← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

شعير أو زُوانٍ (١) بخالصةٍ أو غير خالصةٍ، أو لبنٍ مشوبٍ بخالصٍ أو مشوبٍ، أو عسلٍ في شمعه بمثله، إلا أن يكون الخَلْطُ يسيرًا لا وَقعَ له، كيَسير التراب والزُّوان ودَقيق التراب الذي لا يظهر في الكيل؛ لأنه لا يُخلُّ بالتماثل، ولايمكن التحرز منه. [١٥٣١/ ١٣] مسألة: (ولا يجوز بيع رَطْبِه بيابسه)؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الثَّمر بالتمر» متفق عليه (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: أينقُصُ الرُّطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم فنهاه عن ذلك أخرجه أبو داود (٣)، [فنهى] (٤) وعلَّلَ بأنه ينقص عن يابسه، فدَلَّ على أن رَطْبَه يَحرم بيعه بيابسه. [١٥٣٢/ ١٤] مسألة: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزِه بخبزِه إذا استويا في النَّشافِ، وعَصيره بعَصيره، ورَطْبِه برَطْبِه)؛ لأن مفهوم نهيه ﵇ عن بيع الثمر بالتمر (٥)

стр. 1402

إباحة بيعه بمثله، ولأنهما تساويا في الحال على وجهٍ لاينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز بيعه به كاللبن باللبن. (١) [١٥٣٣/ ١٥] مسألة: (ولا يجوز بيع المحاقَلة: وهو بيع الحبِّ في سُنبله بجنسه)؛ لما روى البخاري عن أنس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة» (٢)، وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة» (٣)، والمخاضرة: بيع الزرع الأخضر والثَّمرةِ قبل بُدوِّ صَلاحها بغير شرط القطع، قال الأزهري (٤): «الحقل: هو القَراح المزروع (٥)، والحواقل المزارع» (٦)، وفسر أبو سعيد المحاقلة باستكراء الأرض بالحنطة (٧). [١٥٣٤/ ١٦] مسألة: (وفي بيعه بغير جنسه وجهان:) أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الخبر (٨)، والثاني: يجوز؛ لقوله ﵇: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد» (٩). (١٠)

стр. 1403

[١٥٣٥/ ١٧] مسألة: (ولا يجوز بيع المزابنة: وهو بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العَرايا)؛ لحديث جابر ﵁: «نهى عن المحاقلة، والمزابنة» (١). وأما العَرايا: (فهي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل خَرْصًا بمثله من التمر كيلًا فيما دون خمسة أوسقٍ لمن به حاجةٌ إلى أكل الرُّطَب ولا ثمن معه، ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجَفاف (٢)؛ لما روى أبو هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ رخَّصَ في العَرِيَّة في خمسة أوسقٍ أو دون خمسة أوسُقٍ» متفق عليه (٣). وإنما تجوز بشروط خمسةٍ: أحدها: أن يكون دون خمسة أوسقٍ. وعنه: يجوز في الخمسة (٤)؛ لأن الرخصة ثبتت في العرية، ثم نُهي عما زاد على الخمسة، وشَكَّ الراوي في الخمسة فرُدَّت إلى أصل الرُّخصةِ. والمذهب الأول؛ لأن الأصل تحريم بيع الرُّطَب بالتمر، خُولف فيما دون الخمسة بالخبر، والخمسة مشكوك فيها فرُدَّ إلى الأصل. (٥) الثاني: أن يكون مشتريها محتاجًا إلى أكلها رُطبًا؛ لما روى محمود بن لَبيدٍ (٦) قال: «قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسَمَّى

стр. 1404

رجالًا محتاجين من الأنصار شَكَوْا إلى الرسول ﷺ أن الرُّطَبَ يأتي ولا نقدَ بأيديهم يبتاعون به رُطبًا يأكلونه، وعندهم فضولٌ من التمر، فرَخَّصَ لهم أن يبتاعوا العَرِيَّةَ بخَرصِها من التمر يأكلونه رطبًا» متفق عليه (١)، والرخصة الثابتة (٢) لحاجةٍ لا تثبت مع عدمها، فإن تركها حتى تُتمر بطل البيع لعدم الحاجة. الثالث: ألا يكون له نَقد يشتري به؛ للخبر. الرابع: أن يشتريها بخَرْصها؛ للخبر، ولأن النبي ﷺ «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا» متفق عليه (٣)، ولا بد أن يكون التمر معلومًا بالكيل؛ للخبر. وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: أن ينظر كم يجيء منها تمرًا فيبيعها بمثله؛ لأنه يَخرُصُ في الزكاة كذلك.

стр. 1405

والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب؛ لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، وإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وَجَبَ. (١) الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما؛ لأنه بيع تمرٍ بتمرٍ، فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيها على النخل بالتَّخلية، وفي التمر باكتياله. فإن كان حاضرًا في مجلس البيع اكتاله، وإن كان غائبًا مشيا إلى التمر فتسلمه، وإن قبضه أولًا ثم مشيا إلى النخلة فتسلمها جاز. واشترط الخرقي: كون النخلة موهوبةً لبائعها (٢)؛ لأن العَرية اسم لذلك. (٣) واشترط القاضي وأبو بكر: حاجة البائع إلى بيعها (٤)، وحديث زيد بن ثابت يَرُدُّ ذلك، مع أن اشتراطه يُبطل الرُّخصة، إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط فتذهب الرُّخصة. (٥)

стр. 1406

فعلى قولنا: يجوز لرجلين شراء عَريَّتينِ من واحد، وعلى قولهما: لا يجوز إلا أن ينقصا بمجموعهما عن خمسة أوسقٍ، ولا يجوز لواحدٍ شراء عَريَّتين فيهما جميعًا خمسة أوسق؛ لأنه في معنى شرائهما في عقد واحد. [١٥٣٦/ ١٨] مسألة: (ولا يجوز في سائر الثمار (١) قاله ابن حامد (٢)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه «نهى عن المزابنة الثمر بالتمر، إلا لأصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثَمرٍ بخرصه»، وهذا حديث حسن (٣)، ولأن غيره من الثمر لا يساويه في كثرة اقتنائه وسهولة خَرصه فلا يقاس عليه غيره. وقال القاضي: «يجوز في جميع الثمار» (٤)؛ لأن حاجة الناس إلى رُطَبها كحاجتهم إلى الرُطَبِ. ويحتمل الجواز في التمر والزبيب خاصةً لتساويهما في وجوب الزكاة فيهما، وورود الشرع بخرصهما، وكونهما مقتاتين دون غيرهما. (٥) [١٥٣٧/ ١٩] مسألة: (ولا يجوز بيع جنسٍ فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، كمُدِّ عَجوةٍ (٦) ودرهم، بمُدَّينِ

стр. 1407

أو بدِرهَمين، أو بمُدٍّ ودرهَمٍ). (وعنه: ما يدل على الجواز إذا كان مع كلِّ واحدٍ منهما من غير جنسه، أو كان المفرد أكثرَ ليكون الزائد في مقابلة غير الجنس) (١). والأول المذهب؛ لما روى فَضَالةُ بن عبيد ﵁ قال: أُتي النبي ﷺ بقلادةٍ فيها ذهبٌ وخرَزٌ ابتاعها [رجل] (٢) بتسعة دنانير، فقال النبي ﷺ : «لا حتى تُميِّزَ بينهما» رواه أبو داود ومسلم (٣)، ولفظه: «باثني عشر دينارًا، وقال فيه: حتى تُفَصَّلَ»، وفي لفظٍ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثلٍ» (٤). ولأن الصفقة إذا جمعت شَيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، بدليل ما لو اشترى شِقصًا وسَيفًا، فإن الشفيع يأخذ الشِّقصَ بقسطه من الثمن، وإذا قُسِم الثمن على القيمة أدى إلى الربا؛ لأنه إذا باع مدًّا قيمته درهمان ودرهمًا بمدين قيمتهما ثلاثة دراهم حصل في مقابله الجيِّدِ مُدٌّ وثُلث. (٥)

стр. 1408

[١٥٣٨/ ٢٠] مسألة: (وإن باع نوعين مختلفي القيمة) من جنسٍ بنوعٍ واحدٍ من ذلك الجنس (كدينارٍ صحيحٍ وقُراضةٍ (١) بصحيحين، فقال القاضي: هي كالتي قبلها (٢)؛ لذلك. (وقال أبو بكر: يجوز، أومأ إليه أحمد (٣)؛ لقول النبي ﷺ : «الفضة بالفضة مثلًا بمثل» (٤)، ولأن الجَوْدة ساقطةٌ فيما قوبل بجنسه لما تقدم، وعن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في غيره (٥)؛ لأنه لا يمكن التَحرُّز من اختلاط النوعين. (٦) [١٥٣٩/ ٢١] مسألة: (ولا يجوز بيع تمرٍ منزوعِ النَّوى بتمرٍ نَواه فيه)، وذلك أن ما اشتمل على شيئين بأصل الخِلقَة كالتمر فيه النَّوى فلا بأس ببيع بعضه ببعض؛ لأن النبي ﷺ أباح بيع التمر بالتمر، وقد علم أن في كلِّ واحدٍ نوًى، ولو نُزِع النَّوى ثم تُرك مع التمر صار كمسألة مُدِّ عجوةٍ لزوال التَّبَعيِّة، ولو نزع من أحدهما نواه ثم باعه بتَمرٍ فيه نَواه فكذلك. ولو باع النَّوى بمثله أو المنزوع بمثله جاز؛ لأنه جنسٌ متماثل.

стр. 1409

وإن باع المنزوع وحده بالنوى جاز فيه التفاضل؛ لأنهما جِنسان. [١٥٤٠/ ٢٢] مسألة: (ولو باع النوى بتمرٍ فيه نواه ففيه روايتان: (١) إحداهما: لا يجوز (٢)؛ لأنه في معنى مسألة مُدِّ عجوةٍ. والثانية: يجوز (٣)؛ لأن ما فيه الربا غير مقصود في أحد الجانبين فلم يمنع، كبيع دارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُها بذَهبٍ بذَهبٍ. وكذلك يُخرَّج في بيع شاةٍ لَبونٍ بلَبنٍ (٤)، أو ذاتِ صوفٍ بصوفٍ، أو لَبونٍ بمثلها. (٥) فإن كانت مَحلوبَةَ اللبن جاز وجهًا واحدًا؛ لأن الباقي [لا أثر] (٦) له فهو كالتَّمويه في السَّقفِ. ويجوز بيع شاةٍ ذاتِ صوفٍ بمثلها وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك لو حَرُمَ لحَرُمَ بيع الغنم بالغنم.

стр. 1410

[١٥٤١/ ٢٣] مسألة: (والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي ﷺ ؛ لقوله ﵇: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة» (١)، والمراد والله أعلم أنهما أصلٌ لمعرفة المكيل والموزون في جميع البلاد؛ لأن النبي ﷺ إنما يُحمل كلامه على تبيين الأحكام. (وما لا عُرف له بالحجاز يعتبر بأقرب الأشياء شَبَهًا به (٢)، وهو القياس. (والثاني: يُرَدُّ إلى عُرفه في موضعه)؛ لأن ما لا حَدَّ له في الشرع يُرَدُّ إلى العرف كالقبض والإحراز. (٣) (وأما ربا النسيئة: فكل شَيئين (٤) عِلَّة ربا الفضل فيهما واحدةٌ كالمكيل بالمكيل، والموزون بالموزون)، والمطعوم بالمطعوم على الرواية الأخرى (٥)، (لا يجوز النَّساء فيهما، وإن تفرقا قبل التقابض

стр. 1411

بطل العقد)؛ لقول النبي ﷺ : «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيَدٍ» رواه أبو داود (١)، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالوَرِق ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والشعيرُ بالشعير ربًا إلا هاءَ وهاءَ» متفق عليه (٢). [١٥٤٢/ ٢٤] مسألة: (وإن باع مكيلًا بموزونٍ) كاللحم بالبر، (جاز التَّفرق قبل القبض) روايةً واحدةً؛ لأنّا لو اشترطنا القبض في جميع ما يحرم فيه النَّساءُ لم يبق ربا نَسيئةٍ؛ لكون العقد يَفسُد بترك التَّقابض، والإجماع منعقدٌ على أن من أنواع الرِّبا ربا النَّسيئةِ. (وفي النَّساءِ فيهما روايتان:) إحداهما: لا يجوز النَّساءُ فيهما؛ لأنهما مالان من أموال الربا ليس أحدهما ثمنًا، فَحَرُمَ النساء فيهما كالمكيل بالمكيل. والأخرى: يجوز النساء فيهما؛ لأنه لم يجتمع فيهما أحد وصفي عِلَّة الربا، فجاز النساء فيهما كالنبات بالحيوان. ولو كان أحد العوضين من الأثمان والآخر من غيرهما جاز النساء بغير خلافٍ؛ لأن الشرع رَخَّصَ في السَّلَمِ، والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير، فإن قلنا: لا يجوز، انسَدَّ باب السلم في الموزونات على ما عليه الأصل والغالب، فأثَّرَت رخصة الشرع في التَّجويزِ. (٣)

стр. 1412

[١٥٤٣/ ٢٥] مسألة: (وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان)، ففيه أربع روايات، إحداهن: (يجوز النَّساء فيهما (١)؛ لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أمرني النبي ﷺ أن أستسلفَ إبلًا، فكنت آخُذُ البعير بالبعيرين إلى مجيء المُصدِّق» رواه أبو داود (٢). وروى سعيد في سننه عن أبي معشر (٣) عن [صالح] (٤) بن كيسان (٥)

стр. 1413

عن الحسن بن محمد (١): «أن عليًّا باع بعيرًا له يقال له عُصيفير بأربعةِ أبعِرَةٍ إلى أجلٍ» (٢)، ولأنهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل معًا، فجاز النَّساءُ فيهما كالعَرْضِ بالدينار. فتكون على هذه الرواية عِلَّة تحريم النَّساءِ الوَصفَ الذي مع الجنس، إما الكيل وإما الوزن وإما الطَعْم عند من [يُعلّل] (٣) به، فيختَصُّ تحريم النَّساءِ بالمكيل والموزون عند من يُعلّل بهما، وبالمطعوم عند من يُعلّل به، اختار القاضي هذه الرواية، وقال: «هي أصح عندي» (٤)؛ لأن النَّساءَ أحد نوعي الرِّبا، فلا يَعُمُّ جميع الأموال كالفضل. والرواية الثانية: لا يجوز؛ لما روى سَمُرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً» (٥) قال الترمذي:

стр. 1414

«صحيح»، ولم يفرق بين أن يكون من جنسٍ أو من جنسين، ولأنه بيع عَرْضٍ بعَرْضٍ فَحرم فيه النَّساء [كالجنسين] (١) من أموال الربا، فتكون علة النَّساء المالية، إلا أنه يجوز إذا كان أحدهما نقدًا رخصةً. والثالثة: يحرم النساء في الجنس الواحد؛ لهذا الخبر (٢)، ويباح في الجنسين عملًا بمفهومه. والرابعة: يباح مع التَّساوي، ويحرم مع التفاضل في الجنس الواحد؛ لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نساءً، ولا بأس به يدًا بيد» (٣)، قال الترمذي: «حديثٌ حسن». وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنَّجيبَةَ (٤) بالإبل؟ فقال: «لا بأس إذا كان يدًا بيد» (٥)، وهو بمفهومه يَدلُّ على إباحة النَّساءِ مع التَّماثل.

стр. 1415

والرواية الأولى أولى، وحديث سمرة يرويه عنه الحسن، وأبو عبد الله لا يُصحِّحُ سماع الحسن من سمرة قاله الأثرم (١)، وقد قال أبوعبد الله: «ليس فيه حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه» (٢)، وذُكرَ له حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ في هذا، فقال: «هما مرسلان» (٣)، وقيل له: حجاج عن أبي الزُّبَير عن جابر؟ فقال: «هذا حجاج زاد فيه: نساءً، وليث بن سعد سمعه من أبي الزُّبَير لا يذكر فيه: نَساءً» (٤)،

стр. 1416

وحجاج الذي يروي هذا الحديث هو: حجاج بن أرطاة، قال يعقوب بن شيبة: «هو واهي الحديث، وهو صدوقٌ، وكان أحد الفقهاء» (١). (٢) [١٥٤٤/ ٢٦] مسألة: (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ: وهو بيع الدَّين بالدَّين)؛ لأن النبي ﷺ : «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (٣). (٤) (ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض بطل العقد (٥)، الصرف: بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف، قاله ابن المنذر (٦)، وأصله قول النبي ﷺ : «الذهب بالورق رِبًا إلا هاءَ

стр. 1417

وهاءَ» (١)، وقوله ﵇: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيَدٍ» (٢)، ونهى ﵇ عن بيع الذهب بالورق دينًا (٣)، ونهى أن يُباع غائبٌ منهما بناجزٍ (٤)، أحاديث صحاح. وسواءٌ طال المجلس أو قَصُرَ فإن القبض فيه يجزئ. (فإن تَفرَّقا قبل التَّقابُض (٥) بَطَلَ العقد) لفوات الشرط، وأما اشتراط القبض في رأس مال السلم فسيأتي في باب السلم (٦). (وإن قَبَضَ البعض ثم افترقا بَطَلَ فيما لم يقبض، وفي المقبوض وجهان)؛ بناءً على تفريق الصَّفقة. (٧) [١٥٤٥/ ٢٧] مسألة: (وإن تقابضا ثم افترقا، فوَجَدَ أحدهما ما قَبَضه رَديئًا فرَدَّه، بطَلَ العقد في إحدى الروايتين)؛ لأنهما تفرَّقَا قبل قبض العوض. (والأخرى: لا يبطل؛ لأن قَبْضَ عِوَضِه في مجلس الرَّدِّ (٨)؛ لأن

стр. 1418

قَبض بَدَلِه يقوم مقامه. (١) (وإن رَدَّ بعضه وقلنا: يبطل في المردود، فهل يبطل في غيره؟ على وجهين)، بناءً على تفريق الصَّفقة (٢). [١٥٤٦/ ٢٨] مسألة: (والدَّراهم والدنانير تتعين بالتَّعيِيِن في العقد في أظهر الروايتين، فلا يجوز إبدالها (٣)، وإن خرجت مغصوبةً بطل العقد. والرواية الأخرى: لا تَتَعيَّن، فتَنعَكِس هذه الأحكام؛ لأنه يجوز إطلاقه في العقد فلا تَتَعيَّن كالمكاييل والصَّنْجِ (٤). ودليل الأولى أنه عوضٌ مشارٌ إليه في العقد، فوجب أن يَتعيَّن كسائر الأعواض، ولأنه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر، وبهذا فارق المكاييل والصَّنْجَ، وأما جواز إطلاقها فلأن لها عُرفًا ينصرف إليه يقوم في [بيانها] (٥) مقام الصِّفَة، والمكاييل المراد بها تقدير المعقود عليه، فكل مكيال قُدِّر به فهو مقدَّرٌ بمثله فلا يختلف ذلك، وههنا تختلف

стр. 1419

بأعيانها فافترقا. (١) وإن وجدها مَعِيبَةً نظرنا: فإن كان العيب نحاسًا أو رصاصًا لم يصح العقد؛ لأنه باعه غير ما سُمي له فلم يصِحَّ، كما لو قال: بعتك هذه البَغلةَ، فإذا هي حمارٌ. وإن وجد بعضه نحاسًا أو رصاصًا بطل في المَعِيب، وفي غيره وجهان؛ بناء على تفريق الصفقة (٢). وإن كان العيب سوادًا في الفضَّةٍ ونحوه فالعقد صحيحٌ، والمشتري بالخيار بين الإمساك والفسخ والرَّدِّ؛ لأنه معيبٌ أشبه سائر المعيبات. وإن أراد البدل لم يكن له ذلك؛ لأن العقد وقع على عينِه، فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يَشترِه. ولو أراد أخذ الأرش والعوضان من جنسٍ، لم يجز، لحصول الزيادة في أحد العوضين، وفوات المماثلة المشترطَة. وإن كان الصرف بغير جنسه جاز أخذ الأرش في المجلس؛ لأنه غير ممنوعٍ في الجنسين كالمبيعات. وإن كان بعد التَّفرق لم يجز؛ لأنه يفضي إلى حصول التَّفرق قبل قبض بعض أحد العوضين، ويتَخرَّج أن يمسك ويطالب بالأرش. [١٥٤٧/ ٢٩] مسألة: (ويَحرُم الربا بين المسلم والحَربيِّ، وبين المسلمين في دار الحرب، كما يَحرُم بين المسلمين في دار الاسلام)؛

стр. 1420

لقوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﵇: «فمن زاد وازداد فقد أربى» (١)، ولأن ما كان محرَّمًا في دار الإسلام كان ربًا في دار الحرب كالرِّبا بين المسلمين. (٢) * * *

стр. 1421

باب بيع الأصول والثِّمار [١٥٤٨/ ١] مسألة: (ومن باع دارًا تناول البَيعُ أرضَها، وبناءها، وما يتَّصلُ بها لمصلحتها، كالسَّلاليم، والرُّفوف المُسمَّرَة، والأبواب المنصوبة، والخَوابي المدفونة، والرَّحى المنصوبة)؛ لأنه متَّصلٌ بها من مصلحتها أشبه حيطانها. (ولا يدخل في البيع ما هو مُودَعٌ فيها من الكَنزِ، والأحجار المدفونة)؛ لأن ذلك مودَعٌ فيها للنَّقلِ فأشبه الفُرُشَ والسُّتور. (ولا ما كان منفصلًا عنها) لا يَختَصُّ بمصلحتها، (كالحَبل، والدَّلوِ، والبَكْرة، والقُفل، والفُرُش)؛ لأنه منفصلٌ عنها لا يختص بمصلحتها أشبه الثياب. (فأما ما كان من مصالحها) وهو منفصل عنها، (كالمِفتاح، والحَجَر الفوقانيِّ من الرَّحى) إذا كان السفلاني منصوبًا (فيحتَمِل وجهين:) أحدهما: يدخل في البيع؛ لأنه لمصلحتها فأشبه المنصوب فيها. والثاني: لا يدخل؛ لأنه منفَصلٌ عنها أشبه الحَجر السُّفلاني إذا لم يكن منصوبًا والقُفلَ والدَّلوَ ونحو ذلك. (١) [١٥٤٩/ ٢] مسألة: (وإن باع أرضًا بحُقوقِها دخل غِراسُها وبِناؤها في

стр. 1422

البيع)؛ لأنهما من حُقوقها، (وإن لم يَقُل: بحُقوقها، فعلى وجهين:) أحدهما: يَدخل في البيع؛ لأنهما من حقوقها، وما كان من حُقوقها يدخل فيها بالإطلاق كطُرُقها ومَنافعها. والثاني: لا يدخل في البيع كما لا تدخل الثَّمرة المؤبَّرة في بيع الشجرة، وإن كانت متصلةً. ومن نصر الأول قال: الثمرة لا تُراد للبقاء فليست من حقوقها، بخلاف البناء والشجر. (١) [١٥٥٠/ ٣] مسألة: (وإذا كان فيها زَرعٌ يُجزُّ مَرَّةً بعد أخرى كالرَّطْبةِ (٢) والبُقول، أو تتكرر ثمرته كالقثاء والباذِنجان، فالأصول للمشتري، والجَزَّة الظاهرة واللَّقْطَةُ الأولى من القثاء والباذنجان للبائع، إلا أن يشترطه المُبتاع)؛ لأنه ظاهرٌ فكان للبائع أشبه الثَّمرة المؤبرة. [١٥٥١/ ٤] مسألة: (وإن كان فيها زرعٌ لا يُحصَد إلا مَرَّةً، كالبُرِّ والشَّعير، فهو للبائع مُبَقًّى إلى الحصاد، إلا أن يشتَرِطَه المُبتاع)؛ لذلك. (ومن باع نَخلًا مُؤبَّرًا، وهو ما قد تشَقَّقَ طَلعُه، فالثَّمرُ للبائع متروكًا

стр. 1423

في رؤوس النَّخل إلى الجَداد، إلا أن يشترطه المبتاع)، قال ابن عبدالبر: «الإبار (١) عند أهل العلم التَّلقيح»، وقيل التأبير: ظهور الثَّمرة من جُفِّ الطَّلعِ (٢). والأول أشهر إلا أن الحكم مُتعلِّقٌ بنفس الظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء (٣). (٤) فمتى ظهرت الثمرة فهي للبائع، وإن لم تظهر فهي للمشتري؛ لقول النبي ﷺ : «من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤبَّر فثَمرتها للذي باعها، إلا أن يشترطها المبتاع» رواه البخاري ومسلم، ولفظه: «قد أُبِّرَت» وأبو داود (٥). [١٥٥٢/ ٥] مسألة: (وكذلك الشَّجر إذا كان فيه ثَمَرٌ بادٍ (٦)، والشَّجَر

стр. 1424

على [ستة] (١) أضربٍ: الأول: ما يكون ثمرته في كِمام (٢) ثم يفتح الكِمام فتظهر كالنَّخل، وقد بينا حكمه، وهو الأصل الذي وردت السُّنة ببيان حكمه وما عداه مقيسٌ عليه، ومن هذا الضَّرب القُطن، وما يقصد نَوْرُه (٣) كالوَرد، والياسمين، والنَّرجِس، والبَنفسج، فإنه يَظهر في كِمامِه ثم ينفتح كِمامُه فيظهر فهو كالطَّلعِ، إن تَفتَّحَ جُنْبُذه (٤) فظهر نَوْرُه فهو للبائع، وإن لم يظهر فهو للمشتري قياسًا على النَّخيل. الضرب الثاني: ما له ثمرةٌ بارِزةٌ، كالجُمَّيز (٥)، والتُّوت، والتِّين، فما كان منه ظاهرًا فهو للبائع؛ لأنها ثمرةٌ ظاهرةٌ فهي كالطَّلع المؤبَّرِ، وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري؛ لأنه حَدَثَ في مِلكه. الثالث: ما له قِشرٌ لا يُزال إلا عند الأكل، كالرُّمان، والموز، فهو للبائع إن كان ظَهَرَ؛ لأن قِشرَه من مصلحته، [فهو] (٦) كأجزاء الثَّمرَة. الرابع: ما له قِشران كاللوز والجوز، فهذا للبائع بنفس الظهور؛ لأن

стр. 1425

قِشرَه لا يُزال في الغالب إلا بعد جَداده فهو كالرُّمان. وقال بعض أصحابنا: «إن تَشقَّقَ قِشره الأعلى فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري»؛ لأنه لا يدخر في قشره الأعلى بخلاف الرُّمان. الخامس: ما تظهر ثَمرتُه في نَوْرِه ثم يتناثر نَوْرُه، كالعِنب، والمِشْمِش، والتُّفاح، فكان كتأبير النَّخل، ويحتمل أنه للبائع بظهور نَوْرِه؛ لأن استتارَ الثمرة بالنَّورِ كاستتار ثمرة النخل بعد التَّأبير بالقِشر الأبيض. السادس: ما يقصد وَرَقُه كالتُّوت، فيحتمل أنه للمشتري بكل حالٍ قياسًا على سائر الورق، ويحتمل أنه إن تَفتَّحَ فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري؛ لأنه ههنا كالثمر. [١٥٥٣/ ٦] مسألة: (فإن ظَهَرَ بعض الثَّمرة فهو للبائع وما لم يَظهَر للمشتري)؛ لأنه لو ظهر الكل كان للبائع، ولو لم يظهر شيءٌ لكان للمشتري. فإذا ظهر البعض دون البعض كان الظاهر للبائع قياسًا على ما لو ظهر الكلُّ، وما لم يظهر للمشتري كما لو لم يظهر شيءٌ. (وقال ابن حامد: «الكل للبائع»)؛ لأن ما لم يظهر يجوز أن يَتبع ما ظهر كأساسات الحيطان التابعة للحيطان. (١) [١٥٥٤/ ٧] مسألة: (وإذا احتاج الزَّرعُ أو الثَّمرة إلى سَقيٍ لم يلزم المشتريَ)؛ لأنه لم يملكه من جهته، فلم يلزمه أن يسقيَه كالأجنبي. (ولم يملك مَنْع البائع منه)؛ لأنه استحق عليه إبقاءَه على شجره، وسَقيُه من ضرورة إبقائه، فاستَحقَّه كترك قطعه.

стр. 1426

(ولا يجوز بيع الثَّمرة قبل بُدوِّ صلاحها، ولا الزَّرعِ قبل اشتداد حَبِّه، إلا بشرط القطع (١)؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثِّمار حتى يَبدُوَ صلاحها» متفق عليه (٢)، وفي لفظٍ: «نهى عن بيع الثِّمار حتى تَزْهُوَ، وعن بيع السُّنبل حتى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهةَ» رواه مسلم (٣)، ولأن في بيعه غررًا من غير حاجةٍ فلم يجز كما لوشرط التَّبقِيَة. وإن باعها بشرط القطع جاز بالإجماع (٤)، ولأن [المنع] (٥) إنما كان خوفًا من تَلَفِ الثَّمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ : «نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِيَ، قال: أرأيتَ إذا منع الله الثَّمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه!» رواه البخاري ومسلم، ولفظهما: «بم يستحل» (٦)، وهذا مأمونٌ فيما يُشترط قطعه فصَحَّ بيعه كما لو بدا صلاحه. [١٥٥٥/ ٨] مسألة: (ولا يجوز بيع الرَّطْبَة والبُقول مما يَثبُت أصله في الأرض، ويؤخذ ما يظهر منه بالقطع دُفعةً بعد أخرى (٧)، إلا أن يبيع الظّاهر بشرط القطع في الحال؛ لأن ما في الأرض مُغيَّبٌ، وما يحدث منه معدومٌ، فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثَّمرة. (٨)

стр. 1427

[١٥٥٦/ ٩] مسألة: (ولا يجوز بيع القِثّاءِ ونحوه إلا لَقْطةً لَقْطةً (١)، ويكون للمشتري جميع اللَّقْطَة وما حدث للبائع. قال القاضي: «ويجوز بيع أصولها صغارًا كانت أو كبارًا، مثمرةً وغير مثمرةٍ» (٢)؛ لأنه أصل تتَكرَّرُ منه الثمر فأشبه الشجرة، ويكون حكمه حكم الشَّجرِ في أن ما كان من ثمرته ظاهرًا عند البيع للبائع، وما لم يظهر فهو للمشتري. [١٥٥٧/ ١٠] مسألة: (والحَصاد واللِّقاط (٣) على المشتري)؛ لأنه من مؤنة نَقلِها وتفريغُ مِلك البائع منها، فأشبه ما لو اشترى طعامًا في دارٍ كان أجرة نقله على المشتري. ويفارق أجرة الكَيّال والوَزّان فإنهما على البائع؛ لأنهما من مؤنة تسليم المبيع إلى المشتري، وههنا حصل التسليم بدون القطع، بدليل جواز بيعها والتصرف فيها بدون قطعها. [١٥٥٨/ ١١] مسألة: (فإن باعه مطلقًا أو بشرط التَّبقيةِ لم يصِحَّ)، أما إذا باعها مطلقًا فلا يصِحُّ؛ لأن النبي ﷺ أطلق النَّهي عن بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها (٤)، فيدخل ذلك فيه. (٥)

стр. 1428

وأما إذا باعها بشرط التَّبقية فلا يصِحُّ البيع إجماعًا (١)؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع الثِّمار حتى يَبدُوَ صلاحها، نهى البائع والمبتاع» متفق عليه (٢)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. [١٥٥٩/ ١٢] مسألة: (وإن باعها بشرط القطع فتَركها حتى بَدا صلاحُها، أو جَزَّةً من الرَّطْبَة فطالت، أو حَدثت ثمرةٌ أخرى لم [تتميَّز] (٣)، أو اشترى عَرِيَّةً ليَأكلها رُطَبًا فأتمرت، ففيه روايتان: إحداهما: يبطل البيع (٤)؛ لأن التَّبقيةَ معنىً حَرُمَ اشتراطه لحقِّ الله سبحانه فأبطَلَ حقيقته كالنسيئة في الرِّبويات. (والثانية: لا يَبطل (٥)؛ لأنها زيادةٌ في غير المبيع فلم يبطل بها البيع، كسِمَنِ العبد، قال القاضي: «والزيادة للمشتري لذلك» (٦). وعنه: يشتركان في الزيادة بحصولها في مِلك المشتري بسبب الأصل

стр. 1429

الذي للبائع (١). (وعنه: يتصدقان بها (٢)، قال القاضي: «هذا على [سبيل] (٣) الاستحباب»؛ لاشتباه الأمر فيها، فينظر كم قيمتها قبل بدو صلاحها وبعده، فيشتركان فيها أو يتصدقان بها، وإن جُهلت القيمة وُقف الأمر حتى يصطلحا. (٤) [١٥٦٠/ ١٣] مسألة: (وإذا بدا الصَّلاح في الثَّمرة واشتَدَّ الحبُّ، جاز بيعه مطلقًا، وبشرط التَّبقِيَة إلى حال الجداد (٥)، وبشرط القطع. وقال أبو حنيفة: «لا يجوز بشرط التَّبقِية» (٦)؛ لأنه شرَطَ الانتفاع بملك البائع بوجهٍ لايقتضيه العقد فلم يجز، كما لو اشترط تبقيةَ الطعام

стр. 1430

في [كُدْسِه] (١). ولنا: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدُوَ صلاحها، فمفهومه أنه أجاز بيعها بعد بُدوِّ صَلاحها، وثَبَتَ أنه إنما نَهى عن بيعٍ يتَضمَّنُ التَّبقية؛ لأنه يَجوز بشرط القطع، وعنده مطلقًا (٢)، ثبت أن الذي أجازه هو الذي نهى عنه، ولأن النَّقلَ والتَّحويل يجب في المبيع بحكم العرف، فإذا شَرَطَه جاز كما لو شرط نَقلَ الطعام من مِلك البائع حسب الإمكان، وفي هذا انفصالٌ عما قاله. (٣) [١٥٦١/ ١٤] مسألة: (ويلزم البائع سَقيُه إن احتاج إلى ذلك (٤)؛ لأنه يجب عليه تسليم الثَّمرة كاملةً في أوان حَصادها، ولا يحصُل ذلك إلا بالسَّقي فلزمه.

стр. 1431

فإن قيل: فلم قلتم: إذا باع الأصل وعليه ثمرةٌ للبائع لا يلزم المشتريَ سقيُها؟ قلنا: لأن المشتري صاحب الأصل، ولا يجب عليه تسليم [الثمرة؛ لأنه لم يملكها من جهته] (١)، إنما بَقي مِلكه عليها، بخلاف مسألتنا. فإن امتنع البائع من السَّقي لضررٍ يلحق بالأصل أُجبِر عليه؛ لأنه دخل على ذلك. [١٥٦٢/ ١٥] مسألة: (وإن تَلِفَت بجائحةٍ (٢) من السَّماء رجع على البائع)؛ لما روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح (٣)، وعنه (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يَحِلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق!» رواه مسلم (٥)، وللإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه ولفظهما: «من باع ثمرًا فأصابته جائحةٌ فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، على ما يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم!» (٦)، وهذا صريحٌ في الحكم فلا يُعدَل عنه. والجائحة: كل آفةٍ لا صنع للآدمي فيها، كالرِّيح، والبَرد، والجراد،

стр. 1432

والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، والريح» (١)، وهذا تفسيرٌ من الرّاوي لكلام النبي ﷺ فيجب الرجوع إليه. وأما إن أتلفه آدمِيٌّ فقال القاضي: «المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة» (٢)؛ لأنه أمكن الرُّجوع ببدله. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن رِبح ما لم يُضمن (٣)، وهذا يفضي إليه؛ لأن الثمرة قبل بدُوِّ صلاحها غير مضمونةٍ، وإذا ضَمِنها بالقيمة فربما زادت القيمة عن ثمنها؟ قلنا: المراد بالخبر النهي عن ربح ما لم يضمن بالبيع، بدليل أنه لو زادت قيمة المكيل ثم قبضه بعد ذلك جاز إجماعًا. وظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتَلَفِ مثله كالشيء اليَسير الذي لاينضبط فلا يلتفت إليه، قال أحمد: «إني لا أقول في عَشْرِ تَمَراتٍ وعِشرين تَمرةً، ولكن إذا كانت جائحةً تستغرق الثُّلُث أو الرُّبُع أو الخُمُسَ يوضع» (٤).

стр. 1433

(وعنه: إن أتلفت الثُّلُثَ فصاعدًا ضمنه البائع، وإلا فلا (١)؛ لأنه لا بد من ضابطٍ وحَدٍّ فاصلٍ بين [ذلك وبين الجائحة] (٢). والثُّلث قَدرٌ رأينا الشارع اعتبره في مواضع منها: الوصية، وعطايا المريض، [وتَساوي] (٣) جراحُ المرأة جراحَ الرَّجل إلى الثُّلث قال الأثرم: «قال أحمد: إنهم يستعملون الثُّلث في سبعَ عشرة مسألة» (٤)، ولأن الثُّلث في حَدِّ الكثرة، وما دونه في حَدِّ القِلَّة؛ ودليله قوله ﵇ في الوصية: «الثُّلُث، والثُّلُث كثيرٌ» (٥)، فيدل على أنه آخر حَدِّ الكَثرةِ، فلهذا قُدِّرَ به. ووجه الأولى: عموم الأحاديث، فإن النبي ﷺ أمر بوضعِ الجوائح، ولم يُفرِّق بين قليلٍ وكثيرٍ، ولأن هذه الثَّمرة لم يتم قَبضها، فكان ما مضى منها من ضمان البائع كالكثير. (٦) وأما ما أكله الطير أو سَقَط: لا يؤثر في العادة، ولا يبلغ أن يُسمّى جائحةً. وإن تَلِفَ الجميع رَجَعَ بجميع الثَّمن، وبطل العقد. وإن تَلِفَ البعض وكان الثُّلُثَ، فما زاد رجع بقِسطِه من الثمن، وإن

стр. 1434

كان دونه لم يرجع بشيءٍ. وإن اختلفا في الجائحة أو قَدْرِ ما أُتلف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السَّلامة، ولأنه غارمٌ، والقول في الأصول قول الغارم. [١٥٦٣/ ١٦] مسألة: (وصلاح بعضِ الشَّجرةِ صلاحٌ لجميعها)، لا يختلف المذهب في ذلك (١)، لئلا يفضي إلى سوءِ المشاركة؛ لأنّا لو قلنا: إنه ليس بصلاحٍ لجميعها لكان يصِحُّ بَيعُ ما بَدا صلاحه دون ما لم يَبْدُ، فيبقى على مِلك البائع فيشتركان، والشَّركة في مثل هذا ضَرَرٌ. (وهل يكون صلاحًا لسائر النَّوع الذي في البُستان على روايتين:) إحداهما: يكون صلاحًا، فيجوز بَيع ذلك النَّوع كما قلنا في الشجرة الواحدة. والثانية: لا يجوز بَيع إلا ما بدا صَلاحه؛ للخبر (٢). (٣) [١٥٦٤/ ١٧] مسألة: (وبُدوُّ الصَّلاح في ثمرةِ النَّخل أن يَحمَرَّ أو يَصفَرَّ، وفي العِنب أن يسْوَدَّ أو يتَمَوَّه، وفي سائر الثِّمار أن يَبدُوَ فيه النُّضجُ ويَطيبَ أكله)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب، متفق عليه (٤)، و «نهى عن بَيع الثَّمره حتى تُزْهِيَ، قيل: وما تُزْهِي؟ قال: تَحمارُّ أو تَصفارُّ» (٥)، و «نهى عن بيع الحَبِّ حتى يَشتَدَّ،

стр. 1435

وعن بيع العنب حتى يسوَدَّ» رواه الترمذي (١). (ومن باع عبدًا له مالٌ فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)، وذلك أن العبد إذا لم يُمَلِّكْه سَيده لا يَملك روايةً واحدةً (٢). فإن مَلَّكَه سَيِّدُه ففيه روايتان: إحداهما: لا يَملِك، وهي اختيار أبي بكر (٣)؛ لأنه مملوكٌ فلم يَملِك كالبهيمة. والرواية الأخرى: يملِكُ؛ لأنه آدميٌّ حَيٌّ فمَلك كالحُرِّ، أو يملك النِّكاح فمَلَكَ المال كالحُرِّ، ويدل عليه قوله ﵇: «من باع عبدًا وله مالٌ» (٤) أضاف المال إليه بِلام المِلك، وأما البَهيمَةُ فليست أهلًا للمِلكِ، ولذلك لو أقَرَّ لعَبده صَحَّ إقرارُه، ولو أقَرَّ لِبَهيمةٍ لم يصِحَّ. (٥) وعلى كِلتا الروايتين إذا باع عبدًا وله مالٌ مَلَّكَه إياه مَولاه، أو خَصَّه

стр. 1436

به، فهو للبائع؛ لقول النبي ﷺ : «من باع عبدًا وله مالٌ فماله للبائع إلا أن يشتَرطَه المبتاع» أخرجه مسلم وأبو داود (١)، وإن اشترطه المُبتاع كان له؛ للخبر. هذا إذا كان قصده للعبد لا للمال وهو منصوص أحمد (٢)، قال القاضي: «معناه أنه لا يقصده لنَفسِه لكن يقصد بقاءه لعبده وإقراره في يَدِه، وأن لا يرجع الواهب في هبته» (٣). (ومتى كان المال مقصودًا بالشِّراء اعتبر فيه ما يعتبر في إحدي العينين المبيعتين من العلم به (٤)، وأن لا يكون بينه وبين الثَّمر ربًا؛ لأنه مبيعٌ مقصودٌ أشبَه ما لو ضَمَّ إلى العبد عينًا أخرى وباعهما. وإن كان المال غير مقصود جاز أن يكون مجهولًا، وأن يكون من جنس الثَّمَن مما يجري فيه الرِّبا ومن غيره، عَينًا كان أو دَينًا، وسواء كان الثَّمن أقلَّ من المال أو أكثر منه؛ لأنه دَخَلَ في البيع على وجه التَّبعِ أشبه أساساتِ الحيطان، والتَّمويهَ بالذهب في السُّقوفِ. (٥) [١٥٦٥/ ١٨] مسألة: (وإن كان عليه ثِيابٌ فقال أحمد: «ما كان

стр. 1437

للجَمالِ فهو للبائع) إلا أن يشترطه المبتاع، (وإن كانت مما يَلبسها عند البائع فهو للمشتري)) (١)، يعني أن الثياب التى يَلبسها عادةً للخدمة والبِذْلَة (٢) تدخل في البيع دون الثِّياب المعدة للتَّجمُّل. والعلَّةُ في ذلك أن ثياب البِذْلَة تتعلق بها مصلحة العبد وحاجته، إذ لا غِنى له عنها، وجرت العادة بالمسامحةِ فيها، فجَرَتْ مجرى مفاتيح الدّار، بخلاف ثياب الجَمال فإنها زِيادةٌ على العادةِ، ولم تَجرِ العادة بالمسامحة فيها، فجَرَت مَجرى السُّتورِ في الدّار، فهي داخلة في عموم الخَبر السابق (٣). * * *

стр. 1438

باب السَّلَم (١) (وهو نوعٌ من البيع يصِحُّ بألفاظه، وبلفظ السَّلم والسَّلف (٢)، وهو أن يُسلِف عينًا حاضرةً في عوضٍ موصوفٍ في الذِّمة إلى أجلٍ. ويعتبر فيه شروط البيع، ويزيد بشروطٍ سبعةٍ (٣): (أحدها: أن يكون فيما يمكن ضَبطُ صفاته) التي يختلف الثَّمن باختلافها ظاهرًا (كالمكيل، والموزون، والمذروع)؛ لأنه بيعٌ بالصِّفة فيشترط إمكان ضبطها؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قدم المدينة وهم يُسلفون في الثِّمار السَّنتين والثلاث، فقال: «من أسلف فليُسلِف في كَيلٍ مَعلومٍ، ووَزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ» متفق عليه (٤)، وقال عبد الله بن

стр. 1439

أبي أوفَى ﵁: «كُنا نُصيب الغنائم مع رسول الله ﷺ ، وكان يأتينا أنباطٌ (١) من أنباط الشام، فنُسلِفُهم في الحنطة والشَّعير والزَّبيب، فقيل: أكان لهم زَرعٌ أم لم يكن؟ قال: ما كنا نَسألهم عن ذلك» رواه البخاري (٢)، فثبت جواز السَّلَم في ذلك بالخبر، وقِسنا عليه ما يضبط بالصَّفة؛ لأنه في معناه. (٣) [١٥٦٦/ ١] مسألة: (فأما المعدود المختلِف كالحيوان، والفواكه، والبقول، والجلود، والرُّؤوس ونَحوها، ففيه روايتان)، أما الحيوان فقد اختلفت الرواية عنه في السَّلم فيه، فروي لا يصِحُّ (٤)؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «إن من الربا أبوابًا لا تخفى، وإن منها السَّلم في السِّنِّ» (٥)، رواه الجوزجاني (٦)، ولأن الحيوان يختلف اختلافًا متَباينًا فلا يمكن ضبطه، وإن استقصَى صفاتِه التي يختلف فيها الثمن تَعَذَّرَ

стр. 1440

تسليمه، مثل أزَجِّ الحاجبين (١)، أكحَل العَينينِ، أقنى الأنف (٢)، أشَمِّ العِرنِينِ (٣)، أهدب الأشفار (٤) ونحو ذلك، فأشبه السَّلم في الحوامل من الحيوان. وعنه: صحة السَّلم فيه (٥)، وهو ظاهر المذهب؛ لأن أبا رافعٍ ﵁ قال: «استَسْلَف النبي ﷺ من رجلٍ بَكرًا» رواه مسلم (٦)، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أبتاع البعير بالبَعيرين وبالأبعرة إلى مجيء المصَدِّق» (٧)، ولأنه يثبتُ في الذِّمةِ صداقًا فيثبت في السَّلم كالثياب.
следующие страницы →