← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

[١٣٤٦/ ٩] مسألة: (وإن أَسَرَ الكُّفار مسلمًا فأطلقوه بشرطِ أن يقيم عندهم مدةً، لزمه الوفاء لهم)، ولم يكن له أن يَهرُبَ منهم، ولا يخونهم في مالهم؛ لأنهم على هذا أطلقوه. (وإن لم يشرطوا شيئًا فله أن يَقتُل ويسْرِق ويَهرُب)؛ لأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان. (وكذا إن أطلقوه على أن يكون رقيقًا لهم)؛ لأنه حُرٌّ لا يثبت عليه المِلك، [ولم] (١) يَصدُر منه أمانٌ. (٢) (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالًا لزمه ذلك)؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم» (٣)؛ ولأن النبي ﷺ لمّا صالح أهل الحديبية على رَدِّ مَنْ جاءه وفّى لهم، وقال: «إنَّا لا يصلح في ديننا الغَدْرُ» (٤). (وإن شرطوا عليه أنه إن لم يَقْدِر على الفِداءِ رجع إليهم، وكان رجلًا، لزمه الوفاء) في إحدى الروايتين؛ لما ذكرنا. (والثانية: لا يعود، اختارها الخرقي (٥)؛ لأن العَوْدَ إليهم مَعصيةٌ، فلم يلزمه بالشرط.

стр. 1227

(وإن كانت امرأةً لم ترجع إليهم) روايةً واحدةً؛ لأنَّ النبي ﷺ لما صالح أهل الحديبية على رَدِّ من جاءه، منعه الله رَدَّ النِّساء بقوله سبحانه: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. (١) * * *

стр. 1228

باب الهُدنة (ولا يَصحُّ عقد الهُدنة والذِّمة إلا من الإمام أو نائبه، فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدةً معلومةً وإن طالت (١)، معنى الهدنة: موادعة أهل الحرب (٢)، وهي جائزةٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿بَرَاءةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. وروى مَروان (٣) ومِسْوَر بن مخرمة ﵁ أن النبي ﷺ صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين (٤)، ووادع النبي ﷺ قبائل من المشركين وقريظة والنضير، ولأن المصلحة قد تكون في الهدنة، إما لضعف المسلمين عن قتالهم، أو طَمَعٍ في إسلامهم، أو التزامهم الجزية، أو غير ذلك. ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقدٌ يقتضي الأمان لجميع المشركين، فلم يجز لغيرهما كعقد الذِّمة. إذا ثبت هذا فإن الهُدنة لا تتقدر بمدة، بل هي على ما يراه الإمام

стр. 1229

من المصلحة في قلَّتها وكثرتها. وقال القاضي: «ظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز أكثر من عشر سنين (١)، وهو اختيار أبي بكر (٢) (٣)؛ لأن الأمر بالجهاد يشمل الأوقات كلَّها خُصَّ منه مدة العَشْر لصلح النبي ﷺ أهل الحديبية على عشرٍ، ففيما زاد يبقى على العموم. ووجه الأول: أنه عقدٌ يجوز في العَشْرِ فجاز فيما زاد عليها كالإجارة. (٤) فإن قلنا: لا يجوز أكثر من عشرٍ فهادنهم أكثر منها بطل في الزيادة؛ لما سبق، وفي مدة العشر وجهان بناءً على تفريق الصفقة. (٥) [١٣٤٧/ ١] مسألة: (وإن هادَنَهم مطلقًا لم يصِحَّ)؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجهاد. (وإن شرط فيها شرطًا فاسدًا: كنقضها متى شاء لم يصِحَّ) بناءً على مقتضى العقد، ولأنه عقدٌ مؤقَّتٌ فلم يجز تعليقه على مشيئة أحدهما كالإجارة.

стр. 1230

وقال القاضي: يصح (١)؛ لأنه جَعل الحكم إليه. (وإن شرط ردَّ النساء المسلمات إليهم، أو صداقهن، لم يجز رَدُّهن)؛ لأن النبي ﷺ لما صالح أهل الحديبية على ردِّ النساء جاءت أم كُلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٢)، فجاء أخواها يطلبانها، فأنزل الله سبحانه: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فقال النبي ﷺ : «إن الله منع الصلح في النساء» (٣)، ولأنه لا يُؤمن أن تتزوج بمشركٍ فيصيبها أو تُفتَن في دينها. ولا يجب رَدُّ مهرها؛ لأن بُضعها لا يدخل في الأمان، وإنما رَدَّ النبي ﷺ المهر لأنه شَرَطَ ردَّ النساء، وكان شرطًا صحيحًا (٤)، فلما نَسَخَ الله ذلك وجب رَدُّ البَدَل لصحة الشرط، بخلاف حكم من بعده. (وإن شَرط فيها رد السلاح إليهم أو إدخالهم الحرم بطل الشرط)؛ لأنه شرطٌ فاسدٌ، فأشبه شرط ردِّ النِّساء. (٥)

стр. 1231

(وهل يبطل العقد؟ على وجهين:) بناءً على الشروط الفاسدة في البيع (١). (٢) (وإن شَرَطَ رَدَّ من جاء من الرجال مسلمًا جاز (٣) بمعنى أنهم إن جاؤوا في طلب من جاء منهم لم يمنعوا من أخذه. (ولا يجبره الإمام على الرجوع معهم)؛ لحديث أبي بصير ﵁ (٤)

стр. 1232

فإن النبي ﷺ لم يُجبره على الرجوع معهم (١). (وله أن يأمره سرًّا بقتالهم والفرار منهم)؛ لأن أبا بصير ﵁ جاء إلى النبي ﷺ في صلح الحديبية، فجاؤوا في طلبه، فقال له النبي ﷺ : «إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا، فرجع معهم فقَتَلَ أحدهم، ورجع إلى النبي ﷺ فلم يَلمْهُ ولم ينكر عليه، بل قال: ويل أمِّه مِسْعَرَ حربٍ لو كان معه رجالٌ، فلما سمع ذلك لحق بساحل البحر، وانحاز إليه أبو جَندل بن سهيل (٢) ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا تَمرُّ عِيرٌ لقريشٍ إلا عَرضوا لها، فأخذوها وقتلوا من معها، فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرَّحم أن يضمهم إليه، ولا يرد إليهم أحدًا جاءه، ففعل» (٣). فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يفعلوا كما فعل أبو بصير وأصحابه ﵃ ولا يدخلون في الصلح؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر ذلك، بل رآه حقًّا. [١٣٤٨/ ٢] مسألة: (وعلى الإمام حماية من هادَنه من المسلمين دون غيرهم)، يعني إذا هادن الكفار لزمه أن يحميهم من المسلمين وأهل الذِّمة؛ لأنه أمَّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده، فمن أتلف من المسلمين أو أهل الذِّمة عليهم شيئًا، أو قتل منهم أحدًا فعليه ضمانه. ولا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من

стр. 1233

بعض؛ لأن الهدنة التزام الكفِّ عنهم فقط. (فإن سَباهم كفارٌ آخرون لم يلزمه استنقاذهم)، قال أصحابنا: وليس للمسلمين شراؤهم؛ لأنهم في عَهْدِهم، فلم يملكوهم كأهل الذمة. [١٣٤٩/ ٣] مسألة: (وإن خاف نقض العهد منهم نَبَذَ إليهم عهدهم)؛ لقوله سبحانه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: أَعلِمْهم حتى تصير أنت وهم سواءً في العلم، ولا يكفي أن يَقَعَ في قلبه خوفٌ منهم حتى يكون ذلك عن أمارةٍ تَدلُّ على ما خافه. * * *

стр. 1234

باب عقد الذمة (لا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ومن يوافقهم بالتَّدين بالتوراة والإنجيل كالسَّامرةِ والفِرِنْجِ (١)، ومن له شُبْهَةُ كتابٍ وهم المجوس)؛ لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولما روى عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال في المجوس: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» (٢)، وأن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هَجَرَ (٣). وسواء كانوا عربًا أو عجمًا؛ لأن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن

стр. 1235

وأمره: «أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عَدْلَه معافر (١) رواه أبو داود (٢)، وكانوا عَرَبًا. وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى، ومن وافقهم في أصل دينهم وآمن بنبيهم وكتابهم، كالسامرة الموافقة لليهود في موسى والتوراة، والإفرنج يوافقون النصارى في عيسى والإنجيل، وليس المجوس بأهل كتاب؛ لقوله ﵇: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» (٣). (وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدةَ الأوثان من العرب (٤)؛ لأنه تَغلَّظ كفرهم بدينهم وجنسهم لكونهم رهط النبي ﷺ ، وغيرهم لم يتغَلَّظ كفرهم من الجهتين فقُبِلت الجزية منهم كالمجوس. (٥) (فأما الصابئون (٦) فينظر فيهم، فإن كانوا يوافقون واحدًا من أهل الكتابين) في نبينهم وكتابهم (فهم فرقةٌ منهم، وإن لم يوافقوا واحدًا منهم فهم من غير أهل الكتاب) حكمهم حكم عبدة الأوثان. (ومن تَنَصَّر أو تَهوَّد بعد بعث نبينا ﷺ (٧) فهل تقبل منه الجزية؟ على

стр. 1236

وجهين:) أحدهما: لا تقبل منه الجزية، اختاره أبو الخطاب (١)؛ لأنه دخل في دينٍ باطلٍ. وفي الآخر: تقبل منه، قال القاضي: «هذا ظاهر كلام أحمد» (٢)؛ لعموم النصوص فيهم. (٣) فعلى قولنا: لا تقبل منه الجزية، فإذا كان أحد أبويه ممن تُعقَدُ له الذمة والآخر لا تُعقد له، فهل يجوز عقد الذِّمة له؟ على وجهين؛ لأنه قد وُجِدَ في حقه ما يقتضي الأمرين فيصير فيه وجهان. (٤) [١٣٥٠/ ١] مسألة: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تَغْلِب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مِثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين)، تغلب بن وائل بن ربيعة بن نزار من العرب (٥) انتقلوا في الجاهلية إلى النَّصرانية، فدعاهم عمر ﵁ إلى بذل الجزية فأبوا وأَنِفوا، وقالوا: «نحن عَرَبٌ، خُذْ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشركٍ صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النُّعمان بن زرعة (٦): يا أمير المؤمنين إن القوم

стр. 1237

لهم بأسٌ وشِدَّةٌ، وهم عَرَبٌ يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عَدُوَّك، وخُذْ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر في طلبهم فردَّهم وضَعَّف عليهم من الإبل من كلِّ خمسٍ شاتين، ومن كلِّ ثلاثين من البقر تبيعين، ومن كلِّ عشرين دينارًا دينارًا، ومن كل مئتي درهمٍ عَشرةَ دراهم، ومما سقت السماء الخُمُسَ وفيما سُقيَ بنَضْحٍ أو غَرْب (١) أو دولابٍ (٢) العُشْرَ» (٣)، فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه غيره من الصحابة فكان إجماعًا (٤). قال أصحابنا: حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة في أنه يؤخذ من مال كل من يؤخذ منه الزكاة لو كان مسلمًا. فعلى هذا (يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينيهم) وزَمْناهم (٥) ومَكافيفِهم (٦) وشيوخهم؛ لأنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يَأخذ بعضكم من بعض فأجابهم، ولأنهم صِينوا عن السَّبْيِ بهذا الصلح، فجاز أن يدخلوا إلى الواجب به كالرجال، ولا يؤخذ من مال من لم يبلغ نصابًا. [١٣٥١/ ٢] مسألة: (و) اختلف أصحابنا في (مصرفه)، فقال القاضي: «مصرفه (مصرف الفيء (٧) (٨)؛ لأنه جزيةٌ باسم الزكاة، ومعنى الشيء أخَصُّ به من اسمه، ولأنه مالُ مشركٍ أُخذ بغير قتالٍ فكان فيئًا كالجزية.

стр. 1238

(وقال أبو الخطاب (١):) «مصرفه (مصرف الصدقة)) (٢)؛ لأنه سُلك به مسلكُها في قدر المأخوذ والمأخوذ منه، فكذلك في المصرف. (٣) [١٣٥٢/ ٣] مسألة: (ولا يُؤخَذ ذلك من كتابيٍّ غيرهم (٤)، نص عليه أحمد (٥)؛ للآية والأخبار، والعرب وغيرهم في هذا سواء؛ لأن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كلِّ حالمٍ دينارًا (٦) وهم عَرَبٌ، وقَبِلَ النبي ﷺ الجزية من نصارى نجران وهم من بني الحارث بن كعب (٧)، قال الزهري: «هم أول من أعطى الجزية» (٨)، وأَخَذَ النبي ﷺ الجزية من أُكَيدر دومة وهو عربي (٩)، وإنما خَصَّ بني تغلب بالصدقة لصُلْحِهم، فيبقى من عداهم على مقتضى النُّصوص. وذكر القاضي: «أن تَنُوخَ وبَهْراءَ (١٠) كبني تَغْلِب، وأن عمر

стр. 1239

صالحهم» (١)، وقال أبو الخطاب: «وكذلك الحكم فيمن تَنَصَّر من تنوخ وبهرا أو تَهوَّد من كِنانَة وحِمْيَر، أو تَمَجَّس من تَمِيم» (٢)؛ لأنهم عَرَبٌ فأشبهوا بني تغلب. والصحيح الأول، ولا يصح عن عمر ولا عن غيره مصالحة غير بني تغلب على غير الجزية. (٣) [١٣٥٣/ ٤] مسألة: (ولا جِزية على صَبيٍّ، ولا امرأةٍ، ولا مجنونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعمى، ولا عبدٍ، ولا فقيرٍ يَعْجِزُ عنها)؛ لقوله ﵇ لمعاذ ﵁: «خذ من كل حالمٍ دينارًا» (٤)، وروى أسلم أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى» رواه سعيد (٥)، ولأنها تجب بحَقْنِ الدَّم، وهو محقون الدَّم بدونها. ولا تجب على مجنونٍ؛ لأنه في معنى الصبي، فنقيسه عليه. ولا على زَمِنٍ ولا أعمى ولا شيخٍ فانٍ ولا راهبٍ؛ لأن دماءهم

стр. 1240

محْقونَةٌ فأشبهوا الصَّبي. ولا تجب على عبدٍ؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لا جزية على مملوكٍ»، ولأنه لا يُقتل بالكفر أشبه الصبي. (١) ولا تجب على فقيرٍ يَعْجِزُ عن أدائها؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فأما المُعْتَمِل الذي يقدر على كسب ما يقوم بكفايته فعليه الجزية؛ لأنه في حكم الأغنياء. [١٣٥٤/ ٥] مسألة: (ومن بلغ، أو أفاق، أو استغنى، فهو من أهلها بالعَقْدِ الأول، ويؤخذ منه في آخر الحول بقَدْرِ ما أَدْرَكَ (٢)؛ لأنه تَبِعَ من عليه الجزية في الأمان، فيتبعه في الذِّمة. وتعتبر جزيته بحاله لا بجزية غيره؛ لأنه حكمٌ يختلف باختلاف الحال فاعتبر بحاله كالزكاة، فإن كان في أثناء الحول أُخِذَ في آخر الحول بقدر ما أدرك منه، لئلا تختلفَ أحوالهم فيَشُقَّ ضبطها. [١٣٥٥/ ٦] مسألة: ومن كان يُجَنُّ ويُفيقُ إفاقةً مضبوطةً ففيه وجهان: أحدهما: يعتبر بالأغلب منهما؛ لأن الاعتبار في الأصول بالأغلب. والثاني: تُلَفَّق إفاقته، فإذا بلغت حولًا أخذت الجزية. (٣)

стр. 1241

فإن كانا سواءً ففيه وجهان: أحدهما: يؤخذ في كل حولٍ نصف جزيته؛ لأن الجزية تؤخذ في كل حولٍ فتؤخذ منه بقدر ما عليه. والثاني: تُلَفَّق إفاقته فإذا بلغت حولًا أخذت منه؛ لأن حوله لا يكمل إلا حينئذٍ. (١) [١٣٥٦/ ٧] مسألة: (وتُقَسم الجزية بينهم، فيجعل على الغني ثمانيةٌ وأربعون درهمًا، وعلى المتوسط أربعةٌ وعشرون درهمًا، وعلى الفقير اثنا عَشَر)، لا يُزاد على ذلك ولا يُنقَص، وهي إحدى الروايات عن أحمد (٢)؛ لأن عمر ﵁ فرضها كذلك بمحضرٍ من الصحابة (٣) وتابعه سائر الخلفاء بعده عليه فصار إجماعًا (٤). والثانية: يرجع إلى اجتهاد الإمام في الزيادة على ذلك والنقصان منه على ما يراه من المصلحة بعد أن لا يكلفهم فوق طاقتهم (٥)؛ لأن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «خذ من كل حالمٍ دينارًا» رواه أبو داود (٦)، وعمر ﵁ زاد عليهم، فدَلَّ على جواز الزيادة والنقصان. والثالثة: يجوز الزيادة ولا يجوز النقصان (٧)؛ لأن عمر ﵁ زاد على ما فرض رسول الله ﷺ ولم ينقص. فإذا قلنا: لا يجوز الزيادة (فمتى بذلوا القَدْرَ الواجب لزم قَبوله،

стр. 1242

وحَرُمَ قتالهم)؛ لقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فمَدَّ قتالهم إلى إعطائها، وإن قلنا: له الزيادة فله أن يزيد بقدر ما يراه، ولا يحرم قتالهم إلا أن يبذلوا ما طلب منهم. [١٣٥٧/ ٨] مسألة: (والغني منهم من عَدَّه الناس غَنيًّا في ظاهر المذهب)؛ لأن الغنى لا حَدَّ له في الشرع مقدَّرٌ فيرجع إليه، فإن التقديرات بابها التَّوقيف، فيرجع فيه إلى العادة والعرف. (١) [١٣٥٨/ ٩] مسألة: (وإن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية)؛ لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس على المسلم جزية» رواه الخلال (٢)، قال أحمد: «قد روي عن عمر ﵁ أنه قال: إن أخذها في كَفِّه ثم أسلم رَدَّها» (٣). وروى أبو عبيد: «أن يهوديًّا أسلم فطولب بالجزية، وقيل: إنما أسلمتَ تَعَوُّذًا قال: إن في الإسلام مَعاذًا، فرُفِع إلى عمر ﵁ فقال: إن في الإسلام مَعاذًا، وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية» (٤)، ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل.

стр. 1243

[١٣٥٩/ ١٠] مسألة: (وإن مات بعد الحول أخذت من تركته)؛ لأنه دَينٌ وجب عليه في حياته فأشبه دَين الآدمي. (وقال القاضي: تسقط (١)؛ لأنها عقوبةٌ فتسقط بالموت كالحدود. (٢) [١٣٦٠/ ١١] مسألة: (فإن اجتمعت عليه جِزيَة سنين استوفيت كلها)، ولا تتداخل؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ يجب في آخر كل حولٍ، فلم تتداخل كالدية. [١٣٦١/ ١٢] مسألة: (وتؤخذ الجزية في آخر الحول)؛ لأنه حقٌّ يؤخذ في كل حولٍ، فكان وجوبه في آخره كالزكاة. [١٣٦٢/ ١٣] مسألة: قال أبو الخطاب: «(ويُمتَهَنون عند أخذها، ويُطال قيامهم، وتُجَرُّ أيديهم عند أخذها» (٣)، ومن بعثها منهم لم تقبل حتى يَحضُر فيؤديها؛ لقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. [١٣٦٣/ ١٤] مسألة: (ويجوز أن يشرط عليهم ضيافةَ من يَمُرُّ بهم من المسلمين، ويُبَيِّن أيام الضيافة، وقدرَ الطعام والإدام والعلف، وعددَ من يُضاف)؛ لما روى الأحنف بن قيس ﵁ «أن عمر ﵁ شرط على أهل الذِّمة ضيافة يومٍ وليلةٍ، وأن يُصلحوا القناطر، وإن قُتِل رجلٌ من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته» رواه الإمام أحمد (٤)، قال ابن المنذر:

стр. 1244

«وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذِّمة ضيافة ثلاثة أيام، وعلف دوابهم، وما يصلحهم» (١)، ولأن فيه مصلحةً، فإنه ربما امتنعوا من متابعة المسلمين إضرارًا بهم، فإذا شُرطت عليهم الضيافة أمِنَ ذلك. [١٣٦٤/ ١٥] مسألة: ويُبَيِّن عدد الضيافة من السَّنة، وعدد من يضاف من الرجّالة والفرسان، وقدر الطعام والإدام والعلوفة؛ لأنه أبعد من اللَّبْسِ، فإن أطلق ذلك جاز. ولا يُكلَّفون إلا من طَعامِهم وإدامِهم؛ لما روى أسلم: «أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبائح الغنم والدجاج في ضيافتهم! فقال: أطعموهم مما تأكلون، ولا تزيدوهم على ذلك» (٢). ولا تزاد الضيافة على ثلاثة أيام؛ لقول النبي ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيام» (٣)، قال ابن المنذر: «وروي عن عمر ﵁ أنه قضى على أهل الذِّمة ضيافة ثلاثة أيامٍ، وعلف دوابهم وما يصلحهم» (٤).

стр. 1245

[١٣٦٥/ ١٦] مسألة: (ولا يجب عليهم ذلك من غير شرطٍ)، ذكره القاضي (١)؛ لأنه أداء مالٍ فلم يلزمهم بغير رضاهم كالجزية. (ومن أصحابنا من قال: يجب بغير شرطٍ (٢)، كما يجب على المسلمين. (٣) [١٣٦٦/ ١٧] مسألة: (وإذا تَولّى إمامٌ فَعَرَف قدر جزيتهم وما شُرط عليهم أقَرَّهم عليه)، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فيما يشرع (٤) جعله جزية؛ لأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم. (فإن بان له كَذِبهم رجع عليهم بما نَقَصَ)؛ لأنّا تبينّا أن ذلك كان واجبًا عليهم. (وعند أبي الخطاب: يستأنف العقد معهم (٥)؛ لأنه لم تثبت لهم جزيةٌ مقدرةٌ، فيستأنف العقد معهم كمن لم يعقد لهم. (٦) [١٣٦٧/ ١٨] مسألة: (وإذا عَقد الذِّمة كتب أسماءهم، وأسماء آبائهم، وحِلاهم (٧) ودينهم، وجعل لكل طائفةٍ عَريفًا (٨)، وذلك أن

стр. 1246

الإمام ينبغي له أن يُثبِت عدد أهل الذِّمة، وأسماءهم، وأنسابهم، ودينهم، وحِلاهم التي لا تتغير بالأيام: كالطول، والقصر، والبياض، والسواد، والسُمرة، أدعج العينين، أقنى الأنف، مقرون الحاجبين، ويُثبِت ما يؤخذ منهم. ويجعل لكل طائفةٍ عريفًا يجمعهم عند أداء الجزية، ويَعرِف من يبلغ من غِلمانهم، ويُفيق من مجانينهم، ويَقْدَم من غائبهم، ومن يموت، أو يسلم، أو يسافر، أو يَنقُض العهد، أو يَخرِق شيئًا من أحكام الذِّمة؛ لأنه أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط. * * *

стр. 1247

باب أحكام الذمة (يلزمَ الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس، والمال، والعِرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله)، لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين: بذل الجزية، والتزام أحكام المِلَّة، من حقوق الآدميين في العقود والمعاملات، وأُروش الجنايات، وقِيَمِ المتلفات، فإن عَقَدَ على غير هذين الشرطين لم يصح؛ لقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، قيل: الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم (١). وأما إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه فكالزنا والسرقة ونحوهما، وسواء كان ذلك الحدُّ واجبًا عليهم في دينهم أو لا؛ لأن الإسلام فَسَخَ كلَّ حكمٍ يخالفه. وأما ما يعتقدون حِلَّه فكشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم للمجوس فإنهم يُقَرون عليه؛ لقول الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فأمر بإقرارهم على ذلك بإعطاء الجزية، ولأننا نقرهم على كفرهم وهو أكثر من ذلك، إلا أنهم يُمَنعون من إظهاره بين

стр. 1248

المسلمين لتَأذيهم بذلك؛ لأنهم يرونه منكرًا. (١) [١٣٦٨/ ١] مسألة: (ويَلزَمُهم التَّمَيزُ عن المسلمين في شعورهم: فيحذفون مقادم رؤوسهم، وترك الفَرْقِ، وكُناهُم فلا يتكَنَّوْا بكنى المسلمين: كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وركوبِهم: بترك الرُّكوب على السروج، وركوبهم عرضًا على الأُكُفِ، ولباسِهم: فيَلبَسوا ثوبًا يخالف ثيابهم كالعَسَلِّي والأدْكَن (٢)، وشدِّ الخِرَقِ في عَمائمهم وقلانسهم، ويُؤمر النَّصارى بشَدِّ الزُّنار فوق ثيابهم (٣)؛ لما روى اسماعيل بن عَياش (٤) عن غير واحد من أهل العلم قالوا: «كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن بن غَنْم (٥): إنّا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لُبس قَلنسوةٍ، ولا عِمامةٍ، ولا نعلين، ولا فَرْقِ شَعرٍ، ولا في مراكبهم، ولا نتكلمَ

стр. 1249

بكلامهم، وأن لا نتكنّى بكُناهم، وأن نَجُزَّ مقادِمَ رُؤوسنا، ولا نَفْرُقَ نَواصيَنا، ونَشُدَّ الزنانير في أوساطِنا، ولا نَنْقُشَ خواتيمَنا بالعربية، ولا نركبَ السُّروج، ولا نتخذَ شيئًا من السلاح، ولا نحملَه، ولا نتَقَلَّدَ السيوف وذكر سائره -»، رواه الخلال بإسناده، وذكر في آخره: «فكتب عبدالرحمن بن غَنْم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر أن أَمْضِ لهم ما سألوه» (١). وروى الخلال بإسناده عن ابن عمر ﵁: «أن عمر أَمَرَ بِجَزِّ نَواصي أهل الذِّمة، وأن يَشُدوا المناطِقَ، وأن يركبوا الأُكُفَ بالعَرض» (٢). ويتميزون عن المسلمين في لباسهم، فيَلبَس ثوبًا يخالف لونُه لون بقية ثيابه التي عليه يكون ظاهرًا، كالعسلي، والأدكن، والأزرق، والأصفر، فعادةُ اليهود: العسلي، وعادة النصارى: الأدكن: وهو الفاختيُّ، ويُضيف إلى هذا شَدَّ الزُّنار فوق ثوبه إن كان نصرانيًّا، أو خِرقَةٍ في عِمامته إن كان يَهوديًّا، ويُختَم في رقبته خاتم رصاصٍ أو غيره ليُعرف في الحمّام. والمرأة تَلبس ثوبًا مُلوَّنًا كما يفعل الرَّجل منهم، وتَشُدُّ الزُّنار تحت ثيابها، وتختم في رقبتها لتتميز عن نساء المسلمين في الحمام وغيره. وقيل: لا يَفْرُقُون شعورهم؛ لأن النبي ﷺ فَرَقَ شعره (٣).

стр. 1250

ولا يركبون الخيل؛ لأن ركوبها عزٌّ، ويركبون ما سواها على الأُكُفِّ عرضًا؛ لحديث عمر ﵁. ولا يتكنون بكنى المسلمين: كأبي القاسم، وأبي عبد الله، ولا يمنعون منها بالكلية، فإن أحمد ﵀ قال لطبيبٍ نصراني: «يا أبا إسحاق» (١)، وقال: أليس النبي ﷺ حين دخل على سعد قال: «أما ترى ما يقول أبو الحباب» (٢)، وقال لأسقف نجران: «أسلم أبا الحارث» (٣)، وعمر ﵁ قال لنصراني: «يا أبا إحسان (٤) أسلم تسلم» (٥). [١٣٦٩/ ٢] مسألة: (ولا يجوز تصديرهم في المجالس عند المسلمين)؛ لأن في كتابهم لعبدالرحمن: «وأن نوَقِّر المسلمين في مجالسهم، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس» (٦). [١٣٧٠/ ٣] مسألة: (ولا يُبدؤون بالسلام)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا لقيتم اليهود في الطريق فاضْطَروهم إلى

стр. 1251

أضيقها، ولا تبدؤوهم بالسلام» (١)، وروى أبو بصرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّا غادون، فلا تبدؤوهم بالسلام، وإن سَلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم» (٢)، قيل لأحمد: «فإنّا نَأتيهم في منازلهم، وعندهم قومٌ مسلمون، فنسلم عليهم؟ قال: نعم، ينوي السلام على المسلمين» (٣). (٤) [١٣٧١/ ٤] مسألة: (وإن سلم أحدهم قيل له: وعليكم)؛ للخبر (٥). [١٣٧٢/ ٥] مسألة: (وفي تَهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان:) إحداهما: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما نَهانا أن نبدأهم بالسلام كان ذلك دليلًا على تحريم التَّهنئة والتَّعزية والعيادة؛ لأنها أبلغ من السلام. والثانية: يجوز ذلك؛ لأن النبي ﷺ عادَ يهوديًّا كان يخدمه (٦)، فنقيس عليها التهنئة والتعزية. (٧)

стр. 1252

[١٣٧٣/ ٦] مسألة: (ويمنعون من تَعلِيَة البُنيان على المسلمين)؛ لقولهم في شروطهم التي كَتبوها لعبد الرحمن: «ولا نطّلع عليهم في منازلهم» (١)، ولقوله ﵇: «الإسلام يعلو ولا يعلى» (٢). [١٣٧٤/ ٧] مسألة: (وفي مساواتهم وجهان:) أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يفضي إلى عُلوِّ الكفر. والثاني: لا يجوز؛ لأن القَصد علوِّ الإسلام، ولا يحصل مع المساواة. (٣) [١٣٧٥/ ٨] مسألة: (وإن ملكوا دارًا عاليةً من مسلمٍ لم يجب نقضها)؛ لأنهم مَلكوها على هذه الصفة. [١٣٧٦/ ٩] مسألة: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبِيَعِ) والصوامع في بلاد المسلمين؛ لأن في شرطهم لعبد الرحمن بن غَنْم: «إنا شرطنا على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا كنيسةً، ولا فيما حولها دَيرًا، ولا قَلّايةً، ولا صَومعة راهبٍ (٤) ولا نُجدد ما خَرِب من كنائسنا» (٥). [١٣٧٧/ ١٠] مسألة: (ولا يمنعون من رَمِّ شَعَثها) روايةً واحدةً؛ لأنه

стр. 1253

إبقاء لها فأشبه تَطيين سُطوحها. (١) [١٣٧٨/ ١١] مسألة: (وفي بناء ما استَهْدَم منها روايتان:) إحداهما: لا يجوز؛ لقولهم: «ولا نجدد ما خرب منها» (٢). وفي الأخرى: يجوز؛ لأنه إبقاء لها أشبه رَمَّ ما تَشَعَّثَ منها. (٣) [١٣٧٩/ ١٢] مسألة: (ويمنعون من إظهار المنكر) كالخمر والخنزير، (وضَرْبِ النّاقوس، ورفع أصواتهم بكتابهم)، وإظهار أعيادهم وصُلَبهم؛ لما روي في شروطهم لعبدالرحمن: «إنا شَرطنا على أنفسنا أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضَربًا خفيًا في كنائسنا، ولا نُظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في صلاتنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبًا ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النِّيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير، ولا نظهر شِرْكًا، ولا نُرَغِّب في ديننا، ولا ندعوا إليه أحدًا» (٤)، والباعوث: عيدٌ يجتمعون إليه، كما يخرج المسلمون يوم الفطر والأضحى. [١٣٨٠/ ١٣] مسألة: (وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يُمنعوا شيئًا من ذلك)، ولم يُؤخذوا بغِيار (٥) ولا زُنّار؛ لأنهم في

стр. 1254

بلدانهم، فلم يمنعوا من إظهار دينهم، كالمحاربين إذا هُودنوا. [١٣٨١/ ١٤] مسألة: (ويُمنعون دخولَ الحرم)؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. والمسجد الحرام الحَرَمُ، بدليل قوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وأراد مكة؛ لأنه أُسْرِي به من بيت أم هانئ ﵂ (١). [١٣٨٢/ ١٥] مسألة: (فإن قدم رسول لا بد له من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له)؛ للآية. [١٣٨٣/ ١٦] مسألة: (فإن دَخَلَ عالمًا بالمنع عُزِّرَ وهُدِّدَ)، وإن كان جاهلًا أخرج ونُهِيَ وهُدِّدَ؛ لذلك. [١٣٨٤/ ١٧] مسألة: (وإن مَرِض بالحرم أو مات أُخرِجَ) ولم يدفن فيه. (وإن دُفن نُبِش وأُخرِج إلا أن يكون قد بَلِيَ)؛ لأنه إذا لم يَجز دخوله في حياته فدَفْنُ جيفته فيه أولى أن لا يجوز. [١٣٨٥/ ١٨] مسألة: (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة) ومكة (واليمامة وخيبر) وفدك (٢) وما والاها سُمِّي حِجازًا؛ لأنه حجز بين تِهامة ونجد، وذلك لما روى أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أن آخر ما تكلم به

стр. 1255

النبي ﷺ قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» (١)، وعن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (٢). وليس نَجْرانُ (٣) من الحجاز، وإنما أجلاهم عمر ﵁ منه لأن النبي ﷺ صالحهم على ألا يأكلوا الربا، فأكلوه ونقضوا العهد، فأمر بإجلائهم، فأجلاهم عمر (٤). [١٣٨٦/ ١٩] مسألة: (فإن دخلوا لتجارةٍ لم يقيموا في موضعٍ واحدٍ أكثر من ثلاثة أيام (٥)، وذلك لأنهم إذا دخلوا لغير إقامةٍ جاز تمكينهم من ذلك؛ لأنهم كانوا يدخلون في زمن عمر وعثمان والخلفاء بعدهم. ولا يجوز إلا بإذن الإمام؛ لأن دخولهم لحاجة المسلمين، فوَقَفَ

стр. 1256

على رأي الإمام كدخول الحربي دار الإسلام، فمن استأذن منهم فيما للمسلمين فيه نفعٌ كتجارةٍ ورسالةٍ أذن له؛ لما فيه من المصلحة. فإذا دخل لم يُقِم في موضعٍ أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن عمر ﵁ أذن لمن دخل منهم تاجرًا في إقامة ثلاثة أيام (١). (٢) فإذا انتقل إلى موضع آخر فله أن يقيم ثلاثةً أخرى؛ لأنه لا يصير مقيمًا فأشبه المسافر. [١٣٨٧/ ٢٠] مسألة: (فإن مرِضَ) فعَجَزَ عن الخروج (لم يُخرج حتى يَبْرء)؛ لأنه موضعُ ضرورةٍ. [١٣٨٨/ ٢١] مسألة: (فإن مات دفن فيه)؛ لذلك. [١٣٨٩/ ٢٢] مسألة: (ولا يمنعون من تَيماءَ وفَيْدَ (٣) ونحوهما)؛ لأن عمر ﵁ لم يمنعهم. [١٣٩٠/ ٢٣] (مسألة: وهل لهم دخول المساجد بإذن مسلم؟ على روايتين:) إحداهما: لا يجوز؛ لما روت أم غُرابٍ قالت: «رأيت عليًّا

стр. 1257

﵁ على المنبر وبَصُرَ بمجوسي، فنزل فضربه، وأخرجه من أبواب كندة» (١)، وروى عياض الأشعري (٢): «أن أبا موسى ﵁ قدم على عمر ومعه نصرانيٌّ، فأَعْجَبَ عمرَ خَطُّهُ وقال: «قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابه قال: إنه لا يدخل المسجد! قال: لم، أَجُنُبٌ هو!؟ قال: هو نَصراني. فانْتَهره عمر» (٣)، ولأن الجُنب يمنع المسجد فالمشرك أولى. والثانية: يجوز في الصحيح من المذهب؛ لأن النبي ﷺ قدم عليه وَفدُ الطائف فأنزلهم المسجد قبل إسلامهم (٤). (٥) فأما دخولهم بغير إذنٍ فلا يجوز روايةً واحدةً، وإن دخل عُزِّرَ؛ لحديث علي ﵁ (٦). (٧)

стр. 1258

(وإن اتجر ذِميٌّ إلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف عُشْرِ ما معه من المال)؛ لما روى أنس بن سيرين (١) قال: بعثني أنس بن مالك [إلى العشور] (٢) فقلت: «تبعثني إلى العُشور من بين عمالك! فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁، أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذِّمة نصف العشر» رواه الإمام أحمد (٣). وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن لاحق بن حميد (٤): «أن عمر بعث عثمان بن حنيف (٥) إلى الكوفة، فجعل

стр. 1259

على أهل الذِّمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهمًا درهمًا» (١). [١٣٩١/ ٢٤] مسألة: (وإن اتَّجر حربيٌّ إلينا أُخِذَ منه العُشْرَ) لما روى لاحق بن حميد قال: قالوا لعمر: «كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم؟ قالوا: العشر، قال: فكذلك خذوا منهم» (٢). (٣) [١٣٩٢/ ٢٥] مسألة: (ولا يؤخذ [من] (٤) أقَلَّ من عَشَرَةِ دنانير)، نَصَّ عليه (٥). وهل يجب العُشْر في العشرة أو في العشرين؟ على روايتين: أحدهما: يجب في العشرة؛ لأنها مالٌ بلغ واجِبُه نصف مثقالٍ فوجب فيه كالعشرين للمسلم. والثانية: لا يجب إلا في عشرين؛ لأنه لا يجب في أقل منها زكاةٌ على المسلم ولا تغلبيٍّ، فلم يجب فيه على ذمي كاليسير.

стр. 1260

وقال ابن حامد: «يجب في القليل والكثير» (١)؛ لأن عمر ﵁ قال: «خذ من كل عشرين درهمًا درهمًا» (٢). (٣) [١٣٩٣/ ٢٦] مسألة: (ويؤخذ كلَّ عامٍ مرَّةً لا يُزاد عليها)، نص عليه أحمد (٤)، (وقال ابن حامدٍ: يؤخذ من الحربيِّ كلما دخل إلينا (٥)؛ لأنه يجب بدخوله فيتكرر بتكرره لأحكام مع أسبابها (٦)، ولأننا لو لم نأخذ منه كل مَرَّة لم نأمن أن لا يدخل إذا جاء وقت السنة، فيتعذر الأخذ. والأول الصحيح؛ لما روي أن نصرانِيًّا جاء إلى عمر ﵁ فقال: «إن عاملك عَشَرني مرتين! قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني، قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف، ثم كتب إلى عامله أن لا يعشر في السنة إلا مرة» رواه الإمام أحمد (٧)، وهذا أولى من القياس، ولأنه حقُّ مالِ التِّجارة، فلم يؤخذ في السنة إلا مَرَّةً كالزكاة. وما ذكره ابن حامد: لا يلزم؛ لأنه يؤخذ منه أول مَرَّةٍ، ثم لا يؤخذ منه شيءٌ حتى يحول الحول. (٨)

стр. 1261

وينبغي أن يُكتَب له كتابٌ بما أُخِذَ منه، ووقت الأخذ، وقدر المال؛ ليكون حجةً له، حتى لا يؤخذ منه عُشْرُ ما أدى عُشْرَه قبل انقضاء الحول. [١٣٩٤/ ٢٧] مسألة: (وعلى الإمام حفظ أهل الذِّمة، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أُسِرَ منهم) بعد استنقاذ أُسارى المسلمين، واسترجاع ما أُخِذَ منهم؛ لأنهم بَذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم. وإن أخذ منهم أهل الحرب مالًا ثم قُدِرَ عليه فحكمه حكم مال المسلم، وكذلك سائر أموالهم حكمها حكم أموال المسلمين. [١٣٩٥/ ٢٨] مسألة: (وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مُسلمٍ لزم الحكم بينهم)؛ لأن إنصافَ المسلمِ والإنصافَ منه واجبٌ. [١٣٩٦/ ٢٩] مسألة: (وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استَعْدَى بعضهم على بعضٍ) ففيه روايتان: إحداهما: يلزمه الحكم بينهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولأن رفع الظلم عنهم واجبٌ، والحكم طريقٌ له، فوجب كالحكم بين المسلمين. والثانية: (لا يجب، بل يُخيَّر بن الحكم بينهم وبين تركهم)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمنين. (١) (ولا يحكم بينهما إلا بحكم الإسلام)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. [١٣٩٧/ ٣٠] مسألة: (وإن تَبايعوا بُيوعًا فاسدةً وتَقابَضوا لم يُنقَضْ

стр. 1262

فِعْلُهم)؛ لأنه عقدٌ تَمَّ قبل إسلامهم على ما يجوز ابتداء العقد عليه، فلم ينقض كأنكِحَتِهم. (وإن لم يتقابضوا فَسَخهُ، سواءٌ كان قد حَكَمَ بينهم حاكمهم أو لا)؛ لأنه لم يتم، ولا يجوز الحكم بإتمامه لفساده، فتعين نقضُه، وحُكْمُ حاكمهم وجوده كعدمه؛ لأن من شرط الحاكم الذي تَنْفُذَ أحكامُه إسلامَه. [١٣٩٨/ ٣١] مسألة: (وإن تَهوَّد نصرانيٌّ، أو تَنَصَّر يَهوديٌّ، لم يُقَرَّ، ولم يُقبَلَ منه إلا الإسلام أو الدِّين الذي كان عليه)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ باطلٍ قد أَقَرَّ ببطلانه، فلم يُقَرَّ عليه كما لو انتقل إلى التَّمجُّسِ، ولأنه بَدَّلَ دينه بدينٍ باطلٍ فيدخل في عموم قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري (١). وأما الدين الذي كان عليه فيُقبَل منه؛ لأنه كان يُقَرُّ عليه أولا فيُستدام إقراره عليه، ولأنه دينٌ صالحناه على إقراره عليه فنقره عليه، كما لو لم ينتقل. (ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولأنه لا يُقَرُّ على الدِّين الذي انتقل إليه؛ لأنه أقَرَّ ببطلانه، ولا على الأول؛ لأنه أقَرَّ ببطلانه حين انتقل عنه، فلم يُقَرَّ عليه كالثاني. (فإن أبى هُدِّدَ وحُبس)؛ لأنه فَعَلَ ما لا يجوز ولم يصالَح عليه فيعاقب عليه، ولا يقتل لأنه مختلف فيه، فلا يقتل للشبهة. (ويحتمل أن يقتل)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ لا يقر عليه فأشبه ما لو ارتَدَّ إلى عبادة الأوثان.

стр. 1263

(وعنه: أنه يُقَرُّ (١)؛ لأن الثاني دينُ أهل الكتاب فيقر عليه كالأول. (٢) [١٣٩٩/ ٣٢] مسألة: (وإن انتقل إلى دينٍ غير دينِ أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر)؛ لأنه انتقل إلى غير المجوسية، فقد انتقل إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهله عليه ابتداءً فكذلك لا يُقَرُّ عليه منتقلًا. وإن انتقل إلى المجوسية فقد انتقل إلى ما هو أدنى من دينه الذي كان عليه، فلم يُقَرَّ عليه، كما لو انتقل إلى عبادة الأوثان. (٣) (ويؤمر أن يُسْلِم)، كما يؤمر المُرتَدُّ. (فإن أبى قُتِلَ)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ لا يقر عليه أشبه المرتد عن الإسلام. [١٤٠٠/ ٣٣] مسألة: (وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أُقِرَّ)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ يُقَرُّ أهله عليه. (ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ أقرَّ

стр. 1264

ببطلانه. (١) [١٤٠١/ ٣٤] مسألة: (وإن تَمجَّس الوَثني فهل يقَرُّ؟ على روايتين:) إحداهما: يُقَرُّ عليه؛ لأنه انتقل إلى دينٍ يُقَرُّ عليه أهله، فأشبه ما لو انتقل إلى دين أهل الكتاب. والثانية: لا يقر؛ لأنه دينٌ لا يجوز أكل ذبيحةُ أهلِهِ، ولا نكاح نسائهم، فأشبه ما لو انتقل إلى دينٍ من الكفر لا يُقَرُّ أهله عليه. (٢) فصلٌ في نقض العهد [١٤٠٢/ ٣٥] مسألة: (وإذا امتنع الذِّمِّيُّ من بَذْلِ الجزية أو التزام أحكام المِلَّة انتقض عَهْدُه (٣) وكذا إذا قاتل المسلمين، سواء شُرِط عليهم ذلك أو لم يُشرط؛ لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية، ويلتزموا أحكام المِلَّة، فإذا امتنعوا من ذلك وجب قتالهم، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد؛ لأن العهد يقتضي الأمان من الجانبين، والقتال ينافيه فانتقض العهد به.

стр. 1265

وأما ما سِوى ذلك فقسمان: أحدهما: ما فيه ضرَرٌ بالمسلمين، وهو ثمانية أشياءَ: قَتْل مسلمٍ، أو قَذْفه، أو فَتْنُه عن دينه، أو قَطع الطريق عليه، أو زِنًا بمسلمةٍ أو أصابها باسم نكاحٍ، أو إيواء جاسوسٍ، أو دِلالَةٌ على عَورة المسلمين، أو ذَكَرَ الله تعالى أو رسولَه أو كتابه بسوء، ففيه روايتان: إحداهما: ينتقض العهد به، سواء شُرِطَ أو لم يُشرط؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه رُفع إليه رجلٌ أراد استكراه مسلمة على الزنا فقال: «ما على هذا صالحناكم»، وأمر به فصُلِب في بيت المقدس (١)، وقيل لابن عمر ﵁ أن راهبًا يَشتُم رسول الله ﷺ فقال: «لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطِ الأمان على هذا» (٢)، وروي عن عمر ﵁ أنه أمر عبدالرحمن بن غنم أن يُلحق في كتاب صلح الجزيرة: «من ضرب مسلمًا فقد خلع عهده» (٣)، ولأنه لم يَفِ بمقتضى الذِّمة وهو الأَمْنُ من جانبه، فانتقض عَهْدُه كما لو قاتل المسلمين. والثانية: لا يَنْتَقِضُ العهد به، ويقام عليه حَدُّ ذلك؛ لأن ما يقتضيه
следующие страницы →