وإن خاف بالصوم ذهاب ماله، فسبق أنَّهُ عذر في تَرْكِ الجمعة والجماعة، وفي صلاة الخوف، وإن أحاط العدو ببلد والصوم يضعفهم، فهل يجوز الفطر (وم) ؟ ذكر الخلال روايتين، ويعايا بها (١) .
стр. 107
وقال ابن عقيل: إن حصر العدو بلداً، أو قصدوا عدوًّا بمسافة قريبة، لم يجز الفطر، والقصر على الأصح، ونقل حنبل: إذا كانوا بأرض العدو وهم بالقرب، أفطروا عند القتال، وذكر جماعة فيمن هو في الغزو، وتحضر الصلاة، والماء إلى جنبه، يخاف إن ذهب إليه على نفسه، أو فوت مطلوبه، فعنه: يتيمم ويصلي. اختاره أبو بكر، وعنه: لا يتيمم ويؤخر الصلاة، وعنه: إن لم يخف على نفسه، توضأ وصلى، وسبق في التيمم. ومن به شبق يخاف تنشق مثانته، جامَعَ وقضى ولا يكفر، نقله الشالنجي. قال الأصحاب: هذا إن لم تندفع شهوته بدونه، وإلا لم يجز، وكذا إن أمكنه أن لا يفسد صوم زوجته، لم يَجُزْ، وإلا جاز للضرورة، ومع الضرورة إلى وَطْءِ حائض وصائمة، فقيل: الصائمة أولى؛ لتحريم الحائض بالكتاب، وقيل: يتخير لإفساد صومها، وإن تعذر قضاؤه، لدوام شبقه، فكالشيخ الهرم على ما يأتي (١) .
стр. 108
فصل: للمسافر الفطر
للمسافر الفطر (ع) ، وهو مَنْ له القصر (و) ، وإن صام أجزأه، نقله الجماعة (و) ونقل حنبلٌ: لا يعجبني، واحتج بقوله ﵇: «ليس من البر الصوم في السفر» . وعمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة، وقاله الظاهرية، ويروى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، والسنة الصحيحة ترد هذا القول (١) ، ورواية حنبل تحتمل عدم الإجزاء، ويُؤيِّده كثرة تفرُّدِ حنبلٍ، وحَمْلُها على رواية الجماعة أولى، ولهذا نقل حرب: لا يصوم. قال حرب: يقوله بتوكيد. ونقل أيضاً: إن صام أجزأه. ولكن ذلك يدل على أنه يُكرَه. وسأله إسحاق بن إبراهيم عن الصوم فيه لمن قوي؟ فقال: لا يصوم. وحكاه صاحب «المحرر» عن الأصحاب، قال: وعندي لا يكره إذا قوي عليه، واختاره الآجري، وظاهر كلام ابن عقيل في «مفرداته» وغيره: لا يُكرَه، بل تَرْكُه أفضلُ، وليس الفطر أفضل٤٥ (٢)
стр. 109
(خ) ، وفرق بينه وبين رخصة القصر، أنها مجمع عليها، تبرأ بها الذمة. ورُدَّ بصوم المريض، وبتأخير المغرب ليلة المزدلفة، وسبق في القصر حكم من سافر ليفطر (١) . ولا يجوز للمريض والمسافر أن يصوما في رمضان عن غيره (وم ش) كالمقيم الصحيح (و) ؛ لأنه لو قَبِل صوما من المعذور قَبِلَه من غيره، كسائر الزمان المتضيق
لعبادة، ولأن العزيمة تتعين برد الرخصة، كترْكِ الجمعة، لعذر لا يجوز صرْفُ ذلك الوقت في غيره، فعلى هذا: هل يقع صومه باطلاً؟ (وم ش) أم يقع ما نواه؟ هي مسألة تعيين النية، ومذهب (هـ) يجوز عن واجب للمسافر، ولأصحابه خلاف في المريض؛ لأنه لا يُخيَّر، بل إن تضرر، لزمه الفطر، وإلا لزمه الصوم، والأصح عن (هـ) لا يصح النفل، ولنا قول: للمسافر صوم النفل فيه، وعلى المذهب: لو قلب صوم رمضان إلى نفلٍ، لم يصح له النفل، ويبطل فرضه إلا على رواية عدم التعيين.
стр. 110
ومن نوى الصوم في سفره، فله الفطر (و) بما شاء (وهـ ش) لفطره ﵇، في الأخبار الصحيحة، ولأن من له الأكل له الجماع، كمن لم ينو، وذكر جماعة منهم الشيخ: أنه يفطر بنية الفِطْرِ، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا: لا كفارة بالجماع (وهـ ش) اختاره القاضي وأكثر أصحابنا، قاله صاحب «المحرَّر» ، وذكر بعضهم رواية: يُكفِّر، وجزم به على هذا، وهو أظهر، وعنه: لا يجوز بالجماع (وم) ؛ لأنه لا يقوي على السفر، فعلى هذا: إن جامع كفر (وم ر) . وعنه: لا؛ لأن الدليل يقتضي جوازه، فلا أقل من العمل به في إسقاط الكفارة (وم ر) لكن له الجماع بعد فطره بغيره، كفطره بسبب مباح، ومذهب (م) الأكل والشرب كالجماع (١) .
стр. 111
والمريض الذي يباح له الفطر، كالمسافر، ذكره الشيخ، وصاحب «المحرَّر» ، وغيرهما، وجعله القاضي، وأصحابه، وابن شهاب في كتب الخلاف أصلا للكفارة على المسافر، بجامع الإباحة، وجزم جماعة بالإباحة على النفل، ونقل مهنا في المريض يفطر بأكل، فقلت: يجامع؟ قال: لا أدري، فأعدت عليه، فحول وجهه عني (١) . والمريض الذي ينتفع به بالجماع، كمن يخاف تشقق أنثييه لا يكفر (٢) .
стр. 112
ومن نوى الصوم، ثم سافر في أثناء اليوم طوعاً أو كرهاً، فالأفضل أن لا يفطر، ذكره القاضي، وابن عقيل، وابن الزاغوني، وغيرهم، ويعايا بها، وله الفطر؛ لظاهر الآية، والأخبار الصريحة، وكالمرض الطارئ ولو بفعله، والصلاة لا يشق إتمامها وهي آكد؛ لأنها متى وجب إتمامها، لم تقصر بحال (١) ، وكما يفطر بعد يوم سفره (و) خلافاً لعبيدة، وسويد بن غَفَلَة، وأبي مِجْلَز، فعلى هذا: لا يفطر قبل خروجه؛ لأنه ليس بمسافر، خلافا للحسن وإسحاق، وعطاء، وزاد: ويقصر، وعنه: لا يجوز (و) : لا يجوز بجماع، فعلى المنع: يُكفِّر من وطئ (هـ م ر) ، وجعلها بعضهم كمن نوى الصوم في سفره، ثم جامع، ودعوى أن الخلاف شبهة في إسقاط الكفارة ممنوع، ولا دليل عليه، وأبطله صاحب «المحرَّر» بالوطء بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فإنه زمن مختلف في وجوب صومه، فإن الأعمش وغيره لم يوجبوه، ويبطل عند الحنفي بوطئه
стр. 113
في مسيرة يومين، ويبطل عند الحنفية، وأكثر المالكية بالوطء قبل خروجه عند إرادة سفره، وبعض المالكية، قال: لا كفارة، وبعضهم قال: وإن لم يسافر (١) .
стр. 114
فصل: من عجز عن الصوم لكبر
من عجز عن الصوم لكبر وهو الهم والهِمَّةُ، أو مرض لا يرجى برؤه، فله الفطر (ع) ويطعم عن كل يوم مسكيناً (م) ، ما يجزئ في الكفارة؛ لقول ابن عباس في قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ [البقرة: ١٨٤] ليست بمنسوخة، هي للكبير لا يستطيع الصوم. رواه البخاري، ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ - ولم يدركه ابن أبي ليلي - رواه أحمد، وكذا أبو داود، ورواه أيضا - بإسناد جيد - عن ابن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ ، فذكره (١) .
стр. 115
وإن كان كالكبير مسافراً أو مريضاً، فلا فدية لفطره بعذر معتاد، ذكره في «الخلاف» ، ولا قضاء للعجز عنه، ويعايا بها (١) .
وإن أطعم، ثم قدر على القضاء فكمعضوب حج، ثم عوفي، جزم به صاحب «المحرَّر» (٢) ، وذكر بعضهم احتمالين: أحدهما: هذا. والثاني: يقضي، كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفَعَه، تعتد بالشهور، ثم تحيض، وفيها أيضا وجهان (٣) .
ويكره صوم الحامل والمرضع مع خوف الضرر على أنفسهما، أو على الولد، ويجزئ (و) ، فإن أفطرتا قضتا (و) ؛ لقدرتهما عليه، بخلاف الكبير.
قال أحمد: أقول بقول أبي هريرة. يعني: لا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء.
وخبر أنس بن مالك الكعبي: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» . أي: زمن عُذرِهما.
стр. 116
وذكر ابن عقيل في «النسخ» : إن خافت حامل أو مرضع على حمل وولد حال الرضاع، لم يحل الصوم وعليهما الفدية، وإن لم تخف لم يحل الفطر، ولا إطعامَ إن خافتا على أنفسهما (و) كالمريض، وذكر بعضهم رواية: إن خافتا على ولديهما، أطعمتا عن كل يوم مسكيناً ما يجزئ في الكفارة؛ لظاهر قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ [البقرة: ١٨٤] ؛ ولأنه قول أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ولا يعرف لهم مخالف، ولأنه إفطار بسبب نفس عاجزة عن الصوم من طريق الخلقة كالشيخ الهِمِّ (وش) ، وله قول: لا إطعام (وهـ م ر) ، وقول ثالث: لا تطعم الحامل (وم ر) ، وخيرهما إسحاق بين القضاء والإطعام؛ لشبههما بمريضٍ وكبيرٍ (١) .
ويجوز الفطر للظئر التي ترضع ولد غيرها، ذكره الأصحاب؛ لأن السبب المبيح يسوى فيه، كالسفر لحاجتِهِ ولحاجة غيره، وفي «الرعاية» قول: لا تفطر الظئر إذا خافت على رضيعها، وحكاه في «الفنون» عن قوم.
стр. 117
وإن قبل ولد المرضعة غيرها، وقدرت تستأجر له، أو له ما يستأجر منه، فَلْتَفْعَل ولتصم، وإلا كان لها الفطر. ذكره صاحب «المحرر» ، والإطعام على من يمونه (١) ، وقال في «الفنون» : يحتمل أنه على الأم، وهو أشبَهُ؛ لأنه تبع لها، ولهذا وجب كفارة واحدة، ويحتمل أنه بينها وبين من تلزمه نفقته من قريب، أو من ماله؛ لأن الإرفاق لهما، وكذلك الظئر (٢) ، فإن لم تفطر، فتغير لبنها أو نقص، خُيِّرَ المستأجر، فإن قصدت الإضرار، أثمت، وكان للحاكم إلزامها الفطر بطلب المستأجر، وذكره ابن الزاغوني. وقال أبو الخطاب: إن تأذى الصبي بنقصِهِ أو تغييره، لزمها الفطر، فإن أبت، فلأهله الفسخ. ويؤخذ من هذا أن يلزم الحاكم إلزامها بما يلزمها، وإن لم تقصد الضرر بلا طلب قبل الفسخ، وهذا متجه.
ويجوز صرف الإطعام إلى مسكين واحد جملة واحدة، وظاهر كلامهم إخراج الإطعام على الفور؛ لوجوبه، وهذا أقيس، وذكر صاحب «المحرر» : إن أتي به مع القضاء جاز؛ لأنه كالتكملة له.
стр. 118
ولا يسقط الإطعام بالعجز (١) ، ذكره في «المستوعب» ، وهو ظاهر كلام أحمد، واختاره صاحب «المحرَّر» كالدين، وذكر ابن عقيل، والشيخ: يسقط (٢) . وذكر القاضي وأصحابه، وجزم به في «المحرَّر» : يسقط في الحامل والمرضع، ككفارة الوطء، بل أولى؛ للعذر هنا، ولا يسقط عن الكبير والمأيوس؛ لأنها بدل عن نفس الصوم الواجب الذي لا يسقط بالعجز، فكذا بدله (٣) ، وكذا إطعام من أخر قضاء رمضان وغيره، غير كفارة الجماع (٤) .
стр. 119
ومن وجد آدميّاً معصوما في مَهْلكةٍ، كغريق، ونحوه، ففي «فتاوى ابن الزاغوني» : يلزمه إنقاذه ولو أفطر، ويأتي في الديات - إن شاء الله تعالى -: أن بعضهم ذكر في وجوبه وجهين، وذكر بعضهم هنا وجهين (١) ، وهل تلزمه الكفارة كالمرضع؟ يحتمل وجهين، وهل يرجع بها على المنقذ؟ قال صاحب «الرعاية» : يحتمل وجهين، ويتوجه أنه كإنقاذِهِ من الكُفَّار، ونفقتهِ على الآبق (٢) .
باب نية الصوم وما يتعلق بها
لا يصح صوم إلا بنِيةٍ، ذكره بعضهم (ع) كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحج، وخالف زفر في صوم رمضان في حق المقيم الصحيح (٣) .
ومَنْ نسي النية أو أغمي عليه حتى طلع الفجر، لم يصح.
وتعتبر النية من الليل لكل صوم واجب (وم ش) ؛ لقوله ﵇: «لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل» . رواه الخمسة.
стр. 120
قال الدارقطني، والخطابي، والبيهقي: رفعه عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو من الثقات، ولم يُثبتْ أحمد رَفْعَه بل عن حفصة وابن عمر، وصحح الترمذي وَقْفَه على ابن عمر. وللدارقطني عن أبي بكر أحمد بن محمد، حدثنا رَوْحٌ بن الفَرَجِ أبو الزنباع، حدثنا عبد الله بن عباد، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» .
قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بهذا الإسناد، وكلهم ثقات. وذكر بعضهم أنه ضعيف، ثُمَّ قال: قال ابن حِبَّانَ: روى عنه أبو الزِّنباعِ رَوْحٌ نُسخَةً موضوعة.
ورواه مالك والنسائي عنها موقوفاً، وعن حفصة، وعن ابن عمر، والله أعلم.
ولأن النية عند ابتداء العبادة كالصلاة والحج.
وعند بعض الشافعية تُجْزِئُ النية مَعَ طلوع الفجر، وأَبْطَلَه صاحب «المحرَّر» بالخبر، وبأن الشرط يَسْبِقُ المشروط. قال: وكذا القول في الصلاة وغيرها؛ لا بُدَّ أن توجد النية قبل دُخُولِهِ فيها. كذا قال، وسبق كلامه وكلام غيره: الأفضل مقارنة النية للتكبير (١) .
стр. 121
ومذهب أبي حنيفة، وصاحبَيْهِ: يجزئ رمضان، والنذر المعين بنية قبل الزوال. وعند الأوزاعي: يجزئ كل صوم بنية قبل الزوال وبعده. وحكي عن ابن المسيب.
وإن أتى بعد النية بما يبطل الصَّوْمَ، لم يبطل، نص عليه (و) ، خلافا لابن حامد وبعض الشافعية؛ لظاهر الخَبَرِ؛ ولأن الله أباح الأَكْلَ إلى آخر الليل، فلو بطلت به النية، فات محلها.
وإن نوت الحائض صوم الغد، وقد عرفت الطهر لَيْلاً؛ فقيل: يصح لمشقة المقارنة، وقيل: لا؛ لأنها ليست أَهْلاً للصوم.
ولا تَصِحُّ النية في يوم لصوم الغد (و) للخبر، وكنِيّتِهِ من الليل صَوْمَ بعد غد. وعنه: يصح، نَقَلَها ابن منصور، وفيها: لم ينوه من الليل، فبَطَلَ به تأويل القاضي، وهي في قضاء رمضان، فَيَبْطُل به تأويل ابن عقيل، على أنه يكفي لرمضان نية في أوَّلهِ، وأقرها أبو الحسين على ظاهرها (١) .
стр. 122
وتعتبر لكل يوم نية مفردة؛ لأنها عبادات؛ لأنه لا يَفْسُدُ يوم بفَسَادِ آخر، وكالقضاء. وعنه: يُجْزئُ في أول رمضان نية واحدة لكله (١) (وم) ، نصرها أبو يعلى الصغير، وعلى قياسه النَّذْرُ المعين ونحوه. فعليها: لو أفطر يوما بعذر أو غيره، لم يصح صيام الباقي بتلك النية، جزم به في «المستوعب» وغيره، وقيل: يصح (وم) مع بقاء التتابع، وقدمه في «الرعاية» ؛ فقال: وقيل: ما لم يفسخها أو يُفْطِر فيه يوماً.
стр. 123
ويجب تعيين النية في كل صوم واجب (وم ش) ، وهو أن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو من قَضَائهِ، أو نذره، أو كفارته. نص عليه. قال في «الخلاف» : اختارها أصحابنا؛ أبو بكر، وأبو حفص، وغيرهما، واختاره القاضي أيضا والأصحاب، منهم صاحب «المغني» ؛ لقوله: «وإنما لامرئ ما نَوَى» ، وكالقضاء والكفارة، والتعيين مقصود في نفسه؛ لاعتباره لصلاة يضيق وقتها كغيرها، ومن عليه صلاة فاتته، فنوى مطلق الصلاة الفائتة، ولم يعين، لم يجزئه، والحج يخالف العبادات.
وعنه: لا يجب تعيين النية لرمضان (وهـ) ؛ لأن التعيين يراد للتمييز، وهذا الزمان متعين، كالحج. فعليها؛ يصح بنية مطلقة، ونية نفل (وهـ) ليلاً، ونيةِ فرض تردد فيها، واختار صاحب «المحرر» : يصح بنية مطلقة؛ لتعذر صرفه إلى غير نية رَمَضَانَ، فصرف إليه؛ لئلا يَبْطُلَ قصده وعمله، لا بنية مقيدة بنفل أو نذر أو غيره؛ لأنه ناو تَرْكَه؛ فكيف يجعل كنية الفعل؟ وهذا اختيار الخرقي في «شرحه» لـ «المختصر» ، واختاره شيخنا إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً، فلا، قال: كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التَّبَرُّعِ، ثم تبين أنه كان حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان، بل يقول له: الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي.
وقال صاحب «الرعاية» فيما وجب من الصوم في حج أو عمرة: يتخرج أن لا تجب نية التعيين. وقولهم: نية فرض تردد فيها؛ بأن نوى ليلة الشك: إن كان غدا من رمضان، فهو فرضي، وإن لم يكن فهو نفل، لا يجزئه، على الرواية الأولى، حتى يَجْزمَ بأنه صائم غدا من رمضان (وم ش) ، وعلى الثانية: يجزئه (وهـ) .
стр. 124
قال صاحب «المحرَّر» : ونقل صالح عن أحمد رواية ثالثة بصحة النية المترددة والمطلقة مع الغيم دون الصحو؛ لوجوب صومه، وإن نَوَى: إن كان غداً من رمضان، فصومي عنه، وإلا فهو عن واجب عيَّنه بنيته، لم يجزئه عن ذلك الواجب، وفي إجزائه عن رمضان إن بان منه الروايتان. وإن قال: وإلا فأنا مُفْطِرٌ، لم يصح، وفيه ليلة الثلاثين من رمضان وجهان؛ للشك والبناء على الأصل (وش) . وإن لم يردِّدْ نيّتَه بل نوى ليلة الثلاثين من شَعْبَانَ، أنه صائم غدا من رمضان بلا مستَنَدٍ شرعي - كصحو أو غيم -، ولم نوجب الصوم به، فبان منه، فعلى الروايتين فيمن تردد أو نوى مُطْلقاً (و) ، وظاهر رواية صالح والأثرم: تجزئه، مع اعتبار التعيين لوجودها، وإن نوى الرمضانية عن مستَنَدٍ شرعي، أجزأه، كالمجتهد في الوقت.
ومن قال: أنا صائم غداً إن شاء الله، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردُّدَ في العزم والقصد، فسدت نيته، وإلا لم تفسد. ذكره في «التعليق» و «الفنون» ؛ لأنه إنما قصد أن فِعْلَه للصوم بمشيئة الله تعالى وتوفيقه وتيسيره، كما لا يفسُدُ الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله؛ غير متردد في الحال. وللشافعية وجهان. ثم قال القاضي: وكذا نقول: سائر العبادات لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها (١) .
стр. 125
ومن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غداً، فقد نوى. قال في «الروضة» - ومعناه لغيره -: الأكل والشرب بنية الصوم نية عندنا، وكذا قال شيخنا: هو حين يتعشى عَشَاءَ من يريد الصوم، ولهذا يُفرَّقُ بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان.
ولا يعتبر مع نية التعيين نية الفرضية في فرضه، والوجوب في واجبه، خلافا لابن حامد، وللشافعية وجهان (١) .
وإن نَوَى خارج رمضان قضاءً ونفلاً أو كفارة ظهار، فنفل إلغاء لهما بالتعارض، فتبقى نية أصل الصوم، وجزم به صاحب «المحرَّر» . وقيل: عن أيهما يقع؟ فيه وجهان، وأوقعه أبو يوسف عن القضاء لتَعْيينِه وتأكده؛ لاستقراره في الذمة، ووافق لو نوى قضاء وكفارة قتل، أو كفارة قتل وظهار، أنه يقع نفلاً.
стр. 126
ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده. نص عليه، اختاره الأكثر؛ منهم القاضي في أكثر كُتُبِه؛ لفعله ﵇، وأقوال الصحابة، وفعلهم ﵃. وعنه: لا يجوز بنية بعد الزوال. اختاره في «المجرَّدِ» وابنُ عقيل (وهـ ق) ؛ لأن فعله ﵇ إنما هو في الغَدَاءِ، وهو قبل الزوال. ومذهب (م) وداود هو كالفرض؛ تسوية بينهما، كالصلاة والحج (١) .
стр. 127
ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وَقْتِ النية، نقله أبو طالب. وقال صاحب «المحرَّر» : وهو قول جماعة من أصحابنا؛ منهم القاضي في المناسك من «تعليقه» واختاره الشيخ وغيره، وهو أظهر، وفي «المجرّد» و «الهداية» : من أول النهار، واختاره صاحب «المحرَّر» وفاقا للحنفية، وأكثر الشافعية. وقال حماد وإسحاق: إن نواه قبل الزوال. فعلى الأول يصح تطوُّعُ حائض طَهُرَتْ، وكافر أسْلمَ في يومٍ، ولم يَأْكُلاَ، بصوم بقية اليوم، وعلى الثاني لا؛ لامتناع تبعيض صوم اليوم، وتعذر تكْمِيلِه، بفقد الأهلية في بعضه. ويتوجه: يحتمل أن لا يصح عليهما؛ لأنه لا يصح منهما صوم، كمن أَكَلَ، ثُمَّ نوى صوم بقية يومِهِ (و) . وخالف فيه أبو زيد الشافعي. وإنما لم يصح؛ لعَدَم حُصُولِ حِكْمِة الصَّومِ، ولأن عادة المفطر الأكل بعض النهار، وإمساك بعضه، وقوله ﵇ في عاشوراء: «من كان أكل فليصم بقية يومه» . أي: لِيُمْسِكْ، لقوله في لفظ آخر: «فَلْيُمْسِكْ» وإمساكه واجب إن كان صومه واجباً، وإلا استُحِبَّ لمن أَكَلَ ثُمَّ علم به، إمساكه؛ للخبر، ذكره القاضي، وتبعه صاحبه «المحرر» .
стр. 128
ومَنْ نوى الإفطار أفطر. نص عليه (وش ر م) ، وزاد في روايةٍ: يكفِّرُ إن تعمده؛ لاقتضاء الدليل اعتبار استدامة حقيقة النية، وإنما اكتفى بدوامه حكماً للمشقة ولا مشقة هنا، والحج آكد. وعند ابن حامدٍ، وبعض المالكية، وبعض الشافعية: لا يبطل صومه كالحج، مع بطلان الصلاة عندهم، ومذهب (هـ) لا يبطل سواء قطع النية قبل الزوال وبعده؛ لقوة الدوام (١) . وقولنا: أفطر، أي: صار كمن لم ينو، لا كمَنْ أكل، فلو كان في نفل ثم عاد نواه جاز. نص عليه (وش) ، وكذا لو كان في نذرٍ أو كفارةٍ أو قضاءٍ، فقطع نيته، ثُمَّ نوى نفلاً، جاز، ولو قلب نية نذرٍ وقضاءٍ إلى النفل، فكمَنْ انتقل من فرض صلاةٍ إلى نفلها، وعلى المذهب: لو تردد في الفطر، أو نوى أنه سيفطر ساعةً أخرى، أو إن وجدت طعاماً، أكلت وإلا أتممت، فكالخلاف في الصلاة. قيل: يبطل؛ لأنه يجزم بالنية، ولهذا لا يصح ابتداء الصوم بمثل هذه النية، وكمَنْ تردد في الكفر، نقل الأثرم: لا يجزئه من الواجب حتى يكون عازماً على الصوم، يومه كله، وقيل: لا يبطل؛ لأنه لم يجزم بنية الفطر. والنية لا يصح تعليقُهاَ (٢) .
стр. 129
باب ما يفسد الصوم، ويوجب الكفارة وما يحرم فيه أو يكره أو يجب أو يسن أو يباح
من أكل أو شرب أفطر (ع) ، خلافاً للحسن بن صالح فيما ليس بطعام ولا شراب، مثل أن يستف تراباً، وخلافاً لبعض المالكية فيما لا يُغذِّي ولا ينماع في الجوف كالحصاة (١) ، وإن استعط بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه (و) ، أو دماغه (م) ، أفطر.
وقال في «الكافي» : إلى خياشيمه؛ لنهيه ﷺ الصائم عن المبالغة في الاستنشاق. وعن علي: الصائم لا يستَعِط. وكالواصل إلى الحلق، وعند الحسن بن صالح وداود: لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل، والشرب، والجماع (٢) .
стр. 130
وإن اكتحل بكُحْل أو صبر، أو قَطُور، أو ذَرُور إثمد مطيب، فعلم وصول شيء من ذلك إلى حلقه، أفطر. نص عليه، وهو المعروف، وجزم في «منتهى الغاية» : إن وصل يقيناً أو ظاهراً أفطر، كالواصل من الأنف؛ لأن العين منفذ، بخلاف المسام، كدهن رأسه، ولذلك يجد طعمه في حلقه ويَتَنخَّعُه على صفته، ولا أثَرَ كون العين ليست منفذاً معتاداً، كواصلٍ بحقنه وجائفة.
ولأبي داود عنه ﷺ أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم» . قال أحمد وابن معين: حديث منكر، واختار شيخنا: لا يفطر (وم ش) (١) .
وإن قطر في أذنه شيئاً فدخل دماغه أفطر، خلافاً للأوزاعي، والليث، والحسن بن صالحٍ، وداود، ومذهب (م) إن دخل حلقه أفطر، وإلا فلا.
стр. 131
وإن داوى جُرحَه، أو جائفته، فوصل الدواء إلى جوفه (م) وأبي يوسف ومحمد، أو داوى مأمومته، فوصل إلى دماغه (م) وأبي يوسف ومحمد، أو أدخل إلى مجوَّفٍ فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء شيئاً من أي موضع كان، ولو كان خيطاً ابتلعه كله (وهـ ش) أو بعضه (هـ) أو طعن نفسه، أو طعنه غيره بإذنه بشيء في جوفه، فغاب هو (وهـ ش) أو بعضه (هـ) فيه، أو احتقن بشيء (م ر) ، أفطر؛ لوصولِهِ إلى جوفِهِ باختيارِهِ، كغيره؛ ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، فكذا في المنفذ، وفساد الصوم متعلق بهما، ويعتبر العلم بالواصل (١) ، وجزم في «منتهى الغاية» بأنه يكفي الظن، كما سبق. كذا قال.
واختار شيخنا: لا يفطر بمداواة جائفة ومأمومة ونحو ذلك، ولا بحقنه. وعند أبي ثور: يفطر بالسعوط فقط.
стр. 132
وإن حجم أو احتجم أفطر. نص عليه (خ) ؛ لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» . قال أحمد: فيه غير حديث ثابت، وقال إسحاق: ثبت هذا من خمسة أوجه عن النبي ﷺ ، قال: وحديث شداد صحيح تقوم به الحجة، وصحح الترمذي حديث رافعٍ، وذكر عن البخاري أنه صحح حديث ثوبان وشداد، وصححهما أحمد. وعنه: إن علما النهي (١) . وله نظائر سبقَتْ، ولم يذكر الخرقي «حجم» ، وذكر «احتجم» . كذا قال، ولعل مراده: ما اختاره شيخنا أنه يفطر الحاجم إن مص القارورة، وإلا لا، وظاهر كلام أحمد والأصحاب: لا فطر إن لم يظهر دم، وهو متجه، واختاره شيخنا، وضعف خلافه، وذكر ابن عقيل أنه يفطر وإن لم يظهر دم، وجزم به في «المستوعب» ، و «الرعاية» (٢) .
стр. 133
ومَنْ جرح نفسه لا للتداوي، بدل الحجامة، لم يفطر؛ لأن النهي لا يختص الصيام، وكخروج الدم يفطر على وجه القيء، لا على غير وجه القيء، ذكره في «الخلاف» (١) ،
стр. 134
ولا يفطر بالفصد، جزم به القاضي، وصاحب «المستوعب» ، و «المحرَّر» فيه وغيرهم؛ لأن القياس لا يقتضيه. وذكر في «التلخيص» أن هذا أصح الوجهين، والثاني: يفطر، جزم به ابن هبيرة عن أحمد.
وذكر شيخنا أنه أصح في مذهب أحمد، فعلى هذا: قال صاحب «الرعاية» : يحتمل التشريط وجهين، وقال: الأولى إفطار المفصود والمشروط دون الفاصد والشارط (١) ، وظاهر كلامهم: لا فطر بغير ذلك.
واختار شيخنا أنه يفطر من أخرج دمه برعاف وغيره، وقاله الأوزاعي في الرعاف، ومعنى الرعاف: السبق، تقول العرب: فرس راعف، إذا تقدم الخيل، ورعف فلان الخيل، إذا تقدَّمَها، فسمي الدمُ رُعافاً؛ لسبقه الأنف، وهو بفتح العين في الماضي، وفتحها وضمها في المستقبل، وضمها فيهما شاذ (٢) ، ويقال: رماح رواعف: لما يقطر منها من الدم، أو لتقدمها في الطعن، والراعف: طرف الأرنبة (٣) .
стр. 135
وإن استقاء فقاء (و) أي شيءٍ كان (وم ش) أفطر؛ لخبر أبي هريرة: «مَنْ ذرعَهُ القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً، فليقض» . وهو ضعيف عند أحمد، والبخاري، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم. ويتوجه احتمال: لا يفطر. وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وعكرمة، وقاله بعض المالكية، وعنه: يفطر بملء الفم، اختاره ابن عقيل (وهـ) ، وعنه: أو نصفهِ، كنقض الوضوء، وعنه: إن فَحُشَ أفطر، وقاله القاضي، وذكر ابن هبيرة أنه الأشهر، وذكر الشيخ وغيره الأول ظاهر المذهب، وذكره صاحب «المحرر» وغيره أصح الروايات، كسائر المفطرات. واحتج القاضي بأنه لو تجشَّأ لم يُفطر، وإن كان لا يخلو أن يخرج معه أجزاء نجسة؛ لأنه يسير، كذا هنا. كذا قال، ويتوجه ظاهر كلام غيرِهِ: إن خرج معه نَجَس، فإن قصد به القيء، فقد استقاء، فيفطر، وإن لم يقصد، لم يَسْتقِئ، فلم يفطر، وإن نقض الوضوء، وذكر ابن عقيل في «مفرداته» أنه إذا قاء بنظره إلى ما يُغْثيه يفطر، كالنظر والفكر (١) .
وإن قبل أو لمس، أو باشر دون الفرج، فإن لم يخرج منه شيء، فيأتي فيما يُكرَه للصائم، وإن أمنى أفطر (و) ؛ للإيماء في أخبار التقبيل، كذا ذكره الشيخ وغيره، وهي دعوى، ثُمَّ إنما فيها أنها قد تكون وسيلةً وذريعةً إلى الجماع، واحتج صاحب «المحرر» بأن إباحة الله تعالى مطلق مباشرة النساء ليالي الصوم يدل على التحريم نهاراً، والأصل في التحريم الفساد، خرج منه المباشرة بلا إنزال؛ لدليل. كذا قال.
стр. 136
والمراد بالمباشرة الجماع (١) ، كما روي عن ابن عباس وغيره، يؤيده أنه هو الذي كان محرَّماً، ثم نُسِخَ، لا ما دونه، مع أن الأشهر لا يحرم ما دونه (٢) ، ويتوجه احتمال: لا يفطر بذلك، وقاله داود، وإن صح إجماع قبله - كما قد ادعي - تعين القول به (٣) ، وعن أبي يزيد الضِّنِّي عن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل قبَّلَ امرأته - وهما صائمان - قال: «قد أفطر» .
стр. 137
رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني، وقال: لا يثبت هذا، وأبو يزيد الضني ليس بمعروف. وكذا قال البخاري وغيره: حديث منكر، وأبو يزيد مجهول.
وإن مَذَى بذلك، أفطر أيضاً. نص عليه (وم) ، واختار الآجريُّ، وأبو محمدٍ الجوزي - وأظن وشيخنا - لا يفطر، وهو أظهر (وهـ ش) ، عملاً بالأصل، وقياسه على المني لا يصح؛ لظهور الفرق. وفي «الرعاية» قول: يبطل بالمباشرة دون الفرج فقط. كذا قال (١) .
стр. 138
وإن استمنى فأمنى أو مذى، فكذلك على الخلاف وفاقاً، وإن كرَّرَ النظر فأمنى أفطر (هـ ش) خلافاً للآجري، وإن مذى لم يفطر في ظاهر المذهب (م) ، والقول بالفطر أقيس على المذهب، كاللَّمْس؛ لأن الضعيف إذا تكرر قوي، كتكرار الضرب بصغير في القود، وإن لم يكرر النظر لم يفطر (وهـ ش) ؛ لعدم إمكان التحرز. وقيل: يفطر (وم) ، ونص أحمد: يفطر بالمني لا بالمَذْي. وكذا الأقوال إن فكَّرَ، فأنزل أو مذى؛ فلهذا قال ابن عقيلٍ: مذهب أحمد، ومالك سواء؛ لدخول الفكر تحت النهي، وظاهر كلامه: لا يفطر (م) وهو أشهر؛ لأنه دون المباشرة وتكرار النظر؛ بخلاف ذلك في التحريم، إن تعلق بأجنبية، زاد صاحب «المغني» : أو الكراهة إن كان في زوجة. كذا قالوا، ولا أظن من قال: يفطر به - وهو أبو حفص البرمكي، وابن عقيل - يسلِّمُ ذلك، وقد نقل أبو طالب عن أحمد: لا ينبغي فعله، وسيأتي إن شاء الله فيما يُكرَه للصائم، وفي الكفارة عن مالك روايتان، والمراد النية المجردة، والله أعلم.
وقد ذكر ابن عقيل: أنه لو استحضر عند جماع زوجته صورة أجنبية محرمة أو ذَكَرٍ، أنه يأثم، وذكره في «الرعاية» أول كتاب النكاح.
ولا فطر ولا إثم بفكر غالب (و) ، وفي «الإرشاد» احتمال فيمن هاجَتْ شهوته فأمنى أو مذى: أفطر. وذكر صاحب «المحرر» قول أبي حفصٍ المذكور، ثُمَّ قال: وذكَرهُ ابن أبي موسى احتمالاً.
стр. 139
ويفطر بالموت، فيطعم من تركته في نذرٍ وكفارةٍ (١) .
فصل: وإنما يفطر بجميع ما سبق إذا فعله عامداً ذاكراً لصومِهِ مختاراً
وإنما يفطر بجميع ما سبق إذا فعله عامداً ذاكراً لصومِهِ مختاراً، فلا يفطر ناس (م) ، نقله الجماعة، ونقله الفضل في الحجامة، وذكره ابن عقيلٍ في مقدمات الجماع، وذكره الخرقي في الإمناء بقلبهٍ أو تكرار نظرٍ، وأنه يفطر بوطئه دون الفرج ناسياً.
стр. 140
وفي «المستوعب» : المساحقة كالوطء دون الفرج، وكذا من استمنى، فأنزل المني، وذكر أبو الخطاب أنه كالأكل في النسيان، لخبر أبي هريرة: «مَنْ نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . متفق عليه. وللدارقطني معناه، وزاد: «ولا قضاء عليه» . وفي لفظٍ «من أفطر يوماً من رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة» . رواه الدارقطني، وقال: تفرد به ابن مرزوق - وهو ثقة - عن الأنصاري، وللحاكم - وقال: على شرط مسلم -: «من أكل في رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة» . ولأنه يختص النهي بالعبادة لا حد في جنسه، فلا يؤثر بلا قصد، كطيران الذباب إلى حلقه، بخلاف الردة والجماع، وكصوم النفل (وم) ، وفي «الرعاية» : لا قضاء في الأصح، وعنه: يفطر بحجامة ناس، اختاره في «التذكرة» ؛ لظاهر الخبر، وندرة النسيان فيها، وقيل: واستمناء ناس، والمراد: ومقدمات الجماع. وذكر في «الرعاية» الفطر بمباشرة دون الفرج. قال: وقيل: عامداً، وكذا إن أمنى بغيرها مطلقاً، وقيل: عامداً، أو مذى بغيرها عامداً، وقيل: أو ساهياً.
ولا يفطر مُكرَه، سواء أُكرِه على الفطر حتى فعله، أو فُعلَ به، بأن صُبَّ في حلقه الماء مكرهاً أو نائماً، أو دخل فيه ماء المطر. نص عليه، كالناسي بل أولى؛ بدليل الإتلاف. وفي «الرعاية» : لا قضاء، في الأصح، وقيل: يفطر إن فعل بنفسه، كالمريض. ومذهب الحنفية: يفطر؛ لندرة الإكراه، فلا تعم البلوى، بخلاف النسيان، والنص فيه، ومذهب (م) يفطر، كالناسي عنده، ومذهب (ش) لا يفطر إن فُعلَ به، وإن فَعَلَ بنفسه، فقولان. ويفطر الجاهل بالتحريم (و) نص عليه في الحجامة؛ لأنه ﵇ مر برجل يحجم رجلاً، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» ، وكالجهل بالوقت، والنسيان يكثر. وفي «الهداية» و «التبصرة» : لا يفطر؛ لأنه لم يتعمد المفسد، كالناسي، وجمع بينهما في «الكافي» بعدم التأثيم.
стр. 141
وإن أُوجِرَ المغمى عليه معالجةً، لم يفطر، وقيل: يفطر؛ لرضاه به ظاهراً، فكأنه قصده. وللشافعية وجهان.
ومَنْ أراد الفطر فيه بأكلٍ أو شربٍ، وهو ناس أو جاهل، فهل يجب إعلامه؟ فيه وجهان. ويتوجه ثالث: إعلام جاهلٍ لا ناسٍ. ويتوجه مثله: إعلام مصل أتى بمناف لا يبطل، وهو ناس أو جاهل، وسبق أنه يجب على المأموم تنبيه الإمام فيما يُبطلُ؛ لئلا يكون مفسداً لصلاته مع قدرته (١) .
стр. 142
فصل: ولا كفارة بغير جماع ومباشرة
ولا كفارة بغير جماع ومباشرة، على ما يأتي. نص عليه (١) (وش) عملاً بالأصل، ولا دليل (٢) ، والجماع آكد (٣) ، ونقل حنبل: يقضي، ويكفِّرُ للحقنة، ونقل محمد بن عبدك: يقضي، ويكفِّرُ من احتجم في رمضان، وقد بلغه الخبر، وإن لم يبلُغْه، قضى. قال صاحب «المحرَّر» : فالمفطرات المجمع عليها أولى، وقال: قال ابن البناء على هذه الرواية: يكفر بكل ما فطَّرَه بفعلِهِ، كبلع حصاةٍ، وقيءٍ، وردة، وغير ذلك. وفي «الرعاية» - بعد رواية محمد بن عبدك-: وعنه: يكفر من أفطر بأكلٍ أو شربٍ أو استمناءٍ، اقتصر على هذا، وخص الحلواني رواية الحجامة بالمحجوم، وذكر ابن الزاغوني على رواية الحجامة، كما ذكره ابن البناء؛ لأنه أتى بمحظور الصوم، كالجماع، وفاقاً لعطاء وأبي ثورٍ، وهذا ظاهر اختيار أبي بكرٍ الآجري، وصرح به في أكلٍ أو شربٍ، وقيل: يكفر للحجامة، كحامل ومرضع، ومذهب (م) يكفِّرُ من أكلٍ أو شربٍ، وحُكِيَ عنه أيضاً في القيءِ وبلع الحصاة: التكفير، وعدمه، ومذهبه أن الكُفْرَ يمنع وجوب الكفَّارةِ والقضاء، ومذهب (هـ) يكفِّرُ للأكل والشرب إن كان مما يُتَغَّذَى به أو يتداوى به (٤) .
стр. 143
فصل: وإن طار إلى حلقِهِ غبار طريقٍ أو دقيقٍ أو دخان لم يفطر
وإن طار إلى حلقِهِ غبار طريقٍ، أو دقيقٍ، أو دخان، لم يفطر (و) كالنائم يدخل حلقَهُ شيء. وفي «الرعاية» في الصورة الأولى: وقيل: في حق الماشي، وفي الثانية: وقيل: في حق النَّخالِ. وفي الثالثة: وقيل: في حق الوقَّاد. كذا قال، ووجه لندرتِهِ، فلا يفرد بحكمٍ، وله نظائر. وكذا إن طار إلى حلقِهِ ذباب، لم يفطر (و) خلافاً للحسن بن صالحٍ.
وإن احتلم أو أمنى من وطء ليل (و) ، أو أمنى ليلاً من مباشرته نهاراً (و) ، لم يفطر (و) ، وظاهره: ولو وطئ رجل قرب الفجر، ويشبهُهُ من اكتحل إذاً (١) .
ولا يفطر من ذرعه القيء (و) ، ولو عاد إلى جوفِهِ بغير اختيارِهِ (هـ) خلافاً لأبي يوسف، ولو أعاده عمداً ولم يملأ الفم، أو قاء ما لا يفطر به، ثم أعاده عمداً، أفطر به (هـ ر) خلافاً لأبي يوسف، كبلعه بعد انفصاله عن الفم (و) ، وإن أصبح وفي فيه طعام فرماه، أو شق رميه، فبلعه مع ريقه بغير قصدٍ، أو جرى ريقه ببقية طعام تعذَّرَ رمية، أو بلع ريقه عادة، لم يُفِطر (و) ، وإن أمكنه لفظه؛ بأن تميز عن ريقه، فبلعه عمداً، أفطر، نص عليه، ولو كان دون الحمصة (هـ م) ، قال أحمد ﵀ فيمن تنخع دماً كثيراً في رمضان: أجبن عنه، ومن غير الجوف أهون.
وإن بصق نُخامةً بلا قصدٍ من مخرج الحاء المهملة، ففي فطرِهِ وجهان، مع أنه في حكم الظاهر، كذا قيل، وجزم به في «الرعاية» .
стр. 144
وإن قَطَر في ذكره دُهناً، لم يفطر. نص عليه (هـ ر وش) وأبي يوسف؛ لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحاً، كمداواة جرح عميق لم ينفُذْ إلى الجوف، وقيل: بينهما منفذ، كمن وضع في فيه ماءً لم يتحقق نزوله في حلقه، وقيل: يفطر إن وصل مثانته - وهي العضو الذي يجتمع فيه البول داخل الجوف -، فإذا كان لا يستمسك بوله، قيل: مثِن الرجل، بكسر الثاء، فهو أمثن، والمرأة مثناء، وقال الكسائي: يقال: رجل مثن وممثون.
стр. 145
ومن أصبح جنباً، ثم اغتسل، صح صومه (و) ، مع أنه يسن قبل الفجر، وعليه يحمل نهيه ﵇ في «الصحيحين» ، أو أنه منسوخ؛ لأن الله تعالى أباح الجماع وغيره إلى طلوع الفجر، احتج به ربيعة والشافعي وجماعة، ولفعله ﵇، متفق عليه (١) . وكذا إن أخره يوماً، صح وأثم (و) ، وفي «المستوعب» : يجيء على الرواية التي تقول: يكفر بترك صلاةٍ إذا تضايق وقت التي بعدها، أن يبطل إذا تضايق وقت الظهر قبل غُسلِهِ وصلاة الفجر. كذا قال. وسبق في ترك الصلاة، ومراده ما ذكره في «الرعاية» : إن فاته شيء من الصلوات، وقلنا: يكفر بتركها بشرطِهِ، بطل صومه، وكذا الحائض تؤخره، وسبق في الحيض. ونقل صالح في الحائض تؤخره بعد الفجر: تقضي (٢) .