كالضَّمان. (١)
[١٦٢٣/ ٢] مسألة: (ويصِحُّ رَهنُ كلِّ عينٍ يجوز بيعها، إلا المكاتَبَ إذا قلنا: استدامة القبض شرطٌ، لم يجز رهنه)، وذلك لأن المقصود من الرَّهن الاستيثاق بالدَّين باستيفائه من ثمنه عند تعَذُّر استيفائه من الرّاهن، وهذا يحصل مما يجوز بيعه.
فأما المكاتب فلا يصِحُّ رهنُهُ لتَعذُّر استدامة قبضه، ويتَخرَّج أن يصِحَّ إن قلنا: استدامة القبض غير مشتَرَطةٍ، وأنه يصِحُّ بيعه، ويكون ما يؤدّيه من نُجوم كِتابَته (٢) رهنًا معه، وإن أُعتِقَ بقي ما أدّاه رهنًا كالقِنِّ إذا مات بعد الكَسبِ. (٣)
[١٦٢٤/ ٣] مسألة: (ويجوز رَهن ما يُسرِع إليه الفساد بدينٍ مؤجلٍ (٤)؛ لأنه مما يجوز بيعه وإيفاء الدَّين من ثمنه فأشبه الثَّياب، وإن كان الدَّين يَحِلُّ قبل فساده بِيعَ وقُضي من ثمنه، وإن كان يَفسُد قبل الحلول وكان مما يمكن إصلاحه بالتَّجفيف كالعنب جُفِّفَ.
стр. 1472
ومؤنه تَجفيفه على الرّاهن؛ لأنه من مؤنه حفظه، أشبه نفقة الحيوان.
وإن كان ممّا لا يُجفَّفُ فشَرطا بيعه وجَعْلَ ثَمنِه رَهْنًا، فَعَلا ذلك.
وإن لم يَشرُطاه ففيه وجهان: أحدهما: يصِحُّ الرَّهن، ويباع كما لو شرطاه؛ لأن الحال يقتضي ذلك؛ لكون المالك لا يعرض مِلكَه للتَّلف، فيُحمل مطلق العقد عليه كما يُحمل على تجفيف العنب.
والثاني: لا يصِحُّ؛ لأن البيع إزالة مِلكه قبل حلول الحقِّ فلم يجبر عليه كغيره. (١)
وإن شرط ألّا يباع فَسَدَ وجهًا واحدًا؛ لأنه إن وفَّى بشرطه لم يكن إيفاء الدَّين من ثمنه.
[١٦٢٥/ ٤] مسألة: (ويجوز رهن المُشاع)؛ لأنه يجوز بيعه فجاز رهنه كالمُفرَزِ، (ثم إن رضي الشَّريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز)؛ لأن الحقَّ لهما لا يخرج عنهما.
(وإن اختلفا جعله الحاكم في يد أمينٍ، أمانة (٢) أو بأجرةٍ)؛ لأن المالك لا يلزمه تسليم ما لم يرهنه، والمرتَهِن لا يلزمه ترك الرَّهن عند المالك، فقام الحاكم مقامهما في استنابة من يقوم مقامهما في حفظه لهما.
[١٦٢٦/ ٥] مسألة: (ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه)؛ لأنه يجوز بيعه قبل قبضه فيصِحُّ رهنه قبل قبضه، قال القاضي: «ويصِحُّ رهنُ المكيل والموزون قبل قبضه» (٣)؛ لأن قبضه مستَحَقٌّ
стр. 1473
للمشتري، فيُمكِنُه قبضه ثم يقبضه، وإنما امتنَع من بيعه لئلا يربح فيما لم يضمنه، وهو منهيٌّ عنه.
(فأما رهن غير المكيل والموزون على ثمنه ففيه وجهان:) أحدهما: لا يصِحُّ، وذلك لوجوهٍ: منها: أن البيع يقتضي إيفاء الثَّمن من غير المبيع، والرَّهن يقتضي إيفاء الثَّمن منه، والثاني: أن البيع يقتضي تسليم المبيع أولًا، والرَّهن يقتضي تسليم الثَّمن أولًا، والثالث: أن البيع يقتضي إمساك المبيع مضمونًا، والرَّهن يقتضي ألّا يكون مضمونًا، وهذا يوجب تناقض أحكامهما.
هذا إذا شَرَطَ رهنه قبل قبضه، فإن شَرَطَ أنه يَقبِضُه ثم يسَلِّمه رهنًا فإنه يتَحقَّقُ فيه بعض هذه المعاني، وقد روي عن أحمد قال: «إذا حَبَسَ المبيع ببقيَّةِ الثَّمن فهو غاصبٌ، ولا يكون رهنًا إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع» (١)، قال القاضي: «معناه: شرط عليه رهنًا غير المبيع، فيكون له جِنسُه حتى يقبض الرَّهن، فإن وفَّى له به، وإلا فُسخ البيع» (٢).
والوجه الثاني: يصِحُّ كما يصِحُّ رهنه لغير البائع. (٣)
[١٦٢٧/ ٦] مسألة: (وما لا يجوز بيعه لا يجوز رَهنُه)، كالوقف، وأم الولد، والكلب؛ لأنه لا يمكن إيفاء الدَّين منه، وهو المقصود.
[١٦٢٨/ ٧] مسألة: (إلّا الثَّمرة قبل بُدوِّ صلاحها) فإنه يصِحُّ رهنُها، (من غير شرط القطع في أحد الوجهين)؛ لأن الغَرَرَ يقِلُّ فيه لاختصاصه
стр. 1474
بالوثيقة مع بقاء الدَّين بحاله في ذمَّةِ الرّاهن على تقدير تَلَفِ الثَّمرة، بخلاف البيع.
وفي الآخر: لا يصِحُّ؛ لأنه لا يصِحُّ بيعها من غير شرطِ القطع فلا يصِحُّ رهنها. (١)
[١٦٢٩/ ٨] مسألة: (ولا يجوز رَهن العبد المسلم لكافرٍ)؛ لأنه عقدٌ يقتضي قبض المعقود عليه، والتَّسَلُّطَ على بيعه، فلم يجز لكافرٍ على مسلمٍ كالبيع.
(واختار أبو الخطاب صحة رهنه إذا شرطا كونه على يد مسلم (٢)، ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه. (٣)
[١٦٣٠/ ٩] مسألة: (ولا يلزم الرَّهنُ إلا بالقبض)؛ لقوله سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولأنه عقدُ إرفاقٍ فافتقر إلى القبض كالقرض، وعنه في غير المكيل والموزون: أنه يلزم بمجرَّدِ العقد (٤)، قياسًا على البيع.
والأول المذهب؛ لأن البيع معاوضةٌ، وهذا إرفاقٌ، فهو أشبه بالقرض. (٥)
стр. 1475
[١٦٣١/ ١٠] مسألة: (واستدامته شرطٌ في اللزوم) كحالة الابتداء؛ للآية، ولأنها إحدى حالتي الرَّهن فأشبهت الابتداء.
[١٦٣٢/ ١١] مسألة: (فإن أخرجه المرتَهِن باختياره إلى الرّاهن زال لزومه)، وبقي كالذي لم يقبض، مثل إن أَجَرَه إياه أو أودعه أو أعاره أو غير ذلك؛ لأن اللُّزوم حصل بالقبض فزال بزواله.
(فإن رَدَّه) الرّاهن (إليه عاد اللُّزوم) بحكم العقد السابق؛ لأنه أقبضه باختياره، فلزم به كالأول.
[١٦٣٣/ ١٢] مسألة: (ولو رهنه عصيرًا صَحَّ رهنه)؛ لجواز بيعه، وتَعرُّضُه للخروج عن المالية لا يمنع صحة رهنه كالمريض.
(فإن تخَمَّر زال اللُّزوم)؛ لزوال المِلك عنه، وبطل الرَّهن فيه لذلك.
(فإن عاد خَلًّا عاد مِلكًا لصاحبه مرهونًا بالعقد السابق)؛ لأنه يعود مملوكًا بحكم المِلك الأول فيعود حكم الرَّهن؛ لأنه زال بزوال المِلك فعاد بعوده.
فإن قيل: فإذا بطل العقد فكيف يعود صحيحًا من غير ابتداء عقدٍ؟ قلنا: إذا وقع العقد فاسدًا لم يصِحَّ حتى يُبتدَأَ صحيحًا، أما إذا وقع صحيحًا وحدث بالمعقود معنىً أخرجه من حكم العقد، فإذا زال المعنى عاد حكم العقد، كما أن زوجة الكافر إذا أسلمت حَرُمَ وطؤها وخرجت من حكم العقد، فإذا أسلم الزوج في العِدَّة عاد حكم العقد، وكذا إذا ارتَدَّ أحد الزوجين.
[١٦٣٤/ ١٣] مسألة: (وعنه: أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرطٍ (١)؛ لأنه ليس بشرط في البيع فلم يشترط في الرَّهن.
стр. 1476
(فمتى امتنع الرّاهن من تقبيضه أُجبِر عليه)؛ لأنه إذا لم يكن شَرَط فيه ورَدَّه المرتَهِن على الرّاهن بعارِيَّةٍ أو غيرها ثم طلبه المرتَهن أجبر الرَّاهن على رَدِّه؛ لأن الرَّهن صحيحٌ والقبض واجبٌ له، فيُجبَر عليه كما يُجبر على بيعه، وإذا قلنا: القبض واستدامته شَرطٌ، فمتى رَدَّه عليه بطل العقد، فلا يجبر عليه؛ لبطلان الرهن.
[١٦٣٥/ ١٤] مسألة: (وتَصرُّف الرّاهن في الرَّهن) مثل إن استخدمه، أو أَجَرَه، أو عَاره (١) بغير رضا المرتهن (لم يصِحَّ)، ولا يملك المرتَهِن ذلك بغير رضا الرّاهن.
فإن لم يتفقا على التَّصرف كانت منافِعُه معطلةً يَهْلِك تحت يَدِ المرتَهِن حتى يُفكَّ؛ لأن الرَّهن عينٌ محبوسةٌ على استيفاء حقٍّ فأشبهت المبيع المحبوس على ثمنه.
وإن اتفقا على إجارته أو إعارته جاز في قول الخرقي (٢) وأبي الخطاب (٣)؛ لأن يد المستأجر والمستعير نائبةٌ عن يَدِ المرتهن في الحفظ، فجاز كما لو جعلاه في يد عدلٍ، ولا فائدة في تعطيل المنافع؛ لأنه تضييع مالٍ وقد نهى عنه ﵇ (٤).
وقال أبو بكر: «لا تجوز إجارته، فإن فعلا بطل الرَّهن؛ لأن الرَّهن يقتضي الحبس عند المرتهن أو نائبه، فمتى وُجِدَ ما يقتضي زوال الحبس بطل الرهن» (٥).
وقال ابن أبي موسى: «إن أَجَرَه المرتهن أو أعاره بإذن الرّاهن جاز،
стр. 1477
وإن فعل ذلك الرّاهن بإذن المرتهن فكذلك في أحد الوجهين؛ لما سبق، وفي الآخر: لا يجوز» (١)؛ لما ذكره أبو بكر. (٢)
[١٦٣٦/ ١٥] مسألة: (ولا يجوز للرّاهن عتق الرَّهن)؛ لأن فيه إضرارًا بالمرتهن، وإسقاطَ حقِّه اللّازم له.
(فإن فعل نَفَذَ عتقه (٣) نص عليه (٤)؛ لأنه محبوسٌ لاستيفاء حقٍّ، فنفذ فيه عتق المالك كالمحبوس على ثمنه.
(وتؤخذ منه قيمته) رهنًا مكانه؛ لأنه أبطل حَقَّ الوثيقة بغير إذن المرتَهِن فلزمه قيمته كما لو قتله.
(ويحتمل أنه لا ينفُذُ عتق المُعسر (٥)؛ لأنه عِتْقٌ في مِلكه يبطل به حقُّ غيره، فاختلف فيه الموسر والمعسر، كالعتق في العبد المشترك.
وعلى الرواية الأولى إذا أَعْتَقَ المعسر فالقيمة في ذمته، إن أيسَرَ قبل حلول الحقِّ أُخِذَت منه رهنًا، وإن أيسر بعد حلول الحقِّ طولب به خاصةً؛ لأن ذمته تبرأ من الحقَّينِ معًا. (٦)
وتعتبر القيمة حين الإعتاق؛ لأنه حال الإتلاف.
[١٦٣٧/ ١٦] مسألة: (وقال القاضي: له تزويج الأمة (٧)؛ لما فيه من
стр. 1478
المصلحة، فإن مصالح النِّكاح متعدِّدَةٌ، من التَّحصين، وإيجاد الولد الموحِّدِ لله سبحانه، فجاز له تزويجها كغير المرهونة.
(ويمنع الزَّوج من وطئها) لحقِّ المرتهن، حتى لا تخرج عن يده فيفوت القبض.
(ومهرها رَهنٌ معها)؛ لأنه من نمائها وكسبها وحاصلٌ بسببها، فكان رهنًا معها كأجرتها وكسائر نماء الرَّهن.
(والأول أصَحُّ)؛ لأنه ينقص ثمنها فلم يصِحَّ كتزويج العبد. (١)
[١٦٣٨/ ١٧] مسألة: (وإن وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرَّهن، وأخذت منه قيمتها فجعلت رهنًا)، وذلك أن الرّاهن ليس له وطء جاريته المرهونة؛ لما سبق، وإن كانت لا تَحبَل؛ لأن من حَرُمَ وطؤها يستوي فيه من تَحبل ومن لا تَحبل كالمشتراة.
فإن وطئ فلا حَدَّ عليه؛ لأنها مِلكه، فإن نقصها لكونها بكرًا أو أفْضاها فعليه ما نقصها، إن شاء جعله رهنًا، وإن شاء جعله قضاءً من الحقِّ.
وإذا لم تحمل منه فهي رهنٌ بحالها كما لو استخدمها.
وإن ولدت فولده حُرٌّ وتصير أم ولدٍ له؛ لأنه أحبلها بحُرٍّ في مِلكه، وتخرج من الرَّهن موسرًا كان أو معسرًا؛ لأن الإحبال أقوى من العتق، ولذلك ينفذ إحبال المجنون دون عتقه.
وعليه قيمتها يوم إحبالها؛ لأنه وقت إتلافها يُجعل رهنًا، وإن تَلِفَت بسبب الحمل فعليه قيمتها؛ لأنها تَلِفَت بسببٍ منه.
[١٦٣٩/ ١٨] مسألة: (وإن أذن المرتَهِن له في بيع الرَّهن أو هبته
стр. 1479
ونحو ذلك ففعل صَحَّ)؛ لأن المنع كان لحَقِّه فجاز بإذنه.
(ويَبْطل الرَّهن (١)؛ لأن هذا تصرُّفٌ ينافي الرَّهن، فلا يجتمع مع ما ينافيه، إلا البيع فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يبيعه بعد حلول الحقِّ، فيتعلق حقُّ المرتَهِن بالثَّمن، ويجب قضاء الدَّين منه؛ لأن مقتضى الرَّهن بيعه واستيفاء الحقِّ من ثمنه.
الثاني: أن يبيعه قبل حلول الحقِّ بإذنٍ مطلقٍ، فيَبطل الرَّهن، ويسقط حقُّ المرتَهِن من الوثيقة؛ لأنه تصرَّفَ في عين الرَّهن تصرفًا لا يستحِقُّه المرتَهِن فأبطله كالعتق.
الثالث: أن يشترط جعل الثَّمن رهنًا، أو [تَعجيل] (٢) دينه من ثمنه، فيصِحُّ البيع والشَّرط؛ لأنه لو شَرَطَ ذلك بعد حلول الحقِّ جاز، فكذلك قبله.
[١٦٤٠/ ١٩] مسألة: (ونماء الرَّهن وكسبُهُ وأرش الجناية عليه من الرَّهن)، أما النَّماء فجميعه من الرَّهن، المنفصلُ والمتصلُ، ويباع معه؛ لأنه عقدٌ واردٌ في (٣) الأصل فثبت حكمه في نمائه كالبيع، أو نماء حادثٍ من عين الرَّهن أشبه المتَّصل.
وكسبه وأَرشُ الجناية من الرهن قياسًا على النَّماء، وللخبر الذي يأتي في المسألة بعدها.
стр. 1480
[١٦٤١/ ٢٠] مسألة: (ومؤنته على الرَّاهن) كلها، من نفقةٍ، وكِسوةٍ، وعَلفٍ، وحِرْزٍ، وحافظٍ، وسَقيٍ، وتسويةٍ، وجدادٍ، وتَجفيفٍ؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الرَّهن من راهنه له غُنمه، وعليه غرمه» (١)، وهذا من غرمه، ولأنه مِلكه فكانت نفقته عليه كالذي في يده.
فإن احتاج إلى دواءٍ أو فتح عِرقٍ، لم يلزمه؛ لأن الشِّفاء بيد الله سبحانه، وقد يحيا بدونه، بخلاف النفقة، وإن احتاج إلى راعٍ لزمه؛ لأنه لا قِوام له بدونه.
[١٦٤٢/ ٢١] مسألة: (ويليه كفنه إن مات (٢) وما يحتاج إليه لتجهيزه ودفنه؛ لأن من لزمته مؤنة شخصٍ في حياته لا في مقابلة نفعٍ لزمته في مماته كغير المرهون والأقارب.
ولا يلزم الزَّوجة؛ لأن نفقتها في مقابلة الاستمتاع، وبعد الموت يَحرُم الاستمتاع فلا يبقى لها نفقة، ولأنه مملوكٌ فيلزمه كفنه كغير
стр. 1481
المرهون.
[١٦٤٣/ ٢٢] مسألة: (وهو أمانةٌ في يَدِ المرتَهن، إن تَلِفَ بغير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه)؛ لأنه أمينٌ فأشبه المودَع.
[١٦٤٤/ ٢٣] مسألة: (ولا يسقط بهلاكه شيءٌ من دَينِه)؛ لأن الأصل بقاؤه في ذمة الرّاهن، ولم يوجد ما يقتضي الإسقاط، فيبقى بحاله.
[١٦٤٥/ ٢٤] مسألة: (وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّين)؛ لأنه قد كان جميعه رهنًا بجميع الدَّين، فإذا تَلِفَ البعض بقي البَعض الآخر رهنًا بجميع الدَّين؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولأن الباقي بعض الجملة، وقد كانت الجملة رهنًا فيكون البعض رهنًا؛ لأنه من الجملة.
[١٦٤٦/ ٢٥] مسألة: (ولا ينفك شيءٌ من الرَّهن حتى يقضيَ جميع الدين)؛ لأنه يتعلق حَقُّ الوثيقة بجميع الدين، فيصير محبوسًا بجميعه وبكل جزءٍ منه، فلا ينفَكُّ شيءٌ منه حتى يقضي جميعه، سواءٌ كان مما يمكن قسمته أو لا يمكن.
قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من رَهَنَ شيئًا أو أشياءَ بمالٍ، فأدى بعض المال وأراد إخراج بعض الرَّهن، أن ذلك ليس له، ولا يُخرج شيئًا حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه من ذلك» (١)، ولأن الرَّهن وثيقةٌ بحقٍّ فلا يزول إلا بإزالة جميعه كالضمان والشهادة.
[١٦٤٧/ ٢٦] مسألة: (وإن رَهَنه عند رجلين فوفّى أحدهما انفكَّ في نصيبه)؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، فكأنَّه رَهَن كلَّ واحدٍ منهما النِّصف منفردًا.
стр. 1482
فإن أراد مقاسمة المرتَهِن للنِّصف نَظرت: فإن كان الرَّهن مما لا ينقص بالقسمة كالمكيل والموزون لزم ذلك، وإن كان ينقص بالقسمة كغير المكيل والموزون لم يجب قسمته؛ لأن على المرتَهِن فيه ضررًا، ويُقَرُّ في يَدِ المرتهن. (١) قلنا: (٢) لأنه سَلَّمه إليه على أنه أمينٌ في قبضه فسلَّمَه إلى المرتهن، فلذلك لم يجب عليه الضَّمان.
فأما إن كان العدل حين باعه لم يُعلم المشتري أنه وكيلٌ، كان للمشتري الرُّجوع عليه؛ لأنه لم يسَلِّم ماله إليه إلا بناءً منه على أن العُهدة عليه، ولأن النبي ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تَرُدَّه» (٣).
ويرجع هو على الرّاهن إن أقرا بذلك أو قامت بينةٌ؛ لأنه هو الغاصب الذي غَرَّ العَدْل، فيستقر الضمان عليه.
وإن أنكرا ذلك فالقول قول العَدل مع يمينه، فإن نَكَلَ فقضي عليه أو
стр. 1483
رُدَّت اليمين على المشتري فحَلف رَجع على العَدل، ولم يرجع العدل على الرّاهن؛ لأنه يُقِرُّ أنه ظلمه.
[١٦٤٨/ ٢٧] مسألة: (فإن ادعى دفع الثَّمن إلى المرتَهِن فأنكره (١) ففيه وجهان: أحدهما: القول قول العَدلِ؛ لأنه وكيله، فقبل قوله في دفعه إليه كالوكيل في غيره، فإذا حلف برئ، ويرجع المرتَهِن على الرّاهن.
والثاني: القول قول المرتَهِن؛ لأنه منكرٌ، والعدل إنما هو أمينه في الحفظ لا في دفع الثَّمَن إليه، فإذا حَلَف رجع على من شاء منهما.
فإذا رجع على العدل لم يرجع العَدل على الرّاهن؛ لأنه يُقِرُّ ببراءة ذمَّتِه منه، ويدعي أن المرتَهِن ظلمه وغَصَبه، وإن رجع على الرّاهن رجع الرّاهن على العدل لتَفريطه في القضاء بغير بيِّنَةٍ، إلا أن يكون قضاؤه بحضرة الرّاهن أو بيِّنةٍ فماتت أو غابت فلا يرجع عليه لعدم تفريطه.
وعنه: لا يرجع على العَدلِ (٢)؛ لأنه أمينٌ، والأمين لا يلزمه ضمانٌ، إلا أن يكون أُمِرَ بالإشهاد فلم يفعل؛ لأنه يكون قد فَرَّط، وهكذا الحكم في الوكيل. (٣)
[١٦٤٩/ ٢٨] مسألة: (وإن شرط أن يبيعه المرتَهِن أو العَدل صَحَّ)؛
стр. 1484
لأنه شرطٌ فيه مصلحة المرتَهِن لا ينافي مقتضاه، فصَحَّ كما لو شرط صفةً فيه.
[١٦٥٠/ ٢٩] مسألة: (فإن عزلهما صَحَّ عزله (١)؛ لأنه وكَّلهما في ذلك، وللموكل عزل الوكيل متى شاء.
[١٦٥١/ ٣٠] مسألة: (وإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول لم يصِحَّ الشَّرط)؛ لأن المقصود مع الوفاء [به] (٢) مفقود.
[١٦٥٢/ ٣١] مسألة: (وإن شرط: أنه إن جاءه بحَقِّه في محَلِّه وإلا فالرَّهن له، لم يصِحَّ الشَّرط)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يَغْلَقُ الرَّهن» رواه الأثرم (٣)، ومعناه: استحقاق المرتَهن له لعجز الرّاهن عن فكاكه، كذلك فسَّرَه الإمام أحمد وغيره (٤)، ولأنه عَلَّق البيع على شرطٍ مستقبلٍ فلم يصِحَّ كما لو عَلَّقه على قدوم زيدٍ.
(وفي صحَّةِ الرَّهن روايتان) بناءً على الشروط الفاسدة في البيع، وفيها روايتان. (٥)
(إذا اختلفا في قدر الدَّين، أو الرَّهن، أو رَدِّه، أو قال: أقبضتك
стр. 1485
عصيرًا، قال: بل خمرًا، فالقول قول الرّاهن)؛ لأنه منكرٌ، والأصل عدم ما أنكره، ولأن القول قوله في أصل العقد فكذلك في صفته.
[١٦٥٣/ ٣٢] مسألة: (وإن أقَرَّ الرّاهن أنه أَعْتَقَ العبد قَبل رهنه عَتَقَ، وأُخِذت منه قيمته رهنًا)؛ لأنه لو أعتقه صَحَّ عتقه، فإذا أقرَّ به قُبِلَ منه، وكان بمنزلة إعتاقه، ويؤخذ منه قيمته يكون رهنًا؛ لأنه فَوَّت الرَّهن بإقراره فأشبه ما لو أعتقه. (١)
[١٦٥٤/ ٣٣] مسألة: (وإن أقَرَّ أنه كان جَنى، أو أنه باعه، أو غَصَبه، قُبِل على نفسه، ولم يُقبل على المرتَهِن إلا أن يُصَدِّقه)، فيلزمه أرش الجناية، وضمانه للمغصوب، ولا يقبل على المرتَهِن، لأن إقرار غيره لا يقبل في حَقِّه، فلا يخرج الرَّهن من يده، ولا يزول شيء من أحكامه.
(وإذا كان الرَّهن مركوبًا أو محلوبًا فللمُرْتَهِن أن يَرْكَب ويَحلُب بقدر نفقته، متحرِّيًا للعدل في ذلك)، سواءٌ تعَذَّر الإنفاق من المالك أو لم يتَعذَّر؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرَّهن يُرْكَبُ بنفقته، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مركوبًا، وعلى الذي يركب ويشرب النَّفقة»، رواه البخاري (٢)، وفي لفظٍ: «فعلى المرتهن عَلفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب» (٣). (٤)
стр. 1486
[١٦٥٥/ ٣٤] مسألة: (وإن أنفق على الرَّهن بغير إذن الرّاهن مع إمكانه فهو متبرعٌ)، فلا شيء له؛ لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه أشبه غير المرتَهِن. (١)
[١٦٥٦/ ٣٥] مسألة: (وإن عَجَزَ عن استئذانه، ولم يستأذن الحاكم فعلى روايتين:) إحداهما: أنه متبرِّعٌ؛ لأنه لم يستأذن مالكه، ولا من يقوم مقامه، أشبه ما لو كان حاضرًا فلم يستأذنه.
والثانية: يرجع عليه؛ لأنه أنفق عليه عند العجز عن استئذانه، أشبه ما لو عَجَزَ عن استئذان الحاكم. (٢)
[١٦٥٧/ ٣٦] مسألة: (وكذلك الحكم في الوديعة، وفي نفقة الجِمال إذا هَرَبَ الجَمّال وتركها في يَدِ المكتَري).
[١٦٥٨/ ٣٧] مسألة: (وإن انهدمت الدّار فعَمَرَها المرتَهِن بغير إذن الرّاهن لم يرجع به روايةً واحدةً (٣)؛ لأنه تبَرَّع بما لا يلزمه، فلم يرجع به كغير المرتَهِن.
بخلاف ما يلزم الرّاهن، كقوت الحيوان، وكُفنِ العبد، فهل يرجع
стр. 1487
به؟ على روايتين، بناءً على من قضي دينه بغير إذنه (١).
(وإذا جنى العبد جنايَةً موجِبَةً للمال تعَلَّق أرشها [برقَبَتِه] (٢)، ولسيِّده فداؤه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته، أو يبيعه في الجناية، أو يُسلِّمه إلى وليِّ الجناية فيملكه)، وذلك أن الرَّهن إذا جنى جنايةً موجبةً للمال على أجنبيٍّ تعَلَّق حَقُّ المجني عليه برقبته، وقُدِّم على المرتَهِن؛ لأنه يُقدم على المالك، فأولى أن يقَدَّم على المرتَهِن.
فإن كان أرش الجناية أكثر من ثمنه فطلب المجني عليه تسليمه للبيع، وأراد الرّاهن فداءه فله ذلك؛ لأن حقَّ المجني عليه في قيمته لا في عَينِه، ولسيِّده الخيار بين أن يُسَلِّمه إلى وليِّ الجناية فيملكه، وبين أن يفديه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته؛ لأنه لا يلزمه أكثر من قيمة العبد، ولا أكثر من الجناية.
فإن كانت قيمته عشرين، وأرش الجناية عَشَرَةٌ، أو قيمته عشرة وأرش الجناية عشرون، لم يلزمه أكثر من عشرةٍ؛ لأنها أقلُّ الأمرين منهما؛ لأن ما يدفعه عوضٌ عنه، فلم يلزمه أكثر من قيمته.
(وعنه: يلزمه أرش الجناية كلها أو تسليمه (٣)(٤)؛ لأنه ربَّما رغب فيه
стр. 1488
راغبٌ فاشتراه بأكثر من قيمته، فينتفع به المجني عليه.
(فإن فداه فهو رَهنٌ بحاله)؛ لأن حَقَّ المرتَهِن لم يبطل، وإنما قُدِّم حَقُّ المجني عليه لقوَّتِه، فإذا زال ظهر حقُّ المرتَهِن.
(وإن سلَّمَه بَطلَ الرَّهن)؛ لما ذكرناه. (١)
[١٦٥٩/ ٣٨] مسألة: (فإن لم يستغرق الأرش قيمته، بِيع منه بقدره، وباقيه رَهنٌ (٢)؛ لأن بيعه إنما جاز ضرورة إيفاء الحَقِّ، فإذا اندفعت الضَّرورَة ببيع البعض لم يجز فيما بقي؛ لعدم الضَّرورة فيه.
وإن لم يكن إلا بيع جميعه بِيع كُلُّه؛ لأن الضَّرورة المقتضية لبيعه باقيةٌ، فلا يجوز لقوله ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرارٌ» (٣)، [وقيل: يباع جميعه، فإنَّ بيع البعض تَشقيصٌ له يَنقُص به الثَّمن فيضرُّ بالمالك والمرتَهِن] (٤). (٥)
стр. 1489
[١٦٦٠/ ٣٩] مسألة: (فإن أبى الرّاهن فداءه، واختار المرتَهِن فداءه، ففداه بإذن الرّاهن، رجع به)؛ لأنه أدّى الواجب بإذن من هو عليه، فرجع به كالوكيل.
(وإن فداه بغير إذنه فهل يرجع به؟ على روايتين) بناءً على ما إذا قضي دينه بغير إذنه. (١)
فإن جنى جنايةَ عمدٍ فلولي الجناية أن يقتَصَّ منه، وهل له العفو على مالٍ؟ على روايتين، فإن قلنا: له ذلك، ثَبَتَ المال في رقبة الجاني، ويصير الحكم كما تقدم في الخطأ (٢).
[١٦٦١/ ٤٠] مسألة: (وإن جُنيَ عليه جنايةً موجِبةً للقصاص فلسيِّده القصاص)، وله أن يعفو؛ لأنه مالكه.
(فإن اقتَصَّ فعليه قيمة أقلِّهما قيمةً تُجعل رهنًا مكانه) في أحد الوجهين، لأنه أتلف مالًا بسبب إتلاف الرَّهن، فغَرِم قيمته كما لو كانت الجناية موجبةً للمال.
وقوله: عليه قيمة أقلهما قيمةً، يعني: يجب على السَّيِّد أقل القيمتين من العبد الجاني والعبد المرهون.
فإن كانت قيمة المرهون عَشَرَةً والجاني مئةً لم يلزمه إلا عَشرةٌ؛ لأنه إنما فوَّتَ على المرتَهِن عَشَرةً، وإن كانت قيمة المرهون مئةً والجاني
стр. 1490
عَشَرةً لم يلزمه إلا عشرةٌ؛ لأنه هو الذي فوَّتَه.
والثاني: لا شيء عليه؛ لأنه لم يجب بالجناية مالٌ، ولا استُحِقَّ بحالٍ، وليس على الرّاهن السَّعي للمرتَهِن في اكتساب مالٍ. (١)
(وكذلك إن جنى على سَيِّده فاقتَصَّ منه أو ورثته). (٢)
[١٦٦٢/ ٤١] مسألة: (وإن عفا السَّيد على مالٍ أو كانت [موجبةً] (٣) للمال، فما قُبض منه جعل مكانه) رهنًا (٤)؛ لأنه بَدلٌ عنه فقام مقامه.
(وإن عفا السَّيد عن المال لم يصِحَّ عفوه)؛ لأنه مَحلٌّ تعلَّقَ به حقُّ المرتَهِن، فلم يصِحَّ عفوه عنه، كما لو قبضه المرتَهِن.
(ويلزم العفو في حَقِّه (٥)، فإذا فَكَّ الرَّهن رُدَّ إلى الجاني).
(وقال أبو الخطاب: يصِحُّ) عفو السَّيِّد عن المال، (ويؤخذ منه قيمته (٦) يكون رهنًا؛ لأنه أتلفه بعفوه، وقال القاضي: «يؤخذ قيمته من الجاني فتجعل مكانه، فإذا زال الرَّهن رُدَّت إلى الجاني كما لو أقرَّ على
стр. 1491
عبده المرهون بالجناية (١). (٢)
وإن عَفا السَّيد عن القِصاص إلى غير مالٍ انبنى على موجَب العَمد، فإن قلنا: أحد شيئين، فهو كالعفو عن المال، وإن قلنا: القصاص، فهو كالاقتصاص، وفيه وجهان (٣).
[١٦٦٣/ ٤٢] مسألة: (وإن وطئ المرتَهِنُ الجاريةَ من غير شُبهَةٍ، فعليه الحَدُّ، والمهر، وولده رقيقٌ)؛ لأنه ليس له فيها مِلكٌ ولا شُبهةُ مِلكٍ، فأشبه الأجنبيَّ. (٤)
(وإن وطئها بإذن الرّاهن، وادعى الجهالة، وكان مثله يَجهَلُ، فلا حَدَّ عليه)؛ لأن الحَدَّ يُدرأ بالشبهات.
(ولا مَهر)؛ لأنه حَقٌّ للسَّيِّد يسقُط بإذنه.
(والولد حُرٌّ) يلحقه نسبه؛ لأنه من وطء شُبهَةٍ، أشبه الولد في النِّكاح
стр. 1492
الفاسد، فإن الوطء فيه بشبهةٍ ولا تصير أم ولدٍ؛ لأنه لا مِلكَ له فيها.
(ولا يلزمه قيمه الولد)؛ لأنه لو وجب لوجب للرّاهن، وقد أذن في سببه، فسَقَط حَقُّه منه كالحُرَّة إذا أذنت في وطئها، فإن حَقَّها يسقط من المهر. (١)
* * *
стр. 1493
باب الضَّمان
(وهو ضَمُّ ذمَّةِ الضّامن إلى ذمِّة المضمون عنه في التزام الحقِّ)، فيثبت في ذمتهما جميعًا.
(ولصاحب الحقِّ مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت)؛ لقوله ﵇: «الزَّعيم غارمٌ» رواه أبو داود والترمذي (١)، وقال: «حديث حسن»، يقال: ضَمينٌ، وكفيلٌ، وقبيل، وحميل، وزعيم، وصبير، بمعنى [واحدٍ] (٢). (٣)
[١٦٦٤/ ١] مسألة: (فإن برئت ذمَّة المضمون عنه برئ الضّامن)؛ لأنه تبعٌ، فزال بزوال أصله كالرَّهن، وكما تبرأ ذمَّة المضمون عنه بأداءٍ أو إبراءٍ.
стр. 1494
(وإن برئ الضّامن أو أقرَّ ببراءته لم يبرأ المضمون عنه)؛ لأن الوثيقة انحلَّت من غير استيفاءٍ فلم يسقط الدَّين، كالرَّهن إذا انفسخ من غير استيفاء.
[١٦٦٥/ ٢] مسألة: (ولو ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لذِمِّيٍّ عن ذمِّيٍّ خَمرًا، فأسلم المضمون له أو المضمون عنه برئ هو والضامن معًا)؛ لأنه بَرئ من الخمر الذي ضُمن عنه، إذ لا يجوز وجوبُ خمرٍ على مسلمٍ، وإذا برئ المضمون عنه برئ الضّامن، كما لو أدّى الدَّين أو أُبرئ منه، ولأنه لو أسلم المضمون له برئ، فكذلك إذا أسلم المضمون عنه.
[١٦٦٦/ ٣] مسألة: (ولا يصِحُّ إلا من جائز التَّصرف) في ماله، سواءٌ كان رجلًا، أو امرأةً؛ لأنه عقدٌ يُقصَد به المال فصَحَّ من المرأةِ كالبيع.
[١٦٦٧/ ٤] مسألة: (ولا يصِحُّ من مجنونٍ ولا صَبيٍّ) غير مُميِّزٍ بغير خلافٍ؛ لأنه إيجاب مالٍ بعقدٍ فلم يصِحَّ منهما كالنَّذرِ والإقرار.
[١٦٦٨/ ٥] مسألة: (ولا يصِحُّ من السَّفيه) المحجور عليه.
وقال القاضي: «يصِحُّ، ويُتبَع به بعد فَكِّ الحجر عنه» (١)؛ لأنَّ مِنْ أَصْلِنا أن إقراره صحيحٌ يُتبَع به بعد فَكِّ الحجر عنه، فكذلك ضمانه.
والصَّحيح الأول؛ لأنه إيجاب مالٍ بعقدٍ فلم يصِحَّ منه كالبيع والشراء، وأما الإقرار فإنه إخبارٌ بحَقٍّ سابقٍ. (٢)
وأما الصَّبيُّ المميِّز فالصَّحيح أنه لا يصِحُّ ضَمانه، وخَرَّجه أصحابنا على الرِّوايتين في صحَّة إقراره وتَصرُّفاته بإذن وَلِيِّه فكذلك ضمانه (٣)،
стр. 1495
ومن فَرَّق بينهما قال: الضَّمان التزام مالٍ لا فائدة فيه، فلم يصِحَّ كالتَّبرُّع والنَّذرِ. (١)
[١٦٦٩/ ٦] مسألة: (ولا يصِحُّ ضمان العبد والمكاتب بغير إذن سَيِّده، ويحتمل أن يصِحَّ ويُتبَع به بعد العتق)؛ لأنه لا ضرر على السَّيد فيه، فصَحَّ منه كالإقرار بالإتلاف.
ودليل الأول أنه عقدٌ تضَمَّن إيجابَ مالٍ، فلم يصِحَّ منه بغير إذن سيِّده كالنِّكاح. (٢)
(فأما إن ضَمِنَ بإذن سيِّده صَحَّ)؛ لأن سيِّدَه لو أذن له في التَّصرف صَحَّ.
قال القاضي: «قياس المذهب تعلق المال برقبته» (٣)؛ لأنه دَينٌ لزِمَ بفعله، فتَعلَّق برقَبتِه كدين جنايته.
وقال ابن عقيل: «ظاهر المذهب تعلقه بذمة السَّيد» (٤)؛ لأنه بإذنه فأشبه الوكيل.
وقال أبو الخطاب: «(هل يتعلق برقبته أو بذمَّة السَّيد؟ على روايتين») (٥)، دليلهما دليل القولين. (٦)
стр. 1496
[١٦٧٠/ ٧] مسألة: (ولا يصِحُّ إلا برضا الضّامن)؛ لأنه التزام مالٍ، فلم يصِحَّ من غير رضا الملتزم كالنَّذر.
[١٦٧١/ ٨] مسألة: (ولا يعتبر رضا المضمون له، ولا المضمون عنه)؛ لما روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أُتي برجلٍ ليصلي عليه فقال: «هل عليه دينٌ؟ قالوا: نعم، ديناران. قال: هل ترك لهما وفاءً؟ قالوا: لا، فتَأخَّر. فقيل له: لمَ لا تصلي عليه؟ فقال: ما تنفعه صلاتي وذمَّتُه مرهونةٌ، ألا قام أحدكم فضمنه، فقام أبو قتادة فقال: هما عليَّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي ﷺ » (١).
[١٦٧٢/ ٩] مسألة: (ولا يعتبر معرفة الضامن لهما)؛ لأنه لا يعتبر رضاهما فأشبها الأجانب، ولأن النبي ﷺ لم يسأل أبا قتادة عن معرفتهما (٢). ويحتمل أن يعتبر معرفتهما؛ ليؤدي إلى أحدهما ويرجع على الآخر بما غَرِم عنه.
ويحتمل أن يعتبر معرفة المضمون له ليؤدي إليه، ولا يعتبر معرفه المضمون عنه؛ لعدم المعاملة بينه وبينه.
[١٦٧٣/ ١٠] مسألة: (ولا) يعتبر معرفة (كون الحقِّ معلومًا، ولا واجبًا، إذا كان مآله إلى الوجوب، فلو قال: ضمنت لك ما على فلانٍ أو ما تُداينه به، صَحَّ)؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وحِمْل البعير يختلف، وهو غير معلومٍ، وقد ضمنه قبل وجوبه، ولأنه التزام حَقٍّ من غير معاوضةٍ فأشبه النَّذرَ.
[١٦٧٤/ ١١] مسألة: (ويصِحُّ ضمان دَين الضّامن)؛ لأن دَينه ثابتٌ
стр. 1497
فصَحَّ ضمانه كالأول، ويصير الثاني فرعًا للضّامن، حكمه معه حكم الضّامن مع الأصل.
[١٦٧٥/ ١٢] مسألة: (ويصِحُّ ضمان دين الميت المفلس وغيره)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ (١). (٢)
(ولا تبرأ ذمته قبل القضاء في أصح الرِّوايتين)؛ لما روى جابرٌ أن النبي ﷺ سأل أبا قتادة عن الدِّينارين اللذين ضمنهما، فقال: قد قضيتهما، فقال: «الآن بَرَّدْتَ جِلدته»، رواه أحمد في المسند (٣)، ولأنه وثيقةٌ بدَينٍ فلم يسقط قبل القضاء كالرَّهن، وكحال الحياة.
والرواية الأخرى: تَبرأ؛ لأن النبي ﷺ صلى على الميت حين ضمنه أبو قتادة، وقد قال قبل الضَّمان: «وما تنفعه صلاتي وذِمَّته مرهونةٌ»، فدَلَّ بالصلاة عليه على أنها لم تبق مرهونةً. (٤)
[١٦٧٦/ ١٣] مسألة: (ويصِحُّ ضمان عُهدَةِ (٥) المبيع عن البائع للمشتري، وعن المشتري للبائع)، وهو أن يضمن الثَّمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وإن ظهر فيه عيبٌ أو استُحِقَّ أو وُجِدَ ذلك في المبيع غَرَمَه الضّامن؛ لأن ذلك لازمٌ فصَحَّ ضمانه كالدَّين.
стр. 1498
[١٦٧٧/ ١٤] مسألة: (ولا يصِحُّ ضمان دَين الكِتابة في أصَحِّ الرِّوايتين).
والأخرى: يصِحُّ؛ لأنه يجوز أن يُضمَنَ عنه دينٌ آخَرُ.
والمذهب الأول؛ لأن مال الكتابة غير لازمٍ، ولا يفضي إلى اللُّزوم؛ لأنه يملك تعجيز نفسه، ولأن الضَّمان لتوثيق الحَقِّ، وما لا يلزم لا يمكن توثيقه. (١)
[١٦٧٨/ ١٥] مسألة: (ولا يصِحُّ ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها)؛ لأنها غير مضمونةٍ على من هي في يده، فكذلك على ضامنه. (٢)
(وإن ضمن لصاحبها ما يَلزم بالتَّعدي فيها صَحَّ) نص عليه أحمد (٣)؛ لأنها تصير مضمونةً على المضمون عنه.
[١٦٧٩/ ١٦] مسألة: (ويصِحُّ ضمان الأعيان المضمونة: كالغُصوب، والعَواري، والمقبوض على وجه السَّوم)؛ لأنها مضمونةٌ على من هي في يده فأشبهت الدَّين. (٤)
[١٦٨٠/ ١٧] مسألة: (وإذا قضى الضّامن الدَّين متبرعًا لم يرجع بشيءٍ) كما لو بنى داره بغير إذنه.
(وإن نَوى الرُّجوع، وكان الضَّمان والقضاء بغير إذن المضمون عنه،
стр. 1499
فهل يرجع؟ على روايتين:) إحداهما: يرجع؛ لأنه قضاءٌ مُبرِئٌ من دينٍ واجبٍ لم يتبرع به، فكان على من هو عليه، كما لو قضاه الحاكم عند امتناعه.
والثانية: لا يرجع؛ لأنه [تبرُّع فلم يرجع به] (١) كما لو بنى داره أو أَعلف دابته بغير إذنِه. (٢)
[١٦٨١/ ١٨] مسألة: (وإن أذن في أحدهما فله الرُّجوع بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدَّين) يعني القضاء أو الضَّمان، فإن قضى الضّامن الدَّين بإذن المضمون عنه رجع عليه؛ لأنه قضى دينه بإذنه فهو كوكيله، وإن ضَمِنَ بإذنه رجع عليه؛ لأنه يضمَن الإذن في الأداء فأشبه ما لو أذن فيه صريحًا.
ويرجع بأقل الأمرين مما قضى أو قَدرِ الدَّين؛ لأنه إن قضاه بأقلَّ منه فإنه يَرجع بما غَرِم، وإن أدّى أكثر منه فالزّائد لا يجب أداؤه لتَبرُّعه به.
[١٦٨٢/ ١٩] مسألة: (وإن أنكر المضمونُ له القضاءَ وحلف، لم يرجع الضّامن على المضمون عنه، سواءٌ صدَّقَه أو كذَّبَه)، وذلك أن الضّامن إذا ادعى القضاء فأنكره المضمون له فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل معه، فإذا حلف لم يرجع الضّامن على المضمون عنه، سواءٌ صَدَّقَه أو كذبه؛ لأنه إنما أذن له في قضاءٍ مُبرئٍ ولم يوجد.
[١٦٨٣/ ٢٠] مسألة: (وإن اعترف المضمونُ له بالقضاء، وأنكر المضمونُ عنه، لم يُسمَع إنكاره)؛ لأن الدَّين حَقٌّ للمضمون له، فإذا أقَرَّ
стр. 1500
بقَبضِه فقد أقَرَّ أنه صار للضّامن، ولأنه ثَبَتَ القضاء بالإقرار، فملك الرُّجوع به كما لو ثَبَتَ ببَيِّنةٍ.
وفيه وجه آخر: أن القول قول المضمون عنه؛ لأنه منكرٌ. (١)
[١٦٨٤/ ٢١] مسألة: (وإن قضى المؤجَّلَ قبل أجله لم يرجع حتى يحِلَّ)؛ لأنه تَبرَّعَ بالتَّعجيلِ.
[١٦٨٥/ ٢٢] مسألة: (وإن مات المضمون عنه أو الضامن فهل يَحِلُّ الدَّين عليه؟ على روايتين، وأيهما حَلَّ عليه لم يَحل على الآخر)، وذلك أنه إذا ضَمِنَ دينًا مُؤجَّلًا فمات المضمون عنه، فإن قلنا: يَحلُّ، حَلَّ على المضمون عنه دون الضّامن؛ لأن الدَّين لا يَحلُّ على شخصٍ بموت غيره، ويبقى الضّمان مؤجَّلًا بحاله.
وإن مات الضّامن فهل يَحلُّ عليه الدَّين؟ على روايتين، فإن قلنا: يَحلُّ، فَقبَضَه صاحب الحق من تَركتِه، لم يكن لورثته مطالبة المضمون عنه حتى يَحِلَّ الحَقُّ؛ لأن الحَقَّ عليه مؤجَّلًا، فلا يصير حالًّا بموت غيره.
ووجه قولنا: أن الدَّين المؤجَّل يَحلُّ بالموت أنه لا يخلو: إما أن يبقى في ذمَّة الميت، أو الورثة، أو متعلِّقًا بالمال، لا يجوز أن يبقى في ذمة [الورثة] (٢)؛ لأن صاحب الدَّين لم يرض بذممهم، وهي مختلفةٌ متباينةٌ، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله؛ لأنه ضَررٌ بالميت وصاحب الدَّين، ولا مَنفعة للورثة فيه.
стр. 1501
أما الميت: فقال ﵇: «الميت مُرتَهَنٌ بدينه حتى يُقضى عنه» (١)، وأما صاحب الدَّين فيتأخر حَقُّه، وقد تتلف العين فيسقط حَقُّه، وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتَصرَّفون فيها، وإن تُصوِّرَ فيه منفعةٌ فلا يَسقُط حَظُّ الميت، وصاحب الدَّين لمنفعتهم.
ووجه الرواية الأخرى: أن الموت لا يوجب حُلول ماله، فلا يوجب حُلول ما عليه كالمجنون، ولأنه حَقٌّ للميت، فلا يبطل بموته سائر حقوقه، وذلك أن الموت ما جعل مُبطلًا للحقوق، وإنما هو عَلامةٌ على الوراثة، وقد قال ﵇: «من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته» (٢)، فعلى هذا يبقى الدَّين في ذِمَّة الميت كما كان، إلا أنه يتعلق بعين ماله كما تتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر، فلو أراد الورثة أن يتصرَّفوا في المال ويلتزموا للغَريم لم يكن لهم ذلك إلا برضا الغَريم، أو يُوثِّقوا الحَقَّ بضمينٍ مليءٍ، أو رَهنٍ يفي بدينه؛ لئلا يفضي إلى فوات حَقِّه. (٣)
وإن قلنا: إن الدَّين يحل بالموت، فأحَبَّ الورثه القضاء من غير التَّركةِ واستخلاص التركة لهم، فلهم ذلك، وإن قَضوا منها فلهم ذلك.
стр. 1502
وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التَّركة ما يقضى به الدَّين.
[١٦٨٦/ ٢٣] مسألة: (ويصِحُّ ضَمان الحالِّ مؤجَّلًا)، ويكون له مطالبة المضمون عنه، وليس له مطالبة الضّامن حتى يَحِلَّ الأجل، قال أحمد في رجلٍ ضمن ما على فلانٍ أن يُؤدِّيه في ثلاث سنين: «فهو عليه، ويُؤدِّيه كما ضمن» (١).
وقد روى ابن ماجه عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا لزم غريمًا له بعَشرةِ دنانير على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي شيءٌ أُعْطِيكَهُ، فقال: والله لا فارقتُكَ حتى تَقْضِيَني أو تأتِيَني بحَميلٍ، فجَرَّه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «كم تستنظره؟ قال: [شهرًا، قال رسول الله ﷺ : فأنا أحمله، فجاءه في الوقت] (٢) الذي قال النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : من أين أصبت هذا؟ قال: من مَعْدِنٍ، قال: لا خير فيها، وقضاها عنه» (٣)، ولأنه ضَمِنَ مالًا بعقدٍ مؤجَّلٍ فكان مؤجَلًّا كالبيع.
فإن قيل: الدَّين الحالُّ عندكم لا يتَأجَّل، فكيف يتَأجَّل على الضّامن؟ أم كيف يثبت في ذمَّة الضّامن على غير الوَصفِ الذي يتَّصِف به في ذِمَّة المضمون عنه؟
قلنا: الحَقُّ يتَأجَّل في ابتداء ثبوته إذا كان ثبوته بعقدٍ، وهذا ابتداء ثبوته في حقِّ الضّامن، فإنه لم يكن ثابتًا عليه حالًّا، ويجوز أن يخالف ما في ذمَّةِ الضّامن ما في ذمَّةِ المضمون عنه، بدليل ما لو مات المضمون عنه والدَّين مُؤجَّلٌ.
[١٦٨٧/ ٢٤] مسألة: (وإن ضمن المؤجَّلَ حالًّا لم يلزمه قبل أجَله في
стр. 1503
أصَحِّ الوجهين)؛ لأن الضّامن فَرعُ المضمون عنه، فلا يستَحِقُّ مطالبته دون أصله، ولأن المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذه العين لم يلزمه تعجيلها، فبأن لا يلزم الضّامنَ أولى.
والوجه الثاني: يصِحُّ، كما يصِحُّ ضَمان الدَّين الحالِّ مؤجَّلًا. (١)
فصلٌ في الكفالة
(وهي التزام إحضار المكفول به).
[١٦٨٨/ ٢٥] مسألة: (وتصِحُّ ببدن كلِّ من يلزمه) الحضور في مجلس الحاكم بحَقٍّ يصِحُّ ضمانه؛ لأنه حقٌّ لازم، فصَحَّت الكفالة به كالدَّين.
[١٦٨٩/ ٢٦] مسألة: (وتصِحُّ بالأعيان المضمونة) كالغصوب والعواري؛ لأنه يصِحُّ ضمانها.
[١٦٩٠/ ٢٧] مسألة: (ولا تصِحُّ ببدن من عليه حَدٌّ ولا قِصاص)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا كفالة في حَدٍّ» (٢)، ولأنه حَدٌّ فلم تصِحَّ الكفالة فيه كحدود الله تعالى، ولأنها تُراد للاستيثاق بالحَقِّ، وهذا مما يدرأ بالشبهات.
[١٦٩١/ ٢٨] مسألة: (ولا تصِحُّ بغير معَيَّنٍ كأحد هذين)؛ لأنه غير معلومٍ في الحال، ولا في المآل.
стр. 1504
[١٦٩٢/ ٢٩] مسألة: (وإن كَفَلَ بجُزءٍ شائعٍ من إنسانٍ أو عُضوٍ، أو كَفَلَ بإنسانٍ على أنه إن جاء به وإلا فهو كفيل بآخَرَ، [أو ضامنٌ ما عليه، صَحَّ في أحد الوجهين)؛ لأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا بإحضاره كله.
وإن كَفَلَ ببعض جسده، فقال القاضي:] (١) «لا تصِحُّ» (٢)؛ لأن ما لا يَسري إذا خَصَّ به بعض الجسد لم يصِحَّ كالبيع والإجارة.
وقال غيره: «إن كَفَلَ بعُضوٍ لا تبقى الحياة بدونه كالرَّأس والقلب والظَّهرِ صَحَّت» (٣)؛ لأنه لا يمكن تسليمه بدون تسليم البدن، فأشبه الوجه.
وإن كَفَلَ بعُضوٍ تبقى الحياة بعد زواله كاليَدِ والرِّجل ففيه وجهان: أحدهما: لا يصِحُّ؛ لأن تسليمه بدون البدن ممكن.
والثاني: يصِحُّ؛ لأنه لا يمكن تسليمه على صفته دون البدن، فأشبه الوجه. (٤)
وأما إن تَكفَّل بإنسان على أنه إن جاء به وإلا فهو كفيلٌ بآخَرَ، فعلى قول القاضي لا يصِحُّ (٥)؛ لأنه إثبات حَقٍّ لآدميٍّ فلم يجز ذلك فيه
стр. 1505
كالبيع، وعلى قول أبي الخطاب يصِحُّ (١)؛ لأنه ضمانٌ أو كفالةٌ، فصَحَّ تعليقه على شرطٍ كضمان العُهدَةِ. (٢)
[١٦٩٣/ ٣٠] مسألة: (ولا تصِحُّ إلا برضا الكفيل)؛ لأنه لا يلزمه الحقُّ ابتداءً إلا برضاه.
ولا يعتبر رضا المكفول له؛ لأنها وثيقةٌ له، لا قبض فيها، فصَحَّت من غير رضاه كالشهادة.
(فأما رضا المكفول به ففيه وجهان:) أحدهما: يعتبر؛ لأن مقصودهما إحضاره، فإذا تكَفَّل بغير إذنه لم يلزمه الحضور معه، بخلاف الضّامن فإنه يقضي الدَّين ولا يحتاج إلى المضمون عنه.
والآخر: لا يعتبر رضاه كالضَّمان. (٣)
وعلى كلا الوجهين متى كانت الكفالة بإذنه فأراد الكفيل إحضاره لزمه الحضور معه؛ لأنه شَغَلَ ذِمَّتَه من أجله بإذنه، وكان عليه تخليصها، كما لو استعار عبده فرهنه بإذنه كان للسيِّدِ مطالبته بتخليصه.
وإن كانت الكفالة بغير إذنه لم يلزمه أن يحضر معه؛ لأنه لم يُشغِل ذمَّتَه، وإنما هو شغلها باختياره من عند نفسه.
[١٦٩٤/ ٣١] مسألة: (ومتى أَحْضَرَ المكفولَ به وسَلَّمه بَرِئ، إلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضررٌ)، قياسًا على من سَلَّم المُسلَم فيه
стр. 1506
قبل مَحلِّه أو في غير مكانه (١). (٢)
[١٦٩٥/ ٣٢] مسألة: (٣)(٤)
* * *
стр. 1507
فهرس ترجيحات البهاء المقدسي للمسائل وتصحيحه للمذهب
تبين لي أثناء تحقيقي للكتاب عناية البهاء المقدسي في ترجيح وتوجيه بعض المسائل، فجمعت تلك المسائل مقتصرًا على ما نص البهاء على استظهاره أو ترجيحه، وذلك للاستفادة من أسلوبه في التوجيه.
وجعلت لجمعي تلك المسائل إطارًا محددًا، جمعت فيه توجيهاته للمسائل بقوله: (ظاهر المذهب، والصحيح، وهو أولى، وهو أصح، ويترجح) ونحو ذلك حتى لوكان ذلك في الأحاديث النبوية، ولا يدخل في هذا المبحث كل ما استدل له من المسائل والفروع حتى لو كانت الدلالة على المسألة قوية وما يقابلها من قول ضعيفة، أو كانت المسألة لا معارض لها، أو حكي الاتفاق أو عدم الخلاف فيها.
وقد اجتهدت في جمع المسائل ما أمكن، وصغت أسلوب المسألة بما يتناسب والإشارة إليها في موضعها، واختصرت في ألفاظها مع بقاء لفظ البهاء فيها في الغالب الأعم، وأزلت تمييز نص المقنع فيها، والحواشي عليها، وأسأل الله أن أكون قد وفقت في القصد والعمل، وهي على النحو التالي:
كتاب الطهارة:
• قوله في المسألة [٣/ ٣]: «وإذا اشتبه الماء الطاهر بالنَّجس لم يتحرَّ فيهما على الصَّحيح من المذهب، ويتيمم»، وقال: «والاعتماد عليه»، خلافًا لأبي علي النجاد.
• قوله في المسألة [٥٦/ ١٥]: «وتخليل ما بين الأصابع في اليدين والرجلين؛ لقول النبي ﷺ لِلَقيطِ بن صَبِرة ﵁: «أَسْبِغ الوضوء وخَلِّلِ الأصابع» وهو حديثٌ صحيحٌ».
• في نواقض الوضوء في الناقض الخامس في مس المرأة ص ١/ ٢٢٧ قال: «والرواية الثالثة: وهي ظاهر المذهب، أنه ينقض إذا كان لشهوةٍ، ولا ينقض
стр. 1508
لغير شهوةٍ؛ جمعًا بين الآية والخبر».
• قوله في المسألة [١١٤/ ١٠]: «ويستحب للجنب إذا أراد النوم، أو الأكل، أو الوطء ثانيًا، أن يغسل فرجه ويتوضأ»، ثم أورد رواية أخرى في بيان الإباحة والأدلة عليها، ثم قال: «قلنا: وهذه الأحاديث محمولةٌ على الجواز، والأحاديث الأول محمولةٌ على الاستحباب».
• قوله في المسألة [١٨٣/ ١٦]: فيما إذا تكرر الدم بعد سن الحيض المعتبر: «وأما بعد الخمسين ففيه روايتان: إحداهما: هو دم فسادٍ أيضًا؛ لأن عائشة … قالت: «إذا بلغت المرأة خمسين سنةً خرجت من حد الحيض»، والثانية: إن تكرر بها الدم فهو حيض، وهو أصح».
كتاب الصلاة:
• قوله في المسألة [٢٥٢/ ٥]: «حدَّ العورة في الصحيح ما بين السرة والركبة من الرجل».
• قوله في المسألة [٢٧١/ ٢٤]: في جواز لبس الحرير لغير من به قمل: «وغير القمل الذي ينتفع فيه بلبس الحرير في معناه، فيقاس عليه، والرواية الأخرى: لا يباح لبسه للمرض؛ لاحتمال أن تكون الرخصة خاصةً لهما، والأولى أصح».
• قوله في المسألة [٢٧٥/ ٢٨]: في تحريم إلباس ولي الصغير الحرير خلافًا للرواية الأخرى في المذهب: «والأخرى: يباح؛ لأنهم غير مكلفين، فلا يتعلق التحريم بلبسهم، كما لو ألبسه الدابة، والأولى أصح».
• قوله في المسألة [٢٨٩/ ١١]: في تضعيف حديث ابن عمر ﵄ في النهي عن الصلاة في سبعة مواضع قال: «وفيه ضعف؛ لأن رواية عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ، قال الترمذي: رواه زيد بن جبيرة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه».
• قوله في المسألة [٣٠٦/ ٢]: «وينوي الأداء في الحاضرة، والقضاء في الفائتة، وفي وجوب ذلك وجهان: أحدهما: يجب؛ لتمييز إحداهما من الأخرى، والآخر: لا يجب، وهو الصحيح».
• قوله في المسألة [٣٢٢/ ١٨]: وإن أحرم إمامًا لغيبة إمام الحي، ثم حضر في أثناء الصلاة، فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته وصار الإمام مأمومًا، فهل يصح؟ على وجهين»، رجح صحة البناء، وقال: «والأول أولى؛ لفعله ﷺ ».
стр. 1509
• قوله في المسألة [٤٢٧/ ٨]: قوله في مسألة التعقيب بعد التراويح قرر رواية أنه لا بأس بها ثم قال: «والأخرى: يكره، إلا أنه قولٌ قديمٌ، والعمل على الأولى».
• قوله في باب صلاة التطوع ١/ ٤٨٢ أن الوتر مستحب وليس بواجب خلافًا لأبي بكر غلام الخلال، فقال: «وحكي عن أبي بكر أنه واجبٌ؛ لذلك، والصحيح أنه ليس بواجبٍ».
• قوله في المسألة [٤٣٨/ ١٩]: «والصحيح أن سجدة ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود».
• قوله في مسألة مسح الوجه بعد الدعاء ١/ ٤٨٨: «فإذا فرغ من الدعاء أمرَّ يديه على وجهه، وعنه: لا يفعل، والأول أولى».
مسألة في ١/ ٥٢٨ بشأن تقديم القارئ الذي لا يعرف أحكام الصلاة على الفقيه يقرأ ما يجزئ في الصلاة، فالقارئ أولى للخبر.
• قوله في المسألة [٤٨٢/ ٣٥]: فإن علم الإمام والمأموم في أثناء الصلاة حدث الإمام أو النجاسة عليه لزمهم الاستئناف، وحُكي عنه في المأموم أنه يبني على ما مضى كما لو سبق الإمام الحدث والمذهب الأول.
• قوله في المسألة [٤٩٠/ ٤٣]: جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وذكر الرواية الأولى وهي الجواز، والثانية عدم الجواز، ثم قال: «والرواية الأولى أصح».
• قوله في المسألة [٤٩٩/ ٥٢]: اقتداء المأموم بالإمام إذا كان يسمع التكبير ولا يرى من وراءه وهو في المسجد ذكر فيها روايتين الأولى: الجواز، والثانية: لا يصح، ثم قال: «والأول أصح».
• قوله في المسألة [٥٢٨/ ١٩]: إباحة القصر للمكاري والفيج قال: «والأولى إباحة القصر لهما».
• قوله في ١/ ٥٧٢: عدم صحة قياس جمع صلاة العصر والظهر على صلاة الليل قال: «وذكر بعض أصحابنا وجهًا في جواز الجمع بين الظهر والعصر قياسًا على صلاة الليل، ولا يصح؛ لأن المشقة في المطر إنما تعظم في الليل لظلمته فلا يقاس عليه غيره، والثلج كالمطر في هذا».
• قوله في ١/ ٥٧٤: صلاة السنة بين الصلاتين المجموعتين قال: «وإن صلى السنة بينهما فعلى روايتين: أصحهما يبطل».
• قوله في المسألة [٥٣٥/ ٢]: وترجيحه رواية أن العبد لا تجب عليه الجمعة،
стр. 1510
قال: «وهي أولى».
• قوله في المسألة [٥٣٨/ ٥]: الأفضل لمن لا تجب عليه الظهر أن لا يصليها حتى يصلي الإمام، فإن صلى فصلاته صحيحة، قال: «والصحيح أنها تصِحُّ».
• قوله في المسألة [٥٨٢/ ٢]: وترجيحه في صفة صلاة الكسوف أنها ركعتين بركوعين، قال: «وهو المختار بأن أصح وأشهر».
كتاب الجنائز:
• قوله في المسألة [٦٢٥/ ٢٠]: «ويجوز للمرأة غسل زوجها في أصَحِّ الروايتين».
• قوله في المسألة [٦٢٨/ ٢٣]: مسألة: «وإن مات رجل بين نسوةٍ، أو امرأةٌ بين رجالٍ، أو خنثى مشكلٌ يُمِّم في أصح الروايتين»، وقال: «وهي أولى».
• قوله في المسألة [٦٢٩/ ٢٤]: «ولا يُغسِّل مسلمٌ كافرًا ولا يدفنه، وإن كان قرابةً له، خلافًا لأبي حفص العكبري»، واستدل للصحيح من المذهب.
• قوله في المسألة [٦٥١/ ٤٦]: «وعنه: لا يغطَّى وجهه - أي المحرم - ولا رجلاه»، ثم قال «والظاهر عنه جواز تغطيتهما».
• قوله في المسألة [٦٦٥/ ٦٠]: «وإن كفن في قميصٍ ومِئزرٍ ولفافةٍ جاز؛ والأول أفضل -أي الكفن باللفائف البيض -».
• قوله في المسألة [٦٨٠/ ٧٥]: «ويصلى على الغائب بالنية»، قال: «وهو وأصح».
• قوله في المسألة [٦٩٢/ ٨٧]: «وإن جاءت - أي الجنازة - وهو جالسٌ لم يقم لها»، وقال: «هو أولى».
• قوله في المسألة [٧١٩/ ١١٤]: «ولا يجوز النَّدب ولا النياحة، وقال: «وظاهر الأخبار التحريم».
كتاب الزكاة:
• قوله في المسألة [٧٢١/ ٢]: «وفي بقر الوَحش روايتان: إحداهما: فيها الزَّكاة»، ثم قال: «والأخرى: لا زكاة فيها، وهي أصحُّ».
• قوله في المسألة [٧٣٧/ ١٨]: «وإذا مضى حولان على نصابٍ لم يؤد زكاتها فعليه زكاةٌ واحدةٌ إن قلنا تتعلق بالعين؛ لأن الزَّكاة الأولى تعلقت بقدر الفرض فنَقَصَ النِّصاب في الحول الثاني، وهو ظاهر المذهب نقله الجماعة