← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

[١٠٢٠/ ١٣] مسألة: (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإحداهما)، ولا تلزمه الأخرى قضاءً ولا غيره؛ لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين. [١٠٢١/ ١٤] مسألة: (وإن أحرم بنسكٍ ونسيه، فقال القاضي: «له صرفه إلى أيها شاء» (١) (٢)؛ لما سبق. ونص أحمد ﵀: أنه يجعله عمرة (٣)؛ لأنه لو كان قارنًا أو مفردًا كان له أن يجعل ذلك عمرةً مع العلم، فمع النسيان أولى. (٤) [١٠٢٢/ ١٥] مسألة: (وإن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه)؛ لتعذر وقوعه عنهما، ويلزمه ردُّ ما أخذ منهما. (وقال أبو الخطاب: «له صرفه إلى أيهما شاء» (٥) كما لو أحرم عن

стр. 912

أحدهما لا بعينه، فإن له صرفه إلى أحدهما). (١) [١٠٢٣/ ١٦] مسألة: (وإذا استوى على راحلته لبّى تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فالتلبية للمحرم مسنونةً)؛ لما روى ابن عمر: ﵁ «أن هذه تلبية رسول الله ﷺ » متفق عليه (٢). (٣) وتجوز الزيادة؛ لأن عمر ﵁ زاد: «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك، لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك» (٤)، وزاد ابنه: «لبيك وسعديك،

стр. 913

والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل» (١)، وزاد أنس ﵁: «لبيك حقًّا حقًّا، تعبدًّا ورِقًّا» (٢)، وسمعهم النبي ﷺ فلم ينكر. ولا تستحب الزيادة؛ لاقتصار النبي ﷺ عليها، قال جابر ﵁: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته» رواه مسلم (٣). ويستحب أن يُصلِّيَ على النبي ﷺ بعدها؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى، فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان. ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار. ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته؛ لقول أنس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا» متفق عليه (٤). [١٠٢٤/ ١٧] مسألة: (ويستحب رفع الصوت بها)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (٥) حديثٌ صحيحٌ، ولا يجهد نفسه في ذلك؛ لأن لا

стр. 914

ينقطع صوته فتنقطع تلبيته. [١٠٢٥/ ١٨] مسألة: (ويستحب الإكثار منها)؛ لأنها ذكرٌ، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يَضْحى لله [يومه] (١) يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجه (٢). [١٠٢٦/ ١٩] مسألة: (ويستحب الدعاء بعدها)؛ لأنه ذكرٌ مشروع فاستحب الدعاء بعده كالتشهد في الصلاة. [١٠٢٧/ ٢٠] مسألة: (وتستحب التلبيه إذا علا نَشْزًا (٣)، أو هَبط واديًا، وفي دبر الصلوات المكتوبة (٤)؛ لما روى جابر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو علا أَكَمةً (٥)، أو هبط واديًا، وفي أدبار المكتوبة، ومن آخر الليل» (٦)، وقال ابراهيم النخعي: «كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديًا، وإذا علا نَشْزًا،

стр. 915

وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته» (١). (٢) ويجزئ من التلبية عَقيب الصلاة مرةٌ؛ لأن المرويَّ التلبية مطلقةً من غير تقييدٍ، ويحصل ذلك بمرةٍ واحدةٍ، ولا بأس بالزيادة؛ لأنه تكرار ذكرٍ وزيادة خيرٍ. [١٠٢٨/ ٢١] مسألة: (ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تسمع رفيقها)؛ لأنه يخاف الافتتان بها، ولأن المرأة عورة، فَخفْضُ صوتها أستر لها. * * *

стр. 916

باب محظورات الإحرام (وهي تسعةٌ: حلق الشَّعر، وتقليم الأظفار)؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، نصَّ على شعر الرأس، وقسنا عليه سائر شعر البدن؛ لأنه يتَنظَّفُ ويَترفَّهُ به فأشبه حلق الرأس، وقسنا عليه الأظفار؛ لأنه جزءٌ يَنْمي ويَتَرفه بإزالته أشبه الشعر. (فمن حلق أو قلَّم ثلاثةً فعليه ذبح شاةٍ (١)، أو إطعام ثلاثة آصعٍ لستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وروى كعب بن عُجْرَة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعلك يؤذيك هَوامُّ رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين، نصف صاع تمر، أوِ انْسُك شاةً» متفق عليه (٢). ولا فرق بين العامد والمخطئ؛ لأنه إتلافٌ أشبه قتل الصيد. وفيه وجه آخر: لا فدية على الناسي؛ لقوله ﵇: «عفي لأمتي عن

стр. 917

الخطأ والنسيان» (١). والأول أصح؛ لأن الله أوجبها على المعذور الذى به أذًى، فهو تنبيه على وجوبها على غير المعذور. (٢) وسواءٌ حلق لعذرٍ أو غيره. وعنه: فيمن حلق لغير عذرٍ: عليه الدم من غير تخيير (٣)؛ لأن الله تعالى خيَّر بشرط العذر، فإذا عدم الشرط زال التخيير. والأول أولى؛ لأن الحكم ثبت في غير المعذور تبعًا له، والتَّبع لا يخالف أصله، وإنما الشرط لإباحة الحلق لا للتخيير. (٤) وفي حلق أربع شعراتٍ ما في حلق الرأس كله؛ لأنها كثيرٌ فتعلقت بها الفدية كالكل. وفي الثلاث روايتان: إحداهما: هي كالكل، قال القاضي: «هو المذهب» (٥)؛ لأنه يقع على اسم الجمع المطلق فهو كالأربع. والثانية: لا يجب فيها ذلك، وهي اختيار الخرقي (٦)، لأن الثلاث

стр. 918

آخر القلة، وآخر الشيء منه. (١) (وفيما دون ذلك روايات: إحداهن: في كل شعرةٍ مدٌّ من طعامٍ)؛ لأن الله تعالى عَدَل الحَيَوان بالطعام ههنا وفي الصيد، وأقل ما يجب منه مدٌّ. (والثانية: قبضةٌ من طعامٍ)؛ لأنه لا تقدير له في الشرع، فيجب المصير إلى الأقل؛ لأنه اليقين. (والثالثة: درهمٌ)؛ لأن إيجاب جزءٍ من الحَيَوان يشقُّ، فصرنا إلى قيمته، وأقل ذلك درهم. (٢) [١٠٢٩/ ١] مسألة: (وإن حُلِقَ رأسه بإذنه فالفدية عليه)؛ لأنه يُنسب إليه، والعادة أن غيره يحلقه، فإذا كان بإذنه كان هو الفاعلَ عرفًا فوجبت عليه الفدية؛ للخبر والنص. (٣) (وإن كان مُكرَهًا، أو نائمًا، فالفدية على الحالق)؛ لقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤)، ووجب على الحالق؛ لأنه الفاعل للمحْرِم.

стр. 919

[١٠٣٠/ ٢] مسألة: (وإن حلق مُحْرِمٌ رأس حلالٍ فلا فديه عليه)؛ لأنه شعرٌ مباحٌ للإتلاف فلم يجب بإتلافه جزاءٌ كشعر بهيمة الأنعام، ولأن حلقَ رأسِ الحلال غير محرَّمٍ، فلم يلزمه فدية؛ لأنه لم يفعل محرمًا. [١٠٣١/ ٣] مسألة: (وقطع الشعر ونتفه كحلقه)؛ لأنَّ ذلك في معنى الحلق؛ لأنه يترفه به. [١٠٣٢/ ٤] مسألة: (وشعر الرأس والبدن واحدٌ)، فإذا حلق شعر رأسه وبدنه فعليه فدية واحدةٌ؛ لأنه جنسٌ واحدٌ فيجزئه فديةٌ واحدةٌ كما لو لبس عِمامةً وقميصًا. (وعنه: لكل واحدٍ حكمٌ منفردٌ)، فيجب عليه فديتان، لأنَّ حلقَ الرأسِ يتعلق به نسكٌ دون شعر البدن فيخالفه في الفدية. (١) [١٠٣٣/ ٥] مسألة: (وإن خرج في عينيه شعرٌ فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينيه فقصَّه فلا فدية عليه (٢) لأن الشعر والظفر آذاه وآلمه، فكان له دفع أذيته من غير فديةٍ كالصيد إذا صال عليه. قال ابن المنذر: «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر» (٣)؛ لأن ما انكسر يؤذيه ويؤلمه، أشبه الصيد يصول عليه. فإن قص أكثر مما انكسر فعليه فدية لذلك الزائد، بخلاف ما إذا كان

стр. 920

المؤذي له غير الشعر كالقَمل والقروح، ولا يقدر على إزالته إلا بإزالة الشعر فعليه الفدية؛ لأنَّ قَطْعَه لإزالة ضرر غيره فأشبه ما لو أكل الصيد في حالة الاضطرار إليه. (١) [١٠٣٤/ ٦] مسألة: (وإن قلع جلدةً عليها شَعرٌ فلا فدية عليه)؛ لأنه زال تبعًا للجلدة فلا يلزمه به شيءٌ، كما لو قطع شُفْرَ العين لا يلزمه في الأهداب شيءٌ؛ لأنه زال تبعًا للشُّفْر. (الثالث: تغطية الرأس، فمتى غطّى رأسه بعِمامةٍ، أو خرقةٍ، أو قرطاسٍ فيه دواءٌ أو غيره، أو عَصَبهُ، أو طيَّنه بطين، أو حنّاءٍ أو غيره، فعليه الفدية)، مثل حالق رأسه؛ لأنه في معناه فقسناه عليه. (وإن استظل بالمحمل (٢) ففيه روايتان:) إحداهما: عليه دم، وهو اختيار الخرقي (٣)؛ لأنه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالبًا فأشبه ما لو ستره بشيءٍ يلاقيه. والأخرى: لا دم عليه؛ لأنه لا يلاقيه ولا يلازمه أشبه ما لو استظل بخيمةٍ أو ثوبٍ على عودٍ، ولكنه يكره؛ لأن ابن عمر ﵁ رأى على رَحل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة (٤) عودًا يستره من الشمس فنهاه،

стр. 921

وقال لرجلٍ محرمٍ قد رفع ثوبًا على عود يستتر به من الشمس: «[اضحَ] (١) لمن أحرمت له»، أي: ابْرُز للشمس، رواهما الأثرم (٢)، ولأنه يقصد به الترفه فكره لذلك. (٣) ولم يكره أحمد ﵀ الاستتار بالثوبِ ونحوه؛ لأنه لا يقصد للاستدامة بخلاف المحمل (٤)، ولما روت أم الحصين ﵂ (٥) قالت:

стр. 922

«حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافعٌ ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة» رواه مسلم (١)، وهذا القول أولى؛ لأن قول ابن عمر لا يعارضه. [١٠٣٥/ ٧] مسألة: (وإن حمل على رأسه شيئًا فلا فدية عليه)؛ لأنه لا يقصد منه الستر، (وإن نصب حياله ثوبًا فكذلك)؛ لحديث أم الحصين ﵂ (٢). (وإن استظل بخيمةٍ أو شجرةٍ أو بيتٍ فلا شيء عليه) عند جميع أهل العلم، وقال جابر ﵁ في حديث حجة النبي ﷺ : «وأمر بقبةٍ من شعرٍ فضربت له بنَمِرَة (٣)، فأتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا غابت الشمس» رواه مسلم (٤)، ولأن هذا لا يقصد به الاستدامة أشبه الاستظلال بظل حائطٍ. [١٠٣٦/ ٨] مسألة: (وفي تغطية الوجه روايتان:) إحداهما: يحرم؛ لما روى مسلم عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا وقع عن راحلته فأَقْعَصَتهُ، فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدرٍ، وكفنوه في ثيابه، ولا تُخمِّروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي» (٥)، ولأنه يحرم على المرأة فيحرم على الرجل كالطيب.

стр. 923

والرواية الأخرى: يباح؛ لأنه قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم خمروا وجوههم في الإحرام، منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ﵃ وغيرهم (١)، ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا؛ وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» (٢)، وهذا أصَحُّ. وأما حديث ابن عباس ﵁ فالمشهور فيه: «ولا تخمروا رأسه»، هذا الذى اتُّفِقَ عليه، فأما قوله: «ولا تخمروا وجهه» فقال شعبة: حدَّثنيه أبو بشر (٣)، ثم سألت عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان يحدث إلا أنه قال: «ولا تخمروا وجهه ورأسه» (٤)، وهذا يدل على ضعف هذه

стр. 924

الرواية، وقد روي في لفظٍ: «خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه» (١)، فتتعارض الروايتان، والقياس يبطل بلبس القفازين. (٢) (الرابع: لبس المخيط والخفين، إلا أن لا يجد إزارًا فيلبَس سراويل، أو لا يجد نعلين فيلبَس الخفين، ولا يقطعهما، ولا فدية عليه)، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص، والعمائم، والسراويلات، والخفاف، والبرانس (٣)» (٤)، والأصل فيه ما روى ابن عمر ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا تلبَسوا القُمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا

стр. 925

يجد النعلين فليلبَس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبَسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران، ولا الورس» متفق عليه (١). قال ابن عبد البر: «يدخل في هذا الحديث المَخيطُ كله، فلا يجوز للمحرم لباس شيءٍ منه عند جميع أهل العلم، وأجمعوا أن المراد بهذا الخطاب الذكور دون النساء» (٢). (٣) وعند أحمد ﵀: «يلبَس الخفين ولا يقطعهما» (٤)؛ لأن ذكر القطع في الحديث من كلام نافعٍ، كذلك رُوِّيناه في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: «وليقطع الخفين أسفل من الكعبين» (٥).

стр. 926

وروى ابن أبي موسى (١) عن صفية بنت أبي عبيد (٢) عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ رخص للمُحْرِم أن يلبَس الخفين ولا يقطعهما، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع» (٣). وروى أبو حفصٍ في شرحه (٤) بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أنه طاف وعليه خفان، قال له عمر: والخفان مع القباء (٥)!

стр. 927

فقال: قد لبسهما من هو خير منك» (١)، يعني: رسول الله ﷺ . (٢) [١٠٣٧/ ٩] مسألة: (ولا يَعْقِدُ عليه مِنطَقةً (٣)، ولا رداءً، ولا غيره)؛ لأنه إذا عقده صار كالملبوس، ولأنه قد ورد عن ابن عمر ﵁ أنه نهى عنه، فروى الأثرم عن مسلم بن جندب (٤) عن ابن عمر ﵁ قال: جاء رجل يسأله وأنا معه، أُخالف بين طرفي ثوبي ثم أعقد، وهو محرم؟ فقال ابن عمر: «لا تعقد عليك شيئًا» (٥). (٦)

стр. 928

[١٠٣٨/ ١٠] مسألة: (إلا إزارَه وهِميانَه (١) الذي فيه نَفقته إذا لم يثبت إلا بالعقد)، ذكر القاضي في الشرح (٢): «أن ابن عباس ﵁ قال: رخص رسول الله ﷺ للمحرم في الهميان أن يربطه إذا كان فيه نفقته» (٣)، قال ابن عبد البر: «أجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار متقدموهم ومتأخروهم» (٤). ومتى أمكنه أن يدخل السيور بعضها في بعض ويثبت بذلك فالأولى ألّا يعقده، وإن لم يثبت بذلك عقده، قالت عائشة ﵂: «أوثق عليك نفقتك» (٥)، وقال ابن عباس: ﵁ «أوثقوا نفقاتكم» (٦)، والإزار في معنى ذلك، ويستر العورة أيضًا. [١٠٣٩/ ١١] مسألة: (وإن طرح على كتفيه قباءً فعليه الفدية)؛ لأنه لباسٌ.

стр. 929

(وقال الخرقي: لا فدية عليه (١)، إلا أن يُدخل يديه في الكمين)؛ لأنه إذا لم يدخلها في الكمين كان بمنزلة الرداء على كتفيه، وذلك لا فدية فيه. (٢) [١٠٤٠/ ١٢] مسألة: (ويتَقلَّدُ بالسيف عند الضرورة)؛ للحاجة إلى ذلك، فأما مع غير الحاجة فيكره؛ لأن ابن عمر ﵁ قال: «لا يحمل المحرم السلاح في الحرم» (٣)، وروى البراء ﵁ قال: «لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية، صالحهم على ألّا يدخلوها إلا بجُلُبّان السلاح»، والجُلُبّان: القراب بما فيه (٤)، رواه أبو داود (٥)، وإنما دخلوا بالسلاح للحاجة إليه، وإنما وجبت الفدية في اللباس؛ لأنه محرَّم في الإحرام أشبه الحلق. (٦)

стр. 930

(الخامس: الطيب (١)، أجمع أهل العلم على أن المُحرِمَ ممنوعٌ من الطيب، وأنه إذا تطيب عامدًا فعليه الفدية (٢)، وقد قال النبي ﷺ في المُحرِم الذي وقصته راحلته: «لا تحنطوه» متفق عليه، وفي لفظٍ لمسلم: «لا تَمَسُّوه بطيب» (٣)، فلما منع الميت من الطيب لإحرامه كان الحي أولى منه بذلك. والطيب: ما يعدُّ للشمِّ، (كالمِسك (٤)، والكافور، والعَنبر، والغالية (٥) (٦)، والزعفران، وما أشبه ذلك مما تطيب رائحته)، وكذلك ماء الورد، والأدهان المطيبة كدهن البَنفسج ونحوه، فيحرم عليه تطييب بدنه وثيابه. (وشم الأدهان المطيَّبة، والادِّهان بها)، وشم الطيب على اختلاف أنواعه. (ويَحرم البَخور بالعود، ويَحرم أكل ما فيه طيبٌ يظهر طعمه أو ريحه). فإن فعل ذلك عمدًا وجبت عليه الفدية؛ لأنه فَعَلَ محرمًّا عليه في إحرامه فوجبت الفدية به كحلق الشعر، ولأنه تَرفَّه به أشبه الحلق واللباس. (٧)

стр. 931

[١٠٤١/ ١٣] مسألة: وإن تطيب أو لبس ناسيًا فلا فدية عليه، ويخلع اللِّباس، ويغسل الطيب ويفزع إلى التلبية (١)؛ لقوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). (٣) فأما الحلق وقتل الصيد فهو إتلاف، فلا فرق بين عمده وسهوه، وفي مسألتنا هو ترفه وليس بإتلاف (٤). [١٠٤٢/ ١٤] مسألة: (وإن مس من الطيب ما لا يَعلَق بيده) كالمسك غير المسحوق، وقِطَعِ الكافور، والعنبر، (فلا فدية فيه)؛ لأنه غير مستعمل للطيب. وإن مس ما يعلق بيده كالغالية، وماء الورد، والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه، فعليه الفديه؛ لأنه مستعمل للطيب. [١٠٤٣/ ١٥] مسألة: (وإن مس العود فلا فدية عليه)؛ لأنه لا يتطيب به هكذا. (وله شم الفواكه كلها)؛ لأنها لا تعد طيبًا، ولا تستعمل له،

стр. 932

(وكذلك الشِّيحُ (١) والخُزامى)؛ لأنه لا يقصد للطيب، ولا يتخذ منه طيبٌ. [١٠٤٤/ ١٦] مسألة: (وفي شم الريحان، والنَّرجس (٢)، والمرزَجوش (٣)، والبَرَم (٤) ونحوه (٥)، والادِّهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان:) إحداهما: لا يباح، وعليه الفديةٌ؛ لأنه يتخذ للطيب أشبه سائر الطيب، وأيضًا فإنه قول جابر وابن عمر ﵄ (٦). والرواية الأخرى: يباح ولا فدية فيه، قاله ابن عباس ﵁ (٧)، ولأنه نَبتٌ لا يتخذ منه طيبٌ أشبه العُصفر. والروايتان المنصوص عليهما: إنما هما في الريحان (٨)، والخلاف

стр. 933

الذي حكيناه فيه، وغيره مقيس عليه. (١) وأما ما ينبت لأجل الطيب ويتخذ منه طيبٌ كالورد، والبنفسج، والياسمين، والخِيريِّ (٢)، والزعفران (٣)، فهذا إذا استعمله وشمه ففيه الفدية؛ لأنها تجب فيما يتخذ منه ففيه أولى، وذكر أبو الخطاب في هذا النوع روايتين (٤). والأَولى تحريم استعماله؛ لأنه يَنبُت للطيب ويتخذ منه، أشبه الزعفران والعنبر، قال القاضي: يقال إن العنبر ثمر شجرة وكذا الكافور (٥). (٦)

стр. 934

[١٠٤٥/ ١٧] مسألة: (وإن جلس عند العطارِ، أو في موضعٍ ليَشَمَّ الطيب فشَمَّه فعليه الفديةٌ)؛ لأنه قد ترفه بشمِّ الطيب قاصدًا مبتدئًا به في الإحرام فلزمته الفدية كما لو باشره. (وإن لم يقصد ذلك فلا شيء عليه)؛ لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه. (السادس: قتل صيد البرِّ واصطياده: وهو ما كان وحشيًّا مأكولًا، أو متولدًا منه ومن غيره، فمن أتلفه أو تلف في يده، أو أتلف جزءًا منه فعليه جزاؤه)؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥]. (١) [١٠٤٦/ ١٨] مسألة: (ويضمن ما دلَّ عليه، أو أشار إليه)؛ لأن في حديث أبي قتادة ﵁: لما صاد الحمار الوحشي وأصحابُه مُحرِمون قال النبي ﷺ لأصحابه: «منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟»، وفي لفظٍ متفقٍ عليه: «فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يُؤذِنوني وأحبوا لو أني أبصرته» (٢)، وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الدِّلالة عليه، وسؤال النبي ﷺ : «هل منكم أحد أمره أن يحمل

стр. 935

عليها، أو أشار إليها» يدل على تعليق الجزاء بذلك لو وجد منهم، ولأنه سببٌ يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أُحبولةً (١)، ولأنه قول علي وابن عباس ﵄ (٢) ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة ﵃. [١٠٤٧/ ١٩] مسألة: (وإن أعان على ذبحه، أو كان له أثرٌ في ذبحه مثل أن يُعيره سكينًا، فهو كما لو دلَّه عليه)، وكذا لو ناوله سلاحه، أو سوطه، أو أمره باصطياده؛ لما في حديث أبي قتادة ﵁ المتفق عليه: «ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه»، وفي رواية: «فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني» (٣)، وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم ذلك، والنبي ﷺ أقرهم عليه، فيتعلق بذلك الجزاء؛ لما سبق. [١٠٤٨/ ٢٠] مسألة: (إلا أن يكون القاتل مُحرِمًا فيكون جزاؤه بينهما)، يعني: إذا دل المحرم محرمًا على صيدٍ أو أعانه عليه كان الجزاء عليهما؛ لأن الإتلاف منهما ويلزمهما جزاءٌ واحدٌ؛ لأن الواجب جزاء المتلف، والمتلف واحدٌ فيكون الجزاء واحدًا. (٤) [١٠٤٩/ ٢١] مسألة: (ويحرم عليه الأكل من ذلك كله)؛ لقوله

стр. 936

سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]. [١٠٥٠/ ٢٢] مسألة: (ويحرم عليه أكل ما صيد لأجله، ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك)؛ لأنه لا خلاف في تحريم ذلك على المُحرِم إذا هو صاده. فأما إن صاده حلالٌ وذبحه فإن كان من المُحرِم إعانةٌ فيه أو دلالةٌ، أو إشارةٌ إليه، أو صيد من أجله لم يبح له أيضًا أكله. وحكي عن جماعةٍ من الصحابة أنهم حرَّموا لحم الصيد على المحرم بكل حال (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، ولما روى ابن عباس عن الصَّعب بن جَثَّامة اللَّيثي ﵁ (٢): «أنه أهدى إلى النبي ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأَبْواء (٣) أو بوَدّان (٤)، فرده عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأى رسول الله ما في وجهه قال: إنّا لم نرده عليك إلا أنّا حرم» متفق عليه (٥). ولنا: ما روى أبو داود عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صيد البر لكم حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» (٦)، قال

стр. 937

الترمذي: «قال الشافعي: هذا أحسن شيءٍ في الباب وأقيس» (١)، وهو صريحٌ في الحكم، وفيه جمع بين الأحاديث، وبيان المختلف منها، فإن ترك النبي ﷺ للأكل مما أهدي له يحتمل أن يكون لعلمه أنه صيد من أجله، أو توهم ذلك وظنه، ويتعين حمله على ذلك لما ذكرنا، ولما تقدم من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا: لا. قال: فكلوا» متفق عليه (٢)، قال الترمذي في حديث الصعب بن جثامة: «قال الشافعي في رد النبي ﷺ عليه حمار الوحش إنما رده عليه لما أنه صيد من أجله» (٣). وروى مالك في موطئه: «أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء (٤) إذا حمارٌ وحشي عقير، فجاء البَهزيُّ (٥) وهو صاحبه، فقال يا رسول الله: شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرِّفاق» (٦) وهو حديث صحيح. (٧)

стр. 938

[١٠٥١/ ٢٣] مسألة: (وإن أتلف بيض صيدٍ أو نقله إلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في بيض النعام يصيبه المحرم: «ثمنه» (١)، وفي سنن سعيد عن ابن عباس ﵁ في بيض النعام قال: «قيمته أو ثمنه» (٢)، وعن عمر ﵁ في بيض النعام يصيبه المحرم قال: «ثمنه» (٣)، وعن عبد الله قال: «بيض النعام قيمته» (٤)، وغيره من بيض الصيد مقيس عليه، ولأنه من الحيوان المحرَّم، ويوؤل إليه فوجب فيه الضمان كالفراخ، ويضمنه بقيمته؛ لأنه ليس فيه شيءٌ مقدرٌ. [١٠٥٢/ ٢٤] مسألة: (ولا يَملك الصيد بغير الإرث) كالبيع والهبة؛ لأن ذلك سببٌ من جهته فلا يملك به كالاصطياد، وكذلك لا يملكه بالهدية ولا بالصدقة لذلك.

стр. 939

فأما الإرث فيملكه به؛ لأنه ليس بفعلٍ من جهته، وإنما يدخل في ملكه حكمًا، اختار ذلك أو كرهه، ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون، ويدخل به المسلم في ملك الكافر فجرى مجرى الاستدامة. (ويحتمل أن لا يملك به (١)؛ لأنه من جهات التملك فأشبه البيع وغيره، فعلى هذا يكون أحق به من غير ثبوتِ يده عليه، فإذا حلَّ من إحرامه ملكه. (٢) [١٠٥٣/ ٢٥] مسألة: (وإن أمسك صيدًا حتى تحلَّلَ ثم مات أو ذبحه ضمنه، وكان ميتةً)؛ لأنه تسبيب إلى إتلافه بفعلٍ في إحرامه، فلزمه ضمانه كما لو تلف في إحرامه، ولأنه صيدٌ مضمونٌ بحكم الإحرام، فإذا ذبحه كان ميتةً كما لو ذبحه في إحرامه. (وقال أبو الخطاب: «له أكله» (٣)؛ لأنه حلالٌ ذبح صيدًا في الحل فكان له أكله كغيره من الصيد. (٤) [١٠٥٤/ ٢٦] مسألة: (وإن أحرم وفي يده صيدٌ، أو دخل الحرم بصيدٍ، لم يَزُل مِلكه عنه، ولزمه إزالة يده المشاهدة عنه دون يده الحكمية (٥)، ومعناه: أنه إذا كان في قبضته، أو رحله، أو خيمته، أو

стр. 940

قفصٍ، أو مربوطٍ بحبلٍ معه، لزمه إرساله؛ لأن إمساكه محرَّم عليه، واستدامة الإمساك إمساكٌ، فكان ممنوعًا منه كحالة الابتداء، والدليل على أن استدامة الإمساك إمساكٌ أنه يسمى إمساكًا، فلو حلف لا يمسك شيئًا فاستدام إمساكه حَنِثَ. وإذا ثبت هذا فإنه متى أرسله لم يَزُل مِلكه عنه؛ لأن الإحرام إنما مَنع الفعل في الصيد بما يضره من قتله وصيده وتنفيره وتملكه، واستدامة المِلك ليس بفعلٍ منه فيه ولا ضررٍ به فبقي بحاله. ومن أخذه ردَّه عليه إذا حلَّ، ومن قتله ضمنه له؛ لأن ملكه كان عليه، وإزالة اليد المشاهدة لا تزيل الحكمية، وهي الملك، بدليل المغصوب والعاريَّة. فإن لم يرسله فتلف في يده بعد إمكان إرساله ضمنه؛ لأنه تلف تحت اليد العادِيَةِ، فلزمه ضمانه كمالِ الآدمي، وإن تلف قبل إمكان إرساله فلا ضمان عليه؛ لأنه غير مفرطٍ ولا متعدٍّ. (وإن أرسله من يده إنسانٌ (١) فلا ضمان عليه)؛ لأنه فَعل ما يلزمه فِعلُه، ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها، وإن أمسكه حتى تحلل فمِلكُه باق عليه؛ لأن مِلكَه لم يَزُل، وإنما زال حكم يده المشاهدة، فصار كالعصير يتخمر ثم يتحلل قبل إراقته. [١٠٥٥/ ٢٧] مسألة: (وإن صال عليه صيدٌ فقتله دفعًا عن نفسه لم يضمنه)؛ لأنه حَيَوانٌ صال عليه فقتله دفعًا عن نفسه، فلم يضمنه كما لو صال عليه آدمي، ولأنه إذا لم يقدر على دفعه إلا بقتله فقد ألجَأه إلى قتله فلم يجب ضمانه كالآدمي. (٢)

стр. 941

[١٠٥٦/ ٢٨] مسألة: (وإن خلَّص الصيد من سَبُعٍ أو شَبكةٍ فقتله بذلك لم يضمنه (١)؛ لأنه فعلٌ أبيح لحاجة الحَيَوان فلم يضمن ما تلف به، كما لو داوى ولي الصبيِّ الصبيَّ فمات بذلك، وهذا ليس بمعتمدٍ فلا تتناوله الآية (٢). (٣) [١٠٥٧/ ٢٩] مسألة: (ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم الحيوان الإنسي (٤)؛ لأنه ليس بصيدٍ، والمُحرَّم فيهما إنما هو الصيد، بدليل قوله سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُختَلى خَلاها، ولا يُعضَدُ شوكها، ولا يُنفَّر صيدها، فقال العباس: إلا الإذخِرَ، فإنه لِقَيْنِهم وبيوتهم (٥). فقال النبي ﷺ : إلا الإذْخِرَ» متفق عليه (٦). وقد كان النبي ﷺ يذبح البدن في الحرم يتقرب به إلى الله سبحانه،

стр. 942

وقال: «أفضلُ الحجِّ العَجُّ والثَّجُّ» (١)، يعنى: إسالة الدماء بالذبح والنحر، وليس في هذا خلافٌ، والعج: رفع الصوت بالتلبية، ولهذا قال ﵇: «خمسٌ فواسقُ يقتلن في الحِلِّ والحرم: الفأرة، والغراب، والحِدَأَة، والعقرب، والكلب العقور» رواه مسلم عن عائشة ﵂ (٢). (وأما القمل فرُوي عن أحمد ﵀ إباحة قتله (٣)؛ لقوله ﷺ : «خمسٌ فواسقُ يقتلن في الحل والحرم» (٤)، فدل على إباحة قتل كل ما يؤذي الآدمي في نفسه وماله، والقمل من أكثر الهوامِّ أذية. (وعنه: أن قتله محرَّم (٥)؛ لأنه يترفه بإزالته عنه، فحرم كقطع الشعر وإزالة الشعث، ولأن النبي ﷺ رأى كعبًا والقمل يتناثر على وجهه فقال: «احلق رأسك» (٦)، فلو كان قتله مباحًا لم يكن ليتركه حتى يصير كذلك، أو لكان النبي ﷺ أمره بإزالته خاصةً، والصئبان كالقمل. (٧) فإن قتل القمل فلا فدية عليه، فإن كعب بن عجرة ﵁ حين حلق

стр. 943

رأسه قد أذهب قملًا كثيرًا ولم يجب عليه لذلك شيءٌ، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر، ولأن القمل لا قيمة له أشبه البعوض والبراغيث، ولأنه ليس بصيدٍ ولا مأكولٍ، قال ابن عمر ﵁: «هي أهون مقتولٍ» (١). وعنه فيمن قتل قملة: يطعم عنها شيئًا (٢). قال بعض أصحابنا: (أي شيءٍ تصدق عنها فهو خير منها)، وروي عن ابن عمر ﵁: «حفنةٌ من طعامٍ» (٣). (٤) وقال القاضي: «إنما الخلاف عن أحمد ﵀ فيما أزاله من شعره، أما ما ألقاه من ظاهر بدنه فلا فديه فيه» (٥). (٦) [١٠٥٨/ ٣٠] مسألة: (ولا يحرم صيد البحر على المحرم) بل هو حلالٌ له؛ لقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس ﵁: «طعامه ما ألقاه البحر ولفَظَه» (٧)، وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر يباح للمحرم اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه (٨).

стр. 944

(وفي إباحته في الحرم روايتان:) إحداهما: يباح؛ لأنه صيد لا يحرم للإحرام أشبه السباع. والأخرى: يحرم؛ لعموم قوله: «لا ينفر صيدها» (١)، وفي لفظٍ: «لا يصاد صيدها» (٢)، ولأن الحرمة تثبت للصيد لحرمة المكان، وهو شاملٌ لكل صيدٍ، ولأنه صيدٌ غير مؤذٍ أشبه الضباء. (٣) [١٠٥٩/ ٣١] مسألة: (ويضمن الجراد بقيمته)، وعنه: أنه من صيد البحر (٤)، فلا جزاء فيه، روي ذلك عن ابن عباس ﵁، وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الجراد من صيد البحر» رواه أبو داود (٥)، وروى سعيدٌ حديث هُشيم (٦) عن منصور (٧) عن الحسن (٨) قال: «الجراد

стр. 945

من صيد البر والبحر» (١). والأولى أولى؛ لأنه يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ (٢)، ولأنه طائرٌ لا يعيش إلا في البر، فهو كسائر طيور البر. (٣) قال أحمد في رواية حنبل (٤): «إذا صاد الجراد تصدق عن كل جرادةٍ بتمرة» (٥)، قاله ابن عمر ﵁ ذكره في سنن سعيد (٦)، وعن ابن عباس ﵁: «يتصدق بقبضةٍ من طعام» (٧)، وقال عمر: «في الجراد

стр. 946

تمرةً» (١)، قال القاضي: «هو على وجه القيمة فيجب فيه قيمته» (٢)؛ لأنه لا مقدَّر فيه. (٣) [١٠٦٠/ ٣٢] مسألة: (فإن انفرش في الطريق فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان: (٤) أحدهما: عليه الجزاء؛ لأنه أتلفه لمنفعته، أشبه ما لو اضطر إلى أكله، والثاني: لا جزاء فيه؛ لأنه من البحر. (٥) [١٠٦١/ ٣٣] مسألة: (ومن اضطر إلى أكل الصيدٍ، أو احتاج إلى شيءٍ من هذه المحظورات فله فعله وعليه الجزاء)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة إلقاءٌ بيده إلى التهلكة. ويلزمه الجزاء؛ للآية، ولقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. (٦)

стр. 947

فيباح له منه ما يسد رمقه؛ لأنه يخرج به عن كونه مضطرًا فتزول الإباحة. وعنه: يجوز له الشبع منه كالحلال (١). (السابع: عقد النكاح لا يصِحُّ من المحرم)؛ لنفسه، ولا لغيره، فلا يجوز أن يَقْبله، ولا أن يكون وليًّا فيه فيزوج غيره، والرجل والمرأة في المنع من ذلك سواءٌ؛ لما روى أبان بن عثمان (٢) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنكح المحرم، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب» رواه مسلم (٣)، ولأن الإحرام يُحرِّم الطيب فيُحرِّم النكاح كالعدة، فإن فعل فالنكاح باطلٌ؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضى فساد المنهي عنه. (٤) (وأما الرجعة ففيها روايتان:) إحداهما: لا بأس بها؛ لأنها إمساكٌ للزوجة؛ بدليل قوله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وتجوز بغير وليٍّ ولا شهودٍ ولا إذنها، فلم تَحرم كإمساكها بترك الطلاق.

стр. 948

والرواية الأخرى: لا تحِلُّ لأنها عقدٌ وضع لإباحة البُضع أشبه النكاح. (١) (ولا يجب بالتزويج فدية)؛ لأنه عقدٌ فسد للإحرام فأشبه شراء الصيد، وإذا لم تجب الفدية للتزويج فلا تجب بالرجعة بطريق الأولى. (الثامن: الجماع في الفرج، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدميٍّ أو غيره، فمتى فعل ذلك قبل التحلل الأول فسد نسكه)، وعليه بدنه، (عامدًا كان أو ناسيًا). أما فساده بالجماع في الفرج فليس فيه خلاف، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيءٍ في حال الإحرام إلا الجماع» (٢). والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر ﵁: «أن رجلًا سأله فقال: إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان؟ فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حَلّوا، فإذا كان العام المقبل فاحجُج أنت وامرأتك، وأهدِيا هديًا، فإن لم تجد فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعتم» (٣)، وكذلك قال ابن عباس وعبد الله بن

стр. 949

عمرو ﵄، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم، روى حديثهم الأثرم في سننه (١)، وزاد في حديث ابن عباس ﵁: «ويتفرقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا حجهما» (٢)، وروي ذلك عن عمر ﵁ أيضًا (٣)، ولأنه جماع صادف إحرامًا تامًا فأفسده كما قبل الوقوف. [١٠٦٢/ ٣٤] مسألة: ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة؛ لأنه وطء يوجب الغسل فأفسد الحج كوطء الآدمية في القبل. ولا فرق بين العامد والساهي والناسي، والجاهل والعالم؛ لأنه معنًى يتعلق به قضاء الحج، فاستوى عمده وسهوه كالفوات، قال أحمد: «إذا جامع أهله بَطَلَ حجه» (٤)؛ لأنه لا يقدر على ردِّه، والشعر إذا حلقه لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله لا يقدر على رده فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواءٌ، وكل شيءٍ بعد الثلاثة فهو يقدر على ردِّه: إذا غطى رأسه ثم ذَكَرَ، ألقاه عن رأسه، أو لبس ثوبًا، أو خفًّا نزعه وليس عليه شيءٌ (٥)؛ لعموم قوله: «عفي لأمتي عن الخطأ

стр. 950

والنسيان» (١). (٢) (وعليهما المضيُّ في فاسده، والقضاء على الفور من حيث أحرما أولًا)؛ لما سبق من كلام ابن عمر ﵁، ولأن الحج الأصل على الفور، فهذا أولى؛ لأنه قد تعين بالدخول فيه، والحج الواجب بأصل الشرع لم يتعين بالدخول فيه، ولا نعلم فيه خلافًا (٣). وقوله: (من حيث أحرما)، أي: أنه إن كان أحرم من قبل الميقات لزمه الإحرام منه؛ لأنها عبادةٌ يجب قضاؤها فكانت على حسب أدائها كالصلاة. [١٠٦٣/ ٣٥] مسألة: (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت)؛ لأنها المفسدة لحجها. (وإن أكرهت فعلى الزوج)؛ لأن الإفساد للحج وجد منه في حقها، فكانت النفقة عليه قياسًا على إفساده لحجه. [١٠٦٤/ ٣٦] مسألة: (ويتفرقان من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يَحِلَّا)؛ لأن ذلك روي عن عمر وابن عباس ﵄ رواه الأثرم (٤)، ولأن التفرق في جميع الإحرام يشقُّ فاختص بموضع الموافقة؛ لأنه يتذكر فيه
следующие страницы →