← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(والمبتَدَأة: تجلس يومًا وليلةً (١) إذا كانت في سنٍّ تحيض لمثله (٢)، فإنها تترك الصوم والصلاة؛ لأن دم الحيض دم جبلةٍ وعادةٍ، ودم الفساد لمرضٍ ونحوه، والأصل عدمه، فإن انقطع لأقلَّ من يومٍ وليلةٍ فهو دم فسادٍ (٣)، وإن بلغ ذلك جلست يومًا وليلةً، فإن انقطع دمها لذلك اغتسلت وصلت وكان ذلك حيضها. (٤) وإن زاد على يومٍ وليلةٍ ففيه أربع رواياتٍ: إحداهن: أنها تغتسل عَقيب اليوم والليلة وتصلي؛ لأن العبادة واجبةٌ بيقينٍ، وما زاد على أقلِّ الحيض مشكوكٌ فيه، فلا نُسقطها بالشك، فإن انقطع دمها ولم [يعبر] (٥) أكثر الحيض اغتسلت غسلًا ثانيًا، ثم تفعل

стр. 282

ذلك في شهرٍ آخر. وعنه: في شهرين آخرين (١)، فإن كان في الأشهر كلها مدته واحدةٌ علمت أن ذلك حيضها فانتقلت إليه، وعملت عليه، وأعادت ما صامت من الفرض؛ لأنَّا تبينَّا أنها صامته في حيضها. والثانية: تجلس ما تراه من الدم إلى أكثر الحيض؛ لأنه دم يصلح حيضًا فتجلسه كاليوم والليلة. والثالثة: تجلس ستًّا أو سبعًا؛ لأنه غالب حيض النساء ثم تغتسل وتُصلي. والرابعة: تجلس عادة نسائها؛ لأن الغالب أنها تُشبِهُهُن في ذلك. (٢) [١٨٧/ ٢٠] مسألة: (وإن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضةٌ، فينظر) في دمها، فإن كان متميِّزًا، (بعضه أسود ثخين منتنٌ، وبعضه رقيقٌ أحمرُ)، وكان الأسود لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله، فهذه مميِّزة، (حيضها زمن الدم الأسود (٣) فتجلسه، فإذا خَلَّفته اغتسلت وصلت؛ لما روي أن فاطمة بنت أبي حُبَيش ﵂ قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «إن ذلكِ عرقٌ، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك

стр. 283

الدم وصلي» متفقٌ عليه (١)، يعني، بإقباله: سوادَه ونَتْنَه، وبإدباره: رقَّتَه وحُمْرتَه، وفي لفظٍ: قال لها: «إذا كان دم الحيض فإنه أسودُ يُعْرَف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، إنما هو عِرق» رواه النسائي (٢)، ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني والمذي. (وإن لم تكن متَميِّزةً (٣) ففيها روايات: الأولى: تجلس من كل شهرٍ ستة أيامٍ أو سبعةً)؛ لما روي أن حَمْنة بنت جحشٍ قالت: يا رسول الله إني أستحاض حيضةً شديدةً منكرةً قد منعتني الصوم والصلاة؟ فقال لها: «تَحيَّضي ستة أيامٍ أو سبعةَ أيام في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين ليلةً أو أربعًا وعشرين ليلةً وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك وكذلكِ فافعلي في كل شهرٍ كما تحيض النساء وكما يطهرن» رواه الترمذي وقال: «حديثٌ حسنٌ» (٤). (والثانية: أقلَّه)؛ لأنه اليقين. (والثالثة: أكثرَه)؛ لأنه يصلح أن يكون حيضًا. (والرابعة: عادةَ نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها)؛ لأن الظاهر أنها تشبههن في ذلك. (٥)

стр. 284

(وذكر أبو الخطاب في المبتدَأة أول ما ترى الدم الرواياتِ الأربع (١) وقد مضى ذكرها في أول فصل المبتدأة. [١٨٨/ ٢١] مسألة: (وإن استحيضت المعتادة (٢) فلا تخلو من حالين: أحدهما: أن تكون ذاكرةً لعادتها غير مميِّزة، فإنها تجلس قدر عادتها، ثم تغتسل بعدها وتصلي وتصوم؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيش ﵂: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» متفقٌ عليه (٣).

стр. 285

وإن كانت مميزةً ففيها روايتان: إحداهما: تعمل بالعادة؛ لهذا الحديث، والأخرى: تعمل بالتَّمييز، اختاره الخرقي (١)؛ لما سبق من أدلته. (٢) الحال الثاني: أن تكون ناسيةً لعادتها، فإن كانت مميزةً عملت بتمييزها؛ لأنه دليل لا معارض له فوجب العمل به كالمبتدأة. (٣) وإن لم تكن مميزةً فهي على ثلاثة أضرب: الأول: المتحيِّرة: وهي الناسية لوقتها وعددها، ففيها الروايات الأربع وقد سبق توجيههن (٤)، وتجعل حيضها في أول كل شهرٍ في أحد الوجهين؛ لقول النبي ﷺ : «تحَيَّضي في علم الله ستة أيامٍ أو سبعةً من كل شهرٍ، ثم اغتسلي وصلي فيه ثلاثةً وعشرين» (٥)، فجعل حيضها من أوله والصلاة في [بقيَّتِه] (٦)، والآخر: تجلسه بالاجتهاد؛ لأن النبي ﷺ

стр. 286

رَدَّها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع، فكذلك في أول الوقت، وإن علمت أن حيضها في وقت من الشهر كالنصف الأول ولم تعلم موضعه منه ولا عدده فكذلك، إلا أن اجتهادها يختص ذلك الوقت دون غيره. (١) الضرب الثاني: أن تعلم عددها وتنسى وقتها، نحو أن تعلم أن حيضها خمس، ولا تعلم لها وقتًا، فهذه تجلس قدر أيامها من أول كل شهرٍ في أحد الوجهين (٢)، وفي الآخر: تجلسه بالتَّحري لما سبق. وإن علمته في وقت من الشهر، مثل إن علمت أن خمسها (٣) في العشر الأول من الشهر أو العشر الأوسط، جلست قدر أيامها من ذلك الوقت دون غيره. (٤) الضرب الثالث: ذكرت وقتها ونسيت عددها، مثل أن تعلم أن اليوم العاشر من حيضها، ولا تدري قدره، فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحَيِّرة، واليوم العاشر حيضٌ بيقينٍ، فإن علمته أول حيضها جلست بقية أيامها بعده، وإن علمته آخر حيضها جلست الباقي قبله، وإن لم

стр. 287

تعلم أوله ولا آخره جلست مما يلي أول الشهر في أحد الوجهين، وفي الآخر: تجلس بالتَّحري. (١) [١٨٩/ ٢٢] مسألة: (وإن تغيرت العادة بزيادةٍ، أو تقدُّمٍ، أو تأخُّرٍ، أو انتقالٍ، فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرَّر ثلاثًا، أو مرتين على اختلاف الروايتين (٢)، وذلك أن المرأة متى رأت الدم في غير عادتها قبلها أو بعدها مع بقاء عادتها أو طهرها فيها أو في بعضها، فإنها لا تجلس ما خرج عن العادة حتى يتكرر. وفي قدره روايتان: إحداهما: ثلاثًا؛ لقول النبي ﷺ : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (٣)، وأقل ذلك ثلاث. والثانية: مَرَّتان؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، وذلك يحصل بمرتين. فعلى هذا تصوم وتصلي فيما خرج عن العادة مرتين أو ثلاثًا، فإذا تكرر انتقلت إليه، وصار عادةً، وأعادت ما صامته من الفرض فيه؛ لأنّا تبينّا أنها صامته في حيضها. (٤) قال شيخنا ﵀ (٥): «ويَقوى عندي أنها تجلس متى رأت دمًا يمكن

стр. 288

أن يكون حيضًا وافق العادة أو خالفها؛ لأن عائشة ﵂ قالت: «لا تعجلن حتى تَرَين القَصَّةَ البيضاء (١) (٢)، ولم تقيده بالعادة، وظاهر الأخبار يدلُّ على أن النساء كن يعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير افتقاد (٣) عادة، ولم ينقل عنهن ذكر العادة، ولا عن النبي ﷺ بيان لها ولا استفصال عنها، إلا في التي قالت: «إني أستحاض فلا أطهر» (٤) وشِبهها من المستحاضات، أما في امرأة يأتي دمها في وقت يمكن أن يكون حيضًا ثم تطهر فلا، والظاهر أنهن جرين على العرف واعتقاد ذلك حيضًا، ولم يأت من الشرع تغييره، ولذلك أجلسنا المُبتَدأة من غير تقدم عادة، ورجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر، وتزيد وتنقص، وفي اعتبار العادة على هذا الوجه إخلاء بعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها للدم في وقت الحيض على صفته، وهذا لا سبيل إليه» (٥). (٦)

стр. 289

[١٩٠/ ٢٣] مسألة: (وإن طَهَرَت في أثناء عادتها اغتسلت وصَلَّت)؛ لأن ابن عباس ﵁ قال: «أما ما رأت الطُّهر ساعةً فلتغتسل» (١)، وقالت عائشة ﵂: «لا تعجلن حتى تَرَينَ القَصَّة البيضاء» (٢) - بضم القاف، قاله الزهري (٣) (٤) (٥)، وهي القطنة تحشوها المرأة إذا خرجت بيضاء لا تغير عليها، وقال أحمد: «تخرج على القطنة نقطةٌ بيضاء هي علامة الطُّهر وتسمى التَّرِيَّةَ أيضًا (٦) (٧)، ووصف الله سبحانه الحيض بكونه أذًى، فإذا زال الأذى وجب أن يزول الحيض.

стр. 290

[١٩١/ ٢٤] مسألة: (فإن عاودها الدم في العادة ففيها روايتان: (١) إحداهما: أنه من حيضها؛ لأنه دم صادف زمان العادة (٢) أشبه ما لو لم ينقطع. والثانية: لا يكون حيضًا؛ لأنه عاد بعد طهر صحيح أشبه ما لو عاد بعد العادة. (٣) فأما إن عاد بعد العادة وأمكن أن يكون حيضًا فتكرَرَّ فهو حيضٌ (٤)، وإن لم يتكرَّرَ فليس بحيضٍ، وإن لم يمكن أن يكون حيضًا فهو استحاضة على كل حال، [وإنما] (٥) يكون حيضًا في صورتين: إحداهما: أن يكون بانضمامه إلى الدم الأول لا يكون بين طرفيهما زيادة على أكثر الحيض ولا بينهما أقل الطُّهر فيكون الجميع حيضةً واحدةً، ويلفَّق (٦) أحد الدمين إلى الآخر. والثانية: أن يكون بين الدمين ثلاثة عشر يومًا طهرًا أو خمسة عشر (٧)، فيكون الدم الثاني حيضةً إذا بلغ كل دم أقل الحيض، فإن بلغ

стр. 291

أحدهما دون الآخر فهو حيض وحده والآخر دم فساد، وما عدا هذا فلا يمكن أن يكون حيضًا. بيان ذلك: ما لو كانت عادتها عشرةً في أول كل شهر، فحاضت خمسةً وطَهَرت خمسةً ورأت خمسةً دمًا، وتكرَّرَ ذلك، صارت العشرة حيضًا، يُلفَّق الدم الثاني إلى الأول، فلو رأت الدم الثاني ستةً أو سبعةً لم يمكن أن يكون حيضًا؛ لأن بين طرفيها أكثر من أكثر الحيض، ولو كانت عادتها خمسةً من أول الشهر فرأت يومين دمًا ثم طَهَرَت ثلاثة عشر، ثم رأت يومين دمًا، ثم طَهَرَت وتكرَّرَ، صار لها حيضتان في كل شهر؛ لأن بين كل دمين طهرًا صحيحًا، ولو كان بينهما من الطهر اثنا عشر يومًا لم يكن الثاني حيضًا؛ لأنه لا يمكن أن يكون من الأول؛ لأن بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يومًا، ولا حيضةً مبتدأةً؛ إذ ليس بينهما أقل الطهر، وهكذا لو رأت ثلاثةً دمًا واثني عشر يومًا طهرًا، ثم رأت يومًا أو يومين دمًا. (١) [١٩٢/ ٢٥] مسألة: (والصُّفرَة والكُدرة في أيام الحيض من الحيض)، يعني إذا رأت في أيام عادتها صفرةً وكدرةً فهو حيضٌ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذا يتناول الصُّفرة والكُدرة. وروى الأثرم بإسناده أن عائشة ﵂ كانت يبعث إليها النساء بالدُّرجةِ فيها الكُرسف فيها الصفرة والكدرة فتقول: «لا تعجلن حتى تَرَينَ القَصَّة البيضاء» (٢)، تريد بذلك الطهر من الحيضة، وإن رأته بعد طهرها لم

стр. 292

تلتفت إليه؛ لما روت أم عطية ﵂ (١) قالت: «كنا لا نعد الصُّفرَة والكُدرَة بعد الطهر شيئًا» متفقٌ عليه (٢). [١٩٣/ ٢٦] مسألة: (ومن كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا، فإنها تضم الدم إلى الدم فيكون حيضًا والباقي طهرًا)؛ لقول ابن عباس ﵁: «لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعةً إلا أن تغتسل» (٣)، ثم إن انقطع لخمسة عشر فما دون فجميعه حيض، تغتسل عقيب كل يوم وتصلي في الطهر. (٤) (وإن عَبر الخمسة عشر، فهي مستحاضةٌ ترد إلى عادتها)، فإن كانت عادتها سبعةً متواليةً جلست ما وافقها من الدم، فيكون حيضها منه ثلاثة أيام أو أربعةً (٥)، وإن كانت ناسيةً فأجلسناها سبعةً فكذلك، وإن أجلسناها أقل الحيض جلست يومًا وليلةً لا غير (٦).

стр. 293

وإن كانت مميزَةً ترى يومًا دمًا أسودَ ثم ترى نقاءً، ثم ترى أسودَ إلى عشرة أيام ثم ترى دمًا أحمرَ ويعبُر أكثر الحيض، رُدَّت إلى التَّمييز، فيكون حيضها زمن الدم الأسود دون غيره، ولا فرق بين أن ترى الدم زمنًا يمكن أن يكون حيضًا كيومٍ وليلةٍ أو دون ذلك كنصف يوم ونصف يوم (١)، فإن كان النقاء أقل من ساعةٍ فالظاهر أنه ليس بطهرٍ. وقد روي عن أحمد ﵀: «أن النَّقاء إذا كان أقل من يوم فليس بطهرٍ» (٢)؛ لأن الدم يجري تارةً وينقطع أخرى، وقالت عائشة ﵂: «لا تعجلن حتى تَرَينَ القَصَّة البيضاء» (٣). (والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت من الصلوات)، والمستحاضة: هي التي ترى دمًا ليس بحيض ولا نفاس، حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها؛ لأنها نجاسة غير معتادة أشبه سلس البول. فإذا أرادت الصلاة غسلت فرجها وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقَأتْ عَصبَت فرجها واستَوثَقَت بالشَّد والتَّلجُّم: وهو أن تَسْتَثفِرَ بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج، وهو المذكور في حديث أم سلمة ﵂: «لتَستَثفِر بثوب»، وقال لحمنة ﵂: «تَلَجَّمي»، ثم تتوضأ وتصلي؛ لما روي أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش ﵂ حين شكت إليه كثرة الدم: «أنْعَتُ لك الكُرْسُفَ، يعني القطنَ تحشي به

стр. 294

المكان. قالت: إنه أشد من ذلك. قال: تَلَجَّمي» (١). وعن أم سلمة ﵂: أن امرأةً كانت تُهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضُهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك، فإذا خَلَّفت (٢) ذلك فلتغتسل، ثم لْتَسْتَثفِر بثوب ثم لْتُصَلِّ» رواه أبو داود (٣). فإن خرج الدم بعد الوضوء فإن كان لتفريطٍ في الشَّد أعادت الوضوء؛ لأنه حدثٌ أمكن التحرز منه، وإن خرج لغير تفريط فلا شيء عليها؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «اعتَكَفَتْ مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه، وكانت ترى الدم والصُّفرة، والطَّست تحتها وهي تصلي» رواه البخاري (٤)، ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط. فرعٌ: وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، والنوافل قبل الفريضة وبعدها حتى يخرج الوقت فيبطل به طهارتها، وتستأنف الطهارة لصلوات أخرى؛ لما روي في حديث فاطمة (٥) أن النبي ﷺ قال لها: «ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي»، قال الترمذي: «حديثٌ

стр. 295

صحيحٌ» (١) يعني: توضئي لوقت كل صلاة، ولأنها طهارة عذرٍ وضرورةٍ فتقيدت بالوقت كالتيمم. (٢) [١٩٤/ ٢٧] مسألة: (وحكم من به سلس البول أو المذي أو الريح أو الجرح الذي لا يرقَأ دمه أو الرُّعاف الدَّائم) حكمها في ذلك، إلا أن ما لا يمكن عَصبُه يصلي بحاله فقد صلى عمر وجرحه يَثعُب دمًا (٣). [١٩٥/ ٢٨] مسألة: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين:) إحداهما: لا يباح؛ لأن دم الاستحاضة أذًى في الفرج أشبه دم الحيض، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقالت عائشة: «المستحاضة لا

стр. 296

يغشاها زوجها» (١). والرواية الأخرى: يباح مطلقًا؛ لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش ﵂: «أنها كانت مستحاضةً، وكان زوجها يجامعها» (٢)، وقال أيضًا: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» (٣)، ولأن حَمْنَة كانت تحت طلحة (٤)، وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف (٥)، وقد سألتا رسول الله ﷺ عن أحكام المستحاضة، فلو كان حرامًا بينه لهما، ولأنهما في حكم الطاهرات في الصلاة والصيام وغيرهما، فكذلك في الوطء. (٦) فرعٌ: وإن خاف على نفسه العنت أبيح الوطء؛ لأنه يتطاول فيَشقُّ التحرز منه، وحكمه أخف؛ لعدم ثبوت أحكام الحيض فيه. والنِّفاس: خروج الدم بسبب الولادة (٧)، وحكمه: حكم الحيض فيما يحرم، ويجب، ويسقط به؛ لأنه دم حيض مجتمع، احتبس لأجل

стр. 297

الحمل. (وأكثره أربعون يومًا)؛ لما روت أم سلمة ﵂ قالت: «كانت النُّفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا أو أربعين ليلةً» رواه أبو داود والترمذي (١)، وقال: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين أن النُّفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي» (٢). (٣) (وليس لأقله حَدٌّ، أيُّ وقتٍ رأت الطهر فهي طاهرةٌ، تغتسل وتصلي) كالحيض. (٤) (ويستحب لزوجها الإمساك عن وطئها حتى تُتِمَّ الأربعين)؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ (٥) أن زوجته أتته قبل الأربعين فقال: «لا تقربيني» (٦)، ولأنه لا يأمن عود الدم فيكون واطئًا في نفاس.

стр. 298

[١٩٦/ ٢٩] مسألة: (وإذا انقطع دمها في مدة الأربعين، ثم عاد فهو نِفاسٌ)؛ لأنه في مدته أشبه الأول. (وعنه: أنه مشكوكٌ فيه، تصوم، وتصلي، وتقضي الصوم (١) احتياطًا، لأن الصوم واجبٌ بيقينٍ، فلا يجوز تركه لعارض مشكوكٍ فيه، ويفارق الحيض المشكوك فيه: وهو ما زاد على الست والسبع في حق الناسية؛ لأنه يتكرر ويَشُقُّ قضاؤه، والنفاس بخلافه. (٢) [١٩٧/ ٣٠] مسألة: (وإن ولدت توأمين، فالنفاس من الأول)؛ لأنه دمٌ خرج عقيب الولادة فكان نفاسًا، كما لو كان منفردًا، (وآخره منه)، فإذا كَمّلت أربعين من ولادة الأول انقضت مدته؛ لأنه نفاسٌ واحدٌ بحملٍ واحدٍ فلم يزد على أربعين. (وعنه: أن ابتداءه من الأول (٣) ثم تستأنف من الثاني (٤)؛ لأن كل واحدٍ منهما سببٌ للمدة، فإذا اجتمعا اعتبر أولها من الأول، وآخرها من الثاني، كالوطء في إيجاب العدة. (٥) * * *

стр. 299

كتاب الصلاة الصلوات المكتوبات خمسٌ؛ لما روى طلحة بن عبيد الله ﵁: «أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تَطَّوَّع شيئًا». متفقٌ عليه (١). [١٩٨/ ١] مسألة: (لا تجب الصلاة إلا على المسلمِ)؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]، ولقوله في حديث معاذ ﵁: «وادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلةٍ» (٢)، ولأن الكافر لا يصحُّ منه أداؤها، ولا يلزمه قضاؤها، فلم تكن واجبةً عليه كالمجنون. [١٩٩/ ٢] مسألة: (ويشترط البلوغ، والعقل)؛ لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاثٍ: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»، حديثٌ حسنٌ (٣). [٢٠٠/ ٣] مسألة: (ولا تجب على الحائض)؛ لقول عائشة ﵂: «كنا

стр. 300

نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» متفقٌ عليه (١)، والنفساء مثلها. [٢٠١/ ٤] مسألة: (وتجب على النائم)، إذا انتبه صلاها؛ لقوله ﵇: «من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها» رواه مسلم (٢). (وتجب على من زال عقله بسكْرٍ، أو إغماءٍ، أو شُربِ دواءٍ)؛ لأن عمّارًا ﵁ أغمي عليه فقضى ما فاته (٣)، ولأن مُدَّته لا تتطاول، ولا تثبت الولاية عليه، فوجبت عليه كالنائم. [٢٠٢/ ٥] مسألة: (ولا تجب على كافرٍ) أصليًّا كان أو مرتدًّا؛ لأنه أسلم خلقٌ كثيرٌ في زمن رسول الله ﷺ فلم يأمرهم بالقضاء، ولأن في إيجاب القضاء تنفيرًا لهم عن الإسلام فعُفي عنه. (٤) (ولا تجب على المجنون)، لما سبق، (ولا تصِحُّ منه)؛ لأنه ليس من

стр. 301

أهل التكليف أشبه الطفل. (١) [٢٠٣/ ٦] مسألة: (ولا تصِحُّ من الكافر)؛ لأنه ليس من أهل العبادات. (فإن صلى حكم بإسلامه)؛ لقوله ﵇: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، فله ما لنا، وعليه ما علينا» (٢)، ولأنها أحد مباني الإسلام المختصة به، فإذا فعلها حكم بإسلامه كالشهادتين، وقال ﵇: «بيننا وبينهم الصلاة» (٣)، فجعل الصلاة حدًّا فمن أتى بها فينبغي أن يدخل في حدِّ الإسلام. [٢٠٤/ ٧] مسألة: (ولا تجب على صبيٍّ)؛ للخبر (٤). (وعنه: تجب على من بلغ عشرًا (٥)؛ لكونه يعاقب على تركها، والواجب ما عوقب على تركه. (٦)

стр. 302

(ويؤمر بها لسبعٍ، ويضرب على تركها لعشرٍ)؛ لقوله ﵇: «مروهم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ» رواه أبو داود (١). [٢٠٥/ ٨] مسألة: (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في الوقت، لزمته إعادتها)؛ لأنه صلّاها نفلًا فلم تجزه عما أدرك وقته من الفرض كالحج. [٢٠٦/ ٩] مسألة: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها)؛ لقوله ﵇ في حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁: «أَما إنه ليس [في] (٢) النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يَجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» أخرجه مسلم (٣)، وهذا يدل على أنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها؛ لأنه سمّاه تفريطًا. [٢٠٧/ ١٠] مسألة: (إلا لمن ينوي الجمع، أو لمشتغلٍ بشرطها)، أما الجمع فإنه يجوز تأخير الأولى حتى يدخل وقت الثانية؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله (٤). وأما المشتغل بشرطها؛ فلأن الصلاة لا تصح بدون شرطها المقدور

стр. 303

عليه، فمتى كان شرطًا مقدورًا عليه وجب عليه الاشتغال بتحصيله، ولا يأثم بتأخير الصلاة في مدة تحصيله كالمشتغل بنفس الوضوء والاغتسال. (١) [٢٠٨/ ١١] مسألة: (ومن جحد وجوبها كفر)، بالإجماع (٢)، فإذا تركها جاحدًا كان حكمه حكمَ المرتدين. (وإن كان متهاونًا وهو مقرٌّ بوجوبها (٣)، دُعي إلى فعلها)، ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك. (فإن صلَّى (٤) وإلا قتل بالسيف)؛ لقوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» حديثٌ صحيحٌ (٥)، والصحابة ﵃ أجمعوا على قتال مانعي الزكاة (٦)، والصلاة في معناها، والمتهاون كالجاحد في التَّركِ. (٧)

стр. 304

واختلفت الرواية في الذي يجب قتله، فقال القاضي: «فيه روايتان: إحداهما: يجب بترك صلاةٍ واحدةٍ وضيق وقت الثانية؛ لأنه إذا ترك الأولى لم يعلم أنه عزم على تركها، فإذا خرج وقتها علمنا أنه تركها، لكن لا يجب قبله لأنها فائتةٌ، والفائتة وقتها موسَّعٌ، فيُصبَر له حتى يتضايق وقت الثانية. (والرواية الأخرى: لا يجب) قتله (حتى يترك ثلاث صلواتٍ ويتضايق وقت الرابعة) عن فعلها؛ لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهةٍ، فإذا رأيناه ترك الرابعة علمنا أنه عزم على تركها فيجب قتله» (١)؛ لقوله ﵇: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذِّمة» (٢) وهذا يدل على إباحة قتله، وقال ﵇: «نهيت عن قتل المصلين» (٣)، فمفهومه أنه لم ينه عن قتل غيرهم، وقال: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» رواه مسلم (٤)، والكفر مبيح للقتل بدليل قوله ﵇: «لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعد إيمانٍ، أو زنًا بعد إحصان، أو قتلُ نفسٍ بغير

стр. 305

حقٍّ» متفقٌ على معناه (١). (٢) (فإذا وجب قتله لم يقتل حتى يُستتاب ثلاثًا)، ويضيق عليه، ويدعى

стр. 306

إلى فعل كل صلاة في وقتها، ويقال له إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه قَتْل لترك واجبٍ؛ فتتقدمه الاستتابة؛ كقتل المرتد (١). (فإن تاب وإلا قتل بالسيف)؛ لقوله ﵇: «إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، ليُحِدَّ أحدكم شفرتَه ولْيُرِح ذبيحتَه» أخرجه مسلم (٢). [٢٠٩/ ١٢] مسألة: (وهل يُقتل حدًّا، أو لكفره؟ فيه روايتان:) إحداهما: لكفره، وهو كالمرتد في أحكامه؛ لقول النبي: ﷺ «بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة» رواه مسلم (٣)، ولأنها من دعائم الإسلام، لا تدخلها نيابةٌ بنفسٍ ولا مالٍ، فيَكفر تاركها كالشهادتين. والثانية: يقتل حدًا كالزاني المحصن؛ لقول النبي ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» من المسند (٤)، ولو كفر لم يدخل في المشيئة. (٥) * * *

стр. 307

باب الأذان والإقامة (وهما مشروعان للصَّلوات الخمس)؛ بدليل حديث عبد الله بن زيد ﵁ (١) (٢). (ولا يشرعان لغيرها)؛ لأن المقصود منهما الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها. [٢١٠/ ١] مسألة: وهما مشروعان (للرجال دون النساء)، قال الحسن (٣)، وإبراهيم (٤)، والشعبي (٥)،

стр. 308

وسليمان بن يسار (١): «ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ» رواه سعيد (٢). (٣) (وهما فرض كفايةٍ)؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فلم يجز تعطيلهما كالجهاد. (فإن اتفق أهل بلدٍ على تركهما قاتلهم الإمام)؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فيقاتلهم على [تركهما] (٤) كالعيدين. (٥) [٢١١/ ٢] مسألة: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر

стр. 309

الروايتين)؛ لما روى عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: «إن آخر ما عهد إليَّ النبي ﷺ أن أتخذَ مؤذِّنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا»، قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ» (١)، ولأنه قربةٌ لفاعله أشبه الإمامة. (٢) (وإن لم يوجد من يتطوع به رَزَقَ الإمام من بيت المال من يقوم به)؛ لأن الحاجة داعية إليه، فجاز أخذُ الرَّزْقَ عليه كالجهاد. (٣) [٢١٢/ ٣] مسألة: (وينبغي أن يكون المؤذن صيِّتًا)؛ لأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن زيد ﵁: «ألْقِهِ على بلالٍ؛ فإنه أندى صوتًا منك» (٤)، ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان. وأن يكون (أمينًا)؛ لأنه يؤتمن على الأوقات فإذا لم يكن عدلًا غرَّهم بأذانه في غير الوقت. ويكون (عالمًا بالأوقات) ليتمكن من الأذان في أوائلها. (٥) [٢١٣/ ٤] مسألة: (فإن تشاحَّ نفسان في الأذان قدم أفضلهما في هذه الخصال المذكورة)؛ لأن النبي ﷺ قدم بلالًا على عبدالله لكونه أندى صوتًا (٦)، وقسنا عليه باقي الخصال.

стр. 310

(ثم) يقدم (أفضلهما في دينه وعقله)، إن استويا في الخصال. (ثم من يختاره الجيران)، لأن الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثرٌ في التقدم. (فإن استويا أقرع بينهما)؛ لقول النبي ﷺ «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفقٌ عليه (١)، وتشاحَّ الناس في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد ﵁ (٢). (٣) [٢١٤/ ٥] مسألة: (والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة كلمة)؛ وأصله حديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه قال: «لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائمٌ رجلٌ يحمل ناقوسًا، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدُلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله

стр. 311

أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيدٍ، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة فذكر الإقامة مفردةً، غير أنه يقول قد قامت الصلاة مرتين، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حقٌّ إن شاء الله، فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت عليه فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك» رواه أبو داود (١). فهذه صفة الأذان والإقامة المستحبين؛ لأن بلالًا كان يؤذن به حضرًا وسفرًا مع رسول الله ﷺ إلى أن مات (٢). (وهو خمس عشرة كلمةً، والإقامة إحدى عشرة، وليس فيه ترجيعٌ)، والترجيع: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك صوته ثم يعيدهما رافعًا بهما صوته (٣). (٤) (فإن رجَّع في الأذان، أو ثَنّى الإقامة فلا بأس)؛ لما روى أبو محذورة ﵁ (٥) أن النبي ﷺ قال له تقول: «أشهد أن لا إله إلا

стр. 312

الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فذكر مرتين تخفض بهما صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله فذكر مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله فذكر مرتين» حديثٌ صحيحٌ (١). وتثنية الإقامة: أن يجعلها مثل الأذان (٢)؛ لحديث عبدالله بن زيد ﵁: «أن الذي علمه الأذان أمهل هنيهة، ثم قام فقال مثلها» رواه أبو داود (٣)، وروى ابن مُحيريز (٤) عن أبي محذورة ﵁ أن النبي ﷺ

стр. 313

علمه الإقامة سبعة عشر كلمة (١). (٢) [٢١٥/ ٦] مسألة: (ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين)؛ لما روى أبو محذورة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: «إن كان في أذان الصبح قلتَ: الصلاة خير من النوم مرتين» رواه النسائي (٣)،

стр. 314

ويكون بعد الحَيعلة؛ لما روى النسائي عن أبي محذورة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله عَلِّمني سُنَّة الأذان؟ فذكر إلى أن قال بعد قوله: «حي على الفلاح» فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» (١). (٢) [٢١٦/ ٧] مسألة: (ويستحب أن يترسل في الأذان، ويَحدُر الإقامة (٣)؛ لأن النبي ﷺ قال: «يا بلال إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحْدُر» رواه أبو داود (٤)، ولأن الأذان إعلام الغائبين، والترسُّل فيه أبلغ في الإسماع، والإقامة إعلام الحاضرين، فلم يحتج إلى الترسل فيه. [٢١٧/ ٨] مسألة: (ويؤذن قائمًا)؛ لقول النبي ﷺ لبلال ﵁: «قم فأذن» (٥)، ولأنه أبلغ في الإسماع. (٦)

стр. 315

ويكون (متطهرًا)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» رواه الترمذي (١)، وروي موقوفًا على أبي هريرة وهو أصح (٢)، فإن أذن مُحْدثًا جاز؛ لأنه لا يزيد على قراءة القرآن. (٣) [٢١٨/ ٩] مسألة: ويكون (على موضعٍ عالٍ)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، وروي أن بلالًا ﵁ كان يؤذن على سطح امرأة (٤). [٢١٩/ ١٠] مسألة: ويكون (مستقبل القبلة)، وهذا إجماع، ولأن مؤذني النبي ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة (٥). (٦) [٢٢٠/ ١١] مسألة: (ويلتفت يمينًا إذا قال: حي على الصلاة، ويسارًا

стр. 316

إذا قال: حي على الفلاح، ولا يزيل قدميه (١)، ويجعل إصْبَعَيهِ في أذنيه)؛ لما روى أبو جُحيفة (٢) ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في قُبةٍ حمراء من أدمٍ، وأذن بلالٌ، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح» متفقٌ عليه (٣)، وفي لفظ: «ولم يستدر وإصْبَعاه في أذنيه» رواه الترمذي (٤). (٥) [٢٢١/ ١٢] مسألة: (ويتولاهما معًا)؛ لما روى زياد بن الحارث الصُدَائي ﵁ (٦) أنه أذن، فجاء بلال ﵁ ليقيم فقال النبي ﷺ : «إن أخا

стр. 317

صُداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» من المسند (١). (٢) [٢٢٢/ ١٣] مسألة: (ويستحب أن يقيم في موضع أذانه إلا أن يشقَّ عليه)، مثل أن يكون قد أذن في مكانٍ بعيدٍ؛ لقول بلالٍ ﵁ للنبي ﷺ : «لا تسبقني بآمين» (٣). (٤) [٢٢٣/ ١٤] مسألة: (ولا يصِحُّ الأذان إلا مرتَّبًا، متواليًا)؛ لأنه لا يعلم أنه أذان بدونهما. (فإن نَكَّسَهُ، أو فرَّقه بسكوتٍ طويلٍ، أو كلامٍ كثيرٍ، أعاد (٥)؛ لما ذكرناه، ولأنه أخل بالموالاة، وإن كان الكلام يسيرًا بنى؛ لأن ذلك لا يبطل الخطبة، وهي آكد منه. إلا أن يكون كلامًا محرمًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل؛ لأنه لا يخل بالمقصود منه.

стр. 318

والثاني: يبطل؛ لأنه فعل فيه محرمًا. (١) [٢٢٤/ ١٥] مسألة: (ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، فإنه يُؤذن لها بعد نصف الليل)، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلوات بعد دخول وقتها، إلا الفجر» (٢)، ولأن الأذان شرع للإعلام بالوقت، فلا يشرع قبله لئلا يذهب مقصوده. وأما الفجر فيجوز أن يؤذن لها قبل وقتها؛ لقول النبي ﷺ : «إن بلالًا يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (٣) متفقٌ عليه (٤)، وهذا يدل على دوام ذلك منه، والنبي ﷺ أقرّه عليه، ولم ينهه، فثبت جوازه، وإنما خصَّ الفجر بذلك؛ لأنه وقت النوم؛ لينتبه الناس، ويتأهبوا للخروج إلى الصلاة، وليس ذلك في غيرها. وفي حديثٍ رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال: «إن بلالًا يؤذن بليلٍ؛

стр. 319

ليوقظ نائمَكم، ويَرْجِعَ قائمكم» (١). (٢) ولا ينبغي أن يتقدم ذلك على الوقت كثيرًا إذا كان المعنى فيه ما ذكرنا، فيفوت المقصود منه، وقد روي أن بلالًا ﵁ إنما كان بين أذانه وأذان ابن أم مكتوم أن ينزل هذا ويصعد هذا (٣). وأحبَّ أحمدُ ﵀ لمن يؤذن قبل الصبح أن يكون معه مؤذنٌ آخر يؤذن إذا أصبح، كفعل بلالٍ وابن أم مكتوم اقتداءً برسول الله ﷺ . (٤) والأَولى لمن أراد الأذان قبل الوقت أن يكون له وقتٌ واحد يتعهده بالتأذين فيه؛ ليعلم ذلك الوقت بأذانه، ولا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى؛ لئلا يُلبِّس على الناس ويغرَّهم، فيمتنع المُتسحِّر من سَحوره، والمتنفل من صلاته لظنه أن الوقت قد دخل، وربما يصلي الصبح من

стр. 320

يسمعه بناءً على أذانه. وقال أصحابنا: يُؤذِّنَ للفجر بعد نصف الليل؛ لما روى الأثرم عن ابن جابر (١) قال: «كان مؤذن مسجد دمشق (٢) يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكبُ ستةَ أميالٍ أو نحوها قبل صلاة الصبح، قال: فلا ينكر ذلك مكحول، ولا يقول فيه شيئًا» (٣). (٤) [٢٢٥/ ١٦] مسألة: (ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسةً خفيفةً، ثم يقيم)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سُنَّةٌ» رواه تمّامٌ (٥) في
следующие страницы →