← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(ويكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه لقضاء دينه) الحالِّ والمؤجل، (وما يحتاج إليه من مسكنٍ، وخادمٍ، ومؤنته، ومؤنة عياله على الدوام)؛ لأن هذا واجبٌ عليه يتعلق به حق آدمي فكان أولى بالتقديم كنفقة نفسه. وإن احتاج إلى النِّكاح لخوف العَنت قُدِّمَ؛ لأنه واجبٌ لدفع الضرر عن نفسه فأشبه النفقة، وإن لم يخف وجب الحج؛ لأنه تطوُّعٌ فلم يسقط به الحج الواجب. فإن كانت له بضاعةٌ يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات لصناعته المحتاج إليها، أو كُتبُ علمٍ يحتاج إليها لم يلزمه صرفه في الحج؛ لأنه لا يستغني عنه أشبه النَّفقة، وما كان من ذلك فاضلًا عن حاجته كمن له بكتابٍ نسختان، أو له دارٌ فاضلةٌ، أو مسكنٌ واسعٌ يكفيه بعضه، فعليه صرف ذلك في الحج. [٩٩٢/ ١٣] مسألة: (ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره بحالٍ)، فإن بذل له ولده أو غيره مالًا يحج به أو يحمله لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه فيه مِنَّةً ومشقةً فلم يلزمه قبوله كما لو كان الباذل أجنبيًّا. فأمّا المكي، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر فلا يشترط في حقه راحلة، ومتى قَدَرَ على الحج ماشيًا لزمه؛ لأنه يمكنه ذلك من غير مشقةٍ شديدةٍ. (فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور)، ولم يجز

стр. 877

له تأخيره؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أراد الحج فليعجِّل، فإنه قد يَمرض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتَعرِض الحاجة» رواه ابن ماجه (١)، وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادًا وراحلةً تبلِّغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا» رواه الترمذي (٢)، وقال: «يرويه هلال بن عبد الله وهو مجهولٌ» (٣)، ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام. (٤) [٩٩٣/ ١٤] مسألة: (فإن عَجَزَ عن السعي إليه لكِبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى بُرْؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي)؛ لما روى أبو رَزينٍ ﵁ (٥) أنه أتى النبي ﷺ فقال: «يا

стр. 878

رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعَن (١). قال: حج عن أبيك واعتمر» (٢)، وهو حديث حسن. (٣) فإن بَرَأ بعد أن حج عنه فلا حج عليه؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يَبْرَأ. وإن كان مرضه يرجى زواله لم يجز أن يستنيب؛ لأنه يرجو القدرة، فلم يكن له الاستنابة كالصحيح الفقير. (٤) [٩٩٤/ ١٥] مسألة: (ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير، ووجد طريقًا آمنًا لا خفارة فيه، يوجد فيه الماءُ، والعلف على المعتاد)، اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في إمكان المسير بأن يكون في الوقت سعة لأدائه وتخلية الطريق: وهو ألّا يكون فيها مانعٌ من خوفٍ ولا غيره.

стр. 879

(فروي عنه: أنهما من شرائط الوجوب (١) (٢) فلا يجب الحج بدونهما، لأنه لا يستطاع فعله بدونهما فكانت شرطًا للوجوب كالزاد والراحلة. وعنه: أنهما شرط للزوم الأداء دون الوجوب (٣)؛ لأن النبي ﷺ سُئل عما يوجب الحج فقال: الزاد والراحلة (٤)، وهذا ينفي اشتراط شيءٍ آخر، ولأن ذلك عذرٌ يمنع نفس الأداء فقط فلم يمنع الوجوب كالمرض. (٥) فإذا قلنا: هي من شرائط الوجوب، فمات قبل تحققها، فلا شيء عليه كالفقير، وإن قلنا: من شرائط لزوم السعي فقط، فاجتمعت فيه الشرائط الخمس، حُجَّ عنه كالمريض. (٦) وإمكان المسير معتبر بما جرت به العادة، فلو أمكنه السير بأن يحمل

стр. 880

على نفسه بما لم تجر به عادة لم يلزمه؛ لأن فيه مشقةً وتغريرًا. وتخلية الطريق عبارةٌ عن عدم الموانع فيها بعيدةً أو قريبةً، برًّا أو بحرًا، الغالب السلامة فيه، فإن لم يكن الغالب السلامة لم يلزمه كالبر إذا كان فيه مانعٌ. فإن كان الطريق آمنًا لكنه يحتاج إلى خِفارةٍ كبيرة لم يلزمه الأداء؛ لأنه كالزيادة على ثمن المثل في شراء الزاد، وإن كانت يسيرةً فقال ابن حامد: «يلزمه» (١)؛ لأنها غرامةٌ ممكنةٌ يقف الحج على بذلها، فلزمته كثمن الزاد. وقال القاضي (٢): «لا يلزمه» (٣)؛ لأنها رشوةٌ في الواجب فلم يلزمه كسائر الواجبات. (٤) [٩٩٥/ ١٦] مسألة: (ومن وجب عليه الحج فتوفي قبل أن يحج أُخرج عنه من جميع ماله حجةٌ وعمرةٌ)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن امرأةً سألت النبي ﷺ عن أمها ماتت ولم تحج؟ قال: حجي عن أمك» رواه النسائي والبخاري، ولفظه: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت» (٥)، ولأنه حقٌّ استقر تدخله النِّيابة فلم يسقط بالموت كالدين. ويُحجُّ عنه من رأس ماله؛ لأنه واجبٌ فكان من رأس المال كالدين.

стр. 881

فرع: (فإن ضاق ماله عن ذلك، أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته)؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الحج عمن عليه حجٌّ قال: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنت قاضيه؟! قال: نعم. قال: فاقضِ فالله أحق بالوفاء» رواه البخاري والنسائي (١). (٢) فعلى هذا (يحج به من حيث يبلغ) نص عليه أحمد ﵀ في الوصية بالحج (٣)؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٤)، ولأنه قَدَرَ على أداء الواجب على القصور فلزمه كمن قَدَرَ على الصلاة قاعدًا. وذكر القاضي: أنه لا يحج عنه؛ لأنه لا يمكن أداء الحج على الكمال (٥). ويحتمل تقديم الدين؛ لتأكده لحاجة الآدمي إليه وغنى الله عن حقه. (٦)

стр. 882

(ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود مَحْرمٍ)؛ لأنه لا يحل لها السفر بدونه؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يومٍ إلا ومعها ذو مَحرمٍ» (١)، وفي رواية ابن عباس ﵁: «فقام رجل فقال: إني اكتُتِبتُ في غزوة كذا، وانطلقت امرأتي حاجَّةً؟ فقال رسول الله ﷺ انطلق فاحجج مع امرأتك» متفق عليه (٢). (٣) [٩٩٦/ ١٧] مسألة: (ومَحْرَمها زوجها أو من تَحرُم عليه على التأبيد بنسبٍ، أو سببٍ مباحٍ إذا كان بالغًا عاقلًا)؛ لما روى أبو سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو مَحْرَم منها» رواه مسلم (٤)، ولأنها لا تقدر على السفر بدونه أشبه الزاد والراحلة. (وعنه: أن المَحرم من شرائط لزوم الأداء (٥)؛ لأن النبي ﷺ قيل

стр. 883

له: «ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» رواه الترمذي (١)، ولأن عدمه عذر يمنع نفس الأداء فقط فلم يمنع الوجوب كالمرض. (٢) [٩٩٧/ ١٨] مسألة: (فإن مات المحرم في الطريق مضت في حجها ولم تَصِر محصرةً) متى تباعدت مضت في سفرها لأنه لا بد من سفر، قال أحمد: «بدٌّ لها (٣) من أن ترجع» (٤)، فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، وإن كانت قريبة رجعت لتقضي العدة في منزلها؛ للخبر (٥). [٩٩٨/ ١٩] مسألة: (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، ولا نذره، ولا نافلةٍ)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبرمة، قال رسول الله ﷺ : من شبرمة؟ قال: قريبٌ لي. قال: فهل حججت قط؟ قال: لا. قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» رواه أبو داود (٦).

стр. 884

وكذلك لا يجوز أن يحج عن نذر ولا نافلة، وعليه حجة الإسلام؛ لأن النذر والنفل أضعف من حج الإسلام فلم يجز تقديمهما عليه كالحج عن غيره. (فإن فعل انصرف إحرامه إلى حجة الاسلام، وعنه: يقع عن غيره ونذره ونفله (١) (٢)؛ لقوله ﵇: «إنما لامرئٍ ما نوى» (٣). والأول المذهب؛ لحديث ابن عباس ﵁ في الحج عن غيره (٤)، ووجود معناه في النذر والنفل. (٥) [٩٩٩/ ٢٠] مسألة: (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين:) إحداهما: لا يجوز؛ لأن الاستنابة لا تجوز في فرضه فلم يجز له الاستنابة في نفله كالصلاة.

стр. 885

والأخرى: يجوز؛ لأنه حجٌّ غيرُ واجبٍ عليه السعيُ إليه أشبه العاجز. (١) * * *

стр. 886

باب المواقيت للحج ميقاتان: ميقات مكان، وميقات زمان. فأما ميقات المكان فالمنصوص عن أحمد أنها خمسةٌ (١)؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: «وقَّتَ رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحُليفة (٢)، ولأهل الشام: الجُحفة (٣)، ولأهل نجد: قرن (٤)، ولأهل اليمن: يلملم (٥)، قال: فهن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن مُهَلُّه من أهله، وكذلك أهل مكة يُهلّون منها» متفق عليه (٦). وعن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ وقَّتَ لأهل العراق: ذات عرق (٧)»

стр. 887

رواه أبو داود (١)، فهذه المواقيت لأهلها، ولمن مَرَّ عليها من غيرهم (٢)؛ للخبر. [١٠٠٠/ ١] مسألة: (ومن منزله دون الميقات فميقاته من موضعه)؛ للخبر (٣). [١٠٠١/ ٢] مسألة: (وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل، وكذلك من في مكة)؛ لما روت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ أمر أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم (٤)» متفق عليه (٥)، وكانت بمكة يومئذ. (٦)

стр. 888

ومن أي الحل أحرم جاز؛ لأن المقصود بالإحرام منه الجمع بين الحل والحرم في النسك؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم إلا الإحرام، بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الحل للوقوف بعرفة فيحصل الجمع بين الحلِّ والحرم. (١) [١٠٠٢/ ٣] مسألة: (وإذا أرادوا الحج فمن مكة)؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁ (٢)، وكذلك أهل مكة يهلون منها. وأهل مكة: من كان بها من أهلها ومن غيرهم؛ لأن النبي ﷺ أمر المتمتعين من أصحابه أن يحرموا منها. ومن أي موضع في مكة أحرم جاز؛ لأنها كلها موضع للنسك، وإن أحرم خارجًا منها من الحرم جاز؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع: «إذا أردتم أن تنطلقوا إلى مِنًى فأَهِلّوا من البطحاء» (٣)، وهى خارجٌ من مكة، وفي مسلمٍ عن أبي سعيد ﵁: «ثم رحنا إلى مِنًى أهللنا بالحج» (٤). (٥)

стр. 889

[١٠٠٣/ ٤] مسألة: (ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم)؛ لما روى ابن عمر ﵁ قال: «لما فُتح هذانِ المصرانِ أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جوْر (١) عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحَدَّ لهم ذات عرق» رواه البخاري (٢)، ولأن هذا مما يدخله الاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه على إنسان صار إلى الاجتهاد فيه كالقِبلة. فإن لم يعرف حذو الميقات احتاط فأحرم قَبْلَه؛ لأن تقديم الإحرام عليه جائزٌ وتأخيره حرامٌ. [١٠٠٤/ ٥] مسألة: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إحرام)، والمجاوز للميقات لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يريد النسك، أو حاجةً دون الحرم، أو حاجةً في الحرم. فالمريد للنسك لا يجوز له المجاوزة بغير إحرام، وإن فعل فالحكم على ما سيأتي في المسألة بعد هذه. وأما القاصد لحاجةٍ دون الحرم فليس عليه إحرام كغيره من الناس. (٣) وأما المريد لحاجةٍ في الحرم فلا يخلو من قسمين: إما أن يريد

стр. 890

مكة لقتالٍ مباحٍ، أو لحاجةٍ متكررةٍ كالحشَّاش والحطّاب، فلا إحرام عليه لما يأتي، ولأن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح حلالًا، ولو أوجبنا الإحرام على هذا أفضى إلى أن يكون في جميع زمانه محرمًا فسقط للحرج. القسم الثاني: من يدخل مكة لحاجةٍ غير متكررةٍ كالتاجر والرسول، ومن خرج من مكة ثم عاد، فقد روي عن أحمد ما يدل على وجوب الإحرام (١). وعنه: أنه مستحبٌّ في حقه (٢)، وقد دخل ابن عمر ﵁ بغير إحرام (٣). ودليل الأولى: أنه لو نذر دخول مكة لزمه أن يدخل محرمًا، ولو جاز دخولها بغير إحرام لم يجب عليه الإحرام بنذر دخولها؛ لأنه لم يتناوله نذره لفظًا فأشبهت بقية البلدان، ومتى أراد مَنْ هذا حالُه الإحرامَ بعد مجاوزة الميقات فحكمه فيه حكم المريد للنسك على ما يأتي، وإن قلنا: لا يلزمه الإحرام فحكمه حكم القسم الذي قبله. (٤) [١٠٠٥/ ٦] مسألة: (إلا لقتالٍ مباحٍ أو حاجةٍ متكررةٍ كالحطّاب ونحوه) ممن لا يريد النسك، فإنه لا يلزمه الإحرام، ولا دم عليه

стр. 891

بتجاوزه، ولا خلاف في ذلك (١)، وقد أتى النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بدرًا مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد ولغيره من حوائجهم وأمورهم فيمرون بذي الحليفة فلا يحرمون، ولا يرون في ذلك شيئًا. (ثم متى بدا لهذا الإحرامُ أحرم من موضعه)، ولا شيء عليه؛ لأنه حصل دون الميقات على وجهٍ مباحٍ، فكان إحرامه منه كأهل ذلك المكان. (٢) [١٠٠٦/ ٧] مسألة: (ومن جاوز الإحرام مريدًا للنسك رجع فأحرم منه)؛ لأن من قَدَرَ على فعلِ الواجب لزمه، فإن رجع فأحرم منه فلا دم عليه؛ لأنه أدى الواجب فأشبه من لم يتجاوزه. (٣) (فإن) لم يمكنه الرجوع لخوفٍ أو خشية الفوات فأحرم من موضعه، أو (أحرم من موضعه) لغير عذر (فعليه دم)؛ لأنه ترك الواجب من مناسك الحج. (فإن رجع بعد ذلك إلى الميقات لم يسقط الدم)؛ لأنه استقر عليه بإحرامه من دونه فأشبه من لم يرجع. (٤) [١٠٠٧/ ٨] مسألة: (والاختيار ألّا يحرم قبل ميقاته) فإن فعل فهو

стр. 892

مُحرِمٌ، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه مُحرِمٌ» (١). لكن الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره الإحرام من قبله؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات (٢)، وتبعهم أهل العلم على ذلك، ولا يفعل النبي ﷺ إلا الأفضل، وروى الأثرم في سننه عن الحسن أن عمران بن حصين ﵁ أحرم من البصرة فبلغ ذلك عمر فغضب وقال: «يتسامع الناس أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أحرم من مصره!» (٣)، ولأنه إحرامٌ بالحج قبل الميقات فكره كالإحرام قبل أشهر الحج، ولأنه تغريرٌ بالإحرام، وتعرض لفعل المحظورات، وفيه مشقةٌ على النفس فكره كالمواصلة في الصيام. (وميقات الزمان شوالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة)؛ لقول الله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، معناه: وقت الحج؛ لأن الحج أفعالٌ وليس بأشهرٍ، فلم يكن بُدٌّ من التقدير، وروى سعيد في سننه في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال: «هو شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة»، وروى هذا القول عن ابن عباس وابن عمر ﵄ (٤)، وروي عن جابر وابن الزبير ﵄ أنهم قالوا: «أشهر

стр. 893

الحج شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة» (١). (والاختيار ألّا يحرم بالحج قبل أشهره)؛ لأنه تقديمٌ للعبادة على وقتها فكره كتقديمها على ميقات المكان. (٢) (فإن فعل انعقد إحرامه (٣)؛ لأنه أحد الميقاتين فانعقد الإحرام بالحج قبله كالآخر. فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان ويجوز الإحرام بها في السنة كلها؛ لأن النبي ﷺ قال: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجةً» متفق عليه (٤)، واعتمر في ذي القَعدة، وفي ذي الحجة مع حجته، رواه أنس ﵁ وهو صحيح (٥). * * *

стр. 894

باب الإحرام [١٠٠٨/ ١] مسألة: (يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل)؛ لما روى زيد بن ثابت ﵁: «أنه رأى النبي ﷺ تجرَّد لإهلاله واغتسل» حديثٌ حسنٌ (١)، وعن جابرٍ ﵁ قال: أتينا ذا الحليفة فوَلَدَتْ أسماءُ بنت عُميسٍ محمدَ بن أبي بكرٍ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوبٍ ثم أحرمي» رواه مسلم (٢). فإن لم يجد ماءً لم يتيمم؛ لأنه غُسلٌ مسنونٌ يراد للتنظيف، فلا يُسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة. وقال القاضي: «يستحب التيمم له» (٣)؛ قياسًا على غسل الجنابة. (٤) [١٠٠٩/ ٢] مسألة: (ويستحب التَّنظف) بإزالة الشعر والشَّعَث، وقطع الرائحة، وتقليم الأظفار؛ لأن الغُسل شُرع لذلك.

стр. 895

(ثم يتجرد عن المخيط في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين) جديدين أو غَسيلين؛ لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين» (١)، وفي البخاري عن ابن عباسٍ ﵁ قال: «انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجَّل وادهن ولبس إزاره ورداءه» (٢). [١٠١٠/ ٣] مسألة: (و) يستحب أن (يتطيب) في بدنه؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (٣)، وقالت: «كأني انظر إلى وَبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم» متفق عليه (٤). (٥) [١٠١١/ ٤] مسألة: (ويستحب أن يحرم عَقيب صلاةٍ (٦)، إما مكتوبةٍ أو نافلةٍ. وروى الأثرم قال: «سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك، الإحرام في دبر الصلاة، أو إذا استوت به ناقته؟ فوسع فيه كله» (٧). والمشهور الأول؛ لما روى سعيد بن جبير ﵁ قال: ذُكر لابن عباس ﵁ إهلال رسول الله ﷺ فقال: «أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب رسول الله راحلته واستوت به قائمةً

стр. 896

أهلَّ، فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا: أهل حين استوت به راحلته، وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا البيداء فأهلَّ، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين علا البيداء» رواه أبو داود (١)، وهذا فيه فضل بيانٍ وزيادة علمٍ فيتعين الأخذ به وتقديمه على ما خالفه. (٢) [١٠١٢/ ٥] مسألة: (وينوي الإحرام بنسكٍ معيَّنٍ)؛ لقوله ﵇: «وإنما لامرئٍ ما نوى» (٣). (٤) (ويَشْتَرطُ فيه فيقول: اللهم إني أريد النُّسك الفلاني فيسره لي وتقبل مني، وإن حبسني حابسٌ فمَحِلِّي حيث حبَسْتَني)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ على ضُباعة بنت الزُّبير ﵂ (٥) فقالت: يا

стр. 897

رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكيةٌ؟ فقال: حجي واشترطي أنَّ مَحِلِّي حيث حَبَسْتَني» متفق عليه (١)، وعن ابن عباس: ﵁ «أن ضباعة ﵂ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك، ومَحِلِّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيتِ» رواه مسلم (٢). (٣) ويفيد هذا الشرط شيئين: أحدهما: أنه متى عاقه عائقٌ من مرضٍ وغيره فله التحلل. والثاني: أنه إذا حلَّ لذلك فلا شيء عليه من دمٍ ولا غيره؛ للخبر (٤). وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجرى مجراه، قال ابن مسعود ﵁: «اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي» (٥)، ولأن المقصود المعنى، وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له.

стр. 898

وينوي الإحرام بقلبه ولا ينعقد بغير نية؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١)، ولأنها عبادةٌ محضةٌ فافتقرت إلى النية كالصلاة. فإن لبَّى من غير نيةٍ لم يَصِر محرمًا، وإن نوى من غير تلبيةٍ انعقد، ولأنه عبادةٌ لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم. (٢) [١٠١٣/ ٦] مسألة: (وهو مخيرٌ بين التَّمتع، والإفراد، والقران، فالتمتع: أن يُهلَّ بعمرةٍ مفردةٍ من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، والإفراد: أن يهلَّ بالحج أولًا، فإذا فرغ منه اعتمر، والقران: أن يحرم بهما جميعًا أو يهلَّ بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف)؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: أهللنا بعمرةٍ ثم قال رسول الله ﷺ : «من كان معه هدي فليُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما جميعًا» متفق عليه (٣). وأيُّ ذلك أحرم به جاز بغير خلافٍ بين العلماء، قالت عائشة ﵂: «خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنا من أهل بحجٍّ وعمرةٍ، ومنا من أهل بحجٍّ» متفق عليه (٤). (إلا أن الأفضل) والمختار عند أبي عبد الله (٥) (التمتع، ثم الإفراد،

стр. 899

ثم القران)؛ لما روى جابرٌ ﵁: «أنه حج مع النبي ﷺ ، وقد أهلوا بالحج مفرَدًا، فقال لهم: [أحِلّوا] من إحرامكم بطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، قَصِّروا وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهِلّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعةً، فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمَّينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يَحِلُّ مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي محله»، وفي لفظٍ: «فقام رسول الله ﷺ فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لَحَلَلتُ كما تَحِلون، فحِلُّوا ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، قال: فحللنا وسمعنا وأطعنا» متفق عليه (١). (وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل (٢)؛ لأن النبي ﷺ لم يحل إذ كان معه الهدي، وروى أنسٌ ﵁: «أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة» متفق عليه (٣). والأول أصح؛ لقول النبي ﷺ : «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت

стр. 900

لما سقت الهدي، ولحللت» (١)، فيدل ذلك على فضيلة المتعة، ولو كان الإفراد والقران أفضل لكان الأمر بالعكس، وقد روى عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين ﵃ أن النبي ﷺ كان متمتعًا (٢)، وإنما منعه من الحلِّ سوق الهدي، ومعنى حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحل منها. وأيضًا فإن المتعة منصوصٌ عليها في كتاب الله سبحانه بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] من بين سائر الأنساك، ولأن التمتع يجمع له الحج والعمرة في أشهر الحج كاملين غير متداخلين على وجه [اليسر] (٣) والسهولة، مع زيادة نسكٍ هو الدم، وكان ذلك أولى. (٤) ثم بعد التمتع الإفراد؛ لأنه يأتي بالنسكين كاملين، والقارن يقتصر

стр. 901

على عمل الحج، ثم القران بعدهما. (١) [١٠١٤/ ٧] مسألة: (ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصِحَّ إحرامه بها)، ولم يصر قارنًا؛ لأنه لم يَرد بذلك أثر، ولا هو في معنى ما جاء به الأثر؛ لأن إحرامه بها لا يزيد عملًا على ما لزمه بالإحرام بالحج، ولا يعتبر ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة. (٢) [١٠١٥/ ٨] مسألة: (ويجب على القارن والمتمتع دم نسكٍ إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وهم أهل مكة، ومن كان منها دون مسافة القصر)، أما المتمتع فيجب عليه الدم، لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأما القارن فقياسًا على المتمتع، لأنه ترفه بأحد السفرين. (٣) والدم الواجب شاةٌ أو سُبع بدنةٍ؛ للآية، قال [أبو حمزة] (٤): «سألت

стр. 902

ابن عباس عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزورٌ أو بقرةٌ أو شاة أو شِرْك في دم» متفق عليه (١). ولا يجب الدم إلا بشروطٍ خمسةٍ: أحدها: ألّا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاضرو المسجد الحرام: أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة القصر؛ لأن الحاضرَ القريبُ، والقريبُ من دون مسافة القصر. (٢) الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج؛ لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين، فلم يجب عليه دم كالمفرد. ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحَلَّ منها في أشهره لم يكن متمتعًا؛ لأن الإحرام نسكٌ لا تتم العمرة إلا به، أتى به في غير أشهر الحج فلم يصر متمتعًا كالطواف. الثالث: أن يحج من عامه، فإن أخَرَّ الحج إلى عامٍ آخر لم يكن متمتعًا؛ لأن التمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما، ولم يوال بينهما فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج. الرابع: ألّا يسافر بينهما سفرًا يقصر فيه؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتعٌ، فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتعٍ» (٣)؛ ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات، أو من حيث

стр. 903

انتهى إليه، فلا يترفه بأحد السَّفرين فأشبه المفرد. الخامس: أن يَحِلَّ من عمرته، فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «أهللنا بعمرةٍ، فقدمنا مكة وأنا حائضٌ لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأَهِلّي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكرٍ (١) إلى التَّنعيم فاعتمرت معه. فقال: هذه مكان عمرتك، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولا صدقةٌ» متفق عليه (٢)، ولأنه يصير قارنًا أشبه ما لو أحرم بهما. وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثنائها أنه متمتعٌ (٣)؛ لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين، وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا؛ ولأن التمتع يوجد بدونه. (٤)

стр. 904

وفي وقت وجوب الدم روايتان: إحداهما: إذا أحرم بالحج؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم. والثانية: إذا وقف بعرفة؛ لأن الحج لا يحصل إلا به، وهو متعرضٌ للفوات قبله فلا يحصل التمتع. (١) فأما وقت ذبحه فقال أحمد ﵀: «إن قدم مكة قبل العشر ومعه هدي نحره عن عمرته، لا يضيع أو يموت أو يسرق، فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمِنًى» (٢)؛ لأن أصحاب النبي ﷺ قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمِنًى (٣)، فَجوَّز النَّحر قبل إحرامه بالحج؛ لأنه

стр. 905

حق مالٍ يتعلق بسببين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة. [١٠١٦/ ٩] مسألة: (ومن كان قارنًا أو مفردًا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى، ويجعلها عمرة (١)، يستحب للقارن والمفرد (إذا لم يكن معهما هديٌ) أن يفسخا نيتهما بالحج، وينويا عمرةً مفردةً، ويحلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ ليصيرا متمتعين؛ لما روى جابر ﵁ قال: «أهللنا أصحابَ رسول الله ﷺ بالحج خالصًا وحده، وليس معه عمرة، فقدم النبي ﷺ صبح رابعةٍ مضت من ذي الحجة، فلما قدمنا أمرنا النبي ﷺ أن نحلَّ. قال: أَحِلّوا وأصيبوا من النساء. قال: فبلغه عنا أنا نقول: لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمسُ ليالٍ، أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني! قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون فحِلُّوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت. قال: فحللنا، وسمعنا وأطعنا. قال: فقال سراقة بن جعشم المدلجي ﵁: مُتعتنا هذه يا رسول الله لعامنا هذا، أم للأبد؟ فظنه [محمد بن أبي بكر ﵁] (٢) أنه قال للأبد» متفق عليه (٣)، والأحاديث في هذا كثيرٌ صحاحٌ، تقرب من التواتر والقطع.

стр. 906

وعن إبراهيم الحربي (١) قال: قال سلمة بن شَبيب (٢) لأحمد بن حنبل: «يا أبا عبد الله كل شيء منك حسنٌ جميلٌ إلا خلةً واحدةً؛ تقول بفسخ الحج. قال أحمد: قد كنت أرى أن لك عقلًا! عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك» (٣). وأكثرهم على أنه لا يجوز ذلك، كما لا يجوز فسخ العمرة لا يجوز فسخ الحج؛ لأنه أحد النسكين. وروى ابن ماجه عن [الحارث بن بلال] (٤) المزني عن أبيه ﵄ أنه قال: «يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أو لمن أتى؟ قال: لنا خاصةٌ» (٥). وروى أيضًا عن المُرقِّع الأَسدي (٦) عن أبي ذر ﵁ قال: «كان ما

стр. 907

أذن لنا رسول الله ﷺ حين دخلنا مكة أن نجعلها عمرة، ونَحِلَّ من كل شيءٍ، أن تلك كانت لنا خاصةً، رخصةً من رسول الله ﷺ دون جميع الناس» (١). قال أحمد ﵀: «الحارث بن بلال (٢) عن أبيه!، فمن الحارث بن بلال» (٣) يعنى: أنه مجهول، «وحديث أبي ذر رواه مرقع الأسدي، فمن مرقع الأسدي! شاعرٌ من أهل الكوفة، ولم يلق أبا ذر» (٤). فقيل له: أفليس قد روى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر: كانت متعة الحج لنا خاصة (٥). قال: أفيقول بهذا أحد؟! المتعة في كتاب الله، وقد أجمع الناس على أنها جائزةٌ» (٦)، يعني أن هذا القول مخالف لكتاب الله وإجماع أمة محمد ﷺ فلا يقبل. ومثل هذه الأحاديث في ضعفها لا يحتج بها، فكيف تقبل في نسخ حكمٍ ثابتٍ بالتواتر، ولا يصِحُّ قياس الحج على العمرة، فإنهما قد افترقا فيمن لحقه الفوات، ولأن فسخ الحج يصير به متمتعًا فتحصل له

стр. 908

الفضيلة، وفسخ العمرة عكس ذلك. (١) وإنما يجوز الفسخ بشرطين: أحدهما: ألّا يكون معه هدي، فأما من معه هديٌ فلا يحل له الفسخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولقوله ﵇: «لولا هديي لأحللت» (٢). (٣) والثاني: ألّا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالفسخ قبل الوقوف، ولأنه أتى بركن الحج المختص به فلم يجز له الفسخ كما لو أتى بطواف الزيارة، ولأن فسخ الحج بعد الوقوف إبطالٌ لعمله، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. (٤) [١٠١٧/ ١٠] مسألة: (والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنةً)، إذا أحرمت المرأة بعمرةٍ

стр. 909

فحاضت قبل الطواف بالبيت لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطهارة شرطٌ له، ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنةً، فإن إدخال الحج على العمرة جائزٌ من غير خشية الفوات، فمع خشية الفوات أولى. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهلَّ بعمرةٍ أن يدخل عليها الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت» (١)، وقال جابر ﵁: «أقبلت عائشة ﵂ بعمرةٍ حتى إذا كانت بسَرِفَ (٢) عَرَكَتْ (٣)، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حلَّ الناس ولم أَحْلِل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أَهِلّي. فَفَعَلت وَوَقفت المواقف، حتى إذا طَهُرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك. قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» رواه مسلم (٤). [١٠١٨/ ١١] مسألة: (وإن أحرم مطلقًا صَحَّ، وله صرفه إلى ما شاء)؛ لأنه إحرام صحيحٌ، فكان له صرفه إلى أي نسكٍ شاء كما في حالة الابتداء. [١٠١٩/ ١٢] مسألة: (وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان صَحَّ)؛ لما

стр. 910

روى أبو موسى ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو مُنيخ بالبطحاء (١) فقال لي: «بما أهللت؟ قال: قلت لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ . قال: أحسنت. فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني أن أحل» متفق عليه (٢). ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله لذلك، وإن تبين أن فلانًا لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء؛ لأنه عَقَدَ الإحرام وعَلّق عين النسك على إحرام فلان، فلما لم يحرم فلان بَطَلَ التعيين وبقي المطلق، فكان له صرفه إلى ما شاء؛ لما سبق. وإن علم أن فلانًا أحرم ولم يعلم بما أحرم، أو شك هل أحرم أو لا، فهو كالناسي لإحرامه، وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسكٍ شاء؛ لأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرةٍ وكان إحرامه بغيرها فإنَّ فَسْخه إليها جائز مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قرانٍ فكان إحرامه بعمرةٍ فقد أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفردًا فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغوٌ لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم، وإن صرفه إلى الإفراد فكان معتمرًا فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنًا، ولا تبطل العمرة بترك نيتها، وإن كان قارنًا فهو على حاله؛ لذلك، والمنصوص عن أحمد ﵀ أنه يجعل المنسيَّ عمرةً (٣)، قال القاضي: «هذا على سبيل الاستحباب» (٤)؛ لأنه مستحب مع العلم، فمع عدمه أولى.

стр. 911

[١٠٢٠/ ١٣] مسألة: (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإحداهما)، ولا تلزمه الأخرى قضاءً ولا غيره؛ لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين. [١٠٢١/ ١٤] مسألة: (وإن أحرم بنسكٍ ونسيه، فقال القاضي: «له صرفه إلى أيها شاء» (١) (٢)؛ لما سبق. ونص أحمد ﵀: أنه يجعله عمرة (٣)؛ لأنه لو كان قارنًا أو مفردًا كان له أن يجعل ذلك عمرةً مع العلم، فمع النسيان أولى. (٤) [١٠٢٢/ ١٥] مسألة: (وإن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه)؛ لتعذر وقوعه عنهما، ويلزمه ردُّ ما أخذ منهما. (وقال أبو الخطاب: «له صرفه إلى أيهما شاء» (٥) كما لو أحرم عن

стр. 912

أحدهما لا بعينه، فإن له صرفه إلى أحدهما). (١) [١٠٢٣/ ١٦] مسألة: (وإذا استوى على راحلته لبّى تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فالتلبية للمحرم مسنونةً)؛ لما روى ابن عمر: ﵁ «أن هذه تلبية رسول الله ﷺ » متفق عليه (٢). (٣) وتجوز الزيادة؛ لأن عمر ﵁ زاد: «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك، لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك» (٤)، وزاد ابنه: «لبيك وسعديك،

стр. 913

والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل» (١)، وزاد أنس ﵁: «لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًّا ورِقًّا» (٢)، وسمعهم النبي ﷺ فلم ينكر. ولا تستحب الزيادة؛ لاقتصار النبي ﷺ عليها، قال جابر ﵁: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته» رواه مسلم (٣). ويستحب أن يُصلِّيَ على النبي ﷺ بعدها؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى، فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان. ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار. ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته؛ لقول أنس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا» متفق عليه (٤). [١٠٢٤/ ١٧] مسألة: (ويستحب رفع الصوت بها)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (٥) حديثٌ صحيحٌ، ولا يجهد نفسه في ذلك؛ لأن لا

стр. 914

ينقطع صوته فتنقطع تلبيته. [١٠٢٥/ ١٨] مسألة: (ويستحب الإكثار منها)؛ لأنها ذكرٌ، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يَضْحى لله [يومه] (١) يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجه (٢). [١٠٢٦/ ١٩] مسألة: (ويستحب الدعاء بعدها)؛ لأنه ذكرٌ مشروع فاستحب الدعاء بعده كالتشهد في الصلاة. [١٠٢٧/ ٢٠] مسألة: (وتستحب التلبيه إذا علا نَشْزًا (٣)، أو هَبط واديًا، وفي دبر الصلوات المكتوبة (٤)؛ لما روى جابر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو علا أَكَمةً (٥)، أو هبط واديًا، وفي أدبار المكتوبة، ومن آخر الليل» (٦)، وقال ابراهيم النخعي: «كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديًا، وإذا علا نَشْزًا،

стр. 915

وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته» (١). (٢) ويجزئ من التلبية عَقيب الصلاة مرةٌ؛ لأن المرويَّ التلبية مطلقةً من غير تقييدٍ، ويحصل ذلك بمرةٍ واحدةٍ، ولا بأس بالزيادة؛ لأنه تكرار ذكرٍ وزيادة خيرٍ. [١٠٢٨/ ٢١] مسألة: (ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تسمع رفيقها)؛ لأنه يخاف الافتتان بها، ولأن المرأة عورة، فَخفْضُ صوتها أستر لها. * * *
следующие страницы →