← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وألغِ ما سوى ذلك» (١)، ورَوى بإسناده عن مكحولٍ: «أن رسول الله ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهمًا» (٢). وقولهم إنها من الخيل، قلنا: إلا أنها دون العِراب، فتعطى دون سهمها. فإن قالوا: فإن النبي ﷺ قسم للفرس سهمين؟ قلنا: هذا حكاية فعله، والفعل لا عموم له، وإنما هو قضيةٌ في عينٍ فيحتمل أنها كانت كلها عِرابًا وهو الظاهر، فإنها من خيل العَرب، ولهذا لما وجدوا البَراذين في العراق والشام أَشكل عليهم أمرها فكتبوا إلى عمر يسألون عنها. (٣) [١٣١٢/ ٢٢] مسألة: (ولا يسهم لأكثرَ من فرسين)؛ لما روى الأوزاعي: «أن رسول الله ﷺ كان يُسهِم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراسٍ»، وعن أزهر بن عبد الله (٤) أن

стр. 1192

عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي عبيد بن الجراح ﵁: «أن أسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهمًا، فذلك خمسة أسْهُمٍ، وما كان فوق الفرسين فهو جنائب» رواهما سعيد في سننه (١)، ولأن به إلى الثاني حاجةً، فإن إدامة ركوب واحدٍ يضعِفُه ويمنع القتال عليه، فقُسِم له كالأول بخلاف الثالث. [١٣١٣/ ٢٣] مسألة: (ولا يُسهَم لغير الخيل) كالبغال والحمير والفِيَلة بغير خلاف (٢)، وإن عظم غَناؤها (٣) وقامت مقام الخيل؛ لأن النبي ﷺ لم يسهم لها. (وقال الخرقي: من غزا على بعيرٍ لا يقدر على غيره قُسِم له ولبعيره سهمان (٤) نصَّ أحمد على هذا (٥)، وظاهره أنه لا يسهم لصاحب البعير وهو يقدر على فرسٍ. وعنه: يُسهَم للبعير سَهمٌ، ولم يَشترط عجز صاحبه عن غيره (٦)؛

стр. 1193

لقوله سبحانه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، والرِّكاب: الإبل، ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه فيُسهَمُ له كالفرس. ولا يزاد على سهمٍ؛ لأنه دون البِرذون. واختار أبو الخطاب: أنه لاسَهْمَ له (١)، قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه أن من غزا على بعيرٍ فله سَهمُ راجلٍ» (٢)؛ لأن النبي ﷺ لم يُسهِم لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا ولم تَخلُ غَزاةٌ من غزواته من الأبْعِرة، بل كانت غالب دوابهم، فلم ينقل أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل ذلك، ولأنه لا يَتَمكن صاحبه من الكَرِّ والفَرِّ فلم يُسهم له كالبغل. (٣) [١٣١٤/ ٢٤] مسألة: (ومن دخل دار الحرب راجلًا ثم مَلك فرسًا، أو استعاره، أو استأجره، وشهد به الوقعة، فله سهم فارسٍ، وإن دخل فارسًا ونَفَقَ فرسه، أو شَرَدَ حتى تَقَضِّي الحرب فله سهم راجلٍ)؛ لأن الاعتبار في استحقاق السَّهم بحالة الإحراز، فإن أحرزت الغنيمة وهو فارسٌ فله سهم فارسٍ، وإن أحرزت وهو راجلٌ فله سهم راجلٍ، سواءٌ دخل فارسًا أو راجلًا. قال أحمد ﵀: «أنا أرى أن كلَّ من شهد الوقعة على أيِّ حالةٍ كان يُعطى، إن كان فارسًا ففارسٌ، وإن كان راجلًا فراجلٌ» (٤)؛ لأنَّ عمر ﵁ قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» (٥)، ولأنَّ الفرس حيوانٌ فسُهم له،

стр. 1194

فاعتُبِر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود فيه، ولا يسهم له مع العدم كالآدمي. والأصل فيه أن حالة استحقاق السَّهم حال تَقَضِّي الحرب، بدليل قول عمر ﵁: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب المِلك، بخلاف حالة دخول دار الحرب، فإن الأموال في أيدي أصحابها ولا يُدرى هل يُظفر بهم أو لا؟ ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئًا. ولو وُجد مدَدٌ في تلك الحال، أو أسيرٌ فهرب، أو كافرٌ يسلم فيقاتل، استحق السَّهْم، فدل على أن الاعتبار بحالة شهود الوقعة فاعتبر دون غيره. [١٣١٥/ ٢٥] مسألة: (ومن غَصَبَ فرسًا فقاتل عليه فسَهمُ الفرس لمالكه)، نصَّ عليه أحمد (١)؛ لأنه فرسٌ قاتل عليه في الوقعة من يستحق السَّهْمَ، فاستحق السَّهمَ كما لو كان صاحبه راكبه، ويكون السَّهمُ لمالكه لأنه من فوائد نماء مِلكه، فكان له ككسب العبد ونتاج البهيمة. يُحقِّقُه أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا (٢)، فدلَّ على أن السهم للفرس لا للراكب، وأصل هذه المسألة أن من غصب بضاعةً فربح فيها كان ربحها لمالكها. [١٣١٦/ ٢٦] مسألة: (وإن قال الإمام من أخذ شيئًا فهو له (٣) لم يَجُزْ في إحدى الروايتين).

стр. 1195

ويحوز في الأخرى؛ لأن النبي ﷺ قال يوم بدرٍ: «من أخذ شيئًا فهو له» (١)، ولقوله: «من قتل قتيلًا فله سلبه» متفقٌ عليه (٢)، ولأنهم على هذا غزوا ورَضُوا به. ودليل الأولى: أن النبي ﷺ كان يُقَسِّم الغنائم والخلفاء بعده، ولأن ذلك يُفضي إلى اشتغالهم بالنَّهبِ عن القتال فيظفر العَدوُّ بهم، فلا يجوز، وقصة بدرٍ منسوخةٌ، فإنهم اختلفوا فيها، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. فأما تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة فلا يجوز، إلا أن يفَضِّل بعضهم من الغنيمة نَفَلًا؛ لما روى ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُنَفِّل بعض من [يَبعث] (٣) من السَّرايا لأنفسهم خاصَّةً، سوى قَسْمِ عامة الجيش» متفقٌ عليه (٤). فأما غير ذلك فلا يجوز في إحدى الروايتين؛ لأن النبي ﷺ قَسَم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمًا، وسَوّى بينهم، ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التَّسوية، فيجب التَّسوِيةُ بينهم كسائر الشركاء. والأخرى يجوز؛ لأن النبي ﷺ أعطى سلمة بن الأكوع ﵁ سَهْمَ فارسٍ وسَهمَ راجلٍ (٥).

стр. 1196

والأول أصح؛ لما سبق، وحديث سلمة ﵁ محمولٌ على النَّفَل. (١) [١٣١٧/ ٢٧] مسألة: (ومن استُؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إلا الأجرة)، وكذا من استؤجر للخدمة في الجهاد والذي يَكري دابته؛ لحديث يعلى بن مُنْيَة ﵁ حيث استأجر أجيرًا بثلاثة دنانير، فقال النبي ﷺ : «ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سَمَّى» رواه أبو داود (٢). (٣) [١٣١٨/ ٢٨] مسألة: (ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه)؛ لأنه ثبت مِلكه فيه، فقام وارثه مقامه كما لو مات بعد القسمة، وإن أُسر أو مات قبل تَقَضِّي الحرب فلا شيء له؛ لأنه لم يملك شيئًا. [١٣١٩/ ٢٩] مسألة: (ويشارك الجيشُ سَراياه فيما غَنِمت، ويشاركونه فيما غنمَ)؛ لأنهم جيشٌ واحدٌ، وكلٌّ منهم رِدءٌ لصاحبه، فيشتركون كما لو غَنم أحد جانِبي الجيش، ولأن في تَنفيل النبي ﷺ في البَدأة الرُّبُعَ وفي الرجعة الثُّلُثَ دليلٌ على اشتراكهم فيما سوى ذلك (٤)، وروي «أن النبي ﷺ لما غزا هوزان بعث سريةً من الجيش قِبَل أوطاسٍ، فغنمت السَّرية، فأشركه بينها وبين الجيش» (٥)، قال ابن المنذر: «ورُوّينا أن النبي

стр. 1197

ﷺ قال: «ويَردُّ سراياهم على قَعَدِهم» (١) (٢). [١٣٢٠/ ٣٠] مسألة: (وإذا قسمت الغنيمة في أرض العدوِّ، فتبايعوها، ثم غَلَبَ عليها العدوُّ، فهي من مال المشتري في إحدى الروايتين، اختارها الخلال وصاحبه، والأخرى: من مال البائع، اختارها الخرقي (٣). ودليل الأولى: أنه مالٌ مقبوضٌ أُبيح لمشتريه التَّصرف فيه بأنواع التصرف، فكان من ضمانه كما لو أُحْرِز إلى دار الإسلام، ولأنه لو تَلِفَ بغير العدوِّ لم يضْمَنه البائع، فلا يضمنه وإن أخَذَه العدوُّ كغيره من الأموال، وهذه أكثر الروايات عن أحمد. والرواية الأخرى: ينفسخ البيع، ويكون من ضمان البائع؛ لأن دار الحرب لم يَكمُل القبض فيها؛ لكون المال على خَطَرٍ من العدوِّ وغَرَرٍ، فمتى غَلبوا عليه ضمنه البائع، على نحو الثَّمر في رؤوس شجره يتلف قبل جُداده، فإنه من ضمان بائعه، لعدم كمال قبضه، كذا ههنا. (٤) وهذا إذا أخذ بغير تفريطٍ من المشتري، فإن أخذ منه بتفريطٍ لخروجه من العَسكر فهو من ضمانه؛ لأنه ذهب بتفريطه أشبه ما لو أتلفه.

стр. 1198

[١٣٢١/ ٣١] مسألة: (ومن وطئ جاريةً من المغنم ممن له فيها حقٌّ أو لوَلده أُدِّبَ، ولم يُبلَغُ به الحدُّ، وعليه مهرها، إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها، وتصير أم ولدٍ له، والولد حُرٌّ ثابت النَّسبِ)، وذلك لأن المِلك ثَبَتَ للغانمين في الغنيمة، بدليل زوال مِلك الكفار عنها، ولا يزول إلا إلى المسلمين فيكون للواطئ حقٌّ في هذه الجارية وإن كان قليلًا، فيسقط عنه الحد للشبهة. ويعذر ولا يبلغ به الحدُّ لكونه وطئ في مِلك الغير، ويؤخذ منه مهر مثلها فيُطرح في [المغنم] (١) لذلك، وقال القاضي: «يسقط عنه من المهر بقدر حقه منها كما لو وطئ الجارية المشتركة» (٢). (٣) وليس بصحيح؛ لأنَّنا إذا أخذنا منه حصة غيره فطرحناها في المغنم ثم قسمناه على الجميع وهو منهم عاد إليه سهم من حصة غيره، ولأن قدر حصته قد لا يمكن معرفته لقلَّةِ المهر وكثرة الغانمين، وإن قُسِم مفردًا لم يُمكن (٤). (٥) فإن ولدت منه فالولد حرٌّ يلحقه نسبه؛ لأنه وطءٌ سقط فيه الحد لشبهة

стр. 1199

المِلك فوجب أن يلحق فيه النسب كوطءِ جارية ابنه. وتصير الأمَةُ أم ولدٍ له في الحال؛ لأنه وطءٌ يلحق به النسب لشبهة الملك فتَصيرُ أم ولدٍ كوطءِ جارية الابن. وعليه قيمتها تطرح في المغنم؛ لأنه فَوَّتَها عليهم، وأخرجها من الغنيمة بفعله، فلزمته قيمتها كما لو قَتَلها، ولا يلزمه قيمة الولد؛ لأنها وضعته وهي مِلكُه. (١) [١٣٢٢/ ٣٢] مسألة: (ومن أعتَقَ منهم عبدًا عَتَقَ عليه قَدرَ حَقِّه، وقُوِّمَ عليه باقيه إن كان موسرًا) يطرح في المغنم. وإن كان معسرًا لم يُعتَقْ عليه إلا مقدار حصته منه، كذا هذا إن كان المُعتَق رقيقًا كالمرأة والصبي. وإن كان رجلًا لم يَعْتِق؛ لأن الأسير لا يصير رَقيقًا إلا باسترقاق الإمام له واختياره؛ لأن للإمام حقَّ الاختيار إن رأى قتله وإن رأى المنَّ والفداء كان له، وإن رأى استرقاقه كان له ذلك. فإن استَرقَّه الإمام ثم أعتقه فحكمه حكم ما لو أعتَقَ امرأةً على ما سلف، وفي جميع ذلك إن كان المُعتِقُ معسرًا لم يَعْتِق عليه إلا قدر حصته منه. فإن كان المُعتَقُ بقدر حصته من الغنيمة حُسب عليه بحقِّه منها، وإن كان دون حقِّهِ أَخَذَ الباقي. (وكذلك الحكم إذا كان في الغنيمة من يَعتِقُ عليه)، فحكمه حكم ما لو أعتَقَه؛ لأنه مَلَكَه بفعله فأشبه ما لو اشتراه.

стр. 1200

[١٣٢٣/ ٣٣] مسألة: (والغالُّ من الغنيمة يُحْرَقُ رَحْلُه كله إلا السِّلاحَ والمصحف والحيوان)، الغالُّ: هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة، فلا يُطلِع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة، فحكمه أن يُحْرَق رحله كله، قال يزيد بن [يزيد] بن جابر (١): «السنة في الذي يَغُلُّ أن يُحرَق رحله»، وأُتي سعيد بن عبد الملك (٢) بغالٍّ فجمع ماله فأُحرِقَ، وعمر بن عبدالعزيز حاضر ذلك فلم يُعبه، رواهما سعيد بن منصور (٣)، وروى صالح بن محمد بن زائدة (٤) قال: «دخلت مع مَسلمة (٥) أرض الروم فأُتي برجلٍ قد غَلَّ، فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر ابن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه

стр. 1201

واضربوه»، قال فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه» أخرجه أبو داود (١)، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «حَرّقوا متاع الغالِّ واضربوه» أخرجه أبو داود (٢). وأما الحيوان فلا يُحْرَق؛ لأن له حرمةً في نفسه، ولأنه لا يدخل في اسم المتاع، ولأن النبي ﷺ نهى أن يُعذب بالنار (٣)، وهذا اتفاقٌ. فأما آلة الدّابة فلا تُحَرقُ أيضًا، ولا ثيابه التي عليه؛ لأنها لا تدخل في مطلق متاعه، ولا سلاحُه ولا نفقته إن كانت في خُرْجِه. وإن مات الغالُّ قبل حَرْقِ متاعه لم يُحرق، نص عليه (٤)، لأن حرق متاعه عقوبة فيسقط بالموت كالحدود، ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته فيصير إحراقه عقوبة لغير الجاني. وإن كان الغالُّ صبيًّا لم يحرق متاعه؛ لأنه ليس من أهل العقوبة. وإن كان عبدًا لم يُحْرَق متاعه؛ لأنه للسيد، فلا يعاقب بجناية عبده. وإن غَلَّت امرأةٌ حُرِّقَ متاعها؛ لأنها من أهل العقوبة. وكذا إن كان الغالُّ ذِميًّا. [١٣٢٤/ ٣٤] مسألة: (وما أُخذ من الفدية، أو أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قُواده، فهو غنيمةٌ)؛ لأنه يَغلِب على الظَّن أنه بَذَله خوفًا

стр. 1202

من المسلمين. وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهو لمن أهدي إليه؛ لأنه تبَرَّعَ له بذلك من غير خوفٍ، فأشبه هدية المسلم. (١) * * *

стр. 1203

باب حكم الأَرَضين المغنومة (وهي على ثلاثة أضربٍ، أحدها: ما فتح عَنوةً، وهي ما أُجليَ عنها أهلها بالسَّيف، فيخيَّر الإمام بين قِسمَتِها ووقفها للمسلمين (١)، ويَضرِب عليها خراجًا مستمرًّا، يؤخذ ممن هي في يده، يكون أجرة لها)، أما ثبوت الخيار للإمام في قسمتها ووقفها فلأن كلا الأمرين قد ثبت عن النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ قسم نصف خيبر ووقف نصفها لنَوائبه (٢)، ووقف مكة ولم يقسمها (٣)، ووقف عمر ﵁ أرض الشام وأرض العراق ومصر، وأقَرَّه على ذلك علماء الصحابة ﵃ وأشاروا عليه به (٤). وهذا الاختيار المفوض إلى الإمام اختيار مصلحةٍ لا تشهّي، فيلزمه فعل ما يَرى فيه المصلحة، ولا يجوز العدول عنه كالخيرة بين القتل

стр. 1204

والمنِّ والفداء والاسترقاق في الأسارى. (وعن أحمد رواية ثانية: أنها تَصير وقفًا بنفس الاستيلاء عليها (١)؛ لاتفاق الصحابة ﵃ على وقفها (٢)، وقسمة النبي ﷺ خيبر كان في بَدْءِ الإسلام وشِدَّة الحاجة فكانت المصلحة فيه. وفيه روايةٌ ثالثةٌ: أن قسمتها متعينةٌ ولا يجوز وقفها، وهو قول مالك (٣) (٤)؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك (٥)، وفعله أولى من فعل غيره مع عموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، يفهم منه أن أربعة أخماسه للغانمين. والرواية الأولى أصحُّ، لأن النبي ﷺ فعل الأمرين جميعًا في خيبر،

стр. 1205

ولأن عمر ﵁ قال: «لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي ﷺ خيبر» (١)، فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي ﷺ دلَّ على أن فعله لذلك لم يكن متعيِّنًا، كيف والنبي ﷺ قد وقف نصف خيبر ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها. قال أبو عبيد: «تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عَنوةً بهذين الحكمين، حكم رسول الله ﷺ في خيبر حين قسمها، وبها أشار بلالٌ وأصحابه على عمر في أرض الشام، وأشار به الزبير في مصر، وحُكم عمر في أرض السَّواد وغيره حين وَقَفه، وبه أشار علي ومعاذ على عمر، وليس فعل النبي ﷺ رادًّا لفعل عمر، لكن كلُّ واحدٍ منهما تَبِعَ آيةً محكمةً، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الآية، فكان كلُّ واحدٍ من الأمرين جائزًا، والنظر في ذلك للإمام، فما رأى المصلحة فيه تعين فعله» (٢). (٣) وكلَّ ما فعله النبي ﷺ من وقفٍ، أو قسمةٍ، أو فعله الأئمة بعده، فليس لأحدٍ نَقضُه ولا تغييره، وإنما الروايات فيما يُستأنف فَتحُه، فأما ما قسم بين الغانمين فلا خراج عليه، وكذلك ما أسلم أهله عليه، وما وقفه الأئمة، وضربوا عليه خراجًا معلومًا فهو على ذلك لا يُنقض ولا يُغير، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قسم خيبر، وأن عمر ﵁ وقف سواد

стр. 1206

العراق والشام ومصر، روى ذلك أبو عبيد في الأموال (١). (الضرب الثاني: ما جَلا عنها أهلها خوفًا فتصير وقفًا بنفس الظُّهور عليها (٢) (٣)؛ لأنها ليست غنيمةً، ولأن الأئمة بعد النبي ﷺ لم يقسموا أرضًا افتتحوها، واتفق الصحابة على ذلك فكان إجماعًا (٤). وعنه: لا تصير وقفًا حتى يَقِفها الإمام (٥)؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه، وحكمها حكم العَنْوَة إذا وُقفت؛ لما سبق. (٦) (والضرب الثالث: ما صولحوا عليه، وهو ضربان: أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لنا ويُقرها معهم بالخراج، فهذه تصير وقفًا أيضًا)، وهي كالتي قبلها؛ لما سبق. (٧) (الثاني: أن يصالحهم أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهذه مِلكٌ لأربابها، متى أسلموا سَقَطَ عنهم)؛ لأنه بمنزلة الجزية، فيسقط بالإسلام كالجزية، ولهم بيعها والتصرف فيها. (وإن انتقلت إلى مسلمٍ لم يُؤخَذ خَراجها)؛ لما ذكرناه، (ويُقَرون فيها بغير جزية؛ لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها). (٨)

стр. 1207

فصلٌ في معرفة ما فتح عَنْوةً وصلحًا قال الإمام أحمد ﵀: «الشام عنوةً إلا حِمص وموضعًا آخر» (١). وقال أحمد ﵀: «ما دون النَّهر (٢) صلحٌ، وما ورائه عَنوةً» (٣). وقال: «فتح المسلمون السَّواد (٤) عَنوةً إلا ما كان منه صلحٌ وهي أرض الحيرة (٥)، وأرض بانِقيا (٦) (٧). وقال: «أرض الرَّيِّ (٨) خلطوا في أمرها، فأما ما فتح عَنوةً فمن نهاوند» (٩)، «وطَبَرِستان (١٠) خراجٌ» (١١).

стр. 1208

وقال أبو عبيد: أرض الشام عَنوةً، ما خلا مدنها فإنها افتتحت صلحًا، إلا قَيساريَّة (١) افتتحت عَنوةً، وأرض السَّواد والجبل (٢) ونهاوند والأهواز (٣) ومصر والمغرب» (٤). قال موسى بن عُلَيّ بن رَباح عن أبيه (٥): «المغرب كله عَنوة» (٦). وأما بلاد الصُّلح فأرض هَجَرَ، والبحرين (٧)، وأيلة (٨)، ودُومة

стр. 1209

الجندل (١)، وأذرح (٢)، فهذه القرى التي أدَّت إلى رسول الله الجزية، ومدن الشام ما خلا أرضها، إلا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها، وبلاد خُراسان كلها، وأكثرها صلح (٣). وكل موضعٍ فُتِحَ عَنوةً فإنه وقفٌ على المسلمين. ولم يبلغنا أن أرضًا قسمت غير خَيبر. وما صار وقفًا لا يجوز بيعه، ولا رهنه، ولا هبته في ظاهر المذهب؛ لأن الوقف لا يباع، ولا يوهب. وأما المساكن (٤) فيجوز بيعها إجماعًا، قاله أبو عبيد (٥). [١٣٢٥/ ١] مسألة: (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قَدْرِ الطاقة)، وهي اختيار الخلال في الخراج (٦)؛ لأنها أجرةٌ فلم تتقدر بمقدارٍ لا يختلف كأجرة المساكن. (وعنه: يرجع إلى ما ضربه عمر ﵁ لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه (٧) لأن اجتهاد عمر ﵁ (٨) أولى من قول غيره، كيف

стр. 1210

ولم ينكره أحد من الصحابة فصار إجماعًا (١). (٢) (وعنه: يجوز الزيادة دون النقص، قال أحمد ﵀ وأبو عبيد: «أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون (٣) (٤)، يعني: أن عمر ﵁ وضع على كل جَريبٍ (٥) من أرض السواد درهمًا وقفيزًا (٦)، وقدر القَفيز (٧): ثمانية أرطال بالمكي (٨)، نص عليه أحمد (٩)، قال

стр. 1211

القاضي: «عندي أنه ثمانية أرطالٍ بالمكي، فيكون ستة عشر رِطلًا بالعراقي» (١). وقال أبو بكر: «قد قيل: إن قدره ثلاثون رِطلًا» (٢). (٣) وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الأرض؛ لأنه روي عن عمر بن الخطاب ﵁: «أنه ضرب على الطعام (٤) درهمًا وقفيزَ حنطةٍ، والشعير درهمًا وقفيز شعيرٍ» (٥). والجريب: عشر قَصَبات (٦) في عشر قَصبات، والقَصَبَةُ: ستة أذْرعٍ

стр. 1212

بذراع عمر ﵁ (١)، وهو ذراعٌ وسطٌ - لا أطول ذراعٍ ولا أقصرها - وقبضةٌ وإبهامٌ قائمةٌ. [١٣٢٦/ ٢] مسألة: (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه)؛ لأن الخراج أجرةٌ للأرض، ولا أجرة لهذا. وعنه: يجب الخراج إذا كان على صفةٍ يمكن إحياؤه ليُحيِيَه من هو في يده (٢)، أو يرفع يده عنه فيُحيِيَه غيره وينتفع به. (٣) [١٣٢٧/ ٣] مسألة: (وما كان من الأرض لا يمكن زرعها حتى تُراح عامًا وتزرع عامًا فخراجها على النِّصف من خراج غيرها)؛ لأن نَفْعَها على النِّصف. [١٣٢٨/ ٤] مسألة: (والخراج على المالك دون المستأجر)؛ لأنه يجب عن رَقبة الأرض، فيجب على مالِكها كما يجب العُشْرُ على المستأجر لكونه مالك الزَّرع. (٤) [١٣٢٩/ ٥] مسألة: (والخراج كالدَّين يُحبَس به الموسر، ويُنظَر به المُعْسر)، لأنه أجرة الأرض أشبه أجرة المساكن. [١٣٣٠/ ٦] مسألة: (ومن عَجَزَ عن عمارة أرضه وأداء خراجها أُجبِر

стр. 1213

على إجارتها أو رفع يَدِه عنها)، ودفعت إلى غيره ليقوم بخراجها ويعمرها؛ لأن الأرض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم. [١٣٣١/ ٧] مسألة: (ويجوز لصاحب الأرض أن يَرشُوَ (١) العامل ليدفع عنه الظلم في خراجه)؛ لأنه يتوصل بماله إلى كفِّ اليد العادية عنه. (ولا يجوز له ذلك ليدع له من خراجه شيئًا)؛ لأنه رِشوةٌ لإبطال حقٍّ، فحرمت على الآخذ والمعطي كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق. [١٣٣٢/ ٨] مسألة: (وإن رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسانٍ جاز)؛ لأن الخراج إذا أخذه الإمام وصار في يده له أن يَخُصَّ به شخصًا إذا رأى المصلحة فيه، فجاز له تركه له قبل أخذه إذا رأى المصلحة فيه. * * *

стр. 1214

باب الفيء (وهو ما أُخذَ من مال مشركٍ بغير قتال: كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركوه فزعًا، وخُمُسُ الغنيمة، ومال من مات لا وراث له، فيصرف في المصالح)، ذكر الخرقي: أن هذا يُخمَّسُ فيصرف خُمسُه إلى من يصرف إليه خُمْس الغنيمة (١)؛ لقول الله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وهؤلاء أهل الخُمس، وهذا إحدى الروايتين عن أبي عبد الله ﵀ (٢). (وظاهر المذهب أنه لا يُخَمَّس (٣)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] الآيات، فجعله كله لجميع المسلمين، قال عمر ﵁ لما قرأها: «هذه استوعبت

стр. 1215

المسلمين، ولئن عشت ليأتين الرّاعيَ بسَرْوِ حِميَرَ (١) نصيبُه منها، لم يعرق فيه جبينه» (٢)، وفي البخاري ومسلم عن عمر ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت خالصًا لرسول الله، فكان يعزل منها نفقة عياله سنة، ويجعل الباقي في الكُراع والسلاح عُدةً في سبيل الله» (٣)، ولم يذكر التخميس. (٤) وعلى كلتا الروايتين يَبدأ فيه بالأهم فالأهم، وأهمُّ المصالح: كفاية أجناد المسلمين بأرزاقهم، وسَدَّ الثغور بمن فيه كفايةٌ، بكفايتهم بأرزاقهم، وبناء ما يحتاج إلى بنائه وحفر الخنادق، وشراء ما يحتاج إليه من الكراع والسلاح. ثم الأهم فالأهم من عمارة القناطر والطرق والمساجد، وكَرْي الأنهار، [وسَدِّ] (٥) البثوق، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين، ومن يَحتاج إليه المسلمون، وكلَّ ما يعود نفعه إلى المسلمين. ثم ما فَضَل قُسِّم على المسلمين؛ لما ذكرنا من الآية وقول عمر ﵁. وذكر القاضي: «أن الفيء لأهل الجهاد دون غيرهم من الأعراب ومن لا يُعِدُّ نفسه للجهاد» (٦)؛ لأن ذلك كان للنبي ﷺ لحصول النُّصرة

стр. 1216

به، فلما مات أُعطِيَ لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتِلة دون غيرهم. (١) [١٣٣٣/ ١] مسألة: (ويَبدأ بالمهاجرين)؛ لأن عمر ﵁ بدأ بهم لكونهم رَهط النبي ﷺ . (ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، فيَبدأ ببني هاشم؛ لأنهم أقارب رسول الله ﷺ ؛ لأن عمر ﵁ قال: «أبدأُ برسول الله ﷺ الأقرب فالأقرب» (٢). ثم ببني المطلب؛ لقول رسول الله ﷺ : «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ، وشبك بين أصابعه» (٣)، ثم ببني عبد شمس؛ لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه، قال (٤): عبد شمسٍ كان يتلو هاشمًا … وهما بَعدُ لأمٍّ وأب ثم ببني نوفل؛ لأنه أخو هاشم لأبيه، ثم يُعطَى بنو عبد العزى وعبد الدار، ويُقدَّم عبد العزى؛ لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة ﵂ منهم، وعلى هذا يعطى الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش وهم بنو النَّضر بن كِنانة. (ثم يُقدِّم الأنصار (٥) على سائر العرب لسابقتهم وآثارهم الجميلة.

стр. 1217

ثم سائر العرب، ثم العجم. فإن استوى اثنان في الدرجة قدم أسنُّهما، ثم أقدمهما هجرةً وسابقةً. (ثم سائر المسلمين). [١٣٣٤/ ٢] مسألة: (وهل يفاضَل بينهم؟ على روايتين)، إحداهما: لا يجوز التَّفضيل؛ لما روي أن أبا بكر ﵁ سوى بينهم فيه وقال: «فضائلهم عند ربهم» (١)، ولأن الغنائم تُقسَّمُ بين من شهد الوقعة على السَّواء فكذلك الفيء. والرواية الأخرى: للإمام تفضيلُ قومٍ على قومٍ؛ لأن عمر ﵁ قسم بينهم على السوابق (٢)، وقال: «لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه» (٣)، ولأن النبي ﷺ قَسَّم النَّفَل بين أهله متفاضلًا (٤)، وهذا في معناه. (٥) [١٣٣٥/ ٣] مسألة: (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دُفع إلى ورثته حَقُّه)؛ لأنه مات بعد الاستحقاق فانتقل حَقُّه إلى وارثه كسائر الموروثات.

стр. 1218

[١٣٣٦/ ٤] مسألة: (ومن مات من أجناد المسلمين دُفع إلى امرأته وأولاده الصغار كفايتُهم)؛ لأن فيه تطييبَ قلوب المجاهدين، لأنهم إذا علموا أن عيالهم يُكْفَوْن المؤنة بعد موتهم توَفَّروا على الجهاد، وإن علموا خلاف ذلك تَوفَّروا على الكسب وآثروه على الجهاد. [١٣٣٧/ ٥] مسألة: (فإذا بلغ ذكور أولاده فاختاروا أن يكونوا من المقاتِلة فرض لهم، وإن لم يختاروا تُرِكوا) كغيرهم من المسلمين. * * *

стр. 1219

باب الأمان (يصح أمان المسلم المكلف، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، مُطْلَقًا أو أسيرًا)؛ لما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ذمة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» رواه البخاري ومسلم (١)، وفي مسلم: «لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ» (٢)، وقالت عائشة ﵂: «إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيَجوز (٣). وعن فضيل بن يزيد (٤) الرَّقاشِي (٥) قال: «جهز عمر بن الخطاب ﵁ جيشًا فكنت فيه، فحصرنا موضعًا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نُقبل ونروح، فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان في صحيفةٍ وشَدَّها على سهمٍ ورمى بها إليهم، فأخذوها وخرجوا، فكُتبَ بذلك إلى

стр. 1220

عمر، فقال: العبد المسلم رجلٌ من المسلمين يجوز أمانه» رواهما سعيد (١). [١٣٣٨/ ١] مسألة: (وفي أمان الصَّبي المُمَيِّز روايتان:) إحداهما: لا يصح منه؛ لأن القلم مرفوع عنه، ولا يلزمه بقوله حكمٌ، فلا يلزم غيره كالمجنون. والثانية: يصح؛ لعموم الخبر (٢)، ولأنه مسلمٌ عاقلٌ فصَحَّ أمانه كالبالغ. (٣) [١٣٣٩/ ٢] مسألة: (ويصح أمان الإمام لجميع المشركين)؛ لأن له الولاية على جميع المسلمين. ([وللأمير] (٤) عقده لمن أقيم بإزائه)؛ لأن إليه الأمر فيهم. (وأما سائر الرَّعية) فلهم عقده (للواحد، والعَشَرة)، والحِصْنِ الصغير، (والقافلة)؛ لحديث عمر ﵁ في أمان العبد (٥). ولا يصح لأهل بلدةٍ ورُستاق (٦) ونحوه؛ لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتئات على الإمام. [١٣٤٠/ ٣] مسألة: (ومن قال لكافر: أنتَ آمنٌ، أو: لا بأس عليك،

стр. 1221

أو: أَجَرْتُك، أو: قِفْ، أو: أَلقِ سِلاحك، أو: مَتَرْس فقد أمَّنَه)؛ لأن الأمان يحصل بكلِّ ما يدل عليه من قولٍ وغيره. فالقول مثل: أمَّنْتك، أو: أنت آمنٌ، أو: أَجَرْتُك، أو: أنتَ مُجارٌ، وفي جِواري، أو ذِمَّتي، أو: في أَماني، أو خَفارتي، أو: لا بأس عليك، أو: لا خوف عليك، أو: لا تخف، أو: مَتَرْس بالفارسية، ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال يوم الفتح: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ» (١)، وقال لأم هانئ ﵂: «قد أجرنا من أجَرْتِ، وأمَّنا من أمَّنْتِ» (٢). وقال أنسٌ لعمر ﵄ في قصه الهُرمُزان (٣): «ليس لك إلى قتله سبيلٌ، قد قلتُ: تكلم لابأس عليك، فأمسك عمر» (٤)، وروى زر عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «إن الله يعلم كلَّ لسانٍ فمن أتى منكم أعجميًّا فقال له: مَتَرْس، فقد آمنَه» (٥). وإن أشار إليه فهو أمانٌ؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لو أن أحدكم أشار بإصْبَعِه إلى السماء إلى مشركٍ، فنزل إليه فقتله، لقَتَلتُه به» (٦).

стр. 1222

فإن قال المسلم: لم أُرِد به الأمان، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنِيَّتِه، ويُرَد المشرك إلى مَأْمَنِه؛ لأنه نزل على أنه آمنٌ. وإن قال له: قف أو أَلْقِ سلاحك، فقال أصحابنا: هو أمانٌ؛ لأن الكافر يعتقده أمانًا، فأشبه قوله: لا تخف، ويحتمل أن يُرجَع فيه إلى النِّيَة، فإن نَوى به أمانًا كان أمانًا؛ لأنه يُحتمل، وإن لم يَنْوِ لم يكن أمانًا؛ لأنه يستعمل للإرهاب والتَّخويف والتهديد، فلم ينصرف إليه بغير نيةٍ. (١) فإذا اختلفا في نيته فالقول قول المسلم؛ لما ذكرنا. وأما الفعل (٢) فيدخل إلينا بغير أمانٍ ثم يدعي أنه رسولٌ، وستأتي المسألة. [١٣٤١/ ٤] مسألة: (ومن جاء بمشركٍ فادعى أنه آمنَه فأنكره، فالقول قول المسلم)؛ لأن الأصل معه، وهو إباحة دم الحربي وعدم الأمان. (وعنه: القول قول الأسير (٣)؛ لأنه يَدَّعي حَقْنَ دمه، فيكون ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ القتل. (وعنه: القول قول من يَدُلُّ ظاهِرُ الحال على صِدْقِه (٤)، فمتى كان

стр. 1223

أقوى من المسلم ومعه سلاحه فالقول قوله؛ لأن الظّاهر معه، وإن كان ضعيفًا مأخوذًا سلاحه فالقول قول المسلم، لأن الظاهر معه. (١) [١٣٤٢/ ٥] مسألة: (ومن أُعطيَ أمانًا ليفتح حِصنًا ففتحه، واشتبه علينا فيهم، حرم قتلهم (٢)؛ لأنه اشتبه المباح بالمحظور، فوجب تَغليبُ الحظر كما لو اشتبهت أخته بأجنبياتٍ. وفي استرقاقهم وجهان: أحدهما: لا يسترق واحدٌ منهم لذلك، قال القاضي: «هذا المنصوص عليه (٣) (٤). والثاني: يُقْرَع بينهم فيخرج صاحب الأمان بالقُرعة، ويُستَرقُّ الباقون إختاره أبوبكر (٥)؛ لأنه اشتبه الحرُّ بالرَّقيق، فوجب أن يُخرج بالقرعةِ كما لو أعتق عبدًا من عبيده وأشكل. (٦) [١٣٤٣/ ٦] مسألة: (ويجوز عقد الأمان للرسول والمُستأمِن، ويقِيمون مُدَّة الهدنة بغير جزية)، وذلك لأنه يجوز عقده للمستأمن غيرَ مُقَيَّدٍ بِمُدَّةٍ؛ لأن ذلك لا يفضي إلى ترك الجهاد، قال القاضي: «ويجوز أن يقيموا في

стр. 1224

دارنا مُدَّةَ الهدنة بغير جزيةٍ، وهو ظاهر كلام أحمد (١) (٢)؛ لأن من جاز إقراره بغير جزية فيما دون السَّنة جاز فيما زاد كالمرأة. (وقال أبو الخطاب: عندي لا يجوز أن يقيموا سنة فصاعدًا بغير جزية (٣)؛ لقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. (٤) [١٣٤٤/ ٧] مسألة: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمانٍ فادعى أنه رسول أو تاجرٌ ومعه متاعٌ يَبيعه، قُبل منه (٥) ولم يجز التَّعَرض له؛ لأن العادة جاريةٌ بذلك، ولأن رسول الله ﷺ قال لرَسولي مسيلمة: «لولا أن الرُّسل لا تقتل لقتلتكما» (٦)، ولأنهم دخلوا يعتقدون الأمان فأشبه ما لو دخلوا بإشارة المسلم. (وإن كان جاسوسًا خُيِّر الإمام فيه كالأسير)؛ لأنه حَربيٌّ أُخِذ بغير أمانٍ، فأشبه المأخوذ في حالة الحرب.

стр. 1225

(وإن كان ممن ضَلَّ الطريق أو حملته الرِّيح في مركبٍ إلينا فهو لمن أخذه)؛ لقول النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحقُّ به» رواه أبو داود (١)، لأنه مباحٌ أُخِذَ بغير قتالٍ في دار الإسلام، فكان لمن أخَذَه، كالصيد والحطب والحشيش. (وعنه: يكون فيئًا للمسلمين (٢)؛ لأنه حَربِيٌّ أُخِذَ بغير قتالٍ فأشبه ما لو أخذ في دار الحرب. (٣) [١٣٤٥/ ٨] مسألة: (فإن أَوْدع المستأمن ماله مسلمًا، أو أقرضه إياه، ثم عاد إلى دار الحرب) رسولًا أو تاجرًا ليعود إلى دار الإسلام (فهو على أمانه). وإن دخل مستوطنًا أو محاربًا انتقض الأمان في نفسه، وبَقِي في ماله؛ لأنه بطل في نفسه لعوده، ولم يوجد ذلك في المال، ولأن الأمان ثَبَتَ للمال بأخذ المودَع والمقترِض له، فأشبه ما لو استودعه في دار الحرب ودخل به دار الإسلام، فإن طلبه بعث به إليه. (وإن مات بُعِثَ به إلى وارثه)، وكذا إن مات المستأمن في دار الإسلام بعث ماله إلى وارثه؛ لأن الأمان حَقٌّ لازمٌ مُتَعلِّقٌ بالمال، فإذا انتقل إلى الوارث انتقل بحَقِّه كسائر ماله. (وإن لم يكن له وارث فهو فيءٌ)؛ لأنه انتقل عن الكافر ولا مستَحقَّ له، فأشبه مال الذي يموت ولا وارث له.

стр. 1226

[١٣٤٦/ ٩] مسألة: (وإن أَسَرَ الكُّفار مسلمًا فأطلقوه بشرطِ أن يقيم عندهم مدةً، لزمه الوفاء لهم)، ولم يكن له أن يَهرُبَ منهم، ولا يخونهم في مالهم؛ لأنهم على هذا أطلقوه. (وإن لم يشرطوا شيئًا فله أن يَقتُل ويسْرِق ويَهرُب)؛ لأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان. (وكذا إن أطلقوه على أن يكون رقيقًا لهم)؛ لأنه حُرٌّ لا يثبت عليه المِلك، [ولم] (١) يَصدُر منه أمانٌ. (٢) (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالًا لزمه ذلك)؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم» (٣)؛ ولأن النبي ﷺ لمّا صالح أهل الحديبية على رَدِّ مَنْ جاءه وفّى لهم، وقال: «إنَّا لا يصلح في ديننا الغَدْرُ» (٤). (وإن شرطوا عليه أنه إن لم يَقْدِر على الفِداءِ رجع إليهم، وكان رجلًا، لزمه الوفاء) في إحدى الروايتين؛ لما ذكرنا. (والثانية: لا يعود، اختارها الخرقي (٥)؛ لأن العَوْدَ إليهم مَعصيةٌ، فلم يلزمه بالشرط.

стр. 1227

(وإن كانت امرأةً لم ترجع إليهم) روايةً واحدةً؛ لأنَّ النبي ﷺ لما صالح أهل الحديبية على رَدِّ من جاءه، منعه الله رَدَّ النِّساء بقوله سبحانه: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. (١) * * *

стр. 1228

باب الهُدنة (ولا يَصحُّ عقد الهُدنة والذِّمة إلا من الإمام أو نائبه، فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدةً معلومةً وإن طالت (١)، معنى الهدنة: موادعة أهل الحرب (٢)، وهي جائزةٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. وروى مَروان (٣) ومِسْوَر بن مخرمة ﵁ أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين (٤)، ووادع النبي ﷺ قبائل من المشركين وقريظة والنضير، ولأن المصلحة قد تكون في الهدنة، إما لضعف المسلمين عن قتالهم، أو طَمَعٍ في إسلامهم، أو التزامهم الجزية، أو غير ذلك. ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقدٌ يقتضي الأمان لجميع المشركين، فلم يجز لغيرهما كعقد الذِّمة. إذا ثبت هذا فإن الهُدنة لا تتقدر بمدة، بل هي على ما يراه الإمام

стр. 1229

من المصلحة في قلَّتها وكثرتها. وقال القاضي: «ظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز أكثر من عشر سنين (١)، وهو اختيار أبي بكر (٢) (٣)؛ لأن الأمر بالجهاد يشمل الأوقات كلَّها خُصَّ منه مدة العَشْر لصلح النبي ﷺ أهل الحديبية على عشرٍ، ففيما زاد يبقى على العموم. ووجه الأول: أنه عقدٌ يجوز في العَشْرِ فجاز فيما زاد عليها كالإجارة. (٤) فإن قلنا: لا يجوز أكثر من عشرٍ فهادنهم أكثر منها بطل في الزيادة؛ لما سبق، وفي مدة العشر وجهان بناءً على تفريق الصفقة. (٥) [١٣٤٧/ ١] مسألة: (وإن هادَنَهم مطلقًا لم يصِحَّ)؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجهاد. (وإن شرط فيها شرطًا فاسدًا: كنقضها متى شاء لم يصِحَّ) بناءً على مقتضى العقد، ولأنه عقدٌ مؤقَّتٌ فلم يجز تعليقه على مشيئة أحدهما كالإجارة.

стр. 1230

وقال القاضي: يصح (١)؛ لأنه جَعل الحكم إليه. (وإن شرط ردَّ النساء المسلمات إليهم، أو صداقهن، لم يجز رَدُّهن)؛ لأن النبي ﷺ لما صالح أهل الحديبية على ردِّ النساء جاءت أم كُلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٢)، فجاء أخواها يطلبانها، فأنزل الله سبحانه: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فقال النبي ﷺ : «إن الله منع الصلح في النساء» (٣)، ولأنه لا يُؤمن أن تتزوج بمشركٍ فيصيبها أو تُفتَن في دينها. ولا يجب رَدُّ مهرها؛ لأن بُضعها لا يدخل في الأمان، وإنما رَدَّ النبي ﷺ المهر لأنه شَرَطَ ردَّ النساء، وكان شرطًا صحيحًا (٤)، فلما نَسَخَ الله ذلك وجب رَدُّ البَدَل لصحة الشرط، بخلاف حكم من بعده. (وإن شَرط فيها رد السلاح إليهم أو إدخالهم الحرم بطل الشرط)؛ لأنه شرطٌ فاسدٌ، فأشبه شرط ردِّ النِّساء. (٥)
следующие страницы →