← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

اختيار الخرقي، وقد سبق دليله (١). قال شيخنا: «والذي يقتضيه النَّظر أنه إن كان المبيع مما ينقُصُه التفريق كمصراعي بابٍ فإنه يمنع الرَّد؛ لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة أو الشِّرْكَة، وإن كان مما لا ينقص بالتَّفريقِ فباع أحدهما ثم وجد بالآخر عيبًا فهل له رَدُّ الباقي في ملكه؟ يُخرَّج على روايتين بناءً على تفريق الصفقة (٢) (٣). (٤) [١٤٩٦/ ٣٨] مسألة: (وإن كان مما ينقُصُه التَّفريق كمصراعي بابٍ، أو زَوجي خُفٍّ، أو جاريةٍ وولدِها، فليس له رَدُّ أحدهما)؛ لما سبق. (٥) [١٤٩٧/ ٣٩] مسألة: (وإن اختلفا في العيب هل كان عند البائع، أو حدث عند المشتري ففي أيهما يُقبل قوله؟ روايتان:) إحداهما: القول قول المشتري مع يمينه، فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده، ويكون له الخيار بين الرَّدِّ أو الأرش، اختارها الخرقي (٦)؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، واستحقاق القدر الذي قابل العيب من الثمن، فكان القول قول من يَنْفيه، كما لو اختلفا في قبض الجميع.

стр. 1367

والأخرى: القول قول البائع مع يمينه، ويحلف على حسب جوابه، إن أجاب: إنني بعته بريئًا من العيب، حَلَفَ على ذلك، وإن أجاب بأنه لا يستَحقُّ على ما يدعيه من الرَّدِّ، حَلَفَ على ذلك. (١) ويمينه على البَتِّ لا على العلم؛ لأن الأيمان كلها على البَتِّ لا على النَّفي في فعل الغير؛ لأن الأصل سلامة المبيع وصحَّة العقد، ولأن المشتري يدعي عليه فَسْخَ العقد وهو ينكره. وهذا إذا كان العيب مما يحتمل قول كل واحدٍ منهما كالخَرْقِ [والرَّفْوِ] (٢) في الثوب ونحو ذلك، (فأما إن كان لا يحتمل إلا قول أحدهما) كالإصبَع الزائدة والجراحة المُندَمِلة التي لا يمكن حدوث مثلها، والجرحِ الطارئ الذي لا يحتمل أن يكون قديمًا، (فالقول قول من يدعي ذلك بغير يمين). [١٤٩٨/ ٤٠] مسألة: (ومن باع عبدًا تلزمه عقوبةٌ من قصاصٍ أو غيره يعلم المشتري ذلك فلا شيء له)؛ لأنه رضي به معيبًا أشبه سائر المعيبات. (وإن علم بعد البيع فله الرَّدُّ أو الأرش) كالمعيب. (فإن لم يعلم حتى قُتل فله الأرش)؛ لذلك، وهو أن يُقوَّم جانيًا وغير

стр. 1368

جانٍ، فيكون له قدر ما بينهما من ثمنه. ولا يبطل البيع من أصله، ولا يرجع بجميع الثمن؛ لأنه تلفَ في يد المشتري بسببٍ كان عند البائع، فأشبه ما لو اشتراه مريضًا فمات بذاته أو مرتدًّا فقتل بردَّتِه. [١٤٩٩/ ٤١] مسألة: (فإن كانت الجناية موجبةً للمال، والسَّيدُ معسرٌ، قُدِّمَ حقُّ المَجْنيِّ عليه (١)، وفسخنا البيع؛ لأن حقَّ الجناية سابقٌ لحقِّ المشتري، فإذا تَعذَّر إمضاؤها قُدِّم السابق. فإن اختار المشتري فداءَه فله ذلك، والبيع بحاله؛ لأن الفَسخَ ليَصِلَ المَجْنيِّ عليه إلى حقِّه، وقد أمكن ذلك بدون الفسخ، فإذا فداه فحكمه حكم قضاء الدَّين عن البائع. (وإن كان السيد موسرًا تَعلَّق الأرش بذمته، والبيع لازمٌ) بحاله؛ لأنه حَقٌّ تعلق به، يمكِنُ المالك أداؤه من غيره فلزمه أداؤه، ولم يبطل البيع كما لو باع النِّصاب بعد وجوب الزكاة فيه. السادس: خيار يَثبُتُ في التَّولية، والشَّرْكة، والمرابحة، والمواضَعة)، وإنما يثبت له الخيار في ذلك إذا أخبره بزيادةٍ في الثمن كاذبًا، فيكون للمشتري الخيار، كما لو أخبره بأنه كاتبٌ أو صانعٌ، فاشتراه بثمنٍ كثيرٍ وبان بخلافه. (ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأسَ المال)؛ لأن العلم بالثمن شرطٌ، ولا يحصل إلا بمعرفة رأس المال. (ومعنى التَّولية: البيع بمثل الثمن الذي اشترى به، ويصِحُّ بلفظ البيع

стр. 1369

فيقول: بِعتُكه، أو وَلَّيتُكه برأس ماله، أو بما اشتريته، أو برقْمِه)، قال أحمد ﵀: «لا بأس ببيع الرَّقم» (١)، وهو الثمن الذي يكتب على الثوب، ولابد من معرفته حال العقد ليكون معلومًا، فإن لم يعلم فالبيع باطلٌ لجهالة الثمن. (والشَّركة: بيع بعضه بقسطه من الثمن، ويَصِحُّ بقوله: أشركتك في نصفه أو ثُلثه)، ولو قال: أشركني فيه فقال: أشركتك صَحَّ، إذا كان الثمن معلومًا، وفي حديثٍ عن زُهرةَ بن معبدٍ (٢) أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام ﵁ (٣) إلى السوق فيشتري الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵄ فيقولان له: «أشركنا، فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيُشْرِكُهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل» ذكره البخاري (٤). ولو اشترى رجلٌ عبدًا فقال له آخر: أشركني فشرَّكه انصرف إلى نصفه؛ لأنها بمطلقها تقتضي التساوي. (والمرابحة: أن يخبر برأس ماله، ثم يبيع به بربحٍ معلومٍ، فيقول:

стр. 1370

رأس مالي فيه مئة، بعتك بها ورِبْحِ عشرة) فهو جائز غير مكروهٍ؛ لأن الثمن معلوم، ولا نعلم خلافًا في صحته. فإذا بان أن رأس ماله تسعون ببَينةٍ أو إقراره رجع المشتري على البائع بما زاد، وحَطَّه من الربح، وذلك أحد عشر، وهو مخيرٌ إن شاء فسخ وإن شاء أخذ بذلك. (وإن قال: ورِبْحِ درهمٍ في كل عشرةٍ) أو قال: دَهْ يازْدَه، أو دَه دُوازْدَه (١)، فهو صحيحٌ أيضًا؛ لأن الثمن معلوم فهي كالتي قبلها، لكن كرهه أحمد (٢)؛ لأن ابن عمر وابن عباس ﵄ كرهاه (٣)؛ لأنه بيع الأعاجم، ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال. (٤) (وبيع المواضعة: أن يخبر برأس المال أنه مئة، ثم يقول: بعتك بها ووضيعة درهمٍ من كل عشرة فيلزم المشتريَ تسعون درهمًا)؛ لأن

стр. 1371

المحطوطَ العُشْرُ، وعُشر المئة عَشَرة. (وإن قال: وضيعة درهمٍ لكل عشرةٍ، كان [الحَطُّ] (١) من كلِّ أحدَ عشَرَ درهمًا درهمًا)، والباقي تسعون وعشرة أجزاءٍ من أحد عشر جزأً من درهم؛ لأنه إذا قال: لكل عشرةٍ درهمٌ كان الدرهم من غيرها، فيكون من كل أحَدَ عَشَرَ درهمًا درهمًا، وإذا قال: من كل عشرةٍ كان [الحطُّ] منها فيكون عُشرها. [١٥٠٠/ ٤٢] مسألة: (ومتى اشتراه بثمنٍ مؤجَّلٍ، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلةً، أو باع بعض الصَّفقَة بقِسطِها من الثمن، ولم يبين ذلك للمشتري في تخبيره بالثمن، فللمشتري الخيار بين الإمساك والرَّد)، أما إذا اشتراه بثمنٍ مؤجَّلٍ ولم يبين ذلك عند بيعه، فعن أحمد أنه مخيَّرٌ بين أخذها بالثمن الذي وقع عليه العقد حالًا وبين الفسخ (٢)، ووجهه أن البائع لم يرضَ بذمته، وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزمه الرضا بذلك. وحكى ابن المنذر عن أحمد: «أنه إن كان المبيع قائمًا فهو مخيَّرٌ بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلًا» (٣)؛ لأنه الثمن الذي اشترى به البائع، والتأجيل صفةٌ له، فأشبه [المُخْبِرَ] (٤) بزيادةٍ في

стр. 1372

القدر، فإن للمشتري أن يحطَّ ما زاد ويأخذ الباقي، وإن علم ذلك بعد تلف المبيع حَبَسَ المال بقدر الأجل. (١) وأما إذا اشترى ممن لا تقبل شهادته له، مثل أبيه وابنه، ولم يبين ذلك عند بيعه، فللمشتري الخيار؛ لأنه متهم في حقهم أن يحابيهم. وإن اشتراه بأكثرَ من الثمن حيلةً، مثل إن اشتراه من غلامِ دكَّانِه أو غيره، لم يجز بيعه مرابحةً؛ لأن الحيل محرَّمَةٌ وخداعٌ، فلم يجز الإخبار به، فكان وجوده كعدمه، وإن لم يكن حيلةً جاز؛ لأنه لا تُهَمَة في حَقِّه. وأما إذا باع بعض الصَّفقَة بقِسْطِها من الثمن مرابحةً ولم يبينه للمشتري فله الخيار؛ لأن قسمة الثمن طريقُهُ الظن، واحتمال الخطأ فيه كثير، والمرابحة مبناها على الأمانة، فلم يجز ذلك. (٢)

стр. 1373

فإن كان المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، كالمكيل والموزون من جنس، جاز بيع بعضه بحصته من الثمن؛ لأنه ينقسم على أجزائه، وجزؤه معلومٌ يقينًا. [١٥٠١/ ٤٣] مسألة: (وما يُزاد في الثمن أو يُحطُّ منه في مُدَّة الخيار، أو يؤخذ أرشًا لعيبٍ، أو جنايةٍ عليه، يُلحَق برأس المال، ويُخبِر به (١)؛ لأنه من الثمن، والذي يُحطُّ [يَنقصه] (٢) من الثمن. وما كان بعد لزوم العقد لا يُخبر به؛ لأنه تبرعٌ من أحد المتعاقدين لا يلزمه، فلم يخبر به كما لو وهبه شيئًا. (٣) [١٥٠٢/ ٤٤] مسألة: (فإن اشترى ثوبًا بعشرةٍ، وقَصَرَه بعَشَرةٍ أخبر به على وجهِهِ (٤)، سواءٌ عَمِلَه بنفسه أو بأجرةٍ، قال أحمد: «يُبَيِّنْ ما اشتراه وما لزمه» (٥).

стр. 1374

فإن ضَمَّ ذلك إلى رأس المال وأخبر أنه اشتراه به لم يَجزْ؛ لأنه كذب. وإن قال: تحَصَّل عليَّ بعشرين، لم يَجُز فيما عمله بنفسه وجهًا واحدًا؛ لأنه كذبٌ، وجاز فيما استَأجر عليه في أحد الوجهين؛ لأنه صادقٌ. وفي الآخر: لا يجوز، وهو ظاهر كلام أحمد (١)؛ لأن فيه تلبيسًا، فلعلَّ المشتري لو علم الحال لم يَرْغَب فيه لكون العمل مما لاحاجة به إليه، فأشبه ما أنفق عليه في مؤنته وكسوته، فإنه لا يجوز الإخبار به وجهًا واحدًا، وكذلك كَرْيُ مَخزَنِهِ وحافِظِه، إلا أن يخبر بالحال على وجهه، فإن ذلك لا يزيد في ثمنه. (٢) [١٥٠٣/ ٤٥] مسألة: (وإن اشتراه بعشَرةٍ ثم باعه بخمسةَ عَشَرَ، ثم اشتراه بعَشَرَةٍ، أخبر بذلك على وجهه)، يعني: يخبر أنه ربح فيه مرَّةً ثم اشتراه؛ لأن فيه بيانًا للمشتري. وقال ابن سيرين: «يَطرح الربح من الثمن الثاني ويخبر بما بقي» (٣)، وقد أَعجَبَ أحمدَ قولُه (٤)، لأن الربح أحد نوعي النماء، فيخبر به في المرابحة كالولد والثمرة، ولعل هذا من أحمد على سبيل الاستحباب؛

стр. 1375

لأنه أبلغ في البيان. (ويجوز الإخبار بالثمن الثاني وحده فيقول: اشتريته بعشرة)؛ لأنه الثَّمن الذي حصل به هذا المِلك، فجاز الخبر به وحده كما لو خَسِرَ فيها، فإنه لو اشترى بعشرةٍ ثم باعه بخمسةٍ، ثم اشتراه بخمسة، فإنه يخبر أن رأس مالِه خمسةٌ؛ لأنه العقد الذي يلي المرابحة. (وقال أصحابنا: يَحطُّ الرِّبح من الثمن الثاني ويخبر أن رأس ماله خمسة) مثل قول ابن سيرين، وهو المنصوص عن أحمد، إلا أنه قال: «فإن باعه على ما اشتراه يبَيَّن أمره» (١)، يعني: يخبر أنه ربح فيه مرَّةً ثم اشتراه. (٢) قال أحمد: «المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة» (٣)، وذلك لأن بيع المرابحة تَعتَريه أمانةٌ واسترسالٌ من المشتري، ولا يُؤمَن هوى النفس في نوعِ تَأويلٍ أو غَلَطٍ فيكون على خطرٍ أو غَرَرٍ، وتجنب الخطر أسلم. وقال أحمد في رجلين اشتريا ثوبًا بعشرين بينهما ثم اشترى أحدهما من صاحبه باثنين وعشرين: «فإنه يخبر في المرابحة بأحد وعشرين» (٤)، وذلك لأنه اشترى نصفَهُ بأَحَد عشر ونصفه الآخر بعشرة.

стр. 1376

(السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين، ومتى اختلفا في قدر الثمن والسلعة قائمةٌ تحالفا، فيُبدَأ بيمين البائع فيحلف: ما بِعتُه بكذا، وإنما بعتُه بكذا، ثم يحلف المشتري: ما اشتريتُه بكذا، وإنما اشتريته بكذا)؛ لما روى ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنَةٌ، والبيع قائمٌ بعينه (١) فالقول ما قال البائع، أو يتَرادّان البيع» رواه ابن ماجه (٢)، وفي لفظٍ: «تحالفا» (٣)، ولأن البائع يدَّعي عقدًا بثمنٍ كثيرٍ يُنكره المشتري، والمشتري يدعي عقدًا ينكره البائع، والقول قول المنكر مع يمينه. ويُبدأ بيمين البائع؛ لأن النبي ﷺ جعل القول ما قال البائع، وفي لفظ: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار» رواه أحمد والشافعي (٤)، معناه: إن شاء أخذ وإن شاء حَلَفَ، ولأن جَنَبَةَ البائع أقوى؛ لأنهما إذا تحالفا رجع المبيع إليه، فكانت البَداءة به أولى كصاحب اليد.

стр. 1377

ويجب الجمع في اليمين بين النَّفيِ والإثبات؛ لأنه يدَّعي عقدًا وينكر آخر، فيحلف عليهما، ويقدم النَّفي فيقول: والله ما بعتُه بكذا، ولقد بعتُه بكذا؛ لأن الأصل في اليمين أنها للنَّفي، ويكفيه يمينٌ واحدةٌ لأنه أقرب إلى فصل القضاء. (١) (فإن نَكَلَ (٢) أحدهما لزمه ما قال صاحبه)، ووجهه حديث ابن عمر لما باع زيدًا عبدًا واختلفا في عيبٍ فيه واحتكما إلى عثمان، فوجهت على عبد الله اليمين، فلم يحلف، فرَدَّ عثمان عليه العبد، رواه أحمد (٣). (وإن تحالفا لم ينفسخ العقد بنفس التحالف)؛ لأنه عَقدٌ وقع صحيحًا، فتنازُعُهُما وتعارُضُهُما في الحجة لا يوجب الفسخ، كما لو أقام كلُّ واحدٍ منهما بينةً بما ادَّعاه، لكن يقول للمشتري: أترضى بما قال البائع؟ فإن رضيه أجبر البائع على قبول ذلك؛ لأنه قد حصل له ما ادَّعاه، وإن لم يرضه قيل للبائع: أترضى بما قال المشتري؟ فإن رضيه أجبر المشتري على القبول؛ لذلك. (فإن لم يرضيا فُسخ العقد)، وظاهر كلام أحمد أن لكلِّ واحدٍ منهما

стр. 1378

الفسخ (١)، ويحتمل أن يَقِفَ على الحاكم (٢)؛ لأن العقد صحيحٌ وأحدهما ظالمٌ، وإنما يفسخه الحاكم لتعَذُّرِ إمضائه في الحكم، فأشبه نكاح المرأة إذا زَوَّجها الوليّانِ ولم يُعلَم السابق منهما. والصحيح أن لهما الفسخ؛ لقوله ﵇: «أو يترادّان البيع» (٣)، وظاهره استقلالهما بذلك، وفي قصة ابن مسعود باع الأشعث بن قيس (٤) رقيقًا من رقيقِ الإمارة، فاختلفا في الثمن، فروى له عبد الله هذا الحديث، قال: «فإني أرى أن أرُدَّ البيع، فرَدَّهُ» (٥)، ولأنه فسخٌ لاستدراك الظُلامة أشبه الرَّدَّ بالعيب، ولا يشبه النكاح؛ لأن لكل واحدٍ من الزوجين الاستقلال بالطلاق. (٦) [١٥٠٤/ ٤٦] مسألة: (وإن كانت السلعة تالفةً تحالفا ورجعا إلى قيمة

стр. 1379

مثلها)، كما لو كانت باقيةً. وعنه: القول قول المشتري مع يمينه (١) اختارها أبوبكر (٢)؛ لقوله ﵇: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمةٌ تحالفا» (٣)، فمفهومه أن لا يشرع التحالف عند عَدَمِها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واختلفا في عَشَرةٍ زائدةٍ، البائع يَدَّعيها والمشتري يُنكِرها، والقول قول المنكر، وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس. ووجه الأولى: أن كل واحدٍ منهما مُدَّعٍ ومنْكِرٌ، فتشرع اليمين لهما كحال قيام السلعة، وقوله في حديثهم: «تحالفا»، لم يثبت في شيءٍ من الأخبار، قال ابن المنذر: «وليس في هذا الباب حديثٌ يعتمد عليه، وعلى أن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها، فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى» (٤). (٥) فاذا حلفا جميعًا فسخنا البيع كما نفسخه مع بقائها، ويرد البائع الثمن والمشتري قيمة السلعة. فإن اختلفا في قيمتها رجعا إلى قيمة مثلها موصوفًا بصفاتها. [١٥٠٥/ ٤٧] مسألة: (فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري)

стр. 1380

مع يمينه؛ لأنه غارمٌ، والقول قول الغارم. [١٥٠٦/ ٤٨] مسألة: (فإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا (١)، كما لو اختلفا في قدر الثمن، (إلا أن يكون للبلد نَقدٌ معلومٌ فيرجع إليه)، نص عليه (٢)؛ لأنه تعين انفراده وعدم مشاركة غيره له، وإن كان فيه نقودٌ رُجِع إلى أوسطها. [١٥٠٧/ ٤٩] مسألة: (وإن مات المتبايعان فورثتهما بمنزلتهما)؛ لأنها يمينٌ على المال، فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في الدعوى. [١٥٠٨/ ٥٠] مسألة: (وإذا تفاسخا انفسخ ظاهرًا وباطنًا (٣) في ظاهر كلامه (٤)؛ لأنه فَسخٌ لاستدراك الظُلامة فهو كالرَّدِّ بالعيب.

стр. 1381

وقال أبو الخطاب: «إن كان البائع ظالمًا لم ينفسخ العقد في الباطن» (١)؛ لأنه كان يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقِّهِ، فلا ينفسخ العقد في الباطن، ولا يباح له التَّصرف؛ لأنه غاصبٌ. وإن كان المشتري ظالمًا انفسخ البيع ظاهرًا وباطنًا؛ لعجز البائع عن استيفاء حقِّهِ، وكان له الفسخ كما لو أفلس المشتري. وقال شيخنا: «والذي يقوى عندي أنه إن فَسَخَ المظلوم منهما انفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الفسخ مباحٌ باطنًا وظاهرًا، فيثبت حكمهم في الظاهر والباطن كالفسخ بالعيب، وإن فسخه الظالم لم ينفسخ باطنًا؛ لأنه لا يحِلُّ له الفسخ، فلم يثبت حكمه باطنًا كما لو ادعى العيب من غير عيبٍ، وفُسخ بذلك» (٢). (٣) [١٥٠٩/ ٥١] مسألة: (وإن اختلفا في أجلٍ، أو شرطٍ)، أو رهنٍ، أو ضَمينٍ، (ففيه روايتان: إحداهما: القول قول من ينفيه (٤) مع يمينه؛ لأنه منكرٌ، فأشبه منكر العقد من أصله. (والثانية: يتحالفان)؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد، فأشبه ما لو اختلفا في قدر الثمن. (٥)

стр. 1382

وإن اختلفا فيما يفسد العقد فالقول قول من ينفيه؛ لأن ظاهر حال المسلم يُعاطي (١) الصحيح. (٢) [١٥١٠/ ٥٢] مسألة: (فإن قال: بعتني هذين، قال: بل أحدهما، فالقول قول البائع) نصَّ عليه (٣)؛ لأنه ينكر بيع الزائد، فاختصت اليمين به، كما لو اختلفا في أصل العقد. (٤) [١٥١١/ ٥٣] مسألة: (وإن قال: بعتنى هذا، قال: بل هذا، حَلَف كلُّ واحدٍ منهما على ما أنكره صاحبه)؛ لأن القول قول المنكر مع يمينه، كما لو ادعى عليه شيئًا في يده أو دَينًا في ذمته، أو ادعى عليه بيع شيءٍ ولم يدع الآخر شيئًا. ثم إن كان الذي أقر به البائع في يده فليس للمشتري أخذه؛ لأنه لا يَدَّعيه وهو مقِرٌّ أنه ما اشتراه، فلم يكن له أخذه. وإن كان في يد المشتري فليس للبائع أخذه؛ لأنه مقِرٌّ أنه للمشتري، ولا حقَّ له فيه، فلم يكن له أخذه.

стр. 1383

(ولم يثبت بيعَ واحدٍ منهما)؛ لأنه لا يثبت إلا بدليلٍ، ولا دليل عليه. (١) [١٥١٢/ ٥٤] مسألة: (وإن قال: البائع لا أسلِّمُ المبيع حتى أقبض ثمنه، وقال المشتري: لا أسلمه حتى أقبض المبيع، والثمن عينٌ، جُعِلَ بينهما عَدلٌ يقبض منهما ويسلم إليهما معًا)، لأنهما سواءٌ في تعلق حقوقِهما بالعين. (٢) (وإن كان دينًا أجبر البائع على تسليم المبيع أولًا)؛ لتعلق حقِّ المشتري بعينه، فقدم على ما تعلق بالذَّمَة كأرش الجناية مع الدَّين، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن (إن كان حاضرًا معه). (وإن كان غائبًا بعيدًا، أو المشتري معسرًا فللبائع فسخ البيع)؛ لأن عليه ضررًا في تأخير الثمن، فجاز له الرجوع إلى عين ماله كما لو أفلس المشتري. (وإن كان في البلد حُجر على المشتري في ماله كله حتى يُسلِّمه)؛ لئلا يتَصَرَّف في المبيع فيُضِرَّ بالبائع. (وإن كان غائبًا عن البلد قريبًا ففيه وجهان: أحدهما: له الفسخ)؛ لأنه تعذَّرَ الثمن، فكان له الفسخ أشبه المفلس. (والثاني: لا يفسخ، لكن يُحجَر على المشتري)؛ لأنه في حكم

стр. 1384

الحاضر أشبه الذي في البلد. (١) [١٥١٣/ ٥٥] مسألة: (ويثبت الخيار للخُلفِ في الصفة، وتَغَيُّرِ ما تقدمت رؤيته، وقد سبق ذلك) في البيع في الفصل السادس (٢). (٣) (ومن اشترى مكيلًا أو موزونًا لم يجز بيعه حتى يقبضه)؛ لقول النبي ﷺ : «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيَه» متفق عليه (٤)، ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسَّلَم. (٥)

стр. 1385

[١٥١٤/ ٥٦] مسألة: (وإن تَلِفَ قبل قبضه فهو من مال البائع (١)؛ لأن المشتري ممنوعٌ من التَّصرفِ فيه فلم يدخل في ضمانه، كما لو منعه البائع من قبضه، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه» (٢)، ولو دخل في ضمان المشتري لجاز له بيعه والتصرف فيه كما بعد القبض، فيكون من ضمان البائع. ويبطل العقد إذا كان التَّلَفُ بفعل الله سبحانه، ويرجع المشتري بالثمن. وإن أتلفه آدَميٌّ نظرنا: فإن كان المتلِف هو المشتريَ استقر الثمن عليه وكان كالقبض؛ لأنه تصَرَّف فيه، وإن أتلفه أجنَبيٌّ لم يبطل العقد على قياس قوله في الجائحة (٣)، وثبت للمشتري الخيار بين فسخ العقد والرجوع بالثمن؛ لأن التَّلَف حَصَلَ في يَدِ البائع فهو كحدوث العيب في

стр. 1386

يده، وبين إمضائه ومطالبة مُتلِفِه بالقيمة أو بالمثل إن كان من ذوات الأمثال. وإن أتلفه البائع فقال أصحابنا: «الحكم فيه كما لو أتلفه أجنبيٌّ» (١). (وعنه في الصُّبْرَة المتَعَيِّنَةِ (٢): أنه يجوز بيعها قبل قبضها، فإن تَلِفَت فهي من مال المشتري)، قال في رواية أبي الحارث (٣) في رجلٍ اشترى طعامًا فطَلَبَ من يحمله، فرجع وقد احترق: «فهو من مال المشتري» (٤)، واستدل بحديث ابن عمر ﵁: «ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من مال المشتري» (٥)، وذكر الجوزجاني عنه فيمن اشترى ما في السفينة صُبْرَةً ولم يسَمِّ كيلًا: «فلا بأس أن يُشْرِك فيها رجلًا ويَبيع ما شاء، إلا أن يكون بينهما كيلٌ فلا يُوَلِّي حتى يكال عليه» (٦).

стр. 1387

[١٥١٥/ ٥٧] مسألة: (وما عدا المكيلَ والموزونَ يجوز التَّصَرفُ فيه قبل قبضه، وإن تَلِف فهو من مال المشتري)؛ لقول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان» (١)، قال الترمذي: «حديث صحيح»، وهذا المبيع نماؤه وخراجه للمشتري فضمانه عليه، وروى الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر (٢) أنه سمع عبد الله بن عمر ﵁ يقول: «مضت السنة أنَّ ما أدركته الصَّفقَةُ حيًّا مجموعًا فهو من مال المبتاع» رواه البخاري عن ابن عمر من قوله تعليقًا (٣)، وقول الصحابي: مضت السُّنَة يعني: سُنَّة النبي ﷺ ، ولأنه من ضمان مشتريه بعد القبض، ولا يتعلق به حقُّ توفيةٍ على البائع، وكان من ضمانه قبل القبض كالميراث. (وذكر أبو الخطاب عن أحمد روايةً أخرى: أنه كالمكيل والموزون في ذلك (٤)؛ لأن التَّسليم واجبٌ على البائع؛ لأنه في يده، فإذا تعذر بتلفه انفسخ العقد كالمكيل والموزون. (٥)

стр. 1388

[١٥١٦/ ٥٨] مسألة: (ويحصل القبض فيما بِيعَ بالكيل والوزن بكيله ووزنه)، وذلك لأن قبض كلِّ شيءٍ بحسبه، فإذا كان مكيلًا أو موزونًا فقبضه بالكيل والوزن. وروى أبو الخطاب عن أحمد: «أن قبض كلِّ شيءٍ بالتَّخْليةِ مع التَّمييزِ» (١)؛ لأنه خلّى بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضًا له كالعقار وهو مذهب أبي حنيفة (٢). ولنا: ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله» أخرجه مسلم (٣)، وروى البخاري تعليقًا عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل» (٤)، وروى ابن ماجه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام

стр. 1389

حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري» (١)، وهذا فيما بِيع كيلًا. فأما ما بيع جِزافًا (٢) فقَبضُه نَقلُه؛ لأن ابن عمر ﵁ قال: «كانوا يُضْرَبون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جِزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يُحوِّلوه» وفي لفظ: «كنا نبتاع الطعام جِزافًا، فيَبْعَث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكانٍ سواه قبل أن [نبيعه] (٣)، وفي لفظٍ: «كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله» رواهن مسلم (٤)، فتبين بهذا أن الكيل إنما وجب فيما بِيعَ بالكيل، وقد جاء في حديثٍ مصرحًا به عن النبي ﷺ

стр. 1390

قال: «إذا سَمَّيتَ الكيل فَكِل» رواه الأثرم (١). (٢) [١٥١٧/ ٥٩] مسألة: (والقبض في الصُّبرَة وما ينقل بالنَّقلِ)؛ للخبر، (وفيما يُتناول بالتَّناول) كالدراهم والدنانير. والجواهر قبضها تناولها بالبراجِم (٣). وقبض الحيوان أن يمشي من مكانه. (وقبض ما عدا ذلك) مما لا ينقل (بالتَّخلِية) بين مشتريه وبينه لا حائل دونه. وذلك لأن القبض مطلقٌ في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحياء والإحراز، والقبض في هذه الأشياء عادةً بما ذكرناه. (وعنه: أن قبض الأشياء جميعها بالتَّخلِية مع التمييز (٤) (٥)، وقد

стр. 1391

مضى تعليلُها (١). [١٥١٨/ ٦٠] مسألة: إقالة النادم في البيع مستحبَّة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أقال نادمًا بيعته أقاله الله عَثَرَته يوم القيامة» (٢). وهي فسخٌ في أصحِّ الراوايتين. وعنه: أنها بيعٌ (٣)؛ لأنها تَنقُلُ المِلك بعوضٍ على وجه التراضي، فكانت بيعًا كالأول. والأُولى أَولى؛ لأن الإقالة في السَّلَم تجوز إجماعًا، وبيع السَّلمِ لا يجوز قبل قبضه، ولأن الإقاله الرَّفعُ والإزالة، ومنه: أقاله الله عَثْرَتَه، وذلك هو الفسخ، ولأنها تتقدَّر بالثَّمن الأول، وتحصل بلفظٍ لا ينعقد به البيع، فكانت فسخًا كالرَّدِّ بالعيب. (٤) فعلى هذا: تجوز في المبيع قبل قبضه، ولا تجب بها شفعةٌ، وتَتَقدَّرُ بالثمن الأول، ومن حَلَفَ لا يبيع، فأقال، لا يحنث. وعلى الرواية الأخرى: تنعكس هذه الأحكام، إلا بمثل الثمن فإنه على وجهين: أصحهما: أنها تَتَقَدَّرُ به؛ لأنها خُصَّت بمثل الثمن كالتَّولِية، ولأن الإقالة الرفع والإزالة، ومنه: أقاله الله عَثْرَتَهُ يعني: أنه

стр. 1392

يعود كما كان قبل العَثْرَة، وهو كذلك، يعني أن كل واحدٍ منهما يعود إلى ما كان معه، فالبائع في العين، والمشتري في الثمن، فإن أقال بأكثر لم تصِحَّ، وكان المِلك باقيًا للمشتري؛ لأنهما تفاضلا فيما يعتبر فيه التَّماثل، فلم تصِحَّ كبيع درهمٍ بدرهمين. والوجه الثاني: تجوز بزيادةٍ على الثمن كالبيع الحقيقي. (١) * * *

стр. 1393

باب الربا والصرف (وهو نوعان: ربا الفضل وربا النَّسيئَة، فأما ربا الفضل فيَحرُم في الجنس الواحد من كل مكيلٍ أو موزونٍ، وإن كان يسيرًا، كتمرةٍ بتمرتين، وحبَّةٍ بحبتين (١). والربا محرمٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وما بعدها من الآيات، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله آكِلَ الربا، ومُوكِلَه، وشاهدَيْه، وكاتبَه» متفقٌ عليه (٢)، وأجمعت الأمه على تحريم الربا. وهو ضربان: ربا الفضل، وربا النسيئة. والأعيان المنصوص على الربا فيها ستَّةٌ، وهي في حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ، والفضة بالفضة مثلًا بمثلٍ، والتمر بالتمر مثلًا بمثلٍ، والبُرُّ بالبُرِّ مثلًا بمثلٍ، والشعير بالشعير مثلًا بمثلٍ، والملح بالملح مثلًا بمثلٍ، من زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيدٍ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدًا بيدٍ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيدٍ» رواه مسلم (٣).

стр. 1394

واختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في عِلَّة الربا فيها، فأشهرُهنَّ أن عِلَّتَه في الذهب والفضه الوزن والجنس، وفي غيرهما الكيل والجنس (١)؛ لما روي عن عمار ﵁ أنه قال: «العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يدًا بيدٍ فلا بأس به، إنما الربا في النَّساء، إلا ما كيل أو وُزن» (٢)، ولأنه لو كانت العلة الطَّعْم (٣) لجرى الربا بالماء لأنه مطعومٌ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فعلى هذا يَحرُم التفاضل في كلِّ مكيلٍ أو موزونٍ من جنسٍ، سواءٌ كان مطعومًا كالقِطنيات (٤) أو غير مطعومٍ كالأُشنان والحديد. ويجري الربا فيما كان جنسه مكيلًا أو موزونًا وإن تَعذَّر الكيل فيه والوزن، إما لقلَّتِه كالتمرة والقَصْبَة (٥) وما دون الأُرْزَةِ من الذهب والفضة، وإما لعظمه كالزُّبْرَة (٦) العظيمة، وإما للعادة كلحم الطير؛ لأنه من جنسٍ فيه الربا فجرى فيه الربا كالزُّبْرَة العظيمة. وما نُسج من القطن والكتان لا رِبا فيه، نص عليه (٧)؛ لحديث عمار ﵁.

стр. 1395

وما عُمل من الحديد ونحوه إن كان يقصد وزنُهُ جرى فيه الربا؛ لأنه يقصد زِنَتُه فجرى فيه الربا كلحم الطير، وما لا يقصد زِنَتُه لا يجري فيه الربا كالثياب. والرواية الثانية: العلة في الذهب والفضة الثَّمَنية غالبًا، وفيما عداهما كونه مطعومَ جنسٍ؛ لما روى معمر بن عبد الله ﵁ (١): «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل» رواه مسلم (٢)، ولأنه لو كان الوزن علةً لم يجز إسلام النقد في الموزونات؛ لأن اجتماع المالين في أحد وصفي علة الربا يمنع النَّساء، بدليل إسلام المكيل في المكيل، فعلى هذه الرواية يحرم التفاضل في كل مطعومٍ بِيع بجنسه من الأقوات والآدام والفواكه والأدوية والأدهان المُطيِّبة وغيرها، وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا كالبِطِّيخ والرُّمان والبيض ونحوها. والرواية الثالثة: العله كونه مطعوم جنسٍ مكيلًا أو موزونًا (٣)؛ «لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل» (٤)، والمماثلة المعتبرة هي المماثلة في الكيل والوزن، فدَّل على أنه لا يحرم إلا في مطعومٍ يكالُ أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يُطعم كالأُشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبِطِّيخ والرُّمان. (٥)

стр. 1396

[١٥١٩/ ١] مسألة: (ولا يباع ما أصله الكيل بشيءٍ من جنسه وزنًا، ولا ما أصله الوزن كيلًا)؛ لقول النبي ﷺ : «الذهب بالذهب وزنًا بوزنٍ، والبر بالبر كيلًا بكيلٍ» رواه الأثرم (١)، ولأنه لا يلزم من تساويهما في أحد المعيارين التَّساوي في الآخر لتفاوتِهما في الثِّقَل والخِفَّةِ. (٢) [١٥٢٠/ ٢] مسألة: (وإذا اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلًا ووَزنًا وجِزافًا)؛ لأن النبي ﷺ قال في الأعيان السِّتةِ: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ» رواه مسلم (٣) وقال: «لا بأس ببيع البر بالشَّعير، والشعيرُ أكثرهما، يدًا بيد» رواه أبو داود (٤). (٥) [١٥٢١/ ٣] مسألة: (والجنس: ما له اسم خاصٌّ يشمل أنواعًا، كالذهب، والفضةِ، والبُرِّ، والشَّعير، والتمرِ، والمِلح)، فإذا اتفق شيئان في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد كأنواع التمر والبُرِّ.

стр. 1397

وإن اختلفا في الاسم من أصل الخلقة فهما جِنسان كالسِّتَّةِ المذكورة في الخبر (١)؛ لأن النبي ﷺ حرَّمَ الزيادة فيها إذا بيع منها شيءٌ بما يوافقه في الاسم، وأباحها إذا بيع بما يخالفه في الاسم، فدَلَّ على أن ما اتفقا في الاسم جنسٌ، وما اختلفا فيه جِنسان. (٢) [١٥٢٢/ ٤] مسألة: (وفروع الأجناس أجناس (٣) تعتبر بأصولها، فما أصله جنسٌ واحدٌ فهو جنسٌ واحدٌ وإن اختلفت أسماؤه، وما أصله أجناسٌ فهو أجناسٌ وإن اتفقت أسماؤه، فدقيق الحنطة والشَّعير جِنسان، ودُهن اللَّوزِ والجوزِ جنسان، وزيت الزَّيتونِ والبُطْمِ جِنسان، وكذلك خَلُّ العِنب وخَلُّ التمر، وكذلك اللَّبن. وعنه: أنهما جنسٌ واحدٌ (٤) (٥). والأول أصح؛ لأنهما فرعا أصلين مختلفين، فكانا جنسين كالأدِقَّةِ (٦). (٧)

стр. 1398

(وفي اللحم ثلاث رواياتٍ: إحداها: أنها أجناس باختلاف أصوله)؛ لأنها فروعُ أجناسٍ فكانت أجناسًا كالتمر الهِندي والبَرني، فعلى هذه لحم بهيمة الأنعام كلها ثلاثة أجناسٍ، وبقر الوَحشِ والأهليه جنسان، وكل ما انفرد باسمٍ وصفةٍ فهو جنسٌ. وقال ابن أبي موسى: «لا خلاف عن أحمد أن لحم الطير والسمك جنسان» (١). (والثانية: أنه جنسٌ واحدٌ (٢) (٣)؛ لأنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه، فكان جنسًا واحدًا كالتمر. (والثالثة: أنه أربعة أجناسٍ، لحم الأنعام جِنسٌ، ولحم الوحَشِ جنسٌ، ولحم الطير جِنسٌ، ولحم ذوات الماء جِنسٌ)؛ لأنها تختلف منفعتها والقصد إلى أكلها، فكانت أجناسًا. والرواية الأولى أصحُّ، ودليلها ينقض دليل الثانية، ودليل الثالثة لا أصل له. (٤) [١٥٢٣/ ٥] مسألة: وفي الألبان من القول نحو مما في اللحم؛ لأنها من الحيوانات، يتفق اسمها فأشبهت اللحم. (٥) [١٥٢٤/ ٦] مسألة: (واللحم، والشحم، والأَلْيَة، والكَبد، أجناسٌ)، وكذلك الرِّئةُ، والكُليَةُ والقَلب والكَرِشُ أجناسٌ؛ لأنها مختلفةٌ في الاسم

стр. 1399

والخلقة، قال أصحابنا: «اللحم الأحمر والأبيض الذي على الظهر والجنبين جنسٌ، لاتفاقهما في [الدسم والمقصد»] (١). ويحتمل أن يكون الشحم الذي يذوب بالنار كله جنسًا واحدًا لاتفاقهما في اللون والصفة والذَّوب بالنار، وقد قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فاستثناه من الشَّحم. [١٥٢٥/ ٧] مسألة: (ولا يجوز بيع لحمٍ بحيوانٍ من جنسه)؛ لما روي عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان» رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ (٢)، قال ابن عبد البر: «هذا أحسن أسانيده» (٣)، وروي عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن يباع حَيٌّ بميتٍ» ذكره الإمام أحمد (٤)، ولأنه نوعٌ فيه الربا، بِيع أصله الذي فيه منه، فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج. [١٥٢٦/ ٨] مسألة: (وفي بيعه بغير جنسه وجهان:) أحدهما: لا يجوز؛ لذلك.

стр. 1400

والثاني: يجوز بناءً على اختلاف الجنس وأنه أجناسٌ، وينبغي أن يُخرَّج فيه الروايات في اللحم هل هو جنسٌ أو أجناسٌ؟ (١). (٢) [١٥٢٧/ ٩] مسألة: (ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه ولا سَوِيقه في أصحِّ الروايتين). وعنه: الجواز إذا تساويا وزنًا (٣)؛ لأن الدَّقيق أجزاء الحب فجاز بيعه به كما قبل الطحن. والأول المذهب؛ لأن البُرَّ ودَقيقَه مكيلان، ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزنًا، ولا يمكن التساوي في الكيل؛ لأن الطَّحن فَرَّقَ أجزاءَ الدَّقيقِ ونَشَرَها. (٤) [١٥٢٨/ ١٠] مسألة: (ولا يجوز بيع نِيئِه بمطبوخِه)؛ لأن النار تَذْهَبُ برطوبَته، وتَعقِدُ أجزاءه فيمتنع تساويهما. [١٥٢٩/ ١١] مسألة: (ولا يجوز بيع أصلِه بعصيره) كالزيتون بزيته، والسِّمسِم بالشَّيرَج (٥)، والعنب بعصيره؛ لأنه لا يَتَحقَّقُ التَّماثل بين العصير وما في أصله منه. [١٥٣٠/ ١٢] مسألة: (ولا يجوز بيع خالصه بمَشُوبه)، كحنطةٍ فيها

стр. 1401

شعير أو زُوانٍ (١) بخالصةٍ أو غير خالصةٍ، أو لبنٍ مشوبٍ بخالصٍ أو مشوبٍ، أو عسلٍ في شمعه بمثله، إلا أن يكون الخَلْطُ يسيرًا لا وَقعَ له، كيَسير التراب والزُّوان ودَقيق التراب الذي لا يظهر في الكيل؛ لأنه لا يُخلُّ بالتماثل، ولايمكن التحرز منه. [١٥٣١/ ١٣] مسألة: (ولا يجوز بيع رَطْبِه بيابسه)؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الثَّمر بالتمر» متفق عليه (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: أينقُصُ الرُّطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم فنهاه عن ذلك أخرجه أبو داود (٣)، [فنهى] (٤) وعلَّلَ بأنه ينقص عن يابسه، فدَلَّ على أن رَطْبَه يَحرم بيعه بيابسه. [١٥٣٢/ ١٤] مسألة: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزِه بخبزِه إذا استويا في النَّشافِ، وعَصيره بعَصيره، ورَطْبِه برَطْبِه)؛ لأن مفهوم نهيه ﵇ عن بيع الثمر بالتمر (٥)

стр. 1402

إباحة بيعه بمثله، ولأنهما تساويا في الحال على وجهٍ لاينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز بيعه به كاللبن باللبن. (١) [١٥٣٣/ ١٥] مسألة: (ولا يجوز بيع المحاقَلة: وهو بيع الحبِّ في سُنبله بجنسه)؛ لما روى البخاري عن أنس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة» (٢)، وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة» (٣)، والمخاضرة: بيع الزرع الأخضر والثَّمرةِ قبل بُدوِّ صَلاحها بغير شرط القطع، قال الأزهري (٤): «الحقل: هو القَراح المزروع (٥)، والحواقل المزارع» (٦)، وفسر أبو سعيد المحاقلة باستكراء الأرض بالحنطة (٧). [١٥٣٤/ ١٦] مسألة: (وفي بيعه بغير جنسه وجهان:) أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الخبر (٨)، والثاني: يجوز؛ لقوله ﵇: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد» (٩). (١٠)

стр. 1403

[١٥٣٥/ ١٧] مسألة: (ولا يجوز بيع المزابنة: وهو بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العَرايا)؛ لحديث جابر ﵁: «نهى عن المحاقلة، والمزابنة» (١). وأما العَرايا: (فهي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل خَرْصًا بمثله من التمر كيلًا فيما دون خمسة أوسقٍ لمن به حاجةٌ إلى أكل الرُّطَب ولا ثمن معه، ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجَفاف (٢)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ رخَّصَ في العَرِيَّة في خمسة أوسقٍ أو دون خمسة أوسُقٍ» متفق عليه (٣). وإنما تجوز بشروط خمسةٍ: أحدها: أن يكون دون خمسة أوسقٍ. وعنه: يجوز في الخمسة (٤)؛ لأن الرخصة ثبتت في العرية، ثم نُهي عما زاد على الخمسة، وشَكَّ الراوي في الخمسة فرُدَّت إلى أصل الرُّخصةِ. والمذهب الأول؛ لأن الأصل تحريم بيع الرُّطَب بالتمر، خُولف فيما دون الخمسة بالخبر، والخمسة مشكوك فيها فرُدَّ إلى الأصل. (٥) الثاني: أن يكون مشتريها محتاجًا إلى أكلها رُطبًا؛ لما روى محمود بن لَبيدٍ (٦) قال: «قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسَمَّى

стр. 1404

رجالًا محتاجين من الأنصار شَكَوْا إلى الرسول ﷺ أن الرُّطَبَ يأتي ولا نقدَ بأيديهم يبتاعون به رُطبًا يأكلونه، وعندهم فضولٌ من التمر، فرَخَّصَ لهم أن يبتاعوا العَرِيَّةَ بخَرصِها من التمر يأكلونه رطبًا» متفق عليه (١)، والرخصة الثابتة (٢) لحاجةٍ لا تثبت مع عدمها، فإن تركها حتى تُتمر بطل البيع لعدم الحاجة. الثالث: ألا يكون له نَقد يشتري به؛ للخبر. الرابع: أن يشتريها بخَرْصها؛ للخبر، ولأن النبي ﷺ «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا» متفق عليه (٣)، ولا بد أن يكون التمر معلومًا بالكيل؛ للخبر. وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: أن ينظر كم يجيء منها تمرًا فيبيعها بمثله؛ لأنه يَخرُصُ في الزكاة كذلك.

стр. 1405

والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب؛ لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، وإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وَجَبَ. (١) الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما؛ لأنه بيع تمرٍ بتمرٍ، فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيها على النخل بالتَّخلية، وفي التمر باكتياله. فإن كان حاضرًا في مجلس البيع اكتاله، وإن كان غائبًا مشيا إلى التمر فتسلمه، وإن قبضه أولًا ثم مشيا إلى النخلة فتسلمها جاز. واشترط الخرقي: كون النخلة موهوبةً لبائعها (٢)؛ لأن العَرية اسم لذلك. (٣) واشترط القاضي وأبو بكر: حاجة البائع إلى بيعها (٤)، وحديث زيد بن ثابت يَرُدُّ ذلك، مع أن اشتراطه يُبطل الرُّخصة، إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط فتذهب الرُّخصة. (٥)
следующие страницы →