← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[٦٩٢/ ٨٧] مسألة: (وإن جاءت وهو جالسٌ لم يقم لها)؛ لقول علي ﵁: «قام رسول الله ﷺ ثم قعد» رواه مسلم (١)، وقال إسحاق (٢): «معنى قول علي: يقول كان النبي ﷺ إذا رأى الجنازة قام ثم ترك ذلك بعد» (٣). وقال ابن أبي موسى: «القيام مستحب» (٤)، نص عليه (٥)؛ لما روى مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تُخلِّفَه إذا لم يكن متبعها» (٦). والأول أولى؛ لأن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك القيام، والأخذ بالآخر فالآخر من أمره أولى. وقال ابن المنذر: «قال أحمد: إن قام لم أَعِبْه، وإن قعد فلا بأس» (٧). (٨)

стр. 667

[٦٩٣/ ٨٨] مسألة: (ويُدخَل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم)؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عبدالله بن يزيد الأنصاري ﵁ (١): «أن الحارث (٢) أوصى أن يليه عند موته فصلى عليه، ثم دخل القبر فأدخله من رجلي القبر، وقال: هذه السنة» (٣)، وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ ، وروى ابن عمر وابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ سُلَّ من قِبَل رأسه سلًّا» (٤). وإن كان الأسهل عليهم أخذُه من قبل القبلة، أو من عند رأس القبر، فلا حرج فيه؛ لأن استحباب أخذها من رجلي القبر أو من عند رأس القبر إنما كان طلبًا للسهولة عليهم والرفق به، فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبًّا، قال أحمد ﵁: «كلٌّ لا بأس به إن شاء الله تعالى» (٥). [٦٩٤/ ٨٩] مسألة: (ولا يُسَجَّى القبرُ إلا أن يكون لامرأةٍ)؛ لما روي عن علي ﵁: «أنه مرَّ بقوم وقد دفنوا ميتًا، وبسطوا على قبره الثوب،

стр. 668

فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء» (١)، ولأن المرأة عورةٌ، ولا يؤمن أن يبدو منها شيءٌ فيراه الحاضرون. [٦٩٥/ ٩٠] مسألة: (ويُلحد له لحدًا، ويُنصب عليه اللَّبِن نصبًا)؛ لقول سعد بن مالك ﵁: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا كما صُنع برسول الله ﷺ » رواه مسلم (٢)، قال أحمد: «ولا أحب الشق» (٣)؛ لقوله ﵇: «اللحد لنا، والشق لغيرنا» رواه أبو داود (٤)، ومعنى الشق: إذا وصل الأرض شق في وسطه شقًّا نازلًا. (٥) فأما إن كانت الأرض رِخوةً لا يثبت فيها اللَّحد شُقَّ فيها للحاجة. [٦٩٦/ ٩١] مسألة: (ولا يُدخِلُه خشبًا ولا شيئًا مَسَّتهُ النار)؛ لما روي عن إبراهيم (٦) قال: «كانوا يستحبون اللَّبِن، ويكرهون الخشب والآجر» (٧)، وكره ما مسته النار؛ للتفائل بالنار (٨). (٩)

стр. 669

ويكره الدفن في التابوت؛ لكونه خشبًا، وهو أشبه بحال أهل الدنيا. [٦٩٧/ ٩٢] مسألة: (ويقول الذي يدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله)؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ كان إذا أَدخَل الميت القبر قال: باسم الله وعلى ملة رسول الله» (١)، وروي: «وعلى سنة رسول الله» قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ» (٢). وروى ابن ماجه عن سعيد ابن المسيب قال: «حضرتُ ابن عمر في جنازة، فلما وضعها في اللحد قال: باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم أَجِرْها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جافِ الأرض عن جنبيها، وصَعِّد روحها، ولقِّها منك رضوانًا. قلت: يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم قلته برأيك؟ قال: إني إذًا لقادرٌ على القول! بل سمعته من رسول الله ﷺ » (٣). وروي أن عمر ﵁: «كان إذا سَوَّى على الميت قال: اللهم أَسْلَمَه إليك الأهل والمالُ والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له» رواه ابن المنذر (٤). (٥)

стр. 670

[٦٩٨/ ٩٣] مسألة: (ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة)؛ لقول النبي ﷺ : «إذا نام أحدكم فليتوسَّد بيمينه» (١). [٦٩٩/ ٩٤] مسألة: (ويحثو التراب في القبر ثلاث حَثَيات)، قال ابن عقيل: «لأن الصحابة كانت على ذلك» (٢)، وروى جعفر بن محمد عن أبيه: «أن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا» رواه الدارقطني (٣). (ويُهال عليه التراب)؛ لأن دفنه واجب، وذلك يحصل بإهالة التراب عليه. (٤) [٧٠٠/ ٩٥] مسألة: (ويرفع القبر عن الأرض قدر شبرٍ (٥)؛ ليعرف أنه قبرٌ فيتوقى، ويترحم على صاحبه، وروى الساجي (٦) عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ رُفع قبره عن الأرض قدر شبرٍ» (٧)، وروى القاسم بن محمد قال: «قلت لعائشة: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفةٍ ولا لاطئةٍ، مبطوحةٌ ببطحاء العَرْصَة

стр. 671

الحمراء (١)» رواه أبو داود (٢)، وروى البخاري بإسناده عن سفيان التمار (٣): «أنه رأى قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵃ مُسَنَّمَة (٤)» (٥). [٧٠١/ ٩٦] مسألة: ولا يستحب رفع القبر أكثر من ذلك؛ لقول النبي ﷺ لعلي ﵁: «لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا إلا سَوَّيتَه» رواه مسلم وغيره (٦). [٧٠٢/ ٩٧] مسألة: (ويُرشُّ عليه الماء)؛ ليلتزق، قال أبو رافع ﵁ (٧): «سَلَّ رسول الله ﷺ سعدًا، ورشَّ على قبره ماءً» رواه ابن ماجه (٨).

стр. 672

[٧٠٣/ ٩٨] مسألة: (ولا بأس [بتطيينه] (١)، قال ابن عقيل: «روى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبرًا، وطُيِّن بطين أحمر من العَرْصَة، وجعل عليه من الحصباء» (٢). [٧٠٤/ ٩٩] مسألة: (ويكره البناء عليه، وتجصيصه، والكتاب عليه، والجلوس عليه والوطء، والاتكاء عليه)؛ لما روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُجصَّصَ القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُقعد عليه» (٣)، وزاد الترمذي: «وأن يكتب عليها»، وقال: «حديثٌ صحيحٌ» (٤)، ولأن ذلك من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه، وفي حديثٍ: «لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ حتى تَخْلُصَ إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبرٍ» (٥). والاتكاء في معنى الجلوس، ولأن للميت حرمة، فبترك هذه الأشياء احترامًا له. (٦) [٧٠٥/ ١٠٠] مسألة: (ولا يدفن في القبر اثنان)؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر (٧).

стр. 673

فإن دعت الحاجةٌ إليه جاز؛ لأن النبي ﷺ : «لما كثر القتلى يوم أحد كان يجمع بين الرجلين في القبر، ويسأل أيهم أكثر أخذًا للقرآن، فيقدمه في اللحد» حديثٌ صحيحٌ (١). (٢) [٧٠٦/ ١٠١] مسألة: (ويقدم الأفضل إلى القبلة)؛ لهذا الخبر (٣). (٤) (يَجعل بين كل اثنين حاجزًا من التراب) ليَصير كل واحدٍ منفردًا كأنه في قبرٍ مفردٍ. [٧٠٧/ ١٠٢] مسألة: (وإن وقع في القبر ما له قيمة نُبِش، وأخذ)؛ لأنه يمكن رده إلى صاحبه بغير ضرورةٍ فوجب. (٥)

стр. 674

[٧٠٨/ ١٠٣] مسألة: (وإن كفن بثوبِ غَصبٍ، أو بَلع مالًا لغيره غُرِّم ذلك من تركته)؛ صيانة للميت عن المُثلة والنبش. (وقيل: ينبش، ويؤخذ الكفن، ويشق جوفه فيخرج)؛ لأن فيه تخليصًا له من مآثم، ورَدًّا له إلى مالكه، وإن لم يكن له تركة تعين النبش لذلك. (١) [٧٠٩/ ١٠٤] مسألة: (وإن ماتت حاملٌ لم يُشق بطنها، وتسطو عليه القوابل (٢) فتُخرِجْنَه) إذا رجيت حياته، وذلك لأن في شق بطنها هتكًا لحرمةٍ مُتيقَّنةٍ لإبقاء حياةٍ موهومةٍ بعيدةٍ، فإن لم يخرج تركت حتى [يموت] (٣)، ثم يدفن. (٤) (ويحتمل أن يُشَقَّ بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيا)؛ لأن حفظ حرمة الحي أولى. [٧١٠/ ١٠٥] مسألة: (وإن ماتت ذِميَّةٌ حاملٌ من مسلمٍ دفنت وحدها)، اختار إمامنا هذا القول (٥)؛ لأنها إن دفنت في مقبرة المسلمين

стр. 675

تأذوا بعذابها، وإن دفنت في مقبرة الكفار تأذى ولدها بعذابهم، فإنه محكومٌ بإسلامه، مع ما روي عن واثلة بن الأسقع ﵁ أنه فعل ذلك (١)، إلا أن ابن المنذر قال: «لا يثبت ذلك، ولا عن [عثمان] (٢) أنه كان يرى أن يدفن في مقبرة المسلمين» (٣). قال أصحابنا: (يُجعل ظَهرها إلى القبلة) على جانبها الأيسر؛ لأن وجه الجنين إلى ظهرها (٤). [٧١١/ ١٠٦] مسألة: (ولا تكره القراءة على القبر في أصَحِّ الروايتين)، قال أبو بكر عبدالعزيز: «كان مذهب أبي عبدالله على أنها مكروهةٌ، نقل ذلك عنه جماعة، ثم رجع رجوعًا أبان عن نفسه» (٥). فروي أن أحمد نهى ضريرًا يقرأ عند قبر فقال: محمد بن قدامة (٦): «يا أبا عبدالله ما تقول في مبشِّر الحلبي (٧)؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه؟

стр. 676

قال: نعم. قال: فأخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يُقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال سمعت ابن عمر ﵁ يوصي بذلك. قال أحمد بن حنبل: فارجع فقل للرجل يقرأ» (١). وقال الخلال حدثني أبو علي الحسن ابن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون (٢)، قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضريرٍ يقرأ على القبور (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات» (٤). وروى عنه ﵇ أنه قال: «من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له» (٥). (٦)

стр. 677

[٧١٢/ ١٠٧] مسألة: (وأيُّ قربةٍ فعلها وجعلها للميت المسلم نفعه ذلك)، أما الصدقة والدعاء، والاستغفار، وقضاء الدين، وأداء الواجبات التي تدخلها النيابة فلا خلاف في ذلك نعلمه (١)، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، ولأن الدعاء من المؤمن ترجى إجابته، وفي إجابته حصول ما دعا به للميت والحي جميعًا. وأما الصدقة: فقد روى أبو داود أن رجلًا قال: «يا رسول الله إن أمَّه (٢) توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» (٣). وأما الواجبات: فإن النبي ﷺ قال: للمرأة التي قالت يا رسول الله إن فريضةَ الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟! قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى» (٤)، وقال في

стр. 678

الذي سأله (١) إن أمي ماتت وعليها صوم شهرٍ أفأصوم عنها؟ قال: «نعم» (٢). وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع اليوم واقعٌ على فعله، فإن الناس في كل عصرٍ وأوانٍ، ومصرٍ ومكانٍ، يجتمعون ويقرؤون ويُهدونه إلى موتاهم من غير نكير (٣)، ولأن الحديث قد صَحَّ أن الميت

стр. 679

يعذب ببكاء أهله عليه (١)، والله أكرم من أن يوصل إليه العقوبة ويحجب عنه المثوبة. [٧١٣/ ١٠٨] مسألة: (ويستحب أن يُصلَحَ لأهل الميت طعامٌ يبعث إليهم)؛ لأن رسول الله ﷺ لما جاء نعي جعفر ﵁ قال: «اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا فإنه قد أتاهم أمرٌ شغلهم» رواه أبو داود (٢). (ولا يصلحون هم طعامًا يطعمون الناس)؛ لأن فيه زيادةً على مصيبتهم، وشغلًا لهم إلى شغلهم. (٣) [٧١٤/ ١٠٩] مسألة (٤): (ويستحب للرجال زيارة القبور)؛ لأن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الموت» رواه مسلم (٥). [٧١٥/ ١١٠] مسألة: (فأما النساء ففي كراهة زيارة القبور لهن روايتان:) إحداهما: لا يكره؛ لعموم ما رويناه، ولأن عائشة زارت قبر أخيها عبدالرحمن (٦).

стр. 680

والثانية: يكره؛ لقول النبي ﷺ : «لعن الله زوَّارات القبور» قال الترمذي: «هذا حديثٌ صحيحٌ» (١)، فلما زال التحريم بالنسخ بقيت الكراهة، ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تَهيُّج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله، بخلاف الرجل. (٢) (ويقول إذا زارها أو مَرَّ بها) ما روى مسلم قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: (السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية (٣) (٤)، وفي حديث آخر: (اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم) (٥)، وإن زاد: (اللهم اغفر لنا ولهم) كان حسنًا. [٧١٦/ ١١١] مسألة: (ويستحب تعزية أهل الميت)؛ لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من عزّى مصابًا فله مثل أجره» حديث غريب (٦).

стр. 681

[٧١٧/ ١١٢] مسألة: ويجوز قبل الدفن وبعده؛ لعموم الخبر (١). (ويكره الجلوس لها)؛ لأنه محدث. (٢) (ويقول في تعزية المسلم) بالمسلم: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك). (وفي تعزيته بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك (٣)، ولا يدعو للميت؛ لأنه كافرٌ. وتوقف أحمد ﵀ عن تعزية أهل الذمة (٤)، وهي تُخرَّج على عيادتهم، وفيها روايتان: إحداهما يعوده؛ لأن «النبي ﷺ عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمدلله الذي أنقذه بي من النار» رواه البخاري (٥). والثانية: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤوهم بالسلام» (٦). (٧)

стр. 682

فإن قلنا يعزيهم، فإن تعزيتهم عن المسلم: أحسن الله عزءك، وغفر لميتك، وعن الكافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك؛ لأن ذلك يليق به، وهو من حيث المعنى دعاء للمسلمين. [٧١٨/ ١١٣] مسألة: (ويجوز البكاء على الميت)، إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة؛ لما روي أن النبي ﷺ دخل على سعد بن عبادة ﵁ (١) فوجده في غاشيته، فبكى، وبكى أصحابه وقال: «ألا تسمعون! إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» متفقٌ عليه (٢). [٧١٩/ ١١٤] مسألة: (ولا بأس أن يطرح المصاب على رأسه ثوبًا يُعرَف به)؛ ليُعزَّى. (٣)

стр. 683

(ولا يجوز النَّدب ولا النياحة)، ونقل عنه كلام يحتمل إباحتهما (١)؛ لأن واثلة وأبا وائلٍ ﵄ (٢): «كانا يسمعان النوح، ويبكيان» (٣)، وظاهر الأخبار التحريم، قال ﵇ في حديث ابن مسعود ﵁: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» متفقٌ عليه (٤). وقال أحمد في قول الله سبحانه: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، «هو النوح» (٥)، فسماه: معصيةً، وقالت أم عطية ﵂: «أخذ علينا النبي ﷺ في البيعة ألّا ننوح» متفقٌ عليه (٦). (٧) (ولا يجوز شقُّ الثياب، ولا لَطمُ الخدود (٨)؛ لما سبق، وروي عن

стр. 684

أبي موسى ﵁: «أن النبي ﷺ برئ من الصالقة (١)، والحالقة (٢)، والشاقَّة (٣)» متفقٌ عليه (٤). وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى وبالصبر والصلاة، ويسترجع (٥)، ولا يقول إلا خيرًا؛ لقول الله سبحانه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].

стр. 685

كتاب الزَّكاة قال ابن قتيبة: «الزَّكاة من الزَّكاء، والنَّماء، والزِّيادة، سُمِّيت بذلك لأنها تُثمِّر المال وتنمِّيه، يقال: زكا الزَّرع؛ إذا كثر ريعه، وزكت النَّفقة؛ إذا بورك فيها» (١). وهي في الشَّرع: حقٌّ يجب في المال، وعند إطلاقها في موارد الشريعة تنصرف إلى ذلك. وهي أحد مباني الإسلام؛ لقوله ﵇: «بني الإسلام على خمسٍ: - ذكر من جملتها - الزَّكاة» متفقٌ عليه (٢)، وهي واجبةٌ بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] (٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وبعث النبي ﷺ معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: «أَعْلِمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وتردُّ على فقرائهم» متفقٌ عليه (٤). وأجمع المسلمون على وجوبها، واتفقت الصحابة على قتال مانعيها، رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ (٥).

стр. 686

[٧٢٠/ ١] مسألة: (وتجب في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام (١)، والخارج من الأرض، والأثمان، وعُروض التجارة) وسيأتي ذلك في موضعه. (ولا تجب في غير ذلك)؛ لأنَّ الأصل عدم الزَّكاة، فيبقى على الأصل. (وقال أصحابنا: تجب في المتولد من الوحشي والأهلي)؛ لأنه متولدٌ من أصلين تجب الزَّكاة في أحدهما، فاحتيط بإيجاب الزَّكاة فيه، كما لو كان متولدًا بين معلوفٍ وسائمةٍ. قال شيخنا: «والصحيح عندي أنه لا زكاة فيه» (٢)، فإنَّ المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه عنهما كالبغل المتولد بين الحمار والفرس والسِّمعُ المتولد بين الذئب والضبع، فكذا المتولد بين الظَّبي والماعز لا يكون من المعز، فلا تتناوله نصوص الشارع، ولا يمكن قياسه على ما تناوله النَّص، لتباينهما وبُعْدِ ما بينهما، ولا وجه لإثبات الحكم قياسًا مع عدم ما يقتضيه، مع أن الواجبات [ليست] (٣) من باب ما يثبت بالاحتياط بدليل الدُّيون وغيرها من الواجبات. وأما القياس على المتولد بين معلوفٍ وسائمةٍ فغير صحيح؛ إذ الاعتبار في العلف والسوم بنفس الذي يجب فيه، لا بما يولد منه، بدليل ما لو كان متولدًا بين معلوفين والله أعلم. (٤)

стр. 687

[٧٢١/ ٢] مسألة: (وفي بقر الوَحش روايتان:) إحداهما: فيها الزَّكاة؛ لأن اسم البقر يشملها فتدخل تحت مطلق النَّص. والأخرى: لا زكاة فيها، وهي أصحُّ؛ لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها، إذ كان وجود النصاب منها يندر جدًّا، لا سيما مع اعتبار السوم فيه، ولأنه حَيوانٌ لا يجزئ في الأضحيَّة فلا تجب الزَّكاة فيه كالظباء، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام فلا تجب الزَّكاة فيها كسائر الوحوش. (١) ولا تجب الزَّكاة في الظِّباء روايةً واحدةً لعدم تناول اسم الغنم لها. (٢) [٧٢٢/ ٣] مسألة: (ولا تجب) الزَّكاة (إلا بشروطٍ خمسةٍ: الإسلام، فلا تجب على كافرٍ)؛ لأنها من فروع الإسلام، فلا تجب على كافرٍ كالصيام؛ لقول النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (٣). (٤) الشرط (الثاني: الحرية، فلا تجب على عبدٍ). (فإن مَلَّكَه سيده مالًا وقلنا لا يَمْلِك فزكاته على سيده)؛ لأنه مالكه. (وإن قلنا يملك فلا زكاة فيه)؛ لأن سيده لا يَمْلكُه، ومِلك

стр. 688

العبد ضعيفٌ لا يحتمل المواساة، بدليل أنه لا يَعتِقُ عليه أقاربه إذا مَلكهم، ولا يجب عليه نفقة قريبه، والزَّكاة إنَّما تجب بطريق المواساة. (١) (ولا تجب على مكاتَبٍ)؛ لأنه عبدٌ، ومِلكه غير تامٍّ؛ لما ذكرنا، ولقوله ﵇: «المكاتَب عبد ما بقي عليه درهمٌ» رواه أبو داود (٢). (٣) (الثالث: مِلك النِّصاب)، وهو ثابتٌ بالإجماع والأخبار الصِّحاح، أخبار صدقات الإبل والبقر والغنم، «في خمسٍ من الإبل شاةٌ، وفي خمسٍ وعشرين بنت مخاضٍ، وفي ثلاثين من البقر تبيعٌ، وفي أربعين من الغنم شاةٌ» روى ذلك البخاري (٤). [٧٢٣/ ٤] مسألة: (فإن نَقَص النِّصاب فلا زكاة عليه)، وذلك أيضًا

стр. 689

إجماعٌ، وقد دلَّ عليه قوله ﵇: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة» متفقٌ عليه (١). [٧٢٤/ ٥] مسألة: (إلا أن يكون نقصًا يسيرًا كالحبة والحبتين) فتجب الزَّكاة كما لو نقص الحول لحظةً. (٢) [٧٢٥/ ٦] مسألة: (وتجب فيما زاد على النِّصاب بحسابه إلا في السائمة)، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (الرابع: تمام المِلك فلا تجب الزَّكاة في الدَّين على المكاتَب)؛ لنقصان المِلك فيه، فإن له أن يُعَجِّز نفسه ويمتنع من أدائه. [٧٢٦/ ٧] مسألة: (ولا) تجب في (السائمة الموقوفة)؛ لأن المِلك لا يثبت فيها في وجهٍ، وفي وجهٍ يثبت ناقصًا لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات. (٣)

стр. 690

[٧٢٧/ ٨] مسألة: (ولا) تجب في (حصة المضارِب من الرِّبح قبل القسمة (١)؛ لأنه لا يملكها على رواية، وعلى رواية يملِكها مِلكًا ناقصًا غير مستَقِرٍّ؛ لأنها وقايةٌ لرأس المال ولا يختص المضارِب بنمائها. (٢) [٧٢٨/ ٩] مسألة: (ومن له دينٌ على مليئ من صداقٍ أو غيره زَكّاه إذا قبضه لما مضى)، لا خلاف في وجوب الزَّكاة في ذلك. (٣) لكن عند قبضه يؤدّي لما مضى؛ لأن الزَّكاة مواساةٌ، وليس من المواساة إخراج زكاة مالٍ لم يقبضه. وظاهر كلام أحمد ﵀ أنه لا فرق بين الحالِّ والمؤجل (٤)؛ لأن

стр. 691

المؤجل مملوكٌ له تصِحُّ الحوالة به والبراءة منه. ولو أَجَّرَ داره سنين بأجرةٍ مَلكها من حين العقد، وجرت في حول الزَّكاة، وحكمها حكم الدين. [٧٢٩/ ١٠] مسألة: (وفي الدَّين على غير المليء، والمؤجَّل، والمجحود، والمغصوب، والضائع، روايتان: إحداهما: لا زكاة فيه)؛ لأنه خارجٌ عن يده وتصرفه، أشبه دين الكتابة. (والثاني: فيه الزَّكاة)؛ لأن المِلك فيه مستقرٌّ، ويملك المطالبة به، فوجبت فيه الزَّكاة كالدين على مليء. (١) وحكم الصَّداق حكم الدَّين على الموسر والمعسر، وسواءٌ في هذا قبل الدخول وبعده؛ لأنها مالكةٌ له. (وقال الخرقي: «واللُّقطة إذا جاء ربُّها زكّاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعًا منها» (٢)؛ لأنها كانت في مِلكه لم يَزُلْ عنها، فوجبت عليه زكاتها كالدين إذا قبضه. [٧٣٠/ ١١] مسألة: (ولا زكاة في مال مَنْ عليه دينٌ يَنْقُصُ النِّصاب (٣) إن كان من الأموال الباطنة، وهي الناضُّ (٤) وعُروض التجارة روايةً واحدةً؛ لأن عثمان بن عفان ﵁ قال بمحضرٍ من الصحابة ﵃:

стр. 692

«هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدِّه حتى تُخرجوا زكاة أموالكم»، رواه أبو عبيد في الأموال (١)، ولم ينكر فكان إجماعًا، ولأنه لا يُستغنى به ولا تجب الصدقة إلا عن ظهر غنًى. (٢) وإن كان من الأموال الظّاهرة، وهي المواشي والحبوب والثمار ففيه ثلاث روايات: إحداهن: لا تجب فيها الزَّكاة؛ لذلك. والثانية: فيها الزَّكاة؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث سُعاتَه فيأخذون الزَّكاة فما وجدوا من الأموال الظّاهرة من غير سؤال عن دَين صاحبه، بخلاف الباطنة. الثالثة: أن ما استدانه على زرعه لمؤنته حسَبَه، وما استدانه لأهله لم يَحْسُبْه؛ لأنه ليس من مؤنة الزَّرع فلا يَحْسُبه على الفقراء. (٣) (والكفَّارة كالدَّين في أحد الوجهين)، بناءً على الروايتين في الدَّين، هل يمنع وجوب الزَّكاة؟ (٤)، والكفارة الواجبة عليه دينٌ فهل تمنع الزَّكاة أو لا كالدين غير الكفارة؟ (٥)

стр. 693

الشرط (الخامس: مُضي الحول إلا في الخارج من الأرض)؛ لما روى ابن ماجه عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول»، ورواه ابن عمر أيضًا وأخرجه الترمذي (١)، وهو عامٌّ في كل مالٍ زكوي، إلا أن المراد به المواشي والأثمان وعُروض التِّجارة، وخرج منه الخارج من الأرض كالزرع والثمار والمعدِن. والفرق بينهما: أن ما اعتبر فيه الحول مُرصدٌ للنماء، فالماشية للدَّر والنَّسل، وعُروض التجارة للرِّبح وكذا الأثمان، فاعتبر لها الحول لأنه مظنَّة النَّماء، ليكون إخراج الزَّكاة من الرِّبح فإنه أسهل وأيسر، ولأن الزَّكاة إنما وجبت مواساةً فيواسى من النَّماء، ولم يعتبر حقيقة النَّماء لعدم ضبطه فاعتبرت مظنَّتُه وهي الحول، ولم يلتفت إلى الحقيقة كالحكم مع الأسباب. وأما الخارج من الأرض فإنه نماءٌ في نفسه، تكامل دفعةً واحدةً، فتؤخذ زكاته دَفعةً واحدةً عند تكامل نمائه، ثم لا شيء فيه بعد ذلك لعدم إرصاده للنَّماء، إلا الخارج من المَعدِن، فإنه إن كان ذهبًا أو فضَّةً فإنه يؤخذ منه الزَّكاة ثانيًا عند تمام كلِّ حولٍ لكونه مظنة النَّماء. [٧٣١/ ١٢] مسألة: (فإن استفاد مالًا مما يعتبر له الحول في بعض

стр. 694

الحول (١) فإن كان من نماء النِّصاب كالنِّتاج في الماشية والربح في التجارة وجب ضمُّه إلى ما عنده من أصله، فاعتبر حولُه بحولِه؛ لأنه تبعٌ له ومتولدٌ منه. (٢) وإن كان بسببٍ آخر كالإرث والابتياع فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول من حين ملكه إن كان نصابًا، وإلا فحوله من حين كمل النِّصاب؛ لأنه مالٌ مَلَكه أصلًا فيعتبر له الحول شرطًا كالمستفاد من غير الجنس. وعنه: يزكيه في الحال (٣)، يُروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ (٤)،

стр. 695

ولأنه مالٌ تجب فيه الزَّكاة أشبه المعدِن. (١) [٧٣٢/ ١٣] مسألة: (وإن ملك نصابًا صغارًا انعقد عليه الحول من حين ملكه)؛ لقوله: «في خمسٍ من الإبل شاةٌ» (٢). (وعنه: لا ينعقد حتى يبلغ سنًّا يجزئ مثله في الزَّكاة (٣) لأنه لا يجوز إخراجه في الزَّكاة فلا يجزئ في حول الزَّكاة أشبه غير بهيمة الأنعام. (٤) [٧٣٣/ ١٤] مسألة: (ومتى نَقَصَ النِّصاب في بعض الحول، أو أباعه، أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول (٥)؛ لفوات الشَّرط. (٦) (إلا أن يقصد الفرار من الزَّكاة عند قُرْب وجوبها فلا تسقط)؛ لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط كالطَّلاق في مرض الموت.

стр. 696

[٧٣٤/ ١٥] مسألة: (وإن أبدله بنصابٍ من جنسه بنى على حوله)؛ لأنه لم يَزَلْ في مِلكه نصابٌ من الجنس جارٍ في حول الزَّكاة، أشبه ما لو نتج النِّصاب نصابًا ثم ماتت الأمهات. (ويتَخرَّجُ أن ينقطع (١)؛ لقوله ﵇: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٢). (٣) [٧٣٥/ ١٦] مسألة: (وإذا تمَّ الحول وجبت الزَّكاة في عين المال)؛ لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] (٤)، و «في» للظرفية. (وعنه: تجب في الذِّمة (٥)؛ لأنه يجوز إخراجها من غير النِّصاب، ولا يمنع التَّصرف فيه فأشبهت الدين. (٦) [٧٣٦/ ١٧] مسألة: (ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء)؛ لأن قوله ﵇: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» (٧)، يدل بمفهومه على وجوبها فيه عند تمام الحول، ولأنه لو أتلف النِّصاب بعد الحول ضمنها، ولو لم يجب لم يلزمه ضمانها كقبل الحول.

стр. 697

(فإن تلف النِّصاب بعد الحول لم تسقط الزَّكاة) فرَّط أو لم يفرِّط؛ لأنه مالٌ وجب في الذِّمة فلم يسقط بتلف النِّصاب كالدين. (وعنه: أنها تسقط إذا لم يفرِّط (١)؛ لأنها عبادةٌ تتعلق بالمال، فتسقط بتلفه قبل إمكان الأداء كالحج، ولأنه حقٌّ يتعلق بالعين فيسقط بتلفها من غير تفريطٍ كالوديعة. (٢) [٧٣٧/ ١٨] مسألة: (وإذا مضى حولان على نصابٍ لم يؤد زكاتها فعليه زكاةٌ واحدةٌ إن قلنا تتعلق بالعين)؛ لأن الزَّكاة الأولى تعلقت بقدر الفرض فنَقَصَ النِّصاب في الحول الثاني، وهو ظاهر المذهب نقله الجماعة عن أحمد (٣). (و) تجب عليه (زكاتان إن قلنا تجب في الذِّمة (٤) لأن النصاب لم

стр. 698

ينقص (١). (٢) [٧٣٨/ ١٩] مسألة: (وإذا مات من عليه الزَّكاة أخذت من تركته)؛ لأنها حقٌّ واجبٌ تصح الوصية بها، فلم تسقط بالموت كدين الآدمي. (فإن كان عليه دينٌ وزكاةٌ اقتسموا ماله بالحصص) إذا لم يفِ بالجميع، كما لو كانت عليه ديون لا يفي ماله بها. * * *

стр. 699

باب زكاة بهيمة الأنعام [٧٣٩/ ١] مسألة: (ولا تجب إلا في السائمة منها، وهي التي ترعى في أكثر الحول)، ولا زكاة في المعلوفة، لقوله ﵇: «في الإبل السائمة في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي سائمة الغنم في كلِّ أربعين شاةٌ» (١)، فيدل على نفي الزَّكاة عن غير السائمة، ولأن المعلوفة لا تقتنى للنَّماء فلم يجب فيها شيءٌ كثياب البِذْلة (٢). [٧٤٠/ ٢] مسألة: ويعتبر السوم في معظم الحول؛ لأنها لا تخلو من علفٍ في بعضه، فاعتباره في الحول يمنع الوجوب بالكلِّية، فاعتبر في معظمه. [٧٤١/ ٣] مسألة: (وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الإبل، فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسًا، فتجب فيها شاةٌ)، والأصل في ذلك ما روى البخاري بإسناده عن أنس أن أبا بكرٍ الصديق ﵁ كتب له حين وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسول الله ﷺ ، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمسٍ شاةٌ، فإذا

стр. 700

بلغت خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاضٍ، فإذا لم تكن بنت مخاض فابن لبونٍ ذكرٌ، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حِقَّةٌ (١) طروقة الجمل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جَذَعة (٢)، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حِقَّتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبونٍ، وفي كل خمسين حِقَّة، ومن لم يكن معه إلا أربعٌ من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاةٌ» (٣). وهذا مجمعٌ عليه إلى أن تبلغ عشرين ومئة، إلا ما حكي عن علي ﵁ فإنه قال: «في خمس وعشرين خمس شياه» (٤)، قاله ابن المنذر (٥)، فإذا زادت على عشرين ومئة واحدة ففيها ثلاث بناتِ لبون. وعنه: لا يتغير الفرض حتى تبلغ ثلاثين ومئة فتكون فيها حقة وبنتا لبون (٦).

стр. 701

والصحيح الأول؛ لأن في حديث الصَّدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمر ﵃: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها ثلاث بنات لبون»، وهذا نصٌّ، وهو حديثٌ حسنٌ (١). (٢) [٧٤٢/ ٤] مسألة: (فإن أخرج مكان الشاة بعيرًا لم يُجزِه (٣)؛ لأنه عدل عن المنصوص عليه إلى غير جنسه فلم يجزه، كما لو أخرجها عن الشياه الواجبة في الغنم. ولا يجزئ إلا الجَذَعَ من الضَّأن والثَّنيَّ من المعز؛ لأنها الشاة التي تعلق بها حكم الشرع في سائر موارده المطلقة. وبنت المخاض: هي التي لها سنةٌ؛ سميت بذلك بنت مخاض لأنَّ أمَّها حملت بغيرها فسميت بنت مخاض يعني بنت حاملٍ. فإن عدم بنت مخاضٍ أجزأه ابن لبونٍ؛ للخبر، وهو ما له سنتان، وسمي ابن لبون لأن أمه ولدت غيره، فهي ذات لبنٍ.

стр. 702

فإن عدمه أيضًا لزمه شراء بنت مخاضٍ؛ لأن العدول عن بنت المخاض إنما كان تسهيلًا عليه وإغناءً له عن طلب الشِّراء مع وجوده، فإذا كان معدومًا فلا بد من الشِّراء، فينبغي أن يشتري الواجب، ولأنهما استويا في العدم فوجب إخراج الفرض كما لو استويا في الوجود. والحِقَّة لها ثلاث سنين سميت حِقَّةً لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. والجذعة لها أربع سنين. وهذا الفصل كله قد دلَّ عليه حديث الصَّدقات، إلى قوله: (فإذا بلغت مئتين اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاقٍ، وإن شاء خمس بنات لبونٍ، والمنصوص أنه يخرج الحقاق (١)، وهو محمول على أن ذلك فيها بصفة [التخيير] (٢)؛ لأن في كتاب الصدقات الذي عند آل عمر ﵃: «فإذا كانت مئتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيُّ السنين وجدت أخذت» (٣)، ولأنه اتفق فرضان في الزَّكاة فكانت الخيرة لربِّ المال كالخيرة في الجبران. [٧٤٣/ ٥] مسألة: (وليس فيما بين الفريضتين شيءٌ)، وهي الأوقاص، عفي عنها رفقًا بأصحاب المواشي. [٧٤٤/ ٦] مسألة: (ومن وجبت عليه سِنٌّ فعدمها أخرج سنًّا أسفل منها ومعها شاتان أو عشرون درهمًا، وإن شاء أخرج أعلى منها بسَنةٍ وأخذ مثل ذلك من السّاعي)؛ لما روى أنس ﵁ في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر ﵁ قال: «ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجَذَعة وليست عنده جَذَعةٌ وعنده حِقَّةٌ فإنها تقبل منه الحقةُ ويَجْعَل معها شاتين

стр. 703

إن اسْتَيْسَرتا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحِقَّة وليست عنده الحِقَّة وعنده الجَذَعة فإنها تقبل منه الجَذعة ويعطيه المُصَدِّق شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحِقَّة وليست عنده إلا ابنة لبونٍ فإنها تقبل منه بنت لبونٍ ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت صدقته بنت لبونٍ وعنده حِقَّةٌ فإنها تقبل منه ويعطيه المصَدِّق شاتين أو عشرين درهمًا» (١). والخيرة في النُّزول والصُّعود والشِّياه والدَّراهم إلى ربِّ المال؛ للخبر، فإن أراد إعطاء شاةٍ وعشرة دراهم أو أخْذ ذلك جاز، ذكره القاضي (٢)؛ لأن الشَّاة مقام عشرة دراهم، وقد كانت الخيرة إليه فيهما مع غيرهما فكانت الخيرة إليه فيهما مفردين، ويحتمل المنع؛ لأن الشارع جعل له الخيرة في شيئين، وتجويز هذا يجعل له الخيرة في ثلاثة أشياء. [٧٤٥/ ٧] مسألة: (فإن عَدِم السِّنَّ التي تليها انتقل إلى الأخرى، وجبرها بأربع شياه أو أربعين درهمًا)؛ لأن الشارع جوَّز له الانتقال إلى الذي يليه، وجوز الانتقال من الذي يليه إلى ما يليه، إذا كان هو الفرض، وههنا لو كان موجودًا أجزأ فإذا عُدم جاز العدول إلى ما يليه. (وقال أبو الخطاب: لا يجوز)؛ لأن النص إنما ورد بالانتقال إلى ما يليه. (٣) [٧٤٦/ ٨] مسألة: (ولا مدخل للجُبران في غير الإبل)؛ لأن النَّص فيها ورد، وليس غيرها في معناها، لأن التفاوت بين السنين في الإبل

стр. 704

أكثر من التفاوت بين السنين في البقر لزيادة قيمتها عليها، فلا يلزم من وجوب جابرٍ لنقصٍ كثيرٍ وجوب مثله لما هو أقلُّ منه. (النوع الثاني: البقر، ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيعٌ أو تبيعةٌ: وهي التي لها سَنَةٌ، وفي أربعين مسنةٌ: وهي [التي] (١) لها سنتان، وفي الستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيعٌ، وفي كل أربعين مسنةٌ)؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن يحيى بن الحكم (٢) أن معاذًا ﵁ قال: «بعثني رسول الله ﷺ أُصدِّق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن أربعين مسنةً، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنةً وتبيعًا، ومن الثَّمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباعٍ، ومن المئة مسنةً وتبيعين، ومن العشرة ومئةٍ مسنَّتين وتبيعًا، ومن العشرين ومئةٍ ثلاث مسنات أو أربعة أتباعٍ، وأمرني ألّا آخذ فيما بين ذلك شيئًا، إلا أن تبلغ مسنةً أو جذعًا» (٣). [٧٤٧/ ٩] مسألة: (ولا يجزئ الذَّكر في الزَّكاة في غير هذا، إلا ابن لبونٍ مكان بنت مخاضٍ إذا عدمت) فلا يجزئ إلا الإناث لورود النَّص فيها، وفضلها بدرِّها ونَسلها. (فإن كان النِّصاب كلُّه ذكورًا جاز الذَّكر في الغنم وجهًا واحدًا)؛ لأن الزَّكاة وجبت مواساةً، والمواساة إنما تكون بجنس المال.

стр. 705

(ويجوز إخراجه في البقر في أصَحِّ الوجهين)؛ لذلك. (وفي الإبل وجهان: (١) أحدهما: يجوز؛ لذلك. والآخر: لا يجوز؛ لإفضائه إلى إخراج ابن لبون عن خمسٍ وعشرين وستٍ وثلاثين، وفيه تسويةٌ بين النصابين، فعلى هذا يخرج أنثى ناقصةً بقدر قيمة الذَّكر، وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن النِّصابين، ويكون التعديل بالقيمة. (٢) ويحتمل أن يخرج ابن مخاضٍ عن خمسةٍ وعشرين فيقوم الذَّكر مقام الأنثى التي في سِنِّه كسائر النُّصُب. [٧٤٨/ ١٠] مسألة: (ويؤخذ من الصِّغار صغيرة)، وإنما يتصور ذلك إذا كان عنده نصابٌ كبارٌ فأبدلها بصغارٍ في أثناء الحول، أو توالدت الكبار ثم ماتت وحال الحول على الصغار فيجوز إخراج الصغيرة؛ لقول الصديق ﵁: «لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها» (٣)، ولا تؤدى العناق إلا على الصِّغار. (ويؤخذ من المِراض مريضةً)؛ لأن الزَّكاة وجبت مواساةً، فيجب أن تكون من جنس المال. (وقال أبو بكر: «ولا يجزئ إلا كبيرةٌ صحيحةٌ على قدر المال» (٤)؛ لقول عمر ﵁: «اعتَدَّ عليهم بالسَّخلة يروح بها الراعي على يده
следующие страницы →