← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

دار الإسلام، وبعد الفتح صار للمسلمين، فلا هجرة منه إذًا. [١٢٥٢/ ١١] مسألة: (ويستحب لمن قَدَرَ على إظهار دينه)؛ لأن في إقامته بينهم تكثيرًا لعددهم، واختلاطًا بهم، ورؤيةَ المنكر بينهم. [١٢٥٣/ ١٢] مسألة: (ولا يجاهد من عليه دَيْنٌ لا وفاء له، إلا بإذن غريمه)، إلا أن يترك له وفاءً، أو يقيم له كفيلًا؛ لأنَّ الجهاد يقصد منه الشهادة، وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها، وقد جاء أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول إنْ قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا [أتُكفَّر] (١) عني خطاياي؟ قال: «نعم، إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك» (٢). (فأما إذا تعين الجهاد فلا إذْنَ لغَريمه (٣)؛ لأنه حقٌّ تعلق بِعَينِه، فكان مقدمًا على ما في ذِمَّته كسائر فروض الأعيان، ولكن يستحب له أن لا يَتَعرَّض لمظانِّ القتل، من المبادرة، والوقوف في أوائل المقاتلة؛ لأنَّ فيه تغريرًا بتَفوِيت الحقِّ. فأما إن ترك وفاءً، أو أقام كفيلًا، فله الغَزْو بغير إذنٍ، نصَّ عليه (٤)؛ لأنَّ عبدالله بن حرام أبا جابر ﵁ خرج إلى أحدٍ وعليه دينٌ كثيرٌ، فاستشهد، وقضاه عنه ابنه بعِلْمِ رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك (٥).

стр. 1122

[١٢٥٤/ ١٣] مسألة: (وإن كان أبواه مسلمين، أو أحدُهما، لم يُجاهد تطوعًا إلا بإذنهما)، روي ذلك عن عمر وعثمان ﵄ (١)؛ لما روى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أجاهد؟ فقال: «ألك أبوان قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» (٢)، وعن ابن عباس ﵁ مثله، أخرجه الترمذي، وقال: «حديث حسنٌ صحيحٌ» (٣)، وفي روايةٍ أنه قال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويَّ يبكيان! قال: «ارجع إليهما فأضْحِكهما كما أبْكَيتَهما» (٤)، ولأنَّ برَّ الوالدين فرض عينٍ والجهاد فرض كفايةٍ، وفرض العين يقدم. فأما إن كان أبواه غير مسلمين فلا إذن لهما؛ لأنَّ كثيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ﵁ (٥) كان يوم بدرٍ مع

стр. 1123

النبي ﷺ وأبوه رئيسَ المشركين قُتِلَ ببدر، وأبو عبيدة قَتَل أباه في الجهاد، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية (١). [١٢٥٥/ ١٤] مسألة: (ولا يَحِلُّ للمسلمين الفِرار من ضعفهم، إلا متَحرِّفين للقتال، أو متحيزين إلى فئةٍ (٢)؛ لقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] وقال سبحانه: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، وذكر النبي ﷺ الفرارَ من الزحف فعَدَّه من الكبائر (٣). وإنما يجب الثَّبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار ضِعْفَ المسلمين أو أقلَّ، فإن كانوا أكثر من ضِعْفِ المسلمين فلهم الفرار؛ لقوله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر فالمراد به الأمر والفرض، بدليل قوله سبحانه في صدرها: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، ولو أريد به الخبر لم يكن رَدُّنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبته للاثنين تخفيفًا، ولأن خبر الله صدق لا يقع بخلاف مُخبَره، وقد علم أنه لا يقع الظَّفر للمسلمين في كل مرةٍ، فعُلِم أنه أمرٌ وفرضٌ، ولم يأت بشيءٍ ينسخ هذه الآية فوجب الحكم بها.

стр. 1124

الشرط الثاني: أن يريد بفراره التحيُّزَ إلى فئةٍ أو التَّحَرُّفَ لقتالٍ، فإن فرَّ قاصدًا لذلك فهو مباح له، ولقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، ومعنى التَّحرفِ للقتال: أن يَنْحازَ إلى موضعٍ يكون القتال فيه أمْكَن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشَّمس أو الرِّيح إلى استدبارها، أو من وَهْدةٍ (١) إلى علوٍّ أو إلى جبلٍ، أو من منكشِفٍ إلى مستَتِرٍ، أو مَعطَشَةٍ إلى موضعِ ماءٍ، أو يَفِرَّ بين أيديهم لينفردَ خَيلهم من رجّالتهم، أو لتنتقض صفوفهم، أو ليجد فيهم فرصةً، أو نحو ذلك من عادةِ أهل الحرب. وأما التَّحيز إلى فئةٍ: فهو أن يَصير إلى قومٍ من المسلمين ليكون مع الجماعة ويقوى بهم على قتال الكفار، سواء بعدت أو قربت؛ لأنَّ ابن عمر ﵁ روى أن النبي ﷺ قال: «إني فئةٌ لكم» وكان بالمدينة، رواه الترمذي، ولفظه: «أنا فئتكم»، وقال عمر ﵁: «أنا فئة كلِّ مسلمٍ»، وكانت جيوشه بالشام والعراق وخراسان ومصر، رواهما سعيد (٢). فإن خشي الأسر لغلبةِ العدو له، فالأولى له أن يقاتل حتى يُقتَل، ولا يسلم نفسه للأسر؛ لأنَّه لا يأمَنُ أن يُفتن عن دينه ويُعَذَّب، وإذا قُتِلَ

стр. 1125

صابرًا محتسبًا بلغ منازل الشُّهداء والدرجة الرفيعة، فكان أولى. وإن استَأسَر جاز، بدليل قصة عاصم بن ثابت (١) وأصحابه ﵃، حين نفرت إليهم هُذيلٌ، فقاتل عاصمٌ حتى قُتِل هو وجماعة من أصحابه، واستَأسَر خُبيب (٢) وزيد (٣)، فعاصمٌ أخذ بالعزيمة، وأخذ خبيب وزيد بالرُّخصة، وكلهم غير مذمومٍ، والحديث متفقٌ عليه (٤). فإن كان العَدُّو أكثر من ضِعفِ المسلمين فغَلَبَ على ظنِّ المسلمين الظَّفرَ فالأولى لهم الثَّبات، وإن انصرفوا جاز للآية (٥). وإن غَلَبَ على ظنهم الهَلاك في الإقامة والنَّجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز؛ لأنَّ لهم غرضًا في الشهادة، ويجوز أن يَغْلِبوا. وإن غَلَبَ على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فأولى لهم الثبات، لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين، فيكونون أفضل من الموَلِّين، ولأنه يجوز أن يَغْلِبوا أيضًا، فإن الله تعالى قال:

стр. 1126

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. (١) [١٢٥٦/ ١٥] مسألة: (وإن أُلقي في مركبهم نارٌ فعلوا ما يرون السلامة فيه (٢)، قال أحمد: «كيف شاءَ يَصْنَع، قال الأوزاعي: هما مَوتتان، فاختر أيسرهما» (٣). وإن استوى عنده الأمران فظاهر كلام أحمد والأوزاعي أنهم مخيرون، وقال أبو الخطاب: «فيه روايةٌ: أنه يلزمهم المقام (٤) (٥)؛ لأنه إذا رمى نفسه كان موته بفعله، وإن أقام فموته بفعل غيره. (٦) (٧)

стр. 1127

(ويجوز تبييت الكفار (١)، ورميهم بالمَنجنيق (٢)، وقطع المياه عنهم، وهدم حصونهم)، وإن تَضَمَّن ذلك إتلاف النساء والصبيان؛ لما روى الصَّعبُ بن جَثَّامة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن الدّار من دِيار المشركين يُبَيِّتهم، فيصيب من نِسائهم وذَرارِيّهم، فقال: هم منهم» متفقٌ عليه (٣)، وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ نصب منجنيقًا على أهل الطائف (٤)؛ لأن في ذلك إهلاكهم، فيجوز كقتلهم. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان (٥)! قلنا: هو محمولٌ على التَّعَمُّد لقتلهم، قال أحمد: «فأما أن يتعمد لِقَتلهم فلا» (٦)، قال: «ولا نعلم أحدًا كره بيات العدو» (٧)، وقال: «وحديث الصَّعب بعد نهيه عن قتل النساء» (٨)؛ لأن نهيه عن قتل النساء

стр. 1128

حين بعث إلى ابن أبي الحُقيق. (١) [١٢٥٧/ ١٦] مسألة: (ولا يجوز إحراقُ نَحْلٍ ولا تَغْريقُه، ولا عَقْرُ دابةٍ ولا شاةٍ إلا لأكلٍ يحتاج إليه)، وإن كان فيه غيظهم؛ لما روى عبدالله بن عبيدة (٢) أن أبا بكر الصديق ﵁ قال ليزيد (٣) وهو يوصيه حين بعثه أميرًا: «يا يزيد لا تقتل صبيًّا، ولا امرأةً، ولا هَرمًا، ولا تخربنَّ عامرًا، ولا تَعقِرنَّ شجرًا، ولا دابةً عجماء، ولا شاةً إلا لمأكلةٍ، ولا تُحرقنَّ نحلًا، ولا تُغرقنَّه، ولا تَغْلُل، ولا تَجبُن» أخرجه سعيد (٤)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى أن يُقتَل شيء من الدَّواب صَبْرًا (٥)، ولأنه ذو روحٍ، فلا يجوز قتله لغيظ المشركين كالنساء والصبيان. أما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن، بخلاف حالهم إذا قدر عليهم. وقتل بهائمهم يتوصل بها إلى قتلهم وهزيمتهم، فقد روي أن حنظلةَ بن الراهب ﵁ عقر دابة أبي سفيان يوم أحدٍ، حتى رمت به، حتى

стр. 1129

خلَّصه ابن شَعُوب (١)، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك (٢)، وليس في هذا خلاف (٣). [١٢٥٨/ ١٧] مسألة: (وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعه روايتان: إحداهما: يجوز إن لم يَضُرَّ بالمسلمين (٤) لأنَّ الزرع والشجر ثلاثة أقسام: أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه، كالذي يقرب من حُصونهم، ويمنع من قتالهم، فيحتاج إلى قطعه وإزالته للتَّمَكُّنِ من القِتال، أو لتَوسِعة طريقٍ، أو لينْتَفع به المسلمون في وقودٍ أو تَسَتُّر، أو سدِّ بَثَقٍ ونحو ذلك، فهذا جائزٌ بغير خلاف (٥). الثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه، لكونهم يَسْتَظلّون بظِله، ويأكلون من ثَمَرِه، ويحتاجون إلى إبقائه، فهذا يحرم إتلافه؛ لما فيه من الإضرار بالمسلمين. الثالث: ما عدا هذين القسمين، مما لم يكن فيه نفعٌ ولا ضررٌ بالمسلمين، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقطع ولا يحرق؛ لما تقدم من حديث أبي بكر ﵁ ووصيته ليزيد، ولأن فيه إتلافًا مَحضًا، فلم يجز كعقر الحيوان.

стр. 1130

والثانية: يجوز؛ لقول الله سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، وروى ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ حرَّق نخلَ بني النَّضير وقطع، وهي البُوَيرة (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ﴾، ولها يقول حسان ﵁: وهانَ على سراة بني لؤي … حريقٌ بالبويرة مستطيرُ» متفقٌ عليه (٢). وعن الزهري عن عروة قال: «فحدثني أسامة أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه فقال: «أغِر على أُبْنَى (٣) صباحًا، وحرِّق» رواه أبو داود، قيل لأبي مُسْهِر (٤): أُبْنَى؟! قال: «نحن أعلم، هي يُبنا فلسطين» (٥).

стр. 1131

والقول في تخريب بيوتهم العامرة كالقول في قطع شجرهم وإحراق زرعهم. وهذا ما لم يكونوا يفعلون ذلك في بلدنا، فإن كانوا يفعلونه في بلدنا فعلناه في بلدهم مجازاةً على فعلهم، ومقابلة لهم بمثل جريمتهم، ولعلهم ينتهون. (١) [١٢٥٩/ ١٨] مسألة: (وكذلك رَميهم بالنار، وفَتحُ الماءِ ليُغْرِقَهم)، وذلك أنه إذا قَدَرَ عليهم لم يُحرِّقهم بالنار؛ لما روى حمزة الأسلمي ﵁ (٢) أنَّ رسول الله ﷺ أَمَّرَه على سريةٍ، قال فخرجت فيها فقال: إن أخذتم فلانًا فأَحْرِقوه بالنار فوَلَّيتُ، فناداني فرجعت، فقال: «إن أخذتم فلانًا فاقتلوه ولا تُحْرِقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار»، رواه سعيد وأبو داود (٣)، وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «وأن النار لا يعذب بها إلا الله» (٤) وفي البخاري عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تعذبوا بعذاب الله» (٥). (٦) وإن قَدر عليهم بغير النار لم يجز تحريقهم بها؛ لأن الحاجة غير

стр. 1132

داعيةٍ إليه. فأما المقاتَلَةُ بالنار ورَميُ العَدُوِّ بها عند العجز عنهم بغيرها فجائز لابأس به، وعليه الناس. وكذلك الحكم في فتح البُثوق عليهم (١) وتغريقهم بالماء إن قدر عليهم بغير ذلك لم يجز؛ لأن هذا يعم إتلافه، ويُهلك الذُّرية والنساء الذين يحرم قتلهم قصدًا. وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البَيات، وإن تضَمَّن قتل النساء والصبيان. [١٢٦٠/ ١٩] مسألة: (وإذا ظُفِر بهم لم يُقتَل صبيٌّ ولا امرأةٌ ولا راهبٌ ولا شيخٌ فانٍ ولا زَمِنٌ ولا أعمى لا رَأي لهم إلا أن يقاتلوا)؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان» متفقٌ عليه (٢)، ولأنَّ الصَبيَّ يَصير رقيقًا بنفس السَّبْيِ، ففي قتله إتلاف المال. وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: «انطلقوا على اسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا امرأةً» (٣)، وروي عن النبي ﷺ وعن الخليفتين الراشدين ﵄ (٤)، وفي حديث أبي بكر ﵁: «وستمرون على

стр. 1133

أقوامٍ في صوامعَ احتبسوا أنفسهم فيها، فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم» (١)، ولأنه لا نكاية لهم في القتال، فلم يَجز قتلهم كالنساء. والزَّمِن والأعمى يقاس على الشيخ لما بيَّناه من عدم النكاية. [١٢٦١/ ٢٠] مسألة: ومن قاتل من هؤلاء أو النساء أو المشايخ أو الرُّهبان في المعركة أو كانوا من أهل الرأي قُتلوا؛ لأنَّ النبي ﷺ وقف على امرأةٍ مقتولةٍ فقال: «ما بالها قُتِلت وهي لا تقاتل؟!» (٢)، وهذا يدل على أنه إنَّما نَهى عن قتل المرأة إذا لم تُقاتل، وروي أنه مرَّ على امرأةٍ مقتولةٍ يوم الخندق فقال: «من قتل هذه؟ فقال رجلٌ: أنا. قال: ولم؟ قال: نازعتني قائمَ سيفي. قال: فسكت» (٣). وإذا كان الشيخ ذا رأيٍ جاز قتله؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) [التوبة: ٥]، ولأنه روي في حديثٍ: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستَحْيُوا شَرْخَهم (٥) رواه أبو داود والترمذي (٦)، وقال: «حديث حسن

стр. 1134

صحيح»، ولأنه كافرٌ فيه ضَرَرٌ، ولا نَفْعَ في حياته، فيقتل كالشّابِّ، ولأنَّ الرَّأي والمكيدة من أعظم المعونة في الحرب. وقد جاء عن معاوية ﵁ أنه قال لمروان (١) والأسود (٢): «أَمَدَدتُما عليًّا بقَيس بن سعد (٣) وبرأيه ومكايدته! فوالله لو أنكما أمدَدْتُّماه ثمانية آلاف مقاتل ما كان أغيظ لي من ذلك» (٤)، وقال الشاعر (٥): الرَّأي قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ … هو أوَّلٌ وهيَ المَحلُّ الثاني وإذا هما اجتمعا لنفسٍ مَرَّةً … بلَغَتْ من العَلياء كلَّ مَكانِ ولرُبَّما طَعَنَ الفَتى أقرانَهُ … بالرَّأْيِ قَبلَ تَطاعُنِ الفُرسانِ

стр. 1135

فأما الشَّمامِسة (١) والقِسِّيسونَ (٢) فيقتلون؛ لعموم الآية فيهم، وعدم ما يخصهم، بَلْ هم أولى بالقتل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، وكان أبو بكر ﵁ يأمر بقَتلِ الشَّمامسة من العَدُوِّ ويقول: «لأن أقتل رجلًا منهم أحبُّ إليَّ من أن أقتل سبعين من غيرهم» (٣). فأما المريض فإن كان شابًا قُتِل، إلا أن يكون مأيوسًا من بُرئه؛ لأنه بمنزلة الجريح يُذَفَّفُ عليه (٤)، وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقتلنَ ذُرِّيةً ولا عسيفًا» (٥)، وعن عمر ﵁: «اتقوا الله في الفلّاحين الذين لا يَنصِبون لكم الحرب» (٦). [١٢٦٢/ ٢١] مسألة: (فإن تَتَرس الكفار بمن لا يجوز قتله جاز رَمْيُهم، ويقصِد المقاتِلة)؛ لأنَّ النبي ﷺ رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء

стр. 1136

والصبيان (١)، ولأن كفَّ المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد، فإنهم إذا علموا ذلك تَتَرسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد. [١٢٦٣/ ٢٢] مسألة: (وإن تَتَرسوا بمسلمين لم يجز رميهم، إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار)؛ لأنها حال ضرورةٍ. وإن لم يَخَفْ على المسلمين ولم يقدر على الكفار بدون الرَّمي فقال القاضي: «إذا كانت الحرب قائمة جاز رميهم» (٢)؛ لأن تَرْكَ رَميِهم يفضي إلى تعطيل الجهاد. فعلى هذا إن قتل مسلمًا فعليه الكفارة، وفي الدِّية على عاقِلتِه روايتان: إحداهما: تجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الآية. والثانية: لا تجب؛ لأنه رَميٌ مباحٌ أشبه إذا رمى فأصاب مسلمًا لم يعلمه. (٣) [١٢٦٤/ ٢٣] مسألة: (ومن أَسر أسيرًا لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام، إلا أن يَمتنع من المسير معه، ولا يمكنه إكراهه)؛ لأنه إذا صار أسيرًا فالخيرة فيه إلى الإمام، وعنه ما يدل على إباحة قتله (٤). (٥)

стр. 1137

فإن امتنع الأسير من الانقياد معه فله إكراهه بالضرب وغيره، فإن لم يُمكن إكراهه فله قتله، وكذلك إن خافه قَتَلَه. فإن كان امتناعه لمرضٍ قَتَلَه أيضًا، وقد توقف أحمد عن قتله (١)، والأولى قتله، كما أنه يُذَفَّفُ على الجريح، ولا يَدَعه حيًّا يعود ضرره على المسلمين. (٢) فأما أسير غيره فلا يقتله. فإن قتل أسيره أو أسير غيره لم يضمنه؛ لأنه ليس بمالٍ فلم يَغرَمْه، كما لو قتل كلبًا، ولذلك أبيح للأمير إتلافه، ولأنه أتلف ما ليس بمال. فأما إن قتل امرأةً أو صبيًّا غَرِمَ؛ لأنهما مالٌ، فإنهما صارا بنفس السَّبي رقيقًا. [١٢٦٥/ ٢٤] مسألة: (ويخير الإمام في الأسرى بين القتل، والاسترقاق، والمَنِّ، والفداء بمسلم أو بمالٍ (٣)، فأما الفداءُ والمَنُّ فلقول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، ولأن النبي ﷺ مَنَّ على أبي عَزَّةَ الشاعر يوم بدر (٤)، ومَنَّ على أبي العاص بن الربيع (٥)، وعلى ثُمامة بن

стр. 1138

أُثال الحنفي (١)، وفادى أسيرًا برجلين من أصحابه أسرتهما ثقيف (٢)، وفادى أسارى بدرٍ بالمال (٣). (٤) وأما القتل فلأن النبي ﷺ قتل يوم بدرٍ النَّضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط (٥) صبرًا (٦)، وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحي (٧)، وقتل قُريظة (٨)، ولأنه أنْكى فيهم وأبلغ في إرهابهم فيكون أولى. وأما الاسترقاق فيجوز في أهل الكتاب والمجوس؛ لأنه يجوز

стр. 1139

إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرِّق أولى؛ لأنه أبلغ في صَغارهم. وإن كان من غيرهم ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز إرقاقه، اختارها الخرقي (١)؛ لأنه لا يُقَرُّ بالجزية فلم يجز إرقاقه كالمرتد. والثانية: يجوز؛ لأنه كافرٌ أصليٌّ فأشبه الكتابي. (٢) فإن أسلم الأسير حَرُم قتله؛ لقوله: «لا يَحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ» (٣)، ويتَخيَّر فيه بين المَنِّ عليه؛ لأنه إذا جاز المَنُّ عليه حال كفره ففي حال إسلامه أولى، وبين إرقاقه وفدائه. وقال أصحابنا: يصير رقيقًا بنفس الإسلام، ويسقط التَّخَيُّر لأنه ممن يَحرُم قتله فأشبه المرأة. (٤) وأما النساء والصبيان فإنهم يصيرون رقيقًا بنفس السَّبي؛ لأنهم مالٌ لا ضرر في اقتنائه فأشبهوا البهائم. وأما الرجال الذين يحرم قتلهم كالشيخ الفاني ونحوه فلا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع في استرقاقهم، ولا يحل قتلهم. إذا ثبت هذا فإن التخيير الثابت في الأسرى تخيير مصلحةٍ واجتهادٍ لا تخيير شهوةٍ، فمتى رأى المصلحة للمسلمين في أحد الخصال تَعيَّنت عليه ولم يجز غيرها؛ لأنه ناظرٌ للمسلمين، فلم يجز له ترك ما فيه الحظُّ كَوليِّ اليتيم.

стр. 1140

فمتى رأى القتل ضرب عنقه بالسيف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، ولأن النبي ﷺ أمر بالذين قتلهم فضربت أعناقهم. ولا يجوز التمثيل به؛ لما روى بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَريةٍ قال: «اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تُعذبوا، ولا تُمثلوا، ولا تَغُلُّوا» (١). وإن اختار الفداء جاز أن يفديهم بأُسارى المسلمين، وجاز بالمال؛ لأن النبي ﷺ فعل الأمرين (٢)، وقال أبو الخطاب: «لا يجوز فداؤهم بالمال في أحد الوجهين كما لا يجوز بيع رقيق المسلمين للكفار في إحدى الروايتين» (٣)، ولأنه إذا لم يَجُز أن يبيعهم السلاح لما فيه من تقويتهم على المسلمين فبيع أنفسهم أولى، فإن فادى بالمال أو استرقهم كان الرقيق والمال للغانمين. وليس له إطلاق الأسارى ولا المال إلا برضاهم؛ لما روى مروان ابن الحكم والمِسْوَر بن مخرمة ﵁ (٤) أن رسول الله ﷺ لما جاءه وفد هوازن مسلمين قال: «إن إخوانكم جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد عليهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حقِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال ناسٌ: قد طيَّبنا ذلك يا رسول الله» (٥).

стр. 1141

[١٢٦٦/ ٢٥] مسألة: (فإن أسلموا رَقُّوا في الحال)، سبقت هذه المسألة (١). [١٢٦٧/ ٢٦] مسألة: (ومن سُبِيَ من أطفالهم منفردًا، أو مع أحد أبويه فهو مسلمٌ)، وذلك أنه إذا سُبي منفردًا عن أبويه تَبِعَ سابِيَهُ في الإسلام إجماعًا (٢)؛ لأنه زال حكم أبويه لانفراده عنهما واختلاف الدَّار بهما، فأشبه ما لو ماتا. وإن سُبِي مع أحد أبويه فإنه يحكم بإسلامه أيضًا، وعنه: يكون تابعًا لأبيه في الكفر (٣)؛ لأنه لم ينفرد عن أبويه فلم يحكم بإسلامه، كما لوكان معهما جميعًا. ودليل الأولى قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه» (٤)، فجعله على الفطرة من لم يهوده أبواه، فمفهومه أنه لا يتبع أحدهما؛ لأن الحكم متى عُلِّق بشيئين لا يثبت بأحدهما، ولأنه يتبع سابِيَهُ إذا كان منفردًا، فيتبعه وإن كان مع أحد الأبوين كافرًا، كما لو أسلم أحد الأبوين وبقي الآخر على كفره، وهذا لأنَّ كل شخصٍ غُلِّبَ حكم إسلامه منفردًا غُلِّبَ مع أحد الأبوين كما لو أسلم أحد الأبوين.

стр. 1142

(فأما إن سُبِيَ مع أبويه فإنه يكون على دينهما)؛ للخبر، ولأنَّ مِلك السابي له لا يمنع اتباعه لأبويه، بدليل ما لو كان لرَجلٍ عبد وأَمَةٌ كافران فزوجه منهما، فإن الولد يكون كافرًا وإن كان المالك مسلمًا. (١) [١٢٦٨/ ٢٧] مسألة: (ولا يَنْفَسخُ النِّكاح باسترقاق الزَّوجين)؛ لأن الرِّق معنًى لا يمنع ابتداء النِّكاح فلا يَقطَع استدامَتَه كالعتق. (٢) (وإن سُبيت المرأة وحدَها انْفَسخَ نكاحها وحلَّت لسابيها)، بغير خلافٍ نعلمه (٣)، لقول الله سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، قال أبو سعيد الخدري ﵁: «نزلت في سَبْيِ أوطاسٍ، وكانوا أخذوا النِّساء دون أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» رواه الترمذي (٤)، وقال: «حديث حسن» (٥). [١٢٦٩/ ٢٨] مسألة: (وهل يجوز بيع من استُرِقَّ منهم للمشركين؟ على روايتين)، إحداهما: لا يجوز؛ لأنَّ عمر ﵁ نهى عن بيع رقيق

стр. 1143

المسلمين للكفار (١)، ولأنَّ رقيق المسلمين [تعريضه] (٢) الإسلام، وفي بيعه للكافر إزالة ذلك. والثانية: يجوز؛ لأنه يجوز رَدُّ الكافر إلى الكُفَّار فجاز كالمفاداة بهم قبل الاسترقاق، ولأنَّ النبي ﷺ استوهب من سلمة بن الأكوع ﵁ (٣) جاريةً وبعثها إليهم، فَفَكَّ بها ناسًا من أصحابه (٤). (٥) [١٢٧٠/ ٢٩] مسألة: (ولا يُفرَّق في البيع بين ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ إلا بعد البُلوغ على إحدى الروايتين)، أجمعوا على أن التَّفريق بين الأم وولدها الطِّفلِ غير جائز (٦)، ولما روى أبو أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله

стр. 1144

ﷺ يقول: «من فرق بين والدةٍ وَوَلدها فَرَّق الله بينه وبين أحبَّتِه يوم القيامة» أخرجه الترمذي (١)، وقال: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، ولأن في ذلك إضرارًا بها وتَحسُّرًا منها عليه. وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم التَّفريق وإن كان الولد كبيرًا بالغًا (٢)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: يجوز، لما روي عن عبادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يفرق بين الأم وولدها. فقيل: إلى متى؟ قال: حتى يَبْلغ الغلام، وتحيض الجارية» (٣)، ولحديث سلمة ﵁ أنه أتى أبا بكرٍ ﵁ بامرأةٍ وابنتها، فنَفَّله أبو بكر ابنتها، ثم استوهبَها منه النبي ﷺ فوهبها إياه (٤)، ولأن النبي ﷺ أهديت إليه ماريَّةَ وأختها سِيرين فأَمسك ماريَّةَ لنفسه ووهب سيرين لحسان بن ثابت ﵁، ولأنَّ الأحرار يتفرقون بعد البلوغ، فإن المرأة تزوج ابنتها ويفرق بينهما، فالعبيد أولى. ووجه الأول عموم الحديث الذي ذكرناه. والجدُّ كالأب، والجدَّة كالأم، ولذلك يَقوم الجد والجدة مقامَ الأب والأم في الحضانة والميراث والنَّفقة، فقاما مقامهما في تحريم التَّفريق. ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب والأم؛ لأن للجميع حضانة فاستووا في ذلك كاستوائهم في منع شهادة بعضهم لبعض. (٥) فإن فُرِّق بينهم فالبيع فاسد؛ لما روى أبو داود عن علي ﵁ أنه فَرَّق

стр. 1145

بين الأم وولدها، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك، ورَدَّ البيع (١). قال أحمد: «لا يفرق بين الوالدة وولدها، وإن رضيت» (٢)؛ لما فيه من إسقاط حق الولد. ولا يُفَرَّق بين أخوين ولا أختين؛ لما رُوي عن علي ﵁ قال: «وَهَبَ لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال رسول الله ﷺ : ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رُدَّه رُدَّه» رواه الترمذي (٣)، وقال: «حديث حسن غريب»، وروى عبدالرحمن بن فَرُّوخ (٤) عن أبيه قال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: لا تفرقوا بين الأخوين، ولا بين الأم وولدها في البيع» (٥)، ولأنه ذو رحمٍ مَحْرَمٍ من النَّسب فلم يجز التفريق كالولد والوالد.

стр. 1146

فأما العَمَّة وابن أخيها، والخالة وابن أختها فظاهر كلام الخرقي أنه لا يَحرم التَّفريق (١)؛ لأن الخبر ورد في الإخوة وهم أقرب، وقال غيره من أصحابنا: لا يفرق بين كلِّ ذي رحمٍ مَحْرَمٍ، لما ذكرنا من القِياس في الأخوين. (٢) وأما سائر القرابات فلا يَمنع من التَّفريق بينهم عند أحد علمناه؛ لعدم النَّص، وامتناع القياس على المنصوص. ومن لا يجوّز التَّفريق بينهم في البيع يجوّز التفريق بينهم في العِتق والفداء؛ لأنَّ العِتقَ لا تفرقة فيه في المكان بخلاف البيع، والفداء تخليصٌ فهو كالعتق. [١٢٧١/ ٣٠] مسألة: (وإذا حَصَرَ الإمام حِصْنًا لزم مصابَرَتُه إذا رأى المصلحة فيها (٣). ولا ينصرف إلا بخَصْلَةٍ من خصالِ خمسٍ: أن يسلموا فيحرِزوا بالإسلام دماءهم وأموالهم؛ لقوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى

стр. 1147

يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (١)، وإن أسلموا بعد الفتح أحرزوا دماءهم دون أموالهم ويُرقُّون. الثانية: أن يَبْذُلوا مالًا على المُوادعة (٢)، فيجوز قَبوله منهم، سواءٌ أعطوه جملةً أو جعلوه جِزيةً أو خَراجًا مُستَمرًّا يؤخذ منهم كلَّ عامٍ إن كانت المصلحة فيه. الثالثة: أن يفتحه. الرابعة: أن ينزلوا على حُكْمِ الحاكمٍ فيجوز؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه لما حاصر بني قريظة رَضُوا بأن يَنزلوا على حكم سعد بن معاذٍ، فأجابهم إلى ذلك (٣). فيعتبر أن يكون الحاكم مسلمًا، حرًّا، عاقلًا، بالغًا، ذكرًا، عدلًا، فقيهًا، كما يشترط في القاضي. ولا يحكم إلا بما فيه الحظُّ للمسلمين. فإن حَكَمَ بقتلِ مقاتِلَتِهم وسَبي ذراريِّهم نَفَذَ حكمه؛ للخبر، وإن حَكَمَ بالمَنِّ على المقاتِلة وسبي الذرية فقال القاضي: «يلزم» (٤)، لأنَّه قد يكون مصلحة للمسلمين، كما يجوز للإمام أن يَمُنَّ على الأسرى إذا رأى المصلحة. واختار أبو الخطاب أنه لا يلزم حكمه (٥)؛ لأنَّ عليه الحكم بما فيه الحظ. (٦)

стр. 1148

وإن حكم بالاسترقاق جاز؛ لأنه إذا نفذ حكمه بالقتل نفذ بالاسترقاق؛ لأنه أَخَفُّ. وإن حكم بالفداء جاز؛ لأنَّ للإمام أنْ يَمُنَّ عليهم ويطْلِقَهم بغير شيءٍ. وإن حكم عليهم بإعطاء الجزية لم يلزم؛ لأنَّ عقد الذمة عقد معاوضةٍ فلا يثبت إلا بالتَّراضي، ألا ترى أن الإمام لا يملك إجبار الأسير على إعطاء الجزية. وإن حكم بالقتل والسَّبيِ فللإمام أن يَمُنَّ على بعضهم؛ لأنَّ ثابت بن قيس ﵁ (١): «سأل في الزَّبير بن باطا من قريظة ومالِه رسول الله ﷺ فأجابه» (٢)، ويخالف مال الغنيمة إذا حازه الإمام لأن ملكهم استقر. وإن أسلموا قبل استرقاقهم حَقَنوا دماءهم وأموالهم وأولادَهم الصِّغار؛ لأنهم أسلموا وهم أحرارٌ وأموالهم لهم. ولم يجز استرقاقهم في أحد الوجهين بخلاف الأسير؛ لأنه قد ثبت للأمير استرقاقه. وفي الوجه الآخر: يجوز؛ كالأسير إذا أسلم يجوز استرقاقه. (٣) وإن أسلموا بعد الحكم عليهم؛ فإن كان الحكم عليهم بالقتل سَقَطَ، ولم يكن له استرقاقهم في أحد الوجهين؛ لما ذكرناه من أنه لم يَثْبُت له

стр. 1149

استرقاقهم، وإنما وجب القتل وسقط، ويكون المال على ما حكم فيه. وإن حُكِمَ بأن المال للمسلمين كان غنيمةً؛ لأنهم أخذوه بالقَهْرِ والحَصْرِ. الخامسة: أن يَتَضرَّرَ المسلمون بالإقامة فالانصراف أولى، فإن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف فلم يَنَلْ منهم شيئًا فقال: «إنّا قافلون إن شاء الله غدًا. فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؟ فقال رسول الله ﷺ : اغدوا على القتال، فغدوا عليه فأصابهم جِراحٌ. فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا قافلون غدًا. فأعجبهم، فضحك رسول الله ﷺ !» متفقٌ عليه (١). * * *

стр. 1150

باب ما يلزم الإمامَ والجيشَ (يلزم الإمامَ عند مَسِير الجيش تعاهدُ الخيل والرِّجال، فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول) دار الحرب، كالضعيف من الخيل والرِّجال؛ لئلا ينقطع فيها، وربما كان سَبَبًا للهزيمة. (ويَمْنَعُ المُخَذِّلَ)، وهو الذي يُفَنِّد الناس عن الغزو. (و) يمنع (المُرْجِفَ)، وهو الذي يُحدِّث بقُوَّة الكفار وضعف المسلمين وهلاك بعضهم ويُخَيِّل إليهم أسباب ظَفَرِ عدوهم بهم؛ لأن ذلك يضُرُّ بالمسلمين فيجب صيانتُهم عنه. (و) يمنع (النساء)؛ لأنهن لسْنَ من أهل القتال، وقَلَّ ما يُنْتفَع بهن فيه؛ لاستيلاء الخور والجبن عليهن، ولا يُؤمن ظفر العدو بهِنَّ فيستحلون منهن ما حرم الله، وقد روى حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه (١): «أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله ﷺ فبعث إلينا، فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: مع من خرجتن؟ وبإذن من خرجتن؟ فقلنا: يا رسول الله خرجنا نغزل الشَّعر، ونُعين به في سبيل الله، ومعنا دواءٌ للجَرحى، ونُناول السِّهام، ونسقي السويق. فقال: قمن، حتى إذا فتح الله خيبر أسهم لنا كما أسهم

стр. 1151

للرجال، فقلت: يا جدة، ما كان ذلك؟ قالت: تمرًا» (١). (فأما المرأة الطاعنة في السن (٢) وهي الكبيرة (إذا كان فيها نفعٌ مثل سقي الماء وعلاج الجرحى فلا بأس بها)؛ للخبر، وقالت الرُّبَيِّعُ ﵂: «كنا نغزو مع النبي ﷺ لسقي الماء ومعالجة الجرحى» (٣)، وقال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سُليمٍ ونسوةٍ معها من الأنصار لسَقي الماء ويداوين الجرحى»، قال الترمذي: «صحيح» (٤)، وفي مسلمٍ عن أم عطية ﵂ قالت: «غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأقوم على المرضى، وأداوي الجرحى» (٥). ويجوز للأمير أن يَسْتَصحِب امرأةً واحدةً عند الحاجة كما فعل النبي ﷺ (٦)، ولا يجوز لغيره؛ لما ذكرنا من الضَّرَر. [١٢٧٢/ ١] مسألة: (ولا يستعين بمشركٍ (٧)؛ لما روت عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدرٍ، فتبعه رجلٌ من المشركين قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن نستعين بمشرك» (٨) حديثٌ حسنٌ.

стр. 1152

فإن دعت الحاجة إليه ولم يكن حَسَنَ الرَّأي في المسلمين لم يستعن به أيضًا؛ لأنما يخشى من ضَرَره أكثر مما يرجى نفعه، وإن كان حَسَنَ الرَّأي فيهم جاز؛ لأن صفوان بن أمية شهد حنينًا مع رسول الله ﷺ وهو على شركه (١). (٢) [١٢٧٣/ ٢] مسألة: (ويَرْفقُ بهم في السير)؛ لئلا ينقطع ضعيفهم أو يشق عليه. إلا أن تدعو الحاجة إلى الجِدِّ في السَّير لمصلحةٍ رآها فيجوز؛ لأن النبي ﷺ أخذ في السَّير حين بلغه قول عبد الله بن أبيٍّ: لَيُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ؛ ليشتَغِل الناس عن الخوض فيه (٣). [١٢٧٤/ ٣] مسألة: (ويُعِدُّ لهم الزّاد)؛ لأنه مما لا بد منه في الغزو وفي غيره، وبه قوامهم. (ويُقَوي نفوسهم بما يُخيِّل إليهم من أسباب النَّصر)؛ لأنه مما يُطمِعُهم في عدوهم. (ويُعرِّف عليهم العرفاء) وهو أن يجعل لكل جماعةٍ رجلًا يكون كالمقدم عليهم ينظر في حالهم ويتفقدهم. (ويَعقِد لهم الألوية والرايات) كما فعل النبي ﷺ (٤).

стр. 1153

(ويجعل لكلِّ طائفة شِعارًا يتداعَوْن به عند الحرب) لئلا يقع بعضهم في بعضٍ، وهو علامةٌ بينهم يعرفونها. (ويتخير لهم من المنازل أصلحَها لهم، ويَتَتَبع مكامِنَها فيَحفَظُها عليهم)؛ لئلا يُؤتَوا منها، ولا يُغفِلُ الحرسَ والطَّلائع لحفظهم من البَيات. (ويبعث العُيون على العَدوِّ حتى لا يَخفى عليه أمرهم) فيحترز منهم. (ويمنع جيشه من الفَساد والمعاصي)؛ لأنها أسباب الخِذلان. (ويَعِدُ ذا الصبر بالأجر والنَّفَل) ترغيبًا في الجهاد. (ويشاور ذا الرأي منهم)؛ لقول الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وكان النبي ﷺ أكثر الناس مشاورةً لأصحابه. (ويَصُفُّ جَيشه)؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. (ويجعل في كل جَنَبةٍ كفؤًا)؛ ليَحفَظ جانبه. (ولا يَميل مع قريبه وذي مذهبه على مخالفيه)؛ لئلا تَنْكسِر قلوبهم فيَخذلُوه عند الحاجة. [١٢٧٥/ ٤] مسألة: (ويجوز أن يبذل جُعْلًا لمن يدُّله على قلعةٍ أو ماءٍ)؛ لما في ذلك من المصلحة. (ويجب أن يكون معلومًا)؛ لأنه أجرةٌ. (إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز مجهولًا)؛ لأن النبي ﷺ جعل للسَّرية في البَدَاءة الربع وفي الرَّجعة الثلث (١)، وهو مجهولٌ، لأنه جزءٌ

стр. 1154

مما يغنمه، والغنيمة كلها مجهولةٌ، ولأنه مما تدعو الحاجة إليه والجِعالة إنما تجوز بحسب الحاجة. ولا يستحق شيئًا إلا بفتح القلعة؛ لأن جِعالته شيئًا منها اقتضاء اشتراط فتحها. (فإن كان الجُعل جاريةً من القلعة فماتت قبل الفتح فلا شيء له)؛ لأنه عَلَّقَ حَقَّه بشيءٍ مُعينٍ، وقد تَلِفَ بغير تفريط فسقط حقه كالوديعة. وإن فُتحت القلعة عَنوةً سُلِّمت إليه، (إلا أن تكون قد أسلمت قبل الفتح) فإنها عصمت نفسها بالإسلام (فيُدفع إليه قيمتها)؛ لأن النبي ﷺ لمّا صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاء مسلمًا رده إليهم، فجاءه نساءٌ مسلمات منعه الله من رَدِّهن وأمره بردِّ مُهورهن (١). (فأما إن أسلمت بعد الأسر فإنها تُسلَّم إليه إن كان مسلمًا، وإن كان كافرًا فله قيمتها)؛ لأن الكافر لا يجوز أن يبتدئ المِلك على مُسلمٍ. (وإن فتحت صلحًا (٢) واستثنى الإمام الجارية وسلَّمها إليه صحَّ. وإن وقع الصُّلح مطلقًا طُلبت الجارية من صاحب القَلعة وبذلت له قيمتها، فإن سَلَّمها سُلِّمت إلى صاحبها، وإن أبى عُرِض على مُشتَرِطها قيمتها، فإن أخذها أعطي، وإن أبى فقال القاضي: «ينفسخ الصلح» (٣)، لأنه قد تعذَّر إمضاء الصُّلح؛ لأن حقَّ الدال سابقٌ، ولا يمكن الجمع بينه وبين الصلح.

стр. 1155

(ويحتمل ألا يكون له إلا قيمتها)؛ لأنه تعذر تسليمها إليه فأشبه ما لو أسلمت. (١) [١٢٧٦/ ٥] مسألة: (وله أن يُنَفِّلَ في البَدْأَة الرُّبع بعد الخُمس، وفي الرَّجعة الثُّلث بعد الخمس (٢)، والنَّفَلُ: الزِّيادة يزاد الغازي على سهمه، بإسكان الفاء وفتحها، ومنه نَفْل الصلاة وهو ما زيد على الفرض، والمراد بالبَدأة هاهنا: ابتداء دخول دار الحرب، والرَّجعة: رجوعه عنها، وذلك لما روى حبيب بن مسلمة الفِهري (٣) قال: «شهدت رسول الله ﷺ يُنَفِّل الرُّبع في البَدْأَة والثلث في الرجعة»، وفي لفظٍ: «أن رسول الله ﷺ كان يُنَفل الرُّبع بعد الخُمُسِ، والثلث بعد الخمس إذا قَفَل» رواهما أبو داود (٤)، وروى الترمذي بإسناده عن عباده بن الصامت ﵁: «أن النبي ﷺ كان يُنَفِّل في البَدْأَة الربع، وفي القفول الثلث» (٥) وقال: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ».

стр. 1156

وإنما زيد في الرجوع على البَدأة لمشقتها، فإن الجيش في البَدأة ردءٌ للسرية تابعٌ لها، والعدوُّ خائفون وربما كانوا غازين، وفي الرجوع لا يكون للسرية ردءٌ؛ لأن الجيش منصرف عنهم والعدو مستيقظ كَلِبٌ حَذِرٌ. فإذا ثَبت هذا فظاهر كلام أحمد أنما يستحقون هذا النَّفَل بالشرط السابق، فإن لم يكن شرطه لهم فلا، فإنه قيل له: «أليس قد نَفَّلَ النبي ﷺ في البَدأة الربع وفي الرجوع الثلث؟ قال: نعم، ذاك إذا نَفَّلَ» (١)، وتقدم القول فيه، فعلى هذا يعطيهم ما شرط لهم بعد الخمس، ويقسم الباقي للجيش والسَّرية. (٢) (ويلزم الجيشَ طاعة الأمير)، وامتثال أمره والانتهاء عن نهيه. (والنُّصحُ له، والصبر معه)؛ لقول الله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقول النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٣). ويَنصح له؛ لأن في ذلك نُصحًا للمسلمين، وكذلك الصبر معه فيه نفعٌ للمسلمين. [١٢٧٧/ ٦] مسألة: (ولا يجوز لأحدٍ أن يَتَعلَّفَ، ولا يحتَطِبَ، ولا يُبارزَ

стр. 1157

عِلْجًا، ولا يخرج من العسكر، ولا يُحْدِثَ حَدثًا إلا بإذنه)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، ولأن الأمير أعرف بحال الناس ومَكامِن العَدوِّ وقُربِه وبُعدِه ومواضعِ الأمن، فلا يأذن لهم إلا مع أمنه عليهم، وإن خرجوا من غير أمره لم يأمنوا كمينًا للعَدوِّ أو مَهلكةً يهلكون بها، وربما رَحَلَ الجيش فيَضيعُ الخارج. [١٢٧٨/ ٧] مسألة: (فإن دعا كافرٌ إلى البِراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير)، وذلك لأن حمزة وعليًّا وعبيدة بن الحارث ﵃ (١) بارزوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة بأمر رسول الله ﷺ ، فأنزل الله سبحانه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] (٢). ولا يجوز إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر القتال موكول إليه وهو أعلم برجاله، فلا يؤمن مع مخالفته أن يتم ما ينكسر به الجيش. فإن عَلِمَ المسلم من نفسه الشجاعة والشِّدة استحب له المبارزة، وإن كان ضعيفًا كُره له الخروج إليه، لأن القصد إظهار القوة، والظاهر من مبارزة الضعيف خلاف ذلك. [١٢٧٩/ ٨] مسألة: (فإن شرط الكافر أن لا يقاتله غير الخارج إليه فله شرطه)؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

стр. 1158

[المائدة: ١]، وقوله ﵇: «المؤمنون عند شروطهم» (١). (فإن انهزم المسلم أو أُثخن بالجراح جاز الدَّفع عنه)؛ لأنه شرط الأمان حال القتال، وقد انقضى القتال فزال الأمان. [١٢٨٠/ ٩] مسألة: (وإن قتله المسلم فله سَلَبُه)؛ لما روى أبو قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه» متفقٌ عليه (٢)، وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم حنين: «من قتل كافرًا فله سلبه، فقَتل أبو طلحة عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم» (٣). (٤) ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة؛ للخبر (٥). (ولا يُخمس السلَب (٦)؛ لأن قول النبي ﷺ : «له سَلَبُه» يتناول جميعه، وقد روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵄: «أن رسول الله ﷺ قضى في السلَب للقاتل ولم يُخمِّسِ السلَب» رواه أبو داود (٧). (٨)

стр. 1159

ولا يُستَحقُّ السَّلَبُ إلا بشروطٍ أربعةٍ: أحدها: أن يكون القاتل ذا حقٍّ في المغنم، حرًّا كان أو عبدًا، رجلًا أو صبيًّا أو امرأةً؛ لعموم الخبر، وإن لم يكن ذا حق كالمُخذِّل والمرجِف والكافر إذا حَضر بغير إذنٍ لم يستحقه؛ لأنه لا حَقَّ له في السهم الثابت فغيره أولى. الثاني: أن يقتله؛ لأن الخبر خَصَّ القاتل بالسَّلَب فاختص به دون غيره. فإن أسره لم يَستَحقَّ سَلَبَه لذلك، وقال القاضي: «له سلبه، سواء قتله الإمام، أو مَنَّ عليه، أو فاداه» (١). (٢) وله فداؤه؛ لأنه مالٌ حَصَلَ بسبب تغريره في تحصيله أشبه سَلَبَ القتيل، وظاهر كلام أحمد: أنه يشترط أن ينفرد بقتله (٣)، وذلك لأنه يُستَحق للتَّغرير بالنفس، ولا يحصل مع الاشتراك. (فإن قَطع أرْبَعَتَه وقتله آخرُ فسَلَبُه للقاطع)؛ لأن معاذ بن عمرو بن الجَمُوح ﵁ أثبت أبا جهل، وتمَّمَ عليه ابن مسعود ﵁ فقضى النبي

стр. 1160

ﷺ بسَلَبِه لمعاذ (١)، ولأن القاطع كفى شَرَّه فأشبه القاتل. وإن قطع يديه أو رجليه فكذلك؛ لأنه عطَّلَه، ويحتمل أن لا يستحقه؛ لأنه إن قطع رجليه قاتل بيديه، وإن قطع يديه فهو يَعْدُو ويكثِّر ويُثبِّت، فما كفى شَرَّه. (٢) الثالث: أن يقتله حال الحرب مُنهَمِكًا على القتال غير مُثْخَنٍ (٣)، فإن قُتل أسيرًا أو مُثخَنًا بالجراح أو منهزمًا إلى غير فئةٍ لم يستحقه؛ لأن ابن مسعود ﵁ وقف على أبي جهل يوم بدر فلم يعط سُلبه (٤)، ولأن استحقاق السَّلَب للمخاطرة والتَّغرير بالنفس، ولا خطر ههنا. وإن قَتَل مُولِّيًا ليَكُرَّ أو مُتحيزًا إلى فئةٍ فله سَلَبُه؛ لأن سلمة بن الأكوع ﵁ أدرك طَليعة الكفار موليًا فقتَله، فقال النبي ﷺ : «من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع. قال: فله سَلَبُه أجمع» متفقٌ عليه (٥)؛ لأن القِتال كَرٌّ وَفرٌّ. الرابع: أن يُغَرِّرَ بنفسه في قتله، كالمبارز، فإن قَتَله بسهمٍ رماه من صَفِّ المسلمين ونحوه لم يستحقه؛ لأن الخبر إنما ورد في المبارزة ونحوه. (وعنه: لا يستحقه إلا من شَرَطَ له الإمام (٦)؛ لأنه أمر مُجتهد فيه فلا يأخذه إلا بإذنه كالسهم، ولأنه نَفَلٌ فلا يستحقه إلا بإذنه كسائر
следующие страницы →