أي من كتابيه، كما يظهر تحقيق المصنف في بعض المسائل على ما تابع عليه الشارح الموفق في المغني. (١)
المسألة الثالثة: قيمة الكتاب العلمية وتقييمه:
تتجلى قيمة الكتاب العلمية في الأمور التالية:
أولًا: فيما سبق ذكره في المقدمة من أهمية الكتاب المشروح وأسباب اختياره بما يغني عن تكراره هنا.
ثانيًا: أن شرح البهاء المقدسي لكتاب المقنع يعد أول شرح لكتاب المقنع للموفق ابن قدامة كما ذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد (٢).
ويرد على ذلك إشكال فيما ذكره ابن عبد الهادي وابن بدران: من أن أول شرح لكتاب المقنع هو شرح ابن أبي عمر المسمى بالشرح الكبير (٣)، فالجواب عنه من عدة أوجه:
١ أن ذلك مستبعد من ملاحظة قرب ولادة ووفاة البهاء المقدسي من شيخه الموفق ابن قدامة؛ إذ ليس بين وفاة البهاء والموفق سوى أربع سنوات، في حين أن بين وفاة الموفق وابن أخيه الشارح أكثر من ستين سنة.
٢ أن عمر الشارح ابن أبي عمر حين وفاة عمه الموفق نحوًا من ثلاث وعشرين سنة، وحين وفاة البهاء المقدسي نحوًا من ثمانية وعشرين سنة، ومن خلال قراءة سيرة الشارح في مصادر الترجمة لم تكن هناك إشارة إلى أنه ألف شرحه في أثناء حياة عمه، وغايته أنه استأذنه في
_________
(١) وفي هذه المسألة يطرأ سؤال مهم، وهو ما المقدم في تقرير الموفق في الفقه أهو المغني أم الكافي؟! وقد تكلمت عن هذه الجزئية باختصار في المبحث السابق بما يغني عن إعادة وجهة نظري فيها والله أعلم.
(٢) المدخل المفصل ٢/ ٧٢٢، ٩٨١، وعزاه للذهبي في السير ولم أجده فيه.
(٣) ينظر: معجم الكتب ص ١٠٢، المدخل ص ٤٠٤.
стр. 107
وضعه شرحه من كتاب المغني.
٣ - أن الإصلاحات التي وقعت على كتاب المقنع من قبل الشارح لم تَرِدْ في نص المقنع عند البهاء في شرحه، ووردت بعد ذلك في نسخ المقنع المشروحة، مما يدل على أن شرح البهاء على المقنع قد تقدم على ما تم إصلاحه في كتاب المقنع والله أعلم.
أما ميزات الكتاب:
أولًا: ما سبق ذكره في بيان أصول الكتاب ومصادره، إذ اعتمد المصنف البهاء ﵀ في شرحه أصالة على أنفس كتب شيخه الموفق: المقنع والكافي والمغني وغيرها من كتب المذهب، وتميز شرحه بالتحقيق وجودة العبارة وسبكها بما يغني عن ذكر الشواهد عليه.
ثانيًا: ثناء القاضي أحمد بن نصر الله البغدادي ووصف الشرح بأنه شرح محقق يفوق شرح العمدة كمَّا وكيفًا، ونقل عنه في حاشيته على الفروع.
ثالثًا: الإكثار من الاستدلال بالكتاب والسنة وآثار السلف، فلا تكاد تخلو مسألة يمكن الاستدلال لها بذلك إلا قدم أصح الدلالات من الشواهد عليها، عاضدًا استدلاله بذكر وجه الاستدلال، وذكر روايات الإمام أحمد على المسائل، وتوجيه كبار أصحاب على الأدلة ما أمكن، بل أحيانًا يعضد المسألة بذكر من وافق فيها من المذاهب الفقهية المعتبرة، أو بذكر من خالفها منهم، مع الاستدلال أحيانًا، كل ذلك تقوية لمأخذ المسألة في المذهب وإضعاف ما يخالفها، وينتهي أحيانًا إلى الترجيح في الخلاف، وإلى تصحيح المذهب أحيانًا.
رابعًا: أضاف المصنف البهاء على ما في كتب الموفق، ومن ذلك إضافته فصلًا ضمن باب صلاة التطوع في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء، يظهر أنه مأخوذ من كتاب شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي من كتاب أخبار الصلاة.
стр. 108
خامسًا: امتاز شرح المصنف بعنايته بالألفاظ الغريبة في الجملة وبيان معانيها.
سادسًا: تصوير المسائل وتقسيمها ولو أدى ذلك إلى عدم التزامه بتمييز نص متن المقنع ودمجه مع الشرح للمسألة أو تقسيمها.
سابعًا: يهتم المصنف بروايات الإمام أحمد، وربما يسعى لتتميم عبارته التي توجد في المغني أو الكافي، وقد يدل ذلك على أنه اطلع على أكثر مما وقف عليه شيخه، مثاله ما جاء في المسألة [٣٢٠/ ١٦] قال الإمام أحمد: «كنت أذهب إلى جواز الاستخلاف، وجبنت عنه، ليس هو في صلاةٍ كيف يستخلف!».
قلت: لم أجد نص الرواية التي أشار لها المصنف في مظانها من كتب المسائل عن الإمام، وهي في المغني ٢/ ٤٢١ دون قوله: «ليس هو في صلاة كيف يستخلف».
ثامنًا: لم يجارِ البهاءُ الموفقَ ابن قدامة في جميع تقريراته، بل خرج عنها في كثير من الأحيان في نسبة الأحاديث وعزوها، وفي تتمة أوجه الاستدلال في المسائل وشرحها، والترجيحات - وقد عقدت فهرسًا لترجيحاته التي زادت على المئة -.
تاسعًا: اقتصار البهاء المقدسي في شرحه على شرح لفظ المقنع الموافق للدليل النصي من الكتاب أو السنة، فقد يهمل أحيانًا ذكر بعض الألفاظ الواردة في متن المقنع إذا لم ترد بالسنة، مثاله: المسألة [٦٧٢/ ٦٧] لم يورد نص المقنع في الدعاء للجنازة: «إنك تعلم منقلنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير»؛ ويظهر لي أن ذلك لكونه ليس في شيء من كتب السنة.
عاشرًا: امتاز شرح البهاء بشرح متن المقنع الذي لم يجرِ عليه قلم التصحيح فيمن أذن لهم الموفق ابن قدامة في تصحيح ما يرونه كما مرَّ سابقًا، وعليه فيمكن من خلال قراءة الكتاب تتبع نصوص المقنع للموفق
стр. 109
ابن قدامة السالمة من التعديل والله أعلم.
الحادي عشر: التعريف ببداية حمل فقرات المسائل في الكتاب، فإنه - وعلى عادته في كتابه العدة - يصدر بداية المسألة بقوله: مسألة، أو فرع، أو فصل، وفي ذلك تمييز للمسألة عما قد يشتبه بها، وفيها فوائد أخرى لا تخفى.
الملاحظات على الشرح:
ما سبق هو أمكنني من خلاله تقويم الكتاب، ويبقى أن الإمام بهاء الدين بشر يعتريه ما يعتري ذرية آدم من النقص، ولذلك أجد لزامًا في دراسة الكتاب وفق الأطر المهنية والأمانة العلمية أن أذكر ما لاحظته من خلل في الشرح، وقد يعتري ما سأذكره مقاصد حسنة لم أقف عليها، ولكني أذكرها تتميمًا لهذا المطلب.
أولًا: يكثر المصنف من إطلاق الخلاف في شرحه، ولا يورد ترجيح أو تصحيح المسائل في كل منه، ولم أتمكن من العثور على سبب ذلك.
ثانيًا: في كثير من الأحيان يهتم بذكر الحديث بلفظه الصحيح عند أهله، ويذكره بألفاظ أخرى عند من خرجه، لكنه أحيانًا يروي الحديث بالمعنى.
ثالثًا: ربما يكون الحديث في الصحيحين أو أحدهما ويعزوه إلى غيرهما، مثاله: قوله في مسألة كراهية الالتفات في الصلاة: حيث أورد حديث عائشة … قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل، رواه سعيد بن منصور»، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، إلا أنه لا يقع منه كثيرًا. (١)
رابعًا: يقدم في أكثر الأحيان نص المقنع، ثم يتبعه بالشرح والبيان،
_________
(١) ينظر: صحيح البخاري (٧١٨) ١/ ٢٦١.
стр. 110
إلا أن القليل من المسائل لم يلتزم فيها بذلك، ولم يظهر لي منهجه في عدم الالتزام بذلك.
خامسًا: يدمج في كثير من الأحيان عبارات المقنع مع الشرح، مما قد يعسر معه تمييز متن المقنع، كما لم يظهر لي تطابق عباراته مع ما هو مطبوع، ولعل سبب ذلك أن البهاء كانت عنده نسخة فيها شيء من الاختلاف، إلا أن هذا الاختلاف غير مؤثر في الغالب. (١)
سادسًا: يختصر المصنف عبارة الشرح أحيانًا - وليس كثيرًا - وقد يصل إلى الإخلال بالمعنى، ومن ذلك قوله في المسألة [٦٩٦/ ٩١] في كراهة إدخال القبر شيئًا مما مسته النار قال: «وكره ما مسته النار؛ للتفائل بالنار»، وقال في المغني ٢/ ١٩٠: «تفاؤلًا بأن لا تمسه النار».
سابعًا: وأخيرًا أغفل ذكر بعض الروايات عن الإمام في بعض المسائل ولم يستوعبها، ولعل سبب ذلك أن شرحه متوسط لم يقصد فيه الاستيعاب، والله أعلم.
وبعد ذلك يبقى أن أشير إلى أن هذه الملحوظات لا تنال - في نظري - من الاستفادة من الكتاب والعناية به، ولولا مقام الدراسة العلمية لما حسن لمثلي ذكرها، ولا أرى أن مثل هذه الملحوظات تقلل من قيمة الكتاب، مع ما لمصنفه من العناية بالوحيين وآثار السلف والحظوة والمكانة العلمية بين علماء الحنابلة، والله أعلم.
المسألة الرابعة: منهج المصنف في شرحه، والمحشي على الكتاب:
ورد على هامش نسخة المخطوط حاشية متعلقة بالنص، فيها بعض المواضع المهمة في معرفة الألفاظ، وهي غير شاملة لمسائل الكتاب
_________
(١) وقد أشرت إلى بعض الفروق مما قد يكون له أثرٌ كما بينت ذلك في منهجي في التحقيق.
стр. 111
وفصوله، كما أني لم أتوصل إلى معرفة كاتبها، وقد قمت بإثبات الحاشية في موضعها من النص المحقق.
وعليه سأذكر في هذه المسألة منهج المصنف في تأليفه، ومنهج المحشي على المخطوط، وألحقهما بمنهج الناسخ للمخطوط، بحول الله وقوته.
الفرع الأول: منهج البهاء في كتابه شرح المقنع ومصطلحاته:
أولًا: رتب المصنف كتابه على ترتيب المقنع، مبتدئًا بذكر الكتاب المشروح، وفي أثنائه الأبواب ضمن الكتاب، ثم يصدر ذكر مسائل الباب بقوله: (مسألة)، ويفصل بين المسائل بفصول وفروع أحيانًا بقوله: (فصل)، و (فرع)، وبعض هذه الفصول والفروع موجودة في متن المقنع المطبوع وبعضها غير موجود.
ثانيًا: يستدل المؤلف بالكتاب ثم السنة ثم القياس ثم آثار السلف، ويقدم من المسائل ما يستدل له بالنص ثم ما يلي النص في قوة الدلالة، ويعتني في الترجيح بين أقوال الإمام بما يوافق أظهر الأدلة المستدل بها، يعتمد في الشرح على تقرير مذهب الإمام أحمد، والتخريج عليه وإيراد الاحتمالات الواردة على المسائل، والنقل عن الأصحاب في المذهب.
ثالثًا: يقدم المؤلف نص المقنع قبل شرحه في أكثر الأحيان، ويلتزم المؤلف بنص عبارة المقنع، وربما يغير المؤلف عبارة المقنع أحيانًا لتتوافق مع سياق الكلام وسباقه.
رابعًا: قد يغير المصنف ترتيب عبارات المقنع بتقديم أو تأخير يسير - وليس كثيرًا، وليست بقاعدة مطردة! - لأجل بيان تقديم الصحيح من المذهب في المسألة أو الراجح عنده ونحو ذلك، مثاله: في المقنع قوله: (فإِن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه لم يبطل تيممه،
стр. 112
وقال أصحابنا: يبطل) (١)، وجاء المصنف بالمسألة [١٣٧/ ٢٣] مقدمًا قول الأصحاب ومؤخرًا اختيار ابن قدامة بعدم بطلان التيمم؛ وذلك لأن ما أورده ابن قدامة من قول الأصحاب هو المذهب.
الفرع الثاني: منهج المحشي على المخطوط:
أولًا: يظهر أن المحشي اسمه حسن النابلسي - ولم أقف له على ترجمة - كما هو مثبت في حاشية اللوحة ١٥٦/ ب.
ثانيًا: يعتني ببيان غريب الكلمات كما في المسألة [١٠/ ٤] والمسألة: [١٣٢٥/ ١].
ثالثًا: يعتني بالتخريج وضبط الروايات الحديثية التي يذكرها المؤلف، كما في المسألة: [٣/ ٣] والمسألة [٤٥١/ ٤].
رابعًا: يبين أحيانًا المذهب بذكر نص الإمام أحمد أو الروايات عنه، كما في المسألة [١١/ ٥] والمسألة: [١٣٤/ ٢٠]، والمسألة [١٥٦/ ١٣].
خامسًا: الاستدراك على عدم استقامة التعليل أحيانًا، أو الاستدراك على الضبط اللغوي لبعض الكلمات ونحو ذلك، مثاله في المسألة [٢٣١/ ١]، والمسألة [٥٠١/ ٥٤] والمسألة [٥٦١/ ١١] و ٢/ ٣٠٥.
سادسًا: يترجح لدي أنه قام بترقيم الصفحات في الأعلى، ويظهر ذلك في اللوحة ١٨٧، حيث إن بها حاشية في جميع هوامش الكتاب، وتبين أن رقم اللوحة على غير العادة بالجهة اليمنى وأتى بعده كلام الحاشية.
سابعًا: لاحظت أن بعض الحواشي عليها علامة المقابلة.
ثامنًا: يعتني بالتنبيه والذكر للمواضع التي لم تشرح من كتاب المقنع،
_________
(١) ص ٣١.
стр. 113
كما في المسألة: [٧٣٥/ ١٨].
تاسعًا: وهو من مهمات ما قام به المحشي، مقابلة نص المقنع للموفق ابن قدامة ومعارضته على أصل كان عنده على ما ظهر لي، وتبين لي ذلك من عدة مسائل جاء فيها ذكر فروقات في الهامش في نص المقنع بين ما أورده البهاء المقدسي وما أثبته المحشي، منها المسائل: [٧٣٧/ ١٨]، [٧٩٨/ ٦]، [٨٠٢/ ٣]، [٩٣١/ ١٥]، [١١١٧/ ٣]، [١٤٤٠/ ٣٦]، [١٦٠٨/ ٥].
عاشرًا: وضع في اللوحة ١٢٣/ ب، ١٦٩/ ب رمز (ظ)، وفي وسط المخطوط في الموضع الأول كتب (بحث عليه) أو نحوها، وحاولت جاهدًا معرفة معناه ولم أفلح، واستظهرت في الموضع الثاني في الحاشية عليه أن يكون المراد بالرمز التنبيه إلى بحث المسألة والله أعلم.
الفرع الثالث: منهج ناسخ المخطوط:
أولًا: يجعل فراغات بين الفقرات والجمل، يظهر لي أنها تدل على فواصل الفقرات.
ثانيًا: يبرز الكتب والأبواب والمسائل والفصول والروايات والأوجه في المذهب عن سائر الكلام.
ثالثًا: مقابلة المخطوط على الأصل، فيظهر لي أن الناسخ قد نسخها من نسخة المؤلف أو من نسخة منسوخة من خط المؤلف، ويدل على ذلك أمور:
١ - ما جاء في منتصف اللوحة ٢٤/ أ وعنها في حاشية المسألة: [١٤٣/ ٢٩]: [آخر الجزء الأول بخط المصنف ﵀].
٢ - ما جاء في اللوحة ١٠٨/ أ وعنها في المسألة [٦٩٩/ ٩٤] [بلغت المقابلة]، واللوحة ٢٥٤/ ب وعنها في الفصل الملحق بالمسألة
стр. 114
[١٤٥٨/ ٨]: [بلغت المقابلة بالأصل].
٣ - ما وجد من علامة شبه الدائرة المنقوط في داخلها، وهي تدل كما ذكر أهل الاختصاص على أن النسخة دمشقية قديمة مقابلة على نسخة المؤلف، وهو ما يتوافق مع مكان وجود المؤلف وذيوع المذهب الحنبلي في ذلك الزمان.
رابعًا: استدراك الأخطاء في النسخة، وتحري الصواب الموافق لمتن المقنع وشرح البهاء، كما في الحاشية المسألة: [٧٤/ ١٥] والمسألة [١٩١/ ٢٤]، والمسألة: [٨٠٢/ ٣]، والمسألة [١٤٠٨/ ٤].
المسألة الخامسة: شروح الكتاب والناقلون عنه
الكتاب هو شرح لمتن المقنع، ولم تجرِ العادة بشرح الشرح، وإنما جرت العادة بوضع الحواشي أو المختصرات على الشرح، ولا يعرف لشرح البهاء المقدسي على المقنع اختصار له، كما لا يعرف له من الحواشي غير ما هو موجود في النسخة الخطية.
أما الناقلون عنه، فلم يقدر لشرح المقنع الانتشار بين أوساط فقهاء الحنابلة، رغم ما لمؤلفه من المكانة الرفيعة والوصف الشريف بين فقهاء المذهب، ولذا لم يقع بين يدي عدد من الفقهاء بعد البهاء رحم الله الجميع، رغم ما قدر لبعضهم من جمع كتب المذهب كصاحب الفروع والإنصاف، ومن أتى بعدهم كابن بدران وغيرهم، بخلاف كتابه العدة شرح العمدة الذي كان معدودًا من ضمن ما اعتمد عليه المرداوي في جمع كتابه الإنصاف وتحرير المذهب منه كما ذكر ذلك في مقدمته (١).
ولذا عز وصف الكتاب، وقل النقل والعناية به بين المشتغلين بالفقه الحنبلي فضلًا عن غيرهم، حتى شكك بعض المترجمين للبهاء ﵀
_________
(١) / ٢٢.
стр. 115
بنسبة الكتاب إليه كابن رجب وغيره كما مر سابقًا في نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
فلم يقدر الله لنا إلا تناقل أهل العلم لذكر الكتاب ونسبته للبهاء مع ثناء الإمام القاضي أحمد بن نصر الله البغدادي ونقله عنه في كتابه حواشي الفروع، وقد سبق في إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه سوق موضعين بنصهما من كلامه.
ولم أقف بعد البحث والدراسة على غير ابن نصر الله ممن نقل عن البهاء المقدسي ﵀.
وفي ذلك بعض الغرابة، فكيف غاب هذا الكتاب قرونًا طويلةً بين أوساط المشتغلين بالمذهب، مع ما لمصنفه من المكانة الجليلة وما لشرحه من النفاسة والتحقيق كما وصفه ابن نصر الله ﵀، وقد يرجع ذلك إلى كون نسخة هذا الكتاب كانت نسخة خزائنية في بعض المكتبات الخاصة، وظلت حبيسة تلك المكتبة، ولم تخرج في ذلك الزمان، وقد يرجع ذلك إلى أن المخطوط كان في نابلس حيث حشى عليه أحد العلماء هناك، ثم انتقل إلى مصر حيث وقع في يد ابن نصر الله ثم خفي بعد ذلك إلى وقع في يد الشيخ ابن دحيان، وعلى كلٍّ فهذا اجتهاد في بيان سبب غيابه، والله أعلم بسبب ذلك.
المسألة السادسة: نسخة الكتاب ووصفها:
لم أجد إلا نسخة واحدة لهذا الكتاب في إدارة المخطوطات التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، برقم (١٦٤)، وهي نسخة أصلية من ضمن مكتبة علامة الكويت الشيخ عبد الله بن خلف الدّحيان ﵀.
وقد ذكر الباحثون في الإدارة بتدوينهم على بطاقة الكتاب أنها للبهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي ﵀، ولا يعرف الباحثون بعد
стр. 116
سؤالهم من واضع هذه النسبة وما أسبابها.
ووصف المخطوط كما ظهر لي بالآتي:
- تقع النسخة المخطوطة في مئتين وخمس وتسعين لوحة، وفيها سقط يسير في بدايتها ستأتي الإشارة إليه في مطلع النص المحقق، وأول المخطوط يبدأ من كتاب الطهارة في باب المياه بقوله: (تُقلُّ بالأيدي، وهما خمسمائة رطل عراقي)، وآخرها في كتاب البيوع، في أثناء فصل الكفالة بقوله: (مسألة: ومتى أحضر المكفولَ به وتسلمه برئ إلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر، قياسًا على من سَلَّم المُسلَمَ فيه قبل مَحِلِّه أو في غير مكانه، مسألة).
- كتب النص بالخط النسخي الشامي المشهور، واستخدم فيها المداد الأسود المعفص، ولم يستخدم فيها غيره من الألوان، وهي مشكولة جزئيًا، ومصححه ومقابلة، وبعض الكلمات فيها كتبت بخط عريض، كما أن عناوين الكتب والأبواب والفصول كتبت بخط أكثر وضوحًا.
- مكتوب في أولها قيد: [أحد شروح المقنع، وهو وقف لله تعالى، وشرط الانتفاع به لواقفه عبد الله بن خلف]، ويظهر أن النسخة المخطوطة كانت أثناء تملك الشيخ عبد الله بن دحيان ناقصة، بدليل أن وقفه عليها جاء في بداية ما وجد عنده، ولو كانت كاملة لكتب الوقف على الغلاف ونحوه، إذ لا معنى لتحري الصفحة الثالثة من المخطوط وكتابة الوقف عليها.
ولعل الشيخ عبد الله الدّحيان غفر الله له استقرى المخطوط وعلم أنه أحد شروحات كتب المذهب الحنبلي لكتاب المقنع، أو أن الشخص الذي أخذ منه الشيخ عبد الله المخطوط قال له ذلك والله أعلم.
- في لوحة ٦١/ ب أثر ختم مطموس.
- على الهوامش بعض الحواشي والتعليقات وقيود [بلغ لحسن
стр. 117
النابلسي].
- عدد الأسطر مختلف من ١٧ إلى ٢٠ سطرًا، بلغت عدد الكلمات في السطر الواحد من ١٤ - ١٥ كلمة.
- كما أن على المخطوط عدة أرقام، منها: تسلسل رقم قديم في أعلى اللوحات (ب) عليه أثر شطب، يظهر أن هذا الرقم كان مصاحبًا لنسخ الكتاب، يبدأ برقم (٤) يلي أول لوحة في النسخة المخطوطة.
ومنها: رقمٌ حديثٌ على هامش اللوحة (ب) أيضًا، يبدأ بأول لوحة في النسخة المخطوطة، وكلا الرقمين القديم والحديث غير منضبط في التسلسل، ولذلك قمت باعتماد أرقام اللوحات على تسلسل جديد، على أن نتيجة الرقم الحديث متوافقة في النهاية مع التسلسل الجديد في الرقم مئتان وخمس وتسعين لوحة.
- كما وجدت في أعلى النسخة في اللوحة (ب) تسلسل أعداد، يظهر أنها إشارة إلى أعداد الملازم التي تكونت منها النسخة المخطوطة، عدد الملزمة منها ثماني لوحات، بدأ التعداد في اللوحة ٤/ ب ب [ثانية]، واستمر عقب كل ثماني لوحات ب [ثالثة] و [رابعة] وهكذا حتى العدد [تسع وثلاثون] في اللوحة ٢٩٠/ ب، وأكثر هذه الملازم تامة ولله الحمد، وفي بعضها نقص يتزامن مع مواضع السقط في المخطوط أحيانًا.
وفي هذا إشارة إلى مواضع السقط الآتية، وقد يساعد في بيان أعداد اللوحات الساقطة في المخطوط، ويتبين منه كذلك أن المخطوط تألف من تسع وثلاثين ملزمة تقريبًا.
ويظهر لي من سبر ودراسة تلك الأعداد أن الملزمة الأولى سقط من بدايتها أربع ورقات تمثل المقدمة وبداية الكتاب.
وفي الملزمة [تاسعة] التي تبدأ باللوحة ٦٠/ ب سقط بنحو ست لوحات منها، ثم جاء تتمة المخطوط بنحو ثلاث لوحات وبعدها كتب
стр. 118
العدد [عاشرة]. (١)
وفي الملزمة [اثنا عشر] التي تبدأ باللوحة ٨١/ ب وهي ثمان لوحات تامة إلى اللوحة ٨٨/ أ، ثم بدأ العدد [ثلاث عشر] في اللوحة ٨٨/ ب، إلا أنه أثناء دراسة المخطوط تبين لي أن في هذا الموضع سقطًا مقدرًا بأربع لوحات، إذ جاءت بعد اللوحة ٨٨/ ب بأربع لوحات الملزمة [أربع عشر]، وهذا يدل على أن الملزمة الثالثة عشرة سقط من أولها أربع لوحات. (٢)
إلا أن في هذا الموضع إشكالًا وهو أنه بعد لوحتين من الملزمة الثالثة عشرة سقط في الكلام أشرت إليه في النص المحقق ثم جاء بعد السقط لوحتان قبل الملزمة الرابعة عشرة، وقد يكون السقط في الملزمة الثالثة عشرة في أولها لوحتين وفي آخرها لوحتين والله أعلم.
وفي الملزمة [خامس وعشرون] وتبدأ باللوحة ١٨٠/ ب جاء سقط في اللوحة الأخيرة منها بعد اللوحة ١٨٧/ أ، وقد قدرت السقط في أثناء دراستي للنص المحقق بلوحتين والله أعلم.
وفي الملزمة الخامسة والثلاثين جاء الرقم غير واضح، وقدرت عددها من التسلسل والسياق وجاءت تامة، وليس في موضعها إشكال غير هذا.
وفي الملزمة [سبع وثلاثون] في اللوحة ٢٧٥/ ب لم يأت بعدها ذكر للملزمة الثامنة والثلاثين، وسياق الملزمة السابعة والثلاثين تام إلى ورقتها الثامنة، وما بعدها في اللوحة ٢٨٣/ أ يقدر بداية الملزمة الثامنة
_________
(١) وقد يكون في هذا إشارة إلى أن أعداد الملازم غير مصاحبة لنسخ المخطوط، إذ بعد الملزمة التاسعة وما قُدِّر فيها من سقط تظهر ثلاث لوحات قبل الملزمة العاشرة، مع العلم أن تسلسل الورق صحيح بدليل سياق متن المقنع في النص المحقق مع المطبوع منه والله أعلم.
(٢) وهذا يؤكد أيضًا أن تعداد الملازم لم يكن مصاحبًا للمخطوط والله أعلم.
стр. 119
والثلاثين، ويظهر أنها لم تتبين لتآكل اللوحة من الأعلى مع الترميم الوارد عليها، ومع هذا التقدير يظهر أن الملزمة ناقصة لوحتين في الأخير قبل موضع السقط في اللوحة ٢٨٩/ أ، وجاءت لوحة واحدة قبل الملزمة [تسع وثلاثون]، فقد تكون اللوحة الساقطة من الملزمة الثامنة والثلاثين واحدة فقط قبل الأخيرة، إلا أني قدرت السقط في اللوحات في أثناء دراسة النص المحقق ما يقارب ست لوحات والله أعلم.
والملزمة [تسع وثلاثون] تبدأ في اللوحة ٢٩٠/ أ وُجد منها إلى نهاية المخطوط خمس لوحات.
وقد أطلعت فضيلة أ. د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ﵀ على المخطوط، وبعد تفحصه للمخطوط في عدة زيارات له أملى كتابة عليّ، وأرفقت صورتها في نهاية الدراسة التمهيدية، وكان من أهم ما قاله: «وتأكد لي بما لا يدع مجالًا للشك أنها - أي القطعة محل الدراسة - من شرح البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، ولما ثبت أنها من تأليفه فإنه يعتبر فتحًا جديدًا في سلسلة مصنفات الفقه الحنبلي الجديرة بالنشر؛ لما لمصنفه من المكانة العلمية بين فقهاء المذهب».
كما أطلعت أ. د عبد الله بن محمد المنيف مدير مكتبة الملك فيصل المركزية أيضًا على المخطوط وأثنى على نفاسته وجودته، ووصفها وصفًا فاحصًا دقيقًا في ثلاث ورقات بخط يده أرفقت صورة منها في نهاية الدراسة التمهيدية، وكان من أهم ما قاله: «إن النسخة من نسخ العلماء أو مما يدرس منها، وليست نسخة طلابية على أي حال»، وقد استفدت كثيرًا من وصفه للمخطوط في كتابتي لهذه المسألة.
وصف مواضع السقط والخرم في النسخة المخطوطة:
في النسخة المخطوطة ترميم حديث، أفاد الباحثون في إدارة المخطوطات أنها من صنع الدار غالبًا، كما أن النسخة فيها خرم طولي
стр. 120
يسير أثناء كتاب الصلاة في باب صلاة الاستسقاء يقدر بنحو ١٠ - ١٥ كلمة وفي أثناء كتاب الحج.
وبحمد الله خلت جل الكتب والأبواب في المخطوط من السقط، فالكتب التي جاءت تامة بحمد الله، وهي: كتاب الجنائز، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الجهاد، ولم يسقط من لوحات المخطوط إلا قدر يسير في بداية كتاب الطهارة، وفي كتاب الصلاة والحج والبيوع في ستة مواضع تبينت أثناء قراءة المخطوط ودراسته، وكذلك في المخطوط سقط يسير جدًا لبعض الأسطر من أثر الرطوبة ونحوها أشرت إليه وسددته ما أمكن في موضعه.
ومواضع السقط في اللوحات في نسخة المخطوط أشرت إليها في موضعها في أثناء دراسة النص المحقق، وقمت بإضافة قدر السقط من كتاب المقنع ما لم يكن طويلًا للاستزادة والإفادة، وأذكر في هذا الموضع نهاية ما وجد من النص المحقق قبل السقط مع بداية ما وجد من النص المحقق بعد السقط على النحو التالي:
١ - سقط في بداية المخطوط، قدرته بأربع لوحات تقريبًا، ينتهي بما وجد من النص المحقق عند قوله في بداية اللوحة ١/ ب: «تُقل بالأيدي، وهما خمسمائة رطل عراقي».
٢ - سقط في باب صفة الصلاة، قدرته بثماني لوحات تقريبًا، يبدأ في وسط المسألة [٤٠١/ ٧٩] في نهاية قوله في اللوحة ٦٢/ أ: «فإن لم تكن سُترةٌ فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم بَطَلَت صلاته، البهيم: الذي ليس في لونه شيءٌ غير السواد، وذلك لما روى أبو ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرةِ الرَّحل»، وينتهي في وسط باب سجود السهو في المسألة [٤٠٢/ ١] بقوله في بداية اللوحة ٦٢/ ب: «لم يبطل، مسألة: وإن أكل أو شرب عمدًا بطلت
стр. 121
صلاته، قلَّ أو كثر».
٣ - سقط في فصل صلاة الخوف، قدرته بأربع لوحات تقريبًا، يبدأ السقط في وسط الوجه الخامس من أوجه صلاة الخوف في نهاية قوله في اللوحة ٨٨/ أ: «إلا أنه لا يسلم إلا في آخر الأربع كما روى جابر ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ »، وينتهي في بدايات باب صلاة الجمعة بقوله في بداية اللوحة ٨٨/ ب: «الشَّعر والحركات فلا جمعة عليهم».
٤ - سقط في وسط باب صلاة الجمعة، لم يظهر لي قدر السقط فيها، ولعله نحو ثماني لوحات تقريبًا، يبدأ السقط عند الشرط الثالث من شروط من تجب عليهم صلاة الجمعة في نهاية قوله في اللوحة ٩٠/ أ: «لما أخبرنا به عبيد الله بن شاتيل، قال أخبرنا أبو غالب الباقلاني، أخبرنا أبو القاسم بن بُشران»، وينتهي في الباب ذاته قبل المسألة [٥٤٤/ ١١] بقوله في بداية اللوحة ٩٠/ ب: «فإن قَدَّم رَجُلٌ غلامه فجلس في موضع، فإذا جاء قام الغلام وجلس مكانه فلا بأس به».
٥ - سقط في باب دخول مكة، قدرته بلوحتين تقريبًا، يبدأ في نهاية المسألة [١١١٧/ ٣] في نهاية قوله في اللوحة ١٨٧/ أ: «ويستحب أن يقول عنده ما روى عبد الله بن السائب ﵁ أن النبي ﷺ قال عند استلامه: باسم الله، والله أكبر، إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك»، وينتهي في الباب ذاته بقوله في بداية اللوحة ١٨٧/ ب: «ومن طاف راكبًا أو محمولًا أجزأه».
٦ - سقط في باب الرهن، قدرته بست لوحات تقريبًا، يبدأ في نهاية قوله: «لأن على المرتَهِن فيه ضررًا، ويقَرُّ في يَدِ المرتهن»، وينتهي في الباب ذاته عند قوله: «قلنا: لأنه سَلَّمه إليه على أنه أمينٌ في قبضه فسلَّمَه إلى المرتهن، فلذلك لم يجب عليه الضَّمان».
وأما عن تاريخ نسخ الكتاب وناسخ الكتاب فلم أجد ما يشير إليه،
стр. 122
لأنه في العادة يكون في آخر الكتاب، والقطعة التي بين أيدينا آخرها غير موجود - يسر الله وجوده -.
ولكن ذكر الدكتور عبد الله بن محمد المنيف في وصفه المخطوط أنها مما كتب في القرن السابع أو أول القرن الثامن الهجري والله أعلم.
وفيما يلي نماذج من صور النسخة الخطية:
стр. 123
[صورة عن اللوحة الأولى من المخطوط]
стр. 124
[صورة عن اللوحة رقم (٣) من المخطوط]
стр. 125
[صورة عن اللوحة رقم (١٥٦) من المخطوط]
стр. 126
[صورة عن اللوحة (٢٥٤) من المخطوط]
стр. 127
[صورة عن اللوحة الأخيرة (٢٩٥) من المخطوط]
стр. 128
وصف أ. د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ﵀ للمخطوط
стр. 129
وصف أ. د. عبد الله بن محمد المنيف للمخطوط
стр. 130
[كتاب الطهارة]
[باب المياه]
[١/ ١] [سُمِّيت قُلَّة لأنها] (١) تُقَلُّ بالأيدي، (وهما خمسمئةِ رِطلٍ بالعراقي (٢)؛ لأنه يُروى عن ابن جريجٍ (٣) أنه قال: «رأيت قِلالَ
стр. 131
هَجَرٍ (١) فرأيت القُلَّة منها تَسَعُ قِربتين (٢)، أو قربتين وشيئًا» (٣)، فالاحتياط أن يُجعل الشيء نصفًا، فيكونان خمسَ قربٍ.
(وعنه: أربعمئة (٤) رِطلٍ بالعراقي (٥)؛ لأنه روي عن ابن جريجٍ
стр. 132
ويحيى بن عُقيل (١): أن القلة تأخذ قربتين (٢)، وقِربُ الحجاز كبارٌ (٣)، تأخذ كل قربةٍ مئة رِطلٍ.
(وهل ذلك تقريبٌ أو تحديدٌ؟ فيه وجهان): أظهرهما: أنه تقريبٌ،
стр. 133
فلو نقص منه رِطلٌ أو رِطلان لم يؤثر؛ لأن القربة إنما جعلت مئة رِطل تقريبًا، (والشيء) جعل نصفًا احتياطًا، والغالب أنه يستعمل فيما دون النصف وهذا لا تحديد فيه.
والثاني: أنه تحديدٌ، فلو نقص شيئًا يسيرًا تَنَجَّس بالنجاسة، لأننا جعلناه احتياطًا، وما وجب الاحتياط فيه صار فرضًا كغَسل جزءٍ من الرأس مع الوجه. (١)
[٢/ ٢] مسألة: (وإذا شكَّ في نجاسة الماء، أو كان نجسًا فشك في طهارته بنى على اليقين)؛ لأنه الأصل (٢).
[٣/ ٣] مسألة: (وإذا اشتبه الماء الطاهر بالنَّجس لم يتحرَّ فيهما على الصَّحيح من المذهب، ويتيمم)؛ لما روى الحسن بن علي ﵁ (٣) أن النبي ﷺ قال: «دع ما يَريبُك إلى ما لا يُريبك» (٤)(٥)، ولأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التَّحري، كما لو اشتبهت أخته بأجنبيةٍ، أو كما لو كان النجس بولًا.
стр. 134
وحكي عن أبي عليٍّ النَّجاد (١): أنه إذا كثر عدد الطاهر فله أن يَتحرى، ويتوضَّأ بالطاهر عنده؛ لأن احتمال إصابة الطاهر أكثر، والاعتماد على الأول لما سبق. (٢)
[٤/ ٤] مسألة: (وهل يشترط) لصحة التيمم (إراقتهما أو خلطهما؟ على روايتين:) إحداهما: يشترط؛ ليتحقق عدم الطاهر.
والأخرى: لا يشترط؛ لأن الوصول إلى الطاهر متعذرٌ فلم يشترط عدمه، كما لو كان في بئرٍ وليس معه حبلٌ يستقي به. (٣)
[٥/ ٥] مسألة: (وإن اشتبه طاهرٌ بطهورٍ توضأ من كل واحدٍ منهما، وصلّى صلاةً واحدةً)؛ لأنه إذا توضأ من كل واحدٍ منهما حصلت له الطهارة بيقينٍ. (٤)
[٦/ ٦] مسألة: (وإن اشتبهت الثِّياب الطاهرة بالنجسة صلّى في كل
стр. 135
ثوبٍ صلاةً بعدد النجس، وزاد صلاةً)؛ لأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين من غير مشقةٍ، فلزمه كما لو اشتبه المطلق بالمستعمل.
فرعٌ: وإن كثر عدد النجس فذكر ابن عَقيل (١): «أنه يصلي في أحدها بالتحري» (٢)؛ لأن اعتبار اليقين يشق، فاكتفي بالظاهر، كما لو اشتبهت القبلة. (٣)
* * * *
стр. 136
باب الآنية (١)
(كلُّ إناءٍ طاهرٍ يباح اتخاذه، واستعماله، ولو كان ثمينًا كالجوهر (٢) ونحوه)، مثل الياقوت (٣)، والبِلَّور (٤)، والعَقيق (٥)، وغير ثمينٍ، كالخَزف (٦)، والخشب (٧)،
стр. 137
والصُّفْر (١)، والجلود (٢)؛ لأن النبي ﷺ توضَّأ من تَورٍ من صُفرٍ (٣)، وتَورٍ من حجارةٍ (٤)، ومن قِربةٍ (٥)، وإداوةٍ (٦)، واغتسل من جَفنةٍ (٧)(٨)، روى
стр. 138
البخاري: «من تَورِ الصُّفر» (١).
[٧/ ١] مسألة: (فأما آنية الذهب والفضة والمضَبَّبِ بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء)؛ لما روى حذيفة (٢) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة»، وقال ﵇: «الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفقٌ عليهما (٣)(٤)؛ فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه؛ ولأن فيه سرفًا، وخيلاءَ، وكسر قلوب الفقراء، ولا يحصل هذا في ثمين الجواهر، لأنه لا يعرفها إلا خواص الناس.
ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالطُّنبور، ويستوي فيه الرجال والنساء لعموم الخبر، وإنما أبيح للنساء التَّحلّي للحاجة إلى الزِّينة للأزواج، فيبقى ما عداه على التحريم. (٥)
стр. 139
[٨/ ٢] مسألة: (فإن توضأ منها فهل تصِحُّ طهارته؟ على وجهين:) أحدهما: تصِحُّ طهارته؛ لأن الوضوء جريان الماء على العضو وليس بمعصيةٍ، إنما المعصية استعمال الإناء.
والثاني: لا تصِحُّ؛ لأنه استعمال للمعصية في العبادة فهو كالصلاة في الدار المغصوبة. (١)
стр. 140
[٩/ ٣] مسألة: (إلا أن تكون الضَّبَّةُ (١) يسيرةً من الفضَّة، كتَشعيب القَدَح فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال)؛ لما روي: «أن قَدَح رسول الله ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّعبِ سلسةً من فضة» رواه البخاري (٢)(٣).
واشترط أبو الخطاب (٤): أن تكون لحاجةٍ؛ لأن الرخصة وردت في شَعْبِ القَدَح وهو لحاجةٍ (٥).
وقال القاضي (٦): يباح من غير حاجةٍ؛ لأنه يسيرٌ (٧). (٨)
стр. 141
[١٠/ ٤] مسألة: (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرةٌ مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها (١)، وهم قسمان (٢):
أحدهما: من لا يَستَحِلُّ الميتة، كاليهود فأوانيهم طاهرة؛ لأن النبي ﷺ أضافه يهودي بخبز وإهالةٍ سَنِخةٍ، ذكره الإمام أحمد في الزهد (٣)(٤)، وتوضأ عمر من جرَّةِ نصرانيةٍ (٥).
والثاني: من يستحل الميتات والنجاسات كعبدة الأوثان والمجوس وبعض النصارى، فما لم يستعملوه من آنيتهم فهو طاهرٌ، وما استعملوه
стр. 142
فهو نَجِسٌ؛ لما روى أبو ثعلبة ﵁ (١) قال: «قلت: يا رسول الله، إنَّا بأرض قومٍ أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كُلوا فيها» متفقٌ عليه (٢).
وما شُكَّ في استعماله فهو طاهرٌ؛ لأن الأصل طهارته،
وذكر أبو الخطاب: أن أواني الكفار كلها طاهرةٌ لذلك (٣).
وفي كراهية استعمالها روايتان: إحداهما: يكره؛ لهذا الحديث، والثانية: لا يكره؛ لأن النبي ﷺ أكل فيها. (٤)
فأما ثياب الكفار، فما لم يلبَسوه أو علا من ثيابهم كالعِمامة والطَّيلسان فهو طاهرٌ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يلبَسون ثيابًا من نَسْجِ الكفار.
وما لاقى عوراتهم فقال أحمد: «أحبُّ إليَّ أن يعيد إذا صلي فيها» (٥)، فيحتمل وجوب الإعادة، وهو قول القاضي (٦)؛ لأنهم يتعبدون بالنجاسة.
стр. 143
ويحتمل ألّا يجب، وهو قول أبي الخطاب (١)؛ لأن الأصل الطهارة فلا تزول عنها بالشك. (٢)
(وعنه: أن من لا تحل ذبيحتهم لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسلها (٣)؛ لحديث أبي ثعلبة (٤)؛ [لأنه يدل على غسل آنية من لا تحل ذبيحته؛ لكونه أمر] (٥) بغسل آنية أهل الكتاب وإن كانت ذبائحهم حلالًا.
(ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها)؛ لأن الظاهر طهارتها. (٦)
[١١/ ٥] مسألة: (ولا يَطهُر جلد الميتة بالدِّباغ (٧)؛ لما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن عبد الله بن عكيم (٨): «أن النبي ﷺ كتب إلى جهينة: إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا
стр. 144
فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ (١) ولا عصبٍ»، قال أحمد: «إسناده جيد (٢)، يرويه يحيى بن سعيد (٣) عن شعبة (٤) عن الحكم (٥) عن ابن
стр. 145
أبي ليلى (١)(٢)(٣)؛ ولأنه جزء من الميتة فلم يَطهُر بالدباغ كاللحم. (٤)