← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تمرةً» (١)، قال القاضي: «هو على وجه القيمة فيجب فيه قيمته» (٢)؛ لأنه لا مقدَّر فيه. (٣) [١٠٦٠/ ٣٢] مسألة: (فإن انفرش في الطريق فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان: (٤) أحدهما: عليه الجزاء؛ لأنه أتلفه لمنفعته، أشبه ما لو اضطر إلى أكله، والثاني: لا جزاء فيه؛ لأنه من البحر. (٥) [١٠٦١/ ٣٣] مسألة: (ومن اضطر إلى أكل الصيدٍ، أو احتاج إلى شيءٍ من هذه المحظورات فله فعله وعليه الجزاء)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة إلقاءٌ بيده إلى التهلكة. ويلزمه الجزاء؛ للآية، ولقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. (٦)

стр. 947

فيباح له منه ما يسد رمقه؛ لأنه يخرج به عن كونه مضطرًا فتزول الإباحة. وعنه: يجوز له الشبع منه كالحلال (١). (السابع: عقد النكاح لا يصِحُّ من المحرم)؛ لنفسه، ولا لغيره، فلا يجوز أن يَقْبله، ولا أن يكون وليًّا فيه فيزوج غيره، والرجل والمرأة في المنع من ذلك سواءٌ؛ لما روى أبان بن عثمان (٢) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنكح المحرم، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب» رواه مسلم (٣)، ولأن الإحرام يُحرِّم الطيب فيُحرِّم النكاح كالعدة، فإن فعل فالنكاح باطلٌ؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضى فساد المنهي عنه. (٤) (وأما الرجعة ففيها روايتان:) إحداهما: لا بأس بها؛ لأنها إمساكٌ للزوجة؛ بدليل قوله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وتجوز بغير وليٍّ ولا شهودٍ ولا إذنها، فلم تَحرم كإمساكها بترك الطلاق.

стр. 948

والرواية الأخرى: لا تحِلُّ لأنها عقدٌ وضع لإباحة البُضع أشبه النكاح. (١) (ولا يجب بالتزويج فدية)؛ لأنه عقدٌ فسد للإحرام فأشبه شراء الصيد، وإذا لم تجب الفدية للتزويج فلا تجب بالرجعة بطريق الأولى. (الثامن: الجماع في الفرج، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدميٍّ أو غيره، فمتى فعل ذلك قبل التحلل الأول فسد نسكه)، وعليه بدنه، (عامدًا كان أو ناسيًا). أما فساده بالجماع في الفرج فليس فيه خلاف، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيءٍ في حال الإحرام إلا الجماع» (٢). والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر ﵁: «أن رجلًا سأله فقال: إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان؟ فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حَلّوا، فإذا كان العام المقبل فاحجُج أنت وامرأتك، وأهدِيا هديًا، فإن لم تجد فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعتم» (٣)، وكذلك قال ابن عباس وعبد الله بن

стр. 949

عمرو ﵄، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم، روى حديثهم الأثرم في سننه (١)، وزاد في حديث ابن عباس ﵁: «ويتفرقان من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يقضيا حجهما» (٢)، وروي ذلك عن عمر ﵁ أيضًا (٣)، ولأنه جماع صادف إحرامًا تامًا فأفسده كما قبل الوقوف. [١٠٦٢/ ٣٤] مسألة: ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة؛ لأنه وطء يوجب الغسل فأفسد الحج كوطء الآدمية في القبل. ولا فرق بين العامد والساهي والناسي، والجاهل والعالم؛ لأنه معنًى يتعلق به قضاء الحج، فاستوى عمده وسهوه كالفوات، قال أحمد: «إذا جامع أهله بَطَلَ حجه» (٤)؛ لأنه لا يقدر على ردِّه، والشعر إذا حلقه لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله لا يقدر على رده فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواءٌ، وكل شيءٍ بعد الثلاثة فهو يقدر على ردِّه: إذا غطى رأسه ثم ذَكَرَ، ألقاه عن رأسه، أو لبس ثوبًا، أو خفًّا نزعه وليس عليه شيءٌ (٥)؛ لعموم قوله: «عفي لأمتي عن الخطأ

стр. 950

والنسيان» (١). (٢) (وعليهما المضيُّ في فاسده، والقضاء على الفور من حيث أحرما أولًا)؛ لما سبق من كلام ابن عمر ﵁، ولأن الحج الأصل على الفور، فهذا أولى؛ لأنه قد تعين بالدخول فيه، والحج الواجب بأصل الشرع لم يتعين بالدخول فيه، ولا نعلم فيه خلافًا (٣). وقوله: (من حيث أحرما)، أي: أنه إن كان أحرم من قبل الميقات لزمه الإحرام منه؛ لأنها عبادةٌ يجب قضاؤها فكانت على حسب أدائها كالصلاة. [١٠٦٣/ ٣٥] مسألة: (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت)؛ لأنها المفسدة لحجها. (وإن أكرهت فعلى الزوج)؛ لأن الإفساد للحج وجد منه في حقها، فكانت النفقة عليه قياسًا على إفساده لحجه. [١٠٦٤/ ٣٦] مسألة: (ويتفرقان من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يَحِلَّا)؛ لأن ذلك روي عن عمر وابن عباس ﵄ رواه الأثرم (٤)، ولأن التفرق في جميع الإحرام يشقُّ فاختص بموضع الموافقة؛ لأنه يتذكر فيه

стр. 951

حاله الأول فيكون أدعى إلى الوقوع (١) في المحظور ثانيًا. (٢) والتفرق: هو ألّا ينزل معها في فُسطاطٍ واحدٍ، ولا يركبان في مَحمِلٍ، ولا ينزل معها في منزلٍ، كذلك قال أحمد ﵀، قال: «ولكن يكون بقربها» (٣)؛ لأنه مَحْرَمُها. [١٠٦٥/ ٣٧] مسألة: (وهل يجب التفرق أو يستحب؟ يحتمل وجهين:) أحدهما: يجب؛ لأنه روي الأمر به عمن سمَّينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف (٤). والثاني: لا يجب؛ لأنه لا يجب التفرق في قضاء رمضان إذا أفسده بجماع، فكذا في الحج. (٥) [١٠٦٦/ ٣٨] مسألة: (وإن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه)؛ لأنها عبادةٌ لها تحلُّلان، فوجود المُفسد بعد الأول منهما لا يفسدها كالصلاة، (لكنه يمضي إلى الحِلِّ فيُحْرِم، ليطوف للزيارة بإحرامٍ صحيحٍ (٦). (وتلزمه بدنة (٧)؛ لأنه وطءٌ في الحج فوجبت به بدنةٌ كما قَبْلَ رميِ

стр. 952

جمرة العقبة. (وعنه: يلزمه: شاة (١)؛ لأنه وطءٌ لم يفسد الحج فلم يوجب البدنة كالوطء دون الفرج إذا لم يُنزل، ولأن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول فينبغي أن يكون موجَبُه دون موجَبِ الإحرام التام. (٢) (التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوةٍ، فإن فعل فأنزل فعليه بدنةً)؛ لأنه جماعٌ اقترن به الإنزال فأوجب بدنةً كما لو كان في الفرج. (٣) (وهل يفسد حجه بذلك؟ على روايتين:) إحداهما: لا يفسد؛ لأنه استمتاعٌ لا يجب بنوعه الحد، فلا يفسد به الحج كما لو لم ينزل. والأخرى: يفسد بذلك؛ لأنها عبادةٌ يفسدها الوطء فأفسدها الإنزال عن مباشرةٍ كالصيام. والأولى أصح؛ لأن الأصل عدم الفساد، ولا يصِحُّ قياس الوطء فيما دون الفرج على الوطء في الفرج، فإنه أعظم، ولذلك لا يختلف الحال فيه بين الإنزال وعدمه، ويجب بنوعه الحد ويتعلق به اثنا عشر حكمًا، فكيف يلحق به ما دونه! مع أن من شرط القياس التساويَ ولم يوجد.

стр. 953

ولا يصح قياسه على الصيام؛ لأنه يخالف الحج في المفسدات، ولذلك يفسد بالإنزال وبتكرار النظر والمذي إذا لمس أو قَبَّل، ويفسده الأكل والشرب وغيرهما، والحج لا يفسده إلا الوطء، فكيف يصح إلحاقه به! ولا حجة فيه من نصٍّ ولا إجماع، فلا يثبت فيه حكم الإفساد. (١) [١٠٦٧/ ٣٩] مسألة: (وإن لم ينزل لم يفسد حج) إجماعًا (٢). (والمرأة إحرامها في وجهها)، فيحرم عليها تغطية وجهها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه؛ لما روى البخاري أن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبَس القفازين» (٣). فأما إن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها ترسل الثوب من فوق رأسها على وجهها، قالت: عائشة ﵂: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جازوا كشفناه» رواه أبو داود (٤).

стр. 954

[١٠٦٨/ ٤٠] مسألة: (ويحرم عليها ما يحرم على الرجل، إلا في اللِّباس، وتظليل المَحْمِل (١)؛ وهذا صحيح، فإنَّ أَمْرَ النبي ﷺ المُحرِمَ باجتناب شيءٍ يدخل فيه الرجال والنساء، وما ثبت في الرجل فمثله في المرأة، لكن استثنى منه لبس المخيط والتظليل مبالغةً في ستر المرأة؛ لأنها عورةٌ كلها إلا وجهها، فتجردها يفضي إلى انكشافها، فأبيح لها هذا كما أبحنا عقد الإزار لحفظ العورة ولم يبح عقد الرِّداء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا (٢). وفي حديث ابن عمر ﵁: «أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القُفازين، والنِّقاب، وما مس الوَرس والزعفران من الثياب، ولتلبَس بعد ذلك ما أحَبَّت من ألوان الثياب: من مُعصفرٍ (٣)، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سَراويلَ، أو قميصٍ، أو خفٍّ» (٤)، وهذا صريحٌ، والمعنى باللباس ههنا: المخيط من القُمص، والدروع، والسراويلات، وما يستر الرأس، والخِفاف ونحو ذلك. [١٠٦٩/ ٤١] مسألة: (ولا تلبَس القُفّازين:) وهما شيءٌ يُعمل لليدين يُدخلان فيه من الخزِّ من خِرَقٍ أو جلودٍ (٥)، مثل الذي يُعمل لحمل

стр. 955

البُزاة (١)، فيَحرُم على المرأة لبسه في يديها في حال الإحرام؛ لما روى البخاري عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبَس القفازين» (٢). (فأما الخَلخال وما أشبهه من الحلي) مثل السِّوارين والدُّملجين (٣)، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبسه (٤)، وروي عن عطاءٍ أنه كان يكره للمحرمة الحرير والحلي (٥)، وكره قتادة السوارين والدُّملجين والخَلخال (٦)، ولم ير بأسًا بالخاتم والقُرط (٧). وظاهر مذهب أحمد ﵀ الرخصة في ذلك، قال في رواية حنبل: «تلبَس المحرمة الحلي، والمعصفر» (٨)، وهو قول ابن عمر وعائشة ﵄ (٩)، قال نافعٌ: «كن نساءُ ابن عمر وبناتُه يلبَسن الحلي والمعصفر وهن محرمات لا ينكر ذلك» (١٠)، وقد سبق في حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ في المرأة: «ولتلبَس بعد ذلك ما أحبت من معصفر، أو خز،

стр. 956

أو حلي» (١)، قال ابن المنذر: «لا يجوز المنع منه بغير حجةٍ» (٢). ويحمل كلام الخرقي على الكراهة؛ لما فيه من الزينة وشِبهِهِ بالكحل بالإثمد. (٣) [١٠٧٠/ ٤٢] مسألة: (ولا تكتحل بالإثْمِد)؛ لما روى مسلم عن جابر ﵁: «أن عليًّا ﵁ قدم من اليمن فوجد فاطمة ممن حلَّ، فلبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها. فقالت: أبي أمرني بهذا! فقال النبي ﷺ : صدقَت صدقَت» (٤)، وهذا يدل على أنها كانت ممنوعةً من ذلك، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت لامرأة: «اكتحلي بأي كحلٍ شئت غير الإثمد والأسود» (٥). فأما غير الإثمد فيجوز؛ لقول عائشة: «اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد». [١٠٧١/ ٤٣] مسألة: (ويجوز لها لبس المُعصفر، والكُحليِّ، والخضاب بالحناء)؛ لما روي عنه ﵇ في حديث ابن عمر ﵁: «أنه نهى النساء في إحرامهن عن القُفازين، والنقاب، وما مَسَّ الورس والزعفران، ولتلبَس ما أحبت من ألوان الثياب من معصفرٍ، أو خزٍّ» (٦)،

стр. 957

فيدخل فيه الكحلي وغيره من الأحمر والأخضر. وكذلك الحناء؛ لأن الأصل إباحته، ولأنه صبغ فلم يحرم عليها كلبس المعصفر. (١) [١٠٧٢/ ٤٤] مسألة: (والنظر في المرآة لهما جميعًا) يجوز إذا كان لحاجة، فأما للزينة فلا، قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن المحرم ينظر في المرآة. قال: إذا كان يريد به زينة فلا، قيل: فكيف يريد به زينة؟ قال: يرى شعرةً فيُسوّيها» (٢)، فكره له النظر فيها لإزالة الشَّعث والزينة؛ لأن في الحديث: «أن الله تعالى يباهي بأهل عرفة ملائكته فيقول: انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثًا غبرًا ضاحين» (٣). فإن نظر لحاجةٍ كمداوة جرحٍ، أو إزالة شعر ينبت في عينه، ونحو ذلك، فلا بأس به، ولا فدية في النظر فيها في الحالين، وإنما ذلك أدبٌ، فإن فعله فقد ترك الأدب ولا شيء فيه. * * *

стр. 958

باب الفدية (وهي ثلاثة أضربٍ: أحدها: ما هو على التخيير: وهو نوعان: أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدُّ برٍّ، أو نصف صاع تمرٍ أو شعيرٍ، أو ذبح شاةٍ، وهي فديةُ حلق الرأس، وتقليم الأظفار، وتغطية الرأس، واللُّبس، والطيب)، والأصل فيها قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحديث كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «لعلك يؤذيك هوامُّ رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمرٍ، أو انْسُك شاةً» متفق عليه (١)، فوردت الآية والخبر في حلق الرأس، وأما تقليم الأظفار، وتغطية الرأس، واللبس، والطيب، فمقيس على الحلق؛ لكونه من محظورات الإحرام، ويحصل به التَّرفه أشبه الحلق. (٢) (وعنه: يجب الدم إلا أن يفعله لعذرٍ فيُخَيَّر)؛ وقد سبق (٣).

стр. 959

(النوع الثاني: جزاء الصيد، فيخير فيه بين المثل، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم عن كل مدٍّ يومًا)، أما وجوب الجزاء في الصيد في الجملة فمجمع عليه (١)، ولقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. والصيد ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباحًا أكله، لا مالكَ له، ممتنعًا، قاله بعض أهل اللغة (٢)، فيخرج ما ليس بمأكولٍ: كسباع البهائم، والمملوك: كبهيمة الأنعام، فإن كان الصيد مملوكًا لآدمي ففيه الجزاء والقيمة لمالكه، ويختص ذلك بصيد البرِّ؛ لقوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما صيد البحر فحلالٌ؛ لقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ولا فرق بين ما في البحر والعيون والأنهار، وكل ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك وشِبهِه لا جزاء فيه بغير خلاف (٣). وكذلك ما كان يعيش في البر والغالب عليه البحر كالسُلَحْفاة والسَّرطان لا جزاء فيه؛ لأن الغالب عليه البحر فكان من صيده كالسمك. وما كان الغالب عليه البر إلا أنه يدخل الماء ويتصيد منه ففيه الجزاء؛ لأنه من صيد البر ويعيش فيه، وإنما يدخل البحر متكسِّبًا فهو كالصياد من الآدميين. إذا ثبت هذا فالمُتلَف من الصيد قسمان: ما له مثل، وما لا مثل له.

стр. 960

فأما ما له مثلٌ من النَّعم: وهي بهيمة الأنعام، فيجب فيه مثله، أو يُقوِّم المِثل بدراهم ويشتري بها طعامًا يطعم كل مسكينٍ مدًّا، أو يصوم عن كل مدٍّ يومًا؛ للآية. (١) (وأما ما لا مثل له فيخيَّر فيه بين الإطعام والصيام)؛ لأنه فات المِثل، فيجب فيه أحد الجزاءين الباقيين في الآية. وعن أحمد ﵀ أن جزاء الصيد على الترتيب (٢): فيجب المثل أولًا، فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، ونحوه عن ابن عباس ﵁ (٣)؛ لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا أوكد منه فإنه بفعلِ محظورٍ. (٤)

стр. 961

(الضرب الثاني: على الترتيب، وهو ثلاثة أنواعٍ: أحدها: دم المتعة والقِران، فيجب فيها الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعةٍ إذا رجع)؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولدم المتعة وقت وجوبٍ، ووقت إخراجٍ. أما وقت الوجوب فروى المَرُّوذي عن أحمد ﵀: أنه إذا وقف بعرفة (١)، وروى ابن القاسم (٢) عنه: أنه يجب إذا أحرم بالحج (٣)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا قد فعل ذلك؛ لأن ما جُعل غايةً فوجود أوَّله كافٍ كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ووجه الأولى أن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه، ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف، فإن النبي ﷺ قال: «الحج

стр. 962

عرفة» رواه الترمذي (١). (٢) وأما وقت إخراجه فيوم النحر؛ لأنه وقت الأضحيَّة، فكان وقتًا لدم التمتع، وهذا الفصل قد سبق ذكره في باب الإحرام (٣). [١٠٧٣/ ١] مسألة: (فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة، وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله (٤)، لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وقد نص الله سبحانه عليه في كتابه بقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وتعتبر القدرة في موضعه، فمتى عَدِمَه في موضعه جاز الانتقال إلى الصيام، وإن كان قادرًا عليه في بلده؛ لأن وجوبه مؤقتٌ، وما كان وجوبه مؤقتًا اعتبرت القدرة عليه في موضعه، كالماء في الوضوء إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب. ولكل واحدٍ من صوم الثلاثة الأيام والسبعة وقتُ جوازٍ ووقت استحباب:

стр. 963

فأما الثلاثة: فوقت الاستحباب لها أن يصومها ما بين الإحرام بالحج ويوم النحر، لقوله سبحانه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال ابن عمر وعائشة ﵄: «يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة» (١) (٢). فإن لم يحرم إلا يوم التروية صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة. وصوم يوم عرفة غير مستحب (٣) وإنما أحببناه ههنا لموضع الحاجة، ولأنه واجبٌ. (٤)

стр. 964

وأما وقت الجواز فأوله إذا أحرم بالعمرة؛ لأنه أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم بعده كإحرام الحج، ولأن الإحرام بالعمرة سبب الوجوب فجاز الصوم بعده وإن تخلَّف الوجوب كتقديم الزكاة بعد النصاب وقبل الحول، والكفارةِ بعد اليمين وقبل الحنث. (١) وأما السبعة: فلها أيضًا وقت اختيارٍ ووقت جوازٍ. أما وقت الاختيار: فإذا رجع إلى أهله؛ لأنه عملٌ بالإجماع، وأقرب إلى موافقة لفظ الأخبار، فإن ابن عمر ﵁ روى أن النبي ﷺ قال: «فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله» متفق عليه (٢). وأما وقت الجواز: فظاهر كلام أحمد ﵀ أنه إذا رجع من الحج إلى مكة، قال الأثرم: «سئل أحمد ﵀: هل يصوم في الطريق، أو بمكة، أو في أهله؟ قال: كيف شاء، كل قد تأوله الناس» (٣).

стр. 965

وقال ابن المنذر: «يصومها إذا رجع إلى أهله» (١)؛ لحديث ابن عمر ﵁ (٢). لنا: أن كل صومٍ لزمه وجاز فعله في وطنه جاز فعله قبل ذلك كسائر الفروض، وأما حديث ابن عمر فيحتمل أنه جوزَّ التأخير حتى يرجع إلى أهله رخصة، فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله كما جوزنا تأخير صوم رمضان في السفر والمرض، ولو صام جاز كذا ههنا. (٣) [١٠٧٤/ ٢] مسألة: (فإن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى)؛ لما روى البخاري عن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: «لم يرخَّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (٤)، وإطلاق الصحابي هذا اللفظ ينصرف إلى النبي ﷺ ، وهذا خاص، ولأن الله سبحانه أمر بصيام الثلاثة الأيام في الحج، ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام فيتعين الصوم فيها بأمر الله سبحانه، فتحمل أحاديث النهي عن صومها على النفل، كما تناول النهي عن الصلوات في بعض الأوقات على النفل دون الفرض، فإذا صام أيام التشريق لا دم عليه؛ لأنه صامها في الحج. (وعنه: لا يصومها، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام، وعليه دم (٥)، وإنما لم يصمها؛ لأن النبي ﷺ : «نهى عن صوم ستة أيام، ذكر منها أيام التشريق» رواه أبو هريرة ﵁ (٦)، وقال ﵇: «إنها أيام أكلٍ وشربٍ»

стр. 966

رواه مسلم (١). وروى أبو داود عن عمرو بن العاص ﵁: «أنه قرَّب إلى أبي مُرَّة مولى أم هانئ (٢) طعامًا فقال: كل. فقال: إني صائم. فقال له: كل، فإن هذه الأيام التي كان النبي ﷺ يأمر بإفطارها، وينهى عن صيامها» (٣)، قال مالك: «هي أيام التشريق» (٤)، ولأنها أيامٌ لا يجوز فيها صوم النفل، فلا يصوم فيها عن فرضٍ كيوم النحر، فإذا لم يصمها صام بعد ذلك عشرة أيام، وعليه دم؛ لأنه أخَّر الواجب من مناسك الحج عن وقته، فلزمه دمٌ كتأخير رمي الجمار. (وعنه: أن من ترك الصوم لعذرٍ لم يلزمه إلا قضاؤه)؛ لأنه صومٌ يجب قضاؤه أشبه صوم رمضان، (وإن تركه لغير عذر فعليه مع فعله دم (٥)؛ لأنه أخرَّ واجبًا من الحج لغير عذر فلزمه دمٌ كتأخير رمي الجمار. (٦)

стр. 967

(فأما الهدي إذا وجب عليه ثم أخرَّه لعذرٍ) مثل أن ضاعت نفقته، (فليس عليه إلا قضاء ذلك)؛ كسائر الهدايا الواجبة وكذا الصوم؛ لما سبق (١)، (وهو قول أبي الخطاب (٢). (٣) (وإن أخره لغير عذر ففيه روايتان: إحداهما: لا يلزمه إلا القضاء اختارها أبو الخطاب (٤)؛ لذلك. والأخرى: يلزمه دم آخر مع القضاء؛ لأن الدم في المتعة نسكٌ مؤقتٌ، فيلزم الدَّم بتأخيره عن وقته كرمي الجمار، قال أحمد ﵀ فيمن تمتع ولم يهدِ إلى قابل: «يهدي هديين» (٥)، كذا قال ابن عباس ﵁ (٦). (٧)

стр. 968

[١٠٧٥/ ٣] مسألة: (ولا يجب التتابع في الصيام) للمتعة: لا في الثلاثة، ولا في السبعة، بل إن شاء فرَّق، وإن شاء تابع، نص عليه (١)؛ لأن الأمر ورد بها مطلقًا، وذلك لا يقتضي الجمع ولا التتابع أشبه القضاء. والقارن كالمتمتع في وجوب الدَّم ولا فرق، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من فرَّق بين حجٍّ وعمرةٍ فلْيُهَريق دمًا» (٢)، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع. فإن عدم الدَّم فعليه صيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع كالمتمتع، قال ابن عبد البر: «القران نوعٌ من المتعة، وهو داخلٌ في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣)، وحكمه في الدم حكم المتمتع فيما ذكرناه». [١٠٧٦/ ٤] مسألة: (ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه ثم قَدَرَ على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه إلا أن يشاء)؛ لأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي، فإذا وجد الهدي لم يلزمه الخروج إليه كصوم السبعة. (وإن وجب عليه الصوم فوجد الهدي قبل أن يصوم فهل يلزمه الانتقال؟ على روايتين:) إحداهما: لا يلزمه الانتقال إليه؛ لأن الصيام استقر في ذمته، لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم

стр. 969

الهدي. والثانية: يلزمه؛ لأنه وجد المبدل قبل الشروع في البدل، أشبه ما لو وجده حال الوجوب. (١) (الثاني (٢): دم الإحصار: يلزم المُحصَرَ الهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثم حَلَّ)، متى حصره عدوٌّ فمنعه المضيَّ إلى البيت فله التحلُّل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأن النبي ﷺ حصره العدو بالحُديبية (٣) فتَحلَّلَ (٤)، ولأنه لو لزمه البقاء على الإحرام لحُرِّج؛ لأنه قد يبقى محصورًا سنين. وله أن يتحلَّل وقت الحَصر، سواءٌ كان معتمرًا، أو مفردًا، أو قارنًا. ثم إن كان قد اشترط وقت الإحرام فقال: «مَحِلّي من حيث حبستَني» فلا دم عليه ولا صوم؛ لما سبق في باب الإحرام (٥)، وإن لم يكن اشترط لم يَحِلَّ حتى يُهدي هديًا؛ لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويذبحه حيث أحصر. وعنه: إن قَدَرَ على الحرم أو على إرساله إليه لزمه ذلك، ويواطئ رجلًا على اليوم الذي يذبحه فيه فيَحِلُّ حينئذ (٦)؛ لأنه قادرٌ على الذبح في

стр. 970

الحرم أشبه المُحصر في الحرم. والأول أصح؛ لأن النبي ﷺ نحر هديه في الحديبية (١)، وهي من الحِلِّ باتفاق أهل السيرة، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولأنه موضع حِله فكان موضعَ ذبحه كالحرم. (٢) ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به؛ لأن الهدي يكون لغيره فلزمته النية لتَميزٍ بينهما. ثم يحلق؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا، فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية» (٣). فإن لم يجد هديًا صام عشرة أيامٍ ثم حلَّ؛ لأنه دمٌ واجبٌ للإحرام، فكان له بدلٌ ينتقل إليه كدم التمتع. ولا يَحِلُّ إلا بعد الصيام كما لا يَحِلُّ إلا بعد الهدي، فإن نوى التحلل قبله لم يَحِلَّ، وكان على إحرامه حتى يذبح أو يصوم، لأنه أقيم ههنا مقام أفعال الحج. (النوع الثالث: فدية الوطء تجب به بدنة، فإن لم يجد بدنة صام عشرة أيام، ثلاثةً في الحج وسبعةً إذا رجع كدم المتعة، وذلك لقضاء

стр. 971

الصحابة ﵃ به) ابن عمر، وعمر، وابن عباس ﵃، وقد سبق ذلك في الفصل الثامن في الجماع، ورواه الأثرم (١). (وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرةً، فإن لم يجد فسَبْعًا من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعامًا، فإن لم يجد صام عن كل مُدٍّ يومًا)، قياسًا على البدنة الواجبة في جزاء الصيد (٢). (وظاهر كلام الخرقي أنه مخيَّرٌ في هذه الخمسة، فبأيِّها كفَّر أجزأه (٣)؛ لأنه قال: «ومن وجبت عليه بدنة فذبح سَبْعًا من الغنم أجزأه» (٤)؛ لأن هذه الأمور تستوي في الأضاحي والهدايا، فاستوت في كفارة الوطء كخصال كفارة اليمين. وإن وطئ في العمرة فسدت، ودليل فسادها بالجماع أنه من محظورات الإحرام، فاستوى فيه ما قبل الطواف وبعده كسائر المحظورات (٥). وعليه شاة مع البدنة (٦)؛ لأنها عبادة لا وقوف (٧) فيها فلم تجب فيها

стр. 972

بدنة كما لو قرنها بالحج، ولأنها دون الحج فيجب فيها دونه. (ويجب على المرأة مثل ذلك إن كانت مطاوعةً)؛ لأنها أفسدت نسكها فلزمها ذلك كالرجل. وعنه: يجزئهما هديٌ واحدٌ (١)؛ لأنه جماعٌ واحدٌ أشبه ما لو أكرهها. (٢) (وإن كانت مكرهةً فلا فدية عليها)؛ لقوله: «عفي لأمتي عما استكرهوا عليه» (٣)، ولأنها معذورةٌ بالإكراه أو النوم أشبهت المكرهة على الوطء في الصيام، وتجب كفارةٌ واحدةٌ على الرجل وحده. (وعنه: يجب هديان (٤)؛ لأنه إفساد حج اثنين. (فعلى هذا يتحملها الرجل عنها)؛ لوجود الإفساد منه كما يتحمل نفقة قضائها. (٥)

стр. 973

(الضرب الثالث: الدماء الواجبة للفوات، أو لترك واجبٍ، أو للمباشرة في غير الفرج، فما أَوْجَبَ فيه بدنةً فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج)، على ما مر. (وما عداه فقال القاضي: «ما وَجب لترك واجبٍ ملحقٌ بدم المتعة» (١)، وهي منصوص عليها في كتاب الله سبحانه، (وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى). (٢) أما الفوات وأحكامه فسيأتي في باب الفوات والإحصار (٣). وأما ما يلزم لترك واجبٍ فسيأتي في باب الأركان والواجبات (٤). [١٠٧٧/ ٥] مسألة: (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة)؛ لما سبق (٥). (وإن لم ينزل فعلية شاة) وهكذا حكم التقبيل واللمس لشهوةٍ إذا لم ينزل؛ لأنه فعلٌ محرمٌ لم يُفسد الحج إجماعًا فوجبت به شاةٌ كالحلق. (وعنه: يجب بدنة) كما لو أنزل (٦).

стр. 974

[١٠٧٨/ ٦] مسألة: (وإن كرَّر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دمٌ، هل هو بدنةٌ أو شاةٌ؟ على روايتين:) إحداهما: بدنةٌ، روي ذلك عن ابن عباس ﵁ (١)، ولأنه إنزالٌ بفعلٍ محظورٍ أشبه الإنزال باللَّمس. والأخرى: تجب شاةٌ [أيضًا] (٢)، ولأنه محظورٌ لا يَفسُدُ الحج بجنسه، فأوجب الشاة كسائر محظوراته التي كذلك. (٣) [١٠٧٩/ ٧] مسألة: (وإن مَذي بذلك فعليه شاةٌ)، وعلَّل القاضي ذلك بأن المَذيَ جزءٌ من المنيِّ، وأنه حصل به التذاذٌ فهو كالقبلة، وروى حنبل في المناسك (٤) عن مجاهد: «أن مُحرمًا نظر إلى امرأته حتى أمذى، فقال له ابن عباس ﵁: «أهرق دمًا» (٥). [١٠٨٠/ ٨] مسألة: (وإن فكر فأنزل فلا شيء عليه)؛ لأن الفِكرة تعرض من غير إرادةٍ ولا اختيار، فلا يتعلق بها حكم كما قلنا في الصوم (٦).

стр. 975

(وإن كرَّر محظورًا من جنسٍ، مثل من حلق ثم حلق، أو وطئ ثم وطئ قبل التكفير عن الأول فكفارةٌ واحدة). وعنه: إن فَعَلَه لأسبابٍ مثل إن لبس أولَ النهار للبرد، ووسطَه للحر، وآخِرَه للمرض ففديات (١)؛ لأن أسبابه مختلفةٌ فأشبه الأجناس المختلفة. والأولى أولى؛ لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمانٍ على شيءٍ واحدٍ لأسبابٍ مختلفةٍ. (٢) [١٠٨١/ ٩] مسألة: (وإن كفر للأول لزمته للثاني كفارةٌ)؛ لأنه وطءٌ صادف إحرامًا لم يتحلل منه ولا أمكن تداخل كفارته في غيره، فوجبت به الكفارة كالوطء الأول، وأما إذا لم يكفر عن الأول فتتداخل كفاراته كما يتداخل حكم المهر والحد وكفارة اليمين بالله . [١٠٨٢/ ١٠] مسألة: (وإن قتل صيدًا بعد صيدٍ فعليه جزاؤهما، وعنه: لا يجب إلا في المرة الأولى (٣)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يوجب جزاءً. وعنه: إن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة، وإلا تداخل الجزاء (٤)؛

стр. 976

لأنها كفارةٌ تجب بفعل محظور في الإحرام فيتداخل جزاؤهما كاللبس والطيب. ودليل الأولى: أنها كفارةٌ عن قتلٍ، فاستوى فيها المبتدئ والعائد كقتل الآدمي، والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها، وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله. قال أحمد ﵀: «روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوا هل كان قَتَلَ قَبْلَ هذا أو لا» (١)، وإنما هذا يعني التخصيص، لتعظيم الإحرام ومكانه، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا يقتضي كل قاتلٍ، ولا يصِحُّ قياس الصيد على غيره؛ لأن جزاءه مقدرٌ به، ويختلف بصغيره وكبيره، ولو أتلف صيدين معًا وجب جزاؤهما معًا، فكذلك إذا تفرّقا، بخلاف غيره من المحظورات. (٢) [١٠٨٣/ ١١] مسألة: (وإن فعل محظورًا من أجناسٍ فعليه لكل واحدٍ فداؤه)؛ لأنها أجناسٌ مختلفةٌ فلم تتداخل كالأيمان والحدود. (وعنه: عليه فدية واحدة (٣)؛ لأن الكل محظورٌ أشبه اللُّبس في رأسه

стр. 977

وبدنه، وإن فعل ذلك دفعةً واحدةً ففديته واحدة؛ لذلك. (١) [١٠٨٤/ ١٢] مسألة: (وإن حلق، أو قلَّم، أو وطئ، أو قتل صيدًا عامدًا، أو مخطئًا، فعليه الكفارةُ، وعنه في الصيد: لا كفارة إلا في العمد)؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّداً﴾ [المائدة: ٩٥] فمفهومه أنه لا جزاء على الخاطئ، ولأن الأصل براءة ذمته فلا يَشغلها إلا بدليلٍ، ويتَخرَّج في الحلق مثله لذلك. ووجه الأولى قول جابر ﵁: «جعل رسول الله ﷺ في الضَّبُعِ يصيده المحرم كبشًا» رواه الترمذي (٢)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»،

стр. 978

وقال ﵇ في بيض النعام يصيبه المحرم: «ثمنه» (١)، ولم يفرِّق، رواهما ابن ماجه، ولأنه إتلافٌ، فاستوى عمده وسهوه كسائر المتلفات. (٢) [١٠٨٥/ ١٣] مسألة: (وإن لبس أو تَطيَّب أو غطَّى رأسه ناسيًا فلا كفارة فيه، وعنه: عليه الكفارة (٣)؛ لأنه هتك حرمة الإحرام، فاستوى عمده وسهوه كالحلق. ووجه الأولى عموم قوله ﵇: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤)، وروى يعلى بن أمية ﵁ (٥): «أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجِعْرانة (٦) وعليه جبَّةٌ وعليه أثر خلوقٍ، فقال: يا رسول الله، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» متفق عليه (٧)، فلم يأمره بالفدية مع مسألته عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائزٍ إجماعًا، فدل على أنه عَذَره بجهله، والجاهل كالناسي. (٨)

стр. 979

[١٠٨٦/ ١٤] مسألة: (ومن رفض إحرامه ثم فعل محظورًا فعليه فداؤه)، وليس عليه برفضه شيءٌ؛ لأنه مجرد نيةٍ لم تؤثر شيئًا، فإنه لا يَحِلُّ بذلك؛ لأن التحلل من الإحرام إنما يحصل بأحد ثلاثة أشياء: إما كمال أفعاله، وإما بالتَّحلل عند الحصر أو المرض ونحوه من الأعذار إذا اشترط، وما عدا هذا فليس له أن يَتَحلل به. فإذا نوى التَّحلل لم يَصِر حلالًا، ولم يفسد إحرامه بالرفض؛ لأنها عبادةٌ لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها برفضها، بخلاف سائر العبادات، ويكون باقيًا على حكم الإحرام تلزمه أحكامه، ويلزمه جزاء كل جنايةٍ جناها على الإحرام كما لو لم ينو رفضه. [١٠٨٧/ ١٥] مسألة: (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه)؛ لما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا ينضح (١) طيبًا» (٢)، وعنها قالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرمٌ» (٣)، وفي مسلم: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم» (٤)، وعنها: «كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك» (٥).

стр. 980

[١٠٨٨/ ١٦] مسألة: (١) (وليس له لبس ثوبٍ مطيَّبٍ)؛ لقوله ﵇: «لا يلبَس المحرم ثوبًا مسه ورسٌ ولا زعفران» (٢). [١٠٨٩/ ١٧] مسألة: (وإن أحرم وعليه قميصٌ، خلعه ولم يشقَّه)؛ لحديث يعلى بن أمية ﵁ وقد سبق (٣)، ولأن في شقِّ الثوب إضاعة ماليته، وقد نهى ﵇ عن إضاعة المال (٤). (فإن استدام لبسه فعليه الفدية)؛ لأن استدامة اللبس لبسٌ، فلزمته الفدية كما لو ابتدأ لبسه. [١٠٩٠/ ١٨] مسألة: (وإن لبس ثوبًا كان مطيبًا، وانقطع منه ريح الطيب، وكان بحيث إذا رش فيه الماء فاح منه ريحة فعليه الفدية)؛ لأنه لبس ثوبًا مطيبًا فأشبه ما لو كان ريحه ظاهرًا. (وكل هَدْيٍ أو إطعامٍ فهو لمساكين الحرم (٥)، إلا فِديةَ الأذى واللبس ونحوها فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر)، أما فدية الأذى فيجوز في الموضع الذي حلق؛ لأن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة ﵁ بالفدية في الحديبية (٦) ولم يأمره ببعثه إلى الحرم. وروى الأثرم في سننه عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر (٧):

стр. 981

«قال: كنت مع عثمان وعلي وحسين بن علي حجاجًا، فاشتكى حسين بن علي بالسقيا (١) فأومأ بيده إلى رأسه، فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسُّقْيا» (٢)، ولم يعرف لهم مخالف. (٣) وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعلٍ محظورٍ، كاللبس، والطيب، وقتل الصيد: «إن اضطر إلى سببها في الحِلِّ فهي كدم الحلق، في الجميع روايتان:» (٤) إحداهما: يفدي حيث وجد سببه؛ لأن سببه فعلُ محظورٍ في الحل أشبه فدية المحصر، والثانية: هو لمساكين الحرم؛ لقوله سبحانه: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والأَوْلى في جزاء الصيد أن يختص الحرم؛ لقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما وجب لترك نسكٍ أو فواتٍ فهو لمساكين الحرم؛ لأنه هديٌ وجب لترك نسك أشبه هدي القران. [١٠٩١/ ١٩] مسألة: (وأما الصيام فيجزئه بكل مكانٍ)، لا نعلم في هذا خلافًا (٥)، إلا في الصيام عن المتعة فإن قومًا اشترطوا فيه أن يرجع إلى أهله.

стр. 982

والأول أصح (١)؛ لقول ابن عباس: «الدم والطعام بمكة، والصيام حيث شاء» (٢)، ولأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكانٍ، بخلاف الهدي والإطعام فإن نفعه يتعدى إلى من يُعطاه، وأما الآية فإنما مقتضاها الرُّخصة لهم في تأخير الصيام إلى وقت الرجوع فلا يمنع ذلك من تعجيله كما لو صام رمضان في السفر. [١٠٩٢/ ٢٠] مسألة: (وكل دم ذكرناه يجزئُ فيه شاةٌ أو سُبُعُ بدنة)؛ لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. [١٠٩٣/ ٢١] مسألة: (ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة)؛ لما روى أبو الزبير عن جابر ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعةٍ، فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن» (٣). * * *

стр. 983

باب جزاء الصيد (وهو ضربان: أحدهما: له مثل من النَّعم، فيجب فيه مثله، وهو نوعان: أحدهما: قضت فيه الصحابة ﵃، ففيه ما قضت)، وجملته أن الصيد المحرَّم الذي يجب فيه الجزاء صيدُ البر، وهو ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباحًا أكله، لا مالكَ له، ممتنعًا، فيخرج منه: المحرَّم الأكل كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، وأن يكون وحشيًّا لا مالك له، فكل ما ليس بوحشي لا جزاء فيه كبهيمة الأنعام كلها. فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحَّش الإنسي لم يجب فيه الجزاء، ولذلك وجب الجزاء في الحَمام، إنسيًّا كان أو وحشيًّا، اعتبارًا بأصله. إذا ثبت هذا فما كان له مثلٌ من النعم، وهي الإبل والغنم، ففيه مثله؛ لقوله : ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وليس المراد حقيقةَ المماثلة، فإنها لا تتحقق بين النعم والصيود، لكن المماثلة من حيث الصورةُ، أو المشابهةُ من وجه، أو كونُه أقربَ بهيمة الأنعام به شَبهًا؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على وجوب المِثل، وإجماعهم حجَّةٌ، وقولهم متَّبعٌ؛ لقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١)،

стр. 984

وقال: «اقتدُوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر» (١)، ولأنهم أقرب إلى الصواب، وأَبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي. فقال عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية ﵃: (في النعامة: بدنة (٢)؛ لكونها تشبه البعير في خلقته وكان مثلًا لها، فيدخل في عموم النص. وحكم أبو عبيدة وابن عباس ﵄: (في حمار الوحش: ببدنة (٣). (٤)

стр. 985

(وفي بقرة الوحش: ببقرة)؛ روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١). (٢) (والأَيِّل (٣) فيه: بقرة) قاله ابن عباسرضي الله عنه (٤)، قال: أصحابنا (في الثَيْتَل والوَعِل: بقرة) مثل ما في الأَيِّل. (٥) (وفي الضَّبُع: كبش)، قضى به ابن عمر وابن عباس ﵄ (٦)، وروى جابر ﵁: «أن النبي ﷺ جعل في الضَّبُع يصيدها المحرم كبشًا» رواه
следующие страницы →