← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

«قال: كنت مع عثمان وعلي وحسين بن علي حجاجًا، فاشتكى حسين بن علي بالسقيا (١) فأومأ بيده إلى رأسه، فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسُّقْيا» (٢)، ولم يعرف لهم مخالف. (٣) وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعلٍ محظورٍ، كاللبس، والطيب، وقتل الصيد: «إن اضطر إلى سببها في الحِلِّ فهي كدم الحلق، في الجميع روايتان:» (٤) إحداهما: يفدي حيث وجد سببه؛ لأن سببه فعلُ محظورٍ في الحل أشبه فدية المحصر، والثانية: هو لمساكين الحرم؛ لقوله سبحانه: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والأَوْلى في جزاء الصيد أن يختص الحرم؛ لقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما وجب لترك نسكٍ أو فواتٍ فهو لمساكين الحرم؛ لأنه هديٌ وجب لترك نسك أشبه هدي القران. [١٠٩١/ ١٩] مسألة: (وأما الصيام فيجزئه بكل مكانٍ)، لا نعلم في هذا خلافًا (٥)، إلا في الصيام عن المتعة فإن قومًا اشترطوا فيه أن يرجع إلى أهله.

стр. 982

والأول أصح (١)؛ لقول ابن عباس: «الدم والطعام بمكة، والصيام حيث شاء» (٢)، ولأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكانٍ، بخلاف الهدي والإطعام فإن نفعه يتعدى إلى من يُعطاه، وأما الآية فإنما مقتضاها الرُّخصة لهم في تأخير الصيام إلى وقت الرجوع فلا يمنع ذلك من تعجيله كما لو صام رمضان في السفر. [١٠٩٢/ ٢٠] مسألة: (وكل دم ذكرناه يجزئُ فيه شاةٌ أو سُبُعُ بدنة)؛ لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. [١٠٩٣/ ٢١] مسألة: (ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة)؛ لما روى أبو الزبير عن جابر ﵁ قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعةٍ، فقيل له: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن» (٣). * * *

стр. 983

باب جزاء الصيد (وهو ضربان: أحدهما: له مثل من النَّعم، فيجب فيه مثله، وهو نوعان: أحدهما: قضت فيه الصحابة ﵃، ففيه ما قضت)، وجملته أن الصيد المحرَّم الذي يجب فيه الجزاء صيدُ البر، وهو ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباحًا أكله، لا مالكَ له، ممتنعًا، فيخرج منه: المحرَّم الأكل كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، وأن يكون وحشيًّا لا مالك له، فكل ما ليس بوحشي لا جزاء فيه كبهيمة الأنعام كلها. فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحَّش الإنسي لم يجب فيه الجزاء، ولذلك وجب الجزاء في الحَمام، إنسيًّا كان أو وحشيًّا، اعتبارًا بأصله. إذا ثبت هذا فما كان له مثلٌ من النعم، وهي الإبل والغنم، ففيه مثله؛ لقوله : ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وليس المراد حقيقةَ المماثلة، فإنها لا تتحقق بين النعم والصيود، لكن المماثلة من حيث الصورةُ، أو المشابهةُ من وجه، أو كونُه أقربَ بهيمة الأنعام به شَبهًا؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على وجوب المِثل، وإجماعهم حجَّةٌ، وقولهم متَّبعٌ؛ لقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١)،

стр. 984

وقال: «اقتدُوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر» (١)، ولأنهم أقرب إلى الصواب، وأَبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي. فقال عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية ﵃: (في النعامة: بدنة (٢)؛ لكونها تشبه البعير في خلقته وكان مثلًا لها، فيدخل في عموم النص. وحكم أبو عبيدة وابن عباس ﵄: (في حمار الوحش: ببدنة (٣). (٤)

стр. 985

(وفي بقرة الوحش: ببقرة)؛ روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١). (٢) (والأَيِّل (٣) فيه: بقرة) قاله ابن عباسرضي الله عنه (٤)، قال: أصحابنا (في الثَيْتَل والوَعِل: بقرة) مثل ما في الأَيِّل. (٥) (وفي الضَّبُع: كبش)، قضى به ابن عمر وابن عباس ﵄ (٦)، وروى جابر ﵁: «أن النبي ﷺ جعل في الضَّبُع يصيدها المحرم كبشًا» رواه

стр. 986

أبو داود (١). (وفي الغزال عنز)، في موطأ سويد: «أن عمر ﵁ قضى في الغزال بعنز» (٢)، وفي سنن سعيد: «أنه حكم في الظبي شاة» (٣)، ولأن الغزال شاةٌ وحشيَّةٌ، والعنز شاةٌ أهليه فوجبت فيه. (والثَّعلب) مقيسٌ على الغزال، ولأن جابرًا ﵁ قضى في الضبِّ بشاةٍ (٤)، ففي الثعلب بطريق الأولى. فإن قيل: فالثعلب حرامٌ ولا جزاء فيه، قلنا: فيه روايتان، إحداهما: هو حلالٌ، فأوجبنا فيه الفدية احتياطًا. (٥) (وفي الضبِّ جَدْيٌ (٦) قضى به عمر ﵁ (٧)، وعن أحمد (فيه شاة (٨)؛ لأن جابر بن عبد الله ﵁ وعطاء قالا فيه ذلك (٩). (١٠)

стр. 987

(وفي الوَبْر (١) جَفرةٌ (٢)، قاله القاضي (٣)، وقال مجاهد وعطاء: فيه شاة (٤). (٥) (وفي اليربوع جفرةٌ)، قال ذلك عمر ﵁ رواه سعيد بن منصور (٦)، وروي عن ابن مسعود ﵁، والجفرة: من أولاد المعز (ما أتى عليها أربعة أشهر) وفصلت عن أمها، والذكر جفر (٧). (٨) (وفي الأرنب عَناق)، قضى به عمر ﵁ في سنن سعيد (٩)، وقال

стр. 988

ابن عباس ﵁: «فيه حَمَلٌ» (١)، وقال عطاء: «فيه شاةٌ» (٢). والعَناق: الأنثى من ولد المعز في أول سنة، والذكر: جَدْي (٣). (وفي الحَمَام وهو: كل ما عَبَّ وهَدَر (٤)، شاة)، حكم بذلك عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ﵃ في حمام الحرم (٥). ولا فرق بين الحرم والإحرام في ذلك. والحمام كل ما عَبَّ الماء أي: يضع منقاره في الماء فيَكرعُ ولا يأخذ قطرةً قطرةً كالدَّجاج والعصافير، وإنما أوجبوا فيه الشاةَ؛ لشَبهه بها في أنه يَكرع الماء مثلها، ولا تشرب مثل شُرب سائر الطيور، قال أحمد في رواية ابن القاسم: «كل طير يعبُّ الماء مثل شرب الحمام ففيه شاة» (٦) فيدخل فيه: الفَواختُ، والوَراشين والشَّفانين، والقُمريُّ، والدُّبسي،

стр. 989

والقَطاة (١) لأن كل واحدٍ من هذه تسميه العرب حمامًا. (وقد رُوي عن الكِسائي (٢) أنه قال: «كل مُطوَّقٍ (٣) حمامٌ» (٤)، قال الشاعر (٥): وما هاجَ هذا الشَّوقَ إلا حمامةٌ … دعى (٦) ساقَ حرٍّ تَرحَةً وتَرنُّما فسمّى القُمريَّة حمامةً؛ لأنه قال: دعت ساقَ حُرٍّ، وساقُ حُرٍّ هو: ذَكرُ القَماري (٧)، وعلى هذا يكون الحَجل من الحمام؛ لأنه مطوق. وما ليس بحمامٍ ولكنه أكبر منه: كالحُبارى، والكُركي، والكَرَوان، والحَجل، والإوزُّ (٨)، والكبيرُ من طير الماء، ذكر أصحابنا فيه احتمالين:

стр. 990

أحدهما: وجوب القيمة؛ لأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير، لكن تركناه في بعضها لإجماع الصحابة. والثاني: فيه شاة؛ لأنه أكبر من الحمام، فإيجاب الشّاة في الحمام تنبيه على وجوبها فيه، وقد روي ذلك عن ابن عباس وجابر ﵄ أنهم قالوا: «في الحَجلة، والقَطاة، والحُبارى شاة شاة» (١). (٢) (النوع الثاني: ما لم تَقْضِ فيه الصحابة ﵃، فيُرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة)؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيحكمان فيه بأشبهِ الأشياء به من النَّعم من حيث الخِلْقةُ لا من حيث القيمةُ، بدليل أن قضايا الصحابة لم تكن بالمثل في القيمة. وليس من شرط الحَكَم أن يكون فقيهًا؛ لأن ذلك زيادةٌ على ما أمر الله به، وقد أمر عمر ﵁ أرْبَد (٣) أن يحكم في الضبِّ (٤)، ولم يسأل عنه هل هو فقيه أو لا. لكن تعتبر العدالة؛ لأنها منصوصٌ عليها، ولأنها شرطٌ في قبول القول على الغير في جميع الأماكن.

стр. 991

وتعتبر الخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمِثل إلا من له خبرةٌ. (ويجوز أن يكون القاتل أحدَ العدلين)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، والقاتل من عدولنا، وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن طارق بن شهاب قال: «خرجنا حُجّاجًا، فأوطأ رجل منّا يقال له أربد ضبًّا، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر فسأله أربد، فقال له: احكم يا أربد فيه. فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم. فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيَني! فقال أربد: أرى فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، قال عمر: فذلك فيه» (١)، فأمره عمر أن يحكم وهو القاتل، وأمر أيضًا كعب الأحبار ﵁ أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم (٢)، ولأنه مالٌ يخرج في حق الله، فجاز أن يكون من وجب عليه أمينًا فيه كالزكاة. قال أصحابنا: (في كبير الصيد كبيرٌ مثله من النعم، وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب مثله)، قال مالك: «في المعيب صحيحٌ، وفي الصغير كبيرٌ» (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولأنها كفارةٌ متعلقةٌ بقتل حَيَوانٍ فلم يختلف بصغره وكبره ككفارة قتل الآدمي. ولنا: قوله سبحانه: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ومثل الصغير صغير، والهدي في الآية مقيدٌ بالمثل، وقد أجمع الصحابة على

стр. 992

الضَّمان بما لا يصلح هديًا كالجفرة في اليربوع، والعناق في الأرنب، والجدي في الضب، وأما كفارة الآدمي فليست بدلًا عنه، ولا تجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنها لا تتبعض في أبعاضه. (١) [١٠٩٤/ ١] مسألة: (ويَفدي الماخِضَ (٢) بقيمة مثلها)، قاله القاضي (٣)؛ لأن قيمتها أكثر من قيمة لحمها. (قال أبو الخطاب: «يجب فيها مثلها» (٤)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه وهو خلاف النص. (٥) [١٠٩٥/ ٢] مسألة: (ويجوز أن يَفدِيَ أَعورَ من عينٍ بأعورَ من أخرى)؛ لأنه اختلافٌ يسيرٌ. [١٠٩٦/ ٣] مسألة: (ويجوز فداء الذَّكر بالأنثى) قاله أصحابنا، لأن لحمها أطيب. (وإن فدى الأنثى بالذكر احتمل أن يجوز)؛ لأن لحمه أكثر، ولحمها

стр. 993

أرطب، فتساويا. (واحتمل أن لا يجوز) كما لا يجوز في الزكاة. (١) (الضرب الثاني: ما لا مِثل له: وهو سائر الطير، إلا ما كان أكبر من الحمام) كالحُبارى والكُرْكي (هل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين:)، سبق توجيههما في النوع الأول (٢). ويَفدي سائرَ الطَّير الذي لا مثل له بقيمته في موضعه، أي: المكان الذي أتلفه فيه، ولا خلاف بينهم في وجوب ضمان الصيد من الطيور (٣)، وهو الوحشي المباح أكله إلا ما حكي عن داود (٤): «لا يُضمن ما كان أصغر من الحمام» (٥)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. ولنا: قوله سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، يعني: الفَرخ، والبيض، وما لا يقدر أن يفرَّ من صغار الصيد، ﴿ورماحكم﴾

стр. 994

[المائدة: ٩٤]، يعني: الكبار (١)، وروي عن عمر وابن عباس ﵄ أنهما حكما في الجراد بالجزاء (٢)، روى سعيد في سننه عن عمر ﵁ أنه قال: «في الجراد تمرة» (٣)، وقال ابن عباس ﵁: «قبضةٌ من طعام، وعبد الله ابن عمر ﵁: «في الجرادة تمرة» (٤)، والآية اقتضت وجوب الجزاء فيما له مِثلٌ، وما لا مِثل له وجب بدليل آخر، والواجب في ضمان غير الحمام من الطير قيمته، وهذا هو الأصل في الضمان، بدليل سائر المضمونات من الأموال، لكن تركنا هذا الأصل في الدوابِّ والحمام لدليلٍ هو أقوى منه، ففيما عدا ذلك يجب القيمة بقضية الأصل. وتعتبر القيمة في موضع إتلافه، كما لو أتلف مال آدمي قوِّم في موضع الإتلاف، كذا ههنا. [١٠٩٧/ ٤] مسألة: (وإن أتلف جزءًا من صيدٍ وجب ضمانه)؛ لأن جملته مضمونةٌ، فكان بعضه مضمونًا كالآدمي والأموال، ولأن النبي ﷺ قال: «لا يُنفَّر صيدها» (٥)، فالجَرح أولى بالنهي عنه، والنهي يقتضي التحريم، وما كان محرَّمًا من الصيد وجب ضمانه كنفسه. (ويضمنه بما نَقَصَ من قيمته إن كان مما يضمن جميعه بالقيمة، وإن كان مما يضمن بمثله ضمنه بقيمة مثله) اعتبارًا بما يضمن به الجملة. [١٠٩٨/ ٥] مسألة: (وإن نفَّر صيدًا فتَلِفَ بشيءٍ ضمنه)؛ لأنه تَلِفَ بسببه، وروى الشافعي في مسنده عن عمر ﵁: «أنه دخل دار الندوة، فألقى رداءه على واقفٍ في البيت، فوقع عليه طيرٌ من هذا الحمام،

стр. 995

فأطاره فانتهزته حيَّةٌ فقتلته، فقال لعثمان بن عفان ونافع بن عبد الحارث (١): إني وجدت في نفسي أني أطرته من منزلٍ كان فيه آمنًا إلى موقعٍ كان فيها حتفه! فقال نافع لعثمان: كيف ترى في عنزٍ ثنيةٍ عفراء تحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال عثمان: أرى ذلك. فأمر بها عمر ﵁» (٢). [١٠٩٩/ ٦] مسألة: (وإن جرحه فغابَ ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه) إن كانت الجراحة غير مُوَحِّيَةً، ولا يلزمه ضمان جميعه؛ لأنّا لا نعلم حصول التَّلف بفعله، فلم يضمن، كما لو رَمى سهمًا إلى صيدٍ فلم يعلم هل وقع به أو لا. (وكذا الحكم إذا وجده ميتًا، ولم يعلم أمات من جنايته أم من غيرها)؛ لذلك. وإن كانت الجراحة مُوَحِّيَةً، وهي ما لا يعيش معها غالبًا، فعليه ضمان جميعه كما لو قتله. [١١٠٠/ ٧] مسألة: (وإن اندمل غير ممتنعٍ فعليه جزاء جميعه)؛ لأنه عطَّله، فصار بمنزلة المُتلَف. [١١٠١/ ٨] مسألة: (وإن نَتَف ريشه فعاد فلا شيء عليه)؛ لأن النَّقص زال فأشبه ما لو اندمل الجرح.

стр. 996

(وقيل: عليه قيمة الرِّيش)؛ لأن الثاني غير الأول. (١) فإن صار غير ممتنعٍ بنتف ريشه واندمل غير ممتنعٍ فعليه جزاء جميعه كالجرح، فإن غاب غير مندملٍ ففيه ما نقص كالجرح سواء. [١١٠٢/ ٩] مسألة: (وكلما قتل صيدًا حُكم عليه)؛ لأنه قتل صيدًا في إحرامه، فحكم عليه كالأول، ولأن الصحابة ﵃ حكموا في الصيد ولم يستفصلوا السائل هل قتل صيدًا أو لا؟ وقد سبق ذلك فيما إذا قتل صيدًا بعد صيد، والمسألتان واحدة. [١١٠٣/ ١٠] مسألة: (وإن اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ فعليهم جزاءٌ واحدٌ (٢)، وعنه: على كل واحدٍ جزاءٌ (٣)، وعنه: إن كفَّروا بالمال فكفارةٌ واحدةٌ، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحدٍ كفارةٌ (٤). دليل الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والجماعة قد قتلوا صيدًا فيجب عليهم مثله، والزائد خارجٌ عن المِثل فلا يجب، ومتى ثبت اتحاد الجزاء في الهدي وجب اتحاده في الصيام، لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]، والاتفاق حاصلٌ على أنه معدول بالقيمة، إما قيمة المتلف، وإما قيمة مثله، فإيجاب زيادةٍ على القيمة تكون خلافًا للنص، ولأن ذلك قد روي عن عمر وابن عباس وابن عمر ﵃ (٥)، ولأنه جزاءٌ عن مقتولٍ

стр. 997

يختلف باختلافه فكان واحدًا كالدية، أو كما لو كان القاتل واحدًا، أو بُدِّلَ المحل فاختلف باختلافه كالدية. ودليل الرواية الثانية: أنها كفارة قتلٍ يدخلها الصوم أشبهت كفارة قتل الآدمي. ودليل الرواية الثالثة: أن الصوم كفارةٌ، فتكمَّل على كل واحدٍ، ككفارة قتل الآدمي، والهدي ليس بكفارةٍ؛ لأنه عطف الكفارة عليه، وإنما هو بدل للمتلف فلا تكمَّل كالدية. والأولى أصح، والقياس على كفارة قتل الآدمي لا يصح؛ لأنها لا تتبعض في أبعاضه، ولا تختلف باختلافه، فلا تتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا. (١) * * *

стр. 998

باب صيد الحرم ونباته حدُّ الحرم: من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على سبعة أميال، ومن طريق الجِعْرانة تسعة، ومن طريق عرفة سبعة، ومن طريق جُدَّة عشرة. (والحرم حرام على الحلال والمحرم)؛ لقوله ﵇ في حديث ابن عباس ﵁ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يَحِلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُختَلى خَلاها ولا يُعْضَدُ شوكُها، ولا ينفَّرُ صيدها، ولا تُلتقطُ لُقَطَتَها إلا من عرَّفها، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذْخِرَ فإنه لقَيْنِهم وبيوتهم، فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذْخِرَ» متفق عليه (١)، وفي رواية الأثرم: «لا يَحتشُّ حشيشَها، ولا يصيد صيدها» (٢)، وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم (٣). [١١٠٤/ ١] مسألة: (ومن أتلف من صيده شيئًا فعليه ما على المحرم في مثله)، وكل ما يُضمن في الإحرام يُضمن في الحرم؛ لأن الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم بشاةٍ شاةٍ، روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس (٤)، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون إجماعًا، ولأنه

стр. 999

صيدٌ ممنوع منه بحق الله سبحانه، أشبه الصيد في حق المحرم. [١١٠٥/ ٢] مسألة: (وإن رمى الحلالُ من الحلِّ صيدًا في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيدًا على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائرًا في الحل فهلك فراخه في الحرم، ضمن في أصح الروايتين)؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يُنفَّر صيدها» (١) ولم يفرق، فمن صاد من الحرم بكلبه، أو سهمه، أو عن فَزع في الحرم، فقد نفَّر الصَّيد وصاده، وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم، وهذا من صيده، ولأن صيد الحرم معصومٌ بمحلِّه لحرمة الحرم، فلا يختص تحريمه بمن في الحرم. وحكى أبو الخطاب عنه رواية أخرى في جميع ذلك: أنه لا جزاء فيه (٢)، لأن المُتلِف له في الحلِّ، فلم يضمنه كما لو كان الصيد في الحلِّ. (٣) [١١٠٦/ ٣] مسألة: (فإن انعكست الحال فقتل من الحرم صيدًا في الحلِّ بسهمه، أو كلبه، أو رمى صيدًا على غصنٍ في الحلِّ أصله في الحرم، أو أمسك حمامةً في الحرم فهلك فِراخُها في الحلِّ، لم يضمن في أصح الروايتين)، وذلك لأن مفهوم قوله ﵇: «لا ينفَّر صيدها» يفهم منه إباحة الصيد في غيرها، ولأنه صيدٌ غير معصومٍ بالحرم، والصائد له

стр. 1000

غير محرِمٍ، فلم يحرُمْ كما لو كان في الحلِّ، ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو الصيد في الإحرام، وهذا ليس بواحدٍ منهما. والرواية الأخرى: يضمن، لأن المُتلِفَ في الحرم، فضمن كما لو كان الصيد في الحرم. (١) [١١٠٧/ ٤] مسألة: (وإن أرسل كلبه من الحلِّ على صيدٍ في الحِلِّ فقتل صيدًا في الحرم، فعلى روايتين: (٢) إحداهما: لا جزاء عليه؛ لأنه إنما أرسل الكلب على صيدٍ يباح إرساله عليه، ودخوله إلى الحرم لم يكن عن اختياره، فإن الكلب له قصدٌ واختيارٌ، ولهذا يسترسل بنفسه، وهكذا الحكم إذا أرسله على صيدٍ في الحلِّ فدخل فقتل آخر في الحرم. والرواية الأخرى: إن كان الصَّيد بقرب الحرم ضَمن، وإن كان بعيدًا لم يضمن، لأنه إذا كان قريبًا فهو مفرِّطٌ؛ لأن الظاهر أنه يدخل الحرم، بخلاف البعيد. ولا يؤكل بحالٍ؛ لأنه صيدٌ حرميٌّ، قال أبو بكر: «عليه الضمان بكل حال» (٣)؛ لذلك. (٤)

стр. 1001

(وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه)؛ لأنه قتل صيدًا حرميًّا، فهو كما لو رمى حجرًا فقتل صيدًا، ولأن الخطأ والعمد واحدٌ في وجوب الضمان، بخلاف مسألة الكلب؛ لأن له اختيارًا، والسهم لا اختيار له. (١) (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشِه، إلا اليابسَ، وما زرعه الآدميُّ)، أجمعوا على تحريم قطع شجر الحرم (٢) (وعلى إباحة الإذْخِر)؛ لحديث ابن عباس ﵁ في أول الباب، وعلى إباحة أخذ ما زرعه الآدميون، قاله ابن المنذر (٣)، وهذا فيما كان من الزروع والبقول. فأمّا ما ينبتونه من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل: «له قطعه من غير ضمان كالزرع» (٤)، وقال القاضي: «ما ينبت في الحل ثم غُرس في الحرم فلا جزاء فيه، وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء، سواءٌ أنبته الآدميون أم لم ينبتوه» (٥).

стр. 1002

وقيل: فيه الجزاء بكل حالٍ؛ لعموم قوله: «لا يعضد شجرها»، ويحتمل اختصاص التحريم بالشجر البري دون [الجويّ] (١)، كما خُصَّ التحريم بالحيوان الوحشي دون الإنسي. (٢) [١١٠٨/ ٥] مسألة: (وفي جواز الرَّعي وجهان:)، أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما حَرُم إتلافه لا يجوز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصَّيد. والآخر: يجوز؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل أنه كانت تُشد أفواهها، ولأن بهم حاجةً إلى ذلك أشبه قطع الحشيش. (٣) [١١٠٩/ ٦] مسألة: (ومن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرةٍ، والصغيرة بشاةٍ)؛ لما روى حنبل في المناسك بإسناده عن أبي هشيمة (٤) قال: «رأيت عمر بن الخطاب أمر بشجرٍ كان في المسجد يضرُّ بأهل الطواف فقُطع وفداه. قال: وذكروا البقر»، وبإسناده عن عطاء قال: «في الدَّوحة من دوح الحرم بقرة» (٥)، وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ قال: «في الجَزلة شاةٌ» (٦)، والدَّوحة: هي الشجرة العظيمة (٧)، ولأنه ممنوعٌ من

стр. 1003

إتلافه لحرمة الحرم فكان مضمونًا كالصيد. (١) [١١١٠/ ٧] مسألة: (ويضمن الحشيش بقيمته) كما يضمن صغار الصيد بقيمته، (ويضمن الغصن بما نقص). (٢) (فإن استَخْلَف فهل يسقط الضمان فيهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط) كشعر الآدمي وسِنِّه. والآخر: يضمنه؛ لأنه أتلفه. (٣) ويحتمل أن يسقط ضمان الحشيش بكل حالٍ؛ لأن الغالب أنه يَستخلِف، والأغصان بخلافه، فأشبه ما لو قلع سنَّ من لم يُثغِر (٤). [١١١١/ ٨] مسألة: (وإن قطع غُصنًا في الحلِّ أصله في الحرم ضَمِنه)؛ لأن الفرع تابعٌ لأصله، فيتبعه في حكمه. (وإن قطعه في الحرم وأصله في الحلِّ لم يضمنه في أحد الوجهين)؛ لذلك.

стр. 1004

والآخر يضمنه: لأنه في الحرم. (١) (ويَحرم صيد المدينة، وشجرُها، وحشيشُها، إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرَّحل، والعارضة، والقائمة (٢) ونحوها، ومن حشيشها للعلف)؛ لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المدينة حرمٌ ما بين عَيْر إلى ثَور (٣) متفق عليه (٤)، وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرامٌ» (٥)، وقال أبو هريرة: ﵁ «لو رأيت الظِّباء تَرتَع بالمدينة ما ذَعرتُها» (٦)، واللّابة: الحرَّة، وهي أرضٌ فيها حجارةٌ سودٌ، وروى تحريم المدينة علي وأبو هريرة ورافع بن خديج وعبد الله ابن زيد ﵃، متفق على أحاديثهم (٧)، ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس ﵃ (٨) وهذا يدل على تعميم البيان.

стр. 1005

وروى أنس ﵁: أن النبي ﷺ أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرَّم إبراهيم مكة»، وفي لفظٍ: «لا يقطع شجرها» متفق عليه (١)، وفي لفظ: «نهى أن يُعضد شجرها، أو يؤخذ طيرها» (٢). فأما ما تدعو الحاجة إليه للمَساند، والوسائد، والرَّحل، والحشيش للعلف، فيجوز أخذه؛ لما روى الإمام أحمد في مسنده: «أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله: إنّا أصحابُ عملٍ وأصحاب نَضحٍ، وإنّا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخِّص لنا، فقال: القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمَسَدُ، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يُخبط منها شيءٌ» (٣)، المَسَدُ: مِروَدُ البَكرة (٤)، استثناه كاستثنائه الإذْخِرَ بمكة. وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «المدينة حرامٌ ما بين عير إلى ثورٍ، لا يُختَلى خَلاها، ولا ينَفَّر صيدها، ولا يَصْلُح أن يقطع منها شجرةٌ، إلا أن يعلف رجلٌ بعيره» (٥)، وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُخبط ولا يعضد حِمى رسول الله ﷺ ، ولكن يُهش هشًّا رفيقًا» رواهما أبو داود (٦)، ولأن المدينة يَقرب منها شجرٌ وزرعٌ فلو منعنا من

стр. 1006

احتشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضَّرر، بخلاف مكة. [١١١٢/ ٩] مسألة: (ومن أدخل إليها صيدًا فله إمساكه وذبحه)، نصَّ عليه؛ لأنه قد صَحَّ أن النبي ﷺ كان يقول: «يا أبا عُمَير ما فعل النُّغَير؟» (١)، وهو طائرٌ صغيرٌ، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك. [١١١٣/ ١٠] مسألة: (ولا جزاء في صيد المدينة)؛ لأنه مَوضِعٌ يجوز دخوله بغير إحرامٍ، فلم يجب فيه جزاءٌ كصيد وجٍّ (٢). (وعنه: فيه الجزاء (٣)؛ لأن النبي ﷺ حرَّمه كما حرَّم إبراهيم مكة، فوجب فيه الجزاء كما وجب في حرم مكة. (٤) إذا ثبت هذا فجزاؤه (سَلَبُ القاتل)؛ لما روى مسلم عن عامر بن سعد (٥) أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو

стр. 1007

يخبطه فسَلبَه، فلما رجع سعدٌ جاءه أهل العبد فكلموه أن يردَّ على غُلامهم أو عليهم. فقال: معاذ الله أن أردَّ شيئًا نَفَّلنيه رسول الله ﷺ ، وأبا أن يرد عليهم» (١)، وروى أبو داود عن سعد أن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: «من أخذ أحدًا بصيدٍ فيه فليَسلُبْه» (٢)، فعلى هذا يكون الجزاء سَلبُ القاتل للصيد، أو قاطع الشجر فيأخذ ثيابه كلها حتى سراويله (٣). [١١١٤/ ١١] مسألة: (وحدُّ حَرمها ما بين ثَورٍ إلى عَيرٍ)؛ لحديث علي ﵁ في أول الفصل. (وجعل رسول الله ﷺ حول المدينة اثنى عشر ميلًا حمى)، لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ جعل حول المدينة إثنى عشر ميلًا حمى» (٤)، قال أحمد: «ما بين لابتيها حرام، بريد في بريد، كذا فسَّره مالك بن أنس (٥)». (٦).

стр. 1008

باب ذكر دخول مكة (١) (يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثَنِيَّةِ كَداءٍ (٢)؛ لما روى ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَداءٍ من الثَّنية العلياء التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى»، وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها» متفق عليهما (٣). (ثم يدخل المسجد من باب بني شَيبة (٤)؛ لأن النبي ﷺ دخل منه (٥)،

стр. 1009

وفي حديث جابر ﵁ رواه مسلم: «أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ودخل المسجد» (١). (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبَّر)؛ لما روى ابن المنذر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُرفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين» (٢)، ولأن الدعاء يستحب عند رؤية البيت، وقد أُمِرَ برفع اليدين عند الدعاء. (ويستحب أن يدعو) بما روى الشافعي في مسنده بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: («اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام (٣)، وروى بإسناده عن ابن جريج أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: (اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًا)، وزد من شرَّفه وكرَّمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا (٤). ذكر الأثرم هذا الدعاء وزاد فيه: (الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما

стр. 1010

هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلَّغني بيته ورآني أهلًا لذلك، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت (١)، ويرفع بذلك صوته) قاله أصحابنا (٢). (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرًا، وطوافِ القدوم إن كان مفرِدًا أو قارنًا)، وذلك لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت متفق عليه (٣)، ولأن الطواف تحية المسجد فاستحب البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد، وينوي المتمتع به طواف العمرة، وينوي المفرد والقارن طواف القدوم. [١١١٥/ ١] مسألة: (ويسن الاضطباع فيه: وهو أن يجعل وَسَط الرِّداء تحت منكبه الأيمن ويتركه مكشوفًا ويرد طرفيه على منكبه الأيسر)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطِهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» رواه أبو داود (٤). والاضطباع: مأخوذٌ من الضَّبْع، وهو عَضُد الإنسان، افتعال منه، كان أصلُه الاضتباع، فقلبوا التاء طاءً، ومتى وقعت التاء بعد ضاد أو صاد أو طاء قلبت طاءً (٥). [١١١٦/ ٢] مسألة: وهو مستحب في طواف القدوم؛ لما روى أبو

стр. 1011

داود «أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا» (١)، ولحديث ابن عباس أيضًا (٢). وأنكره مالك وقال: «ليس بسنَّةٍ» (٣). وما ذكرناه أولى؛ لحديث ابن عباس ﵁، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وقال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وروى مسلم (٤) عن عمر ﵁ أنه اضَّطبع ورمل (٥)، وقال: «ففيم الرَّمل ولِمَ نُبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين، بلى لن ندع شيئًا فعلناه على عهد رسول الله ﷺ » أخرجه أبو داود (٦). [١١١٧/ ٣] مسألة: (ثم يبتدئ من الحَجَر الأسود، فيحاذيه بجميع بدنه)؛ ليستوعب جميع البيت بالطواف. (ثم [يستلمه] (٧) ويقبِّله)، لما روى أسلم (٨) قال: «رأيت عمر بن

стр. 1012

الخطاب قَبَّل الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قَبَّلك ما قبلتك» متفق عليه (١). (وإن شاء استلمه وقبَّل يده)؛ لما رُوي «أن النبي ﷺ استلمه وقبَّل يده» رواه مسلم (٢). (وإن شاء أشار إليه)؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ طاف على بعيرٍ، كلما أتى الركن أشار إليه وكبَّر» (٣). ويستحب أن (يقول عنده) ما روى عبد الله بن السائب ﵁ أن النبي ﷺ قال عند استلامه: «باسم الله، والله أكبر، إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك» (٤). (٥) ([ومن طاف] (٦) راكبًا أو محمولا أجزأه (٧)، أما الطَّواف راكبًا لعذرٍ فلا خلاف في صحته وإجزائه (٨)، فإن ابن عباس ﵁ روى: «أن النبي

стр. 1013

ﷺ طاف في حجة الوداع على بعيرٍ يستلم الركن بمحجن»، وعن أم سلمة ﵂ قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» متفق عليهما (١)، ولأن الله سبحانه أمر بالطواف بالبيت مطلقًا، والراكب طائفٌ به. والركوب في السعي أسهل منه في الطواف؛ لتأكد الطواف وتعلقه ببيت الله سبحانه، وقد سعى النبي ﷺ راكبًا، قال جابر ﵁: «طاف النبي ﷺ على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس، وأشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس غَشَوه» (٢). وأما الطواف راكبًا أو محمولا لغير عذرٍ ففيه ثلاث رواياتٍ: إحداها: لا يجزئه؛ لقول النبي ﷺ : «الطواف بالبيت صلاةٌ» (٣)، ولأنها عبادةٌ تتعلق بالبيت فلم يَجُز فعلها راكبًا لغير عذرٍ كالصلاة. والثانية: يجزئه ذلك وقد ترك الأفضل، لأن النبي ﷺ طاف راكبًا (٤)، قال ابن المنذر: «لا قول لأحد مع فعل النبي ﷺ » (٥)، ولأن الله سبحانه أمر بالطواف مطلقًا، فكيفما طاف أجزأه. والثالثة: يجزئه ويجبره بدمٍ. ومن قال بالأولى اعتذر عن فعل النبي ﷺ بأنه كان لعذرٍ، فإن ابن عباس ﵁ روى أن النبي ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا

стр. 1014

محمد!، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يُضرَب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب» رواه مسلم (١)، وفي حديث جابر ﵁: «فإن الناس غشوه» (٢)، وروي عن ابن عباس ﵁: «أن رسول الله ﷺ طاف راكبًا لشكاةٍ به» (٣)، فلو صَحَّ هذا الحديث لم يبق إشكالٌ؛ لكن الأحاديث الأُوَلَ أثبت منه، فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدَّة الزحام عذرًا، ويحتمل أن النبي ﷺ قصد تعليم الناس مناسكهم، ولم يتمكن من ذلك إلا بالركوب. (٤) [١١١٨/ ٤] مسألة: (ولا يجزئ عن الحامل)؛ لأنه لا يخلو: إما أن يقصدا جميعًا بالطواف عن المحمول، فيقع عنه دون الحامل بغير خلاف نعلمه (٥)، أو يقصدا جميعًا عن الحامل، فيقع عنه أيضًا دون المحمول، أو يقصد كل واحدٍ منهما الطواف عن نفسه، فإنه يقع عن المحمول دون الحامل؛ لأنه طواف أجزأ عن المحمول فلا يقع للحامل، كما لو نويا أن الطواف للمحمول، ولأنه طوافٌ واحدٌ فلا يقع عن شخصين. (٦) [١١١٩/ ٥] مسألة: (وإن طاف مُنكَّسًا، أو على جدار الحِجْر، أو شاذَروان الكعبة (٧)، أو ترك شيئًا من الطواف وإن قلَّ، أو لم ينوه لم

стр. 1015

يجزه)، وذلك لأن الترتيب شرطٌ من شرائط الطواف، وهو أن يطوف على يمينه، فإن نَكَّسه لم يجزه؛ لأن النبي ﷺ جعل البيت على يساره في طوافه وقال: «خذوا عنّي مناسككم» (١). وأما إذا طاف على جدار الحِجْر، أو شاذَروان الكعبة، لم يُجزِه؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهذا يقتضي الطواف بجميعه، والحِجرُ منه لقوله ﵇: «الحِجرُ من البيت» متفق عليه (٢)، فإذا طاف على شاذَروان الكعبة لا يجزئه؛ لأنه لا يكون طائفًا بجميع البيت فلا يجزئه لذلك. وأما إذا ترك شيئًا من الطواف وإن قلَّ لم يُجزِه؛ لأن النبي ﷺ طاف سبعًا فيكون تفسيرًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فيكون هو الطوافَ المأمورَ به، وقد قال ﵇: «خذوا عني مناسككم» (٣). والنِّية شرطٌ لصحة الطواف، فإذا تركها لا يجزئه؛ لأنها عبادةٌ محضةٌ فأشبهت الصلاة. [١١٢٠/ ٦] مسألة: (وإن طاف محدِثًا أو نجِسًا أو عُريانًا لم يُجزِه (٤)؛ لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الطواف بالبيت صلاةٌ إلا أن الله أباحكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخيرٍ» رواه الترمذي (٥).

стр. 1016

[١١٢١/ ٧] مسألة: ومن شرط صحة الصلاة السُترة والطهارة من الحدث والنَّجس جميعًا، وقال ﵇: «لا يطوف بالبيت عُريانٌ» متفق عليه (١)، ولأنها عبادةٌ تتعلق بالبيت فاشترط فيها ذلك كالصلاة. وعنه فيمن طاف للزيارة ناسيًا لطهارته حتى رجع: فحجُّه ماضٍ ولا شيء عليه (٢)، وهذا يدل على أنها تسقط بالنسيان. وعنه فيمن طاف للزيارة غير متطهرٍ: أعاد ما كان، فإذا رجع جَبره بدمٍ (٣)، وهذا يدل على أن الطهارة ليست شرطًا إنما هي واجبٌ يجبره الدم، فلذلك يخرج في طهارة النجس والستارة؛ لأنها عبادةٌ لا يشترط فيها الاستقبال، فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف. (٤) [١١٢٢/ ٨] مسألة: (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصلٍ طويلٍ ابتدأه)؛ لأن الطواف عبادة من شرطها الطهارة فأبطلها الحدث كالصلاة، والموالاة شرطٌ في الطواف لذلك. (٥)

стр. 1017

(وإن كان يسيرًا بنى)؛ لأن اليسير يعفى عنه. (١) (وإذا أقيمت الصلاة، أو حضرت جنازةٌ، فإنه يصلي ثم يبني (٢) لقول النبي ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣). وعنه: إذا أعيا في الطواف فلا بأس أن يستريح، وقال: «إذا كان له عذرٌ بنى، وإن قطعه من غير عذرٍ استقبل الطواف» (٤). وعنه فيمن سبقه الحدث روايتان: إحداهما: يستأنف قياسًا على الصلاة (٥)، والثانية: يتوضأ ويبني إذا لم يَطُل الفصل (٦). فيُخرَّج في الموالاة روايتان: إحداهما: هي شرط كالتَّرتيب، والثانية: ليست شرطًا حال العذر (٧)؛ لأن الحَسن غُشي عليه فُحمل، فلما أفاق أتمه (٨). (٩)

стр. 1018

[١١٢٣/ ٩] مسألة: (ثم يصلي ركعتين، والأفضل أن تكون خلف المقام (١) إذا فرغ من الطواف؛ لما روى جابر ﵁: «أن النبي ﷺ طاف بالبيت سَبْعًا، وصلى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» رواه مسلم (٢)، وإن صلاهما في غير هذا الموضع أو قرأ غير ذلك أجزأه. (٣) [١١٢٤/ ١٠] مسألة: (ثم يعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا من بابه (٤) فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويدعو؛ لأن جابرًا قال في صفة حج النبي ﷺ : «ثم رجع إلى الركن فاستمله، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرَقيَ عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحَّد الله وكبَّره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٥)، لا إله إلا الله، لا

стр. 1019

نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم قلتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تَنْزِعني منه، ولا تَنْزِعهُ مني حتى توفاني وأنا على الإسلام، اللهم لا تقدِّمْني لعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن (١). (ثم يلبي ويدعو بما أحب). (ثم ينزل من الصفا ويمشي حتى يأتي العَلَم)، وهو الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد، فإذا كان منه نحو من ستة أذرعٍ (سعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي العلَمَ الآخر)، وهما الميلان الأخضران اللّذان بفناء المسجد وحذاء دار العباس ﵁. (ثم يترك السعي ويمشي حتى يصعد المروة، فيستقبل الكعبة فيدعو بمثل دعائه على الصفا)، وما دعا به فجائزٌ إذ ليس في الدعاء شيءٌ مؤقتٌ. [١١٢٥/ ١١] مسألة: (ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في

стр. 1020

موضع سعيه)، ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك. قال أبو عبد الله: «كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: «رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم» (١)، وقال ﵇: «إنما جُعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله»، قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ» (٢). (حتى يكمل سبعة أشواطٍ، يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة)؛ لأن الترتيب شرطٌ في السعي: وهو أن يبدأ بالصفا. (فإن بدأ بالمروة لم يعتدَّ بذلك الشوط)، فإذا صار إلى الصفا اعتد بما يأتي بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ بدأ بالصفا وقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (٣)، وهذا أمرٌ فكان على الوجوب. [١١٢٦/ ١٢] مسألة: (ويستحب أن يسعى طاهرًا مستترًا متواليًا، وعنه: أن ذلك من شرائطه (٤)؛ لأنه أحد الطوافين أشبه الطواف بالبيت. والأول المذهب؛ لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت: «اقضي
следующие страницы →