يَنْقُصُ لحمَها. والعَجفاء: المهزولة، والتي لا تُنْقي: هي التي لا مخ لها في عظامها لهُزالها، والنِّقْيُ: المخ، فهذه لا تجزئ؛ لأنه لا لحم فيها، إنما هي عظام مجتمعة (٢). وأما العَرجاء البيِّن عَرَجُها: فهي التي بها عَرَجٌ فاحشٌ، وذلك يمنعها من اللَّحاق بالغنم، فيسبقنها إلى الكلأ فيرعينه، ولا تدركهن فينقُصُ لحمُها، فإن كان عَرَجًا يسيرًا لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت. وأما المريضة البيِّن مرضها: فهي التي بها داءٌ يتبين أثره عليها؛ لأن ذلك ينقص لحمَها ويفسده، وقيل: هي الجَرْباء (٣). (٤) [١١٩٨/ ٧] مسألة: (ولا تجزئ العَضْباء، والعَضَب: ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القَرْن)؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضَبِ الأذن والقرن، قال قتادة: فسألت سعيد بن

стр. 1082

المسيب فقال: نعم، العَضَبُ النصف فأكثر من ذلك» رواه النسائي (١)، وعن علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن» رواه أبو داود (٢). (٣) [١١٩٩/ ٨] مسألة: (وتكره المَعِيبة الأذن بخرقٍ أو شقٍّ أو قطعٍ لأقل من النِّصف)؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمُقابَلةٍ، ولا مُدابَرة، ولا خَرقاء، ولا شَرقاء. قال زهير (٤): قلت لأبي إسحاق (٥): ما المقابلة؟ قال: يُقطع طرف الأذن. قلت: فما المدابرة؟ قال: يُقطع من مؤخر الأذن. قلت: فما

стр. 1083

الخرقاء؟ قال: بخرق الأذن. قلت: فما الشرقاء؟ قال: بشقِّ أذنها السِّمةُ (١) رواه أبو داود (٢)، قال القاضي: «الخرقاء التي انتقبت أذنها» (٣)، وهو نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها، لا نعلم فيه خلافًا، ولأن اشتراط السلامة من ذلك يشقُّ، إذ لا يكاد توجد سالمة من هذا. (٤) [١٢٠٠/ ٩] مسألة: (وتجزئ الجَمّاء:)، وهي التي لم يخلق لها قَرنٌ، (والبَتراء:) وهي التي لا ذَنَبَ لها، سواءٌ كان خِلقةً أو قُطِعَ، والصَّماء: وهي التي لها أذنان صغيرة خِلقة؛ لأن هذا لا يَنقُصُ اللَّحمَ، ولا يخل بالمقصود، ولم يرد عنه نهيٌ، فوجب أن يجزئ، إلا أنَّ الأفضل ما كان كامل الخلقة، فإن النبي ﷺ ضَحَّى بأقرنَ (٥)، وأمر باستشراف العين والأذن (٦). [١٢٠١/ ١٠] مسألة: (وتجزئ الخصيُّ)؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوءين، والموجوء المرضوض الخصيتين، وسواءٌ في ذلك ما

стр. 1084

قطعت خصيتاه، أو رضَّت بيضتاه، أو سلَّتا (١)؛ لأنه عضوٌ غير مستطابٍ، وبذهابه يطيب اللحم ويكثر ويسمن، ولا نعلم فيه خلافًا (٢). [١٢٠٢/ ١١] مسألة: (وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء)؛ لأن ذهاب أكثره يمنع الإجزاء، فذهاب جميعه أولى، كما أن العَوَر لما منع الإجزاء كان العمى أولى. (٣) [١٢٠٣/ ١٢] مسألة: (والسنَّة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدُها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوَهْدة: التي بين أصل العنق والصدر (٤)؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقال زياد بن جبير (٥): «رأيت ابن عمر ﵁ أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قيامًا، سنةَ محمدٍ ﷺ » متفقٌ عليه (٦). وإذا فعل هذا فإنه يضربها في الوَهدة التي بين أصل العنق والصدر، وذلك هو النَّحر المستحب في الإبل، وروى أبو داود بإسناده عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولةَ اليسرى قائمةً

стр. 1085

على ما بقي من قوائمها» (١). (٢) [١٢٠٤/ ١٣] مسألة: (وتذبح البقر والغنم)؛ لأن في حديث عائشة ﵂ في حجه الوداع قالت: «فدخل علينا لحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله عن أزواجه» (٣)، و «ضحى النبي ﷺ بكبشين ذبحهما بيده وكبر» متفق عليه (٤)، فذكر الذَّبح للبقر والغنم. [١٢٠٥/ ١٤] مسألة: (ويقول عند الذَّبح: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك)؛ لأنه ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: «باسم الله، والله أكبر» (٥). وفي حديث أنس ﵁: «وسمى وكبَّر» (٦)، وإن زاد فقال: اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني فحسن. وفي حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم منك ولك عن

стр. 1086

محمد وأمته، باسم الله والله أكبر، ثم ذبح» رواه أبو داود (١). [١٢٠٦/ ١٥] مسألة: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلمٌ، وإن ذبحها بيده كان أفضل، فإن لم يفعل استحب أن يشهدها)؛ لأن النبي ﷺ : «ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» (٢)، ونحر في الهدي ثلاثًا وستين بدنة بيده (٣)، ولأن فعله القربة أولى من استنابته فيها. فإن لم يلِ الذَّبح بنفسه استحب له أن يحضره؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: «احضري أضحيَّتكِ يغفر لك بأول قطرةٍ تقطر من دمهاّ (٤). وإن استناب في الذبح من يجوز ذبحه جاز؛ لأن النبي ﷺ استناب في ذبح ما بقي من بُدْنِه بعد ثلاث وستين (٥)، وليس في هذا خلاف. ولا يستحب أن يستنيب إلا مسلمًا؛ لأن الذَّبح قربةٌ، فلا ينبغي أن يليه غير أهل القربة، وإن استناب ذميًّا جاز مع الكراهة؛ لأن من جاز له ذبح غير الأضحيَّة جاز له ذبح الأضحيَّة كالمسلم، ويجوز أن يتولى

стр. 1087

الكافر ما كان قربةً للمسلمين، بدليل نيابة المساجد والقناطر. (١) [١٢٠٧/ ١٦] مسألة: (ووقت الذَّبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرِها إلى آخر يومين من أيام التشريق)؛ وذلك لأن أول وقت الذبح في حقِّ أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النَّحر؛ لما روى البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النّسك، ومن ذبح قبل أن يصليَ فليُعِدْ مكانها أخرى» متفق عليه (٢)، وفي البخاري من حديث جندب بن سفيان البَجَلي ﵁ (٣): شهدت النبي ﷺ يوم النحر فقال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح» (٤). وفي حقِّ غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة؛ لأنه [تَعذَّر] (٥) في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها، فمن ذبح قبل ذلك لم يجزه، وعليه بدلها إن كانت واجبة، لحديث البراء ﵁. (٦)

стр. 1088

وآخر وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» متفق عليه (١)، فوجه الحجة من هذا الحديث أنه منع من الزيادة عن ثلاث، ولا ينبغي أن ينهى عن الادِّخار في زمن التَّضحية، فلو جازت التضحية في اليوم الرابع لكان ناهيًا عن إمساك اللَّحم في يومٍ يحل إمساك اللَّحم وأكله فيه. [١٢٠٨/ ١٧] مسألة: (ولا يجزئ في ليلتيهما في قول الخرقي (٢)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلًا؛ لأنه زمنٌ يصح فيه الرمي فصَحَّ فيه الذبح كالنهار. (٣) [١٢٠٩/ ١٨] مسألة: (فإن فات وقت الذَّبح ذبح الواجب قضاءً)؛ لأنه قد وجب ذبحه فلم يسقط بفوات وقته، (وإن كان تطوعًا فقد فاته سنة الأضحيَّة). [١٢١٠/ ١٩] مسألة: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هديٌ، أو تقليدِه، أو إشعارِه مع النية، والأضحيَّة بقوله: هذه أضحية)، كما يَنعَتِق العبد بقول سيده: هذا حرٌّ.

стр. 1089

وإن قلَّد الهدي أو أشعره تعين بذلك أيضًا، كما لو بنى مسجدًا وأذَّن في الصلاة فيه. (١) (ولو نوى حال الشِّراء لم يتعين بذلك)؛ لأنه إزالة مِلكٍ على وجه القربة، فلا تؤثر فيه النِّية المقارنة للشِّراء كالعتق والوقف، ولأنه لفظٌ يقتضي الإيجاب والتعيين فأشبه لفظ الوقف. (٢) [١٢١١/ ٢٠] مسألة: (وإذا تعينت لم يجز بيعها، ولا هبتها). وقال القاضي: «يجوز بيعها وشراء خير منها، نص عليه أحمد» (٣)؛ لما روي أن النبي ﷺ : «ساق مئة بدنةٍ في حجته، وقدم علي ﵁ من اليمن فأشركه في بدنه» رواه مسلم (٤)، والإشراك نوعٌ من البيع أو الهبة، ولأنه يجوز إبدالها بخيرٍ منها، والإبدال نوعٌ من البيع. ووجه قولنا: أنه قد تعين ذبحها فلم يجز بيعها كالوقف، وأما الخبر فيحتمل أن الإشراك كان قبل إيجابها، ويحتمل أن إشراكه فيها كان بمعنى أن عليًّا جاء ببُدْنٍ فاشتركا في الجميع، فكان بمعنى الإبدال لا بمعنى البيع.

стр. 1090

(فأما إبدالها بخير منها فيجوز، وقال أبو الخطاب: «لا يجوز إبدالها») (١)؛ لما ذكرنا للبيع، ولأنه زال مِلكه عنها لله تعالى، فلم يجز إبدالها كالوقف، وكما لو أبدلها بمثلها أو دونها. ولنا: الخبر (٢)، وقد تأوَّلناه على معنى الإبدال، ويتعين حمله عليه لاتفاقنا على تحريم بيعها وهبتها، ولأنه عَدَلَ عن العين إلى خيرٍ منها من جنسها فجاز كما لو أخرج عن بنت لبونٍ حقةً في الزكاة، ولأن النُّذور محمولةٌ على أصولها في الفروض، وفي الفروض يجوز إخراج البدل في الزكاة، فكذلك في النذر. وقوله: «قد زال مِلكه» (٣) ممنوعٌ، بل تعلق بها حق الله تعالى مع بقاء ملكه عليها؛ بدليل أنه لو عين الواجب في ذمته فَعَطِبَ أو تعيب كان له استرجاعه، ولو زال ملكه لم يعد إليه كالوقف. (٤) والفرق بين الإبدال والبيع: أن الإبدال لا يزيل الحقَّ المتعلق بها من جنسها، والبدل قائمٌ مقامها فكأنها لم تزل في المعنى، ولا يجوز إبدالها بمثلها أو دونها لعدم الفائدة فيهما، وحصول الضرر في إبدالها بدونها والله أعلم.
следующие страницы →