← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

٦٦ - صِفَةِ الْوُضُوءِ - غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ولما بين المصنف في البابين المتقدمين كمية الوضوء، شرع يبين كفيته بقوله "صفة الوضوء". والصفة: من الوصف كالعدة من الوَعْد، يقال: وصفته وصفا من باب وعد: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وصف الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حاله وَبَيَّنَ هيئته. ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْق، أو خُلُق، أفاده في المصباح. ثم بدأ من صفة الوضوء بغسل الكفين: لأنه مبدأ المغسولات، قال في المصباح: الكَفُّ من الإنسان وغيره: أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مُخَضَّب فعلى معنى ساعد مخضب، وجمعها كُفُوف وأكُفّ مثل فلس، وفلوس، وأفلس، قال الأزهري: الكف الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن اهـ. ٨٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ رَجُلٍ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَلَا أَحْفَظُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا، أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي

стр. 1017

سَفَرٍ، فَقَرَعَ ظَهْرِي بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى أَتَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الأَرْضِ، فَأَنَاخَ ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ: فَذَهَبَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: "أَمَعَكَ مَاءٌ". وَمَعِي سَطِيحَةٌ لِي، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَذَكَرَ مِنْ نَاصِيَتِهِ شَيْئًا، وَعِمَامَتِهِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: لا أَحْفَظُ كَمَا أُرِيدُ. ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "حَاجَتَكَ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَتْ لِي حَاجَةٌ، فَجِئْنَا وَقَدْ أَمَّ النَّاسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَذَهَبْتُ لأُوذِنَهُ فَنَهَانِي، فَصَلَّيْنَا مَا أَدْرَكْنَا وَقَضَيْنَا مَا سُبِقْنَا. رجال الإسناد سبعة ١ - (محمَّد بن إبراهيم) بن صُدْران بضم المهملة الأولى، الأزدي

стр. 1018

السَّليمي بتحتانية بعد اللام المكسورة، أبو جعفر المؤذن، يروي عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وطائفة، وعنه أبو داود، والترمذي، والنسائي وخلق، وثقه أبو داود، قال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٤٧، من [١٠] (البصري) نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة. قال في المصباح: البَصْرة وزان تمرة، الحجارة الرِّخْوة، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء وكسرها، وبها سميت البلدة المعروفة، وأنكر الزجاج فتح الباء مع الحذف، ويقال في النسبة بصري بالوجهين، وهي مُحدَثة إسلامية، بنيت في خلافة عمر ﵁، سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. اهـ. ٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي -بفتح الراء والقاف المخففة نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة- مولاهم أبو إسماعيل البصري العابد، أحد الحفاظ الأعلام، عن يحيى بن سعيد، وحميد، وسهيل، وداود بن أبي هند، وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق، ومسدد، وعمرو بن علي، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن المديني: كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يوما ويفطر يوما، قال ابن سعد: كان عثمانيا، توفي سنة ١٨٧، أخرج له الجماعة ثقة ثبت عابد من الثامنة. ٣ - (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان -بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء- المزني مولاهم أبو عون الخَرَّاز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام. عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق، وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن

стр. 1019

عبادة: ما رأيت أعبد منه، قال يحيى القطان: مات سنة ١٥١، أخرج له الجماعة ثقة فاضل من السادسة. ٤ - (عامر الشعبي) بن شَرَاحيل الحميري، أبو عمرو الكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه، وعن علي، وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة، وعن عائشة، وجرير، وابن عباس، وخلق. قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. وعنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي، وخلق، قال أبو مجْلَز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي، وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، قال يحيى بن بكير: توفي سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة. والشعبي: نسبة إلى شعب بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بطن من همدان قاله في اللباب. ٥ - (عروة بن المغيرة) أبو يعفور الثقفي الكوفي ثقة [٣] تقدم في ٦٣/ ٧٩. ٦ - (عن المغيرة) بن شعبة الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١٦/ ١٧. ٧ - (محمَّد بن سيرين) البصري الإمام العلم المشهور ثقة ثبت [٣] تقدم في ٤٦/ ٥٧. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين

стр. 1020

بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وابن سيرين، وكوفيين، وهم الباقون. وفيه رواية تابعي، عن تابعي. تنبيه: قوله: وعن محمَّد بن سيرين عطف على عامر الشعبي، يعني أن ابن عون يروي عن شيخين: الشعبي وابن سيرين، ويروي ابن سيرين عن رجل، ولم يسمه، وقوله: حتى رده يعني حتى رد ابن سيرين الحديث الذي أخذه عن رجل إلى المغيرة بن شعبة. وقوله: قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا، من حديث ذا، أي لا أمَيِّز حديث أحدهما من حديث الآخر، بل حفظته مجموعا. فإن قلت: طريق ابن سيرين فيها عن رجل وهو مبهم، فيكون الحديث ضعيفا، قلت: الحديث صحيح، متصل من طريق الشعبي، وغيره، فلا يضره الإبهام الواقع في سند ابن سيرين. ورواية محمَّد بن سيرين أخرجها البغوي في شرح السنة مختصرة، وسَمَّى الرجل عمرو بن وهب الثقفي، ونصُّهُ من طريق الشافعي: أنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، وابن علية عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ "توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته وخفيه" هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه محمَّد (يعني البخاري) من رواية عمرو بن أمية، عن النبي ﷺ اهـ شرح السنة جـ ١/ ص ٤٥١. لكن ذكر ابن أبي حاتم في العلل ما نصه: سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه ابن المبارك عن عوف، وهشام عن محمَّد بن سيرين، قال: أخبرنا عمرو بن وهب، أن المغيرة

стр. 1021

ابن شعبة حدثه عن النبي ﷺ في المسح على الخفين. فقال أبي: رواه أيوب السختياني من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي عبد الله، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة، عن النبي ﷺ . وقال أبو زرعة: رواه بعض أصحاب ابن عون، عن ابن عون، عن محمَّد، عن عمرو بن وهب، عن رجل عن آخر، عن المغيرة، عن النبي ﷺ ، قلت لأبي زرعة: أيهما الصحيح؟، قال: عمرو عن رجل، عن آخر، عن المغيرة اهـ جـ ١/ ص ١٤. والحاصل أن طريق ابن سيرين فيها اختلاف، ورجح البغوي صحتها، وسمى المبهم عمرو بن وهب، وعلى هذا فقد زال الإبهام، عن السند الذي ذكره المصنف. لكن ظاهر عبارة المصنف توهم أن ابن سيرين رواه عن رجل، عن آخر، لأن قوله: حتى رده إلى المغيرة، يرشد إليه، فيكون موافقا لقول أبي زرعة ﵀، فليتأمل. قلت: لكن المصنف أخرج رواية ابن سيرين من طريق يونس بن عبيد، عنه قال: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة، فبين المبهم هنا أنه عمرو بن وهب، وأن عمرا سمع الحديث من المغيرة بن شعبة نفسه، فزال الانقطاع وصح الحديث ولله الحمد، وسيأتي في الحديث ١٠٩ "باب كيف المسح على العمامة"، والله أعلم. شرح الحديث (عن المغيرة) ﵁ أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر) وقد تقدم في الحديث ٧٩ أنها غزوة تبوك (فقرع ظهري بعصا) أي ضربه بها، وليس المراد الضرب الشديد، بل وضع العصا للإعلام، قاله

стр. 1022

السندي، وكان ذلك قبل الفجر، كما وقع في رواية أبي داود، ويرشد إليه ما يأتي للمصنف (فعدل) أي مال ﷺ عن الطريق، إلى ناحية ليقضي حاجته (فعدلت معه) امتثالا لأمره، وفي رواية لابن سعد، "فتبعته بماء بعد الفجر"، ولا تنافي بين هذا، وما تقدم، لحمل ما تقدم على الصلاة يعني أن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر (حتي أتى كذا وكذا من الأرض) غاية للعدول، أي مال عن الطريق ذاهبا إلى جهة، حتى أتَي مكانا من الأمكنة (فأناخ) أي أبرك ناقته، يقال: أنخت البعير، فاستناخ، ونوّخته فتنوخ، وأناخ الإبل: أبركها، واستناخت بركت، قاله في اللسان. (ثم انطلق) أي ذهب ﷺ لقضاء حاجته (قال) المغيرة موضحا لقوله: انطلق بالفاء التفصيلية (فذهب حتى توارى عني) أي اختفى، وهذه الجملة تفصيل لقوله "ثم انطلق"، فالفاء تفصيلية كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] (ثم جاء) بعد قضاء حاجته، ففي رواية الشيخين، فانطلق حتى توارى عني ثم قضى حاجته (فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي) أي مزادة، قال في النهاية: السطيحة من المزادة ما كان من جلدين، قوبل أحدهما بالآخر، فسطح عليه، وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه اهـ زهر جـ ١/ ص ٦٤. وفي رواية أحمد: أن الماء أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة، من جلد ميتة، فقال له ﷺ : "سَلْها، فإن كانت دبغتها، فهو طهورها" فقالت: إي والله دبغتها. قال في المنهل: ودلت رواية أحمد هذه على قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو امرأة، سواء أكان مما تعم به البلوى أم لا، لقبول

стр. 1023

خبر الأعرابية اهـ جـ ٢/ ص ١٠٣. (فأتيته بها) أي بتلك السطيحة (فأفرغت عليه) من مائها (فغسل يديه) أي كفيه كما في رواية أبي داود، وهو المطابق للترجمة (ووجهه وذهب ليغسل ذراعيه) أي قصد: يقال: ذهب مذهب فلان، قصد قصده، وطريقته، قاله في المصباح. والمعنى: أراد النبي ﷺ غسل ذراعيه (وعليه جبة شامية) جملة حالية: أي والحال أن على النبي ﷺ جبة شامية، والجبة بالضم: ضرب من مقطعات الثياب تلبس، وجمعها جُبَب أي بالضم، وجبَاب أي بالكسر، والجبة من أسماء الدرع، قاله في اللسان. وقوله شامية: أي منسوبة إلى الشام البلد المعروف، لأنها تعمل فيه، وهكذا في رواية البخاري جبة شامية، وفي رواية لأبي داود: وعليه جبة من صوف من جباب الروم (ضيقة الكمين) تثينة كم بضم الكاف وتشديد الميم، معروف، جمعه أكمام وكمَمَة مثال عنبة، قاله في المصباح. (فأخرج يده من تحت الجبة) لعدم تمكنه من حسر ذراعيه، كما بينته رواية أبي داود: "ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما إلى المرفق" (فغسل وجهه وذراعيه) وهذه الجملة بيان للأولى، فكأنه قال: فانتهى غسله على الوجه والذراعين، وأما ما بعد ذلك فهو مسح. (وذكر) المغيرة بن شعبة أنه ﷺ مسح (من ناصيته شيئا) من (عمامته شيئا) أي ذكر أنه مسح على شيء من ناصيته، وشيء من عمامته (قال) عبد الله (ابن عون: لا أحفظ كما أريد) أي لا أحفظ الحديث في الناصية والعمامة على الوجه الذي أريده، بل الذي أتذكر منه ذكرُ شيء من

стр. 1024

ناصيته، وشيء من عمامته، ولكن غيره حفظ ذلك، وبينه كما سيأتي في "بابُ كيف المسح على العمامة" عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، قال: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة فذكر الحديث وفيه "فتوضأ ومسح بناصيته وجانبي عمامته" الحديث. (ثم مسح على خفيه) وفيه دلالة على مشروعية المسح على الخفين، وسيأتي تحقيقه في بابه إن شاء الله تعالى (ثم قال: حاجتك) بالنصب مفعولا لفعل محذوف، أي اقض حاجتك من البول والغائط، قال المغيرة: (قلت يا رسول الله ليست لي حاجة) يريد ﷺ بذلك أن ينتظره حتى يقضي حاجته من البول والغائط. وفيه كمال شفقته ﷺ ، قال (فجئنا وقد أمَّ الناسَ عبدُ الرحمن بن عوف) وفي رواية أبي داود "ثم ركب، فأقبلنا نسير حتى نجد الناسَ في الصلاة قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف". وهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة مات سنة ٣٢، وقيل غير ذلك اهـ "ت". وفي الخلاصة: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث ابن زهرة بن كلاب بن مرة الزهري، أبو محمَّد المدني، شهد بدرا، والمشاهد، له خمسة وستون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وهو أحد العشرة، وهاجر الهجرتين، وأحد الستة، وعنه بنوه إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، ومصعب، وغيرهم، قال الزهري: تصدق على عهد النبي ﷺ بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألفا، ثم حمل على خمسمائة فرس، ثم على خمسمائة راحلة، وأوصى لنساء النبي ﷺ بحديقة قومت بأربعمائة ألف، قال خليفة: مات سنة ٣٢،

стр. 1025

وقيل ٣، ودفن بالبقيع، وزاد بعضهم وهو ابن ٧٥ سنة، أخرج له الجماعة اهـ. (وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح) قال المغيرة (فذهبت لأوذنه) أي لأعلمه بحضور النبي ﷺ ، لئلا يصلي خلفه، وقد قال الله تعالى ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: آية ١] (فنهاني) ﷺ عن ذلك، وفي رواية ابن سعد "فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعة فسبح الناس له حين رأوا رسول الله ﷺ ، حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه ﷺ أن أثبت" (فصلينا ما أدركنا) مع الناس وهي الركعة الثانية (وقضينا ما سُبقْنا) بعد ما سلم عبد الرحمن، ففي رواية المصنف الآتية في باب "كيف المسح على العمامة" "فلما سلم ابن عوف قام النبي ﷺ فقضى ما سبق به". وفي رواية مسلم: "فلما سلم عبد الرحمن بن عوف، قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم، أو قال: قد أصبتم، يغبطهم أن صلُّوا الصلاةَ لوقتها". فإن قيل: كيف قام عبد الرحمن في صلاته، وتأخر أبو بكر حين مجيء النبي ﷺ إلى الصلاة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂؟. أجيب: بأن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي ﷺ التقدم لئلا يختلَّ ترتيبُ الصلاة في حق المأمومين، بخلاف قصة أبي بكر، فإنه لم يركع ركعة، وقت مجيئه ﷺ ، أو بأنه ﷺ أراد أن يبين لهم حكم قضاء المسبوق، بفعله كما بينه بقوله. ولا يقال: إنه ﷺ أشار إلى كل من الصديق، وابن عوف بعدم التأخر

стр. 1026

فلم تأخر الصديق، دون ابن عوف، لأن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، بخلاف عبد الرحمن، فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، ولا شك أن الأول أكمل. وقد يقال: إن أبا بكر بلغ من الفرح بشفاء رسول الله ﷺ مبلغًا لم يملك نفسه معه عن التأخر، قاله في المنهل جـ ١/ ص ١٠٦. والله أعلم، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. الثانية: فيمن أخرجه: أخرجه الستة إلا الترمذي. فأخرجه المصنف: فيما تقدم عن سليمان بن داود الحراني، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة ابن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، إلا أن مالكا لم يذكر عروة. وهنا عن محمَّد بن إبراهيم بن صُدْران، عن بشْر بن المُفَضَّل، عن ابن عون، عن الشعبي، عن عروة، عن المغيرة، وهو أتم. وفي الباب ٩٦: في الحديث [٧] عن قتيبة عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، مختصرا، وفي الكبرى ١٠٨ الحديث١، عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، عن عمه، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، و ١٠٨/ ٢ عن إبراهيم بن الحسين، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، كلاهما عن الزهري. وأخرجه البخاري في الطهارة ٣٦/ ٢ عن عمرو بن علي، عن عبد الوهاب الثقفي و ٥٠/ ٢ عن عمرو بن خالد، عن الليث كلاهما عن يحيى بن سعيد وفي المغازي ٨٢/ ١ عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن

стр. 1027

عبد العزيز بن أبي سلمة كلاهما عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن جبير بن مطعم عنه به. وفي الطهارة أيضا (٥١) وفي اللباس (١١) عن أبي نعيم، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عنه به. ومسلم في الطهارة ٢٢/ ٥ عن قتيبة، و ٢٢/ ٢٥ عن محمَّد بن رمح كلاهما عن الليث، عن يحيى بن سعيد به، و ٢٢/ ٦ عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، به، و ٢٢/ ١٠ عن محمَّد بن عبد الله ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا بن أبي زائدة به. و٢٢/ ١١ عن محمَّد بن حاتم، عن إسحاق بن منصور السَّلُولي، عن عمر بن أبي زائدة عن الشعبي به مختصرا، وفي الصلاة عن محمَّد بن رافع، وحسن الحلواني كلاهما عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عباد بن زياد، عنه به زاد قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف. وأبو داود في الطهارة ٥٩/ ١ عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس عن الزهري، ولم يذكر قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف (١). و٥٩/ ٣، عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن أبيه، عن الشعبي به، وابن ماجه في الطهارة ٨٤/ ٣، عن محمَّد بن رمح به، اهـ تحفة الأشراف. وأخرجه أحمد، ومالك، والبيهقي. المسألة الثالثة: في فوائد هذا الحديث: يستفاد منه ما ترجم له المصنف، وهو غسل الكفين، وموضع

стр. 1028

الاستدلال منه قوله "فغسل يديه" وفي رواية أبي داود "كفيه" وهي أصرح. وفيه من الفوائد أيضًا: الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين، واستحباب الدوام على الطهارة، ولأمره ﷺ المغيرة أن يتبعه بالماء، مع أنه لم يستنج به، وإنما توضأ به حين رجع. وفيه جواز الاستعانة، وغسل ما يصيب اليد من الأذى عند الاستجمار، وأنه لا يكفي إزالته بغير الماء، والاستعانة على إزالة الرائحة بالتراب، ونحوه، وقد يستنبط منه أن ما انتشر عن المعتاد لا يزال إلا بالماء، وفيه الانتفاع بجلود الميتة، إذا دبغت، والانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق نجاستها، لأنه ﷺ لبس الجبة الرومية، ولم يستفصل. واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات، كذا قال، وفيه الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق. وسيأتي حديث جوير البجلي في معنى ذلك، وفيه التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه، لكونه أعون على ذلك، وفيه المواظبة على سنن الوضوء حتى في السفر، وفيه قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو كانت امرأة، سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا؟ لأنه ﷺ قبل خبر الأعرابية كما تقدم. وفيه أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجزئ لإخراجه ﷺ يديه من تحت الجبة، ولم يكتف فيما بقي منها بالمسح عليه، وقد يستدل به على من ذهب إلى وجوب تعميم مسح الرأس لكونه كمل

стр. 1029

بالمسح على العمامة، ولم يكتف بالمسح على ما بقي من ذراعيه اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٦٨. قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر بل هو ظاهر لمن يستدل به على وجوب التعميم، غايته أنه عمم الرأس حيث كمَّل على العمامة، والحاصل أن التعميم واجب ولكن لا يجب على الشعر فقط، بل على الرأس، وما عليه من العمامة ونحوها، وسيأتي تحقيق المسألة في "باب مسح الرأس" إن شاء الله تعالى. وفيه مشروعية خدمة من يستحق الخدمة، واقتداء الفاضل بالمفضول وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته، وبيان حال المسبوق، وأنه يصلي مع الإمام ما أدركه، ثم يصلي ما بقي عليه بعد سلام الإمام، ولا يسقط ذلك عنه، وطلب اتباع المسبوق للإمام في ركوعه وسجوده وجلوسه، وإن لم يكن موضع جلوس للمأموم، وأن المأموم إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت حيث إنهم فعلوها في أول الوقت، ولم ينتظروا رسول الله ﷺ ، ومَدَحَهم على ذلك، وأن من بادر إلى الطاعة يُشكر، وأنه يُطلب من الجماعة أن يقدموا أحدهم يصلي بهم إذا تأخر الإمام الراتب عن أول الوقت. وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁، حيث قدموه للصلاة بهم. قاله في المنهل جـ ٢/ ص ١٠٧. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 1030

٦٧ - كَمْ تُغْسَلَانِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل عن الكفين كم تغسلان؟ أي كم مرة تغسلان؟ واستدل المصنف بحديث الباب على أنهما يغسلان ثلاثا، ولكن فيه نظر لما يأتي إن شاء الله، واستدل غيره بحديث أبي هريرة "إذا استيقظ أحدكم" الذي مر في أول الكتاب وهو أولى. ٨٣ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْسٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَوْكَفَ ثَلَاثًا. رجال الإسناد: خمسة ١ - (حُمَيد بن مَسْعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة، مات سنة ٢٤٤، وقد تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (سفيان بن حَبيب) البزاز أبو محمَّد البصري، عن سليمان التيمي، وحبيب بن الشهيد، وعنه حميد بن مسعدة، والحسن بن عرفة، ونصر بن علي. وثقه أبو حاتم والنسائي، قال أبو بشر الدولابي: مات سنة ١٨٢ أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والأربعة، وفي "ت" ثقة من التاسعة. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري ثقة حجة [٧] تقدم في

стр. 1031

٢٤/ ٢٦. ٤ - (النعمان بن سالم) الطائفي، روى عن جدته، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن أبي أوس، وعمرو بن أوس، وابن الزبير، وابن عمر، ويعقوب بن عاصم، وعنه داود بن أبي هند، وحاتم بن أبي صغيرة، وسماك بن حرب، وشعبة، وعامر الأحول، والحكم بن عبد الملك، قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال اللالكائي: جعل البخاري الذي روى عن ابن عمر، غير الذي روى عن عمرو بن أوس. قال الحافظ: والأمر كذلك في تاريخ البخاري الكبير، فكأن المزي ما راجع التاريخ، وكذا يصنع ابن حبان في الثقات، فذكر صاحب الترجمة في أتباع التابعين، وذكر الذي روى عن ابن عمر، وعنه شعبة في طبقة التابعين، وقال وكيع عن شعبة: ثنا النعمان بن سالم، وكان ثقة، أخرج له مسلم والأربعة اهـ تهذيب التهذيب، وفي "ت" ثقة من الرابعة. ٥ - (ابن أوس بن أبي أوس، عن جده) هكذا في بعض النسخ، ابن أوس بن أبي أوس عن جده، وفي بعضها عن ابن أبي أوس، عن جده، وفي تحفة الأشراف: عن ابن ابن أبي أوس، عن جده، وعند البيهقي في السنن الكبرى بسنده إلى آدم بن أبي إياس ثنا شعبة، ثنا النعمان، يعني ابن سالم، قال: سمعت ابن عمرو بن أوس، يحدث عن جده أوس بن أويس، قال: رأيت رسول الله ﷺ "توضأ فاستوكف ثلاثا" قال: شعبة: فقلت للنعمان: وما استوكف؟ قال: غسل كفه ثلاثا، وقد أقام آدم بن أبي إياس إسناده، واختلف فيه على شعبة اهـ جـ ١/ ص ٤٦.

стр. 1032

وقال المزي في تحفة الأشراف جـ ٢/ ص ٤٥٧: ما نصه: حديث "رأيت رسول الله ﷺ استوكف ثلاثا" أخرجه النسائي في الطهارة عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن أبي أوس عن جده به. رواه محمَّد بن يونس الكديمي، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة، عن النعمان بن سالم قال: سمعت رجلا يقال له: عبد الرحمن، جده أوس، عن أبيه، عن جده، ولم يتابع على قوله: عن أبيه، فإنه محفوظ عن شعبة عن النعمان عن ابن عمرو بن أوس، عن جده أوس اهـ قال الجامع عفا الله عنه: قد وقع اختلاف في هذا الإسناد، على شعبة فرواه محمَّد بن جعفر، غندر، ويزيد بن هارون عنه، عن النعمان بن سالم، عن ابن أبي أوس عن جده أوس كما عند أحمد جـ ٤/ ص ٩ و ١٠ ووافقهم وكيع كما في المسند أيضا جـ ٤/ ص ٥٨، فهؤلاء ثلاثة: غندر، ويزيد، ووكيع، قالوا: ابن أبي أوس، عن جده أوس، ورواه علي بن حفص المدائني، وحسين بن محمَّد بن بهرام، عنه، عن النعمان، قال: سمعت عمرو بن أوس يحدث، عن جده أوس بن أبي أوس، كما عند أحمد جـ ٤/ ص ١٠، وتابعهما عاصم بن علي بن عاصم، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال عمرو بن أوس، عن جده عن النبي ﷺ .. كما عند الطبراني في المعجم الكبير رقم (٦٠٢) إلا أنه قال عمر بدل عمرو، ولعله من تحريف النساخ. فهؤلاء ثلاثة: علي بن حفص، وحسين بن محمَّد، وعاصم بن علي، قالوا: عمرو بن أوس عن جده. ورواه هاشم بن القاسم: أنا شعبة، أخبرنا النعمان بن سالم، قال:

стр. 1033

سمعت ابن عمرو بن أوس يحدث عن جده، أوس بن أبي أوس أنه رأى .. كما عند الدارمي جـ ١/ ص ١٨٧ - ١٨٨ رقم ٦٩٢. وتابعه آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، ثنا النعمان يعني ابن سالم قال: سمعت ابن عمرو بن أوس يحدث عن جده أوس بن أويس كما عند البيهقي جـ ١/ ص ٤٦. فهذان اثنان، هاشم وآدم، قالا: ابن عمرو بن أوس عن جده. ورواه سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن أوس بن أبي أوس، عن جده قال: رأيت … كما عند المصنف هنا. وتابعه أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن أوس، عن جده قال: رأيت … كما في ص ١٥١. فهذان اثنان سفيان، وأبو داود الطيالسي، قالا: عن ابن أوس عن جده، إلا أن سفيان نسبه فقال: ابن أبي أوس. والحاصل أن هذا السند مضطرب اضطرابا شديدا يحتاج إلى بحث شديد والله أعلم. ٦ - (أوس بن أبي أوس) حذيفة والد عمرو بن أوس الثقفي، روى عن النبي ﷺ ، وعن علي بن أبي طالب، وعنه ابنه عمرو، وابن ابنه عثمان بن عبد الله، والنعمان بن سالم، وجماعة. قال الحافظ: قال أحمد في مسنده: أوس بن أبي أوس الثقفي، هو أوس بن حذيفة. وقال البخاري في تاريخه: أوس بن حذيفة والد عمرو بن أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس، وكذا قال ابن حبان في الصحابة، وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة: اختلف المتقدمون في أوس هذا فمنهم من قال: أوس بن حذيفة، ومنهم من

стр. 1034

قال: أوس بن أبي أوس، وكنى أباه، ومنهم من قال أوس بن أوس، وأما أوس بن أوس الثقفي، وقيل: أوس بن أبي أوس، فروى عنه الشاميون. قال: وتوفي أوس بن حذيفة سنة ٥٩، وروينا في جزء أبي بكر بن محمَّد بن العباس بن نجيح ما يدل على أن كنية هذا أبو إياس. اهـ تهذيب التهذيب. وفي الإصابة: أوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة بن عميرة بن عوف، وقيل: إن حذيفة هو ابن أبي عمرو بن عمرو بن عوف بن وهب ابن عامر بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم الثقفي، وهو أوس بن أبي أوس. وروى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصح من طريقه أحاديث، إلى آخر ما تقدم في التهذيب، جـ ١/ ص ٩٤. لطائف الإسناد أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا حميد بن مسعدة فصدوق، وابن أوس فما تَبَيَّن لي من هو؟ لما تقدم من الاضطرابات، وهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وطائفيين، وهم الباقون، إن كان ابن أوس هو عمرا. شرح الحديث (قال: رأيت رسول الله ﷺ استوكف ثلاثا) قال في اللسان: قال غير واحد: معناه أنه غسل يديه ثلاثا، وبالغ في صب الماء على يديه، حتى وكف الماء من يديه: أي قطر اهـ. وقال في النهاية: أي استقطر الماء، وصبه على يديه ثلاث مرات،

стр. 1035

وبالغ حتى وكف منها الماء. اهـ، وقد تقدم سؤال شعبة للنعمان عن معناه وتفسيره له في رواية البيهقي. وقال السندي: هو من وكف البيت والدمع، إذا تقاطر، فلا دلالة للفظ على تخصيص اليدين، فكأنهم أخذوا ذلك من بعض الأمارات جـ ١/ ص ٦٤. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر سؤال شعبة، وجواب النعمان له: ما نصه: قلت: هذا الكلام يوهم أن استوكف مشتق من الكف وليس كذلك، بل هو مشتق من وكف البيت إذا قطر، فالصواب في الحديث ما قال بعض العلماء: إن معنى استوكف استقطر الماء، يعني توضأ ثلاثا، وبالغ في صب الماء حتى وكف، فليس بمختص بغسل اليدين، وبهذا يظهر أن هذا الحديث غير مختص بهذا الباب اهـ جـ ١/ ص ٤٦. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: قال الشوكاني: الحديث عند النسائي رجاله ثقات إلا حميد بن مسعدة فهو صدوق اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٦، وكذا صححه الألباني في صحيح النسائي، قلت: لكن فيه نظر للاضطراب المتقدم. المسألة الثانية: فيمن أخرجه: هو من أفراد المصنف ﵀ ذكره في هذا الموضع، ٨٣، وفي الكبرى، ٨٧، بهذا السند. المسألة الثالثة: استدل به المصنف على غسل اليدين ثلاث مرات، وقد علمت ما فيه، وقد استدل غيره على ذلك بحديث أبي هريرة الذي مر في أول الكتاب "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" وقد

стр. 1036

تقدم الكلام عليه في أوائل هذا الشرح. وقال الشوكاني: وهذا الحديث -يعني حديث أوس- معناه في الصحيحين من حديث عثمان بلفظ "فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما، وقال في آخره "رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا". وأخرج أبو داود من حديث عثمان أيضا بلفظ "أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما إلى الكوعين وثبت نحوه أيضا من حديث علي، وعبد الله بن زيد، عند أهل السنن اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٦ - ٢٠٧. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأحاديث المروية عن عثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد تأتي قريبًا للمصنف إن شاء الله تعالى، وكلها نص في الموضوع إلا حديث عبد الله، فإن فيه: فغسل يديه مرتين، فكان الأولى للمصنف أن يستدل بها في هذا الباب، والله أعلم. المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم هذه المسألة: قال العلامة الشوكاني ﵀: ذهب الحنفية، والشافعية، والهادي في أحد قوليه، والمؤيد بالله، وأبو طالب، والمنصور بالله إلى أن غسل اليدين إلى الكوعين قبل الوضوء سنة، ولا يجب لحديث "توضأ كما أمرك الله" ولم يذكر فيه غسل اليدين، وقال القاسم، وهو أحد قولي الهادي، وابنه أحمد بن يحيى: إنه واجب لخبر الاستيقاظ. وأجيب بأنه لا يدل على الوجوب، لقوله فيه "فإنه لا يدري أين باتت يده". قال الشوكاني: وليعلم أن محل النزاع غسلهما قبل الوضوء،

стр. 1037

وحديث الاستيقاظ الغسل فيه، لا للوضوء، فلا دلالة له على المطلوب، ومجرد الأفعال لا تدل على الوجوب اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٧. قال الجامع: وقد استوفيت الكلام على حديث الاستيقاظ في أوائل هذا الشرح. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 1038

٦٨ - الْمَضْمَضَة وَالاِسْتِنْشَاقُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المضمضة، والاستنشاق في الوضوء. والمضمضة: تحريك الماء في الفم. قال في اللسان: ومَضْمَضَ إناءه أي بالضاد المعجمة ومَصْمَصَه أي بالصاد المهملة: إذا حركه، وقيل: إذا غسله، وتمضمض في وضوئه، والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ومضمض الماء في فيه حركه، وتمضمض به، اهـ. وفي المصباح: ومضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، قال الفارابي: والمضمضة صوت الحية ونحوها، ويقال هو تحريكها لسانها اهـ. والاستنشاق: جعل الماء في الأنف، وجذبه بالنَّفَس لينزل ما في الأنف، من استنشقتُ الريحَ شَمَمْتُها، فكأن الماء مجعول للاشتمام مجازا، والفقهاء يقولون: استنشقت بالماء بزيادة الباء. أفاده في المصباح. وفي اللسان: النَّشْق: صَبُّ سَعُوط في الأنف، قال ابن سيدَهْ: النَّشُوق، سَعُوط يُجعَل أو يصب في المنخرين، تقول: أنشقته إنشاقا، وفي الحديث "أنه كان يستنشق في وضوئه ثلاثا في كل مرة يستنثر أي يبلغ الماء خياشيمه، وهو من استنشاق الريح: إذا شممتها مع قوة اهـ. ٨٤ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ

стр. 1039

الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، راوية ابن المبارك ثقة [١٠] تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت [٧] تقدم في ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، أبو بكر

стр. 1040

المدني ثقة حجة [٤] تقدم في ١/ ١. ٥ - (عطاء بن يزيد الليثي) الجُندَعي -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال- أبو محمَّد المدني، نزيل الشام، عن تميم الداري، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وعنه أبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، والزهري، وثقه النسائي قال عمرو بن علي: مات سنة ١٠٥، وقال ابن سعد سنة، ٩، وقد جاوز، ٨٠ سنة أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة من الثالثة. ٦ - (حُمران بن أبان) مولى عثمان كان من النمر بن قاسط سبي بعين التمر، فابتاعه عثمان من المُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه. أدرك أبا بكر، وعمر، وروى عن عثمان، ومعاوية، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صخرة جامع بن شداد، وعروة ابن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيمي، وعطاء بن يزيد الليثي، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجلي، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حمران من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: نزل البصرة وادعى ولده في النمر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه، وحكى قتادة أنه كان يصلي الصبح مع عثمان، فإذا أخطأ فتح عليه، وحكى الليث بن سعد أن عثمان أسرَّ إليه سرًّا، فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبر به، فغضب عليه عثمان ونفاه، وذكره في تسمية عمال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة ٧٥. قال الحافظ: أورد ابن عبد البر نسبه إلى النمر بن قاسط، في ترجمة هشام بن عروة من التمهيد، وقال: إنه ابن عم صهيب بن سنان، يلتقي

стр. 1041

معه في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأي والشرف، وروينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسْوَر أن عثمان، مرض فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطلع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمرانُ عبدَ الرحمن على ذلك، فبلغ عثمان فغضب عليه فنفاه، وذكره ابن حبان في الثقات، وأرخ ابن قانع وفاته سنة ٧٦، وابن جرير الطبري سنة، ٧١، أخرج له الجماعة اهـ تهذيب التهذيب، وفي "ت" ثقة من الثانية. ٧ - (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني ذو النورين، وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة، وأحد العشرة، وأحد الستة، هاجر الهجرتين، له مائة وستة وأربعون حديثا، اتفقا على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. وعنه أبناؤه: أبان، وسعيد، وعمرو، وأنس، ومروان بن الحكم، وخلق. غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي ﷺ ، فضرب له النبي ﷺ بسهم، قال ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيى الليل كله بركعة، قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين، قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، ﵁، روى له الجماعة. لطائف الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين مروزين وهما شيخه، وعبد الله، ويمني وهو معمر، ومدنيين، وهم

стр. 1042

الباقون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم من بعض، الزهري، وعطاء، وحمران، وهي من رواية الأقران، وفيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول. شرح الحديث (عن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم غير منصرف للعلمية وزيادة الألف والنون (بن أبان) اختلفوا في صرفه وعدمه، والجمهور على صرفه، فمن صرفه جعل الهمزة أصلية فوزنه فَعَال، ومن منعه جعلها زائدة فوزنه أفعل، أفاده النووي. وفي المصباح: هو في تقدير أفعل لكنه أعل بالنقل، ولم يعتد بالعارض، فلا ينصرف، وبعض العرب يعتد بالعارض، فيصرفه، لأنه لم يبق فيه إلا العلمية، ومنهم من يقول وزنه فعال فيكون مصروفا على قولهم اهـ باختصار. أنه (قال: رأيت عثمان بن عفان) ﵁ (توضأ) جملة حالية بتقدير "قد" عند البصريين، كما في قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: آية ٩٠] ولفظة "رأيت" بمعنى أبصرت فلذلك اكتفت بمفعول واحد، وهو عثمان (فأفرغ) أي الماء، والفاء فيه فاء التفسير والتفصيل، فإن قوله "توضأ" مجمل فصله بقوله "فأفرغ" (على يديه) أي كفيه، كما في رواية البخاري "فأفرغ على كفيه"، ويؤخذ منه الإفراغ عليهما معا، وفي رواية "أفرغ بيده اليمنى على اليسرى" قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٥ (ثلاثا) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي إفراغا ثلاثا قاله العيني (فغسلهما) أي يديه معا على ما هو الظاهر. ويحتمل أنه غسل كل واحدة منهما على حدة، قال ابن دقيق العيد: قوله "غسلهما" قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرقتين،

стр. 1043

والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل، قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٥. (ثم تمضمض) تقدم الكلام عليه في أول الباب، وقال في الفتح: أصل المضمضة في اللغة التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره، ثم يمجه، انتهي. وقال في المنهل: والمبالغة فيه سنة، وأقلها أن يجعل الماء في فمه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور. وقال النووي: قال جماعة من أصحابنا تشترط إدارته، قال ابن دقيق العيد: قال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يمجه، فأدخل المج في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة، وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئين أعني الجعل والمجّ، ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه بنفسه، لينزل ما فيه من الأوساخ، وليس في هذه الرواية ذكر العدد، وثبتت في رواية أبي داود وغيره. وقال العيني: وليس في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة، والاستنشاق بعدد غير طريق يونس، عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان ﵁، فإن في إحداهما، فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وفي الآخر "ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا اهـ جـ ٢/ ص ٣٠٠. (ثم غسل وجهه ثلاثا) عطف بكلمة "ثم"، لأنها تقتضي الترتيب والمهلة، قاله العيني. وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولا،

стр. 1044

ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا، وغسلُهُ فرض بالنص بلا خلاف، والتثليث قام الإجماع على سنيته. والحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة، والاستنشاق اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم اللون، قاله اليدر العيني. (ثم غسل يديه) وتقدم وجه العطف بثم، واليدين تثينة يد، قال في المصباح: واليد مؤنثة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، ولامها محذوفة، وهي ياء، والأصل يدي، قيل: بفتح الدال، وقيل: بسكونها اهـ لكن سقط ما وراء المرفق بالنص، وقوله (اليمنى) بدل تفصيل من يديه، مؤنث اليمين ضد اليسار، وأنثه لأن اليد مؤنثة (إلى المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء، وعكسه لغتان، وهو موصل الذراع بالعضد. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص، والجمهور على "وجوب غسل المرفق، وخالف في ذلك زفر من الحنفية، وداود الظاهري، ويأتي تحقيق المسألة في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى (ثلاثا) أي غسلا ثلاثا (ثم اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم مسح برأسه) بزيادة الباء، وفي رواية للبخاري "رأسه" بلا باء، وهي رواية أبي داود. قال القرطبي: الباء للتعدية يجوز حذفها، وإثباتها، وقال في الفتح: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال "وامسحوا رؤسكم" لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤسكم الماء فهو على القلب، والتقدير امسحوا رؤسكم بالماء اهـ.

стр. 1045

والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، قال في المصباح: مسحتُ الشيء بالماء مسحا: أمررت اليد عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلا يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتها، وتمسحت بالماء إذا اغتسلت، فالمسح مشترك بين معنيين. اهـ بحذف. ثم إن ظاهر الحديث: يدل على أنه مسح جميع الرأس، لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله تعالى. (ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا) والقدم مؤنثة، لذا أنث اليمنى، وتصغر على قُدَيمة وجمعها أقْدَام مثل سَبَب وأسباب، أفاده في المصباح. قال ابن دقيق العيد: قوله: "ثلاثا"، يدل على استحباب التكرار في غسل الرجل ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في الروايات "فغسل رجليه، حتى أنقاهما" ولم يذكر عددا، فاستدل به لهذا المذهب، وأكد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ والأدْرَان، فيُحَال الأمر فيه على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التي فيها ذكر العدد زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين، والمعنى المذكور لا ينافي اعتبار العدد، فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام الأحكام جـ ١ ص ١٨٣ - ١٨٤. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد أخيرا نهاية التحقيق، والقول المخالف له بعيد عن الصواب سَحيق، والله أعلم. (ثم) غسل قدمه (اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم قال) عثمان

стр. 1046

رضي الله عنه (رأيت رسول الله ﷺ توضأ) جملة حالية، لأن "رأى" بصرية كما مر (نحو وضوئي) أي مثله في الكيفيات المذكورة (ثم قال) ﷺ (من توضأ نحو وضوئي هذا) قال النووي: إنما قال "نحو وضوئي" ولم يقل مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، ورده العيني بأنه جاء في رواية البخاري في الرقاق "من توضأ مثل هذا الوضوء" وجاء في رواية مسلم أيضا "من توضأ مثل وضوئي هذا" وكل واحد من لفظ "نحو" ومثل من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له، سواء قال نحو وضوئي هذا، أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره. وقال الحافظ بعد ذكر الروايات التي فيها مثل: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرا لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٣. لكن رد عليه العيني قوله من تصرفات الروات، لأنه تطلق على المثلية مجازا، أنه ليس بشيء لأنه ثبت في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل، يقال: هذا نحو ذاك: أي مثله اهـ. وقال في المنهل: والفرق بين مثل، وبين نحو، أن مثل يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة، ونحو لا تقتضي ذلك اهـ. (ثم صلى ركعتين) وهما مستحبتان، وقالت الشافعية: هذه الصلاة سنة مؤكدة، قاله في المنهل (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) جملة في محل نصب صفة لركعتين، أي لا يحدث فيهما بشيء من أمور الدنيا، لما ثبت في الترمذي الحكيم "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا"، وأما ما يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة كالتدبر في معاني الآيات المتلوة،

стр. 1047

والتسابيح، فلابد منه، لأن به تمام الخشوع والثواب، وكذا ما لا يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة، لما رُوي عن عمر أنه قال: "إني أجَهِّزُ الجيشَ، وأنا في الصلاة". ولو عرض له حديث، فأعرض عنه، فبمجرد إعراضه عفي عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تَعرض، ولا تستقر، لما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" اهـ المنهل. وقال الحافظ: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن قطعه، لأن قوله "يحدث" يقتضي تكسبا منه، فأما ما يَهجُم من الخَطَرات، والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه. ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا، ورأسا، ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ "لم يُسرَّ فيهما". ورده النووي فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب. ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطقا، ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا" وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنف لابن أبي شيبة. ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات تلك الصلاة فلا. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٣. وقال ابن دقيق العيد: الخواطر والوساوس الواردة على النفس قسمان:

стр. 1048

أحدهما: ما يَهْجُم هَجْما يتعذر دفعه عن النفس. والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكنه قطعه ودفعه، فيمكن حمل الحديث على هذا، دون الأول، لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة "يحدث نفسه" فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا لهذا الحديث، ويمكن أن يُحمَل على النوعين معا، لأن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لابد أن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول، أعني الوصف المترتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة. وحديث النفس يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا، والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا، إذ لابد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق من أمر الآخرة كل أمر محمود، أو مندوب إليه فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة فإدخاله فيها أجنبي عنها، اهـ كلام ابن دقيق العيد، إحكام جـ ١ ص ١٨٩ - ١٩٢. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ، وابن دقيق العيد من أن أمور الآخرة التي لا تعلق لها بالصلاة غير داخلة فيما يستثنى من حديث النفس، بل المغتفر ما يتعلق بالصلاة فقط، فيه نظر لما تقدم من تقييد حديث النفس بأمور الدنيا في حديث الترمذي الحكيم، فتبصر. والله أعلم.

стр. 1049

(غفر له) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (ما تقدم من ذنبه) والجملة خبر "مَنْ" الموصولة في قوله "من توضأ" قاله العيني. والذنب: الإثم، فإن تُوُعِّد عليه كان كبيرا، وإلا فصغيرا، قاله في المنهل. ثم ظاهر الحديث يعم غفران الصغائر والكبائر، لكن خصه العلماء بالصغائر لما في بعض الأحاديث من التقييد بها. ففي صحيح مسلم عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" فهذا صريح في الذُّنُوب الصغائر، وحديث الباب مطلق، فحملوا المطلق على المقيد. قال الحافظ في الفتح: هو في حق من له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا الصغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك اهـ ومثله لابن دقيق العيد، فإن قيل: إذا كان الوضوء وحده مكفرًا للصغائر كما في حديث عثمان الآخر الذي فيه "خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" فما الذي يكفره الوضوء مع صلاة النافلة، كما في حديث الباب، وإذا كانت هذه مكفرة أيضا، فما الذي تكفره المكتوبات؟ أجيب بأن جميع ما ذكر صالح للتكفير فإن صادف شيء منها شيئا من الذنوب المذكورة كفره، وإلا كفر بقدرها من الكبائر، فإن لم يوجد شيء من الصغائر ولا من الكبائر زيد في حسناته كما تقدم اهـ المنهل جـ ٢/ ص ١٥.

стр. 1050

مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. الثانية: في ذكر مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان. وفي الباب ٩٤ عن أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري به، وفي ٩٦ عن أحمد بن محمَّد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الطهارة الباب ٢٥ عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد،، وفي ٢٩ عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي الصوم الباب ٢٧ عن عبدان عن ابن المبارك، عن معمر. وأخرجه مسلم في الطهارة الباب ٣ الحديث ١ عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب، عن يونس و ٣/ ٢ عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه أربعتهم عن الزهري عنه به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر به، قاله في تحفة الأشراف. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي. المسألة الرابعة: هكذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء اشتمل على مسائل كثيرة نلخصها فيما يأتي:

стр. 1051

فمنها: قوله "فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما" يدل على مشروعية غسل الكفين، أوَّلًا قبل إدخالهما الإناء، ولو لم يكن عَقِبَ النوم، وهذا مستحب بلا خلاف، وقد استوفينا الكلام على هذه المسألة في أول هذا الشرح عند الكلام على الحديث الأول، فلنكمل ما تبقَّى، فنقول: المسألة الخامسة: (قوله: ثم تمضمض واستنشق) فيه دلالة على مشروعية المضمضة والاستنشاق، وقد اختلف العلماء في حكمها على مذاهب: أحدها: أنهما واجبتان في الوضوء والغسل وهو مذهب أحمد في المشهور، وإسحاق، وأبي (١) عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والهادي، والقاسم، والمؤيد بالله. قال أبو محمَّد بن حزم في المحلى: وممن صح عنهم الأمر بذلك جماعة من السلف روينا عن علي بن أبي طالب: "إذا توضأت فانثر فأذهب ما في المنخرين من الخبث"، وعن شعبة قال حماد بن أبي سليمان فيمن نسي أن يمضمض ويستنشق قال: يستقبل، وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن صلى وقد نسي أن يمضمض ويستنشق قال: أحب إلى أن يعيد، يعني الصلاة، وعن وكيع، عن سفيان الثوري، عن مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى قالا جميعا: إذا نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعنون الصلاة، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعني الصلاة اهـ المحلى جـ ١/ ص ٥١. الثاني: واجبتان في الغسل، دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وزيد بن علي.

стр. 1052

الثالث: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول. الرابع: أنهما سنتان فيهما، وهو مذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى ابن سعيد، وقتادة، والحكم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر من أهل البيت. واحتج من قال بالوجوب فيهما بأدلة: منها: أن النبي ﷺ -كان يفعلهما وفعله بيان للطهارة المأمور بها، قاله في المجموع. ومنها: حديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر". ومنها: حديث سلمة بن قيس عند الترمذي، والنسائي بلفظ "إذا توضأت فانتثر". ومنها: ما أخرجه أحمد، ومالك، والشافعي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وأهل السنن الأربع من حديث لقيط بن صبرة في حديث طويل، وفيه "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" وفي رواية من هذا الحديث "إذا توضأت فمضمض" أخرجهما أبو داود وغيره. قال الحافظ في الفتح: إن إسنادها صحيح، وقد رَدَّ الحافظ أيضا في التلخيص ما أُعِلُّ به حديثُ لقيط من أنه لم يروه عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء لأنه روي عنه، وعن

стр. 1053

غيره، وصححه الترمذي، والبغوي، وابن القطان، وقال النووي: هو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة. ومنها: حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قال: "أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق" رواه الدارقطني، وقال: لم يسنده عن حماد غير هدبة وداود بن المحبر، وغيرهما يرويه عن عمار عن النبي ﷺ ، لا يذكر أبا هريرة،. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مُخَرَّجٌ عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه، وما ينفرد به، انتهى، وقال الشوكاني في النيل: وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن اهـ. ومنها: ما قدمناه عن المجموع أنهما من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بهما، قالوا: وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأي باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار، لكن يعضد دعوى دخولهما في الوجه أنه لا موجب للتخصيص بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها. فإن قلت: قد أطلق على خرق الفم،، والأنف اسم خاص، فليسا في لغة العرب وجها، قلت: كذلك أطلق على الخدين، والجبهة، وظاهر الأنف والحاجبين، وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة، فلا تسمى وجها، وهذا في غاية السقوط، لاستلزامه عدم غسل الوجه. فإن قلت: يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين، قلت: يلزم ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بَيَّنَ لنا رسول الله ﷺ ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق، ولم يحفظ

стр. 1054

أنه أخلَّ بهما مرة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدي، ولم ينقل عنه غسل باطن العين مرة واحدة، على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر، والمؤيد بالله، وروي في البحر عن الناصر والشافعي أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية اهـ نيل بتصرف. واحتج من قال بوجوبهما في الغسل دون الوضوء: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: آية ٦] فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصاله إليه بخلاف الوضوء، فإن الواجب فيه غسل الوجه، وهو ما تقع به المواجهة وهي فيهما منعدمة. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جُنُب نسي المضمضة والاستنشاق، قالت: قال ابن عباس: يمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. ورواه عنها من عدة طرق، وقال: عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما، فإن ما احتجوا به من الآية مجمل بُيِّنَ بنحو حديث أبي ذر الآتي، وفيه "إذا وجد الماء فليمسه بشرته" والبشرة ظاهر الجلد، فلا تشمل داخل الفم والأنف. واحتجوا أيضا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث "عشر من سنن المرسلين" وقد رده الحافظ في التلخيص، وقال: إنه لم يرد بلفظ "عشر من السنن" بل بلفظ من الفطرة، ولو ورد لم ينتهض دليلا على الوجوب لأن المراد به السنة: أي الطريقة، لا السنة بمعناها الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ "المضمضة والاستنشاق سنة" رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف. وبحديث "توضأ كما أمرك الله" وليس في القرآن ذكر المضمضة

стр. 1055

والاستنشاق. ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بهما، وبأن وجوبهما ثبت بأمر رسول الله ﷺ ، والأمر منه أمر من الله بدليل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: آية ٧] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: آية ٣١]. قال الشوكاني: ويمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط كما وقع لابن دقيق العيد، وغيره، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو "فاغسل وجهك، ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك" فيصير نصا على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء، لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره ﷺ بالمضمضة داخلا تحت قوله للأعرابي "كما أمرك الله" فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله ﷺ بهما، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلا، لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه، وهذا خرق للإجماع، واطِّرَاح لأكثر الأحكام الشرعية، اهـ ما قاله الشوكاني. واحتج من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر" وبما رواه الدارقطني عن ابن سيرين قال: "أمر رسول الله ﷺ بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا" وقالوا: إن المضمضة ثابتة بفعله ﷺ لا بأمره، بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما، وفعله لا يفيد الوجوب، وفي قولهم هذا نظر، فقد روى الدارقطني عن عائشة، وسليمان بن موسى، قالا: قال رسول الله ﷺ "من توضأ فليتمضمض وليستنشق" فلا وجه للتفرقة، قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٦.
следующие страницы →