← Тафсир

Тафсир · id 12884

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

الجلال السيوطي

Полный текст (7 338 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن مَالك وَأُسَامَة بن زيد وَخُزَيْمَة بن ثَابت قَالُوا: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذَا الطَّاعُون رجز وَبَقِيَّة عَذَاب عذب بِهِ أنَاس من قبلكُمْ فَإِذا كَانَ بِأَرْض وَأَنْتُم بهَا فَلَا تخْرجُوا مِنْهَا وَإِذا بَلغَكُمْ أَن بِأَرْض فَلَا تدخلوها وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي الْآيَة قَالَ: الرجز الْغَضَب

стр. 212

قَوْله تَعَالَى: وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا يَا مُوسَى اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشاربهم كلوا وَاشْرَبُوا من رزق الله وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين أخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الْآيَة قَالَ: ذَلِك فِي التيه ضرب لَهُم مُوسَى الْحجر فَصَارَ فِيهِ اثْنَتَا عشرَة عينا من مَاء لكل سبط مِنْهُم عين يشربون مِنْهَا وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الْآيَة قَالَ: كَانَ هَذَا فِي الْبَريَّة حَيْثُ خَشوا الظمأ استسقى مُوسَى فَأمر بِحجر أَن يضْربهُ وَكَانَ حجرا طورانياً من الطّور يحملونه مَعَهم حَتَّى إِذا نزلُوا ضربه مُوسَى بعصاه ﴿فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ قَالَ: لكل سبط مُهِمّ عين مَعْلُومَة يَسْتَفِيد ماءها وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد قَالَ: انفجر لَهُم الْحجر بضربة مُوسَى اثْنَتَيْ عشرَة عينا كل ذَلِك كَانَ فِي تيههم حِين تاهوا وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جوبير أَنه سُئِلَ فِي قَوْله ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ قَالَ: كَانَ مُوسَى يضع الْحجر وَيقوم من كل سبط رجل وَيضْرب مُوسَى الْحجر فينفجر مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا فينتضح من كل عين على رجل فيدعو ذَلِك الرجل سبطه إِلَى تِلْكَ الْعين وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض﴾ قَالَ: لَا تسعوا

стр. 213

وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ قَالَ: لَا تسعوا فِي الأَرْض فَسَادًا وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي مَالك فِي قَوْله ﴿وَلَا تعثوا﴾ قَالَ: يَعْنِي وَلَا تَمْشُوا بِالْمَعَاصِي وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ قَالَ: لَا تسيروا فِي الأَرْض مفسدين وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد قَالَ: استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقَالَ: اشربوا يَا حمير: فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ: لاتسم عبَادي حميرا

стр. 214

قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قَالَ أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير اهبطوا مصرا فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد﴾ قَالَ: الْمَنّ والسلوى استبدلوا بِهِ البقل وَمَا ذكر مَعَه وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة قَالُوا: ملوا طعامهم فِي الْبَريَّة وَذكروا عيشهم الَّذِي كَانُوا فِيهِ قبل ذَلِك فَقَالُوا ﴿ادْع لنا رَبك﴾ الْآيَة وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طرق عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وفومها﴾ قَالَ: الْخبز وَفِي لفظ: الْبر وَفِي لفظ: الْحِنْطَة بِلِسَان بني هَاشم وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طرق عَن ابْن عَبَّاس أَن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وفومها﴾ قَالَ: الْحِنْطَة

стр. 215

قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت أحيحة بن الجلاح وَهُوَ يَقُول: قد كنت أغْنى النَّاس شخصا وَاحِدًا ورد الْمَدِينَة عَن زراعة فوم وَأخرج وَكِيع وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد وَعَطَاء فِي قَوْله ﴿وفومها﴾ قَالَا: الْخبز وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْحسن وَأبي مَالك فِي قَوْله ﴿وفومها﴾ قَالَا: الْخبز وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْحسن وَأبي مَالك فِي قَوْله ﴿وفومها﴾ قَالَا: الحنظة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الفوم الثوم وَأخرج ابْن جرير عَن الرّبيع بن أنس قَالَ: الفوم الثوم - وَفِي بعض الْقِرَاءَة وثومها وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن مَسْعُود: أَنه قَرَأَ وثومها وَأخرج ابْن أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قرائتي قِرَاءَة زيد وَأَنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قِرَاءَة ابْن مَسْعُود هَذَا أَحدهَا ﴿من بقلها وقثائها وفومها﴾ وَأخرج الطستي فِي مسَائِله عَن ابْن عَبَّاس إِن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله ﴿وفومها﴾ قَالَ: الفوم الْحِنْطَة قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت أَبَا محجن الثَّقَفِيّ وَهُوَ يَقُول: قد كنت أحسبني كأغنى وَاحِد قدم الْمَدِينَة عَن زراعة فوم قَالَ: يَا ابْن الْأَزْرَق وَمن قَرَأَهَا على قِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَهُوَ المنتن قَالَ أُميَّة ابْن أبي الصَّلْت: كَانَت مَنَازِلهمْ إِذْ ذَاك ظَاهِرَة فِيهَا الفراديس والفومات والبصل وَقَالَ أُميَّة ابْن الصَّلْت أَيْضا: أنفي الدياس من الفوم الصَّحِيح كَمَا أنفي من الأَرْض صوب الوابل الْبرد وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى﴾ قَالَ: أردأ

стр. 216

وَأخرج سُفْيَان بن عَيْنِيَّة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿اهبطوا مصرا﴾ قَالَ: مصرا من الْأَمْصَار وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿اهبطوا مصرا﴾ يَقُول: مصرا من الْأَمْصَار وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله ﴿اهبطوا مصرا﴾ قَالَ: يَعْنِي بِهِ مصر فِرْعَوْن وَأخرج ابْن أبي دَاوُد وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف عَن الْأَعْمَش أَنه كَانَ يقْرَأ ﴿اهبطوا مصرا﴾ بِلَا تَنْوِين وَيَقُول: هِيَ مصر الَّتِي عَلَيْهَا صَالح بن عليَّ وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ قَالَ: هم أَصْحَاب الْجِزْيَة وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير عَن قَتَادَة وَالْحسن ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ قَالَ: يُعْطون الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله ﴿والمسكنة﴾ قَالَ: الْفَاقَة وَأخرج ابْن جرير عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ قَالَ: استحقوا الْغَضَب من الله وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وباؤوا﴾ قَالَ: انقلبوا وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين﴾ أخرج أَبُو دَاوُد والطاليسي وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: كَانَت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْيَوْم تقتل ثَلَاثمِائَة نَبِي ثمَّ يُقِيمُونَ سوق بقلهم فِي آخر النَّهَار وَأخرج أَحْمد عَن ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة رجل قتل نَبيا أَو قَتله نَبِي وَإِمَام ضَلَالَة وممثل من الممثلين وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَتعقبه الذَّهَبِيّ عَن أبي ذَر قَالَ جَاءَ اعرابي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نبيء الله قَالَ: لست بنبيء الله ولكنني نَبِي الله قَالَ الذَّهَبِيّ: مُنكر لم يَصح وَأخرج ابْن عدي عَن حمْرَان بن أعين أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة أَتَى النَّبِي

стр. 217

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا نبيء الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لست بنبيء الله ولكنني نَبِي الله وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عمر قَالَ مَا همز رَسُول الله ﷺ وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر وَلَا الْخُلَفَاء وَإِنَّمَا الْهَمْز بِدعَة من بعدهمْ

стр. 218

قَوْله تَعَالَى: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ أخرج ابْن أبي عمر الْعَدنِي فِي سَنَده وَابْن أبي حَاتِم عَن سلمَان قَالَ: سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن أهل دين كنت مَعَهم فَذكر من صلَاتهم وعبادتهم فَنزلت ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ الْآيَة وَأخرج الواحدي عَن مُجَاهِد قَالَ: لما قصّ سلمَان على رَسُول الله ﷺ قصَّة أَصْحَابه قَالَ: هم فِي النَّار قَالَ سلمَان: فأظلمت عَليّ الأَرْض فَنزلت ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿يَحْزَنُونَ﴾ قَالَ: فَكَأَنَّمَا كشف عني جبل وَأخرج ابْن جرير وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ الْآيَة قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أَصْحَاب سلمَان الْفَارِسِي وَكَانَ رجلا من جند نيسابور وَكَانَ من أَشْرَافهم وَكَانَ ابْن الْملك صديقا لَهُ مؤاخياً لَا يقْضِي وَاحِد مِنْهُمَا أَمر دون صَاحبه وَكَانَا يركبان إِلَى الصَّيْد جَمِيعًا فَبَيْنَمَا هما فِي الصَّيْد إِذْ رفع لَهما بَيت من عباءة فَأتيَاهُ فَإِذا هما فِيهِ بِرَجُل بَين يَدَيْهِ مصحف يقْرَأ فِيهِ وَهُوَ يبكي فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا فَقَالَ: الَّذِي يُرِيد أَن يعلم هَذَا لَا يقف موقفكما فَإِن كنتما تريدان أَن تعلما مَا فِيهِ فانزلا حَتَّى أعلمكما فَنزلَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهما: هَذَا كتاب جَاءَ من عِنْد الله أَمر فِيهِ بِطَاعَتِهِ وَنهى عَن مَعْصِيَته فِيهِ أَن لَا تسرق وَلَا تَزني وَلَا تَأْخُذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ فَقص عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ وَهُوَ الإِنجيل الَّذِي أنزل الله على عِيسَى فَوَقع فِي قلوبهما وتابا فاسلما وَقَالَ لَهما: إِن ذَبِيحَة قومكما عَلَيْكُمَا حرَام فَلم يَزَالَا مَعَه كَذَلِك يتعلمان مِنْهُ حَتَّى كَانَ عيد للْملك فَجمع طَعَاما ثمَّ جمع

стр. 219

النَّاس والأشراف وَأرْسل إِلَى ابْن الْملك رَسُولا فَدَعَاهُ إِلَى ضيعته ليَأْكُل مَعَ النَّاس فَأبى الْفَتى وَقَالَ: إِنِّي عَنْك مَشْغُول فَكل أَنْت وَأَصْحَابك فَلَمَّا أَكثر عَلَيْهِ من الرُّسُل أخْبرهُم أَنه لَا يَأْكُل من طعامهم فَبعث الْملك إِلَى ابْنه وَدعَاهُ وَقَالَ: مَا أَمرك هَذَا قَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُل من ذبائحكم إِنَّكُم كفار لَيْسَ تحل ذبائحكم فَقَالَ لَهُ الْملك: من أَمرك هَذَا فَأخْبرهُ أَن الراهب أمره بذلك فَدَعَا الراهب فَقَالَ: مَاذَا يَقُول ابْني قَالَ: صدق ابْنك قَالَ لَهُ: لَوْلَا الدَّم فِينَا عَظِيم لقتلتك وَلَكِن اخْرُج من أَرْضنَا فَأَجله أَََجَلًا فَقَالَ سلمَان: فقمنا نبكي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهما: إِن كنتما صَادِقين فَإنَّا فِي بيعَة فِي الْموصل سِتِّينَ رجلا نعْبد الله فأتونا فِيهَا فَخرج الراهب وَبَقِي سلمَان وَابْن الْملك فَجعل سلمَان يَقُول لِابْنِ الْملك: انْطلق بِنَا وَابْن الْملك يَقُول: نعم وَجعل ابْن الْملك يَبِيع مَتَاعه يُرِيد الجهاز فَلَمَّا أَبْطَأَ على سلمَان خرج سلمَان حَتَّى أَتَاهُم فَنزل على صَاحبه وَهُوَ رب الْبيعَة فَكَانَ أهل تِلْكَ الْبيعَة أفضل مرتبَة من الرهبان فَكَانَ سلمَان مَعَه يجْتَهد فِي الْعِبَادَة ويتعب نَفسه فَقَالَ لَهُ سلمَان: أَرَأَيْت الَّذِي تَأْمُرنِي بِهِ هُوَ أفضل أَو الَّذِي أصنع قَالَ: بل الَّذِي تصنع قَالَ: فخلّ عني ثمَّ إِن صَاحب الْبيعَة دَعَاهُ فَقَالَ أتعلم أَن هَذِه الْبيعَة لي وَأَنا أَحَق النَّاس بهَا وَلَو شِئْت أَن أخرج مِنْهَا هَؤُلَاءِ لفَعَلت وَلَكِنِّي رجل أَضْعَف عَن عبَادَة هَؤُلَاءِ وَأَنا أُرِيد أَن أتحول من هَذِه الْبيعَة إِلَى بيعَة أُخْرَى هم أَهْون عبَادَة من هَهُنَا فَإِن شِئْت أَن تقيم هُنَا فأقم وَإِن شِئْت أَن تَنْطَلِق معي فَانْطَلق فَقَالَ لَهُ سلمَان: أَي البيعتين أفضل أَهلا قَالَ: هَذِه قَالَ سلمَان: فَأَنا أكون فِي هَذِه فَأَقَامَ سلمَان بهَا وَأوصى صَاحب الْبيعَة بسلمان يتعبد مَعَهم ثمَّ إِن الشَّيْخ أَرَادَ أَن يَأْتِي بَيت الْمُقَدّس فَدَعَا سلمَان فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن آتِي بَيت الْمُقَدّس فَإِن شِئْت أَن تَنْطَلِق معي فَانْطَلق وَإِن شِئْت أَن تقيم فاقم قَالَ لَهُ سلمَان: أَيهمَا أفضل أَنطلق مَعَك أَو أقيم قَالَ: لَا بل تَنْطَلِق فَانْطَلق مَعَه فَمروا بمقعد على ظهر الطَّرِيق ملقى فَلَمَّا رآهما نَادَى يَا سيد الرهبان ارْحَمْنِي رَحِمك الله فَلم يكلمهُ وَلم ينظر إِلَيْهِ وانطلقا حَتَّى أَتَيَا بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ الشَّيْخ لسلمان: أخرج فاطلب الْعلم فَإِنَّهُ يحضر هَذَا الْمَسْجِد عُلَمَاء الأَرْض فَخرج سلمَان يسمع مِنْهُم فَرجع يَوْمًا حَزينًا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مَالك يَا سلمَان قَالَ: إِن الْخَيْر كُله قد

стр. 220

ذهب بِهِ من كَانَ قبلنَا من الْأَنْبِيَاء والأتباع فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: لَا تحزن فَإِنَّهُ قد بَقِي نَبِي لَيْسَ من نَبِي بِأَفْضَل تبعا مِنْهُ وَهَذَا الزَّمَان الَّذِي يخرج فِيهِ وَلَا أَرَانِي أدْركهُ وَأما أَنْت فشاب فلعلك أَن تُدْرِكهُ وَهُوَ يخرج فِي أَرض الْعَرَب فَإِن أَدْرَكته فَآمن بِهِ وَاتبعهُ قَالَ لَهُ سلمَان: فَأَخْبرنِي عَن علامته بِشَيْء قَالَ: نعم وَهُوَ مختوم فِي ظَهره بِخَاتم النُّبُوَّة وَهُوَ يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة ثمَّ رجعا حَتَّى بلغا مَكَان المقعد فناداهما فَقَالَ: يَا سيد الرهبان ارْحَمْنِي رَحِمك الله فعطف إِلَيْهِ حِمَاره فَأخذ بِيَدِهِ فرفعه فَضرب بِهِ الأَرْض ودعا لَهُ وَقَالَ: قُم باذن الله فَقَامَ صَحِيحا يشْتَد فَجعل سلمَان يتعجب وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ وَسَار الراهب فغيب عَن سلمَان وَلَا يعلم سلمَان ثمَّ إِن سلمَان فزع بِطَلَب الراهب فَلَقِيَهُ رجلَانِ من الْعَرَب من كلب فَسَأَلَهُمَا هَل رَأَيْتُمَا الراهب فَأَنَاخَ أَحدهمَا رَاحِلَته قَالَ: نعم [] راعي الصرمة هَذَا فَحَمله فَانْطَلق بِهِ إِلَى الْمَدِينَة قَالَ سلمَان: فَأَصَابَنِي من الْحزن شَيْء لم يُصِبْنِي مثله قطّ فاشترته امْرَأَة من جُهَيْنَة فَكَانَ يرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَام لَهَا يتراوحان الْغنم هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا وَكَانَ سلمَان يجمع الدَّرَاهِم ينْتَظر خُرُوج مُحَمَّد ﷺ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا يرْعَى إِذْ أَتَاهُ صَاحبه بعقبة فَقَالَ لَهُ: أشعرت أَنه قد قدم الْمَدِينَة الْيَوْم رجل يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ لَهُ سلمَان: أقِم فِي الْغنم حَتَّى آتِيك فهبط سلمَان إِلَى الْمَدِينَة فَنظر إِلَى النَّبِي ﷺ وَدَار حوله فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ عرف مَا يُرِيد فَأرْسل ثَوْبه حَتَّى خرج خَاتمه فَلَمَّا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلمه ثمَّ انْطلق فَاشْترى بِدِينَار بِبَعْضِه شَاة فشواها وببعضه خبْزًا ثمَّ أَتَاهُ بِهِ فَقَالَ: ماهذه قَالَ سلمَان: هَذِه صَدَقَة قَالَ: لَا حَاجَة لي بهَا فأخرجها فليأكلها الْمُسلمُونَ ثمَّ انْطلق فَاشْترى بِدِينَار آخر خبْزًا وَلَحْمًا ثمَّ أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: هَذِه هَدِيَّة قَالَ: فَاقْعُدْ فَكل فَقعدَ فأكلا مِنْهَا جَمِيعًا فَبَيْنَمَا هُوَ يحدثه إِذْ ذكر أَصْحَابه فَأخْبرهُ خبرهم فَقَالَ: كَانُوا وَيَصُومُونَ ويؤمنون بك وَيشْهدُونَ أَنَّك ستبعث نَبيا فَلَمَّا فرغ سلمَان من ثنائه عَلَيْهِم قَالَ لَهُ نَبِي الله ﷺ يَا سلمَان هم من أهل النَّار فَاشْتَدَّ ذَلِك على سلمَان وَقد كَانَ قَالَ لَهُ سلمَان: لَو أدركوك صدقوك واتبعوك فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾

стр. 221

وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد قَالَ سَأَلَ سلمَان الْفَارِسِي النَّبِي ﷺ عَن أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رأى أَعْمَالهم قَالَ: لم يموتوا على الْإِسْلَام قَالَ سلمَان: فأظلمت عليَّ الأَرْض وَذكرت اجتهادهم فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ فَدَعَا سلمَان فَقَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أَصْحَابك ثمَّ قَالَ: من مَاتَ على دين عِيسَى قبل أَن يسمع بِي فَهُوَ على خير وَمن سمع بِي وَلم يُؤمن فقد هلك وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي النَّاسِخ والمنسوخ وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ الْآيَة قَالَ: فَأنْزل الله بعد هَذَا (وَمن يتبع غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين) وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عبد الله بن نجي عَن عَليّ قَالَ: إِنَّمَا سميت الْيَهُود لأَنهم قَالُوا: إِنَّا هدنا إِلَيْك وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: نَحن أعلم النَّاس من أَيْن تسمت الْيَهُود باليهودية بِكَلِمَة مُوسَى ﵇ إِنَّا هدنا إِلَيْك وَلم تسمت النَّصَارَى بالنصرانية من كلمة عِيسَى ﵇ كونُوا أنصار الله وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: نَحن أعلم النَّاس من أَيْن تسمت الْيَهُود باليهودية وَلم تسمت النَّصَارَى بالنصرانية إِنَّمَا تسمت الْيَهُود باليهودية بِكَلِمَة قَالَهَا مُوسَى إِنَّا هُنَا إِلَيْك فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا هَذِه الْكَلِمَة كَانَت تعجبه فتسموا الْيَهُود وَإِنَّمَا تسمت النَّصَارَى بالنصرانية لكلمة قَالَهَا عِيسَى من أَنْصَارِي إِلَى الله قَالَ الحواريون: نَحن أنصار الله فتسموا بالنصرانية وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ: إِنَّمَا سموا نَصَارَى بقرية يُقَال لَهَا ناصرة ينزلها عِيسَى بن مَرْيَم فَهُوَ اسْم تسموا بِهِ وَلم يؤمروا بِهِ وَأخرج ابْن سعد فِي طبقاته وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّمَا سميت النَّصَارَى لِأَن قَرْيَة عِيسَى كَانَت تسمى ناصرة وَأخرج وَكِيع وَعبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الصابئون قوم بَين الْيَهُود وَالْمَجُوس وَالنَّصَارَى لَيْسَ لَهُم دين وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد قَالَ: الصابئون لَيْسُوا بيهود وَلَا نَصَارَى هم قوم من الْمُشْركين لَا كتاب لَهُم

стр. 222

وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن مُجَاهِد قَالَ: سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الصابئين فَقَالَ: هم قوم بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لَا تحل ذَبَائِحهم وَلَا مناكحهم وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: الصابئون منزله بَين النَّصْرَانِيَّة والمجوسية لفظ ابْن أبي حَاتِم: منزلَة بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأخرج عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: ذهبت الصابئون إِلَى الْيَهُود فَقَالُوا: مَا أَمركُم قَالُوا: نَبينَا مُوسَى جَاءَنَا بِكَذَا وَكَذَا ونهانا عَن كَذَا وَكَذَا وَهَذِه التَّوْرَاة فَمن تابعنا دخل الْجنَّة ثمَّ أَتَوا النَّصَارَى فَقَالُوا فِي عِيسَى مَا قَالَت الْيَهُود فِي مُوسَى وَقَالُوا هَذَا الإِنجيل فَمن تابعنا دخل الْجنَّة فَقَالَت الصابئون هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ نَحن وَمن اتَّبعنَا فِي الْجنَّة وَالْيَهُود يَقُولُونَ نَحن وَمن اتَّبعنَا فِي الْجنَّة فَنحْن بِهِ لاندين فسماهم الله الصابئين وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: الصابئون فرقة من أهل الْكتاب يقرؤون الزبُور وَأخرج وَكِيع عَن السّديّ قَالَ الصابئون من أهل الْكتاب وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة قَالَ: الصابئون قوم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَيصلونَ إِلَى غير الْقبْلَة ويقرؤون الزبُور وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: الصابىء: الَّذِي يعرف الله وَحده وَلَيْسَت لَهُ شَرِيعَة يعْمل بهَا وَلم يحدث كفرا وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي الزِّنَاد قَالَ: الصابئون قَالَ: الصابئون مِمَّا يَلِي الْعرَاق وهم بكوثى يُؤمنُونَ بالنبيين كلهم وَأخرج عبد بن حميد عَن أبن عَبَّاس قَالَ: يَقُولُونَ الصابئون: وَمَا الصابئون [] الصابئون وَيَقُولُونَ: الخاطئون وَمَا الخاطئون الخاطئون

стр. 223

قَوْله تَعَالَى: وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لكنتم من الخاسرين

стр. 224

أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ فَقَالَ: جبل نزلُوا بِأَصْلِهِ فَرُفِعَ فَوْقهم فَقَالَ: لتأخذن أَمْرِي أَو لأرمينكم وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الطّور الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ التَّوْرَاة وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل أَسْفَل مِنْهُ وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الطّور مَا أنبت من الْجبَال وَمَا لم ينْبت فَلَيْسَ بطور وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الطّور الْجَبَل بالسُّرْيَانيَّة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك قَالَ: النبط يسمون الْجَبَل الطّور وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿خُذُوا مَا آتيناكم بقوّة﴾ قَالَ: بجد وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي الْعَالِيَة ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يَقُول: اقرؤوا مَا فِي التَّوْرَاة وَاعْلَمُوا بِهِ وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تنزعون عَمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ

стр. 225

قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ فجعلنها نكالاً لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا وموعظة لِلْمُتقين أخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس ﴿وَلَقَد علمْتُم﴾ قَالَ: عَرَفْتُمْ وَهَذَا تحذير لَهُم من الْمعْصِيَة يَقُول: احذورا أَن يُصِيبكُم مَا أصَاب أَصْحَاب السبت إِذْ عصوني اعتدوا يَقُول: اجترؤوا فِي السبت بصيد السّمك فَقُلْنَا لَهُم ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ فمسخهم الله قردة بمعصيتهم وَلم يَعش مسخ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يَأْكُل وَلم يشرب وَلم ينسل

стр. 226

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الَّذين اعتدوا فِي السبت فَجعلُوا قردة فواقاً ثمَّ هَلَكُوا مَا كَانَ للمسخ نسل وَأخرج ابْن الْمُنْذر من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: القردة والخنازير من نسل الَّذين مسخوا وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن قَالَ: انْقَطع ذَلِك النَّسْل وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم فِي قَوْله ﴿فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ قَالَ: مسخت قُلُوبهم وَلم يمخوا قردة وَإِنَّمَا هُوَ مثل ضربه الله لَهُم مثل الْحمار يحمل أسفاراً وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي الْآيَة قَالَ: أحلّت لَهُم الْحيتَان وَحرمت عَلَيْهِم يَوْم السبت ليعلم من يطيعه مِمَّن يعصيه فَكَانَ الْقَوْم فيهم ثَلَاثَة أَصْنَاف وَأما صنف فَأمْسك وَنهى عَن الْمعْصِيَة وَأما صنف فَأمْسك عَن حُرْمَة الله وَأما صنف فانتهك الْمعْصِيَة ومرن على الْمعْصِيَة فَلَمَّا أَبَوا إِلَّا عتواً عَمَّا نَهَاهُم الله عَنهُ ﴿قُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ وَصَارَ الْقَوْم قردوا تعاوى لَهَا الذئاب بعد مَا كَانُوا رجَالًا وَنسَاء وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿خَاسِئِينَ﴾ قَالَ: ذليلين وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿خَاسِئِينَ﴾ قَالَ: صاغرين وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد مثله وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﴿فجعلناها نكالاً لما بَين يَديهَا﴾ من الذُّنُوب ﴿وَمَا خلفهَا﴾ من الْقرى ﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ الَّذين من بعدهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس ﴿فجعلناها﴾ يَعْنِي الْحيتَان ﴿نكالاً لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا﴾ من الذُّنُوب الَّتِي عمِلُوا قبل وَبعد وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس ﴿فجعلناها﴾ قَالَ: فَجعلنَا تِلْكَ الْعقُوبَة وَهِي المسخة ﴿نكالاً﴾ عُقُوبَة ﴿لما بَين يَديهَا﴾ يَقُول: ليحذر من بعدهمْ عقوبتي ﴿وَمَا خلفهَا﴾ يَقُول: للَّذين بقوا مَعَهم ﴿وموعظة﴾ تذكرة وعبرة لِلْمُتقين وَأخرج عبد بن حميد عَن سُفْيَان فِي قَوْله ﴿نكالاً لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا﴾ قَالَ: من الذُّنُوب ﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ قَالَ: لأمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 227

قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبجوا بقرة قَالُوا أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين أخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب من عَاشَ بعد الْمَوْت عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَت مدينتان فِي بني إِسْرَائِيل وأحداها حَصِينَة وَلها أَبْوَاب وَالْأُخْرَى خربة فَكَانَ أهل الْمَدِينَة الحصينة إِذا أَمْسوا أغلقوا أَبْوَابهَا فَإِذا أَصْبحُوا قَامُوا على سور الْمَدِينَة فنظروا هَل حدث فِيمَا حولهَا حَادث فَأَصْبحُوا يَوْمًا فَإِذا شيخ قَتِيل مطروح بِأَصْل مدينتهم فَأقبل أهل الْمَدِينَة الخربة فَقَالُوا: قتلتم صاحبنا وَابْن أَخ لَهُ شَاب يبكي عَلَيْهِ وَيَقُول: قتلتم عمي قَالُوا: وَالله مَا فتحنا مدينتنا مُنْذُ أغلقناها وَمَا لدينا من دم صَاحبكُم هَذَا فَأتوا مُوسَى فَأوحى الله إِلَى مُوسَى ﴿أَن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ إِلَى قَوْله ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ: وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل غُلَام شَاب يَبِيع فِي حَانُوت لَهُ وَكَانَ لَهُ أَب شيخ كَبِير فَأقبل رجل من بلد آخر يطْلب سلْعَة لَهُ عِنْده فَأعْطَاهُ بهَا ثمنا فَانْطَلق مَعَه ليفتح حانوته فيعطيه الَّذِي طلب والمفتاح مَعَ أَبِيه فَإِذا أَبوهُ نَائِم فِي ظلّ الْحَانُوت فَقَالَ: أيقظه قَالَ ابْنه: إِنَّه نَائِم وَأَنا أكره أَن أروّعه من نومته فانصرفا فَأعْطَاهُ ضعف مَا أعطَاهُ على أَن يوقظه فَأبى فَذهب طَالب السّلْعَة فَاسْتَيْقَظَ الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ ابْنه: يَا أَبَت وَالله لقد جَاءَ هَهُنَا رجل يطْلب سلْعَة كَذَا فَأعْطى بهَا من الثّمن كَذَا وَكَذَا فَكرِهت أَن أروعك من نومك فلامه الشَّيْخ فعوّضه الله من بره بوالده أَن نتجت من بقر تِلْكَ الْبَقَرَة الَّتِي يطْلبهَا بَنو إِسْرَائِيل فَأتوهُ فَقَالُوا لَهُ: بعناها فَقَالَ: لَا قَالُوا: إِذن نَأْخُذ مِنْك فَأتوا مُوسَى فَقَالَ: اذْهَبُوا فارضوه من سلْعَته قَالُوا: حكمك قَالَ: حكمي أَن تضعوا الْبَقَرَة فِي كفة الْمِيزَان ذَهَبا صامتاً فِي الكفة الْأُخْرَى فَإِذا مَال الذَّهَب أَخَذته فَفَعَلُوا وَأَقْبلُوا بالبقرة حَتَّى انْتَهوا بهَا إِلَى قبر الشَّيْخ وَاجْتمعَ أهل المدينتين فذبحوها فَضرب ببضعة من لَحمهَا الْقَبْر فَقَامَ الشَّيْخ ينفض رَأسه يَقُول: قتلني ابْن أخي طَال عَلَيْهِ عمري وَأَرَادَ أَخذ مَالِي وَمَات وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ: كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل عقيماً لَا يُولد لَهُ وَكَانَ لَهُ مَال

стр. 228

كثير وَكَانَ ابْن أَخِيه وَارثه فَقتله ثمَّ احتمله لَيْلًا فَوَضعه على بَاب رجل مِنْهُم ثمَّ أصبح يَدعِيهِ عَلَيْهِم حَتَّى تسلحوا وَركب بَعضهم إِلَى بعض فَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُم: علا م يقتل بَعْضكُم بَعْضًا وَهَذَا رَسُول الله فِيكُم فَأتوا مُوسَى فَذكرُوا ذَلِك لَهُ فَقَالَ ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة قَالُوا أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ قَالَ: فَلَو لم يعترضوا لاجزأت عَنْهُم أدنى بقرة وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم حَتَّى انْتَهوا إِلَى الْبَقَرَة الَّتِي أمروا بذبحها فوجدوها عِنْد رجل لَيْسَ لَهُ بقرة غَيرهَا فَقَالَ: وَالله لَا أنقصها من ملْء جلدهَا ذَهَبا فذبحوها فضربوه بِبَعْضِهَا فَقَامَ فَقَالُوا: من قَتلك فَقَالَ: هَذَا لِابْنِ أَخِيه ثمَّ مَال مَيتا فَلم يُعْط من مَاله شَيْئا وَلم يُورث قَاتل بعد وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن عُبَيْدَة قَالَ: أوّل مَا قضي أَنه لَا يَرث الْقَاتِل فِي صَاحب بني إِسْرَائِيل وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن سِيرِين قَالَ: أوّل مَا منع الْقَاتِل الْمِيرَاث لَكَانَ صَاحب الْبَقَرَة وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن شَيخا من بني إِسْرَائِيل على عهد مُوسَى كَانَ مكثراً من المَال وَكَانَ بَنو أَخِيه فُقَرَاء لَا مَال لَهُم وَكَانَ الشَّيْخ لَا ولد لَهُ وَكَانَ بَنو أَخِيه ورثته فَقَالُوا: لَيْت عمنَا قد مَاتَ فورثنا مَاله وَأَنه لما تطاول عَلَيْهِم أَن لَا يَمُوت أَتَاهُم الشَّيْطَان فَقَالَ: هَل لكم إِلَى أَن تقتلُوا عمكم وتغرموا أهل الْمَدِينَة الَّتِي لَسْتُم بهَا دِيَته وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَتَا مدينتين كَانُوا فِي إِحْدَاهمَا وَكَانَ الْقَتِيل إِذْ قتل فَطرح بَين المدينتين قيس مَا بَين الْقَتِيل والقريتين فَأَيّهمَا كَانَت أقرب إِلَيْهِ غرمت الدِّيَة وَأَنَّهُمْ لما سوّل لَهُم الشَّيْطَان ذَلِك عَمدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ ثمَّ طرحوه على بَاب الْمَدِينَة الَّتِي لَيْسُوا بهَا فَلَمَّا أصبح أهل الْمَدِينَة جَاءَ بَنو أخي الشَّيْخ فَقَالُوا: عمنَا قتل على بَاب مدينتكم فوَاللَّه لتغرمنَّ لنا دِيَته قَالَ: أهل الْمَدِينَة نقسم بِاللَّه مَا قتلنَا وَلَا علمنَا قَاتلا وَلَا فتحنا بَاب مدينتنا مُنْذُ أغلق حَتَّى أَصْبَحْنَا فعمدوا إِلَى مُوسَى فَجَاءَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: قل لَهُم ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ فتضربوه بِبَعْضِهَا وَأخرج سُفْيَان بن عَيْنِيَّة عَن عِكْرِمَة قَالَ: كَانَ لبني إِسْرَائِيل مَسْجِد لَهُ اثْنَا عشر بَابا لكل سبط مِنْهُم بَاب يدْخلُونَ مِنْهُ وَيخرجُونَ فَوجدَ قَتِيل على بَاب سبط من

стр. 229

الأسباط قتل على بَاب سبط وجر إِلَى بَاب سبط آخر فاختصم فِيهِ أهل السبطين فَقَالَ هَؤُلَاءِ: أَنْتُم قتلتم هَذَا وَقَالَ الْآخرُونَ: بل أَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ ثمَّ جررتموه إِلَيْنَا فاختصموا إِلَى مُوسَى فَقَالَ ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ الْآيَة ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ قَالَ: فَذَهَبُوا يطلبونها فَكَأَنَّهَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِم فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَقَالُوا ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ إِن الْبَقر تشابه علينا وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ وَلَوْلَا أَنهم قَالُوا إِن شَاءَ الله مَا وجدوها ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول﴾ أَلا وَإِنَّمَا كَانَت الْبَقَرَة يَوْمئِذٍ بِثَلَاثَة دَنَانِير وَلَو أَنهم أخذُوا أدنى بقرهم فذبحوها كفتهم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم فَذَهَبُوا يطلبونها فيجدون هَذِه الصّفة عِنْد رجل فَقَالُوا: تبيعنا هَذِه الْبَقَرَة قَالَ: أبيعها قَالُوا: بكم تبيعها قَالَ: بِمِائَة دِينَار فَقَالُوا: إِنَّهَا بقرة بِثَلَاثَة دَنَانِير فابوا أَن يأخذوها فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَقَالُوا: وجدناها عِنْد رجل فَقَالَ لَا أنقطكم من مائَة دِينَار وَإِنَّهَا بقرة بِثَلَاثَة دَنَانِير قَالَ: هُوَ أعلم هُوَ صَاحبهَا إِن شَاءَ بَاعَ وَإِن لم شَاءَ لم يبع فَرَجَعُوا إِلَى الرجل فَقَالُوا: قد أخذناها بِمِائَة دِينَار فَقَالَ: لَا أنقصها عَن مِائَتي دِينَار فَقَالُوا سُبْحَانَ الله قد بعتنا بِمِائَة دِينَار ورضيت فقد أخذناها قَالَ: لَيْسَ أنقصها من مِائَتي دِينَار فتركوها وَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَقَالُوا لَهُ: قد أعطاناها بِمِائَة دِينَار فَلَمَّا رَجعْنَا إِلَيْهِ قَالَ: لَا أنقصها من مِائَتي دِينَار قَالَ: هُوَ أعلم إِن شَاءَ بَاعهَا وَإِن شَاءَ لم يبعها فعادوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: قد أخذناها بِمِائَتي دِينَار فَقَالَ: لَا أنقصها من أَرْبَعمِائَة دِينَار قَالُوا: قد كنت أعطيتناها بِمِائَتي دِينَار فقد أخذناها فَقَالَ: لَيْسَ أنقصها من أَرْبَعمِائَة دِينَار فتركوها وعادوا إِلَى مُوسَى فَقَالُوا: قد أعطيناه مِائَتي دِينَار فَأبى أَن يَأْخُذهَا وَقَالَ: لَا أنقصها من أَرْبَعمِائَة دِينَار فَقَالَ: هُوَ أعلم هُوَ صَاحبهَا إِن شَاءَ بَاعَ وَإِن شَاءَ لم يبع فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: قد أخذناها بأربعمائة دِينَار فَقَالَ: لَا أنقصها من ثَمَانمِائَة دِينَار فَلم يزَالُوا يعودون إِلَى مُوسَى ويعودون عَلَيْهِ فَكلما عَادوا إِلَيْهِ أَضْعَف عَلَيْهِ الثّمن حَتَّى قَالَ: لَيْسَ أبيعها إِلَّا بملء مسكها فَأَخَذُوهَا فذبحوها فَقَالَ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا فضربوه بفخذها فَعَاشَ فَقَالَ: قتلني فلَان فَإِذا هُوَ رجل كَانَ لَهُ عَم وَكَانَ لِعَمِّهِ مَال كثير وَكَانَ لَهُ ابْنة فَقَالَ: أقتل

стр. 230

عمي هَذَا وأرث مَاله وأتزوج ابْنَته فَقتل عَمه فَلم يَرث شَيْئا وَلم يُورث قَاتل مُنْذُ ذَلِك شَيْئا قَالَ مُوسَى: إِن لهَذِهِ الْبَقَرَة لشأنا ادعوا إليَّ صَاحبهَا فَدَعوهُ فَقَالَ: أَخْبرنِي عَن هَذِه الْبَقَرَة وَعَن شَأْنهَا قَالَ: نعم كنت رجلا أبيع فِي السُّوق وأشتري فسامني رجل بضَاعَة عِنْدِي فَبِعْته إِيَّاهَا وَكنت قد أشرفت مِنْهَا على فضل كَبِير فَذَهَبت لآتيه بِمَا قد بِعته فَوجدت الْمِفْتَاح تَحت رَأس والدتي فَكرِهت أَن أوقظها من نومها وَرجعت إِلَى الرجل فَقلت: لَيْسَ بيني وَبَيْنك بيع فَذهب ثمَّ رجعت فنتجت لي هَذِه الْبَقَرَة فَألْقى الله عَلَيْهَا مني محبَّة فَلم يكن عِنْدِي شَيْء أحب إليَّ مِنْهَا فَقيل لَهُ إِنَّمَا أصبت هَذَا ببر والدتك

стр. 231

قَوْله تَعَالَى: قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك فافعلوا مَا تأمرون قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا لَوْنهَا قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ إِن الْبَقر تشابه علينا وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لاشية قَالُوا ألن جِئْت بِالْحَقِّ فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ أخرج الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِن بني إِسْرَائِيل لَو أخذُوا أدنى بقرة لأجزاهم ذَلِك أَو لأجزأت عَنْهُم وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَوْلَا أَن بني إِسْرَائِيل قَالُوا ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ مَا أعْطوا أبدا وَلَو أَنهم اعْترضُوا بقرة من الْبَقر فذبحوها لأجزأت عَنْهُم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَو أَن بني إِسْرَائِيل أخذُوا أدنى بقرة فذبحوها أَجْزَأت عَنْهُم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا وَلَوْلَا أَنهم قَالُوا ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ مَا وجدوها

стр. 232

وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا أمروا بِأَدْنَى بقرة وَلَكنهُمْ لما شَدَّدُوا على أنفسهم شدد الله عَلَيْهِم وَلَو لم يستثنوا مَا بيّنت لَهُم آخر الْأَبَد وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن نَبِي الله ﷺ كَانَ يَقُول إِنَّمَا أَمر الْقَوْم بِأَدْنَى بقرة وَلَكنهُمْ لما شَدَّدُوا على أنفسهم شدد عَلَيْهِم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو لم يستثنوا مَا بيّنت لَهُم وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم من طرق عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لَو أخذُوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عَنْهُم وَلَكنهُمْ شَدَّدُوا وتعنتوا مُوسَى فَشدد الله عَلَيْهِم وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طرق عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ قَالَ: الفارض الهرمة وَالْبكْر الصَّغِيرَة والعوان النّصْف وَأخرج الطستي فِي مسَائِله عَن ابْن عَبَّاس إِن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله ﴿لَا فارض﴾ قَالَ: الْكَبِيرَة الهرمة قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت الشَّاعِر وَهُوَ يَقُول: لعمري لقد أَعْطَيْت ضيفك فارضاً تساق إِلَيْهِ مَا تقوم على رجل قَالَ: أَخْبرنِي عَن قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ الفاقع الصافي اللَّوْن من الصُّفْرَة قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت لبيد بن ربيعَة وَهُوَ يَقُول: سدماً قَلِيلا عَهده بانيسه من بَين اصفر فَاقِع ودفان وَأخرج عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير أَنه كَانَ يسْتَحبّ أَن يسكت على بكر ثمَّ يَقُول: عوان بَين ذَلِك وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ قَالَ: بَين الصَّغِيرَة والكبيرة وَهِي أقوى مَا يكون وَأحسنه وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ قَالَ: شَدِيدَة الصُّفْرَة تكَاد من صفرتها تبيض

стр. 233

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عمر فِي قَوْله ﴿صفراء﴾ قَالَ: صفراء الظلْف ﴿فَاقِع لَوْنهَا﴾ قَالَ: صافي وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة ﴿فَاقِع لَوْنهَا﴾ قَالَ: صَاف لَوْنهَا ﴿تسر الناظرين﴾ قَالَ: تعجب الناظرين وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ والخطيب والديلمي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: من لبس نعلا صفراء لم يزل فِي سرُور مَا دَامَ لَابسهَا وَذَلِكَ قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين﴾ وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْحسن فِي قَوْله ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ قَالَ: سَوْدَاء شَدِيدَة السوَاد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة أَنه قَرَأَ / أَن الباقر تشابه علينا / وَأخرج عبد بن حميد عَن يحيى عَن يعمر أَنه قَرَأَ / إِن الباقر تشابه علينا / وَقَالَ: الباقر أَكثر من الْبَقر وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف عَن الْأَعْمَش قَالَ: فِي قراءتنا ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله ﴿إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول﴾ أَي لم يذله الْعَمَل ﴿تثير الأَرْض﴾ يَعْنِي لَيست بذلول فتثير الأَرْض ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْث﴾ يَقُول: وَلَا تعْمل فِي الْحَرْث ﴿مسلمة﴾ قَالَ: من الْعُيُوب وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿بقرة لَا ذَلُول تثير﴾ يَقُول: لَيست بذلول فتفعل ذَلِك ﴿مسلمة﴾ قَالَ: من الشّبَه قَالَ ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ: لَا بَيَاض وَلَا سَواد وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس ﴿مسلمة﴾ قَالَ: لَا عوار فِيهَا وَأخرج ابْن جرير عَن عَطِيَّة ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ: لَوْنهَا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا لون سوى لَوْنهَا وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿لَا ذَلُول﴾ يَعْنِي صنفة يَقُول: لم يذلها الْعَمَل ﴿مسلمة﴾ قَالَ: من الْعُيُوب ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ: لَا بَيَاض فِيهَا ﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ قَالُوا: الْآن بيّنت لنا ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾

стр. 234

وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب فِي قَوْله ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنهَا وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس أَن أَصْحَاب الْبَقَرَة بني إِسْرَائِيل طلبوها أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى وجدوها عِنْد رجل فِي بقر لَهُ وَكَانَت بقرة تعجبه فَجعلُوا يعطونه بهَا فيأبى حَتَّى أَعْطوهُ ملْء مسكها دَنَانِير فذبحوها فضربوه بعضو مِنْهَا فَقَامَ تشخب اوداجه دَمًا فَقَالُوا لَهُ: من قَتلك قَالَ: قتلني فلَان وَأخرج وَكِيع وَابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء قَالَ: الذّبْح والنحر فِي الْبَقر سَوَاء لِأَن الله يَقُول ﴿فذبحوها﴾ وَأخرج وَكِيع وَعبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: كَانَ لبني إِسْرَائِيل الذّبْح وَأَنْتُم لكم النَّحْر ثمَّ قَرَأَ ﴿فذبحوها﴾ ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ سُورَة الْكَوْثَر الْآيَة ٢

стр. 235

قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قتلتم نفسا فأدّارأتم فِيهَا وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون أخرج عبد بن حميد وَابْن جريرعن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿وَإِذ قتلتم نفسا فأدّارأتم فِيهَا﴾ قَالَ: اختلفتم فِيهَا ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ قَالَ: ماتغيبون وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ أخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن الْمسيب بن رَافع قَالَ: مَا عمل رجل حَسَنَة فِي سَبْعَة أَبْيَات إِلَّا أظهرها الله وَمَا عمل رجل سَيِّئَة فِي سَبْعَة أَبْيَات إِلَّا أظهرها الله وتصديق ذَلِك كتاب الله ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن رجلا عمل فِي صَخْرَة صماء لَا بَاب فِيهَا وَلَا كوَّة خرج عمله إِلَى النَّاس كَائِنا مَا كَانَ وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ: من عمل عملا كَسَاه الله رِدَاءَهُ وَإِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن عُثْمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَت لَهُ

стр. 236

سريرة صَالِحَة أَو سَيِّئَة أظهر الله عَلَيْهِ مِنْهَا رِدَاء يعرف بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْمَوْقُوف أصح وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه من الْمُؤمن قَالُوا الله رَسُوله أعلم قَالَ: الْمُؤمن الَّذِي لَا يَمُوت حَتَّى يملاء الله مسامعه مِمَّا يحب وَلَو أَن عبدا اتَّقى الله فِي جَوف بَيت إِلَى سبعين بَيْتا على كل بَيت بَاب من حَدِيد لألبسه الله رِدَاء عمله حَتَّى يتحدث بِهِ النَّاس وَيزِيدُونَ قَالُوا: وَكَيف يزِيدُونَ يَا رَسُول الله قَالَ: لِأَن التقي لَو يَسْتَطِيع أَن يزِيد فِي بره لزاد ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : من الْكَافِر قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم قَالَ: الْكَافِر الَّذِي لَا يَمُوت حَتَّى يملاء الله مسامعه مِمَّا يكره وَلَو أَن فَاجِرًا فجر فِي جَوف بَيت إِلَى سبعين بَيْتا على كل بَيت بَاب من حَدِيد لألبسه الله رِدَاء عمله حَتَّى يتحدث بِهِ النَّاس وَيزِيدُونَ قَالُوا: وَكَيف يزِيدُونَ يَا رَسُول الله قَالَ: لِأَن الْفَاجِر لَو يَسْتَطِيع أَن يزِيد فِي فجوره لزاد وَأخرج ابْن عدي عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله مرد كل امرىء رِدَاء عمله وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ثَابت قَالَ: كَانَ يُقَال لَو أَن ابْن آدم عمل بِالْخَيرِ فِي سبعين بَيْتا لكساه الله تَعَالَى رِدَاء عمله حَتَّى يعرف بِهِ وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: النَّاس يعرف أَعْمَالهم من تَحت كنف الله فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد فضيحة أخرجه من تَحت كنفه فبدت عَوْرَته وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ رَفعه قَالَ: لَا يهتك الله عبدا وَفِيه مِثْقَال حَبَّة من خير وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَو أَن عبدا اكتتم بِالْعبَادَة كَمَا يكتتم بِالْفُجُورِ لأظهر الله ذَلِك مِنْهُ

стр. 237

قَوْله تَعَالَى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون

стр. 238

أخرج وَكِيع وَالْفِرْيَابِي وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ قَالَ: ضرب بالعظم الَّذِي يَلِي الغضروف وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَنهم ضربوه بفخذها فَلَمَّا فعلوا أَحْيَاهُ الله حَتَّى أنبأهم بقاتله الَّذِي قَتله وَتكلم ثمَّ مَاتَ وَأخرج وَكِيع وَابْن جرير عَن عِكْرِمَة فِي الْآيَة قَالَ: ضربوه بفخذها فحي فَمَا زَاد على أَن قَالَ: قتلني فلَان ثمَّ عَاد فَمَاتَ وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي الْآيَة قَالَ: ضرب بفخذ الْبَقَرَة فَقَامَ حَيا فَقَالَ: قتلني فلَان ثمَّ عَاد فِي ميتَته وَأخرج ابْن جرير عَن السّديّ قَالَ: ضرب بالبضعة الَّتِي بَين الْكَتِفَيْنِ وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: أَمرهم أَن يَأْخُذُوا عظما فيضربوا بِهِ الْقَتِيل فَفَعَلُوا فَرجع الله روحه فَسمى قَاتله ثمَّ عَاد مَيتا كَمَا كَانَ وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى﴾ الْآيَة أخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: إِن فَتى من بني إِسْرَائِيل كَانَ برا بوالدته وَكَانَ يقوم ثلث اللَّيْل يُصَلِّي وَيجْلس عِنْد رَأس والدته ثلث اللَّيْل فيذكرها بالتسبيح والتهليل وَالتَّكْبِير والتحميد وَيَقُول: يَا أمه إِن كنت ضعفت عَن قيام اللَّيْل فكبري الله وسبيحه وهلليه فَكَانَ ذَلِك عملهما الدَّهْر كُله فَإِذا أصبح أَتَى الْجَبَل فاحتطب على ظَهره فَيَأْتِي بِهِ السُّوق فيبيعه بِمَا شَاءَ الله أَن يَبِيعهُ فَيتَصَدَّق بِثُلثِهِ ويبقي لعبادتع ثلثا وَيُعْطِي الثُّلُث أمه وَكَانَت أمه تَأْكُل النّصْف وَتَتَصَدَّق بِالنِّصْفِ وَكَانَ ذَلِك عملهما الدَّهْر كُله فَلَمَّا طَال عَلَيْهَا قَالَت: يابني اعْلَم أَنِّي قد ورثت من أَبِيك بقرة وختمت عُنُقهَا وتركتها فِي الْبَقر على اسْم إِلَه إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب قَالَت وسأبين لَك مَا لَوْنهَا وهيئتها فَإِذا أتيت الْبَقر فادعها باسم إِلَه إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب فَأَنَّهَا تفعل كَمَا وَعَدتنِي وَقَالَت: إِن علامتها لَيست بهرمة وَلَا فتية غير أَنَّهَا بَينهمَا وَهِي صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين إِذا نظرت إِلَى جلدهَا يخيل إِلَيْك أَن شُعَاع الشَّمْس يخرج من جلدهَا وَلَيْسَت بالذلول وَلَا صعبة تثير الأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لاشية فِيهَا ولونها وَاحِد فَإِذا رَأَيْتهَا فَخذ بعنقها فَإِنَّهَا تتبعك بِإِذن إِلَه إِسْرَائِيل

стр. 239

فَانْطَلق الْفَتى وَحفظ وَصِيَّة والدته وَسَار فِي الْبَريَّة يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثًا حَتَّى إِذا كَانَ صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم انْصَرف فصاح بهَا فَقَالَ: بإله إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل واسحق وَيَعْقُوب إِلَّا مَا أتيتني فَأَقْبَلت الْبَقَرَة عَلَيْهِ وَتركت الرَّعْي فَقَامَتْ بَين يَدي الْفَتى فَأخذ بعنقها فتكلمت الْبَقَرَة وَقَالَت: يَا أَيهَا الْفَتى الْبر بوالدته اركبني فَإِنَّهُ أَهْون عَلَيْك قَالَ الْفَتى: لم تَأْمُرنِي والدتي أَن أركب عَلَيْك وَلكنهَا أَمرتنِي أَن أسوقك سوقاً فَأحب أَن أبلغ قَوْلهَا فَقَالَت: بإله إِسْرَائِيل لَو ركبتني مَا كنت لتقدر عَليّ فَانْطَلق يَا أَيهَا الْفَتى الْبر بوالدته لَو أَنَّك أمرت هَذَا الْجَبَل أَن ينقلع لَك من أَصله لانقلع لبرك بوالدتك ولطاعتك إلهك فَانْطَلق حَتَّى إِذا كَانَ من مسيرَة يَوْم من منزله استقبله عدوّ الله إِبْلِيس فتمثل لَهُ على صُورَة رَاع من رُعَاة الْبَقر فَقَالَ: يَا أَيهَا الْفَتى من أَيْن جِئْت بِهَذِهِ الْبَقَرَة أَلا تركبها فَإِنِّي أَرَاك قد أعييت أَظُنك لَا تملك من الدُّنْيَا مَالا غير هَذِه الْبَقَرَة فَإِنِّي أُعْطِيك الْأجر ينفعك وَلَا يَضرهَا فَإِنِّي رجل من رُعَاة الْبَقر اشْتقت إِلَى أَهلِي فَأخذت ثوراً من ثيراني فَحملت عَلَيْهِ طَعَامي وزادي حَتَّى غذا بلغت شطر الطَّرِيق أَخَذَنِي وجع بَطْني فَذَهَبت لأقضي حَاجَتي فَعدا وسط الْجَبَل وَتَرَكَنِي وَأَنا أطلبه وَلست أقدر عَلَيْهِ فَأَنا أخْشَى على نَفسِي الْهَلَاك وَلَيْسَ معي زَاد وَلَا مَاء فَإِن رَأَيْت أَن تحملنِي على بقرتك فتبلغني مرَاعِي وتنجيني من الْمَوْت وَأُعْطِيك أجرهَا بقرتين قَالَ الْفَتى: إِن بني آدم لَيْسَ بِالَّذِي يقتلهُمْ الْيَقِين وتهلكهم أنفسهم فَلَو علم الله مِنْك الْيَقِين لبلغك بِغَيْر زَاد وَلَا مَاء وَلست بِرَاكِب أمرا لم أومر بِهِ إِنَّمَا أَنا عبد مَأْمُور وَلَو علم سَيِّدي أَنِّي عصيته فِي هَذِه الْبَقَرَة لأهلكني وعاقبني عُقُوبَة شَدِيدَة وَمَا أَنا بمؤثر هَوَاك على هوى سَيِّدي فَانْطَلق يَا أَيهَا الرجل بِسَلام فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس: أُعْطِيك بِكُل خطْوَة تخطوها إِلَى منزلي درهما فَذَلِك مَال عَظِيم وتفدي نَفسِي من الْمَوْت فِي هَذِه الْبَقَرَة قَالَ الْفَتى: إِن سَيِّدي لَهُ ذهب الأَرْض وفضتها فَإِن أَعْطَيْتنِي شَيْئا مِنْهَا علم أَنه من مَاله وَلَكِن أَعْطِنِي من ذهب السَّمَاء وفضتها فَأَقُول أَنه لَيْسَ هَذَا من مَالك فَقَالَ إِبْلِيس: وَهل فِي السَّمَاء ذهب وَفِضة أَو هِيَ يقدر أحد على هَذَا قَالَ الْفَتى: أَو هَل يَسْتَطِيع العَبْد بِمَا لم يَأْمر بِهِ سَيّده كَمَا لَا تَسْتَطِيع أَنْت ذهب السَّمَاء وفضتها قَالَ لَهُ إِبْلِيس: أَرَاك أعجز العبيد فِي أَمرك قَالَ لَهُ الْفَتى: إِن الْعَاجِز من

стр. 240

عصى ربه قَالَ لَهُ إِبْلِيس: مَا لي لَا أرى مَعَك زادا ولاماء قَالَ الْفَتى: زادي التَّقْوَى وطعامي الْحَشِيش وشرابي من عُيُون الْجبَال قَالَ إِبْلِيس: أَلا آمُرك بِأَمْر يرشدك قَالَ: مر بِهِ نَفسك فَإِنِّي على رشاد إِن شَاءَ الله قَالَ لَهُ إِبْلِيس: مَا أَرَاك تقبل نصيحة قَالَ لَهُ الْفَتى: الناصح لنَفسِهِ من أطَاع سَيّده وَأدّى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ فَإِن كنت شَيْطَانا فأعوذ بِاللَّه مِنْك وَإِن كنت آدَمِيًّا فَاخْرُج فَلَا حَاجَة لي فِي صحابتك فجمد إِبْلِيس عِنْد ذَلِك ثَلَاث سَاعَات مَكَانَهُ وَلَو ركبهَا لَهُ إِبْلِيس مَا كَانَ الْفَتى يقدر عَلَيْهَا وَلَكِن الله حَبسه عَنْهَا فَبَيْنَمَا الْفَتى يمشي إِذْ طَار طَائِر من بَين يَدَيْهِ فاختلس الْبَقَرَة ودعاها الْفَتى وَقَالَ: بإله إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل واسحق وَيَعْقُوب إِلَّا مَا أتيتني فَأَتَت الْبَقَرَة إِلَيْهِ وَقَامَت بَين يَدَيْهِ فَقَالَت: يَا أَيهَا الْفَتى ألم تَرَ إِلَى ذَلِك الطَّائِر الَّذِي طَار من بَين يَديك فَإِنَّهُ إِبْلِيس عَدو الله اختلسني فَلَمَّا ناديتني بإله إِسْرَائِيل جَاءَ ملك من الْمَلَائِكَة فانتزعني مِنْهُ فردني إِلَيْك لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك فَانْطَلق فلست ببارحتك حَتَّى تَأتي أهلك إِن شَاءَ الله قَالَ: فَدخل الْفَتى إِلَى أمه يخبرها الْخَبَر فَقَالَت: يَا بني إِنِّي أَرَاك تحتطب على ظهرك اللَّيْل والنَّهَار فتشخص فَاذْهَبْ بِهَذِهِ الْبَقَرَة فبعها وَخذ ثمنهَا فتقوّ بِهِ وودع بِهِ نَفسك قَالَ الْفَتى: بكم أبيعها قَالَت: بِثَلَاثَة دَنَانِير على رضَا مني فَانْطَلق الْفَتى إِلَى السُّوق فَبعث الله إِلَيْهِ ملكا من الْمَلَائِكَة ليري خلقه قدرته فَقَالَ للفتى: بكم تبيع هَذِه الْبَقَرَة أَيهَا الْفَتى فَقَالَ: أبيعها بِثَلَاثَة دَنَانِير على رضَا من والدتي قَالَ: لَك سِتَّة دَنَانِير وَلَا تستأمر والدتك فَقَالَ: لَو أَعْطَيْتنِي زنتها لم أبعها حَتَّى أستأمرها فَخرج الْفَتى فَأخْبر والدته الْخَبَر فَقَالَت: بعها بِسِتَّة دَنَانِير على رضَا مني فَانْطَلق الْفَتى وَأَتَاهُ الْملك فَقَالَ: مَا فعلت فَقَالَ: أبيعها بِسِتَّة دَنَانِير على رضَا من والدتي قَالَ: فَخذ اثْنَي عشر دِينَارا وَلَا تستأمرها قَالَ: لَا فَانْطَلق الْفَتى إِلَى أمه فَقَالَت: يَا بني إِن الَّذِي يَأْتِيك ملك من الْمَلَائِكَة فِي صُورَة آدَمِيّ فَإِذا أَتَاك فَقل لَهُ: إِن والدتي تقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَتقول: بكم تَأْمُرنِي أَن أبيع هَذِه الْبَقَرَة قَالَ لَهُ الْملك: يَا أَيهَا الْفَتى يَشْتَرِي بقرتك هَذِه مُوسَى بن عمرَان لقتيل يقتل من بني إِسْرَائِيل وَله مَال كثير وَلم يتْرك أَبوهُ ولدا غَيره وَله أَخ لَهُ بنُون كَثِيرُونَ فَيَقُولُونَ كَيفَ لنا أَن نقْتل هَذَا الْغُلَام ونأخذ مَاله فدعوا الْغُلَام إِلَى منزلهم

стр. 241

فَقَتَلُوهُ فطرحوه إِلَى جَانب دَارهم فَأصْبح أهل الدَّار فأخرجوا الْغُلَام إِلَى بَاب الدَّار وَجَاء بَنو عَم الْغُلَام فَأخذُوا أهل الدَّار فَانْطَلقُوا بهم إِلَى مُوسَى فَلم يدر مُوسَى كَيفَ يحكم بَينهم من أجل أَن أهل الدَّار بُرَآء من الْغُلَام فشق ذَلِك على مُوسَى فَدَعَا ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ: أَن خُذ بقرة صفراء فاقعا لوناه فاذبحها ثمَّ اضْرِب الْغُلَام بِبَعْضِهَا فعمدوا إِلَى بقرة الْفَتى فاشتروها على أَن يملؤوا جلدهَا دَنَانِير ثمَّ ذبحوها ثمَّ ضربوا الْغُلَام بِبَعْضِهَا فَقَامَ يُخْبِرهُمْ فَقَالَ: إِن بني عمي قتلوني وَأهل الدَّار مني بُرَآء فَأَخذهُم مُوسَى فَقَالُوا: يَا مُوسَى أتتخذنا هزوا قد قتلنَا ابْن عمنَا مَظْلُوما وَقد علمُوا أَن سيفضحوا فعمدوا إِلَى جلد الْبَقَرَة فملؤوه دَنَانِير ثمَّ دفعوه إِلَى الْفَتى فَعمد الْفَتى فَتصدق بالثلثين على فُقَرَاء بني إِسْرَائِيل وتقوّى بِالثُّلثِ ﴿كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾

стр. 242

قَوْله تَعَالَى: ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الأتهار وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك﴾ قَالَ: من بعد مَا أَرَاهُم الله من إحْيَاء الْمَوْتَى وَمن بعد مَا أَرَاهُم من أَمر الْقَتِيل ﴿فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ ثمَّ عذر الله الْحِجَارَة وَلم يعْذر شقي ابْن آدم فَقَالَ ﴿وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَإِن من الْحِجَارَة﴾ الْآيَة أَي أَن من الْحِجَارَة لألين من قُلُوبكُمْ لما تدعون إِلَيْهِ من الْحق وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد قَالَ: كل حجر يتفجر مِنْهُ المَاء أَو يشقق عَن مَاء أَو يتردى من رَأس جبل فَمن خشيَة الله نزل بذلك الْقُرْآن

стр. 243

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ قَالَ: إِن الْحجر ليَقَع على ألرض وَلَو اجْتمع عَلَيْهِ كثير من النَّاس مَا استطاعوه وَإنَّهُ ليهبط من خشيَة الله

стр. 244

قَوْله تَعَالَى: أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ أخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ثمَّ قَالَ الله لنَبيه وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ يؤيسهم مِنْهُم ﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله﴾ وَلَيْسَ قَوْله التَّوْرَاة كلهَا وَقد سَمعهَا وَلَكنهُمْ الَّذين سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَة رَبهم فَأَخَذتهم الصاعقة فِيهَا وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم﴾ الْآيَة قَالَ: فَالَّذِينَ يحرفونه وَالَّذين يكتبونه م الْعلمَاء مِنْهُم وَالَّذين نبذوا كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ هَؤُلَاءِ كلهم يهود وَأخرج ابْن جرير عَن السّديّ فِي قَوْله ﴿يسمعُونَ كَلَام الله﴾ قَالَ: هِيَ التَّوْرَاة حرفوها

стр. 245

قَوْله تَعَالَى: وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم أَفلا تعقلون أوَ لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون أخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ أَي بصاحبكم رَسُول الله وَلكنه إِلَيْكُم خَاصَّة وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا: لَا تحدثُوا الْعَرَب بِهَذَا فَإِنَّكُم قد كُنْتُم تستفتحون بِهِ عَلَيْكُم فَكَانَ مِنْهُم ﴿ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم﴾ أَي يقرونَ أَنه نَبِي وَقد علمْتُم أَنه قد أَخذ عَلَيْكُم الْمِيثَاق باتباعه وَهُوَ يُخْبِرهُمْ أَنه النَّبِي الَّذِي كَانَ ينْتَظر ونجده فِي كتَابنَا اجحدوه وَلَا تقروا بِهِ

стр. 246

وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة قَالَ: هَذِه الْآيَة فِي الْمُنَافِقين من الْيَهُود وَقَوله ﴿بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي بِمَا أكْرمكُم بِهِ وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: قَامَ النَّبِي ﷺ يَوْم قُرَيْظَة تَحت حصونهم فَقَالَ يَا إخْوَان القردة والخنازير وَيَا عَبدة الطاغوت فَقَالُوا: من أخبر هَذَا الْأَمر مُحَمَّد مَا خرج هَذَا الْأَمر إِلَّا مِنْكُم ﴿أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ بِمَا حكم الله ليَكُون لَهُم حجَّة عَلَيْكُم وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن زيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدخلن علينا قَصَبَة الْمَدِينَة إِلَّا مُؤمن فَقَالَ: رُؤَسَاء الْيَهُود: اذْهَبُوا فَقولُوا آمنا واكفروا إِذا رجعتم إِلَيْنَا فَكَانُوا يأْتونَ الْمَدِينَة بالبكر ويرجعون إِلَيْهِم بعد الْعَصْر وَهُوَ قَوْله (وَقَالَت طَائِفَة من أهل الْكتاب آمنُوا بِالَّذِي أنزل على الَّذين آمنُوا وَجه النَّهَار واكفروا آخِره) (آل عمرَان الْآيَة ٧٢) وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِذا دخلُوا الْمَدِينَة نَحن مُسلمُونَ ليعلموا خبر رَسُول الله ﷺ وَأمره فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يظنون أَنهم مُؤمنُونَ فَيَقُولُونَ لَهُم: أَلَيْسَ قد قَالَ لكم فِي التَّوْرَاة كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُونَ: بلَى فَإِذا رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا ﴿أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ الْآيَة وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَاس من الْيَهُود آمنُوا ثمَّ نافقوا فَكَانُوا يحدثُونَ الْمُؤمنِينَ من الْعَرَب بِمَا عذبُوا بِهِ فَقَالَ بَعضهم لبَعض ﴿أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ من الْعَذَاب لِيَقُولُوا نَحن أحب إِلَى الله مِنْكُم وَأكْرم على الله مِنْكُم وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة أَن امْرَأَة من الْيَهُود أَصَابَت فَاحِشَة فجاؤوا إِلَى النَّبِي ﷺ يَبْتَغُونَ مِنْهُ الحكم رَجَاء الرُّخْصَة فَدَعَا رَسُول الله ﷺ عالمهم وَهُوَ ابْن صوريا فَقَالَ لَهُ: احكم قَالَ: فجبؤه والتجبئة يحملونه على حمَار ويجعلون على وَجهه إِلَى ذَنْب الْحمار فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أبحكم الله حكمت قَالَ: لَا وَلَكِن نِسَاءَنَا كن حسانا فأسرع فِيهِنَّ رجالنا فغيرنا الحكم وَفِيه أنزلت ﴿وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض﴾ الْآيَة

стр. 247

وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ قَالُوا: هم الْيَهُود وَكَانُوا إِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا فصانعوهم بذلك ليرضوا عَنْهُم وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض نهى بَعضهم بَعْضًا أَن يحدثوا بِمَا فتح الله عَلَيْهِم وَبَين لَهُم فِي كِتَابه من أَمر مُحَمَّد ﵇ رفعته ونبوته وَقَالُوا: إِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك احْتَجُّوا عَلَيْكُم بذلك عِنْد ربكُم ﴿أَفلا تعقلون أَو لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ قَالَ: مَا يعلنون من أَمرهم وَكَلَامهم إِذا لقوا الَّذين آمنُوا وَمَا يسرون إِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض من كفرهم بِمُحَمد ﷺ وتكذيبهم بِهِ وهم يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله ﴿أَو لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون﴾ يَعْنِي من كفرهم بِمُحَمد وتكذيبهم بِهِ ﴿وَمَا يعلنون﴾ حِين قَالُوا للْمُؤْمِنين: آمنا

стр. 248

قَوْله تَعَالَى: وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني وَإِن هم إِلَّا يظنون أخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأميون قوم لم يصدقُوا رَسُولا أرْسلهُ الله وَلَا كتابا أنزلهُ فَكَتَبُوا كتابا بِأَيْدِيهِم ثمَّ قَالُوا لقوم سفلَة جهال: هَذَا من عِنْد الله وَقَالَ: قد أخْبرهُم أَنهم يَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِم ثمَّ سماهم أُمِّيين لجحودهم كتب الله وَرُسُله وَأخرج ابْن جرير عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي قَوْله ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب﴾ قَالَ: مِنْهُم من لَا يحسن أَن يكْتب وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب﴾ قَالَ: لَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ ﴿وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ وهم يجحدون نبؤتك بِالظَّنِّ وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب﴾ قَالَ: نَاس من يهود لم يَكُونُوا يعلمُونَ من الْكتاب شَيْئا وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيْر مَا فِي كتاب الله ويقولن هُوَ من الْكتاب أماني تمنونها

стр. 249

وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿إِلَّا أماني﴾ قَالَ: إِلَّا أَحَادِيث وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿إِلَّا أماني﴾ قَالَ: إِلَّا قولا يَقُولُونَ بأفواههم كذبا وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله ﴿إِلَّا أماني﴾ قَالَ: إِلَّا كذبا ﴿وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ قَالَ: الا يكذبُون

стр. 250

قَوْله تَعَالَى: فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ أخرج وَكِيع وَابْن الْمُنْذر وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم﴾ قَالَ: نزلت فِي أهل الْكتاب وَأخرج أَحْمد وهناد بن السّري بن الزّهْد وَعبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي صفة النَّار وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ويل وادٍ فِي حهنم يهوي فِيهِ الْكَافِر أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قبل أَن يبلغ قَعْره وَأخرج ابْن جرير عَن عُثْمَان بن عَفَّان عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله ﴿فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم﴾ قَالَ: الويل جبل فِي النَّار وَهُوَ الَّذِي أنزل فِي الْيَهُود لأَنهم حرفوا التَّوْرَاة زادوا فِيهَا مَا أَحبُّوا ومحوا مِنْهَا مَا كَانُوا يكْرهُونَ ومحوا اسْم مُحَمَّد ﷺ من التَّوْرَاة وَأخرج الْبَزَّار وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي النَّار [] حجرا يُقَال لَهَا ويل يصعد عَلَيْهِ العرفاء وينزلون فِيهِ وَأخرج الْحَرْبِيّ فِي فَوَائده عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ وَيحك يَا عَائِشَة فَجَزِعت مِنْهَا فَقَالَ لي: يَا حميراء إت وَيحك أَو ويك رَحْمَة فَلَا تحجزعي مِنْهَا وَلَكِن اجزعي من الويل
следующие страницы →