← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[٩٢٢/ ٦] مسألة: (ويجب على الصائم اجتناب الكذب، والغيبة، والشَّتم، والمعاصي، فإن شُتم فليقل: إني صائمٌ)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ» (١). (٢) [٩٢٣/ ٧] مسألة: ويستحب للصائم السَّحور؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تسحروا، فإن في السَّحور بركة» متفقٌ عليه (٣). [٩٢٤/ ٨] مسألة: (ويستحب تعجيل الإفطار، وتأخير السَّحور)، لما روى أبو ذرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السَّحور، وعجلوا الفطر» من المسند (٤). [٩٢٥/ ٩] مسألة: (ويستحب أن يفطر) على رُطَبٍ، فإن لم يجد ف (على تَمَراتٍ، فإن لم يجد فعلى ماءٍ (٥)؛ لما روى أنس ﵁ قال:

стр. 842

«كان رسول الله ﷺ يُفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تَمَراتٍ، فإن لم يكن حسا حَسوات من ماءٍ» وهذا حديثٌ حسنٌ (١). [٩٢٦/ ١٠] مسألة: (ويستحب أن يقول عند فطره: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك (٢) اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم)؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم صائمًا فليقل: اللهم لك صمت» وذكره (٣)، وروي عن النبي ﷺ في دعاء الصائم: «يا عظيم يا عظيم، أنت الذي لا إله غيرك، اغفر لي الذنب العظيم، إنه لا يغفر العظيم إلا العظيم» (٤)، وكان ابن عمر ﵁ يقول: «يا واسع المغفرة اغفر لي» (٥)، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵁: «أنه كان يقول عند فطره: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» (٦). [٩٢٧/ ١١] مسألة: (ويستحب التتابع في قضاء رمضان)؛ لأنه أشبه بالأداء، وأبعد من الخلاف. (ولا يجب التتابع)؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

стр. 843

[البقرة: ١٨٥]، وهذا مطلقٌ يتناول المتفرِّق والمتتابع، وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن المنكدر (١) قال: «بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال: لو كان على أحدكم دين فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى ينقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضيًا دينه؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم» (٢). (ويجوز له تأخير قضاء رمضان ما لم يأْتِ رمضانٌ آخر)؛ لأن عائشة ﵂ قالت: «لقد كان يكون عليَّ الصيام من رمضان فما أقضيه حتى يجيء شعبان» متفقٌ عليه (٣). [٩٢٨/ ١٢] مسألة: ولا يجوز تأخيره إلى رمضانٍ آخر (لغير عذر)؛ لأنه لو جاز لأخرته عائشة ﵂، ولأن تأخيرَه غيرَ مؤقتٍ إلحاقٌ له بالمندوبات فلم يجز. (فإن فعل فأخره إلى رمضان لغير عذر فعليه القضاء، وإطعام مسكين لكل يوم)؛ لأن ذلك روي عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ﵃ (٤)،

стр. 844

ولأن تأخير القضاء عن وقته إذا لم يوجب قضاءً أوجب كفارةً كالشيخ الهِمِّ (١). [٩٢٩/ ١٣] مسألة: (وإن أخّره لعذرٍ فلا شيء عليه)؛ لأن فِطرَ رمضان يباح للعذر، فتأخيره للعذر أولى. (وسواءٌ مات أو لم يمت)؛ لأنه لم يُفَرِّط في الصوم، فلم يلزمه شيءٌ كما لو مات في رمضان. [٩٣٠/ ١٤] مسألة: (وإن أخَّرَه لغير عذر فمات قبل رمضان آخر أُطعِم عنه لكل يوم مسكين)؛ لأن ذلك يروى عن ابن عمر ﵁ (٢). [٩٣١/ ١٥] مسألة: (وإن مات بعد إدراكه [رمضانًا] (٣) آخر فهل يُطعَمُ عنه لكل يوم مسكين أو اثنان؟ على وجهين:) أحدهما: تجزئه كفارةٌ واحدةٌ لكل يومٍ، نص عليه (٤)؛ لأن الكفارة الواحدة أزالت تفريطه فصار كالميت من غير تفريطٍ. والثاني: وهو اختيار أبي الخطاب (٥): عليه لكل يوم فقيران؛ لأن كل واحدٍ يقتضي كفارةً، فإذا اجتمعا وجب بهما كفارتان كالتفريط في

стр. 845

يومين. (١) [٩٣٢/ ١٦] مسألة: (وإن مات وعليه صيامٌ منذورٌ فَعَلهُ عنه وليه)؛ لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ قال: «قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلكِ عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عنها» (٢)، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٣)، قال أبو داود: «هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل» (٤)، ولأن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والمنذور أخف حكمًا، لأنه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه على نفسه، واحتج أحمد بما روي عن ابن عباس ﵁: «أنه سُئل عن رجلٍ مات وعليه نذرٌ يصوم شهرًا، وعليه صوم رمضان؟ قال: أما رمضان: فيُطعَمُ عنه، وأما النذر فيُصام عنه» رواه الأثرم في سننه (٥) (٦). (٧) (والحج والاعتكاف مقيسان على الصوم).

стр. 846

ولا يجب على وليه الصيام عنه، كما لا يجب أن يقضي دينه. ولا يختص الإجزاء في الصوم بوليه، بل يجوز غيره كما يجوز له قضاء دينه. [٩٣٣/ ١٧] مسألة: (وإن كانت عليه صلاة منذورةٌ فعلى روايتين:) إحداهما: يفعلها الولي بالقياس على الصيام. والأخرى: لا يجوز؛ لأنها لا تدخلها نيابة ببدن ولا مال فأشبهت الإسلام، وتفارق الصوم، فإنه ينوب عنه الإطعام. (١) ولا يجب على الولي فعلها؛ لأنها واجبةٌ على غيره، وكذلك الصيام، وإنما يستحب له ذلك؛ للحديث (٢). * * *

стр. 847

باب صوم التطوع (وأفضله صيام داود ﵇ (١)؛ لما روى ابن عَمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا» متفقٌ عليه (٢). [٩٣٤/ ١] مسألة: (ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي بثلاثٍ: صيامِ ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» متفقٌ عليه (٣). (وتكون أيام البيض)؛ لما روى أبو ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثةً فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» وهذا حديثٌ حسنٌ (٤). [٩٣٥/ ٢] مسألة: (ويستحب صوم الإثنين والخميس)؛ لما روى أسامة ﵁: «أن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الإثنين والخميس، فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين والخميس» رواه

стр. 848

أبو داود (١). [٩٣٦/ ٣] مسألة: (ومن صام رمضان وأتبعه بستٍ من شوالٍ فكأنما صام الدهر)؛ لما روى أبو أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان وأتبعه بستٍ من شوالٍ فكأنما صام الدهر» رواه مسلم (٢). [٩٣٧/ ٤] مسألة: (وفي صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفه كفارة سنتين)؛ لما روى أبو قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنه التي بعده، وقال في صيام عاشوراء: إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي [قبله] (٣) رواه مسلم (٤). [٩٣٨/ ٥] مسألة: (ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصوم)؛ ليتقوى على الدعاء؛ لما روى ابن عمر ﵁ قال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه» حديث حسن (٥). [٩٣٩/ ٦] مسألة: (ويستحب صوم عشر ذي الحجة)؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال رسول الله ﷺ : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج

стр. 849

بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيءٍ» وهذا حديثٌ صحيحٌ (١). [٩٤٠/ ٧] مسألة: (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلمٌ (٢). [٩٤١/ ٨] مسألة: (ويكره إفراد رجب بالصوم)؛ لما فيه من تشبيهه برمضان، وروى خَرَشة (٣) قال: «رأيت عمر ﵁ يضرب أَكُفَّ الناس حتى يضعوها في الطعام - يعني: في رجب -، ويقول: إنما هو شهرٌ كانت الجاهلية تعظِّمه، ثم يقول: صوموا فيه وأفطروا» (٤). [٩٤٢/ ٩] مسألة: (و) يكره (إفراد يوم الجمعة بالصوم)؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو يومًا بعده» متفقٌ عليه (٥). [٩٤٣/ ١٠] مسألة: (و) يكره (إفراد يوم السبت بالصوم)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما فرض عليكم» وهذا حديثٌ حسنٌ (٦).

стр. 850

فإن صامه مع يوم الجمعة لم يكره؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (١). [٩٤٤/ ١١] مسألة: (و) يكره (صوم يوم الشك) كراهية تحريم، وهو الذي يُشَك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان إذا كان صحوًا؛ لقول عمار ﵁: «من صام اليوم الذى يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٢)، والمعصية حرام. (٣) [٩٤٥/ ١٢] مسألة: (و) يكره صوم (يوم النيروز، والمهرجان (٤)، إلا أن يوافق عادةً)؛ لأنها أعياد الكفار؛ لما فيه من تعظيمها والتشبه بأهلها. [٩٤٦/ ١٣] مسألة: (ولا يجوز صوم يومي العيدين لا عن فرضٍ ولا عن تطوعٍ، وإن قصد لصيامها عصى ولم يُجزِه عن فرضٍ) لما روى أبو عبيدٍ مولى ابن أزهرَ (٥) قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁

стр. 851

فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون من نسككم» متفقٌ عليه (١). [٩٤٧/ ١٤] مسألة: (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعًا)؛ لما روى نُبَيشة الهذلي ﵁ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله » رواه مسلمٌ (٣). (وفي صيامها عن الفرض روايتان:) إحداهما: يحرم؛ لهذا الحديث. والثانية: يجوز؛ لما روي عن ابن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: «لم يرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري (٤)، وقسنا على صوم المتعة (٥) كلَّ صومٍ فرضٍ؛ لأنه في معناه. (٦) [٩٤٨/ ١٥] مسألة: (ومن دخل في صومٍ أو صلاةٍ تطوعًا استحب له إتمامه، ولم يجب)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله:

стр. 852

«أُهدِيت لنا هديةٌ، قال ما هو؟ قلت: حيسٌ (١)، قال: هاتيه، فجئت به: فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائمًا» رواه مسلمٌ (٢)، وابن ماجه وقال في آخره: «إنما مثل صوم التطوع كمثل الذي يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها» (٣)، وهذا نصٌ في المسألة، ولأن كل صومٍ لو أتمه كان تطوعًا لا يلزمه إتمامه، وإن خرج منه لا يلزمه قضاؤه، كما لو اعتقده من رمضان فبان من شعبان. (٤) [٩٤٩/ ١٦] مسألة: (فإن أفسده) بعد أن شرع فيه (فلا قضاء عليه)؛ لأنه ليس بواجبٍ، فلا يجب قضاؤه كما لو لم يشرع فيه. (٥) [٩٥٠/ ١٧] مسألة: (وتطلب ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان، وليالي الوتر آكد)؛ لقوله ﵇: «من كان متَحَرِّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر»، وفي لفظٍ: «فاطلبوها في العشر الأواخر في الوتر منها» متفقٌ عليه (٦).

стр. 853

[٩٥١/ ١٨] مسألة: (وأرجاها ليلة سبعٍ وعشرين)؛ لما روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: «إنها ليلة سبعٍ وعشرين، أخبرنا رسول الله ﷺ أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع، فعددنا وحفظنا» هذا حديثٌ صحيحٌ (١). وروى أبوسعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قد رأيت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتُني أسجد في ماءٍ وطينٍ، قال أبو سعيد: فأمطرت تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف (٢) المسجد، فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين» متفقٌ عليه (٣). والحديثان يدلّان على أنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر؛ لأن كل واحدٍ منهما يدل على وجود علاماتها في ليلة، فينبغي أن يجتهد في ليالي الوتر من العشر كله، ويكثر من الدعاء لعله يوافقها. (ويدعو بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «يا رسول الله، إن وافقتها فبمَ ادعو؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني») رواه الترمذي، وقال: «حديثٌ صحيحٌ» (٤). * * *

стр. 854

كتاب الاعتكاف (وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو سنةٌ)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» متفقٌ عليه (١). [٩٥٢/ ١] مسألة: (إلا أن ينذره فيجب)؛ لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري (٢). [٩٥٣/ ٢] مسألة: (ويصِحُّ بغير صومٍ)؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك» متفقٌ عليه (٣)، قال البخاري حدثنا مسدد (٤) حدثنا يحيي (٥) عن عبيد الله (٦) عن نافع عن ابن عمر أن عمر ﵁ سأل النبي

стр. 855

ﷺ قال: «كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلًا في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك»، ولو كان الصوم شرطًا لم يصح في الليل منفردًا، ولأن كل عبادةٍ صَحَّ بعضها بغير صومٍ صَحَّ جميعها بغيره كالحج. (وعنه: لا يصِحُّ (١) بغير صومٍ، (فعلى هذا لا يصِحُّ في ليلةٍ مفردةٍ ولا بعض يومٍ)؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية، قال النبي ﷺ اعتكف وصم» رواه أبو داود (٢). والأولى أولى لوجهين: أحدهما: أن الحديث فيها متفقٌ عليه بخلاف الثانية، الثاني: أن عمر ﵁ هو صاحب القصة وهو الذي سأل النبي ﷺ ، وليس كذلك في الثانية فإن ابن عمر ﵁ حكى عن عمر أنه جعل عليه أن يعتكف ليلةً أو يومًا وصاحب القصة أخبر بحاله، كيف وقد جزم بها، وابن عمر شك فيها. فإن قيل: فقد ورد في الصحيح أن عمر ﵁ قال: «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يومًا» كذا في مسلم (٣)، وفي البخاري: «إنه كان عليَّ اعتكاف يومٍ في الجاهلية» (٤). قلنا: إلا أنه لم يذكر صومًا، ولو كان شرطًا لصحة الاعتكاف

стр. 856

لذكره، إنما قال: «اذهب فاعتكف يومًا» وفي لفظٍ: «فأمره أن يَفي به - حين قال إنه كان عليَّ اعتكاف يومٍ في الجاهلية» (١)، على أن حديثهم ليس فيه ما يدل على أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف، فإنه لو قال اعتكف وصلِّ، أو اعتكف وتصدق لم يكن ذلك شرطًا، كذلك الصوم. (٢) [٩٥٤/ ٣] مسألة: (ولا يجوز الاعتكاف للمرأة بغير إذن زوجها)؛ لأنه يملك استمتاعها، فلا تملك تفويته بغير إذنه. [٩٥٥/ ٤] مسألة: (وليس للعبد الاعتكاف بغير إذن سيده)؛ لأنه يملك نفعه. [٩٥٦/ ٥] مسألة: فإن أَذِنَ لهما صح منهما؛ لأن أزواج النبي ﷺ كن يعتكفن بإذنه (٣)، والعبد في معنى المرأة. [٩٥٧/ ٦] مسألة: (وإن شرعا فيه بغير إذنٍ فلهما تحليلهما)، وإن كان نذرًا؛ لأنه نذرٌ يتضمن تفويت منافع مملوكة لغيرهما فأشبه نذر عاريَّةِ عبد غيره. (٤) (وإن شرعا فيه بإذن فلهما تحليلهما إن كان تطوعًا (٥)؛ لأنه لا يلزم بالشروع.

стр. 857

وإن كان منذورًا لم يجز إخراجهما منه سواء كان معينًا أو مطلقًا؛ لأنه يتعين بالشروع، ويجب إتمامه فلم يجز التحليل منه كالصوم. (١) [٩٥٨/ ٧] مسألة: (وللمكاتب أن يعتكف ويحج بغير إذن)؛ لأنه لا حَقَّ للسيد في نفعه. ومن نصفه حرٌّ إن لم يكن بينهما مهايأة (٢) فهو كالقِنِّ؛ لتعلق حق سيده بنفعه في زمن اعتكافه. وإن كان بينهما مهايأة فهو في زمن سيده كالقِنِّ، وفي زمن نفسه كالحر؛ لعدم حق السيد فيه. (٣) [٩٥٩/ ٨] مسألة: (ولا يصِحُّ الاعتكاف) من الرجل والمرأة (إلا في مسجد)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (ولا يصِحُّ من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة)؛ لأنها واجبةٌ عليه فلا يجوز تركها. (٤)

стр. 858

(وليس للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها (١)؛ لأنه ليس بمسجدٍ تثبت له أحكام المساجد، وإنما سمي مسجدًا؛ لأنه موضع صلاتها، ولها الاعتكاف في سائر المساجد لعدم وجوب الجماعة عليها. [٩٦٠/ ٩] مسألة: (والأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله)؛ لأن ثواب الجماعة فيه أكثر. [٩٦١/ ١٠] مسألة: (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجدٍ بعينه فله فعل ذلك في غيره)؛ لأن الله سبحانه لم يعين لأداء الفرض موضعًا فلم يتعين بالنذر. [٩٦٢/ ١١] مسألة: (إلا المساجد الثلاثة) التي قال النبي ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفقٌ عليه (٢)، فإنها تتعين بالنذر؛ للخبر (٣). [٩٦٣/ ١٢] مسألة: (وأفضلها المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى)؛ لقوله ﵇: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه مسلمٌ (٤). (٥) (فإذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لم يجز له الاعتكاف في غيره (٦) لأنه أفضلها، وإن نذره في مسجد النبي ﷺ جاز أن يعتكف في

стр. 859

المسجد الحرام لفضله عليه، ولم يجز في المسجد الأقصى لأنه مفضول، وإن نذره في المسجد الأقصى جاز الاعتكاف فيهما لأنهما أفضل منه، بدليل ما رواه أحمد في المسند عن رجالٍ من أصحاب النبي ﷺ : أن رجلًا قال يوم الفتح: يا نبيَّ الله إني نذرت لأصلين في بيت المقدس؟ فقال النبي ﷺ : «والذي بعث محمدًا بالحق، لو صليت ههنا لقضي عنك كل صلاة في بيت المقدس» (١)، فدل على أن الأفضل منهما يجزئ عن المفضول. (٢) [٩٦٤/ ١٣] مسألة: (ومن نذر اعتكاف شهرٍ بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه)، تامًّا كان الشهر أو ناقصًا؛ لأنه متى عَيَّن بنذره زمنًا تعَيَّن، ولزمه أن يعتكف فيه؛ لأن الله سبحانه عين لعبادته زَمَنًا فتعَيَّن الزمان بالنذر، فإذا نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلةٍ في الشهر ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخره؛ لأن ذلك هو الشهر. (٣) [٩٦٥/ ١٤] مسألة: (وإن نذر شهرًا مطلقًا) خير بين اعتكاف ما بين هلالين وبين اعتكاف ثلاثين يومًا بالعدد؛ لأن شهر العَدَدِ ثلاثون يومًا. وي (لزمه التتابع)، لأن الشهر بإطلاقه ينصرف إلى المتتابع فلزمه كما

стр. 860

لو نذر يومًا. وفيه وجهٌ آخر: لا يلزمه التتابع؛ لأنه معنًى يصح فيه التفريق فلم يجب التتابع فيه بمطلق النذر؛ كما لو نذر اعتكاف ثلاثين يومًا، ويدخل في نذره الليل والنهار؛ لأن الشهر عبارةٌ عنهما. (١) [٩٦٦/ ١٥] مسألة: (وإن نذر أيامًا معدودةً فله تفريقها)؛ لأن الأيام المطلقة توجد بدون التتابع، والنذر يقتضي ما تناوله لفظه. (وقال القاضي: «يلزمه التتابع» (٢)؛ لما ذكرنا في الشهر (٣)، فعلى قوله تدخل الليالي في نذره. وعلى الأول لا تدخل، إلا أن ينويها أو يشترطها بلفظه؛ لأن اليوم اسم لبياض النهار. (٤) [٩٦٧/ ١٦] مسألة: (وإن نذر أيامًا أو لياليَ متتابعةً لزمه ما يتخللها من ليلٍ أو نهارٍ)؛ لأن ذلك يدخل في خَلَلِ نذره المتتابع فلزمه كأيام العشر. (٥)

стр. 861

(ولا يجوز للمعتكف الخروج إلا لما لا بد منه: كحاجة الإنسان)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يُدني إليَّ رأسه فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفقٌ عليه (١). (و) له الخروج (للطهارة، والجمعة، والنفير المتعين، والشهادة المتعينة عليه إقامتها)، وصلاة جنازة تعينت عليه، وحملها ودفنها إذا تعين عليه، فعليه الخروج لذلك؛ لأن وجوبه آكد من الاعتكاف لكونه لحق آدمي، ولا يبطل اعتكافه بشيءٍ من هذا ما لم يطل الزمان؛ لأنه خروجٌ يسيرٌ مباح فلم يبطل به الاعتكاف كحاجة الإنسان. (و) كذلك يباح له الخروج (للخوف من الفتنة) على نفسه، أو ماله، أو منزله، أو لعموم النفير، والاحتياج إلى خروجه، (أو المرض) الشديد. (والحيض، والنفاس، وعدة الوفاة)؛ لأن هذا يسقط به الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة والجماعة، فغيره أولى. [٩٦٨/ ١٧] مسألة: (ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازةً (٢) لم تَتَعين عليه. وعنه: أنه يشهد الجنازة ويعود المريض (٣)، ولا يجلس، ويقضي الحاجة ويعود إلى معتكفه؛ لأن ذلك يروى عن علي ﵁ (٤).

стр. 862

والأولى أولى، لقول عائشة ﵂: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازةً، ولا يمس امرأةً، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجةٍ إلا لما لا بد له منه» رواه أبو داود (١). لكن إن كان متطوعًا فله ترك اعتكافه لفعل ذلك ثم يعود إلى الاعتكاف، وإن كان واجبًا لم يجز تركه لما ليس بواجب. (٢) [٩٦٩/ ١٨] مسألة: (وإن شرط فعل ذلك في نذره فله فعله)، وكذلك لو شرط العَشاء في أهله جاز؛ لأنه يجب بعقده فكان الشرط فيه إليه كالوقف. وإن شرط الوطءَ، أو الفرجة، أو النزهة، لم يصِحَّ شرطه؛ لأنه ينافي الاعتكاف، أشبه شرط ترك الإقامة في المسجد. (٣) [٩٧٠/ ١٩] مسألة: (وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يُعرِّج)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريضُ فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّةٌ» متفقٌ عليه (٤)، ولأنه بالوقوف

стр. 863

يترك اعتكافه، وبالسؤال لا يتركه. [٩٧١/ ٢٠] مسألة: (وله الدخول إلى مسجدٍ يُتِمُّ اعتكافه فيه)؛ لأنه لو عيَّن مسجدًا بنذره لم يتعين، وجاز الاعتكاف في غيره على ما سبق. [٩٧٢/ ٢١] مسألة: (فإن خرج لما لا بد منه خروجًا معتادًا كحاجة الإنسان والطهارة فلا شيء فيه)؛ لما سبق. (وإن خرج لغير المعتاد كالمرض والخروج للفتنة في المتتابع وتطاول، خيِّر بين استئنافه) ولا كفارة عليه؛ لأنه أتى بما نذر على وجهه فلا يلزمه كفارةٌ كما لو لم يخرج. (وبين البناء على ما مضى ويقضي ما تركه ويكفِّر (١)؛ لتركه المنذور. (٢) [٩٧٣/ ٢٢] مسألة: (وإن فعله في متعين قضى، وفي الكفارة وجهان:) أحدهما: تلزمه؛ لأنه ترك فعل المنذور في وقته فوجبت عليه الكفارة؛ لأن النذر كاليمين. والآخر: لا كفارة عليه؛ لأنه خروجٌ واجبٌ أشبه الخروج للحيض قاله القاضي (٣). والأول أولى؛ لأن النذر حلفٌ فإذا خالف وجبت عليه الكفارة، كما لو حلف وحَنِثَ، والفرق بين هذا وبين الحيض أن هذا عذر نادرٌ ولا يغلب على الظن وجوده فلا يحصل مستثنىً بحكم الإطلاق، بخلاف

стр. 864

الحيض فإنه يتكرر ويظن وجوده فهو كالخروج للغائط، لما كان متكررًا أبيح له الخروج من غير كفارة. (١) [٩٧٤/ ٢٣] مسألة: (وإن خرج لما له منه بُدٌّ في المتتابع لزمه استئنافه)؛ لأن التتابع وصف في الاعتكاف أمكن أن يأتي به فلزمه كعدة الأيام (٢). [٩٧٥/ ٢٤] مسألة: (وإن فعله في معيَّنٍ منذورٍ فعليه كفارةٌ)؛ لتركه فعل المنذور في وقته لغير عذر. (وفي الاستئناف وجهان:) أحدهما: يبطل ما مضى ويستأنف؛ لأنه اعتكافٌ متتابعٌ فأشبه المقيد بالتتابع لفظًا. والثاني: لا يبطل الماضي؛ لأن ما مضى من اعتكافه صادف محله وقضى فرضه، فلم يجب إبداله في غير محله كصيام رمضان إذا أفطر في أثنائه، والتتابع ههنا إنما وجب ضرورة التعيين فأشبه التتابع في صيام رمضان، ولأن وجوب استئنافه متتابعًا فيما بعد ذلك محافظةٌ على التتابع الثابت ضمنًا باطِّراح التعيين الواجب مطلقًا وأصلًا، فلم يجز ذلك كما لو كان ترك التتابع لعذرٍ وكصوم رمضان، فعلى هذا يقضي ما أفسده ويتم كما لو أفسده لعذر. (٣)

стр. 865

[٩٧٦/ ٢٥] مسألة: (ويحرم على المعتكف الوطء)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (فإن وطئ في الفرج فسد اعتكافه)؛ لأن الوطء إذا حرم في العبادة أفسدها كالصوم والحج، والعامد والساهي سواءٌ؛ لأن الجماع يستوي عمده وسهوه بدليل الحج. (ولا كفارة عليه إلا لترك نذره، وعنه: عليه كفارة (١)؛ لأنها عبادة يفسدها الوطء فوجبت به الكفارة كالحج. والأول المذهب؛ لأنها عبادةٌ لا تجب بأصل الشرع، ولا تلزم بالشروع فلم يجب بإفسادها كفارة كصوم غير رمضان، وهذا ينقض القياس الأول. (٢) واختلف موجبوا الكفارة فيها، (فقال القاضي: ككفارة الوطء في رمضان قياسًا، وقال أبو بكر: هي كفارة يمين (٣)؛ لأنها كفارة نذرٍ

стр. 866

فكانت كفارة يمين كسائر كفاراته. (١) [٩٧٧/ ٢٦] مسألة: (وإن باشر دون الفرج) فإن كان لغير شهوةٍ فهي مباحةٌ؛ لأن النبي ﷺ كان يدني رأسه إلى عائشة فترجله وهو معتكف (٢). وإن كانت لشهوة فهي محرمة؛ لقول عائشة: «السنه للمعتكف ألّا يَمَسَّ امرأةً ولا يباشرها» (٣). (فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه وإلا فلا)؛ لقولنا في الصوم (٤). (٥) [٩٧٨/ ٢٧] مسألة: (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القرب) كالصلاة، وذكر الله سبحانه، وتلاوة القرآن. (واجتناب ما لا يعنيه) من الأقوال والأفعال، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. ويجتنب الجدال، والمراء، والسباب، والإكثارَ من الكلام، فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف الذي هو استشعارٌ بطاعة الله سبحانه ولزوم عبادته وبيته أولى.

стр. 867

ولا يبطل الاعتكاف بشيءٍ من ذلك؛ لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحرمه كالصوم. [٩٧٩/ ٢٨] مسألة: (ولا يستحب له إقراء القرآن، والعلم، والمناظرة للفقهاء (١) ومذاكرتهم وكتابة العلم، وحكي فيه روايتان: إحداهما يستحب، اختارها أبو الخطاب (٢)؛ لأن ذلك أفضل العبادات لتعدي نفعه، ويمكن فعله في المسجد فكان مستحبًا له كالصلاة. والثانية: لا يستحب وهو ظاهر المذهب؛ لأن الاعتكاف عبادةٌ شُرطَ لها المسجد فلم يستحب ذلك فيها كالطواف والصلاة، وعلى هذه الرواية فِعْلُه لهذه الأشياء أفضل من اعتكافه الشّاغل عنها. قال المروذي: «قلت لأبي عبد الله: إن رجلًا يُقِرئ في المسجد يريد أن يعتكف لعله أن يختم في كل يوم؟ فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره، يُقِرئ أحب إليَّ» (٣). (٤)

стр. 868

كتاب المناسك الحج من أركان الإسلام وفروضه، لقول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: [أكل] عامٍ يا رسول الله؟ فسكت - حتى قالها ثلاثًا - فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم» (١). [٩٨٠/ ١] مسألة: وتجب العمرة على من يجب عليه الحج، لقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإن فعلت فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت» (٢)، وكذا الحديث

стр. 869

ذكره ابن العربي (١) حجةً في وجوب العمرة، وقال: «إسناده صحيحٌ ثابتٌ أخرجه مسلم» (٢). (٣) ويجب ذلك في العُمُرِ مرةً؛ لحديث أبي هريرة (٤). [٩٨١/ ٢] مسألة: (و) لا (يجب الحج والعمرة) إلا (بشروطٍ خمسةٍ: الإسلام، والعقل، فلا يجب على كافرٍ، ولا مجنونٍ)؛ لأن الكافر غير مخاطبٍ بفروع الدين، والمجنون غير مكلفٍ؛ لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المعتوه حتى يعقل»، قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ» (٥)، ولأن الحج عبادةٌ (لا تصِحُّ منهما) فلا تجب عليهما كالصلاة. الشرط الثالث: (البلوغ، فلا يجب على صبيٍّ)؛ للخبر (٦).

стр. 870

الرابع: (الحرية، فلا يجب على العبد)؛ لأنها عبادةٌ تطول مدتها فتضيع حقوق السيد فلم يجب عليه كالجهاد، ولا نعلم في هذا خلافًا (١). [٩٨٢/ ٣] مسألة: (ويصِحُّ الحج من الصبي والعبد)، كما تصِحُّ الصلاة والصوم منهما، وروى ابن عباس ﵁ قال: «رفعت امرأةٌ صبيًّا فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌّ؟ قال نعم، ولك أجرٌ» رواه مسلم (٢). [٩٨٣/ ٤] مسألة: (ولا يجزئهما إن بلغ الصبي، أو عَتَقَ العبد)؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبيٍّ حج ثم بلغ أو عبد ثم عَتَقَ فعليه حجةٌ أخرى» رواه الطيالسي (٣)، ولأنه فَعَل العبادة وهو من غير أهل الوجوب فلم يُجزِه إذا صار من أهل الوجوب كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت (٤). [٩٨٤/ ٥] مسألة: (إلا أن يبلغ ويَعْتِقَ في الحج قبل الخروج من عرفة، وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما) عن حجة الإسلام وعمرته، لأنهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما كما لو وجد ذلك قبل الإحرام. (٥)

стр. 871

[٩٨٥/ ٦] مسألة: (ويُحرِم الصبي المميز بإذن وليه)، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنه عقدٌ يؤدي إلى لزوم مالٍ فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع. (وإن كان غير مميزٍ أحرم عنه وليه) الذي يلي ماله، ومعنى إحرامه عنه: عقده الإحرام له، فيصير الصبي بذلك محرمًا دون الولي، كما يعقد له النكاح، مُحِلًّا كان الولي أو محرمًا، ممن حج عن نفسه أو لم يحج. [٩٨٦/ ٧] مسألة: (ويفعل عنه الولي ما يَعْجِزُ عنه من عمله) كالرمي، وما قَدَرَ الصبي على فعله كالوقوف بعرفة وبمزدلفة فعليه فعله؛ لما روى جابر ﵁ قال: «كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ لبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم» رواه ابن ماجه (١). وإن أمكنه المشي في الطواف وإلا طيف به محمولًا؛ لما روى الأثرم أن أبا بكر الصديق ﵁ طاف بابن الزبير ﵁ في خرقةً (٢). [٩٨٧/ ٨] مسألة: (ونفقة الحج وكفارته في مال الولي)؛ لأنه أدخله في الحج وغرَّر بماله. (وعنه: يجب في مال الصبي (٣)؛ لأنه واجبٌ بجنايته فلزمته كجنايته

стр. 872

على آدمي. (١) [٩٨٨/ ٩] مسألة: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده)، فإن أحرم بغير إذنه صَحَّ كما لو أحرم بالصلاة. وهل له تحليله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يملك تحليله، قاله أبو بكر (٢)؛ لأنها عبادةٌ تلزم بالشروع فهي كالصلاة. والثاني: له تحليله، وهو أصَحُّ، قاله ابن حامد (٣)؛ لأن حقَّ السيد فيه ثابتٌ لازمٌ، فلم يملك العبد إبطاله بما لا يلزمه كالاعتكاف. (٤) فإذا حلَّله صار حكمه حكم المُحْصَر، وسيأتي (٥). [٩٨٩/ ١٠] مسألة: (وليس للمرأة الإحرام نفلًا إلا بإذن زوجها (٦) لأن حقه ثابتٌ في استمتاعها، فلم تملك إبطاله بما لا يلزمها كالعبد،

стр. 873

وإن أحرمت به بغير إذنه فحكمها حكم العبد، وتكون كالمحصر إذا حلَّلها. (١) [٩٩٠/ ١١] مسألة: (وإن أحرما بإذنٍ لم يجز تحليلهما) لأنها عبادةٌ تلزم بالشروع، فإذا أحرما بإذنهما لم يملكا تحليلهما كقضاء رمضان. (٢) [٩٩١/ ١٢] مسألة: (وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، ولا تحليلها إن أحرمت به)؛ لأنه واجبٌ بأصل الشرع أشبه صوم رمضان. (٣) ويستحب لها استئذانه جمعًا بين الحقين. (الشرط الخامس: الاستطاعة (٤)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى

стр. 874

النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، فيدل على أنه لا يجب على غير المستطيع. (والاستطاعة) في حق البعيد: (القدرة على الزاد والراحلة)؛ لما روى ابن عمر ﵁ قال: «جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ» (١)، ولأنها عبادةٌ تتعلق بقطع مسافةٍ بعيدةٍ، فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد.

стр. 875

(والزاد: هو ما يحتاج إليه) من مأكولٍ ومشروبٍ وكسوةٍ صالحةٍ (لمثله (١)، في ذهابه ورجوعه، فإن وجد ذلك لذهابه دون رجوعه لم يلزمه الحج؛ لأن عليه في غربته ضررًا ومشقةً وغيبةً عن أهله ومعاشه. وإن وجد ما يكفيه لذهابه ورجوعه بثمن مثله في الغلاء والرخص، أو بزيادةٍ لا تجحف بماله لزمه. (٢) وتعتبر القدرة على الماء وعلف البهائم في منازل الطريق على ما جرت به العادة، ولا يكلف حمل ذلك من بلده؛ لما فيه من المشقة التي لا يمكن تحملها، وتعتبر قدرته على أوعية الزاد والماء؛ لأنه لا يستغنى عنها. ويشترط وجود راحلةٍ تصلح لمثله بشراءٍ أو كراءٍ، وما يحتاج إليه من آلتها الصالحة لمثله، من مَحمِلٍ (٣)، أو زاملة (٤)، أو قَتب (٥) على ما جرت به عادة مثله. (٦)

стр. 876

(ويكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه لقضاء دينه) الحالِّ والمؤجل، (وما يحتاج إليه من مسكنٍ، وخادمٍ، ومؤنته، ومؤنة عياله على الدوام)؛ لأن هذا واجبٌ عليه يتعلق به حق آدمي فكان أولى بالتقديم كنفقة نفسه. وإن احتاج إلى النِّكاح لخوف العَنت قُدِّمَ؛ لأنه واجبٌ لدفع الضرر عن نفسه فأشبه النفقة، وإن لم يخف وجب الحج؛ لأنه تطوُّعٌ فلم يسقط به الحج الواجب. فإن كانت له بضاعةٌ يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات لصناعته المحتاج إليها، أو كُتبُ علمٍ يحتاج إليها لم يلزمه صرفه في الحج؛ لأنه لا يستغني عنه أشبه النَّفقة، وما كان من ذلك فاضلًا عن حاجته كمن له بكتابٍ نسختان، أو له دارٌ فاضلةٌ، أو مسكنٌ واسعٌ يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج. [٩٩٢/ ١٣] مسألة: (ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره بحالٍ)، فإن بذل له ولده أو غيره مالًا يحج به أو يحمله لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه فيه مِنَّةً ومشقةً فلم يلزمه قبوله كما لو كان الباذل أجنبيًّا. فأمّا المكي، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر فلا يشترط في حقه راحلة، ومتى قَدَرَ على الحج ماشيًا لزمه؛ لأنه يمكنه ذلك من غير مشقةٍ شديدةٍ. (فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور)، ولم يجز

стр. 877

له تأخيره؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أراد الحج فليعجِّل، فإنه قد يَمرض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتَعرِض الحاجة» رواه ابن ماجه (١)، وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادًا وراحلةً تبلِّغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» رواه الترمذي (٢)، وقال: «يرويه هلال بن عبد الله وهو مجهولٌ» (٣)، ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام. (٤) [٩٩٣/ ١٤] مسألة: (فإن عَجَزَ عن السعي إليه لكِبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى بُرْؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي)؛ لما روى أبو رَزينٍ ﵁ (٥) أنه أتى النبي ﷺ فقال: «يا

стр. 878

رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعَن (١). قال: حج عن أبيك واعتمر» (٢)، وهو حديث حسن. (٣) فإن بَرَأ بعد أن حج عنه فلا حج عليه؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يَبْرَأ. وإن كان مرضه يرجى زواله لم يجز أن يستنيب؛ لأنه يرجو القدرة، فلم يكن له الاستنابة كالصحيح الفقير. (٤) [٩٩٤/ ١٥] مسألة: (ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير، ووجد طريقًا آمنًا لا خفارة فيه، يوجد فيه الماءُ، والعلف على المعتاد)، اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في إمكان المسير بأن يكون في الوقت سعة لأدائه وتخلية الطريق: وهو ألّا يكون فيها مانعٌ من خوفٍ ولا غيره.

стр. 879

(فروي عنه: أنهما من شرائط الوجوب (١) (٢) فلا يجب الحج بدونهما، لأنه لا يستطاع فعله بدونهما فكانت شرطًا للوجوب كالزاد والراحلة. وعنه: أنهما شرط للزوم الأداء دون الوجوب (٣)؛ لأن النبي ﷺ سُئل عما يوجب الحج فقال: الزاد والراحلة (٤)، وهذا ينفي اشتراط شيءٍ آخر، ولأن ذلك عذرٌ يمنع نفس الأداء فقط فلم يمنع الوجوب كالمرض. (٥) فإذا قلنا: هي من شرائط الوجوب، فمات قبل تحققها، فلا شيء عليه كالفقير، وإن قلنا: من شرائط لزوم السعي فقط، فاجتمعت فيه الشرائط الخمس، حُجَّ عنه كالمريض. (٦) وإمكان المسير معتبر بما جرت به العادة، فلو أمكنه السير بأن يحمل

стр. 880

على نفسه بما لم تجر به عادة لم يلزمه؛ لأن فيه مشقةً وتغريرًا. وتخلية الطريق عبارةٌ عن عدم الموانع فيها بعيدةً أو قريبةً، برًّا أو بحرًا، الغالب السلامة فيه، فإن لم يكن الغالب السلامة لم يلزمه كالبر إذا كان فيه مانعٌ. فإن كان الطريق آمنًا لكنه يحتاج إلى خِفارةٍ كبيرة لم يلزمه الأداء؛ لأنه كالزيادة على ثمن المثل في شراء الزاد، وإن كانت يسيرةً فقال ابن حامد: «يلزمه» (١)؛ لأنها غرامةٌ ممكنةٌ يقف الحج على بذلها، فلزمته كثمن الزاد. وقال القاضي (٢): «لا يلزمه» (٣)؛ لأنها رشوةٌ في الواجب فلم يلزمه كسائر الواجبات. (٤) [٩٩٥/ ١٦] مسألة: (ومن وجب عليه الحج فتوفي قبل أن يحج أُخرج عنه من جميع ماله حجةٌ وعمرةٌ)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن امرأةً سألت النبي ﷺ عن أمها ماتت ولم تحج؟ قال: حجي عن أمك» رواه النسائي والبخاري، ولفظه: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت» (٥)، ولأنه حقٌّ استقر تدخله النِّيابة فلم يسقط بالموت كالدين. ويُحجُّ عنه من رأس ماله؛ لأنه واجبٌ فكان من رأس المال كالدين.
следующие страницы →