← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

محمد وأمته، باسم الله والله أكبر، ثم ذبح» رواه أبو داود (١). [١٢٠٦/ ١٥] مسألة: (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلمٌ، وإن ذبحها بيده كان أفضل، فإن لم يفعل استحب أن يشهدها)؛ لأن النبي ﷺ : «ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» (٢)، ونحر في الهدي ثلاثًا وستين بدنة بيده (٣)، ولأن فعله القربة أولى من استنابته فيها. فإن لم يلِ الذَّبح بنفسه استحب له أن يحضره؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: «احضري أضحيَّتكِ يغفر لك بأول قطرةٍ تقطر من دمهاّ (٤). وإن استناب في الذبح من يجوز ذبحه جاز؛ لأن النبي ﷺ استناب في ذبح ما بقي من بُدْنِه بعد ثلاث وستين (٥)، وليس في هذا خلاف. ولا يستحب أن يستنيب إلا مسلمًا؛ لأن الذَّبح قربةٌ، فلا ينبغي أن يليه غير أهل القربة، وإن استناب ذميًّا جاز مع الكراهة؛ لأن من جاز له ذبح غير الأضحيَّة جاز له ذبح الأضحيَّة كالمسلم، ويجوز أن يتولى

стр. 1087

الكافر ما كان قربةً للمسلمين، بدليل نيابة المساجد والقناطر. (١) [١٢٠٧/ ١٦] مسألة: (ووقت الذَّبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرِها إلى آخر يومين من أيام التشريق)؛ وذلك لأن أول وقت الذبح في حقِّ أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النَّحر؛ لما روى البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النّسك، ومن ذبح قبل أن يصليَ فليُعِدْ مكانها أخرى» متفق عليه (٢)، وفي البخاري من حديث جندب بن سفيان البَجَلي ﵁ (٣): شهدت النبي ﷺ يوم النحر فقال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح» (٤). وفي حقِّ غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة؛ لأنه [تَعذَّر] (٥) في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها، فمن ذبح قبل ذلك لم يجزه، وعليه بدلها إن كانت واجبة، لحديث البراء ﵁. (٦)

стр. 1088

وآخر وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» متفق عليه (١)، فوجه الحجة من هذا الحديث أنه منع من الزيادة عن ثلاث، ولا ينبغي أن ينهى عن الادِّخار في زمن التَّضحية، فلو جازت التضحية في اليوم الرابع لكان ناهيًا عن إمساك اللَّحم في يومٍ يحل إمساك اللَّحم وأكله فيه. [١٢٠٨/ ١٧] مسألة: (ولا يجزئ في ليلتيهما في قول الخرقي (٢)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلًا؛ لأنه زمنٌ يصح فيه الرمي فصَحَّ فيه الذبح كالنهار. (٣) [١٢٠٩/ ١٨] مسألة: (فإن فات وقت الذَّبح ذبح الواجب قضاءً)؛ لأنه قد وجب ذبحه فلم يسقط بفوات وقته، (وإن كان تطوعًا فقد فاته سنة الأضحيَّة). [١٢١٠/ ١٩] مسألة: (ويتعين الهدي بقوله: هذا هديٌ، أو تقليدِه، أو إشعارِه مع النية، والأضحيَّة بقوله: هذه أضحية)، كما يَنعَتِق العبد بقول سيده: هذا حرٌّ.

стр. 1089

وإن قلَّد الهدي أو أشعره تعين بذلك أيضًا، كما لو بنى مسجدًا وأذَّن في الصلاة فيه. (١) (ولو نوى حال الشِّراء لم يتعين بذلك)؛ لأنه إزالة مِلكٍ على وجه القربة، فلا تؤثر فيه النِّية المقارنة للشِّراء كالعتق والوقف، ولأنه لفظٌ يقتضي الإيجاب والتعيين فأشبه لفظ الوقف. (٢) [١٢١١/ ٢٠] مسألة: (وإذا تعينت لم يجز بيعها، ولا هبتها). وقال القاضي: «يجوز بيعها وشراء خير منها، نص عليه أحمد» (٣)؛ لما روي أن النبي ﷺ : «ساق مئة بدنةٍ في حجته، وقدم علي ﵁ من اليمن فأشركه في بدنه» رواه مسلم (٤)، والإشراك نوعٌ من البيع أو الهبة، ولأنه يجوز إبدالها بخيرٍ منها، والإبدال نوعٌ من البيع. ووجه قولنا: أنه قد تعين ذبحها فلم يجز بيعها كالوقف، وأما الخبر فيحتمل أن الإشراك كان قبل إيجابها، ويحتمل أن إشراكه فيها كان بمعنى أن عليًّا جاء ببُدْنٍ فاشتركا في الجميع، فكان بمعنى الإبدال لا بمعنى البيع.

стр. 1090

(فأما إبدالها بخير منها فيجوز، وقال أبو الخطاب: «لا يجوز إبدالها») (١)؛ لما ذكرنا للبيع، ولأنه زال مِلكه عنها لله تعالى، فلم يجز إبدالها كالوقف، وكما لو أبدلها بمثلها أو دونها. ولنا: الخبر (٢)، وقد تأوَّلناه على معنى الإبدال، ويتعين حمله عليه لاتفاقنا على تحريم بيعها وهبتها، ولأنه عَدَلَ عن العين إلى خيرٍ منها من جنسها فجاز كما لو أخرج عن بنت لبونٍ حقةً في الزكاة، ولأن النُّذور محمولةٌ على أصولها في الفروض، وفي الفروض يجوز إخراج البدل في الزكاة، فكذلك في النذر. وقوله: «قد زال مِلكه» (٣) ممنوعٌ، بل تعلق بها حق الله تعالى مع بقاء ملكه عليها؛ بدليل أنه لو عين الواجب في ذمته فَعَطِبَ أو تعيب كان له استرجاعه، ولو زال ملكه لم يعد إليه كالوقف. (٤) والفرق بين الإبدال والبيع: أن الإبدال لا يزيل الحقَّ المتعلق بها من جنسها، والبدل قائمٌ مقامها فكأنها لم تزل في المعنى، ولا يجوز إبدالها بمثلها أو دونها لعدم الفائدة فيهما، وحصول الضرر في إبدالها بدونها والله أعلم.

стр. 1091

[١٢١٢/ ٢١] مسألة: (وله ركوبها عند الحاجة من غير إضرارٍ بها)؛ لأن أبا هريرة ﵁ روى: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة فقال: اركبها. فقال: يا رسول الله إنها بدنة! فقال: اركبها ويلك - في الثانية أو في الثالثة» متفقٌ عليه (١). وفي حديثٍ آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا» رواه أبو داود (٢). وإن نَقَصَها الرُّكوبُ ضمنها؛ لأنه تعلق حق غيره بها. (وإن وَلَدَتْ ذَبَح ولدَها معها)؛ لما روي أن عليًّا ﵁: «رأى رجلًا يسوق بقرةً معها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فَضَلَ عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدَها» (٣)، ولأنه معنًى تصير به لله تعالى فاستتبع الولد كالعتق. (ويشرب من لبنها ما فَضَلَ عن ولدها)؛ لحديث علي ﵁ (٤)، ولقول الله سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣]. ولا يجوز أكثر من ذلك؛ للخبر، ولأن اللَّبن غذاء الولد فلا يجوز منعه منه كما لا يجوز منع الأم علفها. (وإن كان عليها صوفٌ في جَزِّه صلاحٌ لها جزه، وتصدق به)؛ لأنها تَسْمن بذلك فينتفع المساكين، وإن لم يكن في أخذه صلاحٌ لها لم يَجُز أخذه؛ لأنه جزءٌ منها ينفع الفقراء عند ذبحها.

стр. 1092

[١٢١٣/ ٢٢] مسألة: (ولا يُعطي الجازر بأجرته شيئًا منها)؛ لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجِلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه (١). (وله أن ينتفع بجِلدها وجُلِّها (٢)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم» رواه مسلم (٣)، ولأن الجلد جزءٌ من الأضحيَّة فجاز الانتفاع به كاللحم. [١٢١٤/ ٢٣] مسألة: (ولا يجوز بيع جلدها، ولا شيءٍ منها) كما لا يجوز بيعها، وقد سبق دليله (٤)، ولأنه لو جاز بيع شيءٍ منها لجاز أن يعطي الجازر بأجرته منها ولم يجز للخبر. (٥) [١٢١٥/ ٢٤] مسألة: (وإن ذبحها فسُرقت فلا شيء عليه فيها)، وذلك لأنها عنده أمانة فلا يضمنها إذا سرقت كالوديعة. [١٢١٦/ ٢٥] مسألة: (وإن ذبحها ذابحٌ في وقتها بغير إذنٍ أجزأت عنه)، وذلك لأنه لا يُحتاج إلى قصده، فإذا فعله إنسان بغير إذنه وقع

стр. 1093

الموقع. (ولا ضمان على الذّابح)؛ لأنه حَيَوانٌ تعيَّن إراقة دمه على الفور حقًّا لله فلم يضمنه كالمرتد. (١) [١٢١٧/ ٢٦] مسألة: (وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها يوم الإتلاف)؛ لأنها من المتقومات، فلزمه قيمتها يوم الإتلاف كسائر المضمونات. [١٢١٨/ ٢٧] مسألة: (وإن أتلفها صاحبها ضمنها)؛ لأنه أتلف مالًا تعلَّق به حقُّ غيره فضمنه كالغاصب. (ويضمنها بأكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها (٢)؛ لأنه لزمته الإراقة وقد فوتها فلزمه ضمانها كما لو أتلف شيئين (٣). (٤)

стр. 1094

ثم إن كانت قيمتها يوم تلفها وفق مثلها أو أقل لزمه مثلها، وإن كانت أكثر اشترى بالفضل هديًا آخر. فإن لم يتسع لذلك ففيه وجهان: أحدهما: يشتري لحمًا ويتصدق به؛ لأن الذبح وتفرقة اللحم مقصودان، فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر. والثاني: يتصدق بالفضل؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم كان اللحم وثمنه سواءً. (١) [١٢١٩/ ٢٨] مسألة: (وإن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها)؛ لأنها أمانةٌ في يده أشبهت الوديعة. [١٢٢٠/ ٢٩] مسألة: (وإن عَطِبَ الهدي في الطريق نحره موضعه، وصَبغ نعله التي في عنقه في دمه، وضرب به صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه (٢)؛ لما روى ذؤيب بن حليلة ﵁ أبو قبيصة (٣): أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه البُدن ثم يقول: «إن عَطِبَ منها شيءٌ فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك» رواه مسلم (٤). [١٢٢١/ ٣٠] مسألة: (وإن تعيَّبَت ذبحها وأجزأته)؛ لما روى أبو سعيد ﵁ قال: ابتعنا كبشًا نضحي به، فأصاب الذِّئب من ألْيته فسألنا

стр. 1095

النبي ﷺ : «فأمرنا أن نضحي به» رواه ابن ماجه (١)، ولأنه عيبٌ حدث في الأضحيَّة الواجبة فلم يمنع الإجزاء، كما لو حدث بها عيبٌ لمعالجة الذَّبح. (وأما إن كانت واجبةً في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة، فإن عليه بدَلَها)، كما لو كان عليه دينٌ فباعه به طعامًا فهلك قبل تسليمه. (وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين:) إحداهما: له ذلك، لأنه إنما عيَّنه عما في ذمته، فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه، كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبةٍ. والأخرى: لا يعود؛ لأنه صار للمساكين بنذره، فلم يعد إليه كالذي عينه ابتداءً. (٢) وهل يعود إلى ذمته مثل المعين أو مثل الواجب في الذمة؟ ينظر: فإن تلف بغير تفريطه لم يلزمه أكثر مما في الذمة؛ لأن الزائد إنما تعلق بالغير فسقط بتلفها، وإن تلف بتفريطٍ لزمه أكثر الأمرين؛ لأنه تعلَّق بالمعيّن حق الله سبحانه، فإذا أتلفه فعليه مثل ما فوته. (وهكذا الحكم إذا ضلَّت فذبح بدلها ثم وجدها) هل له استرجاعها أو يلزمه ذبحها؟ على روايتين (٣).

стр. 1096

(سَوقُ الهدي مسنونٌ، لا يجب إلا بالنَّذر)؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به، وإنما يجب النَّذر لأنه نذر طاعةٍ فيلزمه الوفاء به؛ لقوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري (١). [١٢٢٢/ ٣١] مسألة: (ويستحب أن يَقِفه بعرفة، أو يجمع فيه بين الحلِّ والحرم) كما يجمع في الإحرام بين الحلِّ والحرم. (ولا يجب ذلك)، قال ابن عمر ﵁: «تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة» متفق عليه (٢). [١٢٢٣/ ٣٢] مسألة: (ويُسَنُّ إشعار البَدَنة، فيشقُّ صفحة سَنامها حتى يسيل الدم)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها بيده» رواه مسلم (٣)، ولأنه إيلامٌ سليمٌ لغرضٍ صحيحٍ فجاز كالكيِّ والوسمِ والفصد والحجامة، والغرض بذلك ألّا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها اللِّص. (ويقلدها)؛ لذلك، وقالت عائشة ﵂: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيقلدها بيده» متفق عليه (٤). [١٢٢٤/ ٣٣] مسألة: (وإن كانت غنمًا استحب أن يقلدها نعلًا، أو آذان القِرب، أو عِلاقة إداوة، أو عُروةً (٥) لما روي أن عائشة ﵂

стр. 1097

قالت: «كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ فيقلد الغنم، ويقيم في أهله حلالًا» (١)، وفي لفظٍ: «كنت أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ » رواه البخاري (٢). ويُسنُّ إشعار البقر كالإبل. ويسن الإشعار والتقليد من الميقات، كما في حديث ابن عباس ﵁ (٣)، وإن ترك ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بواجب. [١٢٢٥/ ٣٤] مسألة: (وإن نذر هديًا مطلقًا فأقل ما يجزئه شاةٌ أو سُبع بدنةٍ) أو بقرةٍ؛ لأن المطلق في النَّذر يجب حمله على معهود الشَّرع، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النَّعم، وأقلُّه ما ذكرنا، فحمل عليه، ولهذا لما قال الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] في المتعة، حمل على ما قلنا. [١٢٢٦/ ٣٥] مسألة: (وإن نذر بدنةً أجزأته بقرةٌ)؛ لما روى أبو الزبير عن جابر ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعةٍ. فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن!» (٤)، ولأن ما أجزأ عن سبعةٍ في الهدايا أجزأ في النَّذر بلفظ البدنة كالجزور. [١٢٢٧/ ٣٦] مسألة: (وإن عيَّن بنذره أجزأه ما عَيَّنَه صغيرًا أو كبيرًا من الحَيَوان وغيره)؛ لقول النبي ﷺ : «فكأنما قرَّب دجاجة، وكأنما قرب بيضة» (٥). [١٢٢٨/ ٣٧] مسألة: (وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم)؛ لأن ذلك المعهود في الهدي.

стр. 1098

(إلا أن يعينه بموضعٍ فيلزمه) ما لم يكن فيه معصيةٌ؛ لما روي أن رجلًا قال: «يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة؟ قال: هل بها صنم؟ قال: لا. قال: أوف بنذرك» رواه أبو داود (١). [١٢٢٩/ ٣٨] مسألة: (ويستحب أن يأكل من هديه) الذي ساقه تطوعًا؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحباب، وقال جابرٌ ﵁: «أمر النبي ﷺ من كل بدنةٍ بِبَضعةٍ فجعلت في قدرٍ فأكل منها، وحسا من مرقها» (٢)، ولأنه دم نسكٍ فأشبه الأضحيَّة. قال ابن عقيل: «حكمه في الأكل والتَّفريق حكمها» (٣)، وقال جابر ﵁: «كنا لا نأكل من بُدننا فوق ثلاثٍ، فرخَّص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا» رواه البخاري (٤). والمستحب الاقتصار على اليسير في الأكل كفعل النبي ﷺ في بدنه. وإن أَطعَمها كلها فحسنٌ، فإن النبي ﷺ نحر خمس بدناتٍ ثم قال: «من شاء اقتطع» رواه أبو داود (٥)، وظاهر هذا أنه لم يأكل منهن شيئًا. (٦)

стр. 1099

[١٢٣٠/ ٣٩] مسألة: (ولا يأكل من واجبٍ إلا من دم المتعة والقران)؛ لأن أزواج النبي ﷺ كن متمتعاتٍ إلا عائشة ﵂ فإنها كانت قارنةً لإدخالها الحج على عمرتها، وقالت: «إن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، قالت: فدخل علينا لحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي ﷺ عن أزواجه» (١)، ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحيَّة. (٢) ولا يجوز الأكل من واجبٍ سواهما؛ لأنه كفارةٌ فلم يجز الأكل منه ككفارة اليمين. وعنه: له الأكل من الجميع إلا المنذور وجزاء الصيد (٣)، أما المنذور فلأنه منذورٌ فلا يجوز له الأكل منه كما لو نذر طعامًا للمساكين بعينه، وأما جزاء الصيد فلأنه بدل مُتلف فلم يجز الأكل منه كبدل مال الآدمي. (٤) (والأضحيَّة سنةٌ مؤكدةٌ)؛ لما روى أنسٌ قال: «ضحى النبي ﷺ

стр. 1100

بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» متفق عليه (١). قال أبو زيد (٢): «الأملح: الذي فيه سواد» (٣)، قال ابن الأعرابي (٤): «هو الأبيض النقي» (٥). (٦) [١٢٣١/ ٤٠] مسألة: (ولا تجب إلا بالنَّذر)، وذلك أنها غير واجبةٍ؛ لأنه روي عن أبي بكر وعمر ﵄: أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما، مخافة أن يرى ذلك واجبًا (٧)، وروت أم سلمة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» رواه مسلم (٨)، علَّقها على الإرادة فلا تكون واجبةً. [١٢٣٢/ ٤١] مسألة: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها)؛ لأن النبي ﷺ آثرها على الصدقة (٩).

стр. 1101

[١٢٣٣/ ٤٢] مسألة: (والسنَّة أن يأكل ثلثها، ويُهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها)، قال أحمد: «نحن نذهب إلى حديث عبد الله، يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث» (١)، وقال علقمة: «بعث معي عبد الله بهديه فأمرني أن آكل ثُلثًا، وأن أتصدق بثلثٍ، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث» (٢)، وعن ابن عمر ﵁ قال: «الهدايا والضحايا ثلثٌ لك، وثلثٌ لأهلكٌ، وثلث للمساكين» (٣). [١٢٣٤/ ٤٣] مسألة: (وإن أكل أكثر جاز)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، ولم يُقيِّده بشيءٍ، فلو أكلها كلها إلا أوقيَّة جاز؛ لذلك. (وإن أكلها كلَّها غَرِمَ للفقراء أقل ما يجزئ في الصدقة منها)؛ لأن الله سبحانه أمر بإطعام البائس الفقير منها، والقانع والمعتر، والأمر يقتضي الوجوب، ولأنه حقٌّ يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمه غرامته إذا أتلفه كالوديعة. (٤) [١٢٣٥/ ٤٤] مسألة: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبَشَرتِه شيئًا)؛ لما روت أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» رواه مسلم (٥).

стр. 1102

[١٢٣٦/ ٤٥] مسألة: (وهل ذلك حرامٌ؟ على وجهين:) أحدهما: أنه حرامٌ؛ للخبر، فإنه نهيٌ، والنهي يقتضي التحريم. والثاني: أنه مكروهٌ غير محرمٍ؛ لقول عائشة ﵂: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» متفق عليه (١). والأول أظهر، والمراد بهذا غير ما نهي عنه في الحديث؛ لأنه إنما يُعلم انتفاء التحريم بفعله، ولا يظن بالنبي ﷺ أنه ينهى عن شيءٍ ويفعله، وإن كان مكروهًا، قال الله سبحانه إخبارًا عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. (٢) إذا ثبت هذا فإنه يترك قطع الشعر والأظفار، فإن فعل استغفر الله، ولا فدية فيه إجماعًا (٣). (والعقيقة سُنَّةٌ مؤكدةٌ)؛ لما روى سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل غلامٍ رهينةٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسَمى، ويُحلق رأسه» رواه أبو داود (٤). (٥)

стр. 1103

[١٢٣٧/ ٤٦] مسألة: (والمشروع أن يذبح عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاةً يوم سابعه)؛ لما روي عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام بشاتين مكافئتين، وعن الجارية بشاةٍ» (١)، وروت أم كرز ﵂ (٢) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» رواه أبو داود (٣). [١٢٣٨/ ٤٧] مسألة: (ويذبح يوم سابعه)؛ لحديث سمرة ﵁ (٤). (ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه وَرِقًا)؛ لأنه روي في حديثٍ أنَّ النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂ لما وَلَدتِ الحسن ﵁: «احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة» (٥)، وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي: «أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين بكبشٍ كبشٍ، وأنه تصدَّق بوزن شعورهما وَرِقًا، وأن فاطمة كانت إذا ولدت ولدًا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقًا» (٦).

стр. 1104

(فإن فات ففي أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين)، يروى ذلك عن عائشة ﵂ (١). وإن قدَّمها أو أخَّرها عن ذلك أجزأه؛ لأنه فعلها بعد سببها وكان تاركًا للاختيار، ولأنها ذبيحةٌ مسنونةٌ فيستحب قضاؤها كالأضحيَّة. فإن لم يَعُقَّ أصلًا فبلغ الغلام وكَسَبَ، فقال أحمد وسئل عنها فقال: «ذلك على الوالد» (٢)، وقال عطاء: «يعق عن نفسه» (٣). [١٢٣٩/ ٤٨] مسألة: (ويَنْزِعها أعضاءً، ولا يكسر عظمها)؛ لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاةٌ، تطبخ جُدولًا (٤)، ولا يكسر عظم، ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع» (٥)، وقوله متكافئتان قال أحمد: «يعني: متساويتين أو

стр. 1105

متقاربتين» (١)، ولأنها أول ذبيحة ذبحت عن الغلام فاستحب فيها ذلك تفاؤلًا بالسلامة له، كذاك قالت عائشة ﵂ (٢)، وروي أيضًا عن عطاء (٣)، قال: أبو عبيد الله (٤) الهروي (٥): «تُقطع جُدولًا، ولا يُكسر لها عظمٌ، أي: عضوًا عضوًا، وهو الجدْل بالدال غير المعجمة، والإرْبُ، والشِّلْوُ، والعُضْوُ، والوِصْلُ كله واحدٌ (٦)» (٧). [١٢٤٠/ ٤٩] مسألة: (وحكمها حكم الأضحيَّة)، فيجزئ فيها من بهيمة الأنعام ما يجزئ فيها، ويمنع فيها من العيب ما يمنع فيها، وسبيلها في الأكل والصدقة والهدية سبيلها. [١٢٤١/ ٥٠] مسألة: (ولا تُسَنُّ الفَرَعَة: وهي أول ولد النّاقة، ولا العَتيرة: وهي ذبيحة رجب)، قال أبو عمرو الشيباني (٨): «هي الفَرَعَة

стр. 1106

والفَرَع بفتح الراء، وهو أول ولدٍ تلده النّاقة، كانوا يذبحون ذلك لآلهتهم في الجاهلية فنُهوا عنها» (١). قال أبو عبيد: «والعتيرة: هي الرجبية، كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرًا نذر إن ظفر به أن يذبح من غنمه شيئًا في رجب، وهي العتائر، ونُسخ بعدُ، وقد كانت في أول الإسلام» (٢)، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: «على كل أهل بيت عتيرة» (٣)، وعن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ بالفرعة من كل خمسين واحدة» (٤)، قال ابن المنذر: «هذا حديث ثابت» (٥). ولنا: ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا فَرَعَ ولا عَتيرةَ» متفق عليه (٦)، وهذا الحديث إن كان متأخرًا فهو ناسخٌ لما قبله وهو الظاهر؛ لأن أبا هريرة ﵁ متأخر الإسلام، وإن كان متقدمًا فالأمر بها بعد ذلك أمر بعد الحظر فيكون مباحًا لا مندوبًا. (٧)

стр. 1107

شرح المقنع حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ/ ٢٠٢٠ م

стр. 1108

شرح المقنع للإمام بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي (٥٥٥ - ٦٢٤ هـ) (تحقيقًا ودراسةً) تحقيق ودراسة د. نصف بن عيسى بن نصف العصفور المجلد الثالث الجهاد والبيوع

стр. 1109

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1110

كتاب الجهاد (وهو فرض كفايةٍ). وقال سعيد بن المسيب: «هو من فروض الأعيان» (١)؛ لقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩ - ٤١]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ولنا: قول الله سبحانه: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، وهذا يدلُّ على أن القاعدين غير مأثومين مع جهادِ غيرهم. والآية التي احتج بها قال ابن عباس: «نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]» (٢) رواه الأثرم وأبو داود، ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي ﷺ في غزوة تبوك (٣). (٤)

стр. 1111

ومتى استَنفَرهم لزمهم النَّفير؛ لقول النبي ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا» متفقٌ عليه (١). ومعنى فرض الكفاية: يعني إذا قام به قومٌ سقط عن الباقين (٢)، ومعناها في الجهاد: أن يَشحَنَ [الثغور] (٣) برجالٍ يَحصُل بِهم المنعة للعدوِّ إذا قصدهم، ثم يبعث بعسكرٍ في السنة مرةً واحدةً حتى يدخلوا دار الحرب فيُغيروا عليهم (٤). [١٢٤٢/ ١] مسألة: (ولا يجب إلا على ذكرٍ، حرٍّ، مكلَّفٍ، مُستطيعٍ: وهو الصحيح الواجِدُ لزاده وما يحمله إذا كان بعيدًا)، وذلك أنه يشترط لوجوب الجهاد سبعة شرائط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحريَّة، والذُّكورية، والسَّلامة من الضَّرر، ووجود النَّفقة. فأمّا الإسلام والبلوغ والعقل فهي شرائطُ لوجوب سائر فروع الإسلام، ولأن الكافر ليس بمأمونٍ في الجهاد. والمجنون لقوله: «رفع القلم عن ثلاثة» (٥)، ولأنَّه لا يتَأتَّى منه

стр. 1112

الجهاد. والصبي كذلك، ولأنه ضعيفُ البُنية، وقد روى ابن عمر ﵁ قال: «عُرضْتُ على النبي ﷺ يومَ أحدٍ وأنا ابن أربعَ عشْرةَ فلم يجزني في المقاتلة» متفقٌ عليه (١). وأما الحرية فتشترط لما روي أنَّ النبي ﷺ كان يبايع الحرَّ على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد (٢)، ولأنَّ الجهاد عبادةٌ تَتَعلق بقطع مسافةٍ، فلم تجب على العبد كالحج. وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النِّساء جهادٌ؟ فقال: جهادٌ لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٣)، ولأنَّها ليست من أهل القتال لضعفها وخَورها، ولذلك لا يُسْهَم لها. ولا يجب على خُنثى مشكلٍ؛ لأنه لا يُعلَم كونُه ذكرًا، فلا يجب مع الشَّكِّ في شرطه. وأما السَّلامة من الضَّرر فمعناه: السلامة من العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ، وهو شرطٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]. وإنما يَمنع العَرَجُ والمرض إذا كان شديدًا لا يمكن معه الجهاد، فأما

стр. 1113

اليسير الذي يمكن معه الجهاد كالعَرَجِ القليل والمرض اليسير مثل: وجع الضِّرس، والصُّداع القليل، فلا يَمنع؛ لأنه لا يَتَعذَّر معه الجهاد فهو كالعَوَر. وأما النَّفقة فتشترط لقول الله سبحانه: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ولأنَّه لا يمكن إلا بآلةٍ، فتعتبر القُدرة عليها. [١٢٤٣/ ٢] مسألة: (وأقلُّ ما يُفْعَل مرةً في كلِّ عامٍ)؛ لأنَّ الجزية تجب على أهل الذِّمة في كلِّ عامٍ، وهي بدلٌ عن النُّصرة، فكذلك مُبدلها وهو الجهاد فيجب في كلِّ عامٍ مرةً. (إلّا من عذرٍ) (١) مثل أن يكون بالمسلمين ضعفٌ في عددٍ، أو في عُدَّةٍ، أو يكون منتظرًا لمَددٍ يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانعٌ، أو ليس بها علفٌ، أو ماءٌ، أو يعلم من عدِّوه حسن الرَّأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخَّر قتالهم، ونحو ذلك مما يَرى المصلحة معه في ترك القتال. (فيجوز تركه) بهدنةٍ وبغير هدنةٍ، فإنَّ النبي ﷺ قد صالح قريشًا عشر سنين وأخَّر قتالهم حتى نقضوا عهده (٢)، وأَخَّر قتال قبائل العرب بغير هدنةٍ. وإن دعت الحاجة إلى القتال في عامٍ أكثر من مرةٍ وجب ذلك؛ لأنَّه فرض كفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه. [١٢٤٤/ ٣] مسألة: (ومن حضر الصَّف من أهل فرض الجهاد، أو حَصَر (٣) العدوُّ بَلدهُ تعين عليه)؛ لقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 1114

لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، وقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. [١٢٤٥/ ٤] مسألة: (وأفضل ما يُتَطوع به الجهاد)، وقد روى ابن مسعود ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها. قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثمَّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله» متفقٌ عليه (١)، ورواه الترمذي وقال: «حديثٌ صحيحٌ» (٢). وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «قيل يا رسول الله: أيُّ النّاس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» متفقٌ عليه (٣). وروى الخلال بإسناده عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! ما بين السماء والأرض من عملٍ أفضل من جهاد في سبيل الله، أو حَجةٍ مبرورةٍ لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» (٤). ولأن الجهاد بَذل المُهجة وإنفاق المال، ونفعه يعمُّ المسلمين كلَّهم صغيرهم وكبيرهم، قويَّهم وضَعيفهم، ذكرهم وأنثاهم، وليس شيءٌ مثله. وعن ابن عباس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الناس؟ رجلٌ ممسكٌ بعنان فرسه في سبيل الله» قال الترمذي: «هذا حديثٌ

стр. 1115

حسنٌ» (١). (٢) [١٢٤٦/ ٥] مسألة: (وغزو البحر أفضل من غزو البرِّ) وذلك لما روي عن أنسٍ ﵁: «أنَّ النبي ﷺ نام ثم استيقظ وهو يضحك! قالت أمُّ حرامٍ (٣): فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عُرضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله، يركبون ثَبَجَ هذا البحر (٤)، ملوكٌ على الأسِرَّة، أو مِثلَ الملوك على الأسِرَّة» متفقٌ عليه (٥). وروى أبو داود عن أم حرام ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «المائد (٦) في البحر يصيبه القيء له أجر شهيدٍ، والغريق له أجر شهيدين» (٧). وروى ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شهيد البحر مثل شهيدي البرِّ، والمائد في البحر كالمُتَشَحِّط في دمه في البَرِّ، وما بين الموجَتَين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإنَّ الله

стр. 1116

وكَّلَ ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويُغْفَر لشهيد البرِّ الذنوب كلها إلا الدَّين، ويغفر لشهيد البحر الذُّنوب والدَّين» (١). ولأنَّ الغازي في البحر أعظم خطرًا ومشقةً، فإنه بين خَطَرِ العَدوِّ وخطرِ الغَرَقِ، ولا يتمكن من الفِرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره. [١٢٤٧/ ٦] مسألة: (ويُغْزَى مع كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ)، يعني: مع كلِّ إمامٍ؛ لما روى أبو داود قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجبٌ عليكم مع كلِّ أميرٍ، برًّا كان أو فاجرًا» (٢). وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من أصل الإيمان، الكفُّ عمن قال لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعملٍ، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدَّجالَ، والإيمان بالأقدار» رواه أبو داود (٣). ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفضي إلى قَطعِ الجهاد وظُهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وإظهار كلمة الكفر، وفيه أعظم الفساد. [١٢٤٨/ ٧] مسألة: (ويُقاتِل كلُّ قومٍ من يليهم من العدوِّ)؛ لقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولأن الأقرب أكبر ضررًا، وفي مقاتَلتِه دفع ضرورةٍ عن المقاتِل وعمن وراءَهُ، والاشتغال بالبعيد عنه يُمكِّنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه.

стр. 1117

[١٢٤٩/ ٨] مسألة: (وتمام الرِّباط أربعون ليلةً، وهو: لزوم الثَّغر للجهاد)، والثغر: كلُّ مكانٍ يُخيف أَهلُهُ العدُوَّ ويخافونه، وأصله من رباط الخيل. وقد روى أبو داود عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال على المنبر: إني كنت كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تَفَرُّقكم عنّي، ثم بدا لي أن أحدِّثَكُموه ليختار امرؤ منكم لنفسه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يومٍ في سبيل الله خير من ألف يومٍ فيما سواه من المنازل» (١). وعن فَضالةَ بن عُبيد ﵁ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله فإنه يَنْمو له عمله إلى يوم القيامة، ويُؤَمَّن من فَتّان القَبر» رواه أبو داود والترمذي، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح» (٣). وعن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يومٍ في سبيل الله خير من صيام شهرٍ وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأَمِن من الفتَّان» أخرجه مسلم (٤).

стр. 1118

وإذا ثبت هذا فتَمامُ الرِّباط أربعون يومًا، قاله ابن عمر وأبو هريرة ﵄، وروى أبو الشيخ (١) بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «تمام الرِّباط أربعون يومًا» (٢)، وروى سعيد في سننه عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: «رباط يومٍ في سبيل الله أحب إليَّ من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين: مسجد الحرام، أو مسجد رسول الله ﷺ » (٣). ومن رابط أربعين يومًا فقد استكمل الرِّباط، ولو رابط أقلَّ من ذلك أو أكثر فله ثَوابُ ما عَمِلَه، فإن النبي ﷺ قال: «رباط يومٍ في سبيل الله» و «رباط ليلةٍ» (٤)، وجعل أجر ذلك حاصلًا له بمفرده، وقال أحمد: «يومٌ رباطٌ، وليلةٌ رباطٌ، وساعةٌ رباطٌ» (٥)، وقال: عن أبي هريرة ﵁: «من رابط يومًا في سبيل الله كتب الله له أجر الصائم القائم، ومن زاد زاده الله» (٦). وأفضل الرِّباط المُقامُ بأشدِّ الثُّغور خوفًا؛ لأنَّهم أحوج، ومُقامُه به أنفع.

стр. 1119

[١٢٥٠/ ٩] مسألة: (ولا يستحب نَقْل أَهلِه إلى الثَّغر (١)، قال الأثرم: «مذهب أبي عبدالله كراهية حمل النساء والذُّرِّية إلى الثغور» (٢)، وروى الأثرم قال: قال عمر ﵁: «لا تُنزلوا المسلمين ضِفَّة البحر» (٣)، ولأنه لا يُؤمن ظَفَرُ العَدوِّ بها فيَسْتَولوا على النساء والذرية. قيل لأبي عبدالله: تخاف على المنْتَقلِ بعياله إلى الثَّغر الإثمَ؟ قال: «كيف لا أخاف الإثم وهو يُعرِّض ذريته للمشركين!» (٤). (٥) وفي الحرس في سبيل الله فضل كثير، فروى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «عينان لا تَمَسُّهما النار، عَين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» رواه الترمذي وقال: «حديث حسن غريب» (٦). [١٢٥١/ ١٠] مسألة: (وتجب الهجرة على من يَعجِز عن إظهار دينه في دار الحرب)؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ

стр. 1120

قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، ولأن القيام بواجبِ الدِّين واجبٌ، ولا يُتمَكَّن منه إلا بالهجرة، وما لا يتمكن من الواجب إلا به واجبٌ، لكونه من ضرورة الواجب، وقال ﵇: «أنا بريءٌ من مسلمٍ بين مشركين تراءى ناراهما» (١)، ومعناه: ألا يكون بموضعٍ إذا أُوقدت نارهم رَآها، وإذا أَوقَدَ ناره رَأَوها. وحكمها باقٍ، قال ﵇: «لا تنقطع الهجرة إلى يوم القيامة» رواه سعيد (٢)، فأما قوله ﵇: «لا هجرة بعد الفتح»، وقوله: «قد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» رواهما سعيد (٣)، فمعناهما: لا هجرة من مكة بعد فتحها، أو من بلدٍ بعد فتحه؛ لأن الهجرة الخروج من دار الكفر إلى

стр. 1121

دار الإسلام، وبعد الفتح صار للمسلمين، فلا هجرة منه إذًا. [١٢٥٢/ ١١] مسألة: (ويستحب لمن قَدَرَ على إظهار دينه)؛ لأن في إقامته بينهم تكثيرًا لعددهم، واختلاطًا بهم، ورؤيةَ المنكر بينهم. [١٢٥٣/ ١٢] مسألة: (ولا يجاهد من عليه دَيْنٌ لا وفاء له، إلا بإذن غريمه)، إلا أن يترك له وفاءً، أو يقيم له كفيلًا؛ لأنَّ الجهاد يقصد منه الشهادة، وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها، وقد جاء أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول إنْ قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا [أتُكفَّر] (١) عني خطاياي؟ قال: «نعم، إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك» (٢). (فأما إذا تعين الجهاد فلا إذْنَ لغَريمه (٣)؛ لأنه حقٌّ تعلق بِعَينِه، فكان مقدمًا على ما في ذِمَّته كسائر فروض الأعيان، ولكن يستحب له أن لا يَتَعرَّض لمظانِّ القتل، من المبادرة، والوقوف في أوائل المقاتلة؛ لأنَّ فيه تغريرًا بتَفوِيت الحقِّ. فأما إن ترك وفاءً، أو أقام كفيلًا، فله الغَزْو بغير إذنٍ، نصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ عبدالله بن حرام أبا جابر ﵁ خرج إلى أحدٍ وعليه دينٌ كثيرٌ، فاستشهد، وقضاه عنه ابنه بعِلْمِ رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك (٥).

стр. 1122

[١٢٥٤/ ١٣] مسألة: (وإن كان أبواه مسلمين، أو أحدُهما، لم يُجاهد تطوعًا إلا بإذنهما)، روي ذلك عن عمر وعثمان ﵄ (١)؛ لما روى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أجاهد؟ فقال: «ألك أبوان قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» (٢)، وعن ابن عباس ﵁ مثله، أخرجه الترمذي، وقال: «حديث حسنٌ صحيحٌ» (٣)، وفي روايةٍ أنه قال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويَّ يبكيان! قال: «ارجع إليهما فأضْحِكهما كما أبْكَيتَهما» (٤)، ولأنَّ برَّ الوالدين فرض عينٍ والجهاد فرض كفايةٍ، وفرض العين يقدم. فأما إن كان أبواه غير مسلمين فلا إذن لهما؛ لأنَّ كثيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ﵁ (٥) كان يوم بدرٍ مع

стр. 1123

النبي ﷺ وأبوه رئيسَ المشركين قُتِلَ ببدر، وأبو عبيدة قَتَل أباه في الجهاد، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية (١). [١٢٥٥/ ١٤] مسألة: (ولا يَحِلُّ للمسلمين الفِرار من ضعفهم، إلا متَحرِّفين للقتال، أو متحيزين إلى فئةٍ (٢)؛ لقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] وقال سبحانه: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، وذكر النبي ﷺ الفرارَ من الزحف فعَدَّه من الكبائر (٣). وإنما يجب الثَّبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار ضِعْفَ المسلمين أو أقلَّ، فإن كانوا أكثر من ضِعْفِ المسلمين فلهم الفرار؛ لقوله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فالمراد به الأمر والفرض، بدليل قوله سبحانه في صدرها: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، ولو أريد به الخبر لم يكن رَدُّنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبته للاثنين تخفيفًا، ولأن خبر الله صدق لا يقع بخلاف مُخبَره، وقد علم أنه لا يقع الظَّفر للمسلمين في كل مرةٍ، فعُلِم أنه أمرٌ وفرضٌ، ولم يأت بشيءٍ ينسخ هذه الآية فوجب الحكم بها.

стр. 1124

الشرط الثاني: أن يريد بفراره التحيُّزَ إلى فئةٍ أو التَّحَرُّفَ لقتالٍ، فإن فرَّ قاصدًا لذلك فهو مباح له، ولقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، ومعنى التَّحرفِ للقتال: أن يَنْحازَ إلى موضعٍ يكون القتال فيه أمْكَن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشَّمس أو الرِّيح إلى استدبارها، أو من وَهْدةٍ (١) إلى علوٍّ أو إلى جبلٍ، أو من منكشِفٍ إلى مستَتِرٍ، أو مَعطَشَةٍ إلى موضعِ ماءٍ، أو يَفِرَّ بين أيديهم لينفردَ خَيلهم من رجّالتهم، أو لتنتقض صفوفهم، أو ليجد فيهم فرصةً، أو نحو ذلك من عادةِ أهل الحرب. وأما التَّحيز إلى فئةٍ: فهو أن يَصير إلى قومٍ من المسلمين ليكون مع الجماعة ويقوى بهم على قتال الكفار، سواء بعدت أو قربت؛ لأنَّ ابن عمر ﵁ روى أن النبي ﷺ قال: «إني فئةٌ لكم» وكان بالمدينة، رواه الترمذي، ولفظه: «أنا فئتكم»، وقال عمر ﵁: «أنا فئة كلِّ مسلمٍ»، وكانت جيوشه بالشام والعراق وخراسان ومصر، رواهما سعيد (٢). فإن خشي الأسر لغلبةِ العدو له، فالأولى له أن يقاتل حتى يُقتَل، ولا يسلم نفسه للأسر؛ لأنَّه لا يأمَنُ أن يُفتن عن دينه ويُعَذَّب، وإذا قُتِلَ

стр. 1125

صابرًا محتسبًا بلغ منازل الشُّهداء والدرجة الرفيعة، فكان أولى. وإن استَأسَر جاز، بدليل قصة عاصم بن ثابت (١) وأصحابه ﵃، حين نفرت إليهم هُذيلٌ، فقاتل عاصمٌ حتى قُتِل هو وجماعة من أصحابه، واستَأسَر خُبيب (٢) وزيد (٣)، فعاصمٌ أخذ بالعزيمة، وأخذ خبيب وزيد بالرُّخصة، وكلهم غير مذمومٍ، والحديث متفقٌ عليه (٤). فإن كان العَدُّو أكثر من ضِعفِ المسلمين فغَلَبَ على ظنِّ المسلمين الظَّفرَ فالأولى لهم الثَّبات، وإن انصرفوا جاز للآية (٥). وإن غَلَبَ على ظنهم الهَلاك في الإقامة والنَّجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز؛ لأنَّ لهم غرضًا في الشهادة، ويجوز أن يَغْلِبوا. وإن غَلَبَ على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فأولى لهم الثبات، لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين، فيكونون أفضل من الموَلِّين، ولأنه يجوز أن يَغْلِبوا أيضًا، فإن الله تعالى قال:
следующие страницы →