← Фикх общий

Фикх общий · id 12880

التعليق على رسالة حقيقة الصيام وكتاب الصيام من الفروع ومسائل مختارة منه

ابن عثيمين

Полный текст (282 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ في يومه، فعليه كفارة ثانية. نص عليه، لما سبق فيمن استدامه وقت طلوع الفجر، كالحج، وذكر الحلواني روايةً: لا كفارة عليه (و) . وخرَّجَه ابن عقيل (١) من أن الشهر عبادة واحدة، وذكره ابن عبد البَرِّ (ع) بما يقتضي دخول أحمد فيه، وإن لم يكفر عن الأول، فكفارة واحدة على الأصح، وذكره الشيخ بغير خلاف، فعلى الأول: تعدد الواجب وتداخل موجبه، ذكره صاحب «الفصول» و «المحرر» وغيرهما، وعلى الثاني: لم يجب بغير الوطء الأول شيء، وكذا كُلُّ واطئٍ يلزمه الإمساك (و) ، ونص أحمد في مسافر قدم مُفْطراً، ثم جاَمَع، لا كفارة عليه. قال القاضي، وأبو الخطاب: هذا على رواية أنه لا يلزمه الإمساك. واختار صاحب «المحرر» حمله على ظاهره، وهو وجه في كتاب «المُذْهب» ؛ لضعف هذا الإمساك؛ لأنه سنة عند أكثر العلماء، وفي «تعليق القاضي» وجه فيمَنْ لم ينو الصوم: لا كفارة عليه؛ لأنه لم يلتزمه. وألزمه مالك بالكفارة بمجرد ترك نية الصوم عمداً، بلا أكل، ولا جماع، وإن أكَلَ ثم جامع، فالخلاف (٢) ، وسبق: هل تجب الكفارة بأكلٍ؟

стр. 177

وإن جامَعَ في يومين، فإن كفَّرَ عن الأول، كفَّرَ عن الثاني (و) ، وذكره ابن عبد البر (ع) ، وفيه رواية عن (هـ) ، وكذا إن لم يكفِّرَ عن الأول في اختيار ابن حامدٍ، والقاضي وغيرهما، وحكاه ابن عبد البر عن أحمد (وم ش) ؛ لأن كل يوم عبادة، وكيومين من رمضانين، وفيه رواية عن (هـ) ، وظاهر كلام الخرقي كفارة واحدة، واختاره أبو بكرٍ، وابن أبي موسى (و) كالحدود.

стр. 178

قال صاحب «المحررِ» : فعلى قولنا بالتَّداخلِ، لو كفَّرَ بالعِتْقِ في اليوم الأول عنه، ثم في اليوم الثاني عنه، ثم استُحِقَّت الرَّقبةُ الأولى، لم يلزمه بدلها وأجزأتْهُ الثانية عنهما، ولو استُحِقَّت الثانية وحدها، لزمه بدلها، ولو استحِقّتا جميعاً، أجزأه بدلهما رقبة واحدة؛ لأن محل التداخل وجود السبب الثاني قبل أداء موجِبِ الأول، ونية التعيين لا تعتبر، فتلغو، أوتصير كنيةٍ مطلقةٍ، هذا قياس مذهبنا، وقاله الحنفية، وهو مذهب المالكية في نظيره، وهو: كُلُّ موضعٍ قُضِيَ فيه بتداخل الأسباب في الكفارة، إذا نوى التكفير عن بعضها، فإنه يقع عن جميعها، مثل من قال لزوجاته: أنتُنَّ علي كظهر أُمِّي، ثم وطئ واحدةً، وكفَّرَ عنها، أجزأه عن الكُلِّ ونحو ذلك (١) ،

стр. 179

ووجدت أنا في كلام الحنفية: لو أطْعَمَ إلا فقيراً، فوطِئَ، أطْعَمَه فقط عنهما، كحد القذف عندهم. وإن جامَعَ دون الفرج، فأمْنَى - وعبارة بعضهم: فأفْطَرَ، وفيها نظر - فعنه: يكفِّرُ. اختاره الخرقي، وأبو بكرٍ، وابن أبي موسى، والأكثر (وم) ، كالوطء في الفرج. والفرق واضح، وعنه: لا كفارة عليه (وهـ ش) ، اختاره جماعة، منهم صاحب «النصيحة» ، و «المغني» ، و «المحرر» ، وهي أظهر. وعلى الأول: الناسي كالعامد، ذكره في «التبصرة» . ويدل عليه اعتباره بالفَرْجِ. وقال صاحب «المغني» ، و «الروضةِ» ، وغيرهما: عامداً. وكذا إذا أنزَلَ المجبوب بالمساحقة، وكذا امرأتان إن قلنا: يلزم المطاوعة كفارة، وإلا فلا كفارة، والقُبلةُ، واللمس ونحوهما، كالوطء دون الفرج، في روايةٍ اختارها القاضي (وم) . وفي رواية: لا كفارة، اختارها الأصحاب (و) . ونص أحمد: إن قبَّلَ فمذى، لا يكفِّرُ، وإن كرَّرَ النظر فأمنى، فلا كفارة (م) ، كما لو لم يُكَرِّرْهُ (و) . وعنه: بلى، كاللَّمْس. وأطلق في «الهداية» وغيرهما الروايتين، وقيل: إن أمنى بفكره، أو نَظْرة واحدة عمداً، أفطَرَ، وفي الكفارة وجهان. وسبق حكم من جامع في يوم رأى الهلال في ليلته، وردَّتْ شهادته، وجماع المسافر، والمريض (١) . ويختص وجوب الكفارة برمضان (و) ؛ لأن غيره لا يساويه، خلافاً لقتادة في قضائه فقط. وفي «الرعاية» قول: يكفِّرُ إن أفسَدَ قضاء رمضان. وسبق أول الباب هل تختص بالجماع؟ والكفارة على الترتيب، فيجب عتق رقبةٍ، فإن لم يجد، صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطِعْ أطعم ستين مسكيناً، مثل كفارة الظهار، في ظاهر المذهب (وهـ ش) ، ويأتي فيها اعتبار سلامة الرقبة، وكونها مؤمنةً.

стр. 180

ولا يحرم هنا الوطء قبل التكفير، ولا في ليالي صوم الكفارة، ذكره في «الرعاية» وأظنه في «التلخيص» وغيره، ككفارة القتل، ذكره فيها القاضي وأصحابه، وحرَّمَه ابن الحنبلي في كتابه «أسباب النزول» عقوبةً، وعنه: إنها على التخيير بين العتق، والصيام، والإطعام، فبأيها كفَّرَ، أجزأه (وم) ؛ لأن في «الصحيحين» ، من حديث مالك، عن الزُهريِّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلاً أفطَرَ في رمضان، فأمَرَه النبي ﷺ أن يكفر بعتق رقبة. وفيهما من حديث ابن جُريجٍ، عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطَرَ في رمضان أن يُعتقَ رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعمَ ستين مسكيناً، وتابعهما أكثر من عشرة. وخالفهم أكثر من ثلاثين، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد: أن إفطار ذلك الرَّجلِ كان بجماعٍ، وأن النبي ﷺ قال له: «هل تجد ما تُعْتقُ رقبةً؟» قال: لا، قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «هل تجد ما تُطْعِمُ ستين مسكيناً؟» قال: لا. ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر، فقال: «تصدَّقْ بهذا» قال: على أفقر منا؟ قال: «اذهب فأطِعمْهُ أهلك» وفي أوله: هلَكْتُ يا رسول الله، قال: «وما أهلكَكَ؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. متفق عليه. وهو أولى؛ لأنه لفظ النبي ﷺ ومشتمل على زيادة، ورواه الأكثر. وللدارقطني: هلكت وأهلَكْتُ. وضعَّفَ هذه الزيادة البيهقي، وصنف الحاكم ثلاثة أجزاء في إبطالها، ولأبي داود بإسناد جيد من حديث هشام بن سعد، عن الزهري، عن أبي سلمة عنه: «وصُمْ يوما مكانه» . وقال: فأتي بعَرَق فيه تمر قدْرَ خمسة عشر صاعاً. وله من حديث عائشة: فيه عشرون صاعاً.

стр. 181

وهشام تُكُلِّمَ فيه، وروى له مسلم، وتابعه عبد الجبار بن عمر في الصوم، وهو ضعيف، رواه ابن ماجه، وتابعه أبو أُويسٍ، عن الزهري، عن حميد، وفيه كلام، وروى ذلك الدارقطني. وتابعه إبراهيم بن سعدٍ، عن الليث، عن الزهري، وبَحْرُ بن كنيز، عن الزهري، ذكرَهُ البيهقي، وأشار هو وغيره إلى صحة هذه الزيادة، والله أعلم. وعن ابن عباسٍ: عتق رقبة، أو صوم شهرٍ، أو إطعام ثلاثين مسكيناً. وعن الحسن: عتق رقبة، أو إهداء بدنه، أو إطعام عشرين صاعاً أربعين مسكيناً. وعن عطاء نحوه، ولمالكٍ في «الموطأ» عن عطاء الخراساني، عن ابن المسيب مرسلاً نحوه، ولم يذكر عدد المساكين، وفيه: «وصُمْ يوماً» . ومذهب (م) : هذه الكفارة إطعام فقط، كذا قال، والإطعام كما يأتي في كفارة الظهار إن شاء الله تعالى. وإن قدَرَ على العتق في الصيام، لم يلزمه الانتقال. نص عليه، ويلزم من قدَرَ قبله، ويأتي ما يتعلَّقُ بذلك في الظهار (١) . وتسقط هذه الكفارة بالعجز، في ظاهر المذهب. نص عليه (وق) ، زاد بعضهم: بالمال، وقيل: والصوم، كذا قال؛ لأنه ﷺ لم يأمر الأعرابي بها أخيراً، ولم يذكر له بقاءها في ذمتِهِ، وكصدقة الفطر، وعنه: لا تسقط (وهـ ش) ؛ لأنه ﷺ أمر بها الأعرابي لما جاءه العَرَقُ بعد ما أخبَرَه بعُسْرتِهِ، ولعل هذه الرواية أظهر.

стр. 182

قال بعضهم: فلو كفَّرَ غيره عنه بإذنه - وقيل: أو دونها - فله أخذها، وعنه: لا يأخذها. وأطلق ابن أبي موسى: هل يجوز له أكلها، أم كان خاصا بذاك الأعرابي؟ على روايتين، ويتوجه احتمال أنه ﷺ رخَّصَ للأعرابي فيه لحاجته، ولم تكن كفارةً (١) .

стр. 183

ولا تسقُطُ غير هذه الكفارة بالعجز، مثل كفارة الظهار، واليمين، وكفارات الحج، ونحو ذلك. نص عليه. قال صاحب «المحررِ» وغيره: وعليه أصحابنا؛ لعموم أدلَّتِها حالة الإعسار (١) ، ولحديث سلمة بن صخرٍ في الظهار، ولأنه القياس، خُولِفَ في رمضان؛ للنص - كذا قالوا: للنص - وفيه نظر، ولأنها لم تجب بسبب الصوم، قال القاضي وغيره: وليس الصوم سبباً للكفارة، وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما، وعنه: تسقط (٢) . ومذهب (ش) : هي كرمضان، إلا جزاء الصيد؛ لأن فيه معنى العقوبة والغرامة. وذكر غير واحدٍ أنه تسقط كفارة وطء الحائض بالعَجزِ، على الأصح، وعنه: بالعجز عن كلها؛ لأنه لا بَدَل فيها. وقال ابن حامدٍ: تسقط مطلقاً، كرمضان.

стр. 184

وأكله الكفارات بتكفير غيره عنه كرمضان، وعنه: تختص بالوطء في رمضان. اختاره أبو بكر (١) . وإن ملكه ما يكفر به، وقلنا: له أخذه هناك، فله هنا أكله، وإلا أخرَجَه عن نفسِهِ، وقيل: هل له أكله، أو يلزمه التكفير به؟ على روايتين.

стр. 185

باب حكم قضاء الصوم وغيره وما يتعلق بذلك يستحب التتابع في قضاء رمضان (و) ، قال البخاري: قال ابن عباسٍ: لا بأس أن يفرَّقَ؛ لقول الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] . وعن ابن عمر مرفوعاً: «قضاء رمضان؛ إن شاء، فرَّقَ، وإن شاء، تابَعَ» . رواه الدارقطني، وقال: لم يسنِدْه غير سفيان بن بشر. قال صاحب «المحرر» : لا نعلم أحداً طعن فيه، والزيادة من الثقة مقبولة. وللدارقطني من رواية الواقدي - وهو ضعيف - عن عبد الله بن عمروٍ: سئل النبي ﷺ عن قضاء رمضان، قال: «يقضيه تِباعاً، وإن فرَّقَه، أجزأ» . وله أيضاً، وقال: إسناد حسن عن ابن المنكدر مرسلاً قال: «ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدهم دَينٌ فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاءً؟ فالله أحق أن يعفو، ويغفر» . وخبر أبي هريرة: «فليَسرُدْهُ ولا يَقْطعْهُ» . رواه ابن المنذر، والدارقطني من رواية عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، ضعَّفَه ابن معينٍ والدارقطني، وقواه أحمد وغيره، فإن صح فللاستحباب. وقول عائشة: نزلت: (فعدة من أيام أخر متتابعات) ، فسقَطَتْ «متتابعات» .

стр. 186

رواه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح يصلُحُ لسقوط الحكم والتلاوة، فيحمل عليهما، ولأنه وقت موسَّعٌ له كصوم المسافر أداءً، وإنما لزم التتابع فيه صوم مقيم، لا عذر له؛ للفور وتعيّنِ الوقت، لا لوجوب التتابع في نفسِهِ، فنظيره: لو لم يبق من شعبان إلا ما يتَّسِعُ له، وفي التتابع خروج من الخلاف، وهو أنجز لبراءة الذِّمةِ، وأشبه بالأداء، فكان أولى (١) . وذكر القاضي في «الخلافِ» في الزكاة على الفور: أن قضاء رمضان على الفور، واحتج بنصه في الكفارة، ويجوز أن يُقالَ: القضاء على التراخي، واحتج بنصه فيه. كذا ذكر، وقال صاحب «المحرر» : يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذرٍ ما لم يُدرِكْ رمضان ثانٍ، ولا نعلم فيه خلافاً. وعند أكثر الشافعية: إن أفطر بسببٍ محرم، حَرُمَ التأخير. قال في «التهذيبِ» لهم: حتى بعذْرِ السفر، وأوجب داود المبادرة في أول يومٍ بعد العيد، وهل يجب العزم على فِعلِهِ؟ يتوجه الخلاف في الصلاة، ولهذا قال ابن عقيلٍ في «الفصولِ» في الصلاة: لا ينتفي إلا بشرط العزم على الفعل في ثاني الوقت.

стр. 187

قال: وكذا كل عبادةٍ متراخيةٍ. قال في «شرح مسلم» : الصحيح عند محققي الفقهاء، وأهل الأصول فيه، وفي كل واجبٍ موسَّعٍ، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعلِه. وعن علي، وابن عمر، وعروة، والحسن، والشعبي، والنخعي: يجب التتابع، وكذا قال داود، والظاهرية: يجب، ولا يشترط للصِّحِة، كأدائه، وأجاز جماعة من الصحابة وغيرهم الأمرين. قال الطحاوي: لا فضل للتتابع على التفريق؛ لأنه لو أفطر يوماً من رمضان، يقضيه بيومٍ، ولا يستحب له قضاء شهرٍ. ومن فاته رمضان تامّاً أو ناقصاً؛ لعذرٍ أو غيره، قضى عدد أيامه مطلقاً، اختاره جماعة منهم: صاحب «المحررِ» ، و «المغني» ، و «المستوعب» (وهـ ش) كأعداد الصلوات، وعند القاضي: إن قَضَى شهراً هلالياً، أجزأه مطلقاً، وإلا تمَّمَ ثلاثين يوماً. وهو ظاهر الخرقي، وذكره صاحب «المحررِ» ظاهر كلام أحمد. وقاله الحسن بن صالحٍ، وبعض الشافعية، وحكي عن مالكٍ (١) . فعلى الأول: من صام من أول شهرٍ كاملٍٍٍ، أو من أثناء شهرٍ، تسعةً وعشرين يوماً، وكان رمضان الفائت ناقصاً، أجزأه عنه؛ اعتباراً بعدد الأيام. وعلى الثاني: يقضي يوماً تكميلاً للشهر بالهلال، أو العدد ثلاثين يوماً.

стр. 188

ويحرم تأخير رمضان إلى رمضان آخر بلا عذرٍ (و) نص عليه، واحتج بقول عائشة ﵂: ما كنت أقضي ما علي من رمضان إلا في شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ ، وكما لا تُؤخَّرُ الصلاة الأولى إلى الثانية، فإن فعل أطْعَمَ عن كل يوم مسكيناً (وم ش) ، رواه سعيد بإسنادٍ جيدٍ عن ابن عباسٍ. ورواه الدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسناد صحيح، ورواه مرفوعاً بإسنادٍ ضعيفٍ، وذكره غيره عن جماعةٍ من الصحابة، ولا أحسبه يصح عنهم. ويتوجه احتمال: لا يلزمه إطعام (وهـ) ؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وكتأخير أداء رمضان عن وقتِهِ عمداً، وذكر الطحاوي من رواية عبد الله العمري - وفيه ضعف - عن عبد الله بن عمر: يُطعِمُ بلا قضاءٍ (١) .

стр. 189

ويطعِمُ ما يجزئ كفارةً (و) ، ويجوز قبل القضاء، ومعه وبعده؛ لقول ابن عباس: فإذا قضى أطْعَمَ. رواه سعيد بإسناد جيد. قال صاحب «المحررِ» : الأفضل تقديمه عندنا، مسارعةً إلى الخير، وتخلُّصاً من آفات التأخير، ومذهب (م) : الأفضل معه. وإن أخره بعد رمضان ثان فأكثر، لم يلزمه لكل سنة فدية؛ لأنه إنما لزمه؛ لتأخيره عن وقته، وقول الصحابة، وللشافعية وجهان. ومن دام عذره بين الرمضانين فلم يقض، ثم زال، صام الشهر الذي أدركه، ثم قضى ما فاته، ولا يطعم. نص عليه (و) . وعن ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، وقتادة: يطعم بلا قضاء. فعلى قولنا: إن كان أمْكَنَه قضاء البعض، قضى الكل، وأطْعَمَ عما أمْكَنَه صومه، وإن أخر القضاء حتى مات، فإن كان لعذر، فلا شيء عليه. نص عليه (و) ؛ لعدم الدليل. وفي «التلخيص» رواية: يُطْعَمَ عنه، كالشيخ الهِم. والفرق أنه يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت، وقال في «الانتصارِ» : يحتمل أن يجب الصوم عنه، أو التكفير، كمن نذر صوما. وقال في «الرعاية» : إن أخره الناذر لعذر حتى مات، فلا فدية، على الأصح. ذكره عقب الحج، وإنما مراده - والله أعلم - الصوم.

стр. 190

وإن كان تأخير قضاء رمضان لغير عذر، فإن مات قبل أن أدْرَكَه رمضان آخر أُطْعِمَ عنه، لكل يوم مسكين (و) ، رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف، وقال: الصحيح عن ابن عمر موقوف. وسئلت عائشة عن القضاء، فقالت: لا، بل يطعم. رواه سعيد بإسناد جيد. وكذا قال ابن عباس، وأنه إن نذر قضى عنه وليه، فالراوي أعلم بما روى.

стр. 191

قال الأصحاب: ولأنه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت، كالصلاة، وقال في «الانتصار» في مسألة صحة الإستنابة في الحج عند طريان العضب والكبر على من وجب عليه: وأنه إذا حج النائب، وقع الحج عن المستنيب (وم ش) ، ومذهب (هـ) يقع الحج عن الحاج تطوعا، ولا يقع عن المستنيب إلا ثواب النفقة، فنحن نقول: أقيم حج نائبه مُقام حجة، ففِعْلُ الغير للحج بدل عن فِعْلِهِ فيما يُبْدَلُ، إلا المؤدي وهو الفاعل، وعندهم: البدل هو سعيه بماله في تحصيل حج الغير، فالبدل عنده متبدل، ليس هو فعل الحج، وإنما هو بذل المال لتحصيل حج النائب، حتى لو تبرع أجنبي وحج عنه بإذنه، لم يجز عنه؛ لأن السعي ببذل المال مفقود، فالواجب المؤدى هو المُبْتَذَلُ، واحتج لهم بأن سائر العبادات لا تصح النيابة فيها، وقال: فأما سائر العبادات، فلنا رواية: أن الوراث ينوب عنه في جميعها من الصوم والصلاة، ولا يختلف المذهب في نيابة الوارث في الزكاة، ثم الصوم يقابل فائته عند العجز بالموت بالإطعام، والصلاة لا يتصور العجز فيها عندنا، بخلاف الحج، ولأن الزكاة مقصودها تحصيل المال للفقراء مواساة، وتعاطي التكليف مقصود للامتحان، فعند العجز يستقل بأحد المقصودين، ويلتحق بالدَّيْنِ، والحج الامتحان فيه مقصود، وفيه مقصود آخر سوى الفعل، فإنه وُضِعَ على مثال حضره الملوك وحُرَمِهم، وقد يقصد الملك أن تكون عتبته مخدومة بأصحابه، فإن عجزوا فبِنُوَّابِهم؛ لإقامة الخدمة، والصلاة لا مقصود فيها إلا محض التكليف بالفعل، امتحاناً، فإذا فعل غيره ذلك، فات كل المقصود، فلم يكن في معنى الدين. يصحح ما ذكرنا أن الخصم أقام للحج بدلاً، وإن خالفنا في صفته، ولم يُقِمْ للصلاة بدلاً، واحتج لهم أيضاً بالقياس على الصلاة والصيام، وقال: قد تقدم الجواب بالمنع والتسليم، ثم هناك لا يلزم أن ينوي عن غيره، ولا يؤمر ببذل المال لتحصيل الصوم والصلاة.

стр. 192

ثم ذكر بعدها من بلغ معضوباً تلزمه الإستبانة، واحتج للمخالف بالصلاة، وأجاب بأن الصلاة لا نسلمها، ونقول: يصلى عنه بعد الموت، ثم الصلاة لا يتصور عجزه عنها إلا أن يموت، أو يزول عقله، بخلاف الحج، ولو وصى بها لم تصل عنه؛ بخلاف الحج عندهم (١) ،

стр. 193

ولا مدخل للمال في جبرانها، والبدل جبران، بخلاف الحج، ثم هو قياس يعارض النصوص. ثم ذكر بعدها: لا يصير مستطيعاً ببذل غيره، كسائر العبادات. فقيل له: لا تدخلها النيابة بخلاف الحج، فقال: لا نسلم، بل النيابة تدخل الصلاة والصيام إذا وجبت وعجز عنها بعد الموت. فذكر في هاتين المسألتين النيابة في الصلاة والصيام بعد الموت، وكلامه في المسألة الأولى، والرواية المذكورة يقتضي: وفي الحياة أيضا كالحج، فعلى هذا: يتوجه إن عجز أن يكبر للصلاة، كبر عنه رجل. وقاله إسحاق، ونقله عن إبراهيم والحَكَمِ، والله أعلم (١) .

стр. 194

وذكر في «عيون المسائل» ما ذكره غيره من قياس النيابة في الحج على الزكاة، ثم قال: ولا يلزم الصلاة والصيام، فإنا إن قلنا: تدخلهما النيابة، فإنهما كمسألتنا، وإن قلنا: لا تدخلهما النيابة، قلنا هناك: لم يؤمر أن ينويهما عن غيره، بخلاف مسألتنا، ومال صاحب «النظم» إلى صوم رمضان عنه بعد موته، فقال: لو قيل: لم أُبعِدْ، فعلى هذا: الظاهر أن المراد: ولا يطعم، كقول طاوس، وقتادة، ورواية عن الحسن، والزهري، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وداود؛ لقوله ﵇: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» . متفق عليه من حديث عائشة، ومعناه من حديث ابن عباس، وقد يتوجه احتمال: إن المراد التخيير، قال في «شرح مسلم» : من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعام، وقد قال شيخنا: إن تبرع بصومه عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت وهما معسران، يتوجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال (١) . وكذا عن الأوزاعي والثوري رواية: يصومه عن الميت إذا لم يجد ما يُطعِمُ عنه. وكذا ذكر القاضي في صوم النذر نحو قول شيخنا، فذكر ما ذكره الأصحاب: أن صوم النذر لا يفعل عن عاجز في حياته، بل يطعم، ثم جعل هذا حجة للمخالف في عدم فعله بعد الموت. قال: والجواب أنه لا يمتنع أن نقول: يصح الصوم عنه، كما نقول في الحج إذا عجز عنه في مجال الحياة: يحج عنه. وحكى القاضي عن داود: لا يصام عنه، ولا يُطعَمُ، خلاف ما سبق عنه.

стр. 195

وذكر القاضي عياض والشافعية الإجماع أنه لا يصام عن أحدٍ في حياته، والله أعلم (١) ، والإطعام من رأس ماله أوصى، أو لا (وش) ، لا أنه إنما يجب من الثلث إن أوصى (هـ م) ، كالزكاة على أصلهما (٢) . وإن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فأكثر، أجزأه إطعام مسكين لكل يوم. نص عليه، وقيل: لكل يوم فقيران؛ لاجتماع التأخير والموت بعد التفريط. قال أحمد ﵀ فيما رواه أبو هريرة مرفوعاً: «مَنْ أفطر يوماً من رمضان من غير عذرٍ، لم يجزئه صيام الدهر، ولو صامه» : لا يصح، وإنما يريد نفس يوم من رمضان لا يكون. وكذا ضعفه غير واحد.

стр. 196

ولا يلزمه عن يوم سوى يوم (و) ، وعند شيخنا: لا يقضى متعمد بلا عُذْرٍ (خ) صوماً، ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا، بل يوافقه، وضُعِّفَ أمره ﵇ المجامع بالقضاء؛ لعدول البخاري ومسلم عنه (١) .

стр. 197

ولا يجزئ صوم كفارة عن ميت، وإن أوصى به. نص عليه (و) ، خلافاً لأبي ثور، وعلله القاضي بأنه يجب على طريق العقوبة؛ لارتكاب مأثم، فهي كالحدود، فإن كان موته بعد قدرته عليه - وقلنا: الاعتبار بحالة الوجوب - أُطْعِمَ عنه ثلاثة مساكين، لكل يوم مسكين ذكره القاضي (١) . ولو مات وعليه صوم شهر من كفارة، أُطعِمَ عنه أيضاً، نقله حنبل، ففيه جواز الإطعام عن بعض صوم الكفارة؛ لأن الإطعام هنا ليس هو بالمأمور به في الكفارة، لكنه بدل الصوم. ولو مات وعليه صوم المُتْعَةِ يُطْعَمُ عنه أيضاً. نص عليه (٢) . قال القاضي: لأن هذا الصوم وجَبَ بأصل الشرع، كقضاء رمضان. وصوم النذر عن الميت كقضاء رمضان، على ما سبق عند الكل (و) ، واختاره ابن عقيل، ونص أحمد - وعليه الأصحاب -: يفعله الولي عنه، بخلاف رمضان، وفاقا لليث، وأبي عبيد، وإسحاق. وسبق قول ابن عباس.

стр. 198

ويجوز أن يصوم غير الولي بإذنِهِ وبدونِهِ. جزم به القاضي والأكثر؛ لأنه ﵇ شبهه بالدَّيْنِ، وقيل: لا يصح إلا بإذنِهِ (وش) ؛ لأنه خلاف القياس، فلا يتعدى النص، وذكر صاحب «المحررِ» أنه ظاهر نقل حرب، يصوم أقرب الناس إليه ابنه أو غيره، فيتوجه: يلزم من الاقتصار على النص: لا يصوم بإذنِهِ، وكذا الوجهان في الحج، واختار عدم الصحة فيه في «الانتصار» ، كحال الحياة، واختار صاحب «الفصول» ، و «المحرَّرِ» الصحة؛ لعدم استفصاله ﵇.

стр. 199

وهل يجوز صوم جماعة عنه في يوم واحد، وبجزئ عن عِدَّتِهم من الأيام؟ نقل أبو طالب: يصوم واحد. قال في «الخلاف» : فمَنْعُ الاشتراك، كالحجة المنذورة، تصح النيابة فيها من واحد لا من جماعة. وحكى أحمد عن طاووس الجواز، وحكاه البخاري عن الحسن، وهو أظهر، واختاره صاحب «شرح المهذب» من الشافعية، وقال: لم يذكر المسألة، أصحابهم. واختاره صاحب «المحرر» ، وحمل ما سبق على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي يدل عليه، فإن ما جاز تفريقه، كُلُّ يوم كحجة مفردة، فدل ذلك أن من أوصى بثلاث حِجَجٍ، جاز صرفها إلى ثلاثة يحجون عنه في سنة واحدة، وجزم ابن عقيل بأنه لا يجوز، لأن نائبه مثله، وليس له أن يحج ثلاث حجات في عام واحد، وذكره في «الرعاية» قولا، ولم يذكر قبله ما يخالفه، ذكره في فصل استنابة المعضوب من باب الإحرام، وهو قياس ما ذكره القاضي في الصوم، وهو لم يفرق بينهما ولا فَرْقَ، ويأتي في تفريق الاعتكاف (١) .

стр. 200

ويستحب للولي فعله عنه، ولا يجب (و) ، خلافاً للظاهرية، كالدَّيْنِ، لا يلزمه إذا لم تكن له تَرِكةٌ، وله أن يصوم، وله أن يدفع إلى من يصوم عنه من تَرِكتِه عن كُلِّ يوم مسكينا (١) ، فإن لم تكن له تركة، لم يلزمه شيء. قال القاضي، وغيره: كالحج، الوارث بالخيار بين الحج بنفسه، وبين دَفْعِ نفقة إلى من يحج عنه (٢) . وقال صاحب «المحرر» : إن القاضي في «المجرد» لم يذكر أن الورثة إذا امتنعوا يلزمهم استنابة، ولا إطعام. وذكر في «المستوعب» وغيره أن مع عدم صوم الورثة يجب إطعام مسكين من ماله عن كل يوم، ومع صوم الورثة لا يجب. وجزم الشيخ في مسألة من نذر صوماً فعجز عنه، أن صوم النذر لا إطعام فيه بعد الموت، بخلاف رمضان ولم أجد في كلامه خلافه.

стр. 201

ولا كفارة مع الصوم عنه، أو الإطعام، واختار شيخنا أن الصوم عنه بدل مجزئ بلا كفارة، ويأتي كلامهم في الصلاة المنذورة، وسبق كلامه في «الانتصار» في تأخير قضاء رمضان لعذر، وأوجبها في «المستوعب» ، قال: كما لو عيَّنَ بنذْرِهِ صوم شهر فلم يصمه، فإنه يجب القضاء والكفارة. وفي «الرعاية» كـ «المستوعب» ، فإنه قال: إن لم يقضه عنه ورثته أو غيرهم، أُطعم عنه من تركته، لكل يوم فقير مع كفارة يمين، وإن قضى كَفَتْهُ كفارة يمين، وعنه: مع العذر المتصل بالموت، وهذه الرواية - والله أعلم - هي رواية حنبل، فإنه نقل: إذا نذر صوم شهر، فحال بينه وبينه مرض، أو علة حتى مات، صام عنه وليه، وأطعم لكل يوم مسكينا؛ لتفريطه. هذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذره، فلم يصمه ومات، ولو أمكنه صوم بعض ما نذره، قضى عنه ما أمكنه صومه فقط (وم) ، ذكره القاضي وبعض أصحابنا، ذكره صاحب «المحرر» ، وذكره ابن عقيل أيضا؛ لأن رمضان يعتبر فيه إمكان الأداء، والنَّذْرُ يحمل على أصله في الفرض، وأجاب القاضي بأنا لا نسلم أن النذر المطلق يثبت في ذمته مطلقا، بل بشرط الإمكان، كالنذر المعلق بشرط، والنذر في حال المرض، وقضاء رمضان، ومذهب (هـ ش) : يلزم أن يقضى عنه كله؛ لثبوته في ذمةٍ صحيحةٍ في الحال، كالكفارة، بخلاف من دام مرضه حتى مات؛ لأنه لا ذمة له يثبت فيها الصوم، وذكر القاضي في مسألة الصوم عن الميت، أن من نذر صوم شهر وهو مريض، ومات قبل القدرة عليه، يثبت الصيام في ذمته، ولا يعتبر إمكان الأداء، ويخير وليه بين أن يصوم عنه، أو يُنِفقَ على من يصوم.

стр. 202

وفرق بينهما بأن النذر محله الذمة، فلا يعتبر فيه إمكان الأداء كالكفارة، وذكَرَ نص أحمد في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر به المرض حتى مات، ليس عليه شيء (١) ، وإن كان نذرا صام عنه وليه إذا هو مات. قال: وأومأ إليه في رواية الميموني، والفضل، وابن منصور. واختار صاحب «المحرر» أنه يقضى عن الميت ما تعذر فعله بالمرض دون المعتذر بالموت؛ لأن النذر وإن تعلق بالذمة، يتعلق بالأيام الآتية بعد النذر، فإذا مات قبل مضي المدة المقدرة، تبينا أن قدر ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في ذمته، كما لو نذر صوم شهر معين، فمات قبله، أو جن ودام جنونه حتى انقضى، بخلاف القدر الذي أدركه حيا، وهو مريض؛ لأن المرض لا ينافي ثبوت الصوم في الذمة، بدليل أنه يقضي رمضان، ويقضي من نذر صوم شهر بعينه فلم يصمه لمرض، وإذا ثبت في ذمة المريض - والنيابة تدخله بعد الموت - فلا معنى لسقوطه به، وإنما سقط قضاء رمضان؛ لأن النيابة لا تدخله، ولم يجب الإطعام؛ لأنه وجب عقوبة للتفريط ولم يوجد. قال: ويؤيد ذلك أمره ﵇ بقضائه عن الميت، ولم يستفصل هل تَرَكَه لمرض، أو غيره، هذا كله في النذر في الذمة، فأما إن نذر صوم شهر بعينه، فمات قبل دخولِهِ، لم يُصَمْ ولم يُقْضَ عنه. قال صاحب «المحرر» : وهو مذهب سائر الأئمة، ولا أعلم فيه خلافا.

стр. 203

وإن مات في أثنائه، سقط باقيه، فإن لم يَصُمْه لمرض حتى انقضى، ثم مات في مرضه، فعلى الخلاف السابق فيما إذا كان في الذمة، وسبق كلامه في «الانتصار» ، و «الرعاية» فيما إذا أخر قضاء رمضان لعذر حتى مات، والله أعلم (١) .

стр. 204

وإن مات وعليه حج منذور، فُعِلَ عنه. نص عليه (وش) ، لصريح خبر ابن عباس، رواه البخاري وغيره من غير وجه، ومن اعتذر عن ترك القول بذلك هنا، أو في الصوم باضطراب الأخبار، فهو عذر باطل؛ لصحة ذلك عند أئمة الحديث، ومذهب (هـ م) : كقولهما في الزكاة، وحج الفرض، وفي «الرعاية» قول: لا يصح. كذا قال، ولا يعتبر تمكنه من الحج في حياته؛ لظاهر الخبر، وكنذر الصدقة والعتق، وهذا مذهب (هـ) ، لكن الواجب عنده الإيصاء بقضائه، وقيل: يعتبر (وش) كحجة الإسلام. قال صاحب «المحرر» : هذه المسألة شبيهة بمسألة أمن الطريق، وسعة الوقت، هل هو في حجة الفرض شرط للوجوب، أو للزوم الأداء (١) ؟ والله أعلم، وكذا العمرة، وإن مات وعليه اعتكاف منذور، فُعِلَ عنه، نقله الجماعة (وق) ، ونقل ابن إبراهيم وغيره: ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه. قال سعد بن عبادة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها نَذْرٌ لم تقضه، فقال: «اقضه عنها» .

стр. 205

حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي، من حديث ابن عباس، ومعناه متفق عليه، ولأنه يروى عن عائشة وابن عمر وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، وقاسه جماعة على الصوم، فلهذا في «الرعاية» قول: لا يصح (و) ، فيتوجه على هذا أن يُخْرَجَ عنه كفارة يمين، ويحتمل أن يُطعَمَ عنه لكل يوم مسكينا (و) ، ولو لم يوصِ به (هـ م) ، ويكون من ثلثه (هـ م) ، واعتبر بعض الشافعية اليوم بليلته، واستشكله بعضهم، فإن كل لحظة عبادة، وما قاله محتمل، وعلى الأول: إن لم يمكنه فعله حتى مات، فالخلاف كالصوم، قيل: يقضي، وقيل: لا، ويسقط إلى غير بدل (و) ، فيسقط عندهم الإطعام الواجب مع التفريط، والله أعلم (١) .

стр. 206

وإن مات وعليه صلاة منذورة، فنقل الجماعة: لا تفعل عنه (و) ؛ لأنها عبادة بدنية محضة لا يخلُفُها مال، ولا يجب بإفسادها، ونقل حَرْبٌ تفعل عنه، اختاره الأكثر، قال القاضي: اختارها أبو بكر، والخرقي، وهي الصحيحة. رواه أحمد عن ابن عباس، وذكره البخاري عنه، وعن ابن عمر، وقال الأوزاعي: وعلى هذا تصح وصيته بها. وحيث جاز فِعْلُ غير الصوم، فلا كفارة مع فعله؛ لظاهر النصوص، ولأنه قائم مقام فاعله شرعاً، فكأنه أداه بنفسه، وإلا أخْرَجَ عنه كفارة يمين، لترك النذر، زاد صاحب «المحرر» : إن كان قد فرط، وإلا ففي الكفارة الروايتان فيمن نذر صوم شهر بعينه فلم يصمه؛ لأن فوات أيام الحياة فيما إذا أطلق كفوات الوقت المعين إذا عين، والله أعلم، ومذهب (هـ) : يلزمه أن يوصي بأن يُطعَمَ عنه إن أمكنه فعلها، وقال البغوي الشافعي: لا يبعد تخريج الإطعام من الاعتكاف إلى الصلاة، فيطعم عن كل صلاة مُدّاً. أما صلاة الفرض، فلا تفعل، وسبق الكلام فيها في قضاء رمضان، وقد قال القاضي عياض: والشافعية أجمعوا أنه لا يصلي عنه صلاة فائتة، والله أعلم. قال في «الإيضاح» : من نذر طاعة فمات، فعلت. وكذا في «المستوعب» : يصح أن يفعل عنه كل ما كان عليه من نذر طاعة، إلا الصلاة فإنها على روايتين. وقال في «منتهى الغاية» : إن قصة سعد بن عبادة المذكورة تدل على أن كل نذر يقضى. وكذا ترجم عليها أيضا في «المنتقى» بقضاء كل المنذورات عن الميت. وقال ابن عقيل وغيره: لا تفعل طهارة منذورة عنه مع لزومها بالنذر، ويتوجه في فعلها عن الميت ولزومها بالنذر ما سبق في صوم يوم الغيم، هل هي مقصودة في نفسها أم لا؟ مع أن قياس عدم فعل الولي لها، أن لا تلزم بالنذر، وإن لزمت، لزم فعل صلاة ونحوها بها، كنذر المشي إلى مسجد تلزم تحيته، صلاة ركعتين، كما يأتي في النذر. وهل يُفعَلُ طواف منذور؟ ظاهر كلامهم أنه كصلاة. وفي «الموطأ» ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمَّتِهِ أنها حدَّثَتْه: أنها كانت جعَلَتْ على نفسها مشيا إلى مسجد قباء، ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها.

стр. 207

باب صوم التطوع وذكر ليلة القدر وما يتعلق بذلك أفضل صوم التطوع صيام داود. نص عليه؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «صم يوما وأفطر يوما، فذلك داود، فذلك صيام داود ﷺ وهو أفضل الصيام» . قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال: «لا أفضل من ذلك» . متفق عليه. ويستحب صوم ثلاث أيام من كل شهر (و) ، وأيام البيض أفضل (وش) ، نص على ذلك؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، وأنه «صوم الدهر» ، وفي بعضها: «كصوم الدهر» ، قال شيخنا وغيره: مراده أن من فعل هذا، حصل له أجر صيام الدهر، بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة، والله أعلم. وأيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة (١) ، سُمِّيَتْ بذلك لابيضاض ليلها. وذكر أبو الحسن التميمي أن الله تاب فيها على آدم، وبيض صحيفته. وعن مالك: يكره صومها (٢) . ويستحب صوم الاثنين والخميس. نص عليه.

стр. 208

ويستحب إتباع رمضان بست من شوال، ولمسلم وغيره، من رواية سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب مرفوعا: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال، فذلك صيام الدهر» . سعد مُختَلفٌ فيه، وضعفه أحمد، ورواه أبو داود، عن النفيلي، عن عبد العزيز - وهو الداروردي - عن صفوان بن سليم، وسعد بن سعيد عن عمر. فذكره، وهو إسناد صحيح، وكذا رواه النسائي عن خلاد بن أسلم، عن الداروردي. ورواه أيضا من حديث يحيى بن سعيد عن عمر، لكن فيه عتبة بن أبي حكيم، مُخْتَلفٌ فيه، ورواه أحمد أيضا من حديث جابر مرفوعا، وكذا من حديث ثوبان، وفيه: «وستة أيام بعد الفطر» . فلذلك استحب أحمد، والأصحاب ﵏، لمن صام رمضان أن يُتبِعَه بصوم ستة أيام من شوال. قال جماعة منهم صاحب «المغني» ، و «المحرر» : وإنما كُرِهَ صوم الدهر؛ لما فيه من الضَّعْفِ والتشبه بالتَّبَتُّلِ، ولولا ذلك لكان فيه فضل عظيم؛ لاستغراق الزمان بالطاعة والعِبَادةِ، والمراد بالخبر: التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه، كما قال ﵇ في أيام البيض، وهي مستحبة، قال في «المغني» : بغير خلاف. قال: ولذا نُهِيَ عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، وقال: «من قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فكأنما قرأ ثلث القرآن» ، أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل، لا في كراهة الزيادة عليه.

стр. 209

وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة، ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره، واستحب بعضهم تتابعها، وهو ظاهر الخرقي وغيره، وبعضهم: عقب العيد، واستحبهما ابن المبارك والشافعي وإسحاق، وهذا أظهر (١) ، ولعله مراد أحمد والأصحاب؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره، وسمى بعض الناس الثامن عيد الأبرار، واختار شيخنا الأول؛ لظاهر الخبر، وذكره قول الجمهور، وقال: ولا يجوز اعتقاد ثامن شوال عيدا، فإنه ليس بعيد، إجماعا، ولا شعائره شعائر العيد، والله أعلم (٢) . ويتوجه احتمال: تحصل الفضيلة بصومها في غير شوال، وفاقاً لبعض العلماء، ذكره القرطبي؛ لأن فضيلتها كون الحسنة بعشر أمثالها، كما في خبر ثوبان، ويكون تقييده بشوال لسهولة الصوم لاعتباره رخصة، والرخصة أولى، ويتوجه تحصيل فضيلتها لمن صامها وقضاء رمضان، وقد أفطره لعذر، ولعله مراد الأصحاب، وما ظاهره خلافه خُرِّجَ على الغالب المعتاد، والله أعلم (٣) .

стр. 210

وكره أبو حنيفة ومالك صوم ستة أيام من شوال، وذكر مالك أن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه. قال أصحابنا وغيرهم: يوم الفطر فاصل، بخلاف يوم الشك (١) .

стр. 211

ويستحب صوم عشر ذي الحجة (١) . وآكده التاسع - وهو يوم عرفة - إجماعا، قيل: سمي بذلك للوقوف بعرفة فيه. وقيل: لأن جبريل حج بإبراهيم ﵉، فلما أتى عرفة قال: قد عرفت؟ قال: قد عرفت. وقيل: لتعارف آدم وحواء بها.

стр. 212

ثم الثامن، وهو يوم التروية، قيل: سمي بذلك لأن عرفة لم يكن بها ماء، فكانوا يتروون من الماء إليها، وقيل: لأن إبراهيم ﵇ رأى ليلة التروية الأمر بذبح ولده، فأصبح يتروى؛ هل هو من الله، أو حُلْمٌ؟ فلما رآه الليلة الثانية عرف أنه من الله (١) . ولا وجه لقول بعضهم: آكده الثامن ثم التاسع، ولعله أخذه من قوله في «الهداية» وغيرها: آكده يوم التروية وعرفة.

стр. 213

ولا يستحب للحاج بعرفة صوم يوم عرفة (وم ش) ، وفطره أفضل، وكرهه جماعة؛ لفطره ﷺ بعرفة، وهو يخطب الناس. متفق عليه. ولأحمد وابن ماجه النهي عنه من حديث أبي هريرة، من رواية مهدي الهجري - وفيه جهالة، ووثقه ابن حبان -، وليتقوى على الدعاء. وعن عقبة مرفوعا: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه. قال صاحب «المحرر» : والمراد به؛ كراهة صومه في حق الحاج، واستحبه أبو حنيفة، وإسحاق، إلا أن يضعفه عن الدعاء، واختاره الآجري، قال صاحب «المحرر» : وحكى الخطابي عن إمامنا نحوه، وجزم في «الرعاية» بما ذكره بعضهم؛ أن الأفضل للحاج الفطر يوم التروية، ويوم عرفة بهما (١) . ويستحب صوم المحرم، قال ﷺ : «أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» . رواه مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة. ولعله ﵇ لم يكثر الصيام فيه لعذرٍ، أو لم يعلم فضله إلا أخيراً.

стр. 214

قال ابن الأثير: إضافته إلى الله تعظيما وتفخيما، كقولهم: بيت الله، وآل الله، لقريش. قال: والشهر: الهلال، سُمِّيَ به؛ لشهرته وظهوره. وأفضله عاشوراء، وهو العاشر، وفاقا لأكثر العلماء، ثم تاسوعاء، وهو التاسع - ممدودان، وحُكِيَ قصرهما -، وعن ابن عمر: يكره صوم عاشوراء، وعن بعض السلف: فرض، وهما آكده، ثم العشر، روى مسلم عن أبي قتادة مرفوعا، في صيام يوم عرفة: «إني لأحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنة التي قبله والسنة التي بعده» . وقال في صيام عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» . والمراد به الصغائر، حكاه في «شرح مسلم» عن العلماء، فإن لم تكن صغائر، رُجِيَ التخفيف من الكبائر (١) ، فإن لم تكن رفعت درجات، وعن الحسن، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء، يوم العاشر، من المحرم. إسناده ثقات، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من ابن عباس، وقال: مرسلات الحسن التي رواها عنه الثقات صحاح. وعن معقل بن يسار، وغيره: يوم عاشوراء هو اليوم التاسع؛ لأن الحكم بن عبد الله الأعرج سأل ابن عباس عن صومه: أي يوم؟ قال: إذا رأيت هلال المحرم، فاعدد، فإذا أصبحت من تاسعه، فأصبح منها صائما، قلت: أكذلك كان يصومه محمد ﷺ ؟ قال: نعم. رواه مسلم.

стр. 215

ومعناه: أهكذا كان يأمر بصيامه أو يحث عليه؟ جمعا بينه وبين غيره، ذكره صاحب «المحررِ» ، وعن ابن عباس القولان، واختارت طائفة صوم اليومين، صح عن ابن عباس. وقال: خالفوا اليهود. وعن أبي رافع - صاحب أبي هريرة - وابن سيرين، وقاله الشافعي، وأحمد وإسحاق، وقول ابن عباس: لما صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى - وفي لفظ أبي داود: تصومه اليهود والنصارى - فقال: «فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع» . فلم يأت العام المقبل حتى توفي. رواه مسلم وأبو داود. وهو يدل على أنه لم يكن يصوم التاسع بل العاشر، وأنه عاشوراء، وقصد صوم التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود، وليس يدل على اقتصاره على التاسع. وقد روى الخلال في «العلل» : حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعا: «لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع والعاشر» . إسناده جيد. واحتج به أحمد في رواية الأثرم، وبقول ابن عباس: صوموا التاسع والعاشر. ولا يكره إفراد العاشر بالصوم، وقد أمر أحمد بصومهما، ووافق شيخنا المذهب أنه لا يكره. وقال: مقتضى كلام أحمد: يكره، وهو قول ابن عباس (وهـ) ، ولم يجب صوم عاشوراء، اختاره الأكثر، منهم القاضي، قال صاحب «المحررِ» : وهو الأصح من قول أصحابنا (وش) .
следующие страницы →