← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

خلفه قيامًا)؛ لأن عائشة ﵂ قالت: «لما ثقل رسول الله ﷺ قال: مروا أبا بكرٍ فليُصَلِّ بالناس، فلما دخل أبو بكر في الصلاة خرج النبي ﷺ فجاء رسول الله حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائم يقتدي بصلاة رسول الله، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» متفقٌ عليه (١)، فأتموا قيامًا؛ لابتدائهم قيامًا. فأما غير إمام الحي فلا يصح أن يؤم قادرًا على القيام وهو جالس؛ لعدم الحاجة إلى تقديمه مع عجزه. [٤٨٠/ ٣٣] مسألة: (ولا تصح إمامة المرأة بالرجال)؛ لقوله ﵇: «لا تَؤمَّنَّ امرأةٌ رجلًا» (٢)، ولأنها ليست من أهل الكمال، أشبهت الصبي. (٣) (ولا تصح إمامة الخنثى للرجال ولا الخَناثى)، وتصح بالنساء؛ لأن أدنى أحواله أن يكون امرأةً، وإنما لم تصح بالرجال لاحتمال أن يكون امرأةً، ولم تصح بالخَناثى؛ لأنه يحتمل أن يكون المأموم رجلًا. [٤٨١/ ٣٤] مسألة: (ولا تصح إمامة الصبي بالبالغ، إلا في النفل في إحدى الروايتين)؛ لأنه ليس من أهل الكمال، فلا يؤمُّ الرجال كالمرأة.

стр. 527

والثانية: تصح؛ لأن صلاته نافلةٌ، فيؤم من هو في مثل حاله (١). (٢) ويتخرَّج أن تصح إمامته لهم في الفرض بناءً على إمامة المتنفل للمفترض، ولأن عَمرو بن سَلِمة الجَرْميَّ (٣) كان يَؤمُّ قومه وهو غلامٌ في عصر النبي ﷺ ، رواه البخاري (٤). (٥) [٤٨٢/ ٣٥] مسألة: (ولا تصح إمامة مُحدِثٍ ولا نجسٍ يعلم ذلك)؛ لفوات الشرط. (فإن جهل هو والمأموم حتى قَضوا الصلاه صحت صلاة المأموم وحده)؛ لما روي أن عمر ﵁ صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجُرْف (٦)، فأَهَراق الماءَ فوجد في ثوبه احتلامًا فأعاد، ولم يُعِدِ الناس (٧)، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان، وعلي، وابن عمر ﵃ (٨)،

стр. 528

ولم يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا (١)، ولأن هذا مما يخفى فكان المأموم معذورًا في الاقتداء به، والنجاسة كالحدث لأنها مما يخفى. (٢) ولا يعفى عن سائر الشروط؛ لأنها ليست في مَظِنَّة الخفاء. فإن علم الإمام والمأموم في أثناء الصلاة لزمهم الاستئناف، وحُكي عنه في المأموم أنه يبني على ما مضى (٣) كما لو سبق الإمام الحدث (٤). والمذهب الأول؛ لأن ما مضى انبنى على غير طهارةٍ بخلاف من سبقه الحدث. (٥) فإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أنهم يعيدون جميعًا؛ لعدم الجهل من الجميع. ويحتمل أن تختص الإعادة بمن علم؛ لأنه اختص بالعلمِ المبطلِ فاختص بالبطلان كما لو أحدث. [٤٨٣/ ٣٦] مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامة الأُميِّ: وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يُدغِم حرفًا لا يُدْغَم، أو يُخل بترتيبها أو حرفٍ منها، أو

стр. 529

يبدله بغيره) كالألثغ: الذي يجعل الراء غينًا. (أو يلحن لحنًا يُحيل المعنى)، مثل أن يضم تاء أنعمتَ، أو يكسر كاف إياكَ، أو يخل بشَدَّةٍ، فإن الشدة قامت مقام حرف، بدليل أن شدة الرَّحيم قامت مقام اللّام، لكن إن خففها أجزأته. (١) فهؤلاء إذا لم يقدروا على إصلاح قراءتهم أميّون (تصح صلاتهم بمثلهم)، ولا تصح بقارئ؛ لأنهم عَجَزوا عن ركن الصلاة أشبه من عَجَز عن السجود. [٤٨٤/ ٣٧] مسألة: (وإن قَدَروا على إصلاح ذلك لم تَصِحَّ صلاتهم)؛ لأن القادر على الركن لا تصح صلاته بدونه. [٤٨٥/ ٣٨] مسألة: (وتكره إمامة اللَّحان (٢)؛ لأنه نقص يذهب ببعض الثواب. (والفَأفاءِ) بالمد: (الذي يكرر الفاء)، قال الشاعر: يقولون فأفاءٌ فلا تَنكحينَهُ … فلستُ بفأفاءٍ ولا بجبانِ (٣) (والتَّمتامِ الذي يكرِّر التاء)؛ لأنهما يزيدان على الحروف. (و) تكره إمامة (من لا يفصح ببعض الحروف) كالصاد والقاف؛ لأنه يغير الحرف، وتصح الصلاة خلفهم؛ لأنهم يأتون بالحروف على الكمال. [٤٨٦/ ٣٩] مسألة: (ويكره أن يؤمَّ نساءً أجانب لا رجلَ معهن)؛ لأن

стр. 530

النبي ﷺ نهى أن يخلو الرجل بالمرأةِ الأجنبية (١)، ولا بأس بأقاربه. (٢) [٤٨٧/ ٤٠] مسألة: (ويكره أن يؤم قومًا أكثرهم له كارهون)؛ لما روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثةٌ لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخطٌ، وإمام قوم وهم له كارهون» حديثٌ حسنٌ (٣). (٤) [٤٨٨/ ٤١] مسألة: (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي إذا سَلِمَ دينهما)؛ لعمومِ قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (٥)، وقالت عائشة ﵂: «ليس عليه من وزر أبويه شيءٌ» (٦)، وقال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والجندي والخصي مثله، ولأنه عدلٌ أشبه غيره. (٧)

стр. 531

[٤٨٩/ ٤٢] مسألة: (ويصِحُّ ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها (١)؛ لأن القضاء يصح بنية الأداء فيما إذا صلى فبان بعد خروج الوقت. (٢) [٤٩٠/ ٤٣] مسألة: (ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل ومن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر في إحدى الروايتين)؛ لما روى جابرٌ ﵁: «أن معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة» متفقٌ عليه (٣)، وروى الأثرم: «أن النبي ﷺ صلى بطائفةٍ من أصحابه في الخوف ركعتين ثم سَلَّمَ، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين أيضًا ثم سلم» (٤). والثانية منهما تقع نافلةً، وقد أم بها مفترضِين، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى؛ كالمتنفل خلف المفترض. (والأخرى: لا يجوز)؛ لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه» متفقٌ عليه (٥)، ولأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام

стр. 532

فأشبه الجمعة خلف من يصلي الظهر. والرواية الأولى أصح؛ لما ذكرنا، وحديثهم المراد به لا تختلفوا عليه في الأفعال، ولهذا قال «فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين» (١)، ويدل عليه أنه يصح ائتمام المفترض بالمفترض مع اختلاف نيتهما، وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة. (٢) فصلٌ في الموقف (السُّنَّة أن يقف المأمومون خلف الإمام)؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه فيقفون خلفه، ولما وقف جابرٌ وجبّارٌ ﵄ عن يمينه وشماله أخرهما بيديه إلى خلفه (٣). (فإن وقفوا قدامه لم تصِحَّ)؛ لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٤)، وإذا كانوا خلفه أمكنهم الائتمام به؛ لأنَّهم يرونه فيقتدون به بخلاف ما إذا كانوا قدامه، ولأنه أخطأ موقفه فلم تصِحَّ صلاته؛ كما لو

стр. 533

صلى في بيته بصلاة الإمام. [٤٩١/ ٤٤] مسألة: (وإن وقفوا معه عن يمينه أو من جانبيه صَحَّ)؛ لما روي أن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود، فلما فرغوا قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل» رواه أبو داود (١)، ولأن وسط الصف موقفٌ للنساء والعراة (٢). [٤٩٢/ ٤٥] مسألة: (فإن كان واحدًا وقف عن يمينه) إن كان ذكرًا؛ لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت فوقفت عن يساره فأخذ بِذُؤابَتي فأدارَني عن يمينه» متفقٌ عليه (٣). [٤٩٣/ ٤٦] مسألة: (وإن وقف خلفه أو عن يساره لم يصح)، أما إذا صلى خلف الصف أو خلف الإمام وحده ركعةً كاملةً فصلاته فاسدةٌ؛ لما روى أبو داود بإسناده عن وابِصةَ بن معبد ﵁ (٤): «أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد» (٥)، قال أحمد:

стр. 534

«حديث وابصة حسنٌ» (١)، قال ابن المنذر: «ثبت الحديث» (٢). وفي حديث عليِّ بن شَيبان ﵁ (٣) أن النبي ﷺ قال لرجلٍ فَردٍ خلف الصف: «استقبل صلاتك، ولا صلاة لفردٍ خلف الصف» رواه الأثرم (٤)، وهو نصٌّ. وأما إذا وقف عن يسار الإمام ولم يكن على يمين الإمام أحد فصلاته فاسدةٌ سواءٌ كان واحدًا أو جماعةً لحديث ابن عباس ﵁ وقد سبق (٥)، فإنه يدل على أن يسار الإمام ليس بموقفٍ. (٦) [٤٩٤/ ٤٧] مسألة: (وإن أمَّ امرأةً وقفت خلفه)؛ لما روى أنسٌ ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ وصَففْتُ أنا واليتيم وراءه، والمرأة خلفنا، فصلى بنا ركعتين» متفقٌ عليه (٧). [٤٩٥/ ٤٨] مسألة: (فإن اجتمع أنواعٌ: يقدم الرجال، ثم الصبيان،

стр. 535

ثم الخَناثى، ثم النساء)؛ لما روي عن أبي مالك الأشعري ﵁ (١) أنه قال: «ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ ، قال: أقام الصلاة فَصَفَّ الرجال، ثم صَفَّ خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، ثم قال: هكذا، قال عبد الأعلى (٢): لا أحسبه إلا قال: صلاة أمتي» رواه أبو داود (٣). (وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم). (٤) [٤٩٦/ ٤٩] مسألة: (ومن لم يقف معه إلا كافرٌ أو امرأةٌ أو مُحْدِثٌ يعلم حدثه فهو فَذٌّ)، وذلك لأنهم من غير أهل الوقوف معه، فوجودهم كعدمهم. (٥)

стр. 536

(وكذلك الصبي إلا في النافلة)؛ لأن في حديث أنس ﵁: «فصففت أنا واليتيم وراءه، والمرأة من ورائنا» (١). وإن كان فرضًا احتمل أن يكون معه صفًّا؛ لأنه كالمتنفل، واحتمل ألّا يصِحَّ؛ لأنه ليس من أهل الإمامة له فيه؛ أشبه المرأة. (٢) [٤٩٧/ ٥٠] مسألة: (ومن جاء فوجد فرجةً قام فيها، فإن لم يمكنه قام عن يمين الإمام، فإن لم يمكن فله أن ينبه من يقوم معه)، فإن لم يفعل لم يُكرِهْهُ، ويصلي وحده، أو ينتظر جماعةً أخرى. (فإن صلى فذٌّ ينوي الائتمام لم يصح)؛ لأن النبي ﷺ أمر الذي صلى وحده خلف الصف أن يعيد (٣). (٤) [٤٩٨/ ٥١] مسألة: (وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف، أو وقف معه آخر) قبل رفع الإمام (صحت صلاته)؛ لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة. (٥)

стр. 537

(وإن كان ذلك بعد رفع الإمام (١) ففيه ثلاث روايات، إحداهن: تصح؛ لأنه لم يصل ركعةً كاملةً أشبه ما لو أدرك الركوع. والثانية: لا تصح؛ لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة أشبه من صلى ركعة. والثالثة: إن كان جاهلًا لم يُعِد، وإن كان عالمًا أعاد؛ لما روى البخاري أن أبا بَكرة ﵁ انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكعٌ، فركع قبل أن يَصِلَه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُد (٢) (٣)، فلم يأمره بالإعادة لجهله، ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد. (٤) (وإن فعل ذلك لغير عذر (٥) ولا خشي الفوات، فحكمه حكم من

стр. 538

خاف الفوات؛ لأن الموقف لا يختلف لخيفة الفوات وعدمه. ويحتمل أن لا تصح؛ لأن الرخصة وردت في حق المعذر (١) فلا يلتحق به غيره. (٢) [٤٩٩/ ٥٢] مسألة: (وإذا كان المأموم يرى مَنْ وراءَ الإمام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف، فإن لم يرَ من وراءه لم تصح، وعنه: تصح إذا كانا جميعًا في المسجد (٣)، وذلك أنه إذا كان الإمام والمأموم في المسجد لم يعتبر اتصال الصفوف في المسجد؛ لأن المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة. (٤) فأما إن كان المأموم خارج المسجد فإنه يصح أن يأتم بمن في المسجد بشرطين: أحدهما: اتصال الصفوف، والثاني: أن يرى مَنْ وراءَ الإمام ليتبعه ويقتدي به. (٥)

стр. 539

ومعنى اتصال الصفوف: ألّا يكون بينها بعدٌ لم تجرِ العادة به (١). ومتى اختل أحد الشرطين لم يصح أن يأتمَّ به؛ لتعذر اتباعه، فإن لم ير مَنْ وراءَ الإمام، ولم يسمع التكبير لم يصح الائتمام به؛ لتعذر اتباعه. وإن سمع التكبير ولا يرى من وراءه وهو في المسجد ففيه روايتان: إحداهما: يصح؛ لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير؛ فأشبه إذا رأى مَنْ وراءه. والثانية: لا يصح؛ لأن عائشة ﵂ قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام فإنكنَّ دونه في حجاب» (٢)، ولأن الرؤية معتبرةٌ في حقِّ من هو خارج المسجد، فكذا في أهل المسجد؛ لأنها إنما اعتبرت ليعلم حال الإمام، والحاجة إلى معرفة ذلك في الموضعين سواء. والأول أصح؛ لأن الرؤية تُراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، وحديث عائشة في حق من هو خارج المسجد. (٣)

стр. 540

فإن كان بينهما حائلٌ يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشبابيك أو خندق في الأرض لم يمنع؛ لأنه لا يمنع المتابعة أشبه ما لو لم يكن ذلك. فإن كان بينهما طريقٌ أو نهرٌ تجري فيه السفن، فقال أصحابنا: لا يصح، والأشبه الصحة؛ لأن هذا لا يمنع المتابعة (١)، إلا أن يكون عريضًا يمنع الاتصال (٢). [٥٠٠/ ٥٣] مسألة: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم)؛ لما روي «أن عمار بن ياسر ﵁ كان بالمدائن فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار فكان على دُكَّان (٣) والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة ﵁ فأخذ بيده، واتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقومنَّ في مكان أرفع من مقامهم؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي» رواه

стр. 541

أبو داود (١). (٢) [٥٠١/ ٥٤] مسألة: (فإن فعل وكان كثيرًا ففيها وجهان:) أحدهما: تبطل، وهو قول ابن حامد؛ لارتكابه النهي. والثاني: تصح، وهو قول القاضي (٣)؛ لأن عمارًا بنى على صلاته (٤) (٥). (٦) وعن أحمد: لا بأس بهذا (٧)؛ لما روى سهلٌ ﵁ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر،

стр. 542

ثم ركع، ثم رفع، ونزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم قال: أيها الناس إني فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» متفقٌ عليه (١). (٢) [٥٠٢/ ٥٥] مسألة: ولا بأس بالعلو اليسير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع البصر المنهي عنه، بخلاف الكثير. ولا بأس أن يكون المأموم أعلى من الإمام؛ لذلك. [٥٠٣/ ٥٦] مسألة: (ويكره للإمام أن يُصلي في طاقِ القبلة (٣) إلا من حاجةٍ)، بأن كان المسجد ضيقًا، وذلك أنه إذا صلى في طاقِ القبلةِ استتر عن المأمومين فكره؛ كما لو جعل بينه وبينهم حجابًا. (٤) [٥٠٤/ ٥٧] مسألة: (ويكره للإمام أن يتطوع في موضع صلاته المكتوبة)، روي ذلك عن علي ﵁ صحيحًا (٥) وعن النبى ﷺ ضعيفًا (٦). [٥٠٥/ ٥٨] مسألة: (ويكره للمأمومين الوقوف بين السَّواري؛ لأنها

стр. 543

تقطع صفوفهم (١) وروى ابن ماجه عن معاوية بن قرة عن أبيه (٢) ﵄ قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونُطْردَ عنها طردًا» (٣). (٤) وإن كان الصف صغيرًا بين الساريتين لم يكره؛ لأنها لا تنقطع بذلك. [٥٠٦/ ٥٩] مسألة: (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة)؛ لما روي: «أن النبي ﷺ كان إذا سلم لا [يقعد] (٥) إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٦)، ولأن المأمومين يستحب لهم أن لا ينصرفوا حتى ينصرف الإمام، فكره له الإطالة في مصلاه حتى لا يشقَّ عليهم. (فإن كان معه نساء لبث بمقدار انصرافهن ثم ينصرف). [٥٠٧/ ٦٠] مسألة: (وإذا صَلَّتْ امرأةٌ بنساءٍ قامت وسطهن في

стр. 544

الصف)، روي ذلك عن عائشة (١) وأم سلمة ﵄، روى حديث أم سلمة سعيد بن منصور أن أم سلمة أمَّتِ النساء فقامت وسطهن (٢)، وروي عن إبراهيم (٣) قال: «[تَؤمُّ] (٤) المرأة النساء في صلاة رمضان، وتقوم معهن في صفهن، يركعن بركوعها، ويَسْجدن بسجودها» (٥)، ولأن المرأة يستحب لها التستر، ولهذا يستحب لها ترك التجافي، وكونها في وسط الصف أسترُ لها، فاستحب لها ذلك كالعُريان. فإن صلّت بين أيديهن احتمل أن يصح؛ لأنه موقف في الجملة، ولهذا كان موقفًا للرجل، واحتمل ألّا يصح؛ لأنها خالفت موقفها أشبهت ما لو خالف الرجل موقفه. (٦). (٧) فصلٌ في أهل الأعذار (ويعذر في الجمعة والجماعة المريض)، قال ابن المنذر: «لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلَّف عن الجماعات من أجل

стр. 545

المرض» (١)، وروى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: فما العذر يا رسول الله؟ قال: خوفٌ، أو مرضٌ - لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» رواه أبو داود (٢)، وقد كان بلالٌ يؤذن بالصلاة ثم يأتى النبي ﷺ وهو مريضٌ فيقول مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس (٣). [٥٠٨/ ٦١] مسألة: (و) يُعذر أيضًا (من يدافع أحد الأخبثين أو بحضرة طعامٍ (٤)؛ لأن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» رواه مسلم (٥). ولا فرق بين أن يحضر صلاة الجماعة ويخاف فوتها في الجماعة أو لا يخاف ذلك، فإن في حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قُرِّب العَشاءُ وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تُصلوا صلاة المغرب، ولا تَعَجَّلوا عن عشائكم» رواه مسلم (٦)، وفي لفظٍ: «إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» (٧)، وتعشى ابن عمر ﵁ وهو يسمع قراءة الإمام (٨). قال أصحابنا: وإنما يقدم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق

стр. 546

إلى الطعام، والمعنى في ذلك ألّا يقوم إلى الصلاة وبه حاجة تَشغَلُه عن خشوعها وحضور قلبه فيها، فإن خالف وفعل صحت الصلاة. (١) وقال ابن أبي موسى (٢): «إن كان به من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد» (٣). [٥٠٩/ ٦٢] مسألة: (و) يُعذر في تركهما (الخائف (٤) لقول النبي ﷺ : «العذر خوف أو مرض» (٥). والخوف ثلاثة أنواع: الخوف على المال من سلطان أو لصٍّ، أو يكون له خُبز في التنور، أو طبيخ على النار يخاف حريقه، أو إباق عبده، أو شرود دابته، أو يكون له غريم يخاف ذهابه، أو وديعة عند رجل إن لم يدركه ذهب، فذلك كله عذر عن الجمعة والجماعة؛ لأنه من الخوف، فيدخل في عموم الحديث. والثاني: الخوف على النفس، مثل أن يخاف من سلطانٍ يأخذه، أو عدوٍّ، أو لصٍّ، أو سَبُعٍ، أو سَيلٍ، ونحو ذلك، مثل أن يخاف غريمًا يلازمه ولا شيء معه يعطيه، أو يخاف فوات رفقة في سفره، أو يخاف

стр. 547

غلبة النُّعاس؛ لذلك. ويعذر أيضًا بالمطر الذى يبل الثياب، والوَحَلِ الذى يتأذى به في نفسه وثيابه؛ لذلك. ويعذر أيضًا في تركهما بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة؛ لذلك، وروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة: صلوا في رحالكم» متفقٌ عليه (١). والثالث: الخوف على ولده وأهله أن يَضيعوا، أو يكون ولده ضائعًا فيرجو وجوده في تلك الحال، أو يكون له قريب مريضٌ يخاف إن تشاغل عنه مات فلم يشهده؛ لأن هذا كله داخل في الخوف. * * *

стр. 548

باب صلاة أهل الأعذار (ويصلي المريض كما قال النبي ﷺ لعِمران بن حصين ﵁: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ» رواه البخاري (١) (٢)، أجمعوا على أن فرض من لا يُطيق القيام أن يصلي جالسًا (٣). [٥١٠/ ١] مسألة: وروى أنس ﵁ قال: «سقط رسول الله ﷺ من فرسٍ فجُحِش (٤) شِقُّه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا وصلينا خلفه قعودًا» رواه البخاري (٥). [٥١١/ ٢] مسألة: فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه؛ لحديث عِمران ﵁ (٦)، ويستقبل القبلة بوجهه كالميت في قبره.

стр. 549

[٥١٢/ ٣] مسألة: (فإن صَلَّى على ظهره ووجهُه ورجلاه إلى القِبلة صحت صلاته في أحد الوجهين)؛ لأن إيماءه إلى القبلة. (ويومئ بالركوع والسجود)؛ لأنه عاجزٌ عنهما، (ويجعل سجوده أخفض من ركوعه) اعتبارًا بأصلهما. وفي الوجه الآخر: لا يصح؛ لحديث عِمران ﵁ وهو قوله: «فإن لم تستطع قاعدًا فعلى جنبٍ»، أمرٌ والأمر يقتضي الوجوب. (١) فإن عَجَز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا؛ لما روى الشافعي بإسناده عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يُصلِّي المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى على جنبٍ، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا» (٢). (فإن عَجَز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه) ونوى بقلبه. (ولا تسقط عنه الصلاة)؛ لأنه قادرٌ على الإيماء فلزمته الصلاة كما لو قَدَرَ على الإيماء برأسه. (٣)

стр. 550

[٥١٣/ ٤] مسألة: (فإن قَدَر على القيام أو القعود في أثناء الصلاة انتقل إليه وأتمها)؛ لحديث عِمران ﵁ (١). (ومن قَدَر على القيام وعَجَز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائمًا، وبالسجود قاعدًا)؛ لقوله ﵇: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢). [٥١٤/ ٥] مسألة: (وإذا قال ثقاتٌ من العلماء بالطِّبِّ للمريض: إن صَلَّيت مستلقيًا أمكن مُداواتك، فله ذلك)؛ لأنه قد جاز ترك الصوم لأجل المرض والرَّمد (٣) فكذا ههنا. [٥١٥/ ٦] مسألة: (ولا تجوز الصلاة في السفينة قاعدًا لقادرٍ على القيام)؛ لحديث عِمران ﵁ (٤). [٥١٦/ ٧] مسألة: (وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التَّأذي بالوَحَل)؛ لما فيه من الضرر والمشقة، وروي عن أنس ﵁ أنه صلى في

стр. 551

يومٍ مطيرٍ على دابته (١)، وروى الأثرم: «أن النبي ﷺ صلى هو وأصحابه في يومٍ مطيرٍ على ظهور دوابهم» (٢). (٣) [٥١٧/ ٨] مسألة: (وهل يجوز لأجل المرض؟ على روايتين:) إحداهما: يجوز؛ لمشقة النزول عن الراحلة، فهي آكد من مشقة المطر. والأخرى: لا يجوز؛ لأن صلاة المريض على الأرض أسهل عليه منها على الراحلة وأَمْكَن له، بخلاف الطين. (٤) فصلٌ في قصر الصلاة [٥١٨/ ٩] مسألة: (ومن سافر سفرًا مباحًا يبلغ ستة عشر فرسخًا (٥)

стр. 552

فله قصر الرباعية خاصةً إلى ركعتين، إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه). يشترط للقصر شروطٌ: أحدها: أن يكون في سفرٍ مباحٍ، فإن سافر لمعصية كالإباق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر لم يقصر، ولم يترخص بشيءٍ من رخص السفر؛ لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالمعاصي؛ لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها، والشرع لا يَرِدُ بذلك. (١). (٢) الشرط الثاني: أن يكون السفر طويلًا، قدره أربعة بُرُدٍ (٣)، وهي ستة عشر فرسخًا، ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي (٤)، قال القاضي: «الميل اثنا عشر ألف قدم، وذلك نحو من يومين قاصدين» (٥)؛ لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد ما بين عُسْفان (٦) إلى مكة» (٧)، وكان ابن عباس وابن عمر ﵄ لا يقصران

стр. 553

في أقل من أربعة بردٍ (١)، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الحَلِّ والشَّدِّ فجاز فيها القصر كمسيرة ثلاثة أيام، وسواء كان في بَرٍّ أو بحرٍ؛ لأن الاعتبار بالفراسخ. (٢) الشرط الثالث: أن القصر في الرباعية خاصة إلى ركعتين، فلا يجوز قصر الفجر ولا المغرب إجماعًا (٣)، وذلك لأن قصر الصبح يُجحف بها، وقصر المغرب يخرجها عن كونها وترًا. الشرط الرابع: شروعه في السفر بخروجه من بيوت قريته أو خيام قومه؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، ولا يكون ضاربًا في الأرض حتى يخرج، وله القصر بين حيطان البساتين، لأنها ليست من حيطان البلدة ولا تبنى للسكنى. (٤) [٥١٩/ ١٠] مسألة: (والقصر أفضل من الإتمام)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه، قال عبدالرحمن بن يزيد ﵁ (٥): «صلى عثمان أربعًا، فقال عبدالله: صليت مع النبي ﷺ

стр. 554

ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ولَوَدِدت أن حَظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان» متفقٌ عليه (١). [٥٢٠/ ١١] مسألة: (وإن أَتَمَّ جاز)؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، مفهومه أن القصر رخصة يجوز تركها، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطرَ وصُمت، وقصرَ وأتممتُ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ؟ فقال: أحسنت» رواه أبو داود الطيالسي (٢)، ولأنه تخفيفٌ أبيح في السفر فجاز تركه كالمسح ثلاثًا. (٣) [٥٢١/ ١٢] مسألة: (فإن أحرم في الحضر ثم سافر، أو في السفر ثم أقام)، مثل إن سافر في سفينة فخرجت به في أثناء الصلاة، أو أحرم في السفر فدَخلتِ البلد في أثناء الصلاة لم يقصر. (و) كذا (إن ذكر صلاة حضرٍ في سفرٍ، أو صلاة سفرٍ في حضرٍ أتمها)؛ لأنها عبادةٌ تختلف بالسفر والحضر، وُجِد أَحدُ طرفيها في الحضر فغلِّب حكمه كالمسح. [٥٢٢/ ١٣] مسألة: (وأما إذا ائتم بمقيمٍ لزمه الإتمام)، سواء ائتم به

стр. 555

في الصلاة كلها أو في جزءٍ منها؛ لأن ابن عباس ﵁ سُئل: «ما بال المسافر يصلي ركعتين حال الانفراد، وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنَّة» رواه الإمام أحمد (١)، وهو ينصرف إلى سنة النبي ﷺ ، ولأنه قول جماعة من الصحابة، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعًا (٢). (٣) ولو أدرك المسافر من الجمعة أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعًا؛ لائتمامه بالمقيم. (وأما إذا ائتم بمن يَشُكُّ هل هو مسافرٌ أو مقيمٌ؟) مثل أن يرى إمامًا يصلي بقوم في بلدٍ وليست عليه هيئة السفر، فليس له أن ينوي، و (يلزمه الإتمام) اعتبارًا بالنية، وذلك لأن الأصل وجوب الصلاة تامةً فلا يسقط بالشك. [٥٢٣/ ١٤] مسألة: (وأما إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت (٤)، مثل إن ائتم بمقيم، لم يجز له قصرها بعد ذلك؛ لأنها تَعَيَّنَت عليه تامَّةً لائتمامه بمقيم. [٥٢٤/ ١٥] مسألة: (وأما إذا لم يَنوِ القصر مع نية الإحرام فيلزمه الإتمام)؛ لأنه الأصل، فإطلاق النية تنصرف إليه، كما لو نوى الصلاة مطلقًا انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصل. (ولو شَكَّ في نية القصر لزمه الإتمام)؛ لأنه الأصل.

стр. 556

(وقال أبو بكر: «لا يحتاج القصر والجمع إلى نيةٍ» (١)؛ لأن من خُيِّر في العبادة قبل الدخول فيها خُيِّر بعد الدخول فيها كالصيام. (٢) [٥٢٥/ ١٦] مسألة: (ومن له طريقان بعيدٌ وقريبٌ، فسَلَكَ البعيد فله القصر)؛ لأنه سفرٌ تُقصَر في مثله الصلاة فجاز له القصر؛ كما لو لم يكن له طريق سواه. (وأما إذا ذكر صلاة سفرٍ في سفرٍ آخر)، أو في ذلك السفر (فله القصر)؛ لأن وجوبها وفعلها وُجِدا في السفر، فكان له قصرها كما لو أداها، ويَتخَّرج أن يلزمه إتمامها إذا ذكرها في سفر آخر؛ لأن الوجوب كان ثابتًا في ذمته في الحضر. [٥٢٦/ ١٧] مسألة: (وإذا نوى الإقامة في بلدٍ أكثر من إحدى وعشرين صلاةً أتم، وإن نوى دونها قصر)، وذلك لأن النبي ﷺ أقام بمكة، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها (٣)؛ لأنه قدم لصبح رابعةٍ، فأقام إلى

стр. 557

يوم التروية، فصلى الصبح ثم خرج، فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم، قال أنس ﵁: «أقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة» (١)، ومعناه: ما ذكرناه، وحَسَبَ خروجه إلى مِنًى وعرفة وما بعده من العشرة. وعنه: إن نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر (٢)، وهي مذهب مالك (٣) والشافعي (٤)، وجهها: أن الثلاث حدُّ القلة، بدليل أن النبي ﷺ قال: «يقيم المهاجر بعد قضاء نُسكه ثلاثًا» (٥) فيدل على أن الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة. (٦) [٥٢٧/ ١٨] مسألة: (وإن أقام لقضاء حاجةٍ أو حَبسٍ، ولم ينو الإقامة قصرَ أبدًا) سواءٌ غَلَب على ظنه كثرة ذلك أو قلته؛ لأن «النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يقصر الصلاة» أخرجه البخاري (٧)، «وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر» رواه أحمد (٨)، وأقام

стр. 558

ابن عمر بأَذْرَبيجان (١) ستة أشهرٍ يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول (٢). وإن قال: إن لقيتُ فلانًا أقمت وإلا لم أقم؛ لم يبطل حكم سفره؛ لأنه لم يعزم على الإقامة. [٥٢٨/ ١٩] مسألة: (والملّاح (٣) الذي معه أهله وليس له نية الإقامة ببلدٍ ليس له التَّرخُص)؛ لأنه غير ظاعنٍ عن منزله، فأشبه المقيم ببلدٍ، قال القاضي: «والمُكاري (٤) والفَيْجُ (٥) (٦) مثله في ذلك» (٧)؛ لذلك. والأولى إباحة القصر لهما؛ لدخولهما في النصوص المبيحة للترخص، وامتناع قياسهما على الملاح؛ لأنه لا يمكنهما استصحاب الأهل ومصالح المنزل في السفر، وزيادة المشقة عليه في سفره بحمل أهله معه بخلاف الملاح. (٨)

стр. 559

فصلٌ في الجمع (ويجوز الجمع بين الظهر والعصر والعشاءين في وقت إحداهما لثلاثة أمور): أحدها: (السفر المبيح للقصر (١)؛ لما روى أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا عجَّل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى (٢) يغيب الشفق» متفقٌ عليه (٣)، وخَصَّ [الخرقي] (٤) الجمع بهذه الحالة إذا ارتحل قبل دخول وقت الأولى، أخرها حتى يجمعها في وقت الثانية (٥)، وروي نحوه عن أحمد (٦). (٧) والمذهب جواز الجمع لمن جاز له القصر في نزوله وسيره، وله

стр. 560

الخيرة بين تقديم الثانية فيصليها مع الأولى، وبين تأخير الأولى إلى الثانية؛ لما روى معاذ ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أَخَّرَ الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، فإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء فصَلّاها مع المغرب» قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ» (١)، وروى أنس ﵁ نحوه أخرجه البخاري (٢)، ولأنها رخصةٌ من رخص السفر، فلم يعتبر فيها وجود السَّير كسائر رخصه. (و) الأمر الثاني: (المرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقةٌ وضعفٌ)؛ لأن ابن عباس ﵁ قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطرٍ» متفقٌ عليه (٣)، وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذرٍ، ولم يبقَ إلا المرض، ولأن النبي ﷺ أمر سَهلة بنت سُهيل (٤) وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة (٥)، وهي نوع مرضٍ. (٦)

стр. 561

وهو مُخيَّرٌ في التقديم والتأخير، أيَّ ذلك فعل جاز؛ لأن النبي ﷺ كان يُقدِّم إذا ارتحل بعد دخول الوقت ويؤخر إذا ارتحل قبله طلبًا للأسهل (١)، وكذلك المريض، وإن كان الجميع عنده واحدًا، فالأفضل التأخير (٢). الأمر الثالث: (المطر الذي يَبُل الثياب، يبيح الجمع بين المغرب والعشاء خاصةً (٣)؛ لأن أبا سلمة (٤) قال: «من السُّنَّةِ إذا كان في يوم مطرٍ أن يجمع بين المغرب والعشاء» (٥)، وكان ابن عمر ﵁ «يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين الظهر والعصر للمطر» (٦). وذكر بعض أصحابنا وجهًا في جواز الجمع بين الظهر والعصر قياسًا على صلاة الليل، ولا يصح؛ لأن المشقة في المطر إنما تعظم في الليل لظلمته فلا يقاس عليه غيره، والثلج كالمطر في هذا. (٧) فأما الطَّل والمطر الذي لا يبل الثياب فلا يبيح الجمع؛ لعدم المشقة فيه.

стр. 562

[٥٢٩/ ٢٠] مسألة: (وهل يجوز) الجمع (لأجل الوَحَل) في الليلة المظلمة؟ (على وجهين:) أحدهما: يجوز؛ لأنه يساوي المطر في مشقتة وإسقاط الجمعة والجماعة فهو كالمطر. والآخر: لا يبيح؛ لاختلافهما في المشقة. (١) (وفي الريح الشَّديدة) في الليلة المظلمة (وجهان)؛ لذلك. (٢) (وفيمن يصلي منفردًا، أو المقيم في المسجد، أو مَنْ طريقه تحت ساباطٍ (٣) وجهان:) أحدهما: لا يجوز؛ لعدم المشقة. والثاني: يجوز؛ لأن العذر العام لا يعتبر فيه حقيقة المشقة كالسفر. (٤) [٥٣٠/ ٢١] مسألة: (ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية، وتقديم الثانية إليها)؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك (٥). (إلا أنه إن جمع في وقت الأولى اعتبر ثلاثة شروطٍ:) (نية الجمع عند إحرامها)؛ لأنها نية تفتقر إليها، فاعتبرت عند الإحرام كنية القصر.

стр. 563

(ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها)؛ لأنه موضع الجمع بين الصلاتين، فإذا لم تتأخر النية عنه جاز. وقال أبوبكر: «لا يحتاج الجمع إلى نيةٍ»؛ كقوله في القصر، وقد مضى. (١) الشرط الثاني: (ألّا يفرق بينهما إلا تفريقًا يسيرًا (٢)؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقاربة، ولا يحصل ذلك مع الفرق الطويل، والمرجع في طول ذلك وقصره إلى العرف، فإن احتاج إلى وضوء خفيفٍ لم يبطل. (٣) (وإن صلى السنة بينهما فعلى روايتين: أصحهما يبطل)؛ لأنه فصل بينهما بصلاةٍ أشبه ما لو صلى بينهما الصبح. والأخرى: لا يبطل لأنه يسيرٌ أشبه الوضوء. (٤) الشرط الثالث: (أن يكون العذر موجودًا عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى)، وذلك لأن افتتاح الأولى موضع النية، وبافتتاح الثانية يحصل الجمع، فاعتبر العذر فيهما، فإن انقطع العذر في غير هذه المواضع لم يؤثر.

стр. 564

[٥٣١/ ٢٢] مسألة: (وإن جمع في وقت الثانية اعتبر أن ينوي التأخير للجمع في وقت الأولى إلى أن يبقى منه قدر فعلها)؛ لأنه وقت الجمع. (ويعتبر استمرار العذر إلى وقت الثانية)؛ لذلك، (ولا يعتبر وجوده في وقت الثانية)؛ لأن الأولى صارت في غير وقتها وقد جوّز له التأخير. (١) ولا تعتبر المواصلة بينهما في أصَحِّ الوجهين (٢)؛ لأن الثانية مفعولةٌ في وقتها، فهي أداءٌ على كل حالٍ، والأولى معها كصلاةٍ فائتةٍ. …

стр. 565

باب صلاة الخوف (قال الإمام أبو عبد الله: «صَحَّ عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجهٍ أو ستةٍ» (١) وقال: «ستةٌ أو سبعةٌ تروى فيها» (٢) (كلها جائز) فنذكر الوجوه التي بلغتنا: (الأول منها: إذا كان العدو في جهة القبلة (٣) بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كمينًا، صلى بهم كما روى جابرٌ ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفَّنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله
следующие страницы →