← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وينبغي أن يُكتَب له كتابٌ بما أُخِذَ منه، ووقت الأخذ، وقدر المال؛ ليكون حجةً له، حتى لا يؤخذ منه عُشْرُ ما أدى عُشْرَه قبل انقضاء الحول. [١٣٩٤/ ٢٧] مسألة: (وعلى الإمام حفظ أهل الذِّمة، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أُسِرَ منهم) بعد استنقاذ أُسارى المسلمين، واسترجاع ما أُخِذَ منهم؛ لأنهم بَذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم. وإن أخذ منهم أهل الحرب مالًا ثم قُدِرَ عليه فحكمه حكم مال المسلم، وكذلك سائر أموالهم حكمها حكم أموال المسلمين. [١٣٩٥/ ٢٨] مسألة: (وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مُسلمٍ لزم الحكم بينهم)؛ لأن إنصافَ المسلمِ والإنصافَ منه واجبٌ. [١٣٩٦/ ٢٩] مسألة: (وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استَعْدَى بعضهم على بعضٍ) ففيه روايتان: إحداهما: يلزمه الحكم بينهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ولأن رفع الظلم عنهم واجبٌ، والحكم طريقٌ له، فوجب كالحكم بين المسلمين. والثانية: (لا يجب، بل يُخيَّر بن الحكم بينهم وبين تركهم)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمنين. (١) (ولا يحكم بينهما إلا بحكم الإسلام)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. [١٣٩٧/ ٣٠] مسألة: (وإن تَبايعوا بُيوعًا فاسدةً وتَقابَضوا لم يُنقَضْ

стр. 1262

فِعْلُهم)؛ لأنه عقدٌ تَمَّ قبل إسلامهم على ما يجوز ابتداء العقد عليه، فلم ينقض كأنكِحَتِهم. (وإن لم يتقابضوا فَسَخهُ، سواءٌ كان قد حَكَمَ بينهم حاكمهم أو لا)؛ لأنه لم يتم، ولا يجوز الحكم بإتمامه لفساده، فتعين نقضُه، وحُكْمُ حاكمهم وجوده كعدمه؛ لأن من شرط الحاكم الذي تَنْفُذَ أحكامُه إسلامَه. [١٣٩٨/ ٣١] مسألة: (وإن تَهوَّد نصرانيٌّ، أو تَنَصَّر يَهوديٌّ، لم يُقَرَّ، ولم يُقبَلَ منه إلا الإسلام أو الدِّين الذي كان عليه)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ باطلٍ قد أَقَرَّ ببطلانه، فلم يُقَرَّ عليه كما لو انتقل إلى التَّمجُّسِ، ولأنه بَدَّلَ دينه بدينٍ باطلٍ فيدخل في عموم قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري (١). وأما الدين الذي كان عليه فيُقبَل منه؛ لأنه كان يُقَرُّ عليه أولا فيُستدام إقراره عليه، ولأنه دينٌ صالحناه على إقراره عليه فنقره عليه، كما لو لم ينتقل. (ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولأنه لا يُقَرُّ على الدِّين الذي انتقل إليه؛ لأنه أقَرَّ ببطلانه، ولا على الأول؛ لأنه أقَرَّ ببطلانه حين انتقل عنه، فلم يُقَرَّ عليه كالثاني. (فإن أبى هُدِّدَ وحُبس)؛ لأنه فَعَلَ ما لا يجوز ولم يصالَح عليه فيعاقب عليه، ولا يقتل لأنه مختلف فيه، فلا يقتل للشبهة. (ويحتمل أن يقتل)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ لا يقر عليه فأشبه ما لو ارتَدَّ إلى عبادة الأوثان.

стр. 1263

(وعنه: أنه يُقَرُّ (١)؛ لأن الثاني دينُ أهل الكتاب فيقر عليه كالأول. (٢) [١٣٩٩/ ٣٢] مسألة: (وإن انتقل إلى دينٍ غير دينِ أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر)؛ لأنه انتقل إلى غير المجوسية، فقد انتقل إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهله عليه ابتداءً فكذلك لا يُقَرُّ عليه منتقلًا. وإن انتقل إلى المجوسية فقد انتقل إلى ما هو أدنى من دينه الذي كان عليه، فلم يُقَرَّ عليه، كما لو انتقل إلى عبادة الأوثان. (٣) (ويؤمر أن يُسْلِم)، كما يؤمر المُرتَدُّ. (فإن أبى قُتِلَ)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ لا يقر عليه أشبه المرتد عن الإسلام. [١٤٠٠/ ٣٣] مسألة: (وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أُقِرَّ)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ يُقَرُّ أهله عليه. (ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام)؛ لأنه انتقل إلى دينٍ أقرَّ

стр. 1264

ببطلانه. (١) [١٤٠١/ ٣٤] مسألة: (وإن تَمجَّس الوَثني فهل يقَرُّ؟ على روايتين:) إحداهما: يُقَرُّ عليه؛ لأنه انتقل إلى دينٍ يُقَرُّ عليه أهله، فأشبه ما لو انتقل إلى دين أهل الكتاب. والثانية: لا يقر؛ لأنه دينٌ لا يجوز أكل ذبيحةُ أهلِهِ، ولا نكاح نسائهم، فأشبه ما لو انتقل إلى دينٍ من الكفر لا يُقَرُّ أهله عليه. (٢) فصلٌ في نقض العهد [١٤٠٢/ ٣٥] مسألة: (وإذا امتنع الذِّمِّيُّ من بَذْلِ الجزية أو التزام أحكام المِلَّة انتقض عَهْدُه (٣) وكذا إذا قاتل المسلمين، سواء شُرِط عليهم ذلك أو لم يُشرط؛ لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية، ويلتزموا أحكام المِلَّة، فإذا امتنعوا من ذلك وجب قتالهم، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد؛ لأن العهد يقتضي الأمان من الجانبين، والقتال ينافيه فانتقض العهد به.

стр. 1265

وأما ما سِوى ذلك فقسمان: أحدهما: ما فيه ضرَرٌ بالمسلمين، وهو ثمانية أشياءَ: قَتْل مسلمٍ، أو قَذْفه، أو فَتْنُه عن دينه، أو قَطع الطريق عليه، أو زِنًا بمسلمةٍ أو أصابها باسم نكاحٍ، أو إيواء جاسوسٍ، أو دِلالَةٌ على عَورة المسلمين، أو ذَكَرَ الله تعالى أو رسولَه أو كتابه بسوء، ففيه روايتان: إحداهما: ينتقض العهد به، سواء شُرِطَ أو لم يُشرط؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه رُفع إليه رجلٌ أراد استكراه مسلمة على الزنا فقال: «ما على هذا صالحناكم»، وأمر به فصُلِب في بيت المقدس (١)، وقيل لابن عمر ﵁ أن راهبًا يَشتُم رسول الله ﷺ فقال: «لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطِ الأمان على هذا» (٢)، وروي عن عمر ﵁ أنه أمر عبدالرحمن بن غنم أن يُلحق في كتاب صلح الجزيرة: «من ضرب مسلمًا فقد خلع عهده» (٣)، ولأنه لم يَفِ بمقتضى الذِّمة وهو الأَمْنُ من جانبه، فانتقض عَهْدُه كما لو قاتل المسلمين. والثانية: لا يَنْتَقِضُ العهد به، ويقام عليه حَدُّ ذلك؛ لأن ما يقتضيه

стр. 1266

العهد من التزام أداء الجزية وأحكام المسلمين والكف عن قتالهم باقٍ، فوجب بقاءُ العهد. (١) فأما سائر الخصال وهي القسم الثاني: مثل إظهار المنكر، أو رفع صوته بكتابه، ونحوه، فإن لم يشترط عليهم لم ينتقض عهده به؛ لأن العهد لا يقتضيها، ولا ضرر على المسلمين فيها. وإن شرطت عليهم فظاهر كلام الخرقي أنه يَنْتَقض عهده بمخالفتها (٢)؛ لأن في كتاب صلح الجزيرة لعبدالرحمن بن غَنْم بعد استيفاء الشروط: «وإن نَحن غَيَّرنا أو خالفنا عما شرطناه على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حلَّ لك منّا ما يحل من أهل المعاندة والشِّقاق» (٣)، ولأنه عقدٌ بشَرطٍ فزال بزوال شرطه، كما لو امتنع من بذل الجزية. وقال غيره من أصحابنا: لا ينتقض العهد به؛ لأنه لا ضرر على المسلمين فيه، ولا ينافي عقد الذمة، ولكنه يُعَزَّر ويُلزم ما تركه. (٤) [١٤٠٣/ ٣٦] مسألة: (ولا ينتقض عَهدُ نسائه وأولاده بِنَقضِ عهده)؛ لأن النَّقض وُجِدَ منه دونهم، فاختص حكمه به. (٥) [١٤٠٤/ ٣٧] مسألة: (وإذا انتقض عهده خُيِّر الإمام فيه) بين أربعة

стр. 1267

أشياء (كالأسير الحربي)؛ لأن عمر ﵁ صَلَبَ الذي أراد استكراه المرأة (١)، ولأنه كافرٌ لا أمان له فأشبه الحربي. (٢) (وماله فَيءٌ عند الخرقي (٣)؛ لأنه إنما عُصِمَ بعقد الذمة له، فيباح ماله بزوال عصمته كالمرتد. (وقال أبو بكر: «يكون لورثته» (٤)؛ لأن ماله كان معصومًا فلا تزول عصمته بنقضه العَهْدَ كالأولاد الصغار. (٥) * * *

стр. 1268

كتاب البيوع (وهو مُبادلة المال بالمال لغرض التَّمَلكِ، وله صورتان: إحداهما: الإيجاب والقبول، فيقول البائع: بعتك أو مَلَّكتُك، ويقول المشتري: ابْتَعتُ أو قَبِلتُ وما في معناهما (١). (٢) فإن تقدم القَبول للإيجاب بلفظ الماضي فقال: ابتعت هذا منك بكذا، فقال: بعتك صَحَّ؛ لأن المعنى حاصلٌ فأشبه التَّعبير بلفظٍ آخر. وإن تَقَدَّم بلفظِ الطَّلَبِ فقال: بِعني، فقال: بِعتُك، فذكر القاضي فيه روايتين (٣): إحداهما: يصح؛ لأن ذلك يتضمن القَبول فصح كما لو كان بلفظ الماضي. والثانية: لا يصح؛ لأنه لفظٌ لو تَأخَّر عن الإيجاب لم يَصِحَّ به البيع، فلم يصِحَّ إذا تقدم كلفظ الاستفهام، ولأنه عَقدٌ عَرِيَ عن القبول فلم ينْعَقِد كما لو لم يطلب. وحكى أبو الخطاب فيما إذا تقدم القبول على الإيجاب روايتين (٤): إحداهما: لا يصِحُّ، والأخرى: يصِحُّ، سَواءٌ كان بلفظ الماضي أو

стр. 1269

الطلب. وذكر ابن عقيل في الفصول (١) فيما إذا تَقَدَّم القبول روايتين - سواءٌ كان بلفظ الماضي أو بلفظ الطَّلب - إحداهما: يصح؛ لأن بيع التعاطي يصح لدلالته على الرِّضا، وهذا كذلك، والثانية: لا يصح؛ لأن القبول مَبنِيٌّ على الإيجاب، فإذا لم يتقدم الإيجابُ فقد أتى بالقبول في غير مَحَلِّه فوجوده كالعدم. (٢) [١٤٠٥/ ١] مسألة: (وإن تراخى القبول عن الإيجاب صَحَّ ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإلا فلا)؛ لأن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يُكتفى بالقبض فيه لما يُشْتَرط قبضه. فأما إذا زالا عن المجلس، أو تشاغلا بما يقطعه، لم يصِحَّ؛ لأن القبول يتم العقد به فلا يتم به مع تباعده عنه، كالاستثناء والشرط وخبر المبتدأ الذي لا يتم الكلام إلا به. (والثانية: المُعاطاة، مثل أن يقول: أعطني بهذا الدينار خُبزًا، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع: خُذْ هذا بدرهم، فيأخذه)، فهذا بَيعٌ صحيح، نص عليه أحمد (٣). (وقال القاضي: «يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة» (٤). ولنا: أن الشرع وَرَدَ بالبيع وعَلَّق عليه أحكامًا ولم يعين له لفظًا،

стр. 1270

فعلم أنه رَدَّهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعًا كما رَدَّهم إلى العُرف في القبض والإحراز، والناس في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃ استعمال إيجابٍ وقَبول في [بياعاتهم] (١) ولو استعملوا ذلك في جميع [بياعاتهم] لنقل نقلًا سائغاً، ولأن البيع مما تَعمُّ به البَلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبَيَّنَه النبي ﷺ بيانًا عامًّا ولم يَخفَ حكمه؛ لأنه يُفْضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرًا، وأكلهم المال بالباطل، ولم يُنْقَل بيان ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من الصحابة عَلمناه، فدَلَّ على ما ذكرناه. وكذلك الحكم في الهدية والهبة والصدقة؛ لأنها في معنى البيع، وقد أُهدي إلى النبي ﷺ من الحبشة وغيرها (٢)، وكان الناس يتَحرَّون بهداياهم يوم عائشة ﵂ متفق عليه (٣)، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا أتي بطعامٍ، فإن قيل صدقةً، قال: كلوا، وإن قيل هديةٌ، ضَرَبَ بيده فأكل معهم» (٤)، ولم ينقل في ذلك إيجابٌ ولا قبول، وليس إلا المُعاطاة والتَّفَرق عن تراضٍ فدلَّ على صحته،

стр. 1271

ولأنه يصِحُّ في الأشياء اليسيرة فنقيس عليها الأشياء الكثيرة. (١) (ولا يصح البيع إلا بشروطٍ سَبعةٍ: أحدها: التراضي به، وهو أن يأتي به اختيارًا)؛ لقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. [١٤٠٦/ ٢] مسألة: (فإن أُكرِه على بَيْعٍ لم يصح)؛ لعدم الرضا المشترط. (إلا أن يُكرَه بِحقٍّ، كالذي يُكرِهُهُ الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه)، فيَصحُّ؛ لأنه قولٌ حُمِل عليه بحقٍّ فصحَّ كإسلام المرتدِّ. الشرط (الثاني: أن يكون العاقد جائزَ التَّصرُّفِ وهو المكلَّفُ الرَّشيد)، فلا يصح من غير عاقلٍ كالطفل، والمجنون، والسكران، والنائم، والمُبرسَم؛ لأنه قولٌ يعتبر له الرِّضا فلم يَصحَّ من غيرِ عاقلٍ كالإقرار. (فأما الصَّبيُّ المُميِّز والسفيه فيصح تصرفهما بإذن وليهما في إحدى الروايتين)، أما المُمَيِّز فلأن الله سبحانه قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، ومعناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم (٢)، وإنما يَتَحَقَّقُ اختبارهم بتفويضِ البيع إليهم والشِّراء ليُعلَم هل يُغبَنُ أو لا، ولأنه عاقلٌ

стр. 1272

مُميِّزٌ مَحجورٌ عليه فيَصِحُّ تصرفه بإذنٍ، ولم يصح بغَيرِ إذن كالعبد. ويصح تصرُّفُ السَّفيه بإذن وَليه؛ لذلك. (١) (ولا يصح بغير إذنهما (٢) إلا في الشَّيء اليَسير) كما روي عن أبي الدرداء ﵁ أنه اشترى من صَبِيٍّ عُصفورًا فأرسله، هكذا قاله ابن أبي موسى (٣). والرواية الأخرى: لا يصح تصرفهما سواءٌ أذِنَ لهما أو لم يأذن؛ لأنهما محجورٌ عليهما فلم يصح تصرفهما مع الإذن وعدمه كالمجنون والطفل. (٤)

стр. 1273

الشرط (الثالث: أن يكون المبيع مالًا، وهو كلُّ ما فيه مَنفعةٌ مُباحةٌ لغير ضَرورةٍ، فيجوز بيع البغل، والحمار، ودود القَزِّ وبَزره (١)؛ لأنه مُنتَفع به، وقوله لغير ضَرورةٍ احترازًا مما يجوز الانتفاع به للضَّرورة كالميتة في المَخمَصةِ، والخَمْرَةِ لدفع اللُّقْمة. [١٤٠٧/ ٣] مسألة: (ويجوز بيع النحل في كُواراتِه (٢)، ومنفردًا عنها إذا رُئي وعُلم قَدره، وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهَزازِ (٣) والبلبل والببغة؛ لأنه يشتمل على منفعةٍ مباحةٍ أشبه الأنعام. [١٤٠٨/ ٤] مسألة: (ويجوز بيع الهِرِّ، والفيل، وسِباع البهائم للصيد (٤)، والطير الذي يصلح للصيد، كالفهد والبازي ونحوهما (في إحدى الروايتين إلا الكلب، اختارها الخرقي (٥)، وفي الأخرى: لا يجوز، قال أبو بكر) وابن أبي موسى: «(لا يجوز بيعها» (٦) لما روى مسلم بإسناده عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن ثَمَنِ الكلبِ والسِّنَّورِ (٧)؟ فقال: «زَجَرَ عنه رسول الله ﷺ » (٨)، ولنجاستها فأشبهت الكلب.

стр. 1274

والأول أصح؛ لأنه حيوانٌ أبيح نَفعُه واقتناؤه من غير وَعيدٍ في جنسه فجاز بيعه كالحمار، وبهذا يبطل ما ذكروه. وأما الحديث فنحمله على كراهة بيع السِّنور [لعدم] (١) الحاجة إليه بخلاف غيره. (٢) [١٤٠٩/ ٥] مسألة: (ويجوز بيع العبد المرتدِّ)؛ لأنه مملوكٌ منتَفَعٌ به، وخَشيَةُ هلاكه لا [تَمنَع] (٣) بيعه كالمريض، فإن عَلِم المشتري حاله فلا شيء له؛ لأنه رضي بعيبه، وإن لم يعلم فله الرَّدُّ أو الأَرش، قُتِل أو أَسلم كالعيب. (و) أما (المريض) فيجوز بيعه اتفاقًا، لا نعلم فيه خلافًا (٤). [١٤١٠/ ٦] مسألة: (ويصح بَيع العبد الجاني (٥)، عمدًا أو خطأً على النفس أو ما دونها؛ لأنه حقٌّ تعَلَّق برقبتِه غيرُ متَحتِّمٍ فأشبه القتل بالرِّدَة، فإن كانت الجناية موجِبةً للقصاص فهي كالرِّدة، وإن كانت موجِبَةً للمال فهو على السيد؛ لأنه رَضي بالتزام ما عليه. (٦) فإن كان معسرًا فللمجني عليه رقبة العبد، إن شاء فسخ ورجع به،

стр. 1275

وإن شاء رجع على البائع بالأرش. (وإن كان قاتلًا في المحاربة فكذلك) في قول بعض أصحابنا؛ لأنه يَنتَفِعُ به إلى قَتْله، ويُعْتِقه فينْجَرُّ وَلاءُ أولاده، فيصح بيعه كالزَّمِن، وحكمه حكم المرتد. وقال القاضي: «لا يصح بيعه» (١)؛ لأنه متَحتِّم القتل، فلا منفعة فيه أشبه الميت. (٢) [١٤١١/ ٧] مسألة: (وفي بيع لَبَنِ الآدميات وجهان:) أحدهما: لا يجوز، ونَصَرَه جماعةٌ من أصحابنا (٣)، ولأن الصحابة قضت على المغرور بفداء أولاده، ولم تقض عليه بقيمة اللبن (٤)، وهذا يدل على أنه لا قيمة له، ولأنه مائعٌ خارجٌ من آدميَّةٍ أشبه العَرق، ولأنه جزءٌ من الآدمي أشبه سائر أجزائه.

стр. 1276

والوجه الآخر: يجوز بيعه؛ لأنه طاهرٌ منتفعٌ به فجاز بيعه كلبن الشاة، والعَرَق غير مُنتَفعٍ به، ولذلك لا يباع عَرَقُ الشاة ولا دَمْعها. (١) وقول أحمد: «أكرهه» (٢) محمولٌ على كراهة التَّنزيه، ولا خلاف في جواز عقد الإجارة عليه (٣)، وإنما لم يضمن المغرور قيمة اللبن؛ لأن ذلك دخل في الفداء ضِمنًا. [١٤١٢/ ٨] مسألة: قال ابن المنذر: «قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصةً، ورخَّصَ في شرائه، وقال: هو أهون» (٤)؛ لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى ﵃ كرهوا بيعه (٥)، ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى فيجب صيانته عن الابتذال، قال ابن عمر: «ودِدْتُ أن

стр. 1277

الأيدي تُقطع في بيعه». وعنه: يجوز بيعه مع الكراهة (١)؛ لأنه مُنتَفعٌ به. (٢) (وفي كراهة شرائه وإبداله روايتان (٣):) إحداهما: لايكره؛ لأنه استنقاذٌ له أشبه شراء الأسير. والثانية: يكره؛ لأن المقصود منه كلام الله سبحانه، فيجب صيانته عن الإبتذال. (٤) [١٤١٣/ ٩] مسألة: (ولا يجوز بيع الحشرات، ولا سِباعِ البهائم التي لا تصلح للصيد)، ولا الطيرِ الذي لا يصلح للصيد، وما لا يؤكل لحمُه، ولا بيضِهِ؛ لأنه لا نفع فيها أشبهت الخنزير. [١٤١٤/ ١٠] مسألة: ولا يجوز بيع الميتة ولاشيءٍ منها؛ لما روى جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام» متفق عليه (٥). [١٤١٥/ ١١] مسألة: (ولا يجوز بيع الكلب)، وإن كان مُعَلَّمًا؛ لما روى أبو مسعود الأنصاري ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، وقال: ثمن الكلب خبيث» متفق عليه (٦).

стр. 1278

ولا غُرْمَ على قاتله؛ لأنه لا قيمة له، وقد أساء من قَتَلَ كلبًا يباح اقتناؤه. ولا يباح اقتناؤه إلا لصَيدٍ، أو حفظ ماشيةٍ، أو حَرْثٍ؛ لما روى أبوهريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من اتَّخذ كلبًا إلا كلب ماشيةٍ أو صَيدٍ أو زَرْعٍ نَقَصَ من أجره كلَّ يومٍ قيراطٌ» متفق عليه (١)، وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثَمنِ الكلب، وإن جاء يطلب ثمنه فاملؤوا كَفَّه ترابًا» رواه أبو داود (٢)، ولأنه حيوانٌ نُهي عن اقتنائه في غير حالة الحاجة إليه أشبه الخنزير. [١٤١٦/ ١٢] مسألة: (ولا يجوز بيع السِّرجين النَّجس (٣)؛ لأنه مُجمعٌ على نجاسته أشبه الميتة والخمر. (وما نَجَس من الأدهان) كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها قياسًا على شحم الميتة، وفي حديث جابر ﵁ «قيل: يارسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يُدْهَن بها الجلود، ويطلى بها السُّفن، ويَستَصْبِحُ بها الناس؟ فقال: لا، هو حرامُ» متفق عليه (٤)، وقال ﵇: «إن الله إذا حرَّمَ شيئًا حرَّمَ ثمنه» (٥)، ولقوله ﵇ في السمن الذي ماتت فيه الفأرة: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» رواه محمد بن يحيى الذهلي (٦).

стр. 1279

(وعنه: يجوز بيعها لكافرٍ يَعلم بحالها (١)؛ لأنه يعتقد حِلَّها، وذكر ابن عقيل عنه روايةً: «لا يجوز بيعه من كافر، كما لا يجوز بيعه من مسلم» (٢)، ولأن الله سبحانه نَهى عن أكل المال بالباطل (٣)، وأَخْذُ المال عما ليس بمالٍ باطلٌ، ولأنها عينٌ نَجِسةٌ، فلا يجوز بيعها كالميتة والخنزير والدم، ولأنه مائع نَجِسٌ فلا يجوز بيعه كالخلِّ النَّجس. قال شيخنا ﵀: «ويجوز أن تُدفع للكافر في فِكاك مُسْلمٍ، ويُعْلَم الكافر بنجاسته؛ لأنه ليس ببيعٍ في الحقيقة، إنما يُستَنقَذ المسلم به» (٤). (٥) (وفي جواز الاستصباح بالزيت النَّجس روايتان:) إحداهما: لا يجوز؛ للحديث (٦)؛ ولأنه دُهْنٌ نَجِسٌ أشبه لحم الميتة. والثانية: يجوز؛ لأنه أمكَنَ الانتفاعَ به من غير ضَرَرٍ أشبه الانتفاع بالجلد اليابس. (٧)

стр. 1280

قال أبو الخطاب: (ويتَخرَّج على جواز الاستصباح به جواز بيعه (١)، لأنه يجوز الانتفاع به من غير ضرورةٍ فجاز بيعه كالحمار والبغل. (٢) قال القاضي: «ولا تطهر بالغَسل» (٣)؛ لقوله: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» (٤)، ولأنه لا يَتَأتى فيه العَصْرُ. ويَتَخرَّج تطهيره بأن يُصَبَّ في ماءٍ كثيرٍ كالقلتين ونحوه ثم يُترك حتى يَطفُو فيؤخذ. (٥) والعَصرُ إنما يعتبر فيما يَتَأتى عصره، بدليل الخشب والأحجار والأرض، اختاره أبو الخطاب (٦). فأما غير الأدهان كالخَلِّ واللَّبنِ، فلا يَطْهُر وجْهًا واحدًا. (الرابع: أن يكون مملوكًا له، أو مَأذونًا له في بيعه، فإن باع مِلكَ غيره بغير إذنه، أو اشترى بعين ماله شيئًا بغير إذنه لم يصح)؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام ﵁ (٧): «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه

стр. 1281

والترمذي (١)، وقال: «حديث حسن صحيح»، يعني: ما لا تَملِك؛ لأنه ذكره جوابًا له حين سأله أنه يبيع الشَّيء، ثم يمضي ويشتريه ويسلِّمه، ولاتفاقنا على صحة بيع مالِه الغائب عنه، ولأنه عقدٌ على ما لا يَقدِرُ على تسليمه فأشبه الطير في الهواء. (وعنه: يصح ويقف على إجازة المالك (٢)؛ لما روى عروة بن الجعد البارقي ﵁ (٣) أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به شاةً فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما بدينارٍ في الطريق، قال: فأتيت النبي ﷺ بالدِّينار والشَّاة وأخبرته، فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الأثرم وابن ماجه (٤)، ولأنه عقدٌ، له مُجيزٌ حالَ وقوعه فيجب أن يَقِفَ على

стр. 1282

إجازته كالوصية بما زاد على الثُّلث للأجنبي. والصحيح الأول، وأما حديث عروة ﵁ فمحمولٌ على أن وكالته كانت مطلقةً، بدليل أنه سَلَّم وتسلَّم، وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا، وأما الوصية فيتأخر فيها القبول عن الإيجاب، ولا يعتبر أن يكون لها مُجيزٌ حال وقوع العقد، ويجوز فيها من الغَرَرِ ما لا يجوز في البيع فافترقتا. (١) [١٤١٧/ ١٣] مسألة: (وإن اشترى له في ذمته بغير إذنه صَحَّ)؛ لأنه تَصرُّفٌ في ذمته لا في مال غيره، ويقف على إجازة المشتري له؛ لأنه قصد الشراء له فيَقِفُ على إجازته. (فإن أجازه من اشتَرَى له مَلَكَه، وإلا لَزِمَ من اشتراه)؛ لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه والبيع صحيح فيلزم المشتري. (٢) [١٤١٨/ ١٤] مسألة: (ولا يجوز أن يبيع ما لايملكه ليمضِيَ ويشتريه ويسَلِّمَه) روايةً واحدةً؛ لأن حكيم بن حزام ﵁ قال للنبي ﷺ : «إن الرجل يَأتيني يلتمس من البيع ما ليس عندي، فأَمضي إلى السوق فأشتريه، ثم أبيعه منه، فقال النبي ﷺ : لا تبع ما ليس عندك» (٣). (٤) [١٤١٩/ ١٥] مسألة: (ولا يصح بَيع ما فُتحَ عَنوةً ولم يُقسم: كأرض

стр. 1283

الشام والعراق ومصر ونحوها؛ لأن عمر ﵁ وقفه على المسلمين، وأقَرَّه في يَدِ أربابِه بالخراج الذي ضربه، يكون أجرة له في كل عام، ولم يُقَدِّر مدتها؛ لعموم المصلحة فيها)، وقد اشتهر ذلك في قِصَصٍ نُقِلَت عنه (١)، وبيع الوقف غير جائز. (٢) [١٤٢٠/ ١٦] مسألة: (إلا المساكن (٣) في المدائن فيجوز بيعها؛ لأن الصحابة ﵃ اقتطعوا الخِطَطَ (٤) في الكوفة والبصرة في زمن عمر ﵁ وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نَكير فكانت إجماعًا (٥). [١٤٢١/ ١٧] مسألة: (وأما ما فُتحَ صُلحاً بشرط أن يكون لأهله كأرض الحيرة وأُلَّيْسَ (٦) وبانِقيا وأرض بني صَلوبا (٧) فإنه يجوز بيعها)؛

стр. 1284

لأنها مِلكهم فجاز بيعها كالمساكن، وكذلك كلُّ أرضٍ أسلم أهلها عليها كأرض المدينة وشِبْهِها، فإنه يجوز بيعها؛ لذلك. [١٤٢٢/ ١٨] مسألة: (وتجوز إجارَتُها)؛ لأنها مستَأجَرةٌ في يَدِ أربابها، وإجارة المستَأجَر [جائزةٌ] (١). (٢) (وعن أحمد ﵀: أنه كره بيعها (٣)؛ لأنه يأخذ ثمنَ الوقف، (وأجاز شراءَها (٤)؛ لأنه كالاستنقاذ لها، فجاز كشراء الأسير. [١٤٢٣/ ١٩] مسألة: (ولايجوز بيع رِباع مكة (٥) ولا إجارتها (٦)، إنَّ مكة حرمٌ حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها، ولأنَّها فتحت عَنْوةً ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وَقفًا على المسلمين فحَرُم بيعها كسواد العراق. والدليل على فتحها عنوة قول النبي ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّطَ عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار»

стр. 1285

متفق عليه (١)، وقالت أم هانئ ﵂: يا رسول الله، إني أجَرْتُ حَمَوَيْنِ لي، فقال ابن أمي عليٌّ: إنه قاتلهما! فقال النبي ﷺ : «قد أجرنا من أجرتِ» (٢)، وقَتل ابن خطل (٣)، ومِقْيَسَ بن صُبابة (٤)، ولو فتحت صلحًا لم يجز قتل أهلها. (وعنه: يجوز بيعها (٥)؛ لأن عمر ﵁ اشترى من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف (٦)، واشترى معاوية من حكيم بن حِزام دارين بمكة (٧)، ولأنها أرضٌ حَيَّةٌ لم تَرِد عليها صدقةٌ محرمة فجاز بيعها كغيرها. (٨)

стр. 1286

[١٤٢٤/ ٢٠] مسألة: وفي إجارتها روايتان، كالبيع (١)، فإن قلنا: لا يجوز؛ فلما سبق من الحديث، ولأنها وقفٌ على المسلمين فلا يجوز إجارتها كالطريق، وإن قلنا: يجوز فلأنه يصح بيعها، فتصحُّ إجارتها، قال أبو الخطاب: «ولا يجوز بيع رباع مكة وإجارة بيوتها على الرواية التي تقول فتحت عَنوةً، وعلى الرواية التى تقول فتحت صلحًا يجوز ذلك» (٢). (٣) [١٤٢٥/ ٢١] مسألة: (ولا يجوز بَيع كلِّ ماءٍ عِدٍّ (٤): كمياه العيون، ونَقع البئر، ولا ما في المعادن الجارية: كالقار، والملح، والنَّفط (٥)، ولا ما ينبت في أرضه من الكلأ والشوك) في مواضعه قبل حيازته؛ لما روى إياس بن عبد المزني ﵁ (٦) أن رسول الله ﷺ قال: «من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته» (٧)، يعني: إذا

стр. 1287

كان في مكانِ كلأٍ ولا يمكنه الإقامة لرعيه إلا بالسَّقيِ من هذا الماء فيمنعهم السَّقيَ ليتوفر الكلأ عليه. وروى أبو عبيد عن إياس بن عبد ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُمنع فضل الماء» (١) قال الترمذي: «صحيح»، وقال ابن عمر ﵁: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء» (٢)، وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر ﵁ قال: «ابن السبيل أحق بالماء من الباني عليه» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ابن السبيل أول شارب» (٤). وعن بهيشة (٥) قالت: «أي رسول الله ما الشيء الذي لا يَحلُّ منعُه؟ قال: الماء، قالت: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يَحِلُّ منعه؟ قال:

стр. 1288

الملح» (١)، وفي حديثٍ: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» (٢)، ولأنه من مباحِ الأرض فلا يحل بيعه قبل حيازته كالذي في أرض غيره. (وكل من أخذ منه شيئًا مَلكه بحيازته، إلا أنه لا يجوز له دخول مِلكِ غيره بغير إذنه)؛ لقوله ﵇: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» (٣). (وعنه: يجوز بيعه (٤) بناءً على القول بالمِلك فيه؛ لكونه في ملكه. (٥)

стр. 1289

وعلى كلتا الروايتين إذا كان الماء النابع في مِلكه أو الكلأ أو المعادن وفق كفايته لشُرْبِه وشُربِ ماشيته لم يجب عليه بذله، نص عليه (١)؛ لأنه مَلَكَه أو في مِلكِه، فإذا تساوى هو وغيره في الحاجة كان أحقَّ به كالطعام، وإنما توعَّدَ النبي ﷺ على منع فضل الماء، ولأن في بذله ضررًا عليه، والضَّرر لا يزال بالضرر. فأما بذل فضل مائِه لماشية غيره فيلزمه بغير عوضٍ، ولكل أحدٍ أن يتقدم إلى الماء ويشرب ويسقي ماشيته، وليس لصاحبه المنع من ذلك؛ لما سبق، لا فرق في الدخول إلى الماء بين أن يكون في الصحارى أو البنيان. وعنه أنه قال: «إنما هذا في الصحارى والبرية دون البنيان» (٢). (٣) فأما بذل فضل مائه لزرع غيره ففيه روايتان: إحداهما: لا يلزم؛ لأن الزرع لا حُرمة له في نفسه، والماشيه بخلافه.

стр. 1290

والثانية: يلزمه بذله؛ لما روي عن عبد الله بن عمر ﵁ أن قَيِّم أرضِه بالوَهط (١)، كَتَبَ إليه يخبره أنه قد سقى أرضه وفَضَلَ له من الماء فَضْلٌ يُطلَب بثلاثين ألفًا، فكتب إليه عبد الله بن عمر ﵁: «أقم قِلدك، ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء» (٢)، قال أبو عبيد: «القِلدُ: يوم الشرب» (٣). وروى أبو عبيد عن إياس بن عبد قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يمنع فضل الماء» (٤) رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح»، وهو عامٌّ يقتضي التحريم عن منع فضل الماء، سواءٌ كان لسقْيِ زَرعٍ، أو ماشيةٍ، أو إنسانٍ، وفي رواية: «نهى عن بيع الماء» (٥)، ولأن في منعه فَضْلَ الماء إهلاكه فحرم كمنعه المواشي. (٦) (الخامس: أن يكون مقدورًا على تسليمه، فلا يجوز بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والجمل الشّارد، والفرس العائر، والمغصوب في يد غير الغاصب (٧)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» رواه مسلم (٨)، وبيع ذلك بيع غررٌ،

стр. 1291

وقال ابن مسعود ﵁: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غررٌ» (١)، ولأن القصد في البيع تملك التصرف، ولايَملِك ذلك فيما لا يُقدر على تسليمه (٢). وإن باع الآبق لقادرٍ عليه، أو المغصوب لغاصبه، أو القادر على أخذه منه جاز؛ لعدم الغرر فيه. (السادس: أن يكون معلومًا برؤيةٍ أو صفةٍ يحصل بها معرفته، فإن اشترى ما لم يَرَهُ ولم يوصف له، أو رآه ولم يعلم ما هو، أو ذُكرَ له من صفته ما لا يكفي في صحة السَّلم لم يصح البيع)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن بيع الغرر (٣)، ولأنه مجهولٌ عند العاقد فلم يصح بيعه كالنَّوى في التمر. فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصودٌ بالبيع كداخل الثوب، وشعر الجارية. (وعنه: يجوز (٤) (٥)؛ لأنه عقد معاوضةٍ فأشبه النكاح. (٦)

стр. 1292

فعلى هذا هل يثبت له خيار الرؤية؟ فيه روايتان: إحداهما: لا خيار له؛ لأنه عقد معاوضةٍ أشبه النكاح. والثانية: يثبت الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء؛ لما روى سعيد عن إسماعيل بن عياش (١) عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم (٢) عن مكحول رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «من اشترى ما لم يَرَه فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه» (٣)، ورواه عن الحسن من قوله (٤)، وعن إبراهيم من قوله أيضًا (٥)، إلا أنه يرويه عمر بن إبراهيم

стр. 1293

الكردي، وهو متروكُ الحديث (١). (٢) ويكون خياره على الفور؛ لقوله: «فهو بالخيار إذا رآه» (٣)، وهذا يقتضي أن يكون الخيار له وقت رؤيته؛ لأن (إذا) اسم وقتٍ، وقيل: يتَقيَّد بالمجلس؛ لأنه خيارٌ ثابت بمقتضى العقد، فتَقَيَّد بالمجلس كخيار المجلس. (٤) فإن اختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم؛ لأنه مُعلَّقٌ بالرؤية، ولأنه يؤدي إلى التزام العقد في مجهول الصِّفة. وإن اختار الفسخ انفسخ؛ لأن الفسخ يصح في مجهول الصِّفة. (وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السَّلم، أو رَآه ثم عقد بعد ذلك بزمنٍ لا يتغير فيه ظاهرًا، صحَّ في أصح الروايتين). وعنه: لايصح (٥)؛ لأن ما كان شرطًا يعتبر وجوده حال العقد كالشَّهادة في النكاح. ودليل الأولى أنه معلومٌ عندهما أشبه ما لو شاهداه حال العقد، وكما لو رأيا دارًا ثم باعه إياها وهو خارج عنها أو وهو واقفٌ في بعضها فإنه

стр. 1294

يصِحُّ فيما لم يره منها حالة العقد بغير خلاف (١). (٢) (ثم إن وجده لم يتغير لزم، وإن وجده ناقصًا فله الخيار (٣)؛ لأن ذلك كالعيب. (وإن اختلفا في التَّغَيُّر فالقول قول المشتري (٤)؛ لأن الثمن يَلزَمُه، فلا يَلزَمُه إلا ما اعترف به. وإن عقدا بعد الرؤية بزمن يَفسد فيه ظاهرًا لم يصح؛ لأنه غير معلومٍ. وإن احتمل الأمرين ولم يظهر التَغَيُّر فالعقد صحيحٌ؛ لأن الأصل سلامته. [١٤٢٦/ ٢٢] مسألة: (ولا يجوز بيع الحَمْلِ في البَطن، واللَّبَن في الضَّرْعِ، والمِسْكِ في الفَأْرِ، والنَّوى في التمر)، والبيضِ في الدجاج؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٥)، وروى ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المَجْرِ» (٦)، والمَجْرُ: شراء ما في الأرحام (٧).

стр. 1295

وعن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين والملاقيح» (١)، قال أبو عبيد: «الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجِنَّة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول» (٢)، وما سواه يقاس عليه. [١٤٢٧/ ٢٣] مسألة: (ولا يجوز بيع الصوف على الظهر)؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه ابن ماجه (٣)، ولأنه متصلٌ بحيوانٍ فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه. (وعنه: يجوز بشرط جَزِّه في الحال (٤)، لأنه معلومٌ يمكن تسليمه فجاز بيعه كالزرع في الأرض. (٥) [١٤٢٨/ ٢٤] مسألة: (ولا يجوز بيع الملامسة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو بعتك أي ثوب لمسته بكذا، ولا بيع المنابذة، وهي أن يقول: أيُّ ثوبٍ نَبَذتَه إليَّ فهو عليَّ بكذا)؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع

стр. 1296

الملامسة والمنابذة»، والمنابذة: أن يقول إذا نَبَذْتَ إلى هذا الثوب فقد وجب البيع، والملامسة: أن يمسه بيده ولاينشره متفق عليه (١). [١٤٢٩/ ٢٥] مسألة: (ولا يصِحُّ بيع الحصاة، وهو أن يقول: إرم هذه الحصاة، فعلى أيِّ ثوب وَقَعتْ فهو لك بكذا، أو يقول: بعتك من هذه الدار قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتَها بكذا)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة» رواه مسلم (٢)، ولأنه غَرَرٌ فلا يصح؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «نهى عن بيع الغرر» (٣). [١٤٣٠/ ٢٦] مسألة: (ولا يجوز أن يبيع عبدًا غير مُعيَّنٍ، ولا عبدًا من عَبيده، ولا شاةً من قَطيعٍ)، ولا شجرةً من بستانٍ؛ لأنه غَرَرٌ فيدخل في الخبر، ولأنه مختَلِفٌ فيفضي إلى التَّنازع. (وكذلك لا يجوز بَيع هؤلاء العبيد إلا واحدًا غير مُعَيَّنٍ، ولا هذا القَطيع إلا شاةً)؛ لذلك. (وإن استثنى معيَّنًا من ذلك صَحَّ)؛ لأنه لا غَرَرَ فيه لكونه معلومًا. [١٤٣١/ ٢٧] مسألة: (وإن باع قفيزًا من هذه الصُّبْرةِ (٤) صح) لذلك (٥). (وإن باعه الصُّبرَةَ إلا قفيزًا، أو ثمرة الشجرة إلا صاعًا لم يصِحَّ)؛

стр. 1297

لأن البيع إنما عُلِمَ بالمشاهدة والاستثناء يُغيِّر حكم المشاهدة، فإنه لايدرى كم يبقى في حكم المشاهدة. (وعنه: يصِحُّ (١)؛ لأن «النبي ﷺ نهى عن الثُّنْيا إلا أن تُعلم» (٢)، قال الترمذي: «حديث صحيح»، وهذه مَعلومةٌ. (٣) [١٤٣٢/ ٢٨] مسألة: (وإن باعه أرضًا إلا جَريبًا (٤)، أو جَريبًا من أرضٍ يعلَمان جِرْبانَها صَحَّ، وكان مُشاعًا فيها) كأنَّه باعه جريبًا وهي عَشَرةٌ، فيكون قد باعه عُشْرها مُشاعًا فيصح، كما لو قال: بعتك عُشرها. (وإن لم يعلما جِربانَها لم يصح) كما لو باعه ذراعًا منها. [١٤٣٣/ ٢٩] مسألة: (وإن باعه حَيوانًا مأكولا إلا رأسَه وجِلدَه

стр. 1298

وأطرافه صحَّ)؛ لأنه معلومٌ. (وإن استثنى حَمْلَه أو شَحْمَه لم يصِحَّ)؛ لأنه مجهولٌ، ولنَهيه ﵇ عن الثُّنْيا إلا أن تعلم (١). (٢) [١٤٣٤/ ٣٠] مسألة: (ويصِحُّ بيع ما مأكولُه في جَوفه، وبيع الباقِلّا، والجَوز واللَّوز في قِشرَيه، والحَبِّ المشتَدِّ في سُنْبُله)؛ لأنه مَستورٌ بما خُلق فيه، فجاز بيعه فيه بالقياس على بيعه في القشر الواحد، وعلى بيع الرُّمان والبيض، ولأن نهيه ﵇ عن بيع الحب حتى يشتَدَّ دليل على جواز بيعه إذا اشتَدَّ (٣)، وكذلك نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها دليل على جواز بيعها إذا بدا صلاحها (٤). (السابع: أن يكون الثَّمنُ معلومًا)؛ لأنه أحد العوضين أشبه المبيع ورأس مال السَّلَم. (فإن باعه سلعةً برقمها (٥)، أو بألف درهمٍ ذهبًا وفضةً، أو بما ينقطع [به] (٦) السِّعْر (٧)، أو بما باع به فلانٌ لم يصح)؛ للجهالة، ولأنه بيع

стр. 1299

غَرَرٍ، فلا يصح للخبر (١). (وإن باعه بدينارٍ مطلقٍ وفي البلد نقودٌ لم يصِحَّ لذلك، وإن كان فيه نقدٌ واحدٌ انصرف إليه)؛ لأنه تعين بانفراده وعدم مشاركة غيره له، ولهذا لو أقرَّ بدينارٍ أو أوصى به انصرف إليه. (٢) [١٤٣٥/ ٣١] مسألة: (وإن قال: بعتك بعَشَرةٍ صِحاحٍ أو إحدى عَشْرةَ مُكَسَّرة، أو بعَشَرةٍ نقدًا أو عِشرين نسيئةً، لم يصِحَّ)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، حديثٌ صحيحٌ (٣)، وهو هذا. (ويحتمل أن يصح)؛ بناء على قوله في الإجارة وهي إذا قال: إن خِطتَه رُوميًا فلك نصف درهم (٤)، وإن خِطتَه فارسيًا فلك درهمٌ فيها وجهان، وسيأتي في بابها (٥).

стр. 1300

[١٤٣٦/ ٣٢] مسألة: (فإن باعه الصُّبرَة كلَّ قَفيزٍ بدرهمٍ، والقَطيع كلَّ شاةٍ بدرهمٍ، والثَّوب كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، صَحَّ)؛ لأن المبيع معلومٌ بالمشاهدة، والثمن معلوم بإشارته إلى ما يَعلم مبلَغه بجهةٍ لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو كَيْل الصُّبرَةِ، فجاز كما لو باعه مرابحةً لكل عَشَرةٍ درهمٌ. [١٤٣٧/ ٣٣] مسألة: (وإن باعه من الصُّبرَةِ كلَّ قَفيزٍ بدرهمٍ لم يصح)؛ لأنه باعه بعضها؛ لأن (مِنْ) للتبعيض، والبعض مجهولٌ. وقال ابن عقيل: «الأشبه صحة البيع» (١)، كالمسألة قبلها؛ لأن (مِنْ) وإن أعطت البعض فما هو بَعضٌ مجهولٌ، بل قد جعل لكل جزءٍ معلومٍ منها ثمنًا معلومًا كما لو قال: قفيزًا منها، وكما لو أجَّرَه داره كلَّ شهرٍ بدرهم، وكما لو استأجره يسقي كل دلوٍ بتمرة. [١٤٣٨/ ٣٤] مسألة: (وإن باعه بمئةِ درهمٍ إلا دينارًا لم يصِحَّ، ذكره القاضي (٢)؛ لجهالة الثمن؛ لأنه قصد استثناء قيمة الدينار، وذلك غير معلومٍ، واستثناء المجهول من المعلوم يجعله مجهولًا، فصار كقوله: بمئةٍ إلا شيئًا. (ويجيء على قول الخرقي: أنه يصِحُّ)، فيما إذا استثنى في الإقرار عينًا من وَرِقٍ أو ورِقًا من عينٍ (٣)، فإنه يصِحُّ ويحذف عن الجملة
следующие страницы →